تطبيق نظريات الوضع في تفسير متون مصادر استنباط الأحكام الفقهية

ملخص

لغة الإنسان مركبة من عنصرين: اللفظ والمعنى، أو الدال والمدلول. إن سبب ظهور العلامات والإشارات الكلامية هو المعاني التي تشكلت في وجود الإنسان. يعد البحث في منشأ ظهور المعاني نفسها ومتعلقاتها موضوعًا يتم تناوله في ضوء الوضع، ولكن ما هو مسلم به هو أن الإنسان، من أجل نقل المعاني التي يقصدها إلى الآخرين، يستعين بأداة الكلام والإشارات اللفظية، وأن دلالة اللفظ على المعنى ناشئة عن نوع من السببية، ووجود اللفظ الذهني يسبب وجود المعنى الذهني وانتقاله إلى الذهن. يبدو أن العلاقة بين اللفظ والمعنى، التي هي حاصل الدلالة، ليست علاقة ذاتية، ولا يوجد بينهما ارتباط في حد ذاته. في تحليل ماهية هذه العلاقة، تم طرح وجهات نظر مختلفة تحت عنوان نظريات الوضع. بالنظر إلى أن أهم مصادر استنباط الأحكام الفقهية هي من مقولة الألفاظ، فقد طرح جميع علماء علم الأصول بحث حقيقة الوضع وكيفية دلالة الألفاظ على المعاني. تؤدي نظريات الوضع دورًا أساسيًا وجوهريًا في عملية تفسير النصوص الدينية، وتبني أي من هذه النظريات سيترتب عليه نتائج مختلفة في فهم المعنى. تتناول هذه المقالة، ضمن دراسة عدة نظريات للوضع، أفضل النظريات التي تتمتع بصلاحية أكبر للتبيين والتوجيه المنطقي.

تحليل ماهية الوضع

السؤال الأساسي هو: عند الوضع، في مقابل أي شيء يوضع اللفظ؟ بعبارة أخرى، ما هو الشيء الذي يُتصوّر كمعنى أو مفهوم حتى يُهيأ له ثوب اللفظ؟ بالنظر إلى دراسة أنواع المفاهيم، يتضح إلى حد ما جواب السؤال المذكور. يجب أن يكون تصورنا للمعنى على نحو يكون جامعًا للأفراد (جميع أفراد هذا الحقل) ومانعًا للأغيار، كما هو مصطلح. وبهذا الاعتبار يمكن القول بأن المعنى هو تلك الحقيقة النفس الأمرية التي تشمل جميع مستويات الوجود، من أعلاها إلى أدناها، سواء أكان وجودًا عينيًا، أم ذهنيًا، أم اعتباريًا، وغير ذلك. ويُظَنّ أنه بناءً على هذه النظرة، عرّف العلماء في علم الأصول «الموضوع له» و«المدلول» في الوضع على نحو يغطي هذا النطاق الواسع من المعاني. من بين المسائل المهمة جدًا التي تعمق فيها الأصوليون المسلمون، مفاد الوضع وتزامنه مع ارتباط اللغة بواقع العالم الخارجي. لقد حللوا هذه المسألة ليبحثوا: عند الوضع، في مقابل أي شيء توضع الألفاظ؟ هل توضع الألفاظ في مقابل الصور الذهنية (الصورة التي يتصورها الواضع عند إرادة الوضع) أم في مقابل الماهيات الخارجية، أم أن هناك فرضية ثالثة؟ في الإجابة عن هذا السؤال، جاء تقرير السيوطي عن الآراء كالتالي: يرى أبو إسحاق الشيرازي بالرأي الثاني، وهو مختار السيوطي أيضًا. أما رأي الفخر الرازي وأتباعه فهو الرأي الأول. ثم ينقل رأي الإسنوي (جلال الدين عبد الرحمن بن حسن) في شرح منهاج الأصول للبيضاوي، حيث قال: الرأي الأفضل هو أن يقال إن اللفظ وُضع في مقابل المعنى بما هو معنى، بقطع النظر عن كونه ذهنيًا أو خارجيًا. تحقيق المعنى في الخارج أو في الذهن من الأوصاف الزائدة على المعنى، ولكن اللفظ وُضع للمعنى بدون أي وصف زائد؛ إذ إن هناك موارد لا يوجد فيها الموضوع له إلا في الذهن. (المزهر في علوم اللغة، ج١، ص٤٢) (سعيدى روشن، ١٣٨٨، روش بلكانى مفهوم شناسى واژگان قرآن) كذلك الشوكاني (المتوفى ١٢٥٥ هـ) يورد بعض الآراء كالتالي: قال الجويني والرازي إن اللفظ وُضع في مقابل الصورة الذهنية، سواء أكانت موجودة في الذهن والخارج أم في الذهن فقط. وقال آخرون، منهم أبو إسحاق: إن اللفظ وُضع في مقابل الوجود الخارجي. ويرى البعض أن اللفظ وُضع لـ «واقعية ما» أعم من الذهني والخارجي. وقد رجح الأصفهاني هذه النظرية. وفصّلت جماعة [بحسب متعلق الألفاظ] فقالت: إن الوضع المتعلق بالأسماء الشخصية هو وضع اللفظ في مقابل الوجود الخارجي، وهذا القول لا يتعارض مع واقع أن كل وجود خارجي له حضور ذهني؛ لأن الصورة الذهنية أداة ومرآة لملاحظة الوجود الخارجي لا أنها الموضوع له. أما في الأسماء غير الشخصية، فيوضع اللفظ في مقابل مفهوم كلي يمكن أن تكون أفراده خارجية أو ذهنية. فإذا كانت أفراده خارجية، فالموضوع له فرد من تلك الأفراد الخارجية، وإذا كانت ذهنية، فالموضوع له فرد ذهني، وإذا كانت ذهنية وخارجية كليهما، فالملاك هو الخارجي. والذين يفرقون بين اسم الجنس وعلم الجنس، يرون أن الوضع في مقابل الماهية المتحدة مع الخارج، ووضع اسم الجنس في مقابل غير المعين. وفيما يتعلق باسم الجنس، هناك رأيان: جماعة كالزمخشري وابن الحاجب، يرون وضعه في مقابل الماهية المنتشرة (الماهية بشرط شيء)، وجماعة أخرى كالشريف، يرون وضعه في مقابل الماهية من حيث هي هي (الماهية لا بشرط). (الشوكاني، دون تاريخ، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ص ١٤ و ١٥)

نظريات الوضع عند الأصوليين

قدم الأصوليون نظريات متنوعة بناءً على تعريفهم لماهية الوضع، ونشير إلى بعض أهم هذه النظريات:

1- نظرية الاختصاص

يعتقد المرحوم المحقق الخراساني أن الوضع هو علاقة خاصة بين اللفظ والمعنى، وهو يوجب اختصاص اللفظ بالمعنى، والذي يتحقق أحيانًا بتخصيص اللفظ بالمعنى، وكذلك بسبب كثرة استعمال اللفظ في المعنى. (الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، ج١، ص٩) وبناءً على هذا الرأي، فإن العلاقة السببية والدلالية بين اللفظ والمعنى ناشئة عن نوع من الوضع (التعييني أو التعيّني) والاعتبار العقلائي. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩، كفاية الأصول، ج١، ص١٠؛ الخوئي، ١٤١٠، محاضرات في أصول الفقه، ج١، ص٣٢) والإشارات اللغوية لا تدل على المعنى إلا بعد الوضع والعلم به.

2- نظرية الاعتبار

بيّن المرحوم الأصفهاني مسلك الاعتبارية في الوضع. وهو يرى أن الوضع هو اعتبار نصب اللفظ على المعنى، تمامًا كما هو الحال في اللافتة المنصوبة على جانب الطريق التي توضع بشكل تكويني لمكان ما. (محمد حسين الأصفهاني، نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج١، ص٤٧). من وجهة نظر المرحوم المحقق الأصفهاني، فإن ماهية الوضع هي اعتبار وضع اللفظ على المعنى. وبناءً على هذه النظرية، فإن الوضع نوع من الاعتبار، ومفاد هذا الاعتبار هو وضع الشيء على الشيء؛ أي كما أنه عندما توضع علامة على شيء، فإن هذا الأمر يكون مبدأً لنشوء الدلالة، ففي وضع الألفاظ أيضًا، يضع الواضع اللفظ على المعنى، وهذا الأمر يكون منشأً للدلالة، مع فارق أن الوضع في الحالة الأولى تكويني، وفي الثانية اعتباري، ولكنهما مشتركان في الأثر، وهو الدلالة. (بحوث في الأصول، الأصفهاني، ص٢٣؛ نهاية الدراية، ص٢٣) وهناك توجه آخر للاعتبار وهو رأي المرحوم المحقق النائيني. فهو يقبل الوضع، ولكنه لا يعتبره اعتبارًا بشريًا، بل اعتبارًا إلهيًا أُلهم للبشر. (محمد حسين النائيني، فوائد الأصول، ج١، ص٣٠) الفرضية المهمة التي بنيت عليها هذه النظرية هي أن الإنسان كان يمتلك لغة منذ بداية خلقه، وأن نشأة اللغة لم تكن أمرًا تدريجيًا، على الرغم من أن تطورها عبر الزمن أمر لا يمكن إنكاره. النقطة الأخرى هي أن المقصود بالإلهام في هذه النظرية هو أن الله قد خلق في البشر طبيعة تجعلهم يتكلمون وفقًا للاتفاقيات التي اعتبرها هو نفسه.

3- نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني

يستفاد من الأفكار المستخرجة لمؤسس الثورة الإسلامية في إيران أنه كان يميل إلى نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني. يرى المرحوم الإمام الخميني (قدس سره) في مفاد الوضع أن وضع الألفاظ هو للحقائق المطلقة والمعاني العامة. ويقول ضمن بحث علمي في مفهوم «الرحمن» و«الرحيم» وكيفية نسبتهما إلى الله تعالى: «قال أهل التحقيق إن الألفاظ موضوعة للمعاني العامة والحقائق المطلقة. فبناءً على ذلك، ليس التقييد بالعطف والرقة داخلًا في الموضوع له للفظ «رحمة»، وإنما نشأ هذا التقييد من أذهان العامة، وإلا فلا دخل له في أصل الوضع». ثم يحلل سماحته بالتفصيل الإشكالات المحتملة لهذه النظرية. (موسوي خميني، ١٣٨٣، آداب الصلاة، صص٢٤٨-٢٥١).

أ) تفصيل نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني

نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني مستقاة من نظريات المرحوم الإمام الخميني (قدس سره) (موسوي خميني، ١٣٨٣، آداب الصلاة، صص٢٤٨-٢٥١) وبعض نظريات العلامة الطباطبائي (الطباطبائي، ١٩٧٣، الميزان، ج١، ص١٠؛ ج١٧، ص٧). هذه النظرية تشير إلى وجود مراتب معنوية في النظام الخطابي، بحيث توضع الألفاظ لجوهر المعنى دون تدخل أي خصوصية خارجة عن الموضوع له. المعنى هو الأمر النفس الأمري الذي يحكي عنه المفهوم وهو مصداق التحقق الخارجي المقيد به. نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني لا تدعي وجود مراتب للمعنى، بل تقوم على أساس قبول واقعية المراد الجدي في كلام المتكلم، لا على اعتبار النص وجودًا مستقلًا عن المتكلم قابلًا للتفسير بمعانٍ مختلفة.

ب) فوائد نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني

إن نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني مفيدة جدًا لاستنباط النصوص الدينية. وذلك بالقول إن الألفاظ لم توضع للمصاديق المتبادرة منها، بل للملاك الموجود في المصاديق، وبعبارة أخرى، لروح المعنى، وما يتبادر من اللفظ ليس إلا مصداقًا عينيًا خارجيًا. هذه النظرية هي أداة لمعرفة حقيقة الموضوع لاستظهار الإطلاق من الكلام، وتنقيح المناط، وكشف سبيل حل التزاحم، والجمع العرفي، وحل تعارض الأدلة. وهي أيضًا أداة لاستنطاق النصوص الدينية لكشف إجابة الدين على المسائل المستحدثة، وإجابة على سؤال ما إذا كانت مصاديق المصادر الدينية هي نفسها مصاديق زمن الصدور وحجتها حصرية؟ وهل الموضوعات ثابتة ومصاديقها فقط هي التي تتغير؟ إذا لم تكن للكلمات سعة لتوسيع المعنى وشموليته، فإن استعمال اللفظ ليس للمعنى الظاهري الصرف، بل لأرواح المعاني، وأحد المعاني المتبادرة هو المعنى الظاهري لتلك الكلمة. هذه النظرية في مقام تبيين شمول معنى الموضوع له، لا المراد الاستعمالي للكلام، ويتحدد مدى الشمول بالقرينة.

ج) ماهية نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني

أساسًا، إذا قيل إنه لفهم خطابات الشارع يجب الرجوع إلى عرف زمن التخاطب، واستقاء كل من المفردات والتراكيب من هناك، فإننا نكون قد أنزلنا خطابات الشارع إلى مستوى فهم عرف زمن التخاطب؛ لأن هذه اللغة قد نشأت بما يتناسب مع ثقافة عرب البادية الذين كانت علاقاتهم محدودة وفي حدود احتياجات عرب الجاهلية. من الواضح أن مثل هذه اللغة لا تملك القدرة على هداية البشر إلى مراتب إنسانية عليا. لتوضيح الأمر، إذا تفحصنا كلمة ولفظ «ميزان» في النصوص الدينية، نجد أن هذا اللفظ في زمن الشارع المقدس كان أداة لوزن الأشياء، لكن هذا اللفظ استُخدم في ذلك الزمن نفسه لوزن أعمال يوم القيامة، حيث قال: «السلام على يعسوب الإيمان وميزان الأعمال».1 كذلك كلمة «يد» في النصوص القرآنية والروائية، حيث يُطلق هذا اللفظ أحيانًا على اليد المادية الظاهرية، كما في قوله: «تبت يدا أبي لهب» (المسد/١)، وأحيانًا بمعنى الحصاد المعد ليوم القيامة، كما في الآية الكريمة: «ذلك بما قدمت يداك» (الحج/١٠). وفي بعض الآيات، استُخدم لفظ «يد» كناية عن بسط اليد والقدرة على فعل أي شيء، مثل: «قالت اليهود يد الله مغلولة» (المائدة/٦٤). وكذلك ورد لفظ «يد» بمعنى القدرة الإلهية والإحاطة القيومية للحق تعالى: «يد الله فوق أيديهم» (الفتح/١٠). يبدو أن استعمال اللفظ لجميع هذه المعاني هو حقيقة جامعة. وكذلك كلمة «ماء»، التي قد يُتصور أنها تحمل معنى واحدًا في جميع اللغات والثقافات، وأنها من المشتركات اللغوية؛ ولكن يبدو أن هذه الكلمة نفسها في لغة الشارع تحمل معنى مختلفًا تمامًا عن لغة عرف زمن التخاطب. ذلك أن الماء في لغة عرب الجاهلية ليس أكثر من مادة سائلة باردة لها خصائص محدودة مثل إرواء العطش. بينما في لغة الشارع، له معنى أوسع من ذلك. كلمة «ماء» في المرحلة الأولى في الثقافة الدينية، بالإضافة إلى كونها مادة سائلة، هي طاهرة ومطهرة، ووسيلة للطهارة الظاهرية التي هي مقدمة للصلاة والخشوع أمام الرب. لذا، يكتسب الماء في الارتكاز الثقافي الديني مكانة خاصة، ونظرة إليه تختلف مقارنة بمجتمع غير ديني يعتبر الماء مجرد وسيلة لإرواء العطش وأمور من هذا القبيل. في مرحلة أخرى في لغة الشارع، يكتسب الماء معنى أسمى من هذا، فبالإضافة إلى كونه وسيلة للطهارة، يُعرّف بأنه كائن سماوي أنزله الله تعالى على الأرض. بل إن معنى الماء قد ارتقى حتى نُسبت إليه حياة كل الأشياء. يلاحظ أن الثقافة الدينية تتصرف حتى في كلمة تبدو بسيطة كالماء، وتخلق ارتكازًا يتناسب مع العبودية والتذلل للحق تعالى. من البديهي أن مثل هذا الفهم لكلمة الماء يختلف تمامًا عن الماء كمادة سائلة باردة، ولا يمكن القول إن الشارع قد أمضى لغة العرف في زمانه؛ على الرغم من أنه استخدمها كلغة تبعية.

