دراسة مفهوم الضرر والضرار (برؤية تحليلية لآراء آية الله السيد أحمد المددي الموسوي)

المستخلص

تُعدّ قاعدة «لا ضرر» من القواعد الفقهية كثيرة الاستعمال في الفقه الإسلامي والإمامي. ويشهد شيوع تدوين الرسائل المستقلة (التك نگاري) في هذا الموضوع خلال القرون الأخيرة على أهمية هذه القاعدة في الفقه الإمامي. ومن المسائل الأساسية في الفهم الفقهي لهذه القاعدة، معرفة مفاد مادة «ض ر ر» وكلمتي «الضرر» و«الضرار»، التي أصبحت موضع جدل بين الفقهاء واللغويين. إن مفاد مادة «ض ر ر» هو «النقص» أو «سوء الحال» أو كلاهما معاً؛ ولكن في كلمتي «الضرر» و«الضرار»، لم يؤخذ إلا عنصر «النقص». استناداً إلى هذا التحقيق، فإن كلمة «الضرر» هي اسم مصدر من باب «التفعّل» وتعني «حالة التضرر»، وهو مفهوم غير قابل للاشتقاق. ولهذا، عند اشتقاق المعاني منه، يُستعان تارةً بالمعاني الاسمية، وتارةً بهيئات مثل هيئة باب «المفاعلة». من بين النظريات المطروحة حول مفاد باب «المفاعلة»، تعدّ نظرية المحقق الأصفهاني القائمة على أخذ عنصر «التصدي»، وكذلك نظرية استعماله لإفادة المعاني غير القابلة للاشتقاق، وهي النظرية الإبداعية للأستاذ المددي، أقرب إلى الصحة. وبناءً على دلالة باب «المفاعلة» على عنصر التصدي، فإن دلالته على المشاركة وإتمام الأفعال بين الطرفين هي دلالة سياقية وليست لفظية.

طرح المسألة

قاعدة «لا ضرر» من القواعد كثيرة الاستعمال في الفقه الإسلامي، وقد أولاها الفقهاء المسلمون اهتماماً منذ البداية. ويشير شيوع سُنّة تدوين الرسائل المستقلة حول هذه القاعدة في القرون الأخيرة إلى أهميتها في فقه الشيعة. ويبدو أن هذه السُنّة قد بدأت لأول مرة في القرن الثاني عشر بين علماء الشيعة. ووفقاً للبحث الأولي، فإن أول رسالة مستقلة في موضوع هذه القاعدة هي كتاب للشيخ عبد الله السماهيجي (ت ١١٣٥هـ) بعنوان «السلمانية في مسألة لا ضرر ولا ضرار» (الكَنْتُوري، ١٤٠٩هـ، ص ٣١٢). وللشيخ الأنصاري (ت ١٢٨١هـ) أيضاً رسالة في هذا الباب (آقا بزرگ، ١٤٠٣هـ، ج ١٧، ص ١١)، وقد كتب عليها الشيخ عبد الله المامقاني (ت ١٣٥١هـ) حواشي طُبعت ضمن كتابه «نهاية المقال» (المامقاني، ١٣٥٠هـ).

تُظهر بيانات المصادر الفهرسية والببليوغرافية أن سُنّة تأليف هذه الرسائل المستقلة قد تسارعت في القرن الرابع عشر (راجع: آقا بزرگ، ١٤٠٣هـ، ج ١، ص ٤٩٢، ج ١٧، ص ١٠-١٢ و ج ١٨، ص ٣٨؛ مجمع الفكر الإسلامي، ١٤٢٨هـ، ج ٨، ص ٢٧٠ و ٢٧٨؛ مشار، ١٣٤٤ش، ص ٩٤٨). إن زيادة عدد الرسائل المستقلة في هذا الباب تدل على اهتمام أكبر من قبل فقهاء وأصوليي المتأخرين بهذه القاعدة، وهو بحد ذاته نتيجة لاتساع نطاق تطبيقها في الفقه وكاشف عن أهميتها. وفي هذا السياق، توجد رسائل مستقلة جعلت دراسة نسبة هذه القاعدة إلى القواعد الفقهية الأخرى محور اهتمامها؛ ومنها رسالة حول تعارض قاعدة «لا ضرر» مع قاعدة «الناس مسلطون على أموالهم» لعبد الجواد الفريزي البيرجندي (راجع: آقا بزرگ، ١٤٠٣هـ، ج ١١، ص ١٥٠).

ومن بين الآثار الأخرى التي نُشرت في القرن الأخير حول هذه القاعدة المهمة يمكن الإشارة إلى: رسالة في قاعدة لا ضرر لموسى الخوانساري النجفي (ت ١٣٦٣هـ) (الخوانساري النجفي، ١٣٧٣هـ)، تقريرات درس المحقق العراقي (ت ١٣٦١هـ) بقلم السيد مرتضى الموسوي الخلخالي (العراقي، ١٤١٨هـ)، تقريرات درس السيد محمد باقر الصدر (ت ١٤٠٠هـ) بقلم السيد كمال الحيدري (الصدر، ١٤٢٠هـ)، تقريرات درس آية الله السيد علي السيستاني بقلم ابنه، السيد محمد رضا السيستاني (السيستاني، ١٤١٤هـ). إن جهود فقهاء وأصوليي الإمامية حول هذه القاعدة أكثر من أن تُعرض في هذه الوجيزة، وقد انعكس جزء كبير منها في المصادر الأصولية وكذلك في الآثار التي جعلت القواعد الفقهية محور تحقيقها.

آية الله السيد أحمد المددي الموسوي، من أبرز تلاميذ آية الله السيستاني، قد تناول في السنوات الأخيرة في مباحث الخارج في الأصول هذه القاعدة الفقهية المهمة، وقد وفّق كاتب هذه السطور لحضور الدرس وتدوين مباحثه، ويأمل في إكمالها ونشرها في فرصة سانحة. عُرضت مباحثه في ثلاثة محاور: متن وسند الحديث في مصادر الفريقين، تبيين مفردات القاعدة، وتحديد نطاق دلالتها في الفقه، وما يُعرض هنا هو المحور الثاني من مباحثه التي تمت مراجعتها وتوثيقها (للاطلاع على تفصيل آراء الأستاذ حول المحورين الأول والثالث راجع: غفوري نژاد، ١٣٩٥ش، الفصل الأول والثالث).

ما هو مفاد مادة «ض ر ر» في اللغة العربية وما هي مكوناتها المفهومية؟ وما هو رأي اللغويين في هذا الشأن؟ وما هو تأثير تحديد مفاد هذه المادة في فهم قاعدة «لا ضرر»؟ هل كلمة «ضرر» من حيث الهيئة مصدر أم اسم مصدر؟ وهل هي اسم مصدر للفعل الثلاثي المجرد أم المزيد؟ وبناءً على كل احتمال، ما هو مفاد القاعدة؟ وما هي صيغة كلمة «ضرار» وما هو مفادها؟ هذه هي الأسئلة التي نسعى للإجابة عنها في هذا المقال ونحاول عرض آراء الأستاذ المددي في هذا الشأن بمنهج نقدي وتحليلي.

مدخل منهجي

لقد نبه الأستاذ المددي قبل الخوض في هذا البحث إلى نقاط ذات طابع منهجي يمكن تطبيقها في مواضع مشابهة. وهذه النقاط هي كالتالي:

١. يسعى معظم أهل اللغة إلى إيجاد موارد استعمال الكلمات، وبعضهم مثل الزمخشري في «أساس البلاغة» قد اهتم بتمييز المعاني الحقيقية للألفاظ عن معانيها المجازية. يجب أن نعلم أن لدراسة موارد الاستعمال دوراً أساسياً في العمل الاجتهادي في مجال اللغة. ومن وجهة نظر الأستاذ المددي، فإن أموراً مثل التبادر، وصحة السلب أو الحمل، وصحة الاستفهام، وصحة التقسيم، والاطراد والتنصيص، والتي تُعتبر في المصادر من علامات الحقيقة، كلها تعود إلى التبادر.

