تطبيق نظرية روح المعنى في علم أصول الفقه

الملخص

تُعَدّ نظرية روح المعنى إحدى النظريات التي طرحها العلماء لحل المشكلات العلمية في نطاق المعاني الحقيقية. وقد طرح هذه الرؤية الغزالي لأول مرة، ثم تناولها من بعده كبار العلماء، لا سيما الملا صدرا والفيض الكاشاني والعلامة الطباطبائي. في هذا البحث، تم تناول تطبيق نظرية روح المعنى في علم أصول الفقه، وطريقة استعمالها، وتحديدًا في مباحث الوضع ضمن قسم الألفاظ من علم الأصول، حول حالات الوضع وأقسامه وارتباط الوضع بالموضوع له. بناءً على نتائج هذا البحث، لا يمكن قبول نظرية روح المعنى في علم أصول الفقه، على الرغم من أن قبولها في علوم أخرى كالحكمة والتفسير يساهم في حل الإشكالات الناجمة عن عدم تبني هذه النظرية، ويُعَدّ حلًا ناجعًا جدًا.

المقدمة

تُعَدّ نظرية روح المعنى أو “وضع الألفاظ لأرواح المعاني” إحدى النظريات المطروحة من قبل المفسرين والفلاسفة والعرفاء لمعالجة المعضلات القائمة في هذه العلوم. وتحمل هذه النظرية في كل من هذه العلوم دلالة معنوية خاصة بها. وقد تناول العلماء تفسير هذا المعنى كلٌ من منظوره الخاص. ولكن بشكل عام، وعلى الرغم من كل هذه الاختلافات، يمكن القول إن نظرية روح المعنى تعني ألا نعتبر الموضوع له للألفاظ شيئًا خارجيًا مقيدًا بخصوصياته. (الخميني، ١٣٩٦: ٨٩-٩٠). بعبارة أخرى، الألفاظ لم توضع لمعنى خارجي محدد، والمعاني المستقاة من مصاديق الكلمات لا تُلحظ في معناها الخارجي. فالموضوع له للألفاظ عام. ومن ثم، فإن حقيقة اللفظ تنطبق على جميع مصاديقه. إن بيان هذه النظرية من شأنه أن يزيل مبرر الالتزام بالمجاز. فمع توسيع نطاق المعنى، لا تعود هناك حاجة للقول بالمجاز وتأويل المعنى في كثير من الحالات.