4- نظرية التعهد

طرح هذه النظرية في البداية المرحوم آية الله الملا علي النهاوندي2 في «تشريح الأصول» (ملا علي نجفي النهاوندي، تشريح الأصول، ج١، ص٢٢)، ثم الشيخ عبد الكريم الحائري (عبد الكريم الحائري، درر الفوائد، ج١، ص٤٤)، وكذلك الشيخ محمد رضا الأصفهاني (محمد رضا نجفي أصفهاني، وقاية الأذهان، ص٦٢)، والمرحوم السيد الخوئي (السيد أبو القاسم الخوئي، محاضرات في أصول الفقه، ج١، ص٤٦). ويفسرون الوضع بأنه تعهد من الواضع بأنه سيستعمل اللفظ حصرًا عند إرادة تفهيم معنى خاص. واعتبروا الوضع قضية شرطية تعهدية، مفادها أنه كلما استُعمل لفظ معين، كان المقصود إرادة إفهام معناه. (أبو القاسم الخوئي، محاضرات، ج١، ص٤٩)

أ) الادعاء المحوري لنظرية التعهد

في العصر الأخير، عُرفت نظرية التعهد في الغالب باسم المحقق الخوئي (رحمه الله عليه)، ونادرًا ما أشار الكتّاب المعاصرون في بحث مسلك التعهد إلى المصدر الأصلي. والمحقق الخوئي نفسه لم يشر إلى سابقة هذا البحث، ولم يذكر أسماء العلماء الذين سبقوه في تبيين نظرية التعهد. (مصطفوي، أجود التقريرات، ج١، ص١٢). بما أن المحقق النهاوندي، كمؤسس لمسلك التعهد، قد طرح بحثًا قيّمًا وشاملًا في نفس الوقت، فإننا سنلقي نظرة موجزة على رأيه ثم نقدم الرأي المختار.

