الملخص
على الرغم من الفجوة الکبیرة بین وجهتي نظر الإمامیة وأهل السنة في مسألة القیاس، واعتقاد الإمامیة بحرمة العمل بالقیاس من باب کونه من ضروریات مذهب أهل البیت (ع)، وإیمان أهل السنة بالقیاس کأحد مصادر تشریع الأحکام الشرعیة، فإنه یمکن اعتبار التقریب، بمعنی تقریب وجهات نظر الفریقین، بمثابة مقاربة مقبولة في ستة أقسام من أقسام القیاس، بعضها متفق علیه بالإجماع وبعضها الآخر محتمل الاتفاق، وتنطبق علیها هذه الأقسام الستة کمصادیق لها. تسعی هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحلیلي، إلی دراسة الحالات الست وإبراز الرویکرد التقریبي فیها، وقد توصلت إلی النتائج التالیة: أولاً، الأقسام الثلاثة: قیاس منصوص العلة، وقیاس الأولیة، وقیاس تنقیح المناط، متفق علیها بالإجماع. وحجیة هذه الأقسام الثلاثة عند الإمامیة تندرج ضمن الأدلة اللفظیة، حیث إنها حجة ومعتبرة من باب الظهورات العرفیة والارتکازات العقلائیة، ومن وجهة نظر أهل السنة تندرج ضمن القیاس الذي یعدونه حجة ومعتبرًا بشکل مستقل. ثانیاً، القسم الرابع من تلک الأقسام هو القیاس العقلي القطعي، وهو معتبر بالإجماع أیضًا لدی الفریقین بسبب الحجیة الذاتیة للقطع، وقد قبله کلا الفریقین تحت مسمی القیاس ولکن بعناوین مختلفة. ثالثًا، القسمان الخامس والسادس، وهما إجراء القیاس بوصفه کاشفًا عن رأي المعصوم (ع) لا مقابلاً له، وإجراؤه کمرجح في باب تعارض الأدلة لا کدلیل مستقل، هما محل تردید جدي لدی کبار علماء الإمامیة، مع أن احتمال حجیتهما مقبول أیضًا. رابعًا، النظرة التقریبیة بین الإمامیة وأهل السنة تشمل الحالات الست فقط، وما عداها یعد مصداقًا لحرمة العمل بالقیاس، وهو ضروری المنع من جانب الإمامیة، ولا یمکن تطبیق الرویکرد التقریبي فیه.
المقدمة
القیاس هو أحد أکثر المباحث الأصولیة إثارة للجدل، والتي کانت محل خلاف قدیم بین مذهب الإمامیة ومذاهب أهل السنة. یری الإمامیة حرمة العمل به ویعدون منعه من ضروریات المذهب، بینما یعتبره أهل السنة من مصادر تشریع الأحکام الشرعیة. إن تقابل التیارین الفکریین ووجود روایات کثیرة تمنع العمل بالقیاس قد عزز فکرة عدم التفاهم واستحالة الرویکرد التقریبي في مسألة القیاس، وجعلها مبدأ ثابتًا. لا یعتقد الإمامیة بمصدر آخر سوی المصادر الأربعة: الکتاب، والسنة، والعقل، والإجماع. لا یسعی هذا البحث إلی مباحث تطبیقیة ومقارنة بین الإمامیة وسائر المذاهب الإسلامیة في باب القیاس، بل یهدف إلی إثبات أنه من بین الأقسام المختلفة التي یعتبرها أهل السنة للقیاس، بعضها مقبول تمامًا لدی الإمامیة وبعضها الآخر یحتمل القبول، وإن کان بتفسیر مختلف. تكمن أهمیة الموضوع في هذه النقطة بالذات، وهي أن الإمامیة قد قبلت أقسامًا من القیاس باسم آخر وتفسیر مغایر. إن إبراز النقاط المشترکة یوفر أرضیة مناسبة لتعزیز الرویکرد التقریبي بین الفریقین. کُتبت کتب کثیرة في علم أصول الفقه الإمامي، وکانت کلها في مقام رد القیاس أو مباحث تطبیقیة، ولم یسد علی أي منها فکر أو رویکرد تقريبي. من أهم هذه الکتب: «نهایة الوصول إلی علم الأصول» للعلامة الحلي، و«الأصول العامة للفقه المقارن» للسید محمد تقي الحکیم، و«مصادر الفقه الإسلامي ومنابعه» للشیخ جعفر السبحاني. هذه الجهود العلمیة، علی الرغم من قیمتها الکبیرة، کُتبت بمنهج نقد ورد القیاس وسائر المصادر الخاصة بأهل السنة. وفي المقابل، کُتبت کتب کثیرة جمیعها في مقام الدفاع عن القیاس، ولم یوجد في أي منها نظرة تقریبیة. ومن أهمها کتاب «تاریخ الفقه الإسلامي» لبدران أبوالعینین بدران، و«المدخل في التعریف بالفقه الإسلامي» لمحمد مصطفی شلبي، و«تاریخ التشریع الإسلامي» لشعبان محمد إسماعیل. هذه الدراسات والتحقیقات، علی الرغم من قیمتها العلمیة، لم تُکتب بهدف الوصول إلی التقریب بین الفریقین. إن أهم هدف لهذه المقالة هو طرح نظرة تقریبیة بین الإمامیة وأهل السنة في المسائل الخلافیة والمقارنة. یمکن للنظرة التقریبیة في هذه المسائل أن تجلب التوافق في فروعها وتؤدي إلی تعمیق البحث وزیادة الأدلة. الرویکرد التقریبي ضرورة یجب البحث عنها في مظانها والالتزام بها عند العثور علیها.
تحلیل القیاس والرویکرد التقریبي
١. القیاس عند أهل السنة هو أحد مصادر استنباط الحکم، ویقع في عرض الکتاب والسنة؛ بمعنی أن المجتهد یستنبط الحکم الشرعي أحيانًا من الکتاب والسنة، وأحيانًا أخری عن طریق استخدام القیاس. مدرسة أهل البیت (ع) لا تعد القیاس مصدرًا. المصادر عند الإمامیة هي الکتاب، والسنة، والعقل، والإجماع. وهم یعتبرون القیاس دلیلاً في حالات متعددة تقع تحت الکتاب وأحیانًا السنة وأحیانًا العقل، ویستنبطون الحکم الشرعي منه. بناءً علی ذلک، یحظی القیاس عند الإمامیة بالحجیة والاعتبار لاستنباط الحکم الشرعي عندما یندرج تحت عناوین مثل قیاس منصوص العلة وقیاس الأولیة و…، وسیتم توضیح ذلک لاحقًا.
٢. القیاس نوع من الاستدلال العقلي یقع في مقابل الاستدلال اللفظي. في الاستدلال اللفظي، یتم الاعتماد علی النصوص الواردة التي یُستنبط منها الحکم الشرعي، أما في الاستدلال العقلي، فیکون الاعتماد علی التلازم والعلیة، ولا وجود للفظ أصلًا، أو إن وجد، فهو یمثل السیاق والبیئة التي یجري فیها التلازم والعلیة. بناءً علی ذلک، یوجد تقابل بین القیاس والدلیل اللفظي، ولا یمکن الجمع بینهما أبدًا.
٣. لیس من الضروري أن یکون القیاس ظنیًا، بل في حالات مثل منصوص العلة أو قیاس الأولیة، یکون قطعیًا. (الزرکشي، ١٤٢١، ج ٤، ص ٢٦) من وجهة نظر أهل السنة، کون القیاس قطعیًا لا یمنع من کونه قیاسًا، بل یمنع من کونه خلافیًا.
٤. إثبات حجیة القیاس یتم أحیانًا عن طریق الأدلة اللفظیة، مثل الکتاب والسنة، وهذا لا یعني أن القیاس من الأدلة اللفظیة، کما أن حجیة العقل عند الإمامیة تثبت أحیانًا عن طریق الأدلة اللفظیة، مثل الکتاب والسنة، وهذا لا یعني أن العقل لفظي.