مبحث الوضع في علم أصول الفقه

يُعد بحث الوضع وخصوصياته من المباحث المهمة في علم أصول الفقه، وهو من أقسام مباحث الألفاظ. الوضع في اللغة يعني “الوضع” و”الإرساء”، وفي الاصطلاح يُقصد به المعنى نفسه؛ أي الوضع والتعيين لمعنى ما (الخوئي، ١٣٦٨: ١/ ٣٢). حول طبيعة العلاقة بين اللفظ والمعنى، توجد رؤيتان: ١. الذاتية؛ بمعنى أن دلالة اللفظ على المعنى ذاتية، ويدل على ذلك المعنى دون الحاجة إلى وضع. ٢. غير الذاتية؛ بمعنى أنه نتيجة وضع الواضع أو كثرة الاستعمال، يرتبط اللفظ بمعنى خاص، وبناءً على هذا المبدأ، توجد عدة نظريات حول كيفية دلالة اللفظ على المعنى: أ) نظرية الاختصاص؛ يعتقد المرحوم الآخوند أن هناك علاقة خاصة بين اللفظ والمعنى تنشأ إما عن طريق الوضع التعييني (التخصيصي) أو عن طريق الوضع التعيني (التخصصي)؛ (الآخوند الخراساني، ١٣٩٧: ٢٤١). ب) نظرية الأنس الذهني؛ أي أنه بفعل الوضع، ينشأ نوع من التوافق بين اللفظ والمعنى، بحيث يتبادر معناه إلى الذهن عند سماع اللفظ، لدرجة أن حسن المعاني وقبحها يسري إلى الألفاظ أيضًا. (مكارم، ١٤٢٨: ١/ ٣٣-٣٤). ج) نظرية الالتزام والتعهد؛ أي أن الواضع يلتزم بأنه كلما أراد إيجاد معنى في ذهن السامع أو إخطاره في ذهنه، فإنه يستخدم لفظًا معينًا. د) نظرية الاعتبار؛ أي أن الواضع، عند إرادة معنى ما، يستعين بلفظ معين. (الخوئي، ١٣٩٧: ٢٦/١). بناءً على ذلك، فإن حقيقة الوضع هي جعل اللفظ بإزاء المعنى. (المظفر، ١٣٨٨: ١/ ٢٦). بالنظر إلى معاني الوضع من وجهة نظر الأصوليين، يبدو أن أكثر المعاني قابلية للانطباق مع نظرية روح المعنى في علم الأصول هو النظرية الأولى، أي ذاتية دلالة اللفظ على المعنى دون وجود وضع. وعليه، إذا لم نقبل بالوضع، يمكننا القول بنظرية روح المعنى في علم الأصول. من وجهة نظر المرحوم المظفر، الوضع للألفاظ ضروري في أصول الفقه: “في الوضع، تصور اللفظ والمعنى ضروري، لأن الوضع هو نوع من الحكم على المعنى وعلى اللفظ، والحكم على شيء لا يصح إلا بعد تصوره ومعرفة ما عنه بنحو ما، ولو كان هذا العلم إجماليًا. فتصور الشيء يكون على نحوين: إما أن يتصور الشيء نفسه، أو يتصور وجه من وجوهه، أي عنوان عام ينطبق عليه، فيشار به إليه. وهذا العنوان العام كالمرآة والكاشف عن ذلك الشيء. فكما أنك تحكم على شبح تراه من بعيد بأنه أبيض، فإن هذا الحكم صحيح مع أنك لا تعرفه بعينه ما هو، غاية ما تعرفه عنه أنه شيء من الأشياء أو حيوان من الحيوانات، ولكن لا تعرفه بشخصه بوضوح، وإنما تصورته وأشرت إليه بعنوان أنه شيء أو حيوان. وهذا هو الذي يسميه العلماء (تصور الشيء بوجهه)، وهذا كاف لصحة الحكم عليه. أما إذا كان الشيء مجهولًا محضًا، فإنه لا يمكن الحكم عليه أصلًا. فكما أنه يصح وضع اللفظ لمعنى نتصوره بعينه، كذلك يصح أن نتصور في الوضع وجهاً من وجوه المعنى، ويكفي ذلك.” (المظفر، ١٣٧٥: ١/ ٢٤). المرحوم المظفر من الأصوليين الذين لا يقبلون بنظرية عدم الوضع بأي حال من الأحوال. وبالطبع، نظرية “وضع اللفظ لأرواح المعاني” في العلوم الأخرى لا تعني عدم الوضع، ولكنها لا تتوافق مع مفهوم الوضع في علم الأصول.

تطبيق هذه النظرية في العلوم الأخرى ومقارنتها بعلم أصول الفقه:

١. نظرية روح المعنى في التفسير وعلوم القرآن: لتبيين معنى المتشابهات في القرآن الكريم، توجد عدة نظريات: أ. نظرية الحقيقة والمجاز: وهي النظرية الأولى والأكثر شيوعًا، وتقوم على أن هذه الألفاظ وُضعت ابتداءً للمعاني المحسوسة، فهي حقيقة فيها، ثم استُعملت في المعاني المعقولة، فهي مجاز فيها. ويمكن العثور على هذه النظرية بشكل خاص في آثار المعتزلة. فهم يحملون ألفاظًا مثل اليد والعين وصفات مثل السمع والبصر المتعلقة بالله على المجاز. (الزمخشري، ١٤٠٧: ٣/ ٣٠٤؛ ٤/ ٥٧٤). ب. نظرية روح المعنى: ترفض النظرية الأخرى القول بمجازية هذه الألفاظ في المعاني المعقولة، بل تعتبرها حقيقة في تلك المعاني. أصل هذه النظرية يعود إلى الغزالي، وقد عرضها بصور مختلفة كما سنرى. يمكن صياغة هذه المسألة بحيث تكون رؤية العلامة الطباطبائي، كمفسر ملم بمباني ونصوص الحكمة والكلام والعرفان الإسلامي، رؤية مهمة وجديرة بالاهتمام. إلا أنه في تفسير الميزان لم يصرح برؤيته الإيجابية في هذا الصدد بشكل مفصل؛ ولكن يمكن استنباط واستخراج رؤيته أو الاقتراب من فهمها من خلال مباحثه في تفسير الآيات التي وردت فيها هذه الألفاظ. بناءً على ذلك، في علم التفسير وعلوم القرآن، وللتخلص من تأويل القرآن الكريم في المواضع التي لا يمكن قبول المعنى الظاهري للآية لتفسيرها، استُخدمت نظرية روح المعنى لوضع الألفاظ لمعنى أوسع مما يُفهم من ظاهرها. نظرًا للأهمية الخاصة لهذه النظرية في علم التفسير وعلوم القرآن، لم يتم التطرق حتى الآن إلا نادرًا لمحتوى هذه النظرية في علم الأصول أو الفقه. ولكن نظرًا للثمار الخاصة التي تحملها هذه النظرية، فمن الجدير أن يتم بحث وظائفها وخصائصها في علم أصول الفقه أيضًا. اثنان من أعمدة علم أصول الفقه، وهما المرحوم الإمام الخميني والمرحوم الحاج آقا مصطفى الخميني (قدس سرهما)، قدما رؤيتين مختلفتين حول هذه النظرية، ودراسة الخلافات بين هاتين الرؤيتين يمكن أن تكون مفيدة جدًا لتبيين ثمار هذه النظرية في علم الأصول. اعتبر الإمام الخميني (قدس سره) التفكر في نظرية روح المعنى من مصاديق الفكر، وقال: “تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة” (الإمام الخميني، ١٣٨٠: ١٩١). وهو يطابقها مع رأي أهل التحقيق الذي لا شبهة فيه، ويتوافق مع ذوق أهل المعرفة، ويقول: “إنها مسألة مسلمة لا شبهة فيها” (الأردبيلي، ١٣٨١: ٢/ ٣٤٦). على الرغم من أن هذه النظرية طُرحت قبل قرون من قبل الكبار وذُكرت مرارًا في كتب التفسير والحكمة والعرفان، إلا أنها لم تُطرح في علم أصول الفقه. إن طرح مسألة في علم أصول الفقه، بما يعنيه ذلك من تحليل فني ومنهجي وفقًا لمنهج هذا العلم، يختلف عن طرحها كمسألة ذوقية أو عرفانية أو تفسيرية. تتبع الكتب الأصولية يظهر أن السيد مصطفى الخميني (قدس سره) هو الوحيد الذي طرح موضوع روح المعنى تحت عنوان مستقل في كتابه الأصولي. (الخميني، ١٤١٨: ١/ ١٠٩). علاقة وضع الألفاظ للمعاني بهذه النظرية تكمن في أنه وفقًا لهذه الرؤية، فإن الموضوع له للألفاظ أعم من وجود أو عدم وجود الجهات النقصانية؛ بحيث تُفترض المعاني لا بشرط، وهذا يعني إيجاد عمومية في الموضوع له، وهي مسألة أشار إليها الإمام الخميني (قدس سره) في كلماته. الألفاظ وُضعت في مقابل تلك الجهات من المعاني (دون تقييد بقيد). (الإمام الخميني، ١٣٧٨: ٢٥٠). ومع ذلك، وبناءً على مباني الإمام الخميني (قدس سره) في هذا