ب) ماهية التعهد

ينشأ التعهد من وجهة نظر المحقق النهاوندي من الإرادة ويعود إليها. وفي نظامه الأصولي، تحتل الإرادة مكانة مهمة. ولهذا السبب يبدأ كتاب «تشريح الأصول» بهذا البحث. من وجهة نظره، الإرادة هي الاعتقاد بالنفع أو المصلحة، مع ملاحظة أن مجرد الاعتقاد ليس كافيًا؛ بل يكتسب صفة الإرادة عندما يقوم الشخص المريد بإجراء عملي للوصول إلى مراده، ويتخذ خطوة لتحقيقه. من هنا، إذا كان عمل ما غير قابل للتحقيق أبدًا ولم يكن لدى الإنسان القدرة على تحصيله، حتى لو تُصوّر فيه نفع، فبما أنه لا يمكن اتخاذ خطوة للوصول إليه، فإنه لا يقع تحت إرادة الإنسان وليس أكثر من أمنية. كما أنه إذا لم يكن الفعل مستحيلًا وكان ممكن الوقوع، ولكن تنفيذه ليس في قدرة الشخص المريد، فإنه لا يقع تحت الإرادة أيضًا. وإذا كان الشخص جازمًا بأنه سيقوم به عند توفر الشروط، فإن هذه الحالة تعتبر عزمًا فقط، لا إرادة. إذن، في تحليل ماهية الإرادة، يتدخل عنصران: العنصر الأول هو الاعتقاد والعلم بأن ذلك الفعل فيه نفع، والعنصر الثاني هو الإجراء العملي أو الاشتغال الذي يتصف به الاعتقاد بالإرادة. وما لم يحدث الاشتغال، لا يُنتزع عنوان الإرادة. عبارته هي: «فالإرادة صفة تحدث في محلها، وهو العلم بعد الاشتغال بالفعل المراد وبملاحظة هذا الفعل وباعتباره. فالاعتقاد يعنون بها بعد الشروع في الفعل أو مقدماته» (النهاوندي، ١٣٢٠، ص٤). بهذا التوضيح، ما لم يحدث الاشتغال، تكون الإرادة مجرد شأنية، وذلك الإجراء العملي والاشتغال هو الذي يوصلها إلى الفعلية. الآن، إذا كانت الإرادة على نحو يكون فيه جهل الطرف المقابل عائقًا أمام تحويل الشأنية إلى فعلية، ويرتفع هذا الجهل بالإبراز والبيان، فإن الإرادة الفعلية في هذه الحالة هي نفسها الإرادة المبرزة، وهذه الإرادة المبرزة هي نفسها التعهد. إذن، التعهد له ثلاثة عناصر أساسية: الإرادة الشأنية، البيان، وتوقف الفعلية على البيان. ويقول في هذا الخصوص: «التعهد هو الالتزام الاختياري الذي فعليته بالبيان والإعلام، ويعبّر عنه بالفارسية: قرار دادن. ففي البيان مدخلية لتحقق عنوان التعهد نظير عنوان الطلب الذي هو حقيقة في إرادة فعل الغير وفعليته إنما هي بالبيان» (نفس المصدر، ص٢٣). إذن، ماهية التعهد دائمًا من جهة هي حقيقة نفسانية (أي الإرادة)، ومن جهة أخرى هي إبراز وإظهار. يعتقد المحقق النهاوندي أن روح الإنشاء ليست سوى بيان الإرادة، وسر كونه إنشاءً هو أنه يمنح الإرادة فعلية. في جمل الأمر والنهي والاستفهام والنداء، يكون الإنشاء معبرًا عن طلب المريد بالنسبة لفعل الغير. وفي الإيقاعات والعقود، وكذلك جمل الوعد والوعيد، يبرز الشخص إرادته هو، لا بالنسبة لفعل الغير. يعتبر المحقق النهاوندي الوضع أيضًا تعهدًا وإنشاءً. من حيث إن الواضع يريد أن يستخدم اللفظ (ب) في تفهيم المعنى (أ)، ويعبر عن هذه الإرادة بطريقة خاصة. هذا الادعاء للمحقق النهاوندي يقوم على دعويين: الدعوى الأولى: يمكن لنظرية التعهد أن تكون تبريرًا وشرحًا صحيحًا للوضع؛ ما يسعى إليه الواضع في الوضع هو حقيقة وجود نوع من التبعية بين استخدام اللفظ (ب) وقصد تفهيم المعنى (أ). وهذا الغرض يُؤمّن بتعهد يلتزم به الواضع. والفرض هو أنه تعهد بأنه عند تفهيم المعنى (أ) سيستخدم اللفظ (ب). هذا التعهد يؤدي إلى نشوء مثل هذه العلاقة في أذهان المخاطبين. السؤال هو: إذا كان الواضع قد تعهد بذلك، فمن أين لنا أن نعلم أن المستخدم ملتزم بهذا التعهد؟ جواب المحقق النهاوندي هو أن التعهد جزء من السبب وليس كله؛ لأنه أولًا، يجب إحراز أن المتكلم ملتزم بهذا التعهد أثناء كلامه. وثانيًا، يجب إحراز أننا لم نخطئ في فهم الواقع وتحديد الوضع. وهذان الإحرازان يتمان بالأصول العقلائية: أحدهما أصل التبعية، والآخر أصل عدم الاشتباه. الأصل الأول هو أنه ما دام فرد في مجتمع لغوي لم يصرح بخلاف ذلك، فإنه يتبع التعهد الأصلي للواضع. والثاني هو أن ظهور حال الفرد هو أنه لم يخطئ في فهم نظر الواضع، وأنه فهم تعهد الواضع بشكل صحيح. هذان الأصلان من الأصول الظنية؛ لكننا مضطرون للعمل بهذه الظهورات ما لم يكن هناك ظهور أقوى. (نفس المصدر، ص٢٠) إذن، في فهم مراد المتكلم، نحتاج في كل حال إلى هذه الأصول العقلائية، لكن إصرار المحقق النهاوندي هو أن إرادة تفهيم المعنى عن طريق لفظ خاص هي مضمون الدلالة الوضعية. هناك سؤال مهم آخر يطرح في طريق إمكانية ثبوت نظرية التعهد، وهو إشكال الدور. وينشأ هذا الإشكال من تحليل المحقق النهاوندي لماهية التعهد، وهو أن فعلية الإرادة، بحسب تعريفه، مرتبطة بالبيان. وهنا، للبيان دور فعال وتأثير إيجادي، أي أنه يتدخل في تحقق فعلية الإرادة. أحد العناصر الجوهرية للتعهد هو أن يكون للبيان جانب مقدمي، وأن يُستخدم في سبيل الوصول إلى الفعلية. وهذا يعني أنه إذا لم يكن للبيان مثل هذه الدلالة، فإن التعهد لا يتحقق بطبيعته. الآن، إذا كان من المفترض أن نربط التعهد بكونه مقدمة، فإن مشكلة الدور تظهر؛ لأن التعهد مرتبط بكون البيان مقدمة، والبيان اللفظي بدوره يحتاج إلى الوضع لكي يدل على كونه مقدمة، والوضع ليس سوى تعهد. فنرى أن التعهد يعتمد على نفسه. جواب المحقق النهاوندي هو: «فكون وقوع على الحجة التوصلية مأخوذ في اللفظ الكاشف، ولكنه ليس من حيث الوضع، بل باعتبار كشفه عن الإرادة التامة التي لا تنفك عن الفعلية بحكم العقل بكون الكاشف فعلية لها ووارد في مقام التوصلية والمقدمية» (نفس المصدر، ص٢٣). نحن نقبل أن التعهد يعتمد على كونه مقدمة؛ لكن يجب الانتباه إلى أننا لا نستفيد من كون الشيء مقدمة من الدلالة الوضعية ليكون معتمدًا على الوضع، وبالتالي على التعهد. عندما يكون الشخص ذا إرادة حتمية ووصلت إرادته إلى حد الشأنية، والعائق الوحيد هو جهل الطرف المقابل، فبمجرد أن يعلم المخاطب أن الشخص لديه إرادة تامة، ومن مقام هذه الإرادة يُستنتج بشكل طبيعي وبدون حاجة إلى دلالة وضعية أن البيان مقدمة للوصول إلى المقصود؛ ولذلك عندما يستخدم الشخص اللفظ في مقام الاستعمال، مع فرض أن تصديه للبيان نابع من إرادة يريد بها التفهيم للمخاطب، يُستنتج أن البيان مقدمة لفعلية هذه الإرادة. الدعوى الثانية: النظريات الأخرى لا تستطيع توضيح حقيقة فعل الواضع. يقول سماحته: لقد طُرحت نظريات مختلفة في هذا الباب، منها: تخصيص اللفظ بالمعنى، وإيجاد ملازمة بين اللفظ والمعنى، وتنزيل اللفظ منزلة المعنى، أو تعيين اللفظ لجهة الدلالة على المعنى، وغيرها…؛ لكن أيًا منها لا يمكن أن يوضح ماهية الوضع. لتوضيح الأمر، الأمور في الخارج على نوعين: ١- أمور متأصلة واقعية لها ما بإزاء في الخارج، مثل زيد وعمرو. ٢- أمور انتزاعية ليس لها ما بإزاء في الخارج مباشرة، ولكنها تُنتزع من موجودات النوع الأول. مثل الأبوة