الملخص
بما أن لأصل «حق الطاعة» في الفكر الاجتهادي للشهيد السيد محمد باقر الصدر دورًا خاصًا في العقل العملي، فإنه يقرّره كعنصرٍ تأسيسيٍّ تتشكل على أساسه منظومة علم الأصول بأكملها، لا مجرد منهجٍ يقتصر تطبيقه على الأصول العملية، والذي ينتفي بدوره المحدود مع ورود البراءة الشرعية. إن النظرة التي تحصر حق الطاعة في مباحث الأصول العملية تحوّله عمليًا إلى فكرة فكرية لا دور خاص لها في علم الأصول، في حين أن حق الطاعة هو منهج ومسلك. إن إطلاق هذه العناوين على حق الطاعة يدل على أهميته لعلم الأصول. وفقًا لما تدّعيه هذه المقالة، فإن حق الطاعة لا يقتصر موقعه على الأصول العملية فحسب، بل يقع في صدر علم الأصول، ويؤثر في جميع أقسام هذا العلم، من مباحث القطع إلى الظنون والحجية والأدلة الاجتهادية. هذا الأصل الفكري الذي يغير من منهج العلم، يمكن أن يطلق عليه أيضًا عنصرٌ تأسيسي. إن تقرير أصل حق الطاعة كعنصر تأسيسي يستلزم بيان كيفية بناء المنظومة المعرفية لعلم الأصول عليه، وكيفية تشكّل وتبيين العناصر الأساسية لعلم الأصول ومجموعاتها الفرعية استنادًا إلى هذا الأصل. بالإضافة إلى هيكلية علم الأصول، فإن مفاهيم ومضامين هذا العلم، من قبيل المباحث المتعلقة بالأدلة والحجية والأصول العملية، ستخضع بطبيعة الحال للتغيير والتوسعة. علاوة على ذلك، فإن هذا الأصل، بوصفه عنصرًا منظِّمًا للمعطيات الاجتهادية، يضيف قدرة جديدة إلى علم الاجتهاد وعلم الأصول، بالإضافة إلى حله للمشكلات الأساسية في المنظومات الأخرى لعلم الأصول، ومن ثم يدفع بتاريخ علم الاجتهاد خطوة إلى الأمام.
مقدمة
إن الادعاء الأهم في هذه المقالة هو أن أصل حق الطاعة في علم أصول الشهيد الصدر لا يقتصر دوره على كونه منافسًا للبراءة العقلية ومقابلًا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان في قسم الأصول العملية فحسب، بل إن لهذا الأصل مكانة أسمى في علم الأصول. إن مكانة هذا الأصل لا تقتصر على توسطه لعلم الأصول بحيث يُعتبر الفكر الأصولي للشهيد الصدر نموذجًا من بين المدارس الأصولية الأخرى، بل إن أصل حق الطاعة يقع في بداية علم الأصول وعلى رأسه. هذا الأمر هو ما أدى إلى أن يكون علم أصول الشهيد الصدر منظومة أصولية جديدة، وأن يتم تنظيم هيكل مباحث هذا العلم بواسطة أصل حق الطاعة. مع هذا الوصف، يمكننا في هذا البحث أن نشهد من جهة وجود المباحث الشائعة، ولكن من جهة أخرى، فإن هذه المقالة، من حيث اعتمادها على معيار واحد بعنوان حق الطاعة الذي تُنظَّم على أساسه هذه المباحث الشائعة، لم يسبقها بحث آخر في هذا المجال. هذا المعيار الواحد يوضح لنا كيف أن جميع مباحث علم الأصول، بدءًا من مباحث الانكشاف، مرورًا بالقطع والظنون والاحتمالات والحجية والأدلة الاجتهادية، وصولًا إلى الأصول العملية، تُنظَّم جميعها بواسطة أصل حق الطاعة. هذه الميزة هي التي تدفعنا إلى اعتبار مكانة حق الطاعة في أساس علم الأصول، وليس فقط على مستوى مباحث الأصول العملية، وهو التقرير الشائع لحق الطاعة.
١. حق الطاعة: على رأس علم الأصول أم في داخله؟
في الفهم العام، يُعد حق الطاعة مسلكًا داخل علم الأصول، وتحديدًا في قسم الأصول العملية. لكن وفقًا للتقرير الذي يُقدَّم في هذا البحث، هو أصل يقع على رأس علم الأصول ويؤثر في العلم بأكمله. يُعد علم الأصول من العلوم الفاعلة في عملية الاجتهاد، بحيث لا يمكن بدونه اعتبار الاستنباطات المستفادة من نصوص القرآن والسنة معتبرة وحجة، أو تجاهل القدرات التي يمنحها هذا العلم للمجتهد. لقد شهد هذا العلم في مختلف مراحل تاريخ الفكر الاجتهادي مسيرة من التطورات التكاملية، والتي دخلت في العصر الأخير مرحلة جديدة مع كتاب «فرائد الأصول» المعروف بكتاب «الرسائل» للشيخ الأنصاري. بعده، تطور علم الأصول على أيدي كبار المفكرين الذين عمل معظمهم ضمن نفس المنظومة على إكمال علم الأصول. في العصر الأخير، قام السيد محمد باقر الصدر، على الرغم من استفادته من بعض عناصر منظومة الشيخ الأنصاري، ببناء علم الأصول على أساس أصل في العقل العملي باسم «حق الطاعة». هذا الأصل، الذي يهدف إلى إيجاد قدرات هيكلية وتفسيرية في علم الأصول، لم يُلتفت إليه كثيرًا أو تحول إلى عنصر جزئي في علم الأصول بسبب قوة الرؤية المطروحة في مدرسة الشيخ الأنصاري، وخاصة في كتاب «فرائد الأصول» ونفوذها في الأوساط العلمية. على الرغم من الجهود الواسعة لتلاميذ الشهيد الصدر وبعض الباحثين من بعده، فإن الحيثية التأسيسية لأصل حق الطاعة في علم الأصول لم تحظَ بصدى واسع في الأوساط العلمية. يسعى هذا البحث كخطوة أولى لإظهار أن حق الطاعة ليس نظرية جزئية، بل هو أصل منهجي في علم الأصول، وأن وظيفته هي تقديم منظومة معرفية جديدة لعلم الأصول يُدَّعى أنها توفر قدرات أكبر لعلم الاجتهاد وتحل العديد من المشكلات التي تواجه علم الأصول، دون الحاجة إلى بعض المحاولات العلمية التي طُرحت وشاعت لحل هذه المشكلات. على سبيل المثال، أدى وجود بعض المشكلات في علم الأصول لإثبات حجية الأمارات إلى تقديم وطرح نظريات ومذاهب مثل مسلك المصلحة السلوكية، ومسلك تتميم الكشف، ومسلك جعل المؤدى، أو مسلك جعل الحكم المماثل، وغيرها في باب حجية الأمارات.¹ (حكيم، ١٤١٦، ص ١٤٢-١٤٣) هذا في حين أنه من وجهة نظر الشهيد الصدر، فإن أصل حق الطاعة يحل مثل هذه المشكلات تلقائيًا.² وتبرز أيضًا فتوحات أخرى بواسطة هذا الأصل في علم الأصول، والتي إذا وُضعت جنبًا إلى جنب، ترشدنا إلى الطبيعة التأسيسية لعنصر حق الطاعة في المنظومة المعرفية لعلم الأصول. يمكن تسمية الفهم العام الحالي لدور حق الطاعة في علم الأصول بالنظرة الضيقة، والتي بموجبها يصدق تطبيق أصل حق الطاعة عادةً في حالة الكشف الاحتمالي عن التكاليف ويجري في الأصول العملية.³ هذه النظرة تعبر بإيجاز عن إبداعات الشهيد الصدر، التي من نماذجها تأثير حق الطاعة في حجية اليقين، والعلم الإجمالي، وتشكيل الأصل العملي العقلي (أصالة الاشتغال) كمبدأ أولي في فرض عدم الوصول إلى الأمارات. هذه القراءة، التي اهتم بها كبار العلماء، تقتصر على تقديم مسلك حق الطاعة كما هو مطروح في الأصول العملية،⁴ وهو ما يمكن استخلاصه من صدر وذيل بعض العبارات. «في مقابل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يوجد مسلك حق الطاعة الذي يمكن مشاهدة تفاصيله في موضوعي حجية القطع والبراءة العقلية». (الحائري، ١٩٩١م، ص ٤٣) ومع ذلك، ورد في أحد تقريرات الدروس الخارج ما يلي: «في بعض الموارد في علم الأصول، تُستخدم قضايا يُستفاد فيها من الحق. من جملة هذه القضايا نظرية حق الطاعة للشهيد الصدر والتنجيز الموجودة في جميع أنحاء علم الأصول». (آملي لاريجاني، ١٣٧٩-١٣٨٠، الجلسة ١٥٩) يُظهر سياق البحث أن هذه الرؤية تُطرح إلى جانب الرؤى الأخرى، ويتم التعامل معها كنظرية جزئية، لا كنظرية أساسية. أما من وجهة نظر هذا البحث، فإنه بنظرة موسعة إلى دور أصل حق الطاعة في الاجتهاد، لا يمكن اعتباره صادقًا فقط في الكشف الاحتمالي عن التكاليف والأصول العملية، بل هو أيضًا سبب التنجيز.