٥. مکانة القیاس عند أهل السنة لیست في فرض فقدان النص والدلیل اللفظي، بل في عرضهما، وأحیانًا یتعارض ویتقابل معهما ویحتاج إلی باب المرجحات، وأحیانًا أیضًا یُحل التعارض عن طریق التخصیص. من أشهر حالات تقدم القیاس علی الکتاب والسنة، تقدم القیاس علی عمومات الکتاب والسنة، وهو ما صرح به الفخر الرازي (الرازي، ١٤٣٢، ج ٢، ص ١١٠٥) واعتبره الزرکشي قول جمهور أهل السنة وقال: «إنه یجوز تخصیص العموم بالقیاس، فالقیاس مقدم.» (الزرکشي، ١٤٢١، ج ٤، ص ٣٢)
٦. حقیقة القیاس وفقًا للتعاریف المذکورة هي أنه إذا لم یکن الحکم في موضوع ما معلومًا ولم یرد فیه نص، ووجد موضوع آخر حکمه معلوم، وکان هذان الموضوعان متشابهین في بعض الجوانب، ففي هذه الحالة یُسری الحکم من المعلوم إلی المجهول ویُکشف عن حکم الموضوع المجهول. علی سبیل المثال، حکم إبرام عقد الإجارة والرهن یوم الجمعة عند ارتفاع أذان صلاة الجمعة غیر معلوم، ولم یرد نص في هذا الشأن في الکتاب والسنة، ولکن حکم إجراء البیع ظهر یوم الجمعة معلوم، وقد ورد نص بشأنه یقول: «یا أیها الذین آمنوا إذا نودي للصلاة من یوم الجمعة فاسعوا إلی ذکر الله وذروا البیع» (الجمعة: ٩). من هذه الآیة المبارکة تُستفاد کراهة البیع وقت نداء صلاة الجمعة. الآن، یقال إن إجراء عقد الإجارة والرهن یشبه إجراء عقد البیع. فکلاهما مشترک في أنه یشغل الإنسان ویصرفه عن أداء صلاة الجمعة. بناءً علی ذلک، سیکون حکم إجراء الإجارة والرهن هو نفس حکم إجراء البیع. وبهذه الطریقة، یتم التوصل إلی الحکم الشرعي لإجراء عقد الإجارة والرهن ظهر یوم الجمعة، والذي کان مجهولاً، وهو الکراهة. (شلبي، ١٤٠٥، ص ٢٥٢) في هذا المثال، علی الرغم من أن عملیات القیاس قد جرت علی بساط الدلیل اللفظي، أي الآیة الشریفة، إلا أن حقیقة القیاس لم تکن الاستدلال باللفظ الوارد في النص، بل کانت تسریة الحکم من الموضوع المعلوم إلی الموضوع المجهول بسبب المشارکة في علة واحدة.
٧. توضیح الرویکرد التقریبي في باب القیاس هو وجود حالات من القیاس تکون حجة عند الإمامیة وأهل السنة، وکل منهما یعتبرها حجة ومعتبرة وفقًا لمبانیه. الإمامیة تعدها حجة لأنها مشمولة بالأدلة اللفظیة أو لأنها تتمتع بالحجیة الذاتیة. وأهل السنة یعدونها حجة لأنها من مصادیق القیاس. وسیأتي توضیح هذه الحالات ومصادیقها لاحقًا. الرویکرد التقریبي في هذه الحالات هو أنه یمکن إیجاد تقارب بین الإمامیة وأهل السنة فیها، لأن کلیهما یؤمن بحجیة واعتبار الحالات المذکورة، واختلافهما یقتصر علی کیفیة تفسیر الحجیة والاعتبار، وهذه المسألة لا تقلل من التقریب والوحدة بینهما. الاختلاف في نوع تفسیر المسائل موجود بین کبار علماء مذهب واحد، فما بالک بکبار علماء المذاهب المختلفة. أحیانًا یکون الخلاف بین مذاهب أهل السنة أکبر من الخلاف بین أهل السنة والإمامیة. بناءً علی ذلک، تحاول هذه المقالة إبراز النظرة التقریبیة في الحالات المذکورة وجعل التقارب والاتفاق ممکنًا في هذا الصدد.
حجیة الأقیسة اللفظیة
المراد بحجیة الأقیسة اللفظیة هو الحالات والمصادیق التي تُعد من وجهة نظر الإمامیة دلیلاً لفظیًا وقد اکتسبت حجیتها من باب حجیة الظهورات العرفیة والارتکازات العقلائیة، ومن وجهة نظر أهل السنة تُعد قیاسًا وتُحسب حجة من باب حجیة القیاس. إن کون الحالات المذکورة دلیلاً لفظیًا بالفعل أم قیاسًا لیس هدف هذه المقالة، بل الهدف هو إظهار اتفاق نظر الإمامیة وأهل السنة في حجیة واعتبار هذه الحالات، حتی یعتمد کل منهما باطمئنان ودون قلق أو هواجس علی استنباط الحکم الشرعي للآخر. الإمامیة تعتمد لأنها تعد هذه الحالات دلیلاً لفظیًا، وأهل السنة یعتمدون لأنها قیاس. دلیل کل منهما یتمتع بالحجیة والاعتبار عند الآخر. بناءً علی ذلک، لا ینبغي استنتاج المنع والحرمة لجمیع مصادیق وحالات القیاس من أدلة الإمامیة في منع القیاس وحرمة العمل به، ورفض المصادیق والحالات المذکورة تبعا لذلك، بل إن الحالات المذکورة مستثناة من دلیل المنع وحرمة القیاس.
١. قیاس منصوص العلة
أحد المصادیق التي تُعد قیاسًا من وجهة نظر أهل السنة، وتُحسب دلیلاً لفظیًا من وجهة نظر الإمامیة، هو قیاس منصوص العلة. هذا المصداق حجة عند جمیع المذاهب الإسلامیة. في قیاس منصوص العلة، النص الذي یبین حکم الأصل قد أشار أیضًا إلی علة الحکم. طریقة بیان العلة تکون بحیث تدل علی أن العلة عامة وشاملة ولا تختص بحکم الأصل فقط. في هذه الحالة، یُستفاد من العلة المذکورة حکم کلي، وهذا الاستفادة مبنیة علی الظهور العرفي والارتکاز العقلائي من اللفظ، وفي أصول فقه الإمامیة، هذا النوع من الظهورات والارتکازات حجة ومعتبر ویُعد من الظنون الخاصة. بعد استخراج الحکم الکلي، تحل العلة المذکورة محل الأصل وتصبح هي نفسها موضوع الحکم، ویُعتبر الأصل کمصداق ومثال. في هذه المرحلة، تزول حالة الأصل والفرع، ویُعتبر کلاهما مصداقًا ومثالاً لموضوع الحکم. المثال الافتراضي لهذا البحث هو أن یقول الشارع: «الخمر حرام، لأنه مسکر.» هنا، یتعلق حکم الحرمة بالخمر ویُحسب الأصل. إذا أريد تسریة الحکم إلی النبیذ، فإن تسریة حکم الأصل إلی الفرع تسمی قیاسًا، ووجه الشبه بین الخمر والنبیذ هو الإسکار. کون الشيء مسکرًا هو المبرر والمصحح لتسریة الحکم من الأصل (الخمر) إلی الفرع (النبیذ). هذه العملیة في أصول فقه أهل السنة تسمی قیاسًا وهي حجة. ولکن الإمامیة یفسرون هذا المصداق نفسه بطریقة أخری تسمی قیاس منصوص العلة وهي حجة. في التفسیر الإمامي یقال: النص قد بیّن العلة (أي الإسکار) بصورة علة تامة تدل علی العموم وحکمها دائر مدارها. معنی هذا النص، حسب الظهورات العرفیة والارتکازات العقلائیة، هو أن «المسکر» في الواقع هو موضوع الحکم، والخمر قد ذُکرت کمصداق ومثال. عودة النص المذکور بناءً علی التفسیر الإمامي هی أن «المسکر حرام، کالخمر». في هذه الحالة، الدلیل اللفظي الذي یبین الحکم الکلي یشمل کل مصداق ومثال له خاصیة الإسکار، ویجعله مشمولاً بالحرمة، سواء کان مصداق الإسکار خمرًا أم نبیذًا أم شیئًا آخر. بناءً علی التفسیر المذکور، یرجع قیاس منصوص العلة إلی دلیل لفظي عام أو مطلق یشمل الحکم فیه جمیع المصادیق والحالات، علی عکس تفسیر أهل السنة الذین لا یستنبطون الحکم الکلي من النص المذکور ویعتبرون الدلیل اللفظي ناقص الدلالة، وبالتالي یلجؤون إلی الاستدلال العقلي وتسریة الحکم المعلوم (الخمر) إلی المجهول (النبیذ) عن طریق المشارکة في العلة (الإسکار). المثال المذکور هو مثال افتراضي یُذکر ویُبحث في جمیع کتب أصول الفقه. والمثال الواقعي هو حکم ورد في صحیحة ابن بزیع عن الإمام الصادق (ع). في هذه الصحیحة التي أوردها الشیخ الحر العاملي (المتوفی ١١٠٤هـ) في وسائل الشیعة، قال الإمام الصادق (ع): «ماء البئر واسع لا یفسده شيء». ثم أردف قائلاً: «لأن له مادة». (الحر العاملي، ١٤٠٣، ج١، باب ٣ من أبواب الماء المطلق، ص ١٠٥، الحدیث ١٢) هذه الجملة الأخیرة «لأن له مادة» تظهر في العلیة التامة للحکم، وتصبح هي نفسها موضوع الحکم بناءً علی التحلیل المذکور، کأن الإمام الصادق (ع) قال: الماء الذي له مادة لا یفسده شيء، وماء البئر بمنزلة المصداق والمثال لهذا الموضوع الکلي. الحکم المستفاد من العلة، بسبب عمومه وکلیته، یشمل جمیع أنواع المیاه التي لها مصدر، مثل ماء العین، ومیاه الصنابیر المتصلة بمصدر الماء، وماء الحمام المتصل بالمصدر. مکانة الجملة الأخیرة (لأن له مادة) ذات أهمیة بالغة. إذا استُظهر منها حکم کلي وعام وانطبق علی مصادیقها مثل ماء البئر وماء الصنبور وماء الحمام، فإن طریقة الاستدلال هی استدلال لفظي. وإذا لم یُستظهر منها حکم کلي وعام، وکانت تلک العلة علة لماء البئر فقط، وکان ماء الصنبور وماء الحمام یشبهان ماء البئر في وجود المصدر، وبسبب ذلک یُسری حکم ماء البئر إلی ماء الصنبور وماء الحمام، فإن طریقة الاستدلال هی استدلال عقلي مبنی علی القیاس. بناءً علی ذلک، فإن تفسیر الجملة الأخیرة یلعب دورًا أساسیًا في تحدید نوع الاستدلال، ولکن في کلتا الحالتین، الحکم المستفاد من هذا الاستدلال حجة عند الفریقین. الإمامیة یعتبرونه حجة بناءً علی حجیة الدلیل اللفظي، وأهل السنة یعتبرونه حجة بناءً علی القیاس.
منصوص العلة عند کبار الإمامیة
قیاس منصوص العلة، مع التحلیل المتقدم، کان محط اهتمام کبیر من کبار علماء الإمامیة، والاختلاف الوحید الذي یُلاحظ في کلامهم هو الاختلاف في دلیل الحجیة. المشهور بین الإمامیة أن دلیل الحجیة هو الظهورات العرفیة والارتکازات العقلائیة، واعتبروه من الظنون المعتبرة. البعض اعتبر دلیل الحجیة هو القطع والیقین، وقبلوا له حجیة ذاتیة. نشیر إلی ثلاثة نماذج من کلام کبار الإمامیة: ١. السید المرتضی علم الهدی (المتوفی ٤٣٦هـ) في کتاب الذریعة في فصل جواز التعبد بالقیاس یقول: کشف العلة واستخراج الحکم الکلي بمحوریة العلة هو الفاصل بین القیاس المعتبر وغیر المعتبر. إذا صرحت الشریعة بالعلة وبُینت في مثال ومصداق بصورة بارزة وواضحة، أو کُشفت عن طریق العقل بصورة قطعیة، أو دلت علیها أمارة معتبرة، فهي مقبولة وتسمی قیاسًا شرعیًا. (علم الهدی، ١٤٢٩، ص ٤٦٥) ٢. الشیخ الطوسي (المتوفی ٤٦٠هـ) في کتاب عدة الأصول، ضمن تأکیده علی صحة ما قاله السید المرتضی علم الهدی، یصرح بأن کشف العلة واستخراج الحکم الکلي هو الرکن الأساسي في إرجاع القیاس إلی الأدلة التي هي حجة عند أصحاب الإمامیة. (الطوسي، ١٤٣١، ص ٦٧١) ٣. المولی عبدالله الفاضل التوني (المتوفی ١٠٧١هـ) في کتاب الوافیة، مع قبوله لشرطین، یقول بحجیة قیاس منصوص العلة. الأول، أن یحصل العلم بکون العلة تامة، بحیث یُعلم أنه لا توجد علة أخری تؤثر في الحکم. الثاني، أن یحصل العلم بوجود العلة التامة في الفرع (النبیذ). مع وجود هذین الشرطین، علی الرغم من أن منصوص العلة معتبر وحجة، فإنه في الحقیقة یخرج من کونه قیاسًا. (التوني، ١٤١٥، ص ٢٣٧) في کلام الفاضل التوني ملاحظتان تجدر الإشارة إلیهما. الأولی هي أن حجیة قیاس منصوص العلة لا یلزم أن تُؤمّن عن طریق حجیة القطع والعلم الذاتیة، لأن مشهور الإمامیة یری أن الحجیة تأتي عن طریق الظهورات العرفیة والارتکازات العقلائیة. الثانیة هی أن القطع بقیاس منصوص العلة لا یخرجه من کونه قیاسًا، لأنه کما قیل في تحلیل التعاریف العشرة وسیأتي في البحث القادم، فإن القیاس عند أهل السنة متوافق مع القطع والظن.