والبنوة والفوقية و… تُسمى الفئة الأولى الحقائق الأولية، والمجموعة الثانية العناوين الثانوية. ومن ناحية أخرى، الأفعال أيضًا على نوعين: النوع الأول هو الأفعال التي تتحقق بدون واسطة وبشكل مباشر، مثل حركات البدن. والنوع الثاني هو الأفعال التي تتم بواسطة، مثل الإحراق الذي هو نتيجة إلقاء النار. بعبارة أخرى، الإلقاء له عنوانان: ١- العنوان الأصلي وهو نفس الإلقاء، ويعبر عن الصورة الأولية والعنوان الأولي للفعل. ٢- العنوان الانتزاعي والثانوي والعارض الذي يُنسب إلى الإلقاء باعتبار نسبة خاصة بين الإلقاء والإحراق. كذلك العناوين الثانوية والأفعال التبعية، لا يقع أي منها مباشرة تحت قدرة الإنسان؛ بل تُنتزع في طول تعلق الفعل بالأفعال الأولية. تتحقق الإرادة عندما تتعلق بفعل مقدور، عن طريق العنوان الأولي. نتيجة لذلك، العناوين الأولية فقط هي التي تقع تحت الإرادة، والعناوين الثانوية تظهر كتابع ونتيجة للفعل الأولي. يستفيد المحقق النهاوندي من هذه المقدمات كالتالي: «تلك الأمور كلها من الأمور الاعتبارية التي ليس لها ما بإزاء في الخارج والأمورات الاعتبارية تغييرها وتبدلها بلا تصرف في أحد طرفيها ولا بواسطة تغيرها وحركتها محال لا يعقل» (نفس المصدر، ص٢٨). هذه المعاني المذكورة للوضع (التخصيص، التبيين، جعل الملازمة، التنزيل و…) لا تعبر عن واقع فعل الواضع، لأنها ليست عناوين أولية؛ وبالتالي لا تقع تحت إرادة الواضع. القدرة تتعلق أولًا وبالذات بالتخصيص والتعيين. في البداية، يتم عمل يقع تحت قدرة الواضع، لكن نتيجته هي أن التخصيص والتعيين و… يُنتزع من مقام فعل الواضع. بالطبع، يذكر المحقق النهاوندي هذه النقطة أيضًا، وهي أن هذا الإشكال يوجه إلى من يدعي أن هذه التخصيصات والتعيينات هي التي تصدر مباشرة من الواضع. أما إذا ادعى أحد أن الواضع يفعل شيئًا تكون نتيجته التخصيص أو التعيين، فلا يرد عليهم إشكال. بعبارة أخرى، إذا أصر شخص على أن ما يتم من قبل الواضع هو بالفعل تخصيص أو ملازمة بالمعنى الدقيق للعنوان الأولي، فإنه بالتأكيد يطرح ادعاءً باطلًا؛ لأنه من المؤكد أن أنصار نظرية التخصيص أو التعيين وغيرهما لا يقصدون أنه يوجد خارج الذهن وفي عالم الواقع بين اللفظ والمعنى ارتباط من قبيل التخصيص أو الملازمة، بل المقصود على القاعدة نوع من التخصيص أو التعيين والارتباط والملازمة الذهنية. ونحن لا نجد أي تصرف خارجي ومباشر في اللفظ يؤدي إلى وجود التخصيص أو التعيين؛ إلا إذا اعتبرنا سلوكًا وفعلًا من الواضع ينتج عنه، بطبيعة الحال، تخصيص أو ملازمة أو أي نوع من الارتباط الذهني من هذا القبيل. (نفس المصدر، ص٢٩) إصرار المحقق النهاوندي هو أن جعل الملازمة أو التخصيص والتعيين كلها من العناوين المسببة ولا تحكي عن السبب. ما يصدر عن الواضع هو السبب نفسه، أي العمل الذي يصدر منه مباشرة؛ لكن كون نتيجة عمله علاقة وملازمة ذهنية ما، لا ينبغي أن يوقعنا في الخطأ، وبدلًا من الإشارة إلى السبب في تحليل الوضع، نبحث عن المسبب. إذن، تعابير مثل «جعلته»، «سميته»، والعناوين من هذا القبيل كلها تعبير عن المسبب، ولكن هذه الأمور نفسها لا تصدر أبدًا بشكل مباشر عن الواضع. على العكس، التعهد بأني سأستخدم اللفظ (ب) عند إرادة مفهوم (أ)، كما مر، هو إرادة تصدر مباشرة منه. يواصل المحقق النهاوندي الإشارة إلى أنه حتى لو لم يقبل أحد برهاننا على عدم إمكانية صدور الوضع بهذه المعاني من الواضع، فإنه لا يوجد مبرر للعدول عن مسلك التعهد، وذلك لأن فرضنا هو أن الواضع شخص عاقل، وبالطبع لا يرتكب عملًا لغوًا وعبثيًا في مقام الوضع. على هذا الأساس، فإن المسالك الأخرى في الوضع، حسب ادعائنا، خالية من اللغو. تقرير المطلب: الهدف من الوضع هو أن يتمكن المخاطب عند مواجهة عبارة من المتكلم من نسبة المطلب والمحتوى المذكور إليه. وهذا يحدث عندما يكون لدى المتكلم إرادة تفهيم محتوى الكلام، ولا يكون في مقام أداء اللفظ وإلقاء تصور المعنى فقط. نظرية التعهد تؤمن هذا الغرض جيدًا، وأساسًا، الدلالة التصديقية مستندة تمامًا إلى الوضع، والدلالة الوضعية ليست سوى هذا. هنا، يطرح المحقق النهاونادي إشكالًا وهو أن الوضع ليس من المفترض أن يؤمن كل هذا الغرض؛ بل يكفي أن يوجد الدلالة التصورية، ونحن نؤمن الجزء الآخر بالاستناد إلى ظاهر حال المتكلم. أي أننا نحصل على الدلالة التصورية من اللفظ، والدلالة التصديقية من جهة ظاهر الحال الخارج عن حريم مفاد الوضع. الجواب الذي يقدمه المحقق النهاونادي على هذا الإشكال هو كالتالي: من المؤكد أننا إذا تمكنا من تأمين هذه الدلالة مباشرة بالوضع، فإننا نصل إلى هدف الوضع بصراحة وسرعة أكبر؛ ولذلك، باعتبار هذه النقطة، قد اتبع الواضع هذه الطريقة؛ لأن العاقل يختار الطريق الأقصر، وليس هناك حاجة لاختيار الطريق الأطول في باب التوجيه. إذا اختار الواضع هذا الطريق في مقام الاختيار، وترك الطريق الأقصر، فإن ذلك يحكي عن تساهله، وهذا خلاف الفرض، وبتعبير آخر «آكل من قفاه». (نفس المصدر، ص٣٤) إذن، لمسلك التعهد سند عقلي وعقلائي. وفي نفس الوقت، من وجهة نظر المرحوم النهاوندي، يمكن من خلال الحفاظ على نظرية التعهد تقرير عملية الوضع بطريقة، مع قليل من التسامح، تقترب من النظريات الأخرى. يعترف الواضع أولًا بأنه إذا كانت هناك علاقة في أذهان المخاطبين بين اللفظ والمعنى، فإنها تؤدي إلى الدلالة. وللوصول إلى هذا الهدف، ينزل اللفظ والمعنى كأمرين متلازمين، وروح هذا التنزيل هو أن الواضع يبني على أن يتعامل مع هذين الأمرين كأمرين متلازمين. في الخطوة الثالثة، يبرز هذا البناء والتعهد بالملازمة. إذن، روح هذه النظرية شيئان: ١. أن يعامل اللفظ والمعنى معاملة أمرين متلازمين. ٢. أن يبرز هذا البيان. بالطبع، من الطبيعي أن التعهد بالملازمة يفتح الطريق بنفسه لتكوين ارتباط ذهني بين اللفظ وإرادة تفهيم المعنى في ذهن المخاطب، ويتشكل نوع من الملازمة الاتفاقية. مع فارق أن هذه الملازمة الثانية هي نتيجة الوضع، وليست الوضع نفسه. والأدق أن يقال إن الملازمة بين اللفظ وإرادة تفهيم المعنى هي التي تتحقق. قد يطرح هذا السؤال: إذن في النهاية، قبل المحقق النهاوندي مسلك الملازمة. جوابه هو أننا لا نوجد الملازمة مباشرة، بل العمل الذي يمكننا القيام به كواضعين هو التعهد بالملازمة والبناء على الملازمة، وهو نفس إرادة الواضع. وهذا غير التصدي لإيجاد الملازمة. «فإن البناء على الإسماع عند إرادة التفهيم عين الإرادة والاختيار وبعد هذا الاختيار ينتزع الملازمة المذكورة» (نفس المصدر، ص٣٨) إذن، التعهد في نظر المحقق النهاوندي أمر قليل المؤونة، وبهذا المقدار الذي نقبله بأن الواضع قد قرر في الواقع أن يستخدم لفظًا خاصًا عند تفهيم المعنى، نكون قد قبلنا عمليًا مسلك التعهد.