٢. يمكن تحليل المفردات كما الهيئات؛ فمثلاً مفهوم «الغَسل» يعني صب الماء على الأشياء؛ ولكن قد لا يصدق «الغَسل» في فرض صب الماء وعدم تنظيف الشيء. لذا، يمكن بالتحليل الذهني الادعاء بأن مفهوم «الإزالة» متضمن في مفهوم «الغَسل». فإذن، تحليل المفردات هو أحد طرق كشف المعنى.

٣. بعض المواد في اللغة العربية تُستعمل فقط في صيغ الماضي، المضارع، الأمر، الثلاثي المجرد أو المزيد. ومن شؤون اللغويين تحديد الأبواب التي تُستعمل فيها المواد. على سبيل المثال، مادة «ضرر» التي هي محل بحثنا في هذا المقال، لم تُستعمل في القرآن إلا في صيغ الثلاثي المجرد، وباب «المفاعلة»، و«الافتعال». وإذا كانت كلمة «ضرر» اسم مصدر من باب «التفعّل» بناءً على رأي الأستاذ المددي المختار الذي سنتناوله بالتفصيل في هذا المقال، فيمكن الادعاء بأن باب «التفعّل» لهذه المادة قد استُعمل في القرآن أيضاً.

٤. هناك رأي مفاده وجود علاقة ذاتية بين الأصوات والمعاني، وأن علاقة اللفظ بالمعنى لا تستند إلى «الوضع» بمعناه المعروف. هذا الرأي، خلافاً للمشهور، يعتبر الصوت أصلاً في اللغة بدلاً من الوضع. وقد طرح ابن جني هذه النظرية في «الخصائص» (ابن جني، ص ٨٣). وبناءً على ذلك، فإن أصواتاً معينة لها معانٍ خاصة بها، حتى وإن اختلفت في ترتيبها في الكلمة. وهكذا، في المواد الثلاثية، يمكن تصور ستة احتمالات. على سبيل المثال، يمكن ملاحظة حروف «ك ل م» في ست صور: «ملك، كلم، لكم، كمل، مكل، لمك»، فتجد أن لها معاني متشابهة ومتقاربة أحياناً. كما أن الحروف الثلاثة «ل م ع» هي صوت يُستفاد منه مفهوم الإضاءة، وقد صيغت منه مادتان هما «علم» و«لمع». وبالطبع، في المواد المضاعفة، لا يمكن تصور إلا صورتين؛ مثل «ضرر» و«رضر»، والثانية لم تُستعمل وهي مهملة.

نقطة أخرى هي أن الأصوات المتشابهة لها معانٍ متشابهة؛ مثلاً «الضَّر» و«الرَّض» مع أنهما من حيث الصوت لم يتكونا من حروف متطابقة ولهما فقط شبه ظاهري، إلا أن معناهما متشابه. «الضَّر»، كما سنقول، بمعنى «النقص»، و«الرَّض» بمعنى الدق الذي يُعد نوعاً من النقص في العضو المدقوق. كما أن «الضُّر» و«الضَّير» متشابهان ومعناهما واحد، وقد استُعملا في القرآن أيضاً (راجع: الشعراء، ٥٠).

الحاصل أنه بناءً على هذا المبدأ، في اللغة، بدلاً من البحث عن المعنى الموضوع له بالمعنى المتعارف عليه، يجب أن نبحث عن الأصوات المتشابهة ومعانيها، أو على الأقل أن نلتفت إليها. وابن فارس في «معجم مقاييس اللغة» هو من الذين اهتموا بهذا الأمر (ابن فارس، ١٤٠٤هـ).

الأستاذ المددي قد بحث بعض آرائه المنهجية، مثل النقطة الأولى، في مباحثه في خارج الأصول وبيّن أدلتها. وبعضها الآخر، مثل النقطتين الثانية والرابعة، يستند إلى ذوقه اللغوي واستظهاراته الشخصية، ولا يمكن توقع إقامة استدلال عليها.

دراسة مفهوم مادة «ض ر ر»

في البداية، سنجري دراسة حول مفاد مادة «ضرّ»، ثم ندرس هيئة «الضرر»، وبعد ذلك نتناول كلمة «الضرار».

لقد أورد شيخ الشريعة الأصفهاني شواهد من كتب اللغة مثل «نهاية ابن الأثير» تُظهر أن خبراء اللغة قد فهموا النهي من «حديث لا ضرر» (شيخ الشريعة، ١٤١٠هـ، ص ٢٧). وقد خصص آية الله السيستاني في كتابه عدة صفحات لبيان قيمة كتب اللغة والتعريف بها (السيستاني، ص ١٧٢-١٧٦)، وخاصة «لسان العرب»، حيث قال إن صاحب لسان العرب قد استعان بخمسة مصادر، وبهذا القدر لا يمكن اعتباره من خبراء فن اللغة (السيستاني، ١٧٣-١٧٤).

يجب أن نعلم أن طبيعة علم اللغة تقتضي الاستشهاد بنصوص عربية واستعمالاتها. فاللغة ليست كالفلسفة التي يقول فيها أحدهم بأصالة الماهية، والآخر بأصالة الوجود، والثالث بأصالة كليهما. فإذا نقل «لسان العرب» شيئاً عن «نهاية ابن الأثير»، فهذا لا يعني التقليد؛ بل يعني أنه قبله اجتهاداً. وباب الاجتهاد في اللغة ليس مغلقاً، وإذا توصلنا إلى نتائج أدق وأكثر توثيقاً من آراء اللغويين السابقين، فهذا لا يعني أنهم لم يكونوا ماهرين. فبالنظر إلى التشتت والتفرق الذي كانت عليه قبائل وأقوام العرب في استعمال اللغة العربية، كان العثور على جوهر المعنى وخصائصه في هذه اللغة أمراً صعباً.

على كل حال، فإن كتاب «لسان العرب» قد استقى من مصادر متنوعة؛ ولذلك فهو كثير الأخذ والرد ومصدر جدير بالاعتماد. وقد اعتبر ابن منظور «الضَّر» مصدراً و«الضُّر» اسم مصدر، وعرّف مفهومهما بأنه ضد النفع. ونقل عن أبي الدُّقيش أن «الضُّر» بمعنى الهزال وسوء الحال (ابن منظور، ج ٤، ص ٤٨٢)، وكلاهما يُعد نوعاً من النقص.

تُعرض آراء الأستاذ المددي في فقه اللغة بناءً على معطيات ابن منظور في إطار عدة نقاط:

١. كما أشرنا، هناك نظرية تقول إن روح المعنى تدور حول الأصوات. ويرى الأستاذ أن مفهوم «النقص» مأخوذ في روح معنى مادة «ض ر ر». وفي بعض الاستعمالات، بالإضافة إلى مفهوم «النقص»، تُشم رائحة مفهوم «سوء الحال» أيضاً، وقد تكون آية ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة، ١٠٥) من هذا القبيل. ظاهر الآية أن المؤمنين لا ينبغي أن يغتموا لضلال الآخرين. فإذا اعتبرنا مفهوم «سوء الحال» في عرض مفهوم «النقص» من معاني مادة «ض ر ر»، فقد يُدّعى أن مفاد «لا ضرر» هو نفس مفاد «لا حرج»، أو بعبارة أدق آية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج، ٧٨).