منصوص العلة عند کبار أهل السنة
من وجهة نظر کبار أهل السنة، یُعد قیاس منصوص العلة من مصادیق القیاس، وحجیته تعود إلی حجیة القیاس، وقد تجنبوا إدخال قیاس منصوص العلة في دائرة الدلیل اللفظي وحجیته في حجیة الدلیل اللفظي. صرح الکثیر منهم بهذا الأمر ولجأوا إلی استدلالات مختلفة لإثباته. قال البعض، مثل الغزالي وأتباعه، إن العلة لم توضع بدلالة وضعیة للتعمیم واستخراج الحکم الکلي. بناءً علی ذلک، لا یمکن لذکرها أن یساعد في استخراج الحکم الکلي. ویعتقد آخرون، مثل الفخر الرازي وأتباعه، أنه لا یلزم أن تکون العلة کلیة، بل یمکن أن تکون جزئیة وتقتصر علیتها علی موضوعها الخاص. في هذه الحالة، لا یمکن استخدام الحکم الکلي من العلة ثم تطبیقه علی جمیع المصادیق. عدم استخدام الحکم الکلي یؤدي إلی خروج الاستدلال من کونه لفظیًا. مجموعة أخری، مثل الزرکشي وأتباعه، یعتقدون أنه إذا أفادت العلة العموم في بعض الحالات، فإن هذا العموم لا ینشأ من اللفظ، بل من التحلیل العقلي؛ لأن العقل یقول إن تخصیص العلة ممتنع، وبالتالي یُستفاد منها العموم. هذه الاستدلالات واستدلالات أخری لکبار أهل السنة تظهر جمیعها أنهم یحاولون الحفاظ علی قیاس منصوص العلة کقیاس ومنع دخوله إلی دائرة الدلیل اللفظي، لأن القیاس لا یجتمع مع الدلیل اللفظي بل هو في مقابله. الدلیل اللفظي هو الکتاب والسنة، والقیاس هو الاستدلال العقلي المستقل أو المرتبط بالکتاب والسنة. وسیشار إلی هذه الاستدلالات وتوضیحاتها ضمن کلام کبار أهل السنة. ١. یقول أبو إسحاق الشیرازي (المتوفی ٤٧٦هـ) في کتاب التبصرة: التعبد بالقیاس في الأمور الشرعیة جائز؛ بمعنی أنه إذا ثبتت علة في حکم من الأحکام، یمکن قیاس حکم غیره علیه. علی سبیل المثال، یجوز للشارع أن یقول: «الشراب علیکم حرام لأنه یوجب شدة الطرب». فکلما وجدتم غیر الشراب فیه شدة طرب، فقیسوه علی الشراب. (الشیرازي، ١٤٢٤، ص ٢٤٦) ٢. قبل أبو حامد الغزالي (المتوفی ٥٠٥هـ) في کتاب المستصفی قیاس منصوص العلة من باب القیاس، وخالف بشدة أبا إسحاق النظام الذي یعتقد أن قیاس منصوص العلة لیس قیاسًا بل هو دلیل لفظي. أبو إسحاق النظام، مثل علماء الإمامیة، یقول بحجیة قیاس منصوص العلة ویخرجه من دائرة القیاس ویدخله في دائرة الدلیل اللفظي، ولإثبات دعواه استدل بأنه لو قال الشارع: «کل مطرب حرام» وقال أیضًا: «الخمر حرام لکونه مطربًا»، فکلاهما بمعنی واحد؛ لأن الجملة الأولی تدل بالمطابقة علی الحکم الکلي، والجملة الثانیة بالعرف ترجع إلی الجملة الأولی. بناءً علی ذلک، کلا الجملتین دلیل لفظي وتدلان علی الحکم الکلي وتنطبقان علی مصادیقهما. أجاب الغزالي علی هذا الاستدلال وقال: «هذا فاسد»؛ لأنه إذا قال الشارع: «حرمت الخمر لشدتها» فإنه من حیث الدلالة اللفظیة والوضعیة یدل فقط علی حرمة الخمر ولا یتعرض للنبیذ وغیره. بناءً علی ذلک، لا یمکن استنباط حکم النبیذ والأشیاء الأخری منه. الطریق الوحید لکشف حکم النبیذ والأشیاء الأخری هو إجراء القیاس. إذا لم یقبل أحد حجیة القیاس، فلا یمکنه تسریة حکم الخمر إلی النبیذ. تعقید الأحکام الشرعیة بالنظر إلی المصالح والمفاسد دقیق وحساس للغایة. من ذکر العلة في مصداق واحد لا یمکن استنباط قاعدة کلیة تجري علی جمیع المصادیق. افترض أن الشارع قال: «أعتقت غانمًا لسواده»؛ أي أعتقت السید غانمًا لأنه أسود. هذه الجملة لا یمکن أن تدل علی وجوب إعتاق جمیع السود. بناءً علی ذلک، لا یمکن نسبة إرادة القاعدة الکلیة إلی الشارع، لأنه قد تکون في الخمر خصوصیة تجعل شدة الطرب فیها سبباً للحرمة، وبزوال تلک الشدة تزول الحرمة، وباعتبار هذه الخصوصیة، یکون الطرب فیها سببًا لسلوکیات غیر لائقة وغیر عقلانیة، أما الطرب في النبیذ فقد یؤدي إلی الشوق والمیل إلی العبادة. ثم یواصل الإشکال علی النظام قائلاً: النظام بقبوله حجیة منصوص العلة، قد قبل القیاس في الواقع، بینما أراد إنکاره. هو أنکر اسم القیاس، ولکنه قبل حقیقته. ویضیف أیضًا أنه إذا قیل: کلام المولی والأب للعبد والابن «لا تأکل هذا لأنه سم»؛ أي لا تأکل هذا الطعام لأنه سام، وأیضًا «کل هذا فإنه غذاء»؛ أي کل هذا لأنه طعام، فإنه یدل علی اجتناب کل سم والالتزام بأکل کل طعام. بناءً علی ذلک، عن طریق الدلالة اللفظیة والحکم الکلي، دون استخدام القیاس، وصلنا إلی حکم سائر السموم في الجملة الأولی وحکم سائر الأطعمة في الجملة الثانیة. سنجیب قائلین: في هذین المثالین توجد قرینة خارجیة علی التعمیم، لأن عادة الموالي والآباء هي بیان القواعد الکلیة بالشکل المذکور، ولکن بالنسبة لله لا توجد مثل هذه القرینة، لأنه قد یبیح أو یحرم شیئًا بمجرد إرادته ومشیئته، دون أن تکون هناك مصلحة أو مفسدة في ذاته أو في وصفه، لأنه قد تکون المصلحة في فعله وقت الظهر والمفسدة فیه وقت العصر. کذلك قد تکون المصلحة والمفسدة في فعله بحسب أیام الأسبوع أو الأماکن المختلفة أو الحالات المتنوعة. بناءً علی ذلک، من وجود العلة لا یمکن الوصول إلی قاعدة کلیة وتطبیقها علی جمیع المصادیق. (الغزالي، بلا تا، ج ٢، ص ٣٥٠) کلام الغزالي یبدو غریبًا في موضعین. الأول أنه تحدث عن تعقید الأحکام الشرعیة واعتبره مانعًا من استنباط الحکم الکلي وتطبیقه علی المصادیق، ولکنه لم یعتبر هذا التعقید مانعًا من القیاس، مع أنه في الطریقة الأولی یوجد حکم کلي وتطبیقه علی المصادیق عقلي، ولکن في الطریقة الثانیة، تسریة الحکم من المعلوم إلی المجهول بسبب الشبه، وقد لا یعتبر الشارع لهذا الشبه تأثیرًا ویقرر المصالح والمفاسد باعتبار الزمان أو المکان أو الحالة. الثاني أنه تحدث عن جعل الأحکام بمجرد إرادة الله ومشیئته واعتبره کافیاً لجعل الأحکام ولم یر ضرورة لوجود مصلحة أو مفسدة في ذات الشيء أو وصفه، وقال: «وأما الله تعالی إذا حرم شیئًا بمجرد إرادته، فیجوز أن یبیح مثله وأن یحرم.»؛ أي أن الله بمجرد إرادته، کلما حرم شیئًا، فمن الممکن أن یبیح مثله أو یحرمه. إذا صح هذا الکلام، فسیواجه القیاس تحدیًا کبیرًا، لأن بنیان وأساس القیاس قائم علی هذه المثلیة والتشابه. إذا کان مثل الحرام یمکن أن یکون مباحًا، فلن یبقی مکان للقیاس. ٣. قال الفخر الرازي (المتوفی ٦٠٦هـ) في کتاب المحصول عن منصوص العلة إنه من أقسام القیاس، وفي رد الدلالة اللفظیة استدل بأنه لا یمکن استنباط قاعدة کلیة من کلام الشارع، لأن العلة المذکورة کما یحتمل أن تکون ناظرة إلی قاعدة کلیة، یحتمل أن تکون قیدًا للموضوع. نتیجة لذلك، فإن التعلیل «لکونها مسکرة» في عبارة «حرمت الخمر لکونها مسکرة» یمکن أن یکون ناظرًا إلی قاعدة کلیة، ویمکن أن یکون قیدًا للخمر، ویکون معنی العبارة، حرمة إسکار الخمر. (الرازي، ١٤٢٣، ج ٣، ص ١٢٢٣) ٤. اعتبر بدرالدین الزرکشي (المتوفی ٧٩٤هـ) في کتاب البحر المحیط، منصوص العلة من أقسام القیاس، وقبل أیضًا صیاغة قاعدة کلیة عن طریق العلة، ولکنه لم یرجع صیاغة القاعدة الکلیة إلی الدلالة اللفظیة کما یعتقد الإمامیة، بل أرجعها إلی امتناع تخصیص العلة؛ بمعنی أن العلة عامة وتخصیصها بدون قرینة ممتنع. بناءً علی ذلک، یُستفاد العموم من التعلیل، ولکن لیس عن طریق التصریح بالتعمیم الذي یعتمد علی الدلالة اللفظیة. وهو یعتقد أن أستاذه أبا إسحاق قبل هذا الوجه نفسه واختلف مع النظام في کیفیة تحصیل العموم. النظام توصل إلی القاعدة الکلیة عن طریق الدلالة اللفظیة، وأستاذه عن طریق امتناع تخصیص العلة. وفي التحلیل النهائي یقول: کل من أصحابنا الذي أوجب منصوص العلة الحکم الکلي، قد سار عن طریق امتناع تخصیص العلة ولم یتبع مسلک النظام. (الزرکشي، ١٤٢١، ج ٤، ص ٣٠) الجدیر بالذکر أن الطریق الذي سلکه الزرکشي هو نفس طریق الدلالة اللفظیة، لأن الالتزام بالعموم والحکم الکلي للفظ ورفع احتمال التخصیص من خصائص الدلالة اللفظیة. بناءً علی ذلک، فإن الزرکشي قد سلک مسلک علماء الإمامیة في قیاس منصوص العلة دون قصد، وإن استخدم تعابیر أخری.
٢. قیاس الأولیة
المورد الثاني من الموارد التي هي حجة ومعتبرة عند جمیع المذاهب الإسلامیة هو قیاس الأولیة. یُعرف قیاس الأولیة بأسماء أخری مثل مفهوم الموافقة، وفحوی الخطاب، وإذن الفحوی، والقیاس الجلي. وحقیقته باعتبار کونه قیاسًا هي استنباط حکم المجهول من حکم المعلوم في فرض اشتراک حکم المجهول مع حکم المعلوم في علة، ویکون وجود تلک العلة في المجهول أقوی من وجودها في المعلوم. مثاله آیة التأفیف. قال الله تعالی في القرآن الکریم: «ولا تقل لهما أف» (الإسراء: ٢٣). حکم قول «أف» مستفاد من منطوق الآیة، ولکن حکم الضرب وسائر الإیذاءات للوالدین لم یُبیّن. یمکن استنباط هذا الحکم المجهول من ذلک الحکم المعلوم، لأن الحکم المجهول مشترک مع الحکم المعلوم في الإهانة والإیذاء، وهذه الإهانة والإیذاء في المجهول أقوی من وجودها في المعلوم. فکلما کان وجود العلة في الأضعف موجبًا للنهي، فإنه في الأقوی یوجب النهي من باب أولی. مثال آخر، آیة «ومنهم من إن تأمنه بدینار لا یؤده إلیک» (آل عمران: ٧٥)؛ من أهل الکتاب من إذا أمنته علی دینار لا یؤده إلیک. حکم الدینار مذکور في الآیة وحکم القنطار (المال الکثیر) مجهول. العلة المشترکة بینهما هي الأمانة وقابلیة الائتمان. إذا لم یکن بعض أهل الکتاب أمینًا علی دینار، فإنه من باب أولی لن یکون أمینًا علی قنطار. بناءً علی ذلک، استُنبط حکم القنطار، الذي کان مجهولاً، عن طریق الأولیة. مثال ثالث، مثال عرفي. إذا أُذن لأحد بالسکن في بیت، فإن هذا الإذن یدل من باب أولی علی التصرف في ملحقات البیت مثل السلم والمصعد والمطبخ ودورة المیاه. النقطة الأساسیة في تفسیر قیاس الأولیة هي الإجابة علی هذا السؤال: هل هو قیاس حقیقة أم دلیل لفظي؟ توجد وجهتا نظر في هذا الصدد: علماء أهل السنة، باستثناء أبي بکر الجصاص (المتوفی ٣٧٠هـ) في کتاب الفصول في الأصول (الجصاص، ١٤٢٠، ج ٢، ص ٢٦٣)، یعتقدون بکونه قیاسًا، وبعضهم مثل أبي المظفر السمعاني (المتوفی ٤٨٩هـ) في کتاب قواطع الأدلة في الأصول (السمعاني، ١٤١٨، ج ٢، ص ١٢٧) وأبي حامد الغزالي (المتوفی ٥٠٥هـ) في کتاب المستصفی (الغزالي، بلا تا، ج ٢، ص ٣٦٤) والفخر الرازي (المتوفی ٦٠٦هـ) في کتاب المحصول (الرازي، ١٤٢٣، ج ٣، ص ١٢٢٥) أجروا بحوثًا مفصلة واستدلالات متعددة في إثباته. علماء الشیعة اعتبروه دلیلاً لفظیًا، وبعضهم مثل الشیخ المفید (المتوفی ٤١٣هـ) في کتاب التذکرة (المفید، ١٤٣١، ص ٣٨) والمحقق الحلي (المتوفی ٦٧٦هـ) في کتاب المعارج (الحلي، ١٤٢٣، ص ١٥٤) والعلامة الحلي (المتوفی ٧٢٦هـ) في کتاب تهذیب الوصول (الحلي، ١٣٨٠ش، ص ٢٤٧) وفي نهایة الوصول (الحلي، ١٤٢٥، ج ٢، ص ٥١٨) والشیخ حسن، صاحب المعالم (المتوفی ١٠١١هـ) في کتاب المعالم (حسن بن زین الدین، بلا تا، ص ٢٣٠) والمحقق الحائري الأصفهاني المعروف بصاحب الفصول في کتاب الفصول الغرویة (الحائري الأصفهاني، ١٤٠٤، ص ٣٨٦) أجروا بحوثًا مفصلة واستدلالات متعددة في إثباته. تفسیر وجهة النظر الأولی هو أن الحکم المجهول یُستنبط من الحکم المعلوم، لأن الحکم المعلوم له علة یکون المجهول فیها أقوی وأجدر بهذه العلة. بناءً علی ذلک، یسري الحکم من المعلوم إلی المجهول لوجود علة أقوی وأجدر. أرکان القیاس؛ أي المقیس (الفرع) والمقیس علیه (الأصل) والعلة المشترکة، هي سبب سریان الحکم من الأصل إلی الفرع، ولأن العلة المشترکة في الفرع أقوی منها في الأصل، فإن سریان الحکم قطعي ولا یقبل الشک. یسمي أهل السنة هذا النوع من القیاس بالقیاس الجلي، لأن سریان الحکم من المعلوم إلی المجهول ومن الأصل إلی الفرع ومن المقیس علیه إلی المقیس جلي وواضح. العلماء من الإمامیة الذین یعتبرون هذا النوع من القیاس حجة ومعتبرًا؛ بالطبع إذا کان لدینا مثل هؤلاء العلماء، فإنهم یستثنونه من موارد النهي عن القیاس ویعتبرون حکمه خارجًا عن أنواع القیاس المحرم. تفسیر وجهة النظر الثانیة هو أن قیاس الأولیة لیس قیاسًا أصلًا؛ بل هو نوع من الدلیل الذي هو أولاً لفظي وثانیًا قطعي وعلمي. من الدلیل اللفظي بصورة قطعیة تُستنبط قاعدة کلیة، وکل من المعلوم والمجهول یُعدان علی حد سواء من مصادیق تلک القاعدة الکلیة، ولا توجد علاقة أصل وفرع أو مقیس ومقیس علیه بینهما. دلالة القاعدة الکلیة علی الحکم المعلوم تکون بالمطابقة والمنطوق، ودلالة القاعدة الکلیة علی الحکم المجهول تکون بالالتزام والمفهوم. من هنا، استُخدم اسم مفهوم الموافقة ولحن الخطاب، وتُجنب اسم القیاس الجلي الذي یشعر بکونه قیاسًا. یقول آیة الله مکارم الشیرازي في تفسیر وجهة النظر الثانیة: قیاس الأولیة عبارة عن إلحاق شيء بحکم الأصل بسبب الأولویة القطعیة. هذا النوع من الاستدلال خارج عن القیاس وداخل في القطع، مضافًا إلی أنه لا یُتصور هنا أصل وفرع، لأن الدلیل الدال علی الحکم دلیل لفظي ویدل علی کلا الفردین علی حد سواء، ولکن في أحدهما بالدلالة المطابقیة وفي الآخر بالدلالة الالتزامیة. (مکارم الشیرازي، ١٤٢٠، ج ٢، ص ٥١٩) الجدیر بالذکر أن تعریف آیة الله مکارم الشیرازي لقیاس الأولیة مبنی علی القیاس، لا علی مفهوم الموافقة، لأنه في تعریف قیاس الأولیة تحدث عن إلحاق شيء بالأصل بسبب الأولویة، وهذه هي رؤیة القیاس نفسها، ولو کان قد بنی التعریف علی أساس مفهوم الموافقة وقال مثلاً: قیاس الأولیة عبارة عن ظهور الکلام في ثبوت الحکم بالنسبة لمصداق یکون أقوی وأجدر في امتلاك علة الحکم، لکان أکثر انسجامًا مع وجهة نظره في قیاس الأولیة.