5- نظرية القرن الأكيد

يعتقد المرحوم الشهيد السيد محمد باقر الصدر أن وضع اللفظ على المعنى هو عملية تكوينية تتم في إطار استخدام القوى الذهنية واللغوية لإيجاد اقتران مؤكد بين اللفظ والمعنى. اقتران يؤدي إلى مقبولية عرفية ونوعية. (الشهيد الصدر، بحوث في علم الأصول، ج١، ص٨٢) يتم تحليل هذا المسلك بشكل أكبر ضمن عرض الرأي المختار.

الرأي المختار

من بين نظريات الوضع المختلفة، على الرغم من أن نظرية التعهد تتمتع بفخامة علمية وإتقان أكبر، وكذلك نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني تحل الكثير من غموض المسألة وتدعي أن روح المعنى هو الموضوع له للفظ، سواء كانت هناك قرينة في الكلام أم لا، وفي حال وجود قرينة، فإن روح المعنى تكون محدودة ومقيدة في مقام المراد الجدي للكلام. لكن كلتا النظريتين لا تخلو من إشكال، وأهم إشكال هو: يُظن أن النقص المشترك في النظريات المذكورة هو النظرة الأحادية لمسألة المعنى في عملية الوضع. فإن وجهة النظر المصداقية في نظرية التعهد تقيّم المعنى فقط كأمر مستقل عن عالم الذهن.3 هذه النظرة تقيّم المعنى فقط من أفق فعل المتكلم ومقصده ومحتوى إرادته دون النظر إلى صورة وشكل فعله اللغوي. لكن نظرية وضع الألفاظ لأرواح المعاني، على العكس، تضع ارتباط المعنى بالواقع العيني في بوتقة النسيان، وتفسر المعنى على أنه مجرد أمر ينطبع في الذهن.4 هذا في حين أن مسألة المعنى حقيقة معقدة وذات أبعاد، ومن هنا لا يمكن الوصول إلى وجهة نظر مدللة دون مراعاة جوانبها المختلفة. من وجهة نظر الكاتب، فإن أفضل تفسير للوضع يختص بنظرية القرن الأكيد للشهيد الصدر، والتي هي نتاج إبداعاته العلمية وتتوافق مع أفكاره الفلسفية الدقيقة. يعتبر الشهيد الصدر، مثل مشهور الأصوليين، بحث الوضع من مقدمات علم الأصول ومن المبادئ التصورية له. من وجهة نظره، المباحث المقدماتية لعلم الأصول هي المباحث المرتبطة بمباحث الألفاظ، وبما أن الوضع من الأمور المرتبطة بمباحث الألفاظ، فإنه يأتي في المقدمة. يسعى سماحته إلى تقديم تصنيف منطقي لمباحث علم الأصول المقدماتية. وبعد تقديم توضيحات، يقسم مباحث المقدمات إلى أربعة أقسام كلية: دلالة الألفاظ على المعاني الحقيقية والمجازية، الاستعمال، علامات الحقيقة والمجاز، والتطبيقات. ويبحث المباحث المتعلقة بالوضع في القسم الأول (محمد باقر الصدر، بحوث في علم الأصول، ج١، ص٦٧-٧٢). من ظاهر عبارات الشهيد الصدر، يُفهم أن سبب بحث الوضع يرجع إلى كيفية دلالة الألفاظ على المعاني، وبما أن دلالة الألفاظ على المعاني وضعية، لذا يُبحث عن الوضع كمبادئ تصورية وفي مقدمات الأصول. يبدو أن بحث الوضع في رأيه له مكانة أعلى من الآخرين؛ لأن الآخرين يربطون بحث الوضع بالمباحث الأصولية في حدود المبادئ التصورية لبحث المعاني الحرفية والهيئات. بينما يرى الشهيد الصدر أن سبب بحث الوضع هو أثره في الدلالات الوضعية. من وجهة نظر المرحوم الشهيد الصدر، حقيقة الوضع هي نوع من القرن الأكيد الذهني بين اللفظ والمعنى. بناءً على هذه النظرية، ما يسبب دلالة اللفظ على المعنى هو المقارنة الأكيدة الناتجة عن التكرار أو ظروف خاصة بين اللفظ والمعنى (بحوث في علم الأصول، ج١، ص٨١). تعود هذه النظرية إلى نظريات الاشتراط الكلاسيكي، حيث إن اقتران المثير الشرطي (اللفظ) بالمثير غير الشرطي (الدال الحقيقي للمعنى) يؤدي إلى إيجاد استجابة (معنى) عند تقديم المثير الشرطي بمفرده. بناءً على هذا الرأي، ليس الاعتبار منشأ نشوء الوضع، بل منشأ الوضع هو هذه الخصوصية النفسية التي بعد اقتران المثير الشرطي بالمثير غير الشرطي، يمكن للمثير الشرطي وحده أن يستدعي الاستجابة. إن إيجاد علاقة حقيقية بين اللفظ والمعنى ناشئ عن هذه الخصوصية الذهنية والنفسية التي تؤدي، عند تماثل اللفظ والمعنى، إلى أن تصور اللفظ يوجد تصور المعنى تدريجيًا. بالطبع، لم يرد في كلام المرحوم الشهيد الصدر كيفية إيجاد هذه العلاقة الحقيقية، بل اكتفى بالإشارة إلى أنها مجرد خصوصية ذهنية. ولكن بالنظر إلى أن نظريته هي مصداق لنظرية الاشتراط الكلاسيكي في علم النفس، يمكن متابعة البحث بشكل أوسع هناك. ولكن ما هو مهم ويتعلق ببحث الوضع هو أن علاقة حقيقية، لا اعتبارية، تقوم بين اللفظ والمعنى. هذه نقطة تظهر في كلام الشهيد الصدر، ونحن أيضًا استفدنا منها في تبيين جزء من عملية الوضع. يجب أن نعلم أنه في رأي الشهيد الصدر، الوضع يعادل فقط مرحلة إيجاد العلقة الحقيقية، ولكن كما قيل، هناك مراحل قبل وبعد هذه المرحلة في عملية الوضع، وكل مرحلة متأثرة بعوامل متعددة. في إيجاد العلقة الذهنية، تحدث سلسلة من العمليات النفسية والبيولوجية الداخلية في كل فرد، والتي قد لا يكون من الضروري تناولها في بحث الوضع. بالإضافة إلى ذلك، قيل إن علم النفس، خاصة عندما يقترب من مباحث الفسيولوجيا، هو المتكفل بهذا الأمر. إضافة إلى أنه لا يوجد سيطرة كبيرة على هذه العمليات، وهي تحدث دائمًا بشكل متماثل، ولذلك لا تتناسب مع هدفنا من طرح بحث الوضع، وهو معرفة عوامل إيجاد وتغيير الوضع، وستكون خارجة عن البحث. تقسيم الوضع من حيث المنشأ: ١- الوضع التعييني: بمعنى وضع لفظ معين لمعنى معين، مثل تسمية مولود وما شابه، والذي يتشكل عن طريق الاقتران بين اللفظ والمعنى، قرن أكيد. ٢- الوضع التعيّني: بمعنى كثرة استعمال اللفظ في معنى واحد، والذي يتشكل تدريجيًا وعلى أساس كثرة الاستعمال قرن أكيد، إلى درجة أن اللفظ بدون قرينة يؤدي إلى انسباق ذلك المعنى. إشكال الشهيد الصدر (قدس سره): لقد أورد سماحته إشكالًا على تصور هذا النوع من الوضع بناءً على مسلكي الاعتبار والتعهد (بحوث في علم الأصول، ج١، ص٩٦). بناءً على مسلك الاعتبار، يوجد هذا الإشكال، وهو أن مقولة كثرة الاستعمال تختلف عن مقولة الاعتبار والإنشاء، وقبل الاستعمال الكثير، لم يحدث اعتبار وإنشاء للفظ في ذلك المعنى، وكان على أساس المجاز والقرينة، وبعد الاستعمال الكثير، عندما تحقق الوضع التعيّني، لم تعد هناك حاجة إلى اعتبار أو تعهد آخر. هذا الإشكال لا جواب له، وهو بالفعل شاهد ومنبه مهم على أن حقيقة الوضع هي نفس الجانب التكويني للقرن بين اللفظ والمعنى، لا الجانب الاعتباري والوضعي الذي قُدم في نظرية الاعتبار. بناءً على نظرية التعهد أيضًا، على الرغم من أن القائل يمكنه أن يبرر ذلك بأن كثرة استعمال المستعملين كاشفة عن أنهم قد التزموا وتعهدوا باستعمال اللفظ في هذا المعنى بدون قرينة، أو بعبارة أخرى، كان في البداية مع قرينة، وعندما وصل الاستعمال إلى حد من الكثرة بحيث حُذفت القرينة، كان ذلك كاشفًا عن أن المستعملين قد تعهدوا باستعمال اللفظ بعد ذلك بدون قرينة في ذلك المعنى، لكن هذا التبرير خلاف الواقع. على أي حال، فقط بناءً على مسلك الاقتران يمكن أن تكون كثرة الاستعمال منشأً للوضع التعيّني وهو مقبول، بالطبع كثرة الاستعمال كاشفة عن المقبولية اللغوية أيضًا. قد يُدعى أنه بالنظر إلى أن الاستعمالات الكثيرة في الوضع التعيّني هي استعمالات مجازية، فإن هذا الإشكال يرد على مسلك القرن، وهو أن العلاقة أو الاقتران بين اللفظ والمعنى في هذا القسم من الوضع سيكون اقترانًا مع قرينة، إذن يتشكل الاقتران بين اللفظ وحده بدون قرينة مع المعنى حتى تتشكل علاقة وعلقة وضعية، ولكن هذا الادعاء غير صحيح لأن القرينة في الاستعمالات المجازية ليست من نوع واحد، والقول بأن استعمال اللفظ مع قرينة هو عنوان انتزاعي لا أكثر، لأن القرينة أحيانًا حالية وأحيانًا مقالية وأحيانًا إشارة وأحيانًا غير ذلك، وهكذا ما يثبت في الاستعمالات الكثيرة هو اللفظ المستعمل فقط، وبالتالي يتكون الاقتران بين ذلك اللفظ الثابت وذلك المعنى. ٣- الوضع بالاستعمال: أي باستعمال واحد، يستعمل اللفظ أولًا في معنى لم يوضع له من قبل، وفي نفس الوقت يقصد تعيين اللفظ في ذلك المعنى، مثل أن ينادي مولودًا لأول مرة ويريد من خلال ذلك تسميته أيضًا، ووقوع هذا النحو من الوضع في الأعلام هو أفضل شاهد على إمكانه، وصاحب الكفاية بدأ البحث بسؤال عن إمكانه. بناءً على نظرية القرن، من الواضح أن الاستعمال الواحد هو أيضًا نوع من إيجاد قرن بين اللفظ والمعنى، لأن الاستعمال الواحد، وإن كان مصحوبًا بقرينة ومعنى مراد، يسبب إحساس اللفظ، والارتباط والقرن الأكيد يتشكل، وأساسًا عندما تكون حقيقة القرن بمعنى أن إحساس اللفظ مقترن تكوينًا بتصور المعنى، فإنه عندما يمكن أن يتشكل الاقتران حتى بدون قصد إخطار المعنى، فمن باب أولى في الموضع الذي يقصد فيه إخطار المعنى بالاستعمال، يكون تأكيد الاقتران بالتأكيد أكبر، بمعنى أن العامل الكيفي أشد. ولكن تصور هذا الوضع وفقًا لنظريتي الاعتبار والتعهد مشكل، لأن الاستعمال ليس اعتبارًا أو تعهدًا، بل هو مقولة أخرى. الاعتبار والتعهد فعل نفساني وأمر إنشائي واتفاقي نفساني، والاستعمال فعل خارجي، إذن يتم الوضع بالاستعمال نفسه أو في طوله. لقد تم تقرير تصور الوضع بالاستعمال وفقًا لمسلك الاعتبار من البداية من قبل الشهيد الصدر (قدس سره) بطريقتين ثم رفضه من قبله. التصور الأول، قالوا إنه بناءً على أننا نعتبر الإنشاء إيجاد معنى إنشائي باللفظ، يمكن القول إن الوضع بناءً على مسلك الاعتبار بمعنى إيجاد تلك العلقة اللفظية، إذن الواضع باستعمال اللفظ ولو مرة واحدة يوجد علاقة اعتبارية بين اللفظ والمعنى. الجواب للشهيد الصدر: الجواب هو أن كبرى هذا الكلام غير معقولة، لأن الأمور الإنشائية والاعتبارية من الأمور النفسانية وأفعال عالم نفس المعتبر، وإيجادها في أفق النفس، واللفظ يمكن أن يكون كاشفًا عنها فقط، ولهذا لا نقبل مبنى إنشاء المعنى باللفظ، وفي المعاملات العقلائية والشرعية أيضًا إذا وجد إنشاء «بعت»، فليس بمعنى إيجاد المعنى باللفظ، بل بمعنى التسبب لإيجاد موضوع معتبر عقلائيًا وشرعيًا، أي أن الإنسان بإنشائه الشخصي يملّك نفسه مع مراعاة الشروط المقبولة لدى العقلاء أو الشارع، وبقول «بعت» يسبب ويوجد موضوع تحقق ذلك الأمر العقلائي والشرعي في الخارج، وهذا الأمر لا علاقة له ببحث إيجاد المعنى باللفظ. بالإضافة إلى هذا الإشكال، يبدو أن هناك إشكالًا آخر، وهو أنه ما لم يكن المعنى المستعمل فيه إنشائيًا، لا يمكن إيجاده باللفظ، والاستعمال هو فقط إخطار بذلك المعنى هنا لا أكثر. التصور الثاني مبني على استظهار الشهيد الصدر (قدس سره) من تعبير صاحب الكفاية في تفسير الوضع، حيث قال: «الوضع نحو اختصاص للفظ بالمعنى وارتباط خاص بينهما، ناش من تخصيصه به تارةً، ومن كثرة استعماله فيه أخرى» (كفاية الأصول، ج١، ص١٠). يعني أن صاحب الكفاية قد قبل مسلك الاعتبار، ويرى أن حقيقة الوضع هي اعتبار واختصاص اللفظ بالمعنى، وهذا الاختصاص أعم من إنشائه أو إيجاد مصداقه بواسطة استعمال اللفظ، نظير مبادلة شيئين التي تتم عن طريق إنشاء البيع وعن طريق فعل المعاطاة الذي هو مصداق خارجي للمبادلة، والمعاطاة توجد مصداقًا تكوينيًا لتلك المبادلة. في هذه الحالة، لا حاجة إلى عناية زائدة في مسلك الاعتبار، من حيث إنه بالاستعمال، تتكون علاقة وضعية تكوينية، وتحقق مصداق تخصيص اللفظ للمعنى، ولكن هذا البيان غير صحيح أيضًا، لأنه: أولًا – في مقام الاستعمال أو إخطار المعنى، يطرح شخص اللفظ بينما في باب الوضع، كلي اللفظ هو الموضوع، والاستعمال بمفرده يكفي لتخصيص طبيعي اللفظ لطبيعي المعنى، إلا إذا كان المقصود من استعمال شخص اللفظ هو تخصيص طبيعي اللفظ، وهو ما يحتاج إلى إنشاء. ثانيًا – إيجاد مصداق الوضع خارجيًا، وهو عبارة عن تخصيص اللفظ للمعنى، مشروط بأن يكون للفظ أهلية الأداة ووسيلة إخطار المعنى، حتى يتمكن المستعمل من إيجاد مصداقه في الخارج، ويتحقق ذلك، ويأتي المعنى إلى ذهن المخاطب، وهذا فرع الوضع في مرتبة سابقة، أو أن يكون للفظ دلالة ذاتية على المعنى، وهو واضح البطلان. مفهوم هذا الكلام هو أن الاستعمال حتى مع القرينة لا يمكنه إيجاد وضع في الخارج، أي مصداق اللفظ ودلالته على المعنى، والمستعمل وإن كان يتصور اللفظ والاستعمال، والمعنى مع دال آخر، ويخطر به ذهن المخاطب، لكن ذلك ليس تخصيصًا ودلالة للفظ على المعنى، وبعبارة أخرى، مصداقية الاستعمال للتخصيص الوضعي في الخارج فرع على أن يكون اللفظ المستعمل بنفسه وبدون قرينة دالًا على المعنى، فمن المستحيل أن ينشأ هذا من ناحية الاستعمال وفي طوله في الخارج، لأنه دور.