٢. تعاضد العقل النظري والعقل العملي في ظهور حق الطاعة
لتحديد المكانة الأساسية لحق الطاعة في المنظومة المعرفية لعلم الأصول، من الضروري التمييز بين نوعي وظائف العقل العملي والعقل النظري من وجهة نظر الشهيد الصدر في إدراك الله. يدرك العقل النظري نوعًا من الملكية للواجب تعالى، والتي بسبب إحاطة الواجب بالممكنات، تشمل كل موجود بما في ذلك البشر. وفقًا لهذا الإدراك، فإن الإنسان، كغيره من الممكنات، وبسبب الإحاطة التكوينية لله بها جميعًا، هو مملوك للواجب تعالى. بناءً على هذا الإدراك العقلي النظري لهذا النوع من الملكية، وبسبب كون الإنسان كائنًا مسؤولًا وذا شخصية معنوية، يتشكل في العقل العملي نوع ثانٍ من الإدراك الحقيقي للملكية. هذه الملكية الثانية هي عبارة عن مولوية الله على العباد، والتي تثبت دون اعتبار أي جعل أو تشريع. ملاك هذه الملكية هو خالقية الله. معنى هذه المولوية هو أن الله خالق دائم، من شؤونه الأمر والحكم والتصرف. وتبعًا لذلك، فإن شأن الإنسان أيضًا أمام هذا الحكم العقلي هو الطاعة. (الأحمدي البهسودي، ٢٠٠٩م، ج١، ص١٦٦؛ الصدر، ١٤٣٣ق، ص ١٧٥-١٧٧) حق الطاعة هو من مظاهر هذه الحقيقة الموجودة في العقل العملي، والتي يكمن منشأ إدراكها في العقل النظري. وبما أن وظيفة العقل العملي هي إدراك الأشياء التي يستحسن فعلها أو تركها، فإن هذه المولوية المدرَكة بواسطة العقل العملي تتضمن إلزامات عملية للتكاليف والوضعيات المتعلقة بفعل الإنسان؛ وهي نفس الأمور التي نبحث عنها في الأحكام التكليفية والوضعية في علم الفقه. (الصدر، ١٤٣٣ق، ص ١٧٥-١٧٧) على الرغم من أن أصل حق الطاعة هو نتيجة للتفاعل بين العقل النظري والعملي، إلا أنه يتشكل في العقل العملي. هذا التشكل هو نتيجة لتحليل أساسي لأصل الحسن والقبح العقليين. يتجاوز الشهيد الصدر الرؤية المشهورة لدى كثير من الأصوليين والفلاسفة والمتكلمين الذين يعتبرون «حسن العدل وقبح الظلم» الأصل الأساسي للعقل العملي، ويكشف عن طبقة أعمق من العقل العملي وهي «الأصل الأساسي للحق». (الصدر وآخرون، ١٩٩٦م، ج٨، ص٤٦؛ الصدر، ١٤٢١ق. ج٧، ص ٣٣٤-٣٣٥) إذا لم يكن لدى العقل العملي قبل الحكم بقبح الظلم وحسن العدل إدراك لمفهوم الحق، فلن يستطيع أن يعتبر أمرًا ما ظالمًا أو عادلًا. الظلم، الذي هو عبارة عن سلب حق الآخر، يكتسب معناه مسبقًا بتعريف ماهية الحق ومكانته. من هنا، فإن للعقل العملي إدراكًا للحق، يُبنى على أساسه قانون حسن العدل وقبح الظلم. وفي هذا السياق، ما لم يكن للعقل في مرتبة سابقة إدراك لحق شكر المنعم، فلن يتمكن من تطبيق عنوان الظلم على ترك شكره. بناءً على ذلك، فإن طاعة المولى أو عدم طاعته تستلزم إدراكًا مسبقًا هو حق طاعة المولى على العباد. مع حضور هذا الأصل في العقل العملي، يُطرح سؤال أساسي في علم الأصول وهو: هل مع إدراك أصل حق الطاعة في أساس الفكر العقلي، يقتصر هذا الأصل على التكاليف التي وصلتنا بشكل قطعي من المولى، أم أنه يشمل التكاليف المحتملة أيضًا؟ (الصدر، ١٤٢١ق، ج٧، ص ٣٣٤-٣٣٥) يتجاوز الشهيد الصدر الطبقات العقلية ويكشف عن طبقة أعمق في العقل العملي، ليبني سؤال كيفية التكاليف الواصلة على ذلك الأصل. من هنا، فإن قاعدة قبح العقاب بلا بيان، التي تُطرح في مراتب لاحقة من الأصول العقلية، لا تملك القدرة على معارضة هذا الأصل؛ أولًا، لأن حق الطاعة يسبق مرتبة الحسن والقبح، بينما قاعدة قبح العقاب تستخدم الحسن والقبح لبيان قبح العقاب بلا بيان. ثانيًا، تسعى قاعدة قبح العقاب بلا بيان للوصول إلى رؤية بعد ثبوت «عدم البيان»، وهو ما يمثل محل البحث نفسه. ما الذي نعتبره بيانًا؟ هل يجب أن يكون البيان قطعيًا، أم أن البيان الإجمالي والاحتمالي يُعتبر بيانًا أيضًا؟ إن المكانة الأساسية التي يرسمها الشهيد الصدر لحق الطاعة تُظهر أن المنظومة المعرفية لعلم الأصول تحتاج إلى قاعدة عقلية لا تواجه الإبهامات المذكورة آنفًا. على هذا الأساس، يُوضع الأساس الأول لشمول أحكام العقل العملي لجميع مباحث علم الأصول، وهو تحديد مكانة حق الطاعة كأصل سابق على الحسن والقبح لجميع الأفعال والأحكام القطعية والظنية والاحتمالية والمشكوكة، وليس فقط الأفعال والأحكام الواقعة في منطقة الأصول العملية المشكوكة.
٣. المنظومة المعرفية لعلم الأصول على مبنى أصل حق الطاعة
وفقًا لتعريف علم الأصول من وجهة نظر الشهيد الصدر، فإن هذا العلم يتولى تحديد العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي. (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص٤٦) العناصر المشتركة هي «الأدلة والأصول العملية»، والحكم الشرعي هو «التشريعات الإلهية لتنظيم حياة الإنسان». (الصدر، ١٤٢١ق، ج٦، ص٦٣) من ناحية أخرى، فإن أصل حق الطاعة يعبر عن أصل ذاتي وتكويني وغير مجعول لله سبحانه. هذا الحق الذاتي غير المجعول يختلف عن الحقوق المجعولة والاعتبارية. من بين مستلزمات الفرق بين هذا الحق الذاتي والحقوق المجعولة، أن ذاتية هذا الحق تمنع تضييق دائرته. ولهذا السبب، فإن القاعدة العملية الأولية بحكم العقل هي «أصالة الاشتغال». (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص٣٦٧) السؤال الآن هو: كيف يقيم أصل حق الطاعة المنظومة المعرفية لعلم الأصول، وكيف يلقي بظلاله على هذا العلم بأكمله؟ من بين العناصر المشتركة في عملية الاستنباط، يوجد عنصر مشترك يدخل في جميع عمليات استنباط الحكم الشرعي وفي كلا نوعيها، وهو عنصر «حجية القطع». حجية القطع ليست مجرد عنصر مشترك في عملية استنباط الحكم الفقهي، بل هي شرط أساسي لتشكيل قاعدة للعناصر المشتركة. على سبيل المثال، عندما نبحث مسألة حجية الخبر أو حجية الظهور العرفي، فإننا في الواقع نسعى للحصول على علم بالواقع المتعلق بالموضوع في تلك المسألة الخاصة؛ لأنه إذا لم يكن العلم والقطع حجة، فما الفائدة من البحث عن حجية الخبر والظهور العرفي؟ بناءً على هذا الوصف، فإن أول منطقة يظهر فيها حق الطاعة في علم الأصول هي مباحث القطع. القطع هو أوسع عنصر مشترك موجود في جميع العناصر المشتركة في عملية الاستنباط. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٦، ص٧٠-٧١) في مرتبة أخرى، تكون العناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي من نوعين أساسيين: الأول: العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتمثل في الأدلة المحرزة للحكم الشرعي. الثاني: العناصر المشتركة في عملية الاستنباط التي تتجلى في الأصول العملية. الآن، إذا أراد أصل حق الطاعة أن يؤسس، كعنصر مبدئي، المنظومة المعرفية لعلم الأصول بأكمله في مراحله المختلفة، فيجب عليه أن يقيم أسس علم الأصول في المراحل الأولية. هذه الأسس في المرحلة الأولى هي أساس علم الأصول في العنصر المشترك للعناصر المشتركة؛ أي القطع. وفي المرحلة الثانية، هي العناصر المشتركة في علم الأصول نفسه؛ أي الأدلة والأصول العملية. بناءً على ذلك، يجب على أصل حق الطاعة أن يُظهر دوره فيما نسميه في علم الأصول بـ«الدليل» من جهة، ومن جهة أخرى، يجب أن يكون قادرًا على إعطاء معنى لمباحث الأدلة ومباحث الأصول العملية على أساس أصل حق الطاعة. (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص٧٠) بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يثبت دوره في تنظيم البيانات المستخرجة من عملية الاستنباط، كما سيُشار إليه في المرحلة النهائية.