٢. إن مسألة ما إذا كان مفهوم «الضرر» هو «النقص» فقط أم أنه يشمل مفهوم «سوء الحال» أيضاً، هي نقطة تؤثر في الفهم الفقهي لقاعدة «لا ضرر». والمثال الملموس على ذلك هو أنه إذا اضطر عامل بأجر يومي إلى دفع جزء كبير من أجره اليومي لشراء ماء للوضوء، فإنه سيصاب بـ«النقص» و«سوء الحال»، ويمكن الادعاء بأن قاعدة «لا ضرر» ترفع عنه حكم وجوب شراء الماء. أما إذا وقع شخص ثري في هذا الموقف، فإن دفع ثمن الماء، وإن كان يسبب نقصاً، لا يسبب سوء حال. لذا، في هذا الفرض، لتحديد الحكم الشرعي، تكون حدود مفهوم «الضرر» حاسمة. وبناءً على ذلك، إذا اعتبرنا الضرر «نقصاً» فقط، فإن «لا ضرر» ترفع هذا الحكم عنه؛ ولكن إذا اعتبرناه «نقصاً وسوء حال»، فإن وجوب شراء الماء لا يُرفع عن الشخص الثري.

٣. إن هذا الفهم اللغوي للأستاذ المددي مبني على الملاحظة المنهجية الثانية التي سبق بيانها. مثل هذه التحليلات اللغوية تؤدي إلى اكتشاف معانٍ جديدة للألفاظ قد لا تكون مذكورة في كلام اللغويين، ومع ذلك تكون مهمة ومؤثرة في الأبحاث الفقهية والأصولية. ولهذه التحليلات سابقة في كلام الفقهاء. على سبيل المثال، مستند آية الله الخوئي في اعتبار «العصر» في مفهوم «الغَسل»، والذي أشار إليه الأستاذ المددي أيضاً، هو تحليل عرفي له (راجع: الخوئي، ١٤١٨هـ، ج٣، ص ١٨).

٤. صيغة «الضرر» استُعملت مرة واحدة فقط في القرآن الكريم في آية ﴿…غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ…﴾ (النساء، ٩٥). تفترض الآية أن الضرر معنى مستقل أو شيء مثل الكتاب، يملكه أفراد؛ بينما «الضُّر» في آيات القرآن، مثل آية ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ…﴾ (الزمر، ٨ و ٤٩)، هو أمر يصيب الإنسان. من هنا يمكن أن يُفهم أن «الضرر» شيء غير «الضُّر» وسوء الحال. والشاهد على هذا المعنى أيضاً هو عدم وجود تعبير «أولي الضُّر» في القرآن.

٥. الشاهد على ما طُرح في الفقرة السابقة هو مقارنة كلمتي «الضَّرَر» و«الضُّر» بكلمتي «السَّفَر» و«السِّفْر». فكما أن «الضَّرَر» يختلف عن «الضُّر»، فإن «السَّفَر» بفتح الفاء يختلف عن «السِّفْر» بسكون الفاء. فـ«السَّفَر» يدل على حالة البعد عن الوطن؛ ولكن «السِّفْر» يعني كشف النقاب عن الوجه. وكما أنه لإسناد تلبس «السَّفَر» إلى شخص، لا تُستعمل هذه المادة في صيغة الثلاثي المجرد (لا يقال سَفَرَ زيد) بل يُستعمل باب «المفاعلة» (سافر زيد)، فكذلك لإفادة مفهوم إلحاق الضرر بالغير، لا يُستعمل «الضرر» واشتقاقاته؛ بل يُستعمل باب «المفاعلة» ويفاد هذا المعنى في جملة «ضارّه». وسنتحدث عن هذا الأمر أكثر في قسم «مدلول هيئة الضرار».

٦. ما نقله «لسان العرب» من أن «ضَرَّهُ، ضَرَّ به، أَضَرَّ به وضَارَّه» لها معنى واحد وأن اسم المصدر لها جميعاً هو «الضرر» (ابن منظور، ج ٤، ص ٤٨٢)، ليس صحيحاً وفقاً للارتكاز. ويبدو أن هذا القائل قد أخذ «الضرر» بمعنى «إيصال الضرر إلى الغير» واعتبر «أضر» و«ضار» و«ضر» مترادفات. قد يكون استعمال مادة «ضر» في باب «المفاعلة» أشد توكيداً من الثلاثي المجرد أو يدل على إيقاع ضرر أكبر من مفاد الثلاثي المجرد؛ ولكن ليس صحيحاً أن يكون اسم المصدر لكل هذه الأبواب هو «الضرر».

٧. نرى أن مستند الأستاذ المددي هنا أيضاً هو الارتكاز اللغوي. فأساساً، في مثل هذه المباحث، لا ينبغي توقع تقديم استدلال منطقي أو لغوي؛ لأن سنخ المباحث اللغوية هو من قبيل تحديد المتفاهمات العرفية التي لها جذور في الارتكazات اللغوية. لذا، فإن ارتكاز الفقيه الذي قضى عمره مع اللغة العربية وحلل نصوصها يمكن أن يكون مستنداً لهذه التحليلات، ومكانته في مثل هذه الأمور ليست بأدنى من الناطقين بالعربية.

٨. أورد ابن منظور في تتمة كلامه، عند بيانه لحديث «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»، احتمالات في تفسيره (ابن منظور، ج ٤، ص ٤٨٢). ويبدو أنه اعتبر «الضرر» بمعنى إيذاء شخص لآخر، و«الضرار» بمعنى إيذاء كل من الشخصين للآخر. فإذن، «لا ضرر» بمعنى النهي عن إيذاء الآخر، و«لا ضرار» بمعنى النهي عن المقابلة بالمثل من قبل الشخص المتضرر. وقد نقل هذا المعنى نفسه عن ابن الأثير أيضاً (ابن منظور، ج ٤، ص ٤٨٢). والقول الآخر هو أن نقول إن «الضرر» بمعنى إيذاء الآخر مع استفادة المؤذي، و«الضرار» بمعنى الإيذاء من دون استفادة. كما اعتبر البعض الكلمتين مترادفتين وأن تكرارهما في الحديث للتأكيد (ابن منظور، ج ٤، ص ٤٨٢).

سنرى لاحقاً أنه وفقاً لرأي الأستاذ المددي، فإن «لا ضرر» تعني نفي تحمل الضرر من قبل المكلف (الضرر النفسي)، و«لا ضرار» تعني نفي إيذاء الآخرين (الضرر الغيري).

كما رأينا، بحث ابن منظور لغوي حتى الآن، واستنتاجاته الفقهية والأصولية من الحديث ليست واضحة؛ ولكن شيخ الشريعة تمسك بهذا الجزء واعتبره شاهداً على دعواه بأن اللغويين أيضاً فهموا النهي من الحديث. ومن ثم، فإن مراد «لا ضرر» هو النهي (شيخ الشريعة، ١٤١٠هـ، ص ٢٨)؛ في حين أن اللغويين يفسرون الكلمات فقط ولا يدخلون في مسائل مثل هل أن الشارع يجبر الضرر، وهل «لا ضرر» بالإضافة إلى النهي عن الضرر تدل على وجوب تداركه، أو هل بالإضافة إلى الجانب السلبي لها جانب إيجابي أيضاً، فهم صامتون عنها. بالطبع، قد يكون بعض اللغويين مثل الفيومي في «المصباح المنير» (الفيومي، ١٤١٤هـ) الذين نظروا إلى اللغة من منظور فقهي، أو بعض آخر كمتفاهم عرفي في اللغة العربية قد أشاروا إلى مثل هذه المطالب؛ ولكن الخوض في الجوانب الفقهية والأصولية للبحث خارج عن شأن اللغويين.

وقد فسر ابن منظور «الضاروراء» بالقحط والشدة، وهو ما يتوافق مع مفهوم النقص وسوء الحال. ويبدو أن مادة «ض ر ر» تستعمل أحياناً بمعنى النقص فقط، وأحياناً بمعنى سوء الحال فقط، وأحياناً بكلا المعنيين.