النتيجة

بما أن نظريات الوضع تؤدي دورًا أساسيًا وجوهريًا في عملية تفسير النصوص الدينية، وأن تبني أي من هذه النظريات سيترتب عليه نتائج مختلفة في فهم المعنى؛ ولأن العلاقة بين اللفظ والمعنى، التي هي حاصل الدلالة، ليست علاقة ذاتية، ولا يوجد بينهما ارتباط في حد ذاته، فقد طُرحت في تحليل ماهية هذه العلاقة وجهات نظر مختلفة تحت عنوان نظريات الوضع. على الرغم من أن نظريات الوضع مثل الاختصاص، الاعتبار، التعهد، ووضع الألفاظ لأرواح المعاني تتمتع بفخامة علمية وفعالية عملية؛ إلا أنها في تفسير متون مصادر الاستنباط كالقرآن والروايات تعاني من قصور ونواقص. من هنا، من وجهة نظر الكاتب، فإن نظريات الاختصاص، التخصيص، التعيين، وغيرها لا تعبر عن حقيقة الأمر، وأفضل تفسير في الوضع هو ما يختص بنظرية القرن الأكيد للشهيد الصدر، والتي هي نتاج إبداعاته العلمية والمنطقية وتتوافق مع أفكاره الفلسفية الدقيقة. من وجهة نظر المرحوم الشهيد الصدر، حقيقة الوضع هي نوع من القرن الأكيد الذهني بين اللفظ والمعنى. بناءً على هذه النظرية، فإن ما يسبب دلالة اللفظ على المعنى هو المقارنة الأكيدة الناتجة عن التكرار أو ظروف خاصة بين اللفظ والمعنى. تعود هذه النظرية إلى نظريات الاشتراط الكلاسيكي، حيث إن اقتران المثير الشرطي (اللفظ) بالمثير غير الشرطي (الدال الحقيقي للمعنى) يؤدي إلى إيجاد معنى عند تقديم المثير الشرطي بمفرده. بناءً على هذا الرأي، ليس الاعتبار منشأ نشوء الوضع، بل منشأ الوضع هو هذه الخصوصية النفسية التي بعد اقتران المثير الشرطي بالمثير غير الشرطي، يمكن للمثير الشرطي وحده أن يستدعي الاستجابة. إذن، العلاقة الحقيقية بين اللفظ والمعنى، ناشئة عن هذه الخصوصية الذهنية والنفسية التي تؤدي، عند تماثل اللفظ والمعنى، إلى أن تصور اللفظ يوجد تصور المعنى تدريجيًا.

الهوامش

1. القمي، الشيخ عباس، مفاتيح الجنان، زيارة أربعة أمير المؤمنين.

2. هو الشيخ علي بن المولى فتح الله النهاوندي النجفي، علامة كبير ومحقق جليل من أكابر العلماء وأجلاء الفقهاء. كان من تلاميذ الشيخ مرتضى الأنصاري والميرزا أبي القاسم الكلانتر، وكان بحثه من أبحاث النجف المعتبرة ومن دروسها المحترمة. من تلامذته الميرزا حبيب الله الرشتي والمولى كاظم المرندي والسيد محمد الخلخالي وشيخ الشريعة الأصفهاني. توفي في غرة ربيع الآخر سنة ١٣٢٢ هـ ودفن في وادي السلام في مقبرته الخاصة المعروفة. من آثاره كتابا «تشريح الأصول الصغير والكبير». (آغا بزرك طهراني، طبقات أعلام الشيعة: نقباء البشر في القرن الرابع عشر، ج٤، ص١٤٩٧).