٤. دور أصل حق الطاعة في رسم خريطة علم الأصول بأكمله
إن أهم شاهد على أن حق الطاعة عنصر تأسيسي في علم الأصول، وليس مجرد وظيفة من سنخ الأصل العملي، هو أنه يمكن تفسير كلية علم الأصول وفقًا للفهرس الذي قدمه الشهيد الصدر. بناءً على ذلك، فإن المباحث التالية هي في الواقع تقرير عن كلية علم الأصول في ضوء حق الطاعة، بحيث يتضح أن العناصر الأساسية لعلم الأصول وفقًا لفهرس الشهيد الصدر لهذا العلم، تعتمد جميعها على أصل حق الطاعة كأساس عقلي، وليس أن حق الطاعة يقتصر تطبيقه على جزء محدود من علم الأصول، أي الأصول العملية. وبهذا، فإن هيكل المقالة بأكمله سيكون بمثابة شاهد على الطبيعة التأسيسية لعنصر حق الطاعة. إن كيفية طرح حق الطاعة في بداية البحث عن الأدلة والأصول العملية تُظهر لنا أن حق الطاعة في علم الأصول ليس مجرد وظيفة كأصل عملي في الاستنباطات الفقهية. يقدم الشهيد الصدر، بعد تقسيم العناصر المشتركة إلى أدلة وأصول عملية، نقطة مفادها أن أي واقع يواجهه الفقيه، يكون دليل من النوع الثاني؛ أي أصل عملي، حاضرًا فيه. الفرق الوحيد هو أنه إذا كان هناك دليل محرز، سواء كان شرعيًا أو عقليًا، يُستند إلى ذلك الدليل المحرز. وفي غير هذه الحالة، يُستند إلى الأصل العملي. أما إذا لم يكن الدليل قطعيًا، فلا تبرأ ذمته إلا بإذن من المولى. أصل اشتغال الذمة هو دائمًا مستند الفقيه ويبقى قائمًا حتى تحدث إحدى الحالات الأربع التالية: الأولى: وجود دليل محرز قطعي على نفي التكليف. الثانية: وجود دليل محرز قطعي على إثبات التكليف. في هذه الحالة، يبقى تنجز الأصل العقلي (الاشتغال) للذمة بشكل أشد. الثالثة: عدم وجود الحالة الأولى والثانية، بحيث لا يوجد قطع بالتكليف ولا قطع بعدم التكليف. في هذا الفرض، يقطع الفقيه بوجود ترخيص ظاهري من الشارع بترك التحفظ. وبما أن الشارع في هذا الفرض قد أذن بترك التحفظ، فإن منجزية أصالة الاشتغال تُرفع وتنتقل إلى منجزية الاحتمال والظن، أو بواسطة جعل أصل عملي شرعي مثل أصالة الحلية الشرعية أو البراءة الشرعية، نتخلى عن أصالة الاشتغال العامة. بناءً على هذه الحالة الثالثة، أي وضع القطع بالترخيص الظاهري، تترتب حالتان: ١. حجية الأمارات، مثل خبر الثقة المظنون، الذي يترتب عليه منجزية الاحتمال؛ كما في حالة يخبر فيها الثقة مظنون الصدق بعدم وجوب التكليف. ٢. إثبات أصل عملي، مثل أصالة الحل الشرعية والبراءة الشرعية التي تعبر عن «رفع ما لا يعلمون». الرابعة: عدم وجود الحالة الأولى والثانية، بحيث لا يوجد قطع بالتكليف ولا قطع بعدم التكليف. في هذا الفرض، يقطع الفقيه بأنه خلافًا للحالة الثالثة، لم يأذن الشارع بترك التحفظ. وهذا يعني أن منجزية الاحتمال والظن تبقى قائمة على حالها بشكل مؤكد وأشد مما لو كان الإذن محتملًا. في هذه الحالة الرابعة، تُتصور حالتان: ١. عدم وجود إذن ترخيصي من الشارع أدى إلى جعل حجية الأمارة في تلك الحالة، وبناءً عليه، يثبت الوجوب الذي أخبر به الثقة. ٢. جعل أصل عملي شرعي، مثل أصالة الاحتياط الشرعي. (الصدر، ١٤٢١ق، ص ١٩٧-١٩٩) الفرق بين الحالة الثالثة والرابعة هو أنه في الحالة الثالثة، كان هناك قطع بالترخيص، وبناءً عليه، ترد هنا الأدلة أو الأصول التي ترفع التكليف. أما في الحالة الرابعة، فالقطع هو بعدم الترخيص. لذا، فإن الأدلة والأصول التي تثبت التكليف تكون منجزة. في الواقع، فإن الشهيد الصدر، تحت عنوان «منهجه في مسلك حق الطاعة»، لا يسعى فقط لبيان أصالة الاشتغال كأصل عملي في حالات الشك في التكليف؛ بل يمكن من خلال طريقة طرحه للمبحث أن نستنتج أن حق الطاعة ليس في مصاف ابتكاراته الأصولية الأخرى؛ بل له مكانة كأصل على رأس علم الأصول، بحيث يحدد المكانة الوظيفية لجميع العناصر المشتركة في علم الأصول، وهي الأدلة المحرزة القطعية، والأمارات، والأدلة الاحتمالية، والأصول العملية المثبتة أو الرافعة للتكليف. إذا لم نقبل هذه المكانة كـ«مكانة حق الطاعة في تقرير الأدلة الاجتهادية»، فإن تقديم مسلك حق الطاعة كأصل مسلكي في بداية البحث عن الأدلة وقبل الأدلة المحرزة لا يكون له أي مبرر، خاصة أنه بعد تقديمه لمسلكه، الذي هو في الواقع منهجيته في كيفية الرجوع إلى الأدلة والأصول العملية، يطرح بحث الأدلة المحرزة، وبعد حوالي ١٦٥ صفحة، يتناول الأصول العملية. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٦، ص ٣٦٣) هذا الترتيب للمباحث لا يقدم أي تفسير سوى أن مكانة مسلك حق الطاعة أسمى من تحديد الأصل العملي بعد طرح بحث الأدلة القطعية والأمارات. الأهم من ذلك كله، أهمية المراحل الأربع المذكورة في ترتيب وظائف الأدلة القطعية، والأمارات، والظنون، والأدلة الاحتمالية، وفي النهاية الأصول العملية. هذه الوظائف المتسلسلة في مسار استنباط الحكم الشرعي، وُضعت جميعها تحت عنوان واحد يكشف بوضوح عن المكانة الأساسية لحق الطاعة في علم الأصول. يرسم الشهيد الصدر، تحت عنوان «المنهج على مسلك حق الطاعة»، مثل هذه المكانة لمسلك حق الطاعة. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٦، ص ١٩٨) ويشير تحت هذا العنوان إلى أن المسلك المشهور لا يمكن أن يحظى بمثل هذه المكانة لعلوم الأصول؛ مكانة يمكن من خلالها تنظيم كل مباحث علم الأصول ورسم خريطة علم الأصول على أساسها؛ بحيث يكون طرح البحث في هذا المسلك، سواء بشكل كلي أو في طريقة بدايته، مختلفًا عن مسلك حق الطاعة. عبارته في هذا الصدد هي: «وأما بناءً على مسلك قبح العقاب بلا بيان، فالأمر على العكس تمامًا والبداية مختلفة». (الصدر، ١٤٢١ق، ج٦، ص ٢٠٠) هذا الجزء من عبارته الذي يشير إلى عكسية طريقة البحث في المسلك المشهور ويوضح أن بداية البحث مختلفة عن مسلك حق الطاعة، يشير إلى المكانة الخاصة لحق الطاعة في خريطة الأدلة والأصول العملية، بحيث بالاعتماد على مسلك حق الطاعة، لا يتغير مسار علم الأصول فحسب، بل يختلف نوع الدخول إلى البحث أيضًا. بناءً على ذلك، لا يمكن توقع أنه مع دخول أصل حق الطاعة، سيبقى ترتيب مباحث علم الأصول ومنهجية البحث على نفس المنوال السابق ووفقًا للمسلك المشهور. إن مراد الشهيد الصدر من أصالة الاشتغال ليس مجرد أصل عملي، بل هو أصل لعمل المجتهد في كل علم الأصول. هذا الأصل يحدد تكليفه أمام الأدلة المختلفة والأنواع المتعددة من انكشاف الحكم الشرعي. بتعبير من الشهيد الصدر نفسه، فإن الحجية تكتسب معناها في ضوء أصل حق الطاعة. بناءً على ذلك، فإن الملاك الأساسي في علم الأصول، وهو تحديد الأدلة المعذِّرة والمنجِّزة لعلم الفقه، يكتسب معناه بواسطة أصل حق الطاعة. وفي هذا السياق، يشمل حق الطاعة في جانبه الإثباتي أي نوع من الانكشاف للتكاليف، بما في ذلك الأدلة القطعية والظنية والاحتمالية. هذا الحق، في جانبه السلبي، يقرر أصلًا في علم الأصول نصه: «ما لم يصدر إذن بالترخيص من جانب الشارع، لا يمكن إبراء الذمة من التكاليف الظنية أو المحتملة». (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص ١٩٨)