الموضوع، يوجد إشكال مهم، وقد التفت إليه وسعى لحله. الإشكال الذي يطرحه دائمًا منتقدو نظرية روح المعنى أو المعاني العامة هو أنه لا شك أن الوضع، الذي يعني إيجاد علاقة بين اللفظ والمعنى، منوط بتصورين أساسيين: تصور اللفظ وتصور المعنى؛ فإذا لم يتصور الواضع معنى ما، فإن الوضع لا يتشكل؛ لأن الوضع ليس سوى إيجاد علاقة بين الألفاظ والمعاني، ومن البديهي أنه إذا لم يُتصور المعنى، فلا يمكن ربطه باللفظ. إذا ادُعي أن الموضوع له للألفاظ هو معانٍ مجردة ومطلقة لُحظت فقط في جهاتها الثبوتية والكمالية، يتبادر إلى ذهن المخاطب المحقق سؤال وهو أن مثل هذا المعنى لم يخطر ببال الواضع ليكون موضوعًا له للفظ؛ لأن واضع اللغات شخص أو مجموعة من عامة الناس يقيمون علاقة ورابطًا بين اللفظ والمعاني بالوضع التعييني أو التعيني؛ على سبيل المثال، واضع أو واضعو كلمة “نور”، الذين كانوا بناءً على فرضية أفرادًا عاديين، وليسوا أنبياء أو فلاسفة، لم يتصوروا أبدًا الأنوار الملكوتية والغيبية أو الذات الإلهية كمصاديق للنور، بل كانوا غافلين عنها تمامًا. بل ربما كان هناك أناس دهريون وملحدون لم يكن لديهم أي تصور عن هذه المفاهيم المجردة؟ لقد اهتم الإمام الخميني (قدس سره) بهذا الإشكال، وفي معرض إجابته، كان يعتقد أن عدم تصور معنى ما من قبل الواضع لا يعني خروجه من دائرة الموضوع له. على الرغم من أن الواضع لم يشاهد إلا الأنوار الحسية ووضع كلمة النور على أساسها، ويفترض أنه لم يكن لديه تصور عن الأنوار المعنوية، إلا أن ما يرتبط به لفظ النور هو المعنى العام والشامل الذي يضم الأنوار الحسية والمعنوية؛ لأن الواضع، دون وعي منه، يريد أن يضع اللفظ في مقابل الجهات الكمالية والثبوتية للنور. يقول سماحته: “الواضع الذي وضع لفظ النار، لم يكن في ذهنه عند الوضع سوى نيران الدنيا، وما كان سببًا لانتقاله إلى هذه الحقيقة هو نيران الدنيا نفسها لا نار الآخرة. ولو كان الواضع غير معتقد بعالم آخر، فمع ذلك لم يكن غافلًا عن وسيلة انتقال الأسباب هذه.” (الإمام الخميني، ١٣٧٨: ٢٥٠). بناءً على ذلك، يقول الإمام الخميني (قدس سره): “الألفاظ وُضعت للمفاهيم العامة؛ على الرغم من أن مصاديقها لم تكن موجودة في زمن الواضع أو أن الواضع لم يكن يقبل بمصداقيتها.” (الأردبيلي، ١٣٨١، ج ١: ١١٧). في مقابل قبول هذه النظرية وتأييدها غير المسبوق، توجد نظرية المرحوم مصطفى الخميني (قدس سره). لقد اعتبر تقرير الإمام (قدس سره) لهذه المسألة من أفضل التقريرات، ولكنه بشكل عام يرفض هذه النظرية لأسباب سيشار إلى اثنين منها: ١. لا توجد علة لهذا النوع من وضع المعنى، ولا أحد يقول به. لقد تناول السيد مصطفى الخميني (قدس سره) في كتاب “تحريرات في الأصول”، في ثنايا مباحث الوضع، شرح نظرية روح المعنى. كما أن الأصوليين المتأخرين في قسم مباحث الألفاظ من علم أصول الفقه قد تناولوا موضوع الوضع بالتفصيل. (المظفر، ١٣٧٥: ١/ ٩). في بحث تقسيمات الوضع وعلى أساس كيفية تصور المعنى، تم تصوير أربعة أقسام للوضع. كما أن عملية وضع الألفاظ بمعنى الربط وإيجاد علاقة بين اللفظ والمعنى تقوم على أساسين: تصور اللفظ وتصور المعنى. فما لم يتم هذان التصوران، لا يمكن للوضع أن يتحقق. قد يكون المعنى المتصور لدى الواضع معنى عامًا (وضع عام) أو معنى خاصًا (وضع خاص). في كلتا الحالتين، المعنى الذي يوضع له اللفظ قد يكون عامًا وكليًا (موضوع له عام) أو خاصًا وجزئيًا (موضوع له خاص)؛ في وضع الألفاظ، نواجه معنيين: المعنى المتصور والمعنى الموضوع له. بناءً على كون هذين المعنيين كليين أو جزئيين، تتشكل أربعة أقسام مختلفة؛ عندما يقول الأصوليون: وضع خاص، موضوع له خاص؛ فإن قصدهم هو أن المعنى المتصور خاص والمعنى الموضوع له الذي وُضع له اللفظ خاص. وضع خاص، موضوع له عام؛ أي هل من الممكن أن يتصور الواضع معنى خاصًا ويضع اللفظ لمعنى كلي وعام؟ يعتقد مشهور الأصوليين أن مثل هذا الأمر غير ممكن والقسم الرابع من الوضع محال وممتنع. استدلال المشهور هو أن المفهوم الكلي يمكن أن يكون مرآة للجزئيات، ولكن معنى جزئي واحد لا يمكن أن يكون معبرًا عن معنى عام وكلي. (الخراساني، ١٣٧٦، ج ١: ٣١؛ المظفر، ١٣٧٥: ١/ ١٢). ارتباط المباحث السابقة بنظرية روح المعنى يكمن في أن إثبات إمكانية القسم الرابع من الوضع (وضع خاص، موضوع له عام) يمهد الطريق لقبول نظرية روح المعنى؛ لأن إمكانية هذا القسم تعني أنه قد يكون المعنى المتصور من قبل الواضع جزئيًا، ولكن الموضوع له يكون له شمولية. هذا الادعاء مطروح أيضًا في نظرية روح المعنى؛ لأنه بناءً على هذه النظرية، فإن الموضوع له للألفاظ أعم من التصور الذهني للواضع والعرف؛ لذلك، في النظرة الأولى، يرتبط مصير هذين البحثين ببعضهما البعض، ولهذا السبب، قام المرحوم السيد مصطفى الخميني (قدس سره) أيضًا، في ثنايا هذه المباحث، بطرح ونقد نظرية (روح المعنى). خلافًا للمشهور، قال البعض بإمكانية القسم الرابع من الوضع. ومن هذه المجموعة يمكن الإشارة إلى الميرزا حبيب الله الرشتي (الرشتي: ٤٠) والسيد مصطفى الخميني (الخميني، ١٤١٨: ١/ ٦٩). يعتقد المرحوم الميرزا حبيب الله الرشتي (قدس سره) أن هذا النوع من الوضع، أي الوضع الخاص والموضوع له العام، ظاهرة ممكنة بل وشائعة ورائجة، ويبدو أن هذا النوع من الوضع يجب اعتباره نوعًا مستقلًا وليس أمرًا شاذًا. (الرشتي: بي تا ٤٠). يعتبر سماحته أسماء المقادير من الأمثلة التي يمكن من خلالها إثبات وقوع هذا النوع من الوضع؛ لأن هذه الأسماء في العرف تطلق على المقادير الكاملة وعلى المقادير الناقصة؛ بشرط ألا يكون هذا النقص لدرجة تسبب مشكلة في الغرض والفائدة. هذا المطلب يظهر أن هذه الأسماء وُضعت للقدر المشترك بين التام والناقص. من ناحية أخرى، عند الوضع، تصور الواضع الجزئي، وكان المتصور خاصًا، ولكن في العمل كان الموضوع له عامًا وشاملًا للمقادير التامة والناقصة على حد سواء. (الرشتي، بي تا/ ٤٠). السيد مصطفى الخميني (قدس سره) في نقد رأي المشهور يعتقد أنه يمكن في أمثلة الوضع العام الموضوع له الخاص، التي هي محال من وجهة نظر المشهور، أن نضع لفظ “جسم” من حيث اشتماله على الجسمانية لزيد. أي يمكن تصور زيد (وضع خاص)، ولكن نربط اللفظ بالجسمانية أو الجوهرية الموجودة في زيد (موضوع له عام). (الخميني، ١٤١٨: ١/ ٧٠). ٢. هذا المعنى لا يخطر ببال الواضع: الإشكال الآخر في نظرية روح المعنى هو عدم خطور المعاني العامة ببال الواضع؛ المعاني العامة التي هي الموضوع له للغات ولم تخطر ببال الواضع لكي يضع اللفظ لها. كما مر، الإمام الخميني (قدس سره) في الرد على هذا الإشكال لا يرى لزوم الحضور الفعلي للمعنى في ذهن الواضع، ولكن في المقابل، يرى السيد مصطفى الخميني (قدس سره) أن ما هو الملاك والمعيار في وضع الألفاظ هو اللحاظ الفعلي للمعنى من قبل الواضع، وليس الملاك والمعيار هو تصور فرض المعنى.