ويشير في تتمة كلامه إلى عنصر الدوام في معنى هذه المادة أيضاً. فقد فسر «الضرير» بـ«الزَّمِن» و«الضَّرَّاء» بـ«الزَّمَانَة». والتوضيح هو أن الشخص الأعمى الذي يُدعى «ضريراً» يعاني من نقص دائم. و«الزَّمَانَة» أيضاً مرض يلازم الإنسان في بعض الأوقات. ولهذا، فإن «كونه مزمناً» يمكن أن يكون القيد الثالث لمعنى مادة «ضرر». إن مسألة ما إذا كان الدوام مأخوذاً في مفهوم الضرر يمكن أن تكون منشأ لبعض الآثار الفقهية. على سبيل المثال، وفقاً لهذا الفهم، إذا وُضع عامل بأجر يومي قدره خمسون ألف تومان في وضع يضطر فيه إلى دفع عشرة آلاف تومان يومياً لشراء ماء الوضوء، فهذا ليس ضرراً؛ لأن هذا النقص يتعلق بيومه فقط ويُجبر غداً بأخذ الأجر؛ أما إذا أراد مزارع يؤمّن قوته وحاجاته الأخرى من زراعة القمح السنوية أن يعطي يومياً مقداراً من قمحه ثمناً للماء، فإن هذا النقص لن يُجبر حتى العام المقبل، وسيكون هذا ضرراً. والإنصاف أن أخذ قيد الدوام في معنى هذه المادة غير ثابت.

ويبدو أن عبارة «وليس عليك ضَرَرٌ ولا ضَرُورةٌ ولا ضَرَّةٌ ولا ضارورةٌ ولا تَضُرَةٌ» (ابن منظور، ج ٤، ص ٤٨٢) هي مزيج من عدة أمثال عربية أصلها «ليس عليك ضرر ولا ضرورة»، «ليس عليك ضرر ولا ضرة»، إلخ. ومن المحتمل أن عبارة «لا ضرر ولا ضرورة» التي رُويت في المصادر الحديثية عن أبي هريرة عن النبي الأكرم ﷺ (راجع: الزيلعي، ١٤١٥هـ/١٩٩٥م، ج ٦، ص ٤٣٣) هي نفس هذا المثل العرفي. والمراد بـ«الضرر» هنا هو الضرر النفسي ظاهراً، و«الضرورة» هي أيضاً اسم مصدر من باب «الافتعال» حسب ادعاء ابن منظور. فإذن، الحديث بصدد بيان هذا المعنى: أن يتحمل الإنسان الضرر أو الاضطرار مرفوع في الشرع. ومن المحتمل أن عبارة الحديث النبوي في الأصل كانت «لا ضرر ولا ضارورة»، وبما أن الألف لم تكن تُكتب في الخط الكوفي القديم، فقد سُجلت بصورة «ضرورة». ومن عبارة ابن منظور التي يقول فيها: «ورجل ذو ضارورة وضرورة أي ذو حاجة» (ابن منظور، ج ٤، ص ٤٨٣) يتضح أن ضرورة وضارورة متساويتان. ويشير في تتمة كلامه إلى أن «ضارورة» لغة في «ضرورة» (ابن منظور، ج ٤، ص ٤٨٤).

من مجموع ما قيل يمكن استنتاج أنه إجمالاً في مادة «ض ر ر» تكمن عناصر مثل النقص وسوء الحال والشدة. وليس ببعيد أن يكون سوء الحال مأخوذاً في «الضُّر» و«الضِّر» بالإدغام؛ أما «الضَّرَر» فيدل على النقص (بصورة معنى اسم المصدر). وبعبارة أخرى، استعمال «الضرر» يكون في موارد يُلاحظ فيها «النقص» بحد ذاته مع غض النظر عن سوء حال صاحبه. لذا، موارد استعمال «الضرر» هي بلحاظ نفس النقص الموجود في الشيء؛ أما أخذ قيد «الدوام» في مفهوم «الضرر» فغير ثابت. وفي الآية أيضاً إذا فُسرت ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (النساء، ٩٥) بالنقص الدائم، فهو مورد خاص ولا يُعلم أن الدوام مأخوذ دائماً في معنى الضرر؛ كما لا يُعلم أن معنى وضوح وظهور النقص مأخوذ في الضرر.

الحاصل أنه بناءً على تحليلات الأستاذ المددي، فإن المكونين المعنائيين الأساسيين لمادة «ض ر ر» هما «النقص» و«سوء الحال».

هيئة الضرر

بالنظر إلى ما جاء في البحث السابق، يمكن القول إنه فيما يتعلق بهيئة «الضرر»، تُطرح ثلاثة احتمالات إجمالاً: مصدر ثلاثي مجرد، اسم مصدر من الثلاثي المجرد، واسم مصدر من باب «التفعّل». وقد اعتبر ابن منظور في «لسان العرب» الاحتمال الثاني أقرب إلى الواقع. ومن وجهة نظر الأستاذ المددي، فإن الاحتمال الثالث، الذي ورد أيضاً في بعض المصادر، أكثر انسجاماً مع الارتكازات اللغوية. في اللغة العربية، «الضَّرَر» بفك الإدغام له حالة اسم المصدرية أكثر، و«الضَّر» بالإدغام له حالة المصدرية. و«المَدّ» و«المَدَد» كذلك. وأحد الفروق المعنائية بين المصدر واسم المصدر هو أن المعنى في المصدر يُلحظ بشكل حَدَثي وقابل للاشتقاق، بينما مفاد اسم المصدر غير قابل للاشتقاق (راجع: غفوري نژاد، ١٣٩٥ش، ص ٩٧-٩٨).

كما نقلنا عن ابن منظور، فإن البعض قد أخذ «الضرر» في الحديث على أنه اسم مصدر أو مصدر لـ«ضَرَّ» المتعدي وفسروه بإيصال الضرر؛ ثم حاولوا إيجاد معنى مغاير للضرر لكلمة «الضرار»؛ فقالوا مثلاً إن مفاد «لا ضرار» هو أنه إذا ألحق شخص ضرراً، فلا ترد عليه بالضرر؛ أو قالوا إن الضرار تكرار الضرر ومفيد للتأكيد (ابن منظور، ج ٤، ص ٤٨٢)؛ ولكن يرى الأستاذ المددي أن «الضرر» اسم مصدر من باب «التفعّل» وهو لازم وبمعنى التضرر؛ بينما «ضَرَّ» متعدٍ وهذا يدل على أن «الضرر» ليس اسم مصدر للفعل الثلاثي المجرد. و«الضرار» أيضاً بمعنى إيصال الضرر إلى الآخر. وبما أنه قيل إن اسم المصدر في الثلاثي المزيد مماثل للمصدر، فمن الممكن أن يكون «الضرار» أيضاً اسم مصدر من باب «المفاعلة». فإذن، معنى الحديث هو: «لا يتضرر ولا يضار». وقرينة هذا الادعاء هي حديث سمرة حيث طبّق النبي ﷺ «مضارته» على فعله وقال له: «إنك رجل مضار» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٤، ص ٢٩٥).

هيئة الضرار

في القسم السابق، بحثنا بإيجاز عن هيئة «الضرار» وهو ما يحتاج إلى تفصيل أكبر. هيئة «الضرار» على وزن «فِعال» هي المصدر الثاني لباب «المفاعلة». ونعلم أنه في اللغة العربية تُفاد كثير من المعاني بالهيئات. وفي مصادر الصرف واللغة، ذُكرت عدة معانٍ لباب «المفاعلة»؛ كما ادُعي أحياناً أن باب «المفاعلة» له معنى واحد فقط وأن المعاني الأخرى المذكورة هي من مصاديق ذلك المفهوم. أولاً، يجب أن نرى هل أبواب الثلاثي المزيد مثل «المفاعلة» و«الإفعال» و«التفعيل» لها معنى واحد أم معانٍ متعددة؛ ثم نبحث عن معنى باب «المفاعلة». وفي المرحلة الثالثة، يجب أن نرى ما هو مفهوم «الضرار» في الحديث.

١. وحدة أو تعدد معاني الأبواب

هل للهيئات، مثل هيئة «الإفعال»، معنى واحد، وإذا ذُكر أحياناً عدة معانٍ لباب واحد، فهل ذلك من باب الخلط بين المفهوم والمصداق أم أن لها حقاً معانٍ متعددة تختلف ماهيةً؟ أحياناً بُذلت محاولة لإيجاد معنى واحد لكل باب؛ ولكن يرى الأستاذ المددي أنه بالنظر إلى التشتت الذي نشهده في اللغة العربية والاستعمالات الكثيرة والمتفرقة الموجودة في هذه اللغة، فإن قبول هذا الرأي صعب. ولتعليل هذا الادعاء، يجب الانتباه إلى هذه النقاط:

أ) لم يكن للغة العربية منشأ ثابت ومحدد. أحد منابع اللغة العربية هو لغة قوم ثمود التي كانت شائعة في أرض اليمن. وقد اختفت هذه اللغة قبل الإسلام بمئة عام ونيف، ثم ظهرت لاحقاً في مكة والمدينة، ومن ثم شقت طريقها إلى العراق. ووصلت اللغة العربية لاحقاً إلى الشام ومصر وهي شائعة اليوم في إفريقيا أيضاً.

ب) اللغة بطبيعتها ليست ثابتة؛ بل متغيرة وسائلة.

ج) في اللغات الهندية الأوروبية، مثل اللاتينية والفارسية والرومانية واليونانية، لإيصال المعاني، يُستعمل غالباً السوابق واللواحق؛ ولكن إيصال المعاني الجديدة في اللغة العربية يتم غالباً بالاستفادة من هيئة الكلمات. والهيئات أيضاً واسعة النطاق ولا يمكن أن يكون لها معنى واحد. على سبيل المثال، باب «الإفعال» يُستعمل أحياناً للارتباط بزمان ومكان معينين (مثل «أنجد زيد»: «دخل زيد أرض نجد» و«أصبح زيد»: «دخل زيد في الصباح»)؛ وفي موارد للتعدية (وأمثلتها كثيرة)، وفي موارد للزوم الفعل المتعدي (مثل «كَبَّ» بمعنى ألقى وهو متعدٍ، و«أكَبَّ» بمعنى سقط وهو لازم). وقد ذُكرت معانٍ أخرى لهذه الهيئة ليس هذا المختصر مجالاً للبحث فيها.

على كل حال، الشواهد لا تُظهر أن الهيئات في اللغة العربية قد وُضعت لمعنى واحد؛ بالإضافة إلى أن اللغويين وعلماء الصرف منذ البداية قد ذكروا معاني كثيرة لكل باب بحيث يصعب إيجاد وجه مشترك وجمع بينها. فإذن، كون باب «المفاعلة» له معنى واحد غير ثابت. وسيصبح هذا الادعاء أوضح في سياق البحث.

٢. الأقوال في مفاد باب «مفاعلة»

نطرح ونناقش عدة آراء في هذا الصدد:

أ) تحقيق المحقق الأصفهاني ونقده

من وجهة نظر الأستاذ المددي، فإن التحليلات الأدبية للمحقق الأصفهاني أقوى من تحليلات المحقق النائيني والمحقق العراقي؛ ولكن يجب أن نعلم أن قوة التحليل الأدبي في أصول الفقه وحدها لا تكفي؛ بل يجب في هذا العلم السعي لتطبيق هذه التحليلات الأدبية على العرف العام والعرف الخاص (هنا العرف القانوني).

على كل حال، المشهور هو أن الأصل في باب «المفاعلة» هو الدلالة على فعل يقوم به شخصان؛ ولكن المحقق الأصفهاني، بالاستشهاد ببعض الآيات، منها ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البقرة، ٩)، و﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (النساء، ١٠٠)، و﴿نَادَيْنَاهُ﴾ (مريم، ٥٢)، و﴿نَافَقُوا﴾ (آل عمران، ١٦٧)، و﴿شَاقُّوا﴾ (الأنفال، ١٣)، و﴿مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ (التوبة، ١٠٧)، و﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ (البقرة، ٢٣١)، و﴿لَا تُؤَاخِذْنِي﴾ (الكهف، ٧٣) وبعض الاستعمالات العرفية الأخرى، قد أورد إشكالاً على هذا الأمر ثم نقل عن علماء الأدب أنه في باب «التفاعل»، نسبة الفعل إلى الطرفين أصلية وصريحة؛ بينما في باب «المفاعلة»، يُنسب الفعل أصالةً إلى الفاعل الأول وتبعاً إلى الفاعل الثاني. لذا، عندما نقول «تضارب زيد وعمرو»، فهذا يعني أن زيداً وعمرواً كلاهما أصالةً وصراحةً ارتكبا الضرب؛ أما عندما نقول «ضارب زيد عمرواً»، فهذه الجملة تدل صراحةً وأصالةً على ضرب زيد، وتبعاً وكنايةً تدل على أن عمرواً أيضاً قد رد على فعل زيد وضربه. وبعبارة أخرى، فُعل «الضرب» يُنسب أصالةً وصراحةً إلى زيد، وتبعاً وكنايةً إلى عمرو.

المحقق الأصفهاني، بالإشارة إلى أن كل هيئة تُوضع لنسبة واحدة فقط، يصف ادعاء الأدباء بأنه غير معقول ويدعي أنه في باب «التفاعل»، تلك النسبة المزدوجة تُلحظ كنسبة واحدة وتُسند إلى فاعلين. على سبيل المثال، مفاد «تضارب زيد وعمرو» هو حدوث نسبة واحدة هي «الضرب» بين زيد وعمرو (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٤، ص ٤٣٧-٤٣٨). ويبدو أن كلامه مبني على أن ادعاء الأدباء يستلزم دلالة الدال الواحد على مدلولين، وهذا غير ممكن.

من وجهة نظر الأستاذ المددي، فإن كلام المحقق الأصفهاني، حيث يرى مفاد باب «التفاعل» على أنه لحاظ واحد لنسبتين وإسنادهما إلى طرفين، دقيق ولطيف؛ ولكن كون دال واحد يدل على نسبتين ثبوتاً وإثباتاً لا إشكال فيه. لذا، إشكال سماحته غير وارد.

من وجهة نظر الأستاذ المددي، فإن الدلالة التضمنية والالتزامية تتعلق بالأمور المتأصلة والتكوينية ولا تشمل الألفاظ. وهو يقول بـ«الدلالة الاستبطانية» في عالم الألفاظ؛ وهي دلالة جامعة بين الدلالة التضمنية والالتزامية اللفظية عند المشهور، وتستند إلى تداعي المعاني والدوافع المشروطة.

وقد بيّن الأستاذ المددي في بحث المفهوم والمنطوق خمسة وجوه لدلالة المنطوق على المفهوم، وأهم وأدق وجه من نظره هو أن يُرجع المفهوم إلى الوضع اللغوي. ووفقاً لهذا الادعاء، فإن أدوات الشرط وُضعت لـ«التعليق»، ومفاد التعليق في جملة «إن جاءك زيد فأكرمه» هو أنه إذا جاء زيد فاحترمه، وإذا لم يأتِ، فاحترامه ليس ضرورياً. فإذن، «إن» وُضعت لإفادة كلا المعنيين المفهومي والمنطوقي. فليس المدلول المنطوقي أصيلاً والمدلول المفهومي تبعياً؛ بل كلاهما أصيل.

ويستمر المحقق الأصفهاني في تبيين هذا الادعاء بالتفصيل، حيث يرى أن الفرق بين مفاد الثلاثي المجرد وباب «المفاعلة» في الأفعال المتعدية هو أنه في أفعال مثل «ضرب» و«خدع»، التعدي إلى الغير ذاتي لمفاد المادة، ولكن في باب «المفاعلة» (مثل «ضارب» و«خادع»)، حيثية التعدي إلى الغير تُلحظ في مقام إفادة النسبة؛ لا أنها ناشئة من نفس المادة. فإذا قام شخص بعمل يؤدي إلى خداع آخر، يصدق «خدعه»؛ ولكن «خادعه» لا يصدق إلا إذا كان الفاعل في مقام «التصدي» للخداع (الأصفهاني، ١٤٢٩هـ، ج ٤، ص ٤٣٨-٤٣٩).

وقد نقل آية الله السيستاني عن بعض المحققين أن مفاد باب «المفاعلة» هو السعي في إنجاز الفعل؛ سواء تحقق ذلك الفعل أم لا. وقد استشهد هؤلاء بآيات ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (البقرة، ٩) و﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (التوبة، ١١١)، وقالوا إن المراد من «المخادعة» هنا هو السعي في خداع الله، في حين أن هذا الخداع لا يتحقق، وفي الآية الثانية المراد من «المقاتلة» هو السعي في القتل وقد يتحقق أيضاً (السيستاني، ص ١١٩-١٢٠).

ويرى الأستاذ المددي أنه من المستبعد أن يكون شخص قد اعتبر السعي في إنجاز الفعل، سواء تحقق أم لا، من معاني باب «المفاعلة». ومن وجهة نظره، فإن مفاد باب «المفاعلة» هو التأكيد ولا يمكن أن يكون السعي. والاستدلال بآية ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ ليس تاماً؛ لأنه في هذه الآية، الله هو الذي يقول: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ وإلا فإنهم أنفسهم كانوا يظنون أنهم يخدعون الله حقاً. وإذا كان أحد قد اعتبر السعي من معاني باب «المفاعلة»، فكان قصده أن باب «المفاعلة» يدل على أن الفاعل يسعى في إنجاز العمل وأن ذلك الفعل يتحقق أيضاً.

وحول «القتال»، يرى الأستاذ أيضاً أن هذه الكلمة تعني السعي في قتل بعضهم البعض؛ ولكن في «القتال»، بسبب وجود نكتة خاصة، لا يُتصور الأصالة والتبعية. وتلك النكتة هي أنه إذا قتل أحد الشخصين اللذين يتقاتلان الآخر، فإن المقتول لا يستطيع قتل القاتل؛ خلافاً لفعل مثل «المضاربة» الذي يُتصور فيه الأصالة والتبعية. ولهذه الخاصية، فسروا «القتال» بالسعي في القتل. وقد نسب الأستاذ السيستاني هذا إلى مبدأ خفي (للتوضيح راجع: السيستاني، ص ١٢٠-١٢٣)؛ ولكن يرى الأستاذ المددي أنه لا حاجة للقول بمبدأ خفي؛ بل هذه الأمور ناشئة من الارتكازات العرفية.

على كل حال، ظاهراً من وجهة نظر المحقق الأصفهاني، باب «المفاعلة» ينقل فقط معنى «التصدي».

ب) رأي نجم الأئمة الرضي

نجم الأئمة الرضي المتوفى سنة ٦٨٨هـ من كبار علماء الشيعة في الأدب، وقد كتب كتابه «شرح الشافية» في النجف. يعتقد ابن الحاجب أنه في «ضارب زيد عمرواً» ليس الأمر أنه حدث ضربان منفصلان؛ بل ضرب عمرو وقع رداً على ضرب زيد. وتعبير ابن الحاجب هو أن زيداً ضرب صراحةً وعمرو ضمناً وفي مقام رد الفعل قد ضرب. والحاصل أنه في «ضارب زيد عمرواً» من وجهة نظر ابن الحاجب: ١. ضرب زيد مرتبط بضرب عمرو؛ ٢. كلاهما شارك في هذا الفعل؛ ٣. أحدهما ضرب صراحةً وأصالةً والآخر ضمناً (نجم الأئمة، ١٣٩٥هـ/١٩٧٥م، ج ١، ص ٩٦).

إجمالاً، يُستفاد من كلام ابن الحاجب في الشافية أنه يعتقد بثلاثة معانٍ لباب «المفاعلة»:

١. المشاركة في إنجاز الفعل بنفس الخصائص التي ذُكرت سابقاً؛

٢. بمعنى باب «التفعيل» (التعدية)، مثل «ضاعفت» بمعنى «ضعّفت»؛

٣. بمعنى الثلاثي المجرد، مثل «سافرت».

وقد قبل نجم الأئمة أن يكون باب «المفاعلة» بمعنى باب «التفعيل» والثلاثي المجرد، وللمعنى الثاني مثّل بفعل «سافر» وقال إنه بمعنى «سَفَر». ويقول: بما أن «سافَرَ» يزيد عن «سَفَرَ» بحرف واحد ولا يختلف عنه من حيث المعنى، فمن المفترض أن يفيد نوعاً من التأكيد (نجم الأئمة، ١٣٩٥هـ/١٩٧٥م، ج ١، ص ٩٩).

وحول ما إذا كان الفعل الثلاثي المجرد من مادة «سفر» بمعنى الذهاب في سفر قد استُعمل أم لا، هناك خلاف بين اللغويين. فبعضهم مثل صاحب الصحاح قد قبله، وبعض آخر مثل صاحب القاموس قد أنكره. ويرى الأستاذ المددي أن الحق مع صاحب القاموس.

ظاهراً، مستند الأستاذ هنا أيضاً هو الارتكاز اللغوي الذي تشكل لديه من خلال الدراسة الواسعة للنصوص العربية القديمة.

ويستمر نجم الأئمة في اعتبار أحد معاني باب «المفاعلة» هو «جعل الشيء ذا أصله»، ويستشهد بعبارة «عافاك الله» التي تعني «جعلك الله معافى».

مما قيل، يتضح أن علماء الصرف واللغة كانوا على علم بأن باب «المفاعلة» لا يُستعمل دائماً لإيصال معنى «المشاركة»، وأن المحقق الأصفهاني ليس أول من تنبه إلى هذه النقطة (قارن مع: الخوئي، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٦٠٦-٦٠٧ الذي يعتبر المحقق الأصفهاني أول من تنبه إلى هذه النقطة).

ج) بيان وجه آخر لدعوى المحقق الأصفهاني ونجم الأئمة ونقده

لم يقبل المحقق الأصفهاني أن «المفاعلة» وُضعت للأفعال بين اثنين، ويبدو أن نجم الأئمة أيضاً على نفس الرأي. ويرى الأستاذ المددي أنه إذا أردنا أن نستدل على دعوى المرحوم الأصفهاني والمرحوم الرضي ببيان لغوي متعارف، مع غض النظر عن المحذور العقلي، فيمكننا أن نقول: إذا فسرنا «ضارب زيد عمرواً» كما قال اللغويون بترتب ضرب عمرو على ضرب زيد، فإن لازمه أن تكون نسبة «الضرب» إلى «زيد» في نفس الوقت الذي هي فاعلية، مفعولية أيضاً، وهذان غير متوافقين. ويرى الأستاذ المددي أن هذا الوجه أكثر عرفية من بيان المحقق الأصفهاني.

وقد أجاب هو نفسه على البيان المذكور بالقول إنه حسب رأي اللغويين، يتبادر إلى الذهن من باب «المفاعلة» معنى «المشاركة في الفعل»، وهو خلاف القاعدة ويستلزم أن يكون فاعل الفعل في نفس الوقت مفعوله؛ ولكن هذا المفهوم يُستفاد من كلام العرب. وبالطبع، أحياناً توجد خصائص في المادة تمنع من تبادر هذا المعنى في كل مكان؛ مثلاً في «قاتل زيد عمرواً»، بما أن القتل لا يمكن أن يتحقق من كلا الطرفين، فإن «قاتل» تعني بالضرورة التصدي للقتل والسعي إليه. خلافاً لمواد مثل «لطام» و«صراع» التي تفيد تحقق الفعل من جانبين. لذا، يرى الأستاذ المددي أن باب «المفاعلة» يفيد الترتب؛ خلافاً لباب «التفاعل» الذي يشير إلى حالة يكون فيها الطرفان في زمان واحد وبدون ترتب فعل أحدهما على الآخر، في حال إنجاز ذلك الفعل. وبالطبع، لا يمكن قبول أن باب «المفاعلة» يعني هذا دائماً.