أ. الانكشاف كمعيار للحجية
مراد الشهيد الصدر من منجزية الدليل هو بيان السمة الانكشافية لدليل ما بالنسبة لحكم المولى أو التكليف. العناصر الانكشافية في علم الأصول هي الأدلة نفسها، ومن ثم، فإن مراد اعتبار الأدلة هو بحث حجيتها. بناءً على ذلك، فإن اعتبار الأدلة هو حجيتها، والمنجزية في الواقع هي إحدى حيثيات حجية الدليل. الجانب الآخر للحجية هو المعذرية، التي تؤدي في حالة عدم انكشاف حكم المولى إلى عدم تحقق التكليف وبراءة ذمة المكلف من عبء التكليف بشكل مبرر. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٢، ص ٤٥) السؤال الآن هو: إلى أي مدى يصل هذا الانكشاف؟ هل كل دليل تكون قدرته على الانكشاف قطعية، يكون معذرًا ومنجزًا، وبالتالي حجة، أم لا؟ هنا يؤكد الشهيد الصدر على أن منجزية الدليل لا تنشأ من وجود حالات نفسية كالقطع أو الظن أو غيرها، بل القطع من حيث امتلاكه لأعلى درجة من الانكشاف، يجلب معه التنجز. في هذا المسلك، يكون القطع بهذا الملاك منجزًا للدليل لأنه كاشف. بناءً على ذلك، فإن الأصل في هذا الموقف هو الانكشاف عن التكليف، وليس الحالات المختلفة من القطع والظن والاحتمال. وبناءً على هذا الوصف، يحكم العقل بضرورة مراعاة أي كاشف عن حكم المولى، نظرًا لسعة حق طاعة المولى، في أي مستوى نفسي؛ أي اليقين والظن أو الاحتمال، يكون منجزًا. هذه المنجزية تبقى قائمة ما لم يأذن الشارع بالترخيص. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٦، ص ١٨٨-١٨٩) ما يُسمى في علم الأصول بالكشف والانكشاف هو «معرفة الواقع». الواقع الذي يمكن أن يُكشف عنه بشكل ناقص أو تام. هذا الواقع ليس سوى الحكم الشرعي. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٦، ص ١٩٧) بناءً على ذلك، فإن الحكم الشرعي في الواقع يرجع إلى حكم العقل بضرورة طاعة المولى. من هنا، يرى الشهيد الصدر أنه قبل حكم العقل العملي بحسن العدل وقبح الظلم، يدرك العقل «الحق» بشكل مسبق، وعلى أساسه يحكم بحسن العدل وقبح الظلم. يثبت العقل العملي حقًا لخالق العالم على عاتق الإنسان، وهو «حق الطاعة». بناءً على ذلك، فإن حكم المولى بالنسبة لما يستحق الفعل وما يستحق الترك، مع الوضعيات المرتبطة بها، يثبت بواسطة حق الطاعة. ولهذا السبب، يُطلق في علم الأصول مصطلح الحكم الشرعي على التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الإنسان. أفضل تنظيم للحياة هو الذي يمكن من خلاله تمييز الأمور التي تستحق الفعل عن الأمور التي تستحق الترك بشكل واقعي. هذه الأمور لا تشمل فقط أفعال المكلفين، بل تشمل أيضًا أمورًا ترتبط بشكل غير مباشر بأفعال الإنسان. هذه الأمور هي الأشياء أو الوضعيات المرتبطة بالأفعال. في علم الاجتهاد، يُطلق على الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين اسم الأحكام التكليفية، ولكن الحكم الشرعي له قسم آخر يرتبط بالبشر أنفسهم ووضعياتهم، أو بتعبير الشهيد الصدر «الأشياء المرتبطة بالعمل الإنساني». هذا القسم الثاني يُعرف باسم الأحكام الوضعية. هذه المجموعة من الأحكام ترتبط بشكل غير مباشر بأفعال الإنسان وتعمل على تنظيم الأمور المرتبطة بالعمل الإنساني. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٦، ص ٦٣)
ب. حجية الأدلة الاجتهادية ونطاقها في ضوء أصل حق الطاعة
مع هذا الوصف، في المرحلة الأولى من بناء المنظومة المعرفية لعلم الأصول، يوضع هذا الحجر الأساس: «إن البحث عن أصل ثبوت المنجزية للقطع وكيفية ثبوتها له، يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالبحث عن حق الطاعة الثابت للمولى الحق بحكم العقل». (المنصوري، ١٤٢٧ق، ج١، ص ٢٠٨) إن أصل البحث عن ثبوت منجزية القطع وكيفية ثبوتها للقطع يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالبحث عن حق الطاعة الثابت للمولى بحكم العقل. مع الأخذ في الاعتبار أن ملاك الحجية في القطع، وبالتالي في سائر الأدلة الفاعلة في عملية الاستنباط، هو «الانكشاف» عن التكليف، يتضح أن دور حق الطاعة يتجاوز كونه أصلًا لتقرير الأصول العملية. هذا الأصل هو أساس ملاك اعتبار الأدلة الاجتهادية، سواء كانت أدلة قطعية، أمارات، أدلة ظنية، أو غيرها من الأدلة داخل العقل العملي. وبهذا الترتيب، يؤدي مسلك حق الطاعة دورًا خاصًا في إثبات حجية الأدلة الاجتهادية ونطاقها؛ لأنه بناءً على حق الطاعة الذي يثبته هذا الأصل للمولى، مع حصول أي درجة من الكشف -حتى في أدنى درجاته- يقع التكليف على عاتق المكلف. ولهذا السبب، يعتبر الشهيد الصدر في مباحث الحجية، الكشف الاحتمالي منجزًا للتكليف. بسبب حق طاعة المولى اللامتناهي على عباده، والذي يختلف عن سائر الموالي، فإن أي تكليف محتمل لم يصدر إذن من الشارع بترك التحفظ عليه، يكون منجزًا للتكليف وتنشغل به ذمة المكلف. ونظرًا لأن هذا الأصل يطرح نفسه في مقابل قاعدة قبح العقاب بلا بيان وأصالة البراءة، ففي مقام تثبيت هذه الرؤية، لا يمكن القول بأن الشارع يرى عدم لزوم التحفظ بشكل مطلق. مستند ذلك هو المكانة الوجودية للمولى كخالق لجميع الممكنات بالنسبة للعالم والإنسان بأسره. إن حق مثل هذا المولى في الطاعة يتسم بسعة تجعل أي انكشاف، ولو كان احتماليًا، للتكاليف الصادرة عنه، لا ينبغي إهماله. (الصدر، ١٤٢١ق، ص ١٩٨) النقطة المهمة في هذا القسم هي التأكيد على حضور هذا الأصل في جميع الوقائع التي يواجهها الفقيه. (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص ١٩٧) بعبارة أخرى، حق الطاعة هو من الأمور الأساسية التي تعتبر، بتعبير ما، معيار الاعتبار والحجية، وبتعبير آخر، هي التي تبني العناصر المشتركة في الاستنباط. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٦، ص ٢٧١) بعبارة أخرى، دليليّة أدلة أصول الفقه تعتمد على اعتبار يُكتسب من جانب الكشف عن حق المولى. في مسلك قبح العقاب بلا بيان، وفقًا للأصل الأولي، ما لم يحصل كشف قطعي ويقيني عن التكليف، لا يكون المكلف ملزمًا عقليًا بالتحفظ على ذلك التكليف. بناءً على هذا الوصف، لا تثبت الحجية إلا في حالة حضور القطع، وتكتسب الظنون حجيتها بالتبع. في المدرسة المشهورة، الظنون الخاصة وإن لم تكن علمًا، إلا أنها تُعامل كالعلم، ويرى الشهيد الصدر أن المشكلة الأساسية في هذا المسلك تكمن في تثبيت علمية الظنون الخاصة هذه. السبب هو أنه وفقًا لمسلك قبح العقاب بلا بيان، إذا وصلنا إلى أدلة ظنية، لا يرتفع عدم البيان، والعمل بالظنون ليس من باب العلم؛ بل من باب كونها علمية واعتبارها علمًا، ومع وجود عدم البيان، لن يكون هناك عقاب وتنجز للتكليف. في الواقع، المشكلة التي يواجهها مسلك قبح العقاب بلا بيان في تعامله مع الأمارات والظنون هي أنه على الرغم من أن التكليف ليس معلومًا، إلا أنه منجز. بعبارة أخرى، يتعارض أصل قبح العقاب بلا بيان، كأصل، مع حجية الظنون. ولهذا السبب، ظهرت مشاكل كثيرة لأصحاب هذا المسلك في هذا القسم. (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص ٢٠٠؛ الصدر، ١٤٢١ق، ص ١٨٨)
ج. حجية الاطمئنان في الأدلة الوجدانية
الاطمئنان في بعض الأدلة الاجتهادية هو حالة نفسية تقع في درجات أعلى من الأمارات الظنية. هذه الأدلة هي جزء من الأدلة المحرزة الوجدانية. المقصود بالإثبات الوجداني هو اليقين. وبما أن جميع وسائل الإثبات الوجداني للدليل الشرعي، مثل التواتر والإجماع والشهرة، تُبنى على أساس حساب الاحتمالات، فإن الشهيد الصدر في أدلة الإثبات الوجداني يتحدث في الواقع عن كيفية تكون اليقين على أساس حساب الاحتمالات. (الصدر، ١٤٢١ق، ص ١٤٩) بالإضافة إلى الحالات الثلاث: القطع، والظن، والشك، توجد حالة رابعة بعنوان «الاطمئنان» في بعض الأدلة. كلما زادت كمية الأدلة ومقدار اعتبارها الشرعي، يمكن توقع علم اجتهادي أكثر اعتبارًا. ولكي تتضح مكانة الاطمئنان، لا بد أن نبدأ من القطع. وضع القطع واضح. القطع هو انكشاف قضية بحيث لا يصاحبه أي شك. (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص ٧٠) إذا لم تكن وسائل الإحراز الوجداني للأدلة قطعية، ولكنها تمكنت من إحراز الحكم الشرعي باحتمال عالٍ، فإنه في مقابل هذا الاحتمال الذي أوجدته الأدلة، يوجد احتمال أيضًا في الطرف المقابل. في هذا الموقف، هناك حالتان ممكنتان: أ. احتمال الطرف المقابل احتمال معتبر ومعتد به. ب. أو أن احتمال الطرف المقابل ضئيل جدًا. هذه الحالة الأخيرة، التي لا يكون فيها احتمال الخلاف معتبرًا، تسمى الاطمئنان. الحالة السابقة، الاحتمال، تسمى الظن. (الحسيني الحائري، ١٤٣٠ق، ج٦، ص ٢٨٧) بناءً على ذلك، سيكون للأدلة الوجدانية في مقابل الطرف الآخر المحتمل ثلاث حالات: ١. القطع، بمعنى عدم وجود احتمال للخلاف. ٢. الظن، بمعنى أن الدليل يثبت الحكم الشرعي باحتمال قوي، ولكن يوجد احتمال للخلاف، واحتمال الطرف المقابل معتبر. ٣. الاطمئنان، بمعنى أن الدليل يثبت الحكم الشرعي باحتمال قوي، ولكن يوجد احتمال للخلاف، واحتمال الطرف المقابل ضعيف. لا شك في أن الحالة الأولى لإحراز الحكم الشرعي، وهي القطعية، حجة. وكذلك الحالة الثانية، وهي الإحراز الظني، ما لم يقم دليل شرعي قطعي على التعبد به، فهي ليست حجة. أما الحالة الثالثة، وهي حالة الاطمئنان، فلها نفس ملاك القطع؛ أي كما أن حق الطاعة من الناحية العقلية ينجز التكليف في حالة اليقين، فإن حالة الاطمئنان أيضًا تكون حجة بواسطة حق الطاعة. الدليل على ذلك لا يمكن أن يكون من الشرع؛ لأنه في أفضل الأحوال سيكون دليلًا اطمئنانيًا يُقام على حجية الاطمئنان، وفي هذه الحالة يقع الدور. أيضًا، إذا كانت الأدلة المطمئنة ضمن الأدلة التعبدية، فإنها تقع تحت أدلة الإحراز التعبدي. بينما نحن هنا نتحدث عن أدلة تثبت بالإحراز الوجداني. في هذا الوضع، يبرز سؤال: ما هو دليل إثبات حجية الأدلة المطمئنة؟ دليل الإثبات في الواقع هو سيرة العقلاء التي أُمضيت بدلالة السكوت. بالطبع، للاستدلال على حجية الاطمئنان، يجب أن يكون لدينا دليل قطعي في حالتين: سواء في سيرة العقلاء أو في السكوت. شرط القطع بهذين الركنين هو من باب أن استدلالنا على حجية الاطمئنان ليس من باب الاستدلال الاطمئناني على الاطمئنان، بل هو استدلال قطعي. (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص ٢٨٧) لأن سيرة العقلاء من الأحكام الوجدانية للعقل العملي التي لا ينبغي أن يكون فيها تردد؛ (الحسيني الحائري، ١٤٣٠ق، ج١، ص ١٨٥) أي أنها واضحة للعقل بشكل قطعي وبدون احتمال خلاف.
د. الأصول العملية في ضوء أصل حق الطاعة
الأصل العملي هو أصل يحدد الموقف العملي للمكلف في حالة عدم وجود دليل قطعي أو أمارة. أصل حق الطاعة، بسبب الدور الذي يلعبه في انكشاف التكليف، يؤدي هنا أيضًا دوره بأوضح صورة. عندما لا يجد الفقيه دليلًا يحرز به الحكم الشرعي، ولا يكون إحراز الحكم ممكنًا له، يواجهه دليل يمكنه تحديد موقفه العملي تجاه التكليف المشكوك. هذا الدليل يسمى الأصل العملي. بطبيعة الحال، يوجد هنا مسلكان: مسلك قبح العقاب بلا بيان، ومسلك حق الطاعة. في المسلك الأول، ما لم يكن بيان التكليف تامًا وكاملًا، يكون عقاب العباد بسبب ترك التكليف قبيحًا على المولى. وفقًا لهذا المسلك، يوجد حق طاعة المولى فقط في التكاليف المعلومة وليس المشكوكة والمحتملة. أما في المسلك الثاني، الذي يرتكز على أصل حق طاعة المولى، فإن هذا الحق لا يشمل فقط جميع التكاليف المعلومة؛ بل يشمل أيضًا التكاليف التي لم يتضح عدمها، وما لم يأذن الشارع في الترخيص في هذه الأمور، يبقى هذا الحق قائمًا. وفقًا للمسلك الأول، القاعدة العملية الأولية هي البراءة العقلية، وبناءً على المسلك الثاني، تكون أصالة اشتغال الذمة قائمة. (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص ٣٦٥-٣٦٦) يرفض الشهيد الصدر الدليلين اللذين قُدما لإثبات أصالة البراءة كأصل أولي في الأصول العملية وفقًا للرؤية المشهورة. خلاصة الدليل الأول هي أن التكليف، بوجود العلم به، هو محرك العبد وليس بوجوده الواقعي. بناءً على ذلك، لا يوجد مقتضٍ لحركة المكلف نحو أداء التكليف بدون علم، وواضح أن العقاب على عدم الحركة نحو أداء التكليف في حين لا يوجد مقتضٍ للحركة، قبيح. أما في الدليل الثاني، فيُستشهد بالأعراف العقلائية، وفي هذا السياق، يُشار إلى قبح عقاب الآمر لمن يخالفونه في تكليف لم يصل إليهم. يرفض الشهيد الصدر كلا الدليلين بناءً على التقرير الذي يقدمه لأصل حق الطاعة؛ لأن المحرك لأداء التكليف في الواقع هو أن يخرج المكلف من عهدة حق الطاعة، وغرض المكلف الشخصي هو نفسه، أي أن يخرج هذا الحق من عهدته، وليس أن عنوان التكليف هو سبب ذلك. أما الدليل الثاني فلا يقبله أيضًا؛ لأنه في رأيه، مقارنة حق طاعة المولى بحق الطاعة الثابت للموالي العقلائيين هي مقارنة بدون سند؛ لأنه كما أُشير في عنوان «تعاضد العقل النظري والعقل العملي»، فإن حق طاعة المولى ذاتي وتكويني، وليس كالأمور العرفية العقلائية التي تعتمد على الجعل من قبل العقلاء؛ أي أن العقل العملي يحكم بسعة دائرة حق الطاعة هذه بحيث تشمل التكاليف المحتملة أيضًا. بناءً على ذلك، فإن سنخ هذا النوع من حق الطاعة يختلف عن الموالي العرفيين، وبالتالي لا يمكن اعتبار دائرة نفوذ هذا الحق كدائرة حق الطاعة العرفي التي تقتصر على حدود التكاليف المقطوعة. رد الدليل الثاني يعتمد على قاعدة بسيطة وبديهية: «يجب التفريق بين حق المولى والموالي العرفيين». (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص ٣٦٦-٣٦٨ و ١٤٢) على هذا الأساس، يرى الشهيد الصدر أن القاعدة الأولية هي أصالة الاشتغال، وهذه القاعدة تبقى قائمة ما لم يثبت الترخيص في ترك التحفظ. في تتمة القاعدة الأولى التي ثبتت على أساس حق الطاعة، تُستنتج القاعدة الثانوية أيضًا على أساس مسلك حق الطاعة. هذا الأصل الثانوي يثبت بعنوان البراءة الشرعية، والذي هو أيضًا وفقًا للرسم الذي قدمه أصل حق الطاعة للتكليف؛ أي اشتغال الذمة ما لم يصدر إذن بالترخيص. البراءة الشرعية في هذا الموقف هي نفسها الإذن الترخيصي بترك التحفظ. (الصدر، ١٤٢١ق، ص ٣٦٦-٣٦٨)
هـ. مبحث العلم الإجمالي في ضوء أصل حق الطاعة
تحدث الشهيد الصدر بوضوح وجلاء عن تأثير مسلكي قبح العقاب بلا بيان وحق الطاعة في تقرير مكانة العلم الإجمالي. يشير في هذا القسم إلى قدرة مسلك حق الطاعة على فتح المسارات العلمية أمام الاجتهاد. من بين النقاط الأساسية الجديرة بالاهتمام في بحث العلم الإجمالي، مكانة بحث العلم الإجمالي في المنظومة المعرفية لعلم الأصول من وجهة نظره. وفقًا للمنهج السائد في علم الأصول الذي يعود إلى الشيخ الأنصاري، يُطرح بحث العلم الإجمالي ضمن مباحث القطع في علم الأصول، لكن الشهيد الصدر يضع هذا البحث بعد مباحث الأصول العملية تحت عنوان «الوظيفة العملية في حالة الشك». (الصدر، ١٤٢١ق، ج٢، ص ٣١٥ و ٣٦٣) هذا الترتيب للمبحث دليل على أنه من وجهة نظر الشهيد الصدر، فإن بحث العلم الإجمالي هو من باب تحديد الوظيفة العملية عند ظهور الشبهة في أطراف العلم الإجمالي. كما يتضح من عباراته، يعتبر الشهيد الصدر العلم الإجمالي من موارد «الشك»، لا من زمرة «العلم». في الواقع، هو لا يقبل بوجود قدر جامع في العلم الإجمالي كأمر معين، ويعتقد أن العلم الإجمالي يتحقق ضمن أطراف العلم الإجمالي. بناءً على هذا التصور، في حالة العلم الإجمالي، ليس علمنا بمقدار الجامع، لأن الجامع بحد ذاته ليس له وجود خارجي، بل هو واقع ضمن الأشخاص الذين هم أطراف الشبهة. من هنا، ينتقل البحث من العلم إلى أطراف الشبهة. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٢، ص ٣٦٤-٣٦٨) بهذا التصور للعلم الإجمالي الذي ينقل مكانته من مباحث القطع إلى مباحث الشك، يجعل بحث العلم الإجمالي يعود في الواقع إلى حالة شك المكلف، لا إلى مباحث العلم. بهذه المقدمة القصيرة، ننتقل إلى بحثه في العلم الإجمالي. من وجهة نظر الشهيد الصدر، يقع بحث العلم الإجمالي في ثلاثة مجالات: الأول: في مجال منجزية العلم الإجمالي ومقدارها دون لحاظ الأصول الشرعية الجارية في ذلك الموقف. الثاني: حول جريان الأصول العملية في جميع أطراف العلم الإجمالي وعدم جريانها من الناحية الثبوتية والإثباتية. الثالث: جريان الأصول العملية في بعض أطراف العلم الإجمالي. منذ بداية البحث، يتضح أنه في منجزية العلم الإجمالي، يلعب كل من مسلكي قبح العقاب بلا بيان وحق الطاعة دورين مختلفين. مسلك قبح العقاب بلا بيان في المرحلة الأولى لا يملك قدرة كبيرة على تنجيز التكليف؛ لأن هذا الأصل يدعم كلا طرفي الشبهة، وفي هذه الحالة، يحتاج بحث منجزية العلم الإجمالي إلى منجز ونطاقه. هذا في حين أنه وفقًا لمسلك حق الطاعة، بقطع النظر عن الأصول التي تدعم الشبهة، فإن كل شبهة بحد ذاتها منجزة. وبهذا الترتيب، بما أن حق الطاعة قد تجاوز بنفسه بحث منجزية الشبهة الموجودة في العلم الإجمالي، يبقى البحث فقط في المجالين الثاني والثالث. أما وفقًا لمسلك قبح العقاب بلا بيان، فيجب الدخول في مباحث أخرى. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٢، ص ٣٦٤) بما أن بحث الحجية والمعذرية والمنجزية كان من الموارد التي غير فيها حق الطاعة بوضوح طريقة تبيينه، فإن البحث في منجزية العلم الإجمالي سيكون كذلك أيضًا. ومع ذلك، حيث يتحدث الشهيد الصدر عن منجزية العلم الإجمالي، يعدد أربعة أركان لتثبيت منجزية العلم الإجمالي: الأول: وجود علم بالجامع، فلو لم يكن هناك علم بالجامع، لكانت شبهة بدوية في كل من الطرفين، وتجري البراءة الشرعية في هذه الموارد. الثاني: أن يكون عالمًا بالعلم بالجامع، بحيث لا يسري هذا العلم بالجامع من جامع الطرفين إلى طرف واحد؛ لأنه في هذه الحالة سيكون علمًا تفصيليًا يخرج من حالة الإجمال. الثالث: أن يكون كلا الطرفين مشمولًا بأصل عملي. الرابع: أن يؤدي جريان البراءة في كل من الطرفين إلى مخالفة قطعية. إذا لم يؤدِ جريان البراءة في أحد الطرفين إلى مخالفة قطعية، فهذا يعني وجود ترخيص من جانب الشارع، وفي حالة الإجازة، لا يقع تنجيز. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٢، ص ٣٨٤-٣٨٩) النتيجة النهائية وفقًا لمسلك حق الطاعة هي حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية، وبناءً على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، تكون فقط حرمة المخالفة القطعية وعدم وجوب الموافقة القطعية. (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص ٣٩٤)
٥. أصل حق الطاعة وتنظيم البيانات الاجتهادية
ربما يكون أهم وظيفة لمسلك حق الطاعة، والتي تضيف إلى قدرات علم الاجتهاد، هو ما يسميه الشهيد الصدر بـ«تحديد مركز حق الطاعة». هذا الموضوع يرتبط ببعض المباحث المؤثرة في علم الأصول، مثل بحث الحكم الواقعي والظاهري، وبحث مقدمة الواجب. تعبير الشهيد الصدر في هذا الصدد هو: كما أن للمولى في الأمور التي يريدها حق الطاعة على المكلف، فإنه يملك أيضًا حقًا آخر، وهو تحديد مركز حق الطاعة. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٢، ص ٢٥) المثال الواضح لهذا الأمر هو في مقدمة الواجب والواجبات الغيرية. أوجب الله الوضوء، لكن الوضوء ليس واجبًا بحد ذاته، بل هو واجب لإقامة واجب آخر هو الصلاة. هنا، الواجب تعالى ليس فقط لديه حق إيجاب التكاليف على العباد، بل يتمتع أيضًا بحق تنظيم الأمور بشكل خاص، بحيث يكون المحور الأساسي لهذه الواجبات والأمور التي أصبحت واجبة لأجل ذلك الواجب المحوري، أو التي صدر بشأنها حكم، تكتسب مكانتها وفقًا لذلك. هذه السمة لحق الطاعة ترتبط بعنصر يسميه الشهيد الصدر بـ«الاعتبار». لتوضيح المطلب، ولإظهار كيف يمكن لحق الطاعة أن يعمل أولًا كأصل تنظيمي، وثانيًا، ما علاقة هذا العمل التنظيمي بالتكاليف، لا بد من الإشارة إلى العناصر الثلاثة لمراتب ثبوت الحكم التكليفي. الحكم التكليفي يحصل وفق عملية يمكن تحليلها إلى مرحلتين أساسيتين: الأولى: مرحلة ثبوت الحكم. الثانية: مرحلة إثبات وإبراز ذلك الحكم. في المرحلة الأولى، وهي مرحلة الثبوت، توجد ثلاثة عناصر: أ. مرحلة «الملاك»، حيث يحدد المولى في هذه المرحلة حدود المصالح التي يشتمل عليها الفعل. ب. مرحلة «الإرادة»، حيث في هذه المرحلة، بعد وصول المصلحة في أداء الفعل إلى درجة معينة، يظهر العنصر التالي للحكم، أي مرحلة «الإرادة». ج. مرحلة «الاعتبار»، حيث بعد تحقق مرحلة الإرادة، يعبر المولى عن إرادته ضمن قواعد مجعولة خاصة من نوع «الاعتبار». مع وصول عملية الحكم الشرعي إلى هذه المرحلة، يقع العمل المعني على عاتق المكلف. في هذا السياق، العنصران الأولان، أي الملاك والإرادة، هما من العناصر الضرورية لثبوت الحكم الشرعي. هذا في حين أن عنصر الاعتبار ليس ضروريًا، وغالبًا ما يستخدم كأداة تنظيمية وتأسيسية. يتصرف الشارع بنفس الطريقة التي يتصرف بها العقلاء والمشرعون في أوامرهم وأحكامهم. أما مرتبة الإثبات، فهي المرحلة التي يبرز فيها الشارع عناصر مرتبة الثبوت. وبما أن مرحلة الإثبات هي في الواقع مقام إبراز