الخاتمة

بناءً على نتائج هذا البحث؛ يمكن التوصل إلى أنه في حال قبول نظرية روح المعنى في علم أصول الفقه، يمكن القول بالنوع الرابع من أقسام الوضع وهو الوضع الخاص والموضوع له العام. في قبول أو رد نظرية روح المعنى، قيلت استدلالات وردود كثيرة. أهم نزاع تاريخي أصولي دار بين قطبين من أقطاب الأصول، وهما الإمام الخميني (قدس سره) وولده. يَرِد إشكالان رئيسيان على الإمام (قدس سره) الذي يدافع عن هذه النظرية: ١. لا يوجد تعليل لوضع الواضع بهذا النحو؛ ٢. هذا المعنى لا يخطر ببال الواضع. بناءً على ذلك، إذا أردنا بحث نظرية روح المعنى وتطبيقها في علم أصول الفقه، فيجب القول: إن قبول نظرية روح المعنى في علم الأصول يعني قبول وضع الواضع للمعنى المتصور العام. لم يقبل مشهور الأصوليين اللفظ الخاص. إن قبول هذه النظرية هو للفرار من موارد المجاز والتأويل، والتي من الناحية الصناعية الأدبية يمكن أن تكون حتى مزينة للكلام ومحتواه. بشكل عام، لا يرى المحقق دليلًا على قبول هذه النظرية في علم الأصول مع وجود الإشكالات الرئيسية فيها.

قائمة المصادر

القرآن الكريم

الأردبيلي، السيد عبد الغني، ١٣٨١ش، تقريرات فلسفة الإمام الخميني (قدس سره)، الطبعة الأولى، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

الخراساني، محمد علي، ١٣٩٧ش، كفاية الأصول، الطبعة الأولى، قم، جامعة مدرسي الحوزة العلمية.

الخميني، السيد روح الله، ١٣٧٠ش، آداب الصلاة، الطبعة الأولى، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

ـــــــــــــــ، ١٣٧٥ش، تفسير سورة الحمد، الطبعة الأولى، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

ـــــــــــــــ، ١٣٦٧ش، شرح چهل حديث، الطبعة الأولى، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

ـــــــــــــــ، ١٣٦٠ش، مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، الطبعة الأولى، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

الخميني، مصطفى، ١٤١٨ق، التفسير للقرآن الكريم، الطبعة الأولى، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

الخميني، مصطفى، ١٤١٨ق، تحريرات في الأصول، الطبعة الأولى، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره).

الخميني، السيد حسن، ١٣٩٦ش، گوهر معنا بررسى قاعده وضع الفاظ براى ارواح معانى، الطبعة الأولى، طهران، اطلاعات.

الخوئي، السيد أبو القاسم، ١٣٦٨ش، أجود التقريرات، الطبعة الثانية، قم، نشر كتابفروشي مصطفوي.

الرشتي، ميرزا حبيب الله، ۱۳۷۰ق، بدائع الأفكار، الطبعة الأولى، قم، المطبعة العلمية.

الزمخشري، محمود بن عمر، ١٣٩١ش، الكشاف، الطبعة الثانية، طهران، ققنوس.

الغزالي، أبو حامد محمد، إحياء علوم الدين، تحقيق عبد الرحيم بن حسين حافظ عراقي، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب العربي.

الكاظمي الخراساني، محمد علي، ١٣٧٦ش، فوائد الأصول، تقريرات درس أصول الميرزا النائيني، الطبعة الأولى، قم، جامعة مدرسي الحوزة العلمية.

المجلسي، محمد باقر، ١٣١٥ق، بحار الأنوار، الطبعة الأولى، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

محراب علي الرحيمي، الشيخ محمد علي، ١٣٩٩ش، محاضرات في علم الأصول، الطبعة الأولى، قم، كتاب حكيم.

المصطفوي، حسن، ١٣٦٨ش، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، الطبعة الأولى، بيروت، لندن، القاهرة، دار الكتب العلمية، مركز نشر آثار العلامة المصطفوي.

المظفر، محمد رضا، ١٣٨٨ش، أصول الفقه، الطبعة الثالثة، قم، إسماعيليان.

مكارم الشيرازي، ناصر، ١٤٢٨ق، أنوار الأصول، الطبعة الثانية، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

ملا صدرا، صدر الدين محمد الشيرازي، ١٤١٢ق، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية، الطبعة الأولى، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

Scroll to Top