٣. تنقیح المناط
المورد الثالث من الموارد التي هي حجة ومعتبرة عند جمیع المذاهب الإسلامیة هو تنقیح المناط. في المذهب الحنفي یُطلق علیه اسم الاستدلال. (الزرکشي، ١٤٢١، ج ٤، ص ٢٢٧) في معظم کتب أصول أهل السنة، استُخدم تعبیر تنقیح المناط. تنقیح المناط عند الإمامیة، في حالة عدم قطعیة ملاك الحکم، یُعد من الأدلة اللفظیة، ودلیل حجیته هو الظهورات العرفیة والارتکازات العقلائیة. (مکارم الشیرازي، ١٤٢٠، ج ٢، ص ٥٢٠) عند أهل السنة، یوجد خلاف حول کون تنقیح المناط قیاسًا. معظمهم رأوا أنه قیاس، وبعضهم مثل الحنفیة أفتوا بخروجه من دائرة القیاس، ولهذا السبب اختاروا له اسم الاستدلال. إن رویکرد هذه المقالة هو إبراز اتفاق نظر المذاهب الإسلامیة علی حجیة واعتبار تنقیح المناط، في فرض القطع بملاك الحکم وفي فرض الاندراج في الظهورات العرفیة، بغض النظر عن کونه یسمی قیاسًا أم لا. إجماع المذاهب الإسلامیة علی اعتبار وحجیة تنقیح المناط ذو أهمیة بالغة، لأن الأحکام المستنبطة من هذا الدلیل تکون مقبولة لدی الفریقین. یمکن للإمامیة وأهل السنة في مسائل مختلفة أن یتداولوا ویتعاونوا باستخدام هذا الدلیل ویکتشفوا فروع المسائل في ضوئه. تنقیح المناط في الاصطلاح یعنی استنباط العلة من نص وضع العلة ضمن مجموعة من الأوصاف والقیود التي لا دخل لها في العلیة. تنقیح المناط هو تنقیة العلة من هذه الأوصاف والقیود غیر الدخیلة في العلیة. في عملیة تنقیح المناط، یجد الفقیه باجتهاده وجهده العلمي العلة الأصلیة من بین مجموعة الأمور المذکورة في النص ویقوم بتنقیحها وتنقیتها وتخلیصها. یقول أبو الحسن الآمدي (المتوفی ٦٣١هـ) في تعریف تنقیح المناط: تنقیح المناط هو الاجتهاد والاستنباط في تعیین علة دل علیها النص دون تعیین، ولتعیینها، یلزم حذف الأوصاف غیر الدخیلة المصاحبة لها. (الآمدي، بلا تا، ج ٣، ص ٣٠٣) یقول آیة الله مکارم الشیرازي في کتاب أنوار الأصول: عملیة تنقیح المناط تکون في حالة تصاحب أوصاف وخصوصیات متعددة للعلة لا دخل لها في الحکم من الناحیة العرفیة، فیقوم الفقیه بحذف تلک الأوصاف والخصوصیات لینقح وینقي العلة، مثل روایة تقول: رجل في المسجد بین الرکعتین الثالثة والرابعة من صلاة الظهر شک في الرکعات، فقال الإمام: ابنِ علی الأکثر. من هذه الروایة بعد إجراء تنقیح المناط یُستنتج أنه في الشک بین الثالثة والرابعة من رکعات الصلاة یجب البناء علی الأکثر، ولا یجب الاهتمام ببقیة الأوصاف التي أشیر إلیها في الروایة. بقیة الأوصاف مثل کون الشاک رجلاً أو کون مکان الشک مسجدًا أو کون مورد الشک صلاة الظهر. (مکارم الشیرازي، ١٤٢٠، ج ٢، ص ٥١٩)
حجیة الأقیسة العقلیة القطعیة
قیل إن الأقیسة التي ترجع إلی الأدلة اللفظیة حجة ومعتبرة باتفاق الفریقین. قیاس منصوص العلة وقیاس الأولیة وتنقیح المناط هي من أبرز أمثلتها. یوجد نوع آخر من القیاس لا یرجع إلی دلیل لفظي، ولکن في نفس الوقت یجمع الإمامیة وأهل السنة علی حجیته واعتباره، وهو القیاس العقلي القطعي. کلمة «عقلي» تقابل کلمة «لفظي»، وکلمة «قطعي» تقابل کلمة «ظني». تظهر دراسة المصادر الفقهیة والأصولیة للإمامیة وأهل السنة أن هذا القسم من القیاس، علی الرغم من أنه لا یرجع إلی الدلالة اللفظیة وعنوان القیاس لم یُحذف منه، فهو مقبول لدی الفریقین. یعتقد کبار علماء الإمامیة أن أحد الأسباب الأساسیة لعدم قبول القیاس هو کونه ظنیًا وعدم وجود أدلة کافیة علی حجیة ذلک الظن. بناءً علی ذلک، مع قطعیة القیاس والحجیة الذاتیة للقطع، یُزال المانع وتُقبل حجیته. یقول السید المرتضی علم الهدی (المتوفی ٤٣٦هـ) في کتاب الذریعة: علة عدم حجیة القیاس هي أنه لا یفید علمًا ولا یفید ظنًا، «من حیث لا سبیل إلی العلم … ولا إلی غلبة الظن»؛ (علم الهدی، ١٤٢٩، ص ٤٦٣) أي من حیث إن القیاس لا طریق له نحو العلم والقطع ولا طریق له نحو حصول الظن. الشیخ الطوسي (المتوفی ٤٦٠هـ) یؤید ذلك أیضًا ویقول: «والذي نذهب إلیه وهو الذي اختاره المرتضی في کتابه»؛ (الطوسي، ١٤٣١، ص ٦٧٠) أي أن عقیدتنا هي نفس عقیدة السید المرتضی في باب القیاس. المحقق الحلي (المتوفی ٦٧٦هـ) في کتاب معارج الأصول، في بدایة مبحث القیاس، بعد تعریفه یقول: إذا کانت العلة وکونها تامة معلومة للحکم، فإن نتیجة القیاس تکون علمیة وقطعیة، ولا نزاع في قبولها، أما إذا کانت العلة ظنیة، أو إذا کانت قطعیة وکان کونها تامة ظنیًا، فلا تکون مقبولة وتفتقر إلی الحجیة. (الحلي، ١٤٢٣، ص ٢٥٧) العلامة الحلي (المتوفی ٧٢٦هـ) في کتاب نهایة الوصول بعد تحلیل القیاس، یختار هذه النظریة في النهایة. (الحلي، ١٤٢٥، ج ٣، ص ٥٣٩) والشیخ الأنصاري (المتوفی ١٢٨١هـ) في کتاب فرائد الأصول یحلل الروایات في باب القیاس وبعد تقسیمها إلی أربعة أقسام، یقول عن القسم الثاني: «وبعض من الروایات إنما یدل علی الحرمة من حیث إنه ظن لا یغني من الحق شیئًا»؛ (الأنصاري، ١٤١٦، ج ١، ص ٢٥٣) أي أن الفئة الثانیة من الروایات هي التي تعتبر علة حرمة العمل بالقیاس کونه ظنیًا. بناءً علی ذلك، فإن القیاس الظني بسبب کونه مفیدًا للظن وعدم وجود دلیل علی حجیة ذلک الظن، یفتقر إلی الاعتبار. إذا کان القیاس مفیدًا للعلم، فإنه سیکون ذا حجیة، لأن حجیة العلم ذاتیة، وفي هذه الحالة، یُعد القیاس المفید للعلم أحد أقسام الأدلة القطعیة؛ مثلاً إذا لم یوجد دلیل لفظي علی حرمة شرب الخمر بسبب الإسکار، وعرف العقل بصورة قطعیة أن علته هي الإسکار، فإنه یمکن القول بحرمة النبیذ بسبب کونه مسکرًا. کبار أهل السنة قبلوا أیضًا القیاس العقلي القطعي وصرحوا به في کثیر من کتبهم الأصولیة. أبو إسحاق الشیرازي (المتوفی ٤٧٦هـ) في کتاب التبصرة (الشیرازي، ١٤٢٤، ص ٢٥٤)، وأبو المظفر السمعاني (المتوفی ٤٨٩هـ) في کتاب قواطع الأدلة (السمعاني، ١٤١٨، ج ٢، ص ٧٤)، وبدرالدین الزرکشي (المتوفی ٧٩٤هـ) في کتاب البحر المحیط (الزرکشي، ١٤٢١، ج ٤، ص ٢٦)، ووهبة الزحیلي (المتوفی ١٤٣٦هـ) في کتاب أصول الفقه الإسلامي (الزحیلي، ١٤٣١، ج ١، ص ٥٨١)، لم یقبلوا القیاس العقلي القطعي فحسب، بل قبلوا أیضًا القیاس العقلي الظني.