مرحلة الثبوت، ومرحلة الثبوت ليست مرحلة بسيطة وتتكون من ثلاثة عناصر، فإن هناك تنوعًا في مراحل الإثبات الممكنة. أحيانًا، يكشف الشارع بالخطابات الشرعية عن عنصرين، وأحيانًا عن كل العناصر الثلاثة لمرحلة الثبوت. على سبيل المثال، عندما يكون الشارع بصدد إبراز العنصر الأول والثاني من مرحلة الثبوت (=الملاك والإرادة)، يحدث هذا الإبراز بتعابير مثل «أريد منكم كذا». أما عندما يحكي الشارع عن كل العناصر الثلاثة، فإن هذا الأمر يحدث بعبارات مثل «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا». ما حدث هنا هو اعتبار أمر يكشف عن الإرادة، وبالتالي عن الملاك الذي يدعم تلك الإرادة. حال مرحلة الإثبات، التي هي في الواقع معبرة وكاشفة عن مرحلة الثبوت، إما أن تبرز مرتبتي الملاك والإرادة من مراتب الثبوت، وهما العنصران الأولان، أو أن تبرز كل العناصر الثلاثة لمرحلة الثبوت بواسطة العنصر الثالث، أي الاعتبار؛ حسب كون الاعتبار كاشفًا عن الإرادة. بعبارة أخرى، إذا كان لدينا وصول إلى اعتبار الشارع، فإن المراتب الثلاث من مراتب الثبوت تتكشف لنا؛ لأن الاعتبار يتضمن ضمنيًا الإرادة والملاك. وعند إتمام هذه المرتبة من الإبراز، يتجلى حق المولى على العبد، ويجب أداء حق المولى. (الصدر، ١٤٢١ق، ج١، ص ١٧٦-١٧٧) بناءً على ذلك، يمكن لعنصر الاعتبار أن يعمل كعنصر كاشف، بحيث يحكي بشكل عام عن الإرادة والملاك السابقين عليه، ويكشف عن مسار جريان إرادة المولى. قد يوجب الواجب تعالى مقدمة شيء على عاتق المكلف وليس الشيء نفسه. بناءً على ذلك، على الرغم من أن الشوق المولوي لم يتعلق بتلك المقدمة، وهذه المقدمة هي مطلوبة من الشارع بشكل تبعي فقط، إلا أن حق الطاعة في المرحلة الأولى يجري على مقدمة ذلك الشيء. بناءً على ذلك، يمكن بواسطة عنصر الاعتبار تحديد مسار جريان الإرادة والمركز الذي تتركز عليه الإرادة والشوق الأصلي. وبهذا، يكشف الاعتبار عن مسار الوصول إلى النقطة المحورية للإرادة والنقطة المحورية نفسها. على هذا الأساس، يمكن لعنصر الاعتبار أن يعمل كأمر تنظيمي في عملية الاجتهاد. يمكن للشارع بواسطة عنصر الاعتبار أن ينظم الأحكام بطريقة تُظهر أن إرادة الواجب في إتيان الواجب قد تقررت وفق هذا النوع من التنظيم الخاص؛ أي أن إرادة الواجب تتحدد لكل حكم على حدة، وكذلك بالنسبة لعلاقات التقدم والتأخر التي تربطها ببعضها البعض. توضيح ذلك أنه أحيانًا ما يتشكل حوله حق الطاعة ويكون هو محور نظر الشارع الأصلي، يكون متحدًا مع مسار إرادته، وأحيانًا كما في بحث مقدمة الواجب، ما يأتي في البداية يكون له حكم وجوبي بشكل تبعي. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٢، ص ٢٦) مسار الحكم يكون على هذا النحو: أحيانًا يكون أول حكم هو في الواقع الحكم الأصلي، وتكون الأحكام الأخرى واجبة بالتبع، ولكن أحيانًا أخرى، الأحكام التي تقع في المرتبة الأولى من الإتيان، مثل مقدمات الواجب، لا تكون في مركز إرادة الواجب، بل تتعلق الإرادة بالواجب الأصلي مثل الصلاة أو الحج، وتكون الأحكام الأخرى حول هذا الواجب. على هذا الأساس، يعدد الشهيد الصدر أربع خصائص للواجب الغيري ويجري هذه القاعدة في مقدمة غير الواجب مثل مقدمة الأمر المستحب ومقدمة الحرام أيضًا؛ لأنه إذا كان تحديد مركز حق الطاعة، وفقًا لقاعدة حق الطاعة، من بين موارد شمول حق الطاعة، فإن هذا الأمر يجري في جميع الموارد التي نواجه فيها حكمًا تكليفيًا. بناءً على ذلك، يمكن استخلاص خصائص مقدمات كل حكم تكليفي أيضًا. هذا الإطار يوفر لنا إمكانيات لفهم الأحاديث المتعلقة بمباحث الأحكام ومقدماتها أيضًا. (الصدر، ١٤٢١ق، ج٢، ص ٢٧٢-٢٨٠)
الخاتمة
تشكل مسلك حق الطاعة على أساس أصل في العقل العملي، والذي بالإضافة إلى تنظيمه لأساس علم الفقه، يؤثر أيضًا في المباحث الفرعية والمضمونية لعلم الأصول. في هذا البحث، بُذلت محاولة لإظهار أنه مع الأخذ في الاعتبار تعريف الشهيد الصدر لموضوع علم الأصول بأنه «العناصر المشتركة في عملية الاستنباط»، كيف يبني أصل حق الطاعة المنظومة المعرفية لعلم الأصول؛ بحيث يبدأ من المراحل الأولى للانكشاف في القطع، وتتولد الأدلة الاجتهادية والأصول العملية في ظل هذا الأصل. في مرحلة أخرى، تم بيان كيف يوسع أصل حق الطاعة نطاق الأدلة الاجتهادية، وبتعبير الشهيد الصدر، الأدلة المحرزة، لتشمل ما هو أوسع من القطع والظنون المعتبرة، ويدخل في هذه الدائرة الأدلة المطمئنة أيضًا. كل هذا يعود إلى الملاك الجديد الذي يطرحه أصل حق الطاعة للحجية في الأدلة. هذا الملاك ليس سوى الانكشاف عن التكليف الذي يقع على عاتق المكلفين بواسطة حق طاعة المولى. بناءً على هذا الوصف، لم يقتصر نطاق الانكشاف على الانكشاف القطعي، بل شمل الظنون والاحتمالات أيضًا، وما لم يصدر إذن ترخيصي من الشارع، لا تبرأ ذمة المكلفين من هذا الحق في الطاعة. حق الطاعة في الأصول العملية أيضًا، في أبسط صوره، بالاستدلال ضد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يعتبر الأصل الأولي في الأصول العملية هو أصالة الاشتغال، وفي مرحلة أخرى، بناءً على القواعد المطروحة بواسطة هذا الأصل نفسه، حق الطاعة، يعرف الأصل الثانوي بالبراءة الشرعية؛ لأنه وفقًا لأصل حق الطاعة وأصالة الاشتغال، ما لم يصدر إذن ترخيصي من الشارع بترك التكليف المحتمل أو المشكوك، لا تبرأ ذمة المكلف من التكليف. بناءً على هذا البيان لحق الطاعة، فإن البراءة الشرعية هي بمثابة الإذن الذي يعبر عنه أصل حق الطاعة؛ الأصل الذي يحدد مكانة البراءة الشرعية أيضًا في رسم خريطة علم الأصول. يترك حق الطاعة تأثيرات أخرى أيضًا في علم الأصول، يمكن مشاهدة نموذج منها في بحث العلم الإجمالي. الخطوة الأولى لتوضيح أن بحث العلم الإجمالي قد شهد تحولًا مضمونيًا في ظل أصل حق الطاعة، هي النظر إلى المكانة الهيكلية لبحث العلم الإجمالي في كتاب «دروس في علم الأصول» المشهور بـ«الحلقات». يُطرح بحث العلم الإجمالي وفقًا للهيكل السائد لعلم الأصول، ضمن مباحث القطع، لكن الشهيد الصدر طرح هذا البحث في الأصول العملية. بهذا التغيير الهيكلي في مكانة بحث العلم الإجمالي، أظهر الشهيد الصدر أن بحث العلم الإجمالي هو من باب البحث عن الشك في طرفي العلم الإجمالي، وليس من باب العلم بالجامع. وحكم هذا البحث، الذي هو في النهاية لزوم الموافقة القطعية وعدم المخالفة القطعية، ناشئ عن بناء البحث على هذا المطلب نفسه. في الختام، يؤدي حق الطاعة دورًا آخر في الاجتهاد، والذي ذُكر في عبارات الشهيد الصدر بعنوان «تحديد مركز حق الطاعة». يعود هذا البحث أيضًا إلى ضرورة استخدام عنصر الاعتبار من العناصر الثلاثة لمرتبة الثبوت لتنظيم البيانات الاجتهادية؛ الأمر الذي يتبعه نوع من التنظيم المنهجي للبيانات المستخلصة من الاستنباطات. إن تجميع هذه التأثيرات لحق الطاعة في المنظومة المعرفية لعلم الأصول يظهر أن مسلك حق الطاعة له وظيفة تتجاوز تقرير أصل عملي، ويمكنه التأثير على أسس علم الأصول.