3. الموضوعية (Objectivism).

4. الذاتية (Subjectivism).

5. الأصل العملي، هو عبارة عن وظيفة وضعها الشارع المقدس لرفع حيرة المجتهد الجامع للشرائط الشاك، الذي فحص ويئس من العثور على الحكم الواقعي. هذه الأصول هي مجرد وظيفة عملية تسبب رفع الحيرة في مقام العمل، وقد تتطابق مع الواقع أحيانًا وقد لا تتطابق. يعتقد بعض علماء الأصول أن للشارع المقدس جعلين: جعل يتعلق بالحكم الواقعي، وجعل آخر يتعلق بالحكم الظاهري. والأحكام الظاهرية تكون أحيانًا مؤدى الأمارات وأحيانًا مؤدى الأصول العملية. لذا، يعبرون عن الأصول العملية، خاصة في باب الاستصحاب، بالحكم الظاهري. بالطبع، قبول وجود جعلين في الشرع المقدس يترتب عليه توالٍ فاسدة كثيرة؛ منها أنه في حال عدم الوصول إلى الحكم الواقعي والعمل بالحكم الظاهري ثم انكشاف الخلاف، فإن الجمع بين هذين الحكمين (الظاهري والواقعي) في بعض الموارد يؤدي إلى بروز تضاد أو تناقض. (الاستصحاب، الموسوي البجنوردي، ٢٠) أو الاحتمال الذي هو مقوم الأصل، يُنزل منزلة ويُجعل بديلاً لليقين، ويُنظر إلى الواقع، والمكلف نفسه. الأصل المحرز يبيّن الوظيفة العملية؛ أي أنه يحدد وظيفة المكلف بالنظر إلى عالم الواقع؛ إذن، يُعمل بأحد طرفي الشك، بفرض أنه هو الواقع، يُعتبر بمنزلة اليقين بالبقاء. (المشكيني، ١٣٨٦، ٥٩) التعبد الذي فيه حالة الشك في البقاء من باب مثل أصل الاستصحاب، أو التخيير، ولا يوجد أي توجه إلى عالم الواقع، مثل أصل البراءة، وظيفة عملية للمكلف. الأصل غير المحرز هو أصل قيل إنه مجرد مقابل للأصل المحرز والأصل العملي المحض، والميرزا النائيني يجعله بديلاً للواقع، وهو أصل إذا نظر إلى الواقع، فإن مؤداه يُقرأ. (المشكيني، ١٣٨٦، ٥٩) الأصل التنزيلى.

6. انظر: وقعة صفين، نصر بن مزاحم، ١٣٢-١٣٣؛ العين، الخليل، ٣، ١٢٤.

7. للمطالعة أكثر، انظر: الاستصحاب في الشريعة الإسلامية، الكوثراني، صص ٢٣-٢٩.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

القانون المدني

1. ابن منظور، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.ق.

2. الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

3. إمامي، سيد حسن، حقوق مدني، چاپخانه‌ی إسلامية، الطبعة الثالثة، ١٣٧٢ هـ.ش.

4. الأنصاري، الشيخ مرتضى، فرائد الأصول (رسائل)، بيروت، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.ق.

5. الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، مؤسسة آل البيت، ١٤٠٩ هـ.ق.

6. الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، چاپخانه‌ی مهر، طهران، ١٤٠٩ هـ.ق.

7. البخاري، علاء الدين، كشف الأسرار، عبد العزيز، إسطنبول، ٣٠٨ ق.

8. البهائي، الشيخ محمد بن حسين، زبدة الأصول، نشر مرصاد.

9. التبريزي، ميرزا جواد، دروس في مسائل علم الأصول، الطبعة الثانية، نشر دار الصديقة الشهيدة (س)، ج٥، ص٢٢٤، ١٣٨٧.

10. التبريزي، موسى، أوثق الوسائل في شرح الرسائل، طبعة قديمة، ص٤٤٢، انتشارات كتبي، نجفي، تاريخ الكتابة: ١٣٩٧ هـ.ق.

11. الجعفري اللنكرودي، محمد جعفر، دانشنامه‌ی عمومي علم حقوق، انتشارات كنج دانش، طهران.

12. الجعفري اللنكرودي، محمد جعفر، مقدمه‌ی عمومي علم حقوق، الطبعة الخامسة، طهران، كنج دانش، ١٣٧٦.

13. الجوهري، إسماعيل، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، القاهرة، ٣٧٦ ق / ٩٥٦ م.

14. الحائري، علي أكبر، تحقيق حلقة ثانية، الطبعة الأولى، نشر مجمع فكر إسلامي، ص٣٤٢.

15. الحر العاملي، محمد حسن، دون تاريخ، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت.

16. الحلي، حسين، أصول الفقه، قم: مكتبة الفقه والأصول المختصة، ١٤٣٢.

17. الخليل بن أحمد، العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، بيروت، ٤٠٨ ق / ٩٨٨ م.

18. الصالحي المازندراني، محمد هادي، ١٤١٩، شرح فروع الكافي، قم: دار الحديث للطباعة والنشر.

19. الصدر، سيد محمد باقر، مباحث الأصول، الطبعة الأولى، نشر مكتب إعلام إسلامي، ج٥، ص٣٦٤.

20. الطوسي، محمد بن حسن، عدة الأصول، نشر علاقبنديان، ج٢.

21. العراقي، آقا ضياء، مقالات الأصول، طبعة مجمع فكر إسلامي، ج١، ص٥٣.

22. فربد، عباس، تقريرات درس خارج أصول أستاذ شهابي، مركز اطلاعات ومدارك إسلامي، قم، ١٣٨٦.

23. الكاتوزيان، ناصر، قواعد عمومي قراردادها، انتشارات بهنشر، الطبعة الثالثة، ١٣٧١ ش.

24. الكاظمي الخراساني، محمد علي، فوائد الأصول، تقريرات درس الأستاذ محمد حسين النائيني، طبعة جامعة مدرسين حوزه علميه قم، الطبعة الأولى، ١٣٨٦.

25. الكوثراني، محمود، الاستصحاب في الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد تقي حكيم، دار الصفوة.

26. المحمدي الخراساني، شرح كفاية الأصول، علي، الطبعة الرابعة، نشر إمام حسن بن علي، ج٥، ص١١٨، ١٣٨٥ ش.

27. المحمدي، أبو الحسن، مباني استنباط حقوق إسلامي، مؤسسة انتشارات وچاپ دانشگاه طهران، چاپخانه‌ی دفتر نشر فرهنگ إسلامي.

28. الشيباني، أحمد بن محمد حنبل، ١٤١٦، مسند أحمد، الطبعة الأولى، القاهرة: دار الحديث.

29. المشكيني، علي، اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها، قم: الهادي، ١٣٨٦.

30. المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، الطبعة الخامسة، نشر إسماعيليان، ج٢، ص٣٢٥، دون تاريخ.

31. مكارم الشيرازي، ناصر، أنوار الأصول، الطبعة الثانية، نشر مدرسة إمام علي بن أبي طالب، ج٣، ص٣٣٧.

32. الموحدي الفاضل اللنكراني، محمد، إيضاح الكفاية: درسهای متن كفاية الأصول حضرت آية الله فاضل لنكراني، بقلم محمد حسيني، نشر مركز فقهي أئمه أطهار.

33. الموسوي الخميني، سيد روح الله، الاستصحاب، ج٢، ص٩، مؤسسة تنظيم ونشر آثار حضرت إمام (ره).

34. الموسوي الخميني، سيد روح الله، مناهج الأصول، الطبعة الأولى، مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني، قم، ١٣٧٣.

35. الموسوي الخوئي، سيد أبو القاسم، أجود التقريرات (تقريرات ميرزاي نائيني)، ج٢، مصطفوي، قم.

36. نصر بن مزاحم، وقعة صفين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، القاهرة، ٣٨٢ هـ.ق.

37. النيسابوري، مسلم بن حجاج، دون تاريخ، صحيح مسلم، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

38. ولائي، عيسى، فرهنگ تشريحي اصطلاحات أصول، چاپ مهارت، الطبعة الأولى، ١٣٧٤ هـ.ش.

Scroll to Top