احتمال حجیة القیاس العقلي الظني في بعض الفروض
أهم جزء في هذا البحث هو هذا المبحث، لأن قیاس منصوص العلة وقیاس الأولیة وتنقیح المناط ترجع إلی الدلالة اللفظیة وتؤمن حجیتها من ذلك الطریق. القیاس العقلي القطعي یرجع إلی القطع والعلم ویحصل علی حجیته من طریق القطع والعلم، أما القیاس العقلي الظني الذي لا یرجع إلی الدلالة اللفظیة ولا إلی الحجیة الذاتیة، فلیس له طریق لتأمین الحجیة، وبالتالي فهو فاقد للحجیة والاعتبار. هذا القسم من القیاس یُسمی في اصطلاح أصول الإمامیة وأهل السنة، قیاس مستنبط العلة، وهو من حیث الحجیة والاعتبار محل نزاع بین الفریقین. أصول أهل السنة تعده من الظنون المعتبرة (الزرکشي، ١٤٢١، ج ٤، ص ٢٦) وأحد مصادر تشریع الأحکام في عرض الکتاب والسنة (الزحیلي، ١٤٣١، ج ١، ص ٥٧٧) بل دین الله ودین رسول الله (الزرکشي، ١٤٢١، ج ٤، ص ١١). أصول الإمامیة تعد العمل به ممنوعًا وحرامًا بل بطلانه من ضروریات مذهب أهل البیت. یقول صاحب المعالم (المتوفی ١٠١١هـ): «منعه یُعد من ضروریات المذهب.» (حسن بن زین الدین، بلا تا، ص ٢٢٦) والمحقق القمي (المتوفی ١٢٣١هـ) في کتاب القوانین یقول: «فإنا نری علمائنا في جمیع الأعصار والأمصار ینادون في کتبهم الأصولیة والفقهیة بحرمته مستندًا إیاها إلی أئمتهم (ع)»؛ (القمي، ١٤٣٠، ج ٣، ص ١٨١) أي أننا نری علمائنا في جمیع العصور والأمصار، في کتبهم الأصولیة والفقهیة، ینادون بحرمة العمل بالقیاس، وینسبون ذلك إلی أئمة أهل البیت (ع). الآن السؤال هو أنه في الأقیسة السابقة، بسبب قبولها من قبل الفریقین، کان الرویکرد التقریبي للقیاس ممکنًا، ولکن کیف یمکن ذلك في قیاس مستنبط العلة الذي یُعد منعه من ضروریات المذهب الشیعي؟ في هذا الصدد، یوجد وجهان محتملان نشیر إلیهما.
١. حجیة قیاس مستنبط العلة لکشف رأي أهل البیت (ع)
منشأ ظهور القیاس، خاصة بالنظر إلی تاریخ الفقه الإسلامي، یعود لأمرین. أحدهما تأمین المصادر الإسلامیة لاستنباط الأحکام الشرعیة، والآخر الاستغناء عن علوم ومعارف أهل البیت (ع). أهل السنة، وخاصة الحنفیة، لاستنباط حکم الحوادث والموضوعات الجدیدة التي کانت تظهر بشکل متزاید في العالم الإسلامي، کانوا بحاجة إلی مصادر جدیدة. کتاب الله بسبب بیانه للکلیات وعدم دخوله في الجزئیات، والسنة النبویة بسبب قلتها، من وجهة نظرهم، لم تکن تستطیع الإجابة علی الأسئلة المستجدة. عدم الإیمان بالمرجعیة العلمیة لأهل البیت (ع) وعدم وجود إرادة للاستفادة من علومهم ومعارفهم، دفع أهل السنة إلی الاستقلال والتقابل مع أهل البیت (ع). کشف القیاس کمصدر جدید لاستنباط الحکم الشرعي حل مشکلة حکم الحوادث والموضوعات الجدیدة، وحافظ علی استقلالیة أهل السنة أمام أهل البیت (ع). بناءً علی ذلك، یوجد في القیاس جانبان. أحدهما جانب کاشفیته عن الحکم الشرعي، والآخر تقابله مع سنة أهل البیت (ع). إذا کانت علة المنع من العمل بالقیاس من وجهة نظر الإمامیة هي عدم کاشفیته عن الحکم الشرعي، فإن حرمة العمل به ذاتیة، ولا یمکن استخدامه في الاستنباط بأي وجه، حتی لو تطابق مفاد القیاس مع مفاد الأدلة الأخری، یجب العمل بمفاد الأدلة الأخری. وإذا کانت علة المنع من العمل بالقیاس من وجهة نظر الإمامیة هي تقابله مع روایات ومقابلته مع علوم ومعارف أهل البیت (ع)، فبإجراء القیاس في روایات أهل البیت (ع) تُزال علة المنع، ویُستخدم القیاس لکشف رأي المعصوم (ع). الشیخ الأنصاري (المتوفی ١٢٨١هـ) في فرائد الأصول في مبحث انسداد باب العلم والعلمي، قسم روایات منع القیاس إلی أربعة أقسام، وعرف مفاد القسم الأول بحرمة العمل بالقیاس في فرض التقابل مع روایات أهل البیت (ع)، وقال إن المحقق القمي أیضًا یمیل إلی هذا المطلب أو یقول به. (الأنصاري، ١٤١٦، ج ١، ص ٢٥٣) بناءً علی ذلك، فإن إجراء القیاس في فرض عدم التقابل مع روایات أهل البیت (ع) لا مانع منه، وإجراؤه فقط أمام علوم ومعارف أهل البیت (ع) ممنوع. بالطبع، الشیخ الأنصاري في نهایة البحث لم یقبل هذا القول واعتبر علة المنع مشکلة ذاتیة في القیاس. إذا کان إجراء القیاس في فرض عدم التقابل مع روایات أهل البیت (ع) صحیحًا، فإن هذا القسم من قیاس مستنبط العلة سیکون مناسبًا أیضًا لتطبیق الرویکرد التقریبي.
٢. حجیة قیاس مستنبط العلة للترجیح في باب التعارض
المورد الثاني من موارد احتمال حجیة قیاس مستنبط العلة هو مرجحیته للترجیح في باب التعارض. المحقق الحلي (المتوفی ٦٧٦هـ) في کتاب المعارج في المسألة الخامسة من مسائل القیاس طرحها وقال: في تعارض خبرین معتبرین، لا یمکن العمل بکلیهما ولا ترکهما کلیهما، فلا بد من العمل بأحدهما. ترجیح خبر علی خبر آخر بواسطة القیاس لا یُعد عملاً بالقیاس، بل یُحسب عملاً بالخبر المعتبر. في الروایات التي مُنع فیها العمل بالقیاس، مُنع منه کدلیل لا کمرجح. المحقق الحلي في النهایة لم یقبل هذا الوجه وقال إن فیه نظرًا. (الحلي، ١٤٢٣، ص ٢٦١) السید محمد مجاهد الطباطبائي (المتوفی ١٢٤٢هـ) في مفاتیح الأصول، بعد ذکر کلام المحقق الحلي وبیان مباحث طویلة، رأی إیجابیًا بمرجحیة القیاس وقال: «الأحوط الأخذ بالخبر الموافق للقیاس.» (الطباطبائي، ١٢٩٦، ص ٧١٦) أما الشیخ الأنصاري (المتوفی ١٢٨١هـ) في فرائد الأصول، فقد فسر النهي عن القیاس بمعنی عدم الاعتناء والأهمیة بالقیاس، واعتبر الترجیح بواسطة القیاس اعتناءً به ومنعه. (الأنصاري، ١٤١٦، ج ٢، ص ٨١٦) بناءً علی مبدأ مرجحیة القیاس، یمکن تطبیق الرویکرد التقریبي في هذا المورد.