الهوامش
١. لقد تبع العمل بالظنون مشكلات علمية، وقد طُرح هذا الموضوع تحت مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. يقول صاحب «منتقى الأصول» في هذا الصدد: «وقد تصدى الأعلام لحل هذه الإشكالات وأطلق على البحث في هذه الجهة بـ«مبحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي»». وقد عرض بالتفصيل هذه المشكلات العلمية والحلول المختلفة التي قدمها كبار علماء الأصول. (حكيم، ١٤١٦هـ، ص ١٤٢-١٤٣؛ راجع: حسني، ١٣٩٧، ص ١٣٠)
٢. من الشواهد على أن حق الطاعة عنصر تأسيسي في نظر الشهيد الصدر، هذه العبارة من «بحوث في علم الأصول»: «بأن الأحكام الشرعية وإن كانت قضايا اعتبارية بلحاظ المعتبر والمنشأ إلا أنها حقيقية بلحاظ نفس الاعتبار ومبادئ الحكم لكونها من مقولة الكيف النفساني وهي بهذا الاعتبار تكون موردًا لحكم العقل بحق الطاعة والعبودية الذي هو الغرض الملحوظ في علم الفقه». (الصدر، ١٩٩٦م، ج١، ص٤١) هذه العبارة جاءت في جواب إشكال آية الله الخوئي على اعتبارية الفقه وعدم لزوم عنوان جامع لمسائله. استند الشهيد الصدر في رده على هذا الإشكال إلى أصل حق الطاعة، وقال: يوجد حكم في العقل بعنوان حق الطاعة هو أساس الأحكام الشرعية. حق الطاعة يمنح تلك الأحكام انسجامًا وشمولية بحيث يمكن اعتباره الغرض الذي يهدف إليه علم الفقه. السؤال هنا: هل يمكن لمثل هذا الحكم العقلي، الذي ليس فقط في أصول الفقه، بل هو جامع لمسائل الفقه، أن يكون مجرد أصل عملي؟ الجواب بالنفي واضح. هذا الأصل العقلي، كمنظومة معرفية، يربط بين كل أصول الفقه والفقه، ومثل هذا العنصر لا يمكن أن يكون له معنى إلا إذا اعتبرنا حق الطاعة عنصرًا في منظومة.
٣. كمثال على هذه النظرة الضيقة، يمكن الإشارة إلى تقرير مسلك حق الطاعة في مقالة بعنوان «نظرية حق الطاعة»، التي تناولت تقرير ونقد هذه الرؤية، حيث لم يُلحظ الجانب التأسيسي لأصل حق الطاعة. (نظرية حق الطاعة، ١٣٨١) ويمكن مشاهدة تقرير آخر بنظرة ضيقة في هذه المقالة: (حق الطاعة والإجابة على بعض الانتقادات، ١٣٩٧) هذه المقالة في الواقع هي محاولة للإجابة على الإشكالات الثلاثة عشر في كتاب بعنوان «نظرية حق الطاعة في بوتقة النقد والتحليل». (فاضل لنكراني وآخرون، ١٣٩٤) في بعض الكتابات الأخرى، توجد إشارات إلى تفسير أوسع، لكن هذه الإشارات لم تُتابع. (دفاع عن نظرية حق الطاعة، ١٣٨٢، ص٧٨) هذه المقالة هي في الواقع دفاع عن الإشكالات التي طُرحت في هذا المصدر على نظرية حق الطاعة. (مسلك حق الطاعة بين الرفض والقبول، ١٣٨٢) كما خصصت العديد من دروس الخارج جزءًا مهمًا من مباحثها لدراسة نظرية حق الطاعة، ويمكن مشاهدة أجزاء من هذه الدروس على شبكة الإنترنت.
٤. وقد وردت مثل هذه التقريرات في مصادر أخرى أيضًا (آملي لاريجاني، ١٣٧٩-١٣٨٠، الجلسة ١٦٤، ١٨١، ١٨٩)، ولكن في أحد تقريراته، ورد ما يلي: «في بعض الموارد في علم الأصول، تُستخدم قضايا يُستفاد فيها من الحق. من جملة هذه القضايا نظرية حق الطاعة للشهيد الصدر والتنجيز الموجودة في جميع أنحاء علم الأصول». (آملي لاريجاني، ١٣٧٩-١٣٨٠، الجلسة ١٥٩) ومع ذلك، يُظهر سياق البحث أنه لا يزال يطرح هذه الرؤية إلى جانب الرؤى الأخرى؛ أي أنه يتعامل معها كنظرية. ومع ذلك، فإن الفرق بين هذا البحث ورأيه القائل بأن نظرية حق الطاعة موجودة في جميع أنحاء علم الأصول، هو أن هذا البحث يرسم خريطة كلية علم الأصول على أساس أصل حق الطاعة. هذه النقاط وردت في مقالات ذات صلة. (إسلامي، ١٣٨٥) وهناك أيضًا مقالة مهمة في هذا الخصوص كُتبت ردًا على الإشكالات الواردة على رؤية حق الطاعة. (حائري، سيد علي أكبر (١٣٨١)، حديث الساعة حول نظرية حق الطاعة، بحوث أصولية، العدد ١)
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
١. إسلامي، رضا (١٣٨٥ش). نظرية حق الطاعة. قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي.
٢. الأحمدي البهسودي، محمدرضا (٢٠٠٩م). منهاج الوصول. بيروت: شركة دار المصطفى لإحياء التراث.
٣. الحائري، علي أكبر (١٩٩١م). حياة الشهيد الصدر. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٤. المنصوري، أياد (١٤٢٧ق). البيان المفيد. قم: منشورات الحسنين.
٥. آملي لاريجاني، صادق (١٣٧٩ـ١٣٨٠ش). أحكام عقل عملي در علم اصول. قم: تقريرات منتشر نشده.
٦. حسني، حميدرضا (١٣٩٧ش). درآمدي بر پارادايم اجتهادي دانش عملي. قم: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.
٧. حسيني حائري، كاظم (١٤٣٠ق). مباحث الأصول. قم: دارالبشير.
٨. جوان، عبدالله؛ إمام، محمدرضا (١٣٩٧ش). «حق الطاعه و پاسخ برخي از نقدهاي آن». فقه و مباني حقوق اسلامي. ش: ٥١، ص ٦٨٤٩.
٩. حكيم، عبدالصاحب (١٤١٦ق). منتقى الأصول. قم: الهادي.
١٠. إسلامي، حسن (١٣٨٢ش). «دفاع از نظريه حق الطاعة». پژوهشهاي اصولي ٢ (ش ٤ و ٥) ص ٧٣-٩٥.
١١. صدر، محمدباقر (١٤٢١ق). دروس في علم الأصول. قم: مركز الأبحاث و الدراسات التخصصية للشهيد الصدر.
١٢. صدر، محمدباقر (١٤٣٣ق). اقتصادنا. قم: دار الصدر.
١٣. صدر، محمدباقر (١٩٩٦م). بحوث في علم الأصول (تقرير سيد محمود هاشمي شاهرودي). قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي.
١٤. صدر، محمدباقر (١٤٢١ق). دروس في علم الأصول. قم: مركز الأبحاث و الدراسات التخصصية للشهيد الصدر.
١٥. صدر، محمدباقر؛ عبدالساتر، حسن (١٩٩٦م). بحوث في علم الأصول. بيروت: الدار الإسلامية.
١٦. فاضل لنكراني، محمدجواد؛ ستوده، حميد (١٣٩٤ش). نظريه حق الطاعه در بوته نقد و بررسي. قم: مركز فقهي ائمه اطهار.
١٧. فياض عاملي، حسن (١٤٢٨ق). شرح الحلقة الثالثة. بيروت: دار المصطفى.
١٨. سبحاني، حسن (١٣٨٢ش). مسلك حق الطاعه بين الرفض و القبول. قم: مدرسه وليعصر، پژوهشهاي اصولي (ش ٢ و ٣) ص ١١٣-١٣٣.
١٩. آملي لاريجاني، صادق (١٣٨١ق). نظريه حق الطاعة. قم: مدرسه وليعصر.