الحاصل أنه في مفهوم باب «المفاعلة» وكلمة «الضرار» توجد عدة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن «الضرار» فعل من جانبين بشكل تراتبي وله نظائر أخرى؛ مثل «لطام» و«قتال» و«صراع». وبالطبع، فإن المرحوم الرضي والمحقق الأصفهاني، كما مر، قد استبعدا هذا المعنى.

الاحتمال الثاني: هو رأي المرحوم الأصفهاني الذي يرى أن مفهوم «التصدي» دخيل في مفاد باب «المفاعلة» ويفسره بمعنى السعي أو قصد تحقيق أمر وتحققه. ويرى الأستاذ المددي أن ادعاء المحقق الأصفهاني، على الأقل في بعض الموارد مثل «الضرار» التي هي محل بحثنا، معنى مقبول؛ ولكن المراد من «التصدي» هو السعي الذي يترتب عليه ضرر. وبناءً على ذلك، فإن الفرق بين باب «المفاعلة» والثلاثي المجرد هو أنه في باب «المفاعلة» (مثل الضرار) يوجد سعي وجهد وبرمجة ليتحقق الفعل بأي شكل كان (مثلاً، يقع الضرر بأي حال)، ولكن في الثلاثي المجرد، «السعي والجهد لتحقيق الفعل بأي نحو ممكن» ليس مأخوذاً.

الاحتمال الثالث: هو رأي الصرفيين الذين قالوا إن باب «المفاعلة» يفيد كون الفعل بين طرفين. ويبدو أنه إذا أُخذ في باب «المفاعلة» التصدي والسعي والجهد – وهو ما قبله الأستاذ المددي إجمالاً – فإن دلالة هذا الباب على كون الفعل بين طرفين ستكون سياقية لا لفظية؛ بمعنى أنه إذا أراد إنسان أن يقتل شخصاً بأي شكل، فمن الطبيعي أن يرد الآخر بالمثل ويقصد قتل الطرف المقابل، وهكذا ينشأ القتال. وبهذا الشكل، فإن القتال ليس موضوعاً ليكون بين طرفين؛ ولكنه لازم لكونه بين طرفين.

الاحتمال الرابع: هو نظرية اقترحها الأستاذ المددي. ووفقاً لهذه النظرية، يستخدم العرب أحياناً لإنشاء معنى اسم المصدر أو الحدث من المعاني غير القابلة للاشتقاق، هيئات الثلاثي المزيد؛ مثلاً «السَّفَر» بفتح الفاء يُطلق على الابتعاد عن محل الإقامة، و«السِّفْر» بسكون الفاء يعني كشف الوجه. في اللغة العربية، لإنشاء «السَّفَر» الذي هو معنى حدثي وليس بمعنى البعد عن محل الإقامة (معنى اسم المصدر)، يُستعمل باب «المفاعلة» ويقال: «سافر» ومفاده أن الفاعل أوجد حالة البعد عن الوطن. والسر في أن أمثال «سافر» ليست بين طرفين هو هذه النكتة؛ أما لـ«السِّفْر» بمعنى كشف الوجه، وهو معنى حدثي، فيؤتى بالمادة إلى باب «الإفعال» ويقال: «أسفر عن وجهه».

ويرى الأستاذ أن «الضرر» مثل «السفر». فكما أن «السفر» اسم مصدر ومعنى غير قابل للاشتقاق، ولهذا استُخرج منه معنى في القرآن بتعبير ﴿إِنْ كُنْتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ باستعمال اسمي لا هيئة خاصة، فإن «الضرر» أيضاً اسم مصدر ومعنى غير قابل للاشتقاق؛ ولذا في القرآن الكريم بتعبير ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الذي هو معنى اسمي، لم يُشتق منه معنى ولم يُصغ في قالب هيئة لها معنى حرفي. وكما أنه لاشتقاق معانٍ من «السفر» الذي هو اسم مصدر، أُتي به إلى باب «المفاعلة» وأُخذ منه «سافر»، فقد أُتي بـ«الضرر» أيضاً إلى هذا الباب وصُنع منه «المضارة» أو «الضرار». ويبدو أن «المضارة» و«الضرار» مشتقان من «الضَّرَر» بمعنى النقص؛ لا من «الضَّر» و«الضُّر» بمعنى السوء. ولهذا، فإن «ضارّه» بمعنى «أوجد الضرر فيه»؛ كما أن «سافر» بمعنى «أوجد السفر». وبناءً على هذا، فإن هيئة باب «المفاعلة» في هذه الموارد تعني الإيجاد. ووفقاً لهذا الاحتمال، لا يعود هناك حديث عن السعي والجهد. وكلام النبي ﷺ لمخاطبة سمرة بن جندب حيث قال: «إنك رجل مضار» يعني أنه بأفعاله قد ألحق الضرر بالرجل الأنصاري.

والحاصل أن رأي الأستاذ المددي هو أن مفاد باب «المفاعلة» أكثر انسجاماً مع الاحتمال الثاني الذي هو قول المحقق الأصفهاني، والاحتمال الرابع الذي هو رأيه الإبداعي.

يُلاحظ أن الأستاذ قد استعان في هذه النظرية بعلمه الواسع في اللغة ودعمها بتحليلات دقيقة واستشهد بنماذج مقبولة من كلام العرب. وإجمالاً، يبدو أن آراء الأستاذ في مفهوم شناسي مادة «ض ر ر» وكلمتي «الضرر» و«الضرار» تستند إلى شواهد وأدلة كافية وجديرة بالقبول.

النتيجة

مما سبق يمكن استنتاج ما يلي:

١. جوهر معنى مادة «ض ر ر» يتكون من مكونين هما «النقص» و«سوء الحال»، وبناءً على ما قيل، فإن «دوام النقص» خارج عن مفادها.

٢. هيئة «الضرر»، بناءً على النظرية المختارة، هي اسم مصدر من باب «التفعّل». فإذن، المراد من فقرة «لا ضرر» هو نفي التضرر، لا النهي أو نفي إيصال الضرر إلى الغير.

٣. لأبواب الثلاثي المزيد في الأدب العربي أكثر من معنى واحد، ومحاولة إرجاع المعاني المتعددة المذكورة في المصادر الأدبية إلى معنى واحد هي تكلّف لا ينسجم مع واقع وخصائص اللغة والأدب العربي.

٤. المشاركة في إنجاز الأفعال بين طرفين هي من معاني باب «المفاعلة»، ولا يمكن استبعادها من معاني هذا الباب. والمحذور المأخوذ من كلام المحقق الأصفهاني لإثبات دعواه ليس تاماً.

٥. من وجهة نظر الأستاذ المددي، فإن ادعاء المحقق الأصفهاني القائم على دلالة باب «المفاعلة» على «التصدي» مقبول إجمالاً في موارد مثل «الضرار»؛ ولكن المراد من «التصدي» هو السعي الذي يترتب عليه ضرر. وبناءً على هذا، فإن الفرق بين باب «المفاعلة» والثلاثي المجرد هو أنه في باب «المفاعلة» (مثل الضرار) يوجد سعي من الفاعل ليتحقق الفعل بأي شكل كان، ومثلاً يقع الضرر بأي حال، ولكن في الثلاثي المجرد، «السعي والجهد لتحقيق الفعل بأي نحو ممكن» ليس مأخوذاً. ومن ثم، فإن دلالة هذا الباب على كون الفعل بين طرفين هي دلالة سياقية لا لفظية.

٦. كلمة «الضرار» مشتقة من «الضرر»، لا من «الضَّر» أو «الضُّر». وبما أن «الضرر» له مفهوم اسم مصدري وهو غير قابل للاشتقاق، فإن العرب لاشتقاق معنى منه، إما أن يستخدموا المعاني الاسمية، كما يُشاهد في العبارة القرآنية ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾، أو من المعاني الحرفية التي هيئة باب «المفاعلة» من جملتها. فإذن، «الضرار» و«المضارة» مأخوذان من «الضرر» بمعنى النقص، وبمعنى إيجاد الضرر؛ كما يؤيد هذا الادعاء قول الرسول الأكرم لسمرة بن جندب.

الهوامش

١. عين عبارات ابن منظور كالتالي: «الضَرُّ والضُّرُّ لغتان ضد النفع، والضَرُّ المصدر والضُرُّ الإسم، وقيل هما لغتان كالشُّهْد والشَّهَد، فإذا جمعت بين الضَرِّ والنفع فتحت الضاد، وإذا أفردت الضُرَّ ضَمَمْت الضاد إذا لم تجعله مصدراً كقولك ضَرَرْتُ ضَرّاً، هكذا تستعمله العرب، أبو الدُّقيش: الضَرُّ ضد النفع والضُرُّ بالضم الهزال وسوء الحال، وقوله عزّ وجلّ ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ وقال: ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، فكل ما كان من سوء حال وفقر أو شدة في بدن فهو ضُرّ، وما كان ضداً للنفع فهو ضَرّ وقوله ﴿لَا يُضِرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ من الضَرِّ وهو ضد النفع، والمَضَرَّة خلاف المنفعة، وضَرَّهُ يَضُرُّه ضَرّاً وضَرَّ به وأَضَرَّ به وضَارَّهُ مُضَارَّةً وضِرَاراً بمعنى، والإسم الضَرَرُ».

٢. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ في الإسلام»، قال: ولكل واحد من اللفظين معنى غير الآخر، فمعنى قوله «لا ضَرَرَ» أي لا يَضُرُّ الرجلُ أخاه، وهو ضد النفع، وقوله «ولا ضِرارَ» أي: لا يُضَارُّ كلُّ واحد منهما صاحبه، فالضِّرارُ منهما معاً والضَّرَرُ فعل واحد، ومعنى قوله «ولا ضِرارَ» أي لا يُدْخِلُ الضَّرَرَ على الذي ضَرَّه ولكن يعفو عنه، كقوله عزّ وجلّ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. قال ابن الأثير: قوله «لا ضَرَرَ» أي لا يَضُرُّ الرجلُ أخاه فَيَنْقُصُه شيئاً من حقه، والضِّرارُ فِعَالٌ من الضَّرِّ، أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، والضَّرَرُ فعل الواحد والضِّرارُ فعل الإثنين، والضَّرَرُ ابتداء الفعل والضِّرارُ الجزاء عليه، وقيل: الضَّرَرُ ما تَضُرُّ به صاحبك وتنتفع أنت به والضِّرارُ أن تَضُرَّه من غير أن تنتفع، وقيل: هما بمعنى وتكرارهما للتأكيد.

٣. والضاروراء القحط والشدة، والضُّرُّ سوء الحال.

٤. قال: والضُّرُّ أيضاً هو حال الضرير، وهو الزمِنُ والضَرَّاء الزمانة.

٥. وفي حديث سَمُرَةَ: يَجْزِى من الضارُورَةِ صَبُوحٌ أو غَبُوقٌ، الضارُورَةُ لغةٌ في الضَّرُورَةِ.

قائمة المصادر

القرآن الكريم.

١. ابن جني. الخصائص. نسخة pdf موجودة على موقع -https://www.noorbook.com

٢. ابن فارس، أحمد بن فارس (١٤٠٤هـ). معجم مقاييس اللغة، الطبعة الأولى. قم: منشورات مكتب تبليغات الحوزة العلمية قم.

٣. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (١٤١٤هـ)، لسان العرب، تحقيق أحمد فارس صاحب الجوائب، الطبعة الثالثة، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر.

٤. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩هـ). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الثانية. بيروت: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

٥. آقا بزرگ الطهراني، محمد محسن (١٤٠٣هـ). الذريعة إلى تصانيف الشيعة. الطبعة الثالثة. بيروت: دار الأضواء.

٦. الخوانساري النجفي، موسى (١٣٧٣ق). رسالة في قاعدة لا ضرر ضمن منية الطالب في حاشية المكاسب، الطبعة الأولى. طهران: المكتبة المحمدية.

٧. الخوئي، أبو القاسم (١٤١٨هـ). التنقيح في شرح العروة الوثقى، بقلم ميرزا علي الغروي. الطبعة الأولى، قم: بإشراف لطفي.

٨. الخوئي، أبو القاسم (١٤٢٢هـ). مصباح الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة إحياء آثار السيد الخوئي.

٩. درايتي، مصطفى (باهتمام) (١٣٩٠ – ١٣٩٤ش). فهرست نسخه‌های خطی ایران. الطبعة الأولى. طهران: منظمة الوثائق والمكتبة الوطنية الإيرانية.

١٠. درايتي، مصطفى (باهتمام) (١٣٩٨ش)، معجم المخطوطات العراقية. الطبعة الأولى. طهران: منظمة الوثائق والمكتبة الوطنية الإيرانية.

١١. الزمخشري، محمود بن عمر (١٩٧٩م). أساس البلاغة. الطبعة الأولى. بيروت: دار صادر.

١٢. الزيلعي، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد (١٤١٥هـ/١٩٩٥م). نصب الراية. تحقيق أيمن صالح شعبان، القاهرة: دار الحديث.

١٣. السيستاني، السيد علي الحسيني (١٤١٤هـ)، قاعدة لا ضرر ولا ضرار، قم، مكتب آية الله السيستاني.

١٤. شيخ الشريعة الأصفهاني، فتح الله بن محمد جواد (١٤١٠هـ). قاعدة لا ضرر. الطبعة الأولى. قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين في حوزة قم العلمية.

١٥. الصدر، محمد باقر، (١٤٢٠هـ) قاعدة لا ضرر ولا ضرار، بقلم السيد كمال الحيدري. الطبعة الأولى. قم: دار الصادقين للطباعة والنشر.

١٦. العراقي، ضياء الدين (١٤١٨هـ). قاعدة لا ضرر ولا ضرار. بقلم السيد مهدي الموسوي الخلخالي، الطبعة الأولى. قم، منشورات مكتب التبليغات الإسلامي.

١٧. غفوري نژاد، محمد (١٣٩٥). قاعدة لا ضرر (تقريرات درس خارج أصول الأستاذ آية الله المددي). غير منشور. تاريخ التدوين: ١٣٩٥.

١٨. الفيومي، أحمد بن محمد (١٤١٤هـ). المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي. الطبعة الثانية. قم: منشورات دار الرضي.

١٩. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧هـ). الكافي. الطبعة الرابعة. طهران: الإسلامية.

٢٠. الكنتوري، إعجاز حسين بن محمد قلي (١٤٠٩هـ). كشف الحجب والأستار عن أسماء الكتب والأسفار. الطبعة الثانية. قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.

٢١. المامقاني، عبد الله (١٣٥٠ق). حاشية على رسالة لا ضرر. الطبعة الأولى. قم: مجمع الذخائر الإسلامية.

٢٢. مجمع الفكر الإسلامي، قسم الموسوعة (١٤٢٨هـ). موسوعة مؤلفي الإمامية. الطبعة الأولى. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

٢٣. مشار، خان بابا (١٣٤٤ش). فهرست كتابهای چاپی عربی: از آغاز چاپ تا کنون. الطبعة الأولى. بدون مكان. بدون ناشر.

٢٤. نجم الأئمة، رضي الدين الأسترابادي (١٣٩٥هـ/١٩٧٥م). شرح شافية ابن الحاجب. تحقيق وضبط وشرح: محمد نور الحسن، محمد الزفزاف، محمد محيي الدين عبد الحميد. الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية.

Scroll to Top