النتیجة
١. حرمة العمل بالقیاس ومنعه قد عُدّت من ضروریات مذهب أهل البیت (ع).
٢. القیاس من وجهة نظر مذاهب أهل السنة هو من الأدلة العقلیة. ومن وجهة نظر الإمامیة، إذا رجع إلی الأدلة اللفظیة ووقع في إطار الظهورات العرفیة والارتکازات العقلائیة، فهو حجة.
٣. الأقیسة التي ترجع إلی الدلیل اللفظي ثلاثة أنواع: منصوص العلة، والأولیة، وتنقیح المناط. هذه الأقیسة حجة ومعتبرة عند جمیع المذاهب الإسلامیة. من وجهة نظر الإمامیة، هي دلیل لفظي، ومن وجهة نظر أهل السنة، هي قیاس.
٤. الأقیسة العقلیة القطعیة، بسبب أنها تؤدي إلی القطع، والقطع له حجیة ذاتیة، هي مقبولة عند جمیع المذاهب الإسلامیة.
٥. الأقیسة الظنیة المعروفة بمستنبط العلة، یمکن أن تکون معتبرة في حالتین. إحداهما في حالة عدم التقابل مع رأي المعصوم (ع)، والأخری في حالة المرجحیة في باب التعارض.
٦. الرویکرد التقریبي یعنی تقریب وجهات نظر الإمامیة وأهل السنة فیما یخص الأقیسة المعتبرة عند الفریقین. الأقیسة الثلاثة: منصوص العلة، وقیاس الأولیة، وتنقیح المناط، وکذلك الأقیسة العقلیة القطعیة، وأیضًا القسمان من قیاس مستنبط العلة اللذان یوجد احتمال قبولهما عند الفریق، هي من مصادیق انطباق الرویکرد التقریبي.
المصادر
* القرآن الحکیم، ترجمة مکارم الشیرازي، ناصر.
* نهج البلاغة، تحقیق صبحي صالح.
١. الآمدي، أبو الحسن سیف الدین (بلا تا). الإحکام في أصول الأحکام. طبعة غیر معلومة. بیروت: المکتب الإسلامي.
٢. ابن الحاجب، أبو عمر عثمان بن أبي بکر (٢٠٠٨م). مختصر منتهی السؤل. الطبعة الأولی. بیروت: دار الکتب العلمیة.
٣. ابن فارس، أحمد (١٤٠٤هـ). معجم مقاییس اللغة. الطبعة الأولی. قم: مکتبة الإعلام الإسلامي.
٤. الأنصاري، مرتضی (١٤١٦هـ). فرائد الأصول. الطبعة الخامسة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٥. التوني، فاضل، عبدالله بن محمد (١٤١٥هـ). الوافیة في أصول الفقه. الطبعة الثانیة. قم: مجمع الفکر الإسلامي.
٦. الجصاص، أبو بکر أحمد بن علي (١٤٢٠هـ). الفصول في الأصول. الطبعة الأولی. بیروت: دار الکتب العلمیة.
٧. الجوهري، إسماعیل بن حماد (١٣٧٦هـ). الصحاح. الطبعة الأولی. بیروت: دار العلم للملایین.
٨. الحائري الأصفهاني، محمد حسین (صاحب فصول) (١٤٠٤هـ). الفصول الغرویة في الأصول الفقهیة. الطبعة الأولی. قم: دار إحیاء العلوم الإسلامیة.
٩. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٣هـ). وسائل الشیعة. الطبعة السادسة. طهران: المکتبة الإسلامیة.
١٠. ابن الشهید الثاني، حسن بن زین الدین (بلا تا). معالم الأصول. الطبعة التاسعة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
١١. الحکیم، محمد تقي (١٤٣٢هـ). الأصول العامة للفقه المقارن. الطبعة الثالثة. قم: المجمع العالمي لأهل البیت (ع).
١٢. الحلي، حسن بن یوسف (١٣٨٠هـ). تهذیب الوصول إلی علم الأصول. الطبعة الأولی. لندن: مؤسسة الإمام علي (ع).
١٣. الحلي، حسن بن یوسف (١٤٢٥هـ). نهایة الوصول إلی علم الأصول. الطبعة الأولی. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
١٤. الحلي، جعفر بن حسن (١٤٢٣هـ). معارج الأصول. الطبعة الأولی. لندن: مؤسسة الإمام علي (ع).
١٥. الدهخدا، علي أکبر (١٣٧٧هـ). لغتنامه دهخدا. الطبعة الثانیة. طهران: مؤسسة انتشارات وچاپ دانشگاه تهران.
١٦. الرازي، فخر الدین محمد بن عمر (١٤٣٢هـ). المحصول في علم أصول الفقه. تحقیق طه جابر العلواني. الطبعة الأولی. مصر: دار السلام.
١٧. الراغب الأصفهاني، حسین بن محمد (١٤١٢هـ). مفردات ألفاظ القرآن. الطبعة الأولی. بیروت: دار العلم.
١٨. الزحیلي، وهبة (١٤٣١هـ). أصول الفقه الإسلامي. الطبعة الثامنة عشرة. دمشق: دار الفکر.
١٩. الزرکشي، بدر الدین (١٤٢١هـ). البحر المحیط في أصول الفقه. الطبعة الأولی. بیروت: دار الکتب العلمیة.
٢٠. السبحاني، جعفر (١٤٢٥هـ). مقدمة نهایة الوصول إلی علم الأصول. الطبعة الأولی. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
٢١. السمعاني، أبو مظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار (١٤١٨هـ). قواطع الأدلة في الأصول. الطبعة الأولی. بیروت: دار الکتب العلمیة.
٢٢. الشافعي، محمد بن إدریس (بلا تا). الرسالة. بلا مکان: بلا ناشر.
٢٣. الشلبي، محمد مصطفی (١٤٠٥هـ). المدخل في التعریف بالفقه الإسلامي. الطبعة الأولی. بیروت: دار النهضة الإسلامیة.
٢٤. الشیرازي، أبو إسحاق إبراهیم بن علي (١٤٢٤هـ). التبصرة في أصول الفقه. الطبعة الأولی. بیروت: دار الکتب العلمیة.
٢٥. الشیرازي، أبو إسحاق إبراهیم بن علي (٢٠٠٩م). اللمع في أصول الفقه. الطبعة الرابعة. بیروت: دار الکتب العلمیة.
٢٦. الطباطبائي، (مجاهد) السید محمد بن علي (١٢٩٦هـ). مفاتیح الأصول. الطبعة الأولی. قم: مؤسسة آل البیت (ع).
٢٧. الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن (١٤٣١هـ). العدة في أصول الفقه. تحقیق محمدرضا أنصاري. الطبعة الأولی. قم: بوستان کتاب.
٢٨. علم الهدی، السید مرتضی (١٤٢٩هـ). الذریعة إلی أصول الشریعة. الطبعة الأولی. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
٢٩. العمید، حسن (١٣٦٢هـ). فرهنگ عمید. الطبعة الثامنة عشرة. طهران: انتشارات أمیر کبیر.
٣٠. الغزالي، محمد (بلا تا). المستصفی من علم الأصول. بیروت: دار الأرقم.
٣١. القمي، میرزا أبو القاسم (١٤٣٠هـ). القوانین المحکمة في الأصول. الطبعة الأولی. قم: إحیاء الکتب الإسلامیة.
٣٢. معلوف، لویس (١٣٦٢هـ). المنجد. الطبعة السادسة والعشرون. طهران: منشورات إсмаعیلیان.
٣٣. المفید، محمد بن محمد بن نعمان العکبري (١٤٣١هـ). التذکرة بأصول الفقه. الطبعة الأولی. قم: المهدي.
٣٤. مکارم الشیرازي، ناصر (١٤٢٠هـ). أنوار الأصول. الطبعة الثالثة. قم: انتشارات نسل جوان.
[1] عضو هيأت علمي جامعة المصطفى العالمية، alisaeli1963@gmail.com