تحليل وتقويم حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» في مسألة قتل المرتد مع التركيز على رأي أهل الحديث من الاتجاه السلفي وابن تيمية

الملخص: من المسائل الجدلية في الفقه الإسلامي مبحث قتل المرتد. بناءً على هذا التعاليم، يُقتل المسلم الذي يخرج عن دين الإسلام. يوجد اختلاف كبير بين الفرق الإسلامية حول تفاصيل هذه العقوبة. السلفيون، وهم فرقة من اتجاه أهل الحديث من أهل السنة، يتبعون أفكار ابن تيمية الحراني، ويُعدّون من الفرق الحية والمؤثرة في العالم الإسلامي؛ وقد خلّف رأيهم الخاص والمتشدد بشأن المرتد آثاراً ضارة في العالم الإسلامي. يعتقد هذا الفريق أن كل من يرتد، إذا لم يتب خلال ثلاثة أيام، يُقتل. إنّ أهم مستمسك للسلفيين في قتل المرتد هو رواية «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». وقد ورد هذا الحديث بطرق مختلفة في المصادر المعتبرة لأهل السنة. إذا واجهت حجية الحديث المذكور تحدياً، فإن أساس السلفيين في قتل المرتد سيتغير. يتناول هذا البحث بتقويم هذا الحديث بأسلوب تحليلي-وثائقي، ويخلص في النهاية إلى أن هذا الحديث لا تتوفر فيه شروط الاحتجاج لقتل المرتد. وذلك أولاً لأنه يُعدّ من أخبار الآحاد، وثانياً لوجود الإرسال والانقطاع والتدليس والاضطراب في جميع طرقه. وثالثاً، يتعارض محتوى الحديث مع الآيات والروايات والسيرة العملية للنبي (ص)، والقواعد الفقهية والمحكمات الأخرى. ومن الأهداف الفرعية للبحث، التبيين الصحيح والرد على الشبهة التي مفادها أن الإمام علي (ع) قام بسلوك عنيف ومتشدد ومخالف لأمر النبي (ص) بقتل مجموعة من المرتدين حرقاً بالنار. يثبت البحث أن مثل هذه الرواية عن الإمام علي (ع) غير موثوقة.

1. طرح المسألة

الردة بمعنى الخروج عن الدين هي من التعاليم الفقهية الإسلامية الهامة. ومن آثار وتبعات الردة قتل المرتد. الشيعة والأحناف من أهل السنة لديهم نظرة أكثر عقلانية لموضوع الردة. على سبيل المثال، في الفقه الإمامي، لا تُقتل المرأة المرتدة أبداً. كما تُقسم ردة الرجل إلى ملي وفطري. المرتد الملي أيضاً إذا تاب لا يُقتل. وقتل المرتد الفطري مشروط بالإظهار والجحد والإنكار العمدي. وكذلك في حال ثبوت جحد ردة الرجل المرتد الفطري، فإن تنفيذ الحكم يكون تعزيراً بيد الحاكم الإسلامي، الذي قد لا ينفذه إذا اقتضت المصلحة ذلك.

أما في رأي السلفيين، فإن عقوبة المرتد هي القتل، ولا فرق بين المرتد الملي أو الفطري، أو المرأة أو الرجل، أو الحر والعبد…. كتاب “ارتداد در ترازوى نقد” (الردة في ميزان النقد) لمحمد تركمان، درس جميع الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة “ارتداد” في تفاسير الفريقين، وخلص إلى أن آيات القرآن لا تصرح بقتل المرتد. لذلك، فإن أهم مستمسك لقتل المرتد هو الروايات. ومن أهم هذه الروايات حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».

تثبيت أو تضعيف هذا الحديث يعني إثبات أو نفي رأي السلفيين في قتل المرتد. يتناول هذا البحث، بأسلوب وثائقي وتحليلي، دراسة وتقويم هذا الحديث من حيث السند والمحتوى. والجدير بالذكر أن إحدى الطرق العنيفة التي يتبعها داعش في قتل معارضيهم هي حرقهم أحياء، وتوجد مقاطع فيديو كثيرة لهذا الفعل من داعش في الفضاء الافتراضي. سمع الكاتب من محاضرة في ورشة عمل تعليمية أن المستند الرئيسي للدواعش في حرق معارضيهم هو التمسك بسيرة وسلوك الإمام علي (ع) في حرق المرتدين. وقد ورد خبر حرق قوم الزط على يد الإمام علي (ع) بشكل مجمل في مصادر أهل السنة. وحديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يشير إلى هذه القضية. سيجيب الكاتبان في هذا البحث بشكل غير مباشر على هذه الشبهة أيضاً: هل حقاً أحرق الإمام علي المرتدين؟ في هذا البحث، سيتضح أيضاً عدم موثوقية هذه القضية التاريخية.

الردة، ككثير من الأحكام، موضوع له جذور في الأديان قبل الإسلام. في الديانة اليهودية، في العهد القديم، سفر التثنية، أشير إلى مسألة الردة واعتبرت ذنباً كبيراً. في العهد الجديد، كتاب العبرانيين، أشير إلى موضوع الردة. في إنجيل لوقا، شُبّه إيمان بعض الأفراد الذي ينتهي بالردة بالبذور التي لا جذور لها وسقطت على الصخر. لذا، فإن الردة في الإسلام حكم إمضائي وليس تأسيسياً.

فيما يتعلق بالردة، أُلّفت مؤلفات قيمة. من المصادر الفارسية، كتاب “أحكام الردة من وجهة نظر الإسلام وحقوق الإنسان” لسيف الله صرامي، وكذلك كتاب “الردة في الإسلام” لعيسى ولائي، وكتاب “الردة وحرية التعبير” لسيد حسين هاشمي، وكتاب “الردة” لمحمد پاشايي، على الرغم من قيمتها، إلا أنها لا تشير إلى موضوع البحث الحالي. من المصادر العربية، كتاب “أحكام المرتد في الشريعة” لعبد الرزاق، وكتاب “دين إجباري أم اختياري” لطه جابر العلواني بترجمة أمين سليماني، على الرغم من قيمتها، إلا أنها لم تركز على موضوع المقال. إلى جانب الكتب المذكورة، توجد مقالات بحثية لا تخلو من صلة بموضوع هذا المقال. على سبيل المثال، مقال “الردة من وجهة نظر المذاهب الإسلامية” لمحمد إبراهيم جناتي مطلق، درس الردة في جميع المذاهب ولم يشر إلى الموضوع المذكور.

على الرغم من الأعمال التي تم استعراضها، للأسف لم يتناول أي منها حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» بشكل خاص. لذا، نظراً لأهمية مبحث قتل المرتد، هناك فراغ وضرورة بحثية لا يمكن إنكارها تستدعي كتابة مقال واحد على الأقل في هذا الشأن. وعليه، فإن البحث الحالي يتمتع بضرورة وجانب إبداعي من هذا المنطلق، ويعد استجابة لفراغ علمي.

2. تبيين المفاهيم المحورية

1-2. الردة

الردة مشتقة من مادة “ردد”. في اللغة تعني مطلق الرجوع من شيء إلى شيء آخر؛ المعنى اللغوي للردة ليس له أي دلالة إيجابية أو سلبية. أما في الاصطلاح، فتعني الرجوع عن الإسلام إلى الكفر. يكتب ابن قدامة، من فقهاء الحنابلة، في تعريف المرتد: “المرتد هو الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر”.

2-2. السلفية

يقصد الكاتبان بمصطلح السلفيين التوجه الأثري والنقلي لدى أهل السنة، والذي عُرف في القرون الأولى باسم أهل الأثر أو العثمانيين، وفي القرون اللاحقة باسم المالكية والشافعية والظاهرية، وبشكل أوسع باسم الحنابلة. هذا الاتجاه تطور لاحقاً على يد أشخاص مثل البربهاري، وفي القرن السابع بلغ ذروة تطوره على يد ابن تيمية الحراني. قام ابن تيمية بتنظير هذا المفهوم ووضعه في إطار منهجي. واعتبر المصدر الرئيسي للمعرفة هو توجه ورؤية السلف، أي معتقدات المسلمين في القرون الثلاثة الأولى. هذا الاتجاه أعيد تعريفه في القرن الثاني عشر على يد محمد بن عبد الوهاب بشكل أكثر عملية، واتخذ اسم الوهابية. اليوم، يتركز الفكر الوهابي بتوجهاته العملية مثل داعش وطالبان والقاعدة بشكل أكبر في دول شبه الجزيرة العربية. الألباني، بن باز، العثيمين، الراجحي هم من علماء هذا الخطاب المعاصرين. لذلك، فإن المقصود بخطاب السلفية هو التوجه الأثري لأهل السنة مع التركيز على الفقه الحنبلي؛ والذي يقابل التوجه القياسي لأهل السنة (الحنفية). كما أن فتاوى ابن تيمية من بين علماء الحنابلة هي محط الاهتمام.

3. محتوى الحديث

آيات القرآن لا تظهر أو تصرح بقتل المرتد. لذا، فإن من أهم وأشهر استدلالات السلفيين لقتل المرتد هو التمسك بالروايات النبوية. ومن أشهر هذه الروايات حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». بناءً على رواية البخاري، أُتي بجماعة من الزنادقة إلى الإمام علي (ع). فقال لهم أولاً: توبوا. لكنهم امتنعوا عن قبول التوبة. فلما رأى الإمام إصرارهم على عدم التوبة، أمر بحرقهم وقتلهم بالنار. وعندما نُقل خبر هذا الفعل من الإمام إلى ابن عباس، اعترض وقال: لو كنت أنا لقتلتهم، ولكن ليس بالنار، لأن رسول الله (ص) على الرغم من أنه قال: كل من غيّر دينه يُقتل؛ إلا أنه نهى عن القتل بالنار. بناءً على هذا الحديث النبوي، يُقتل كل من يرتد، سواء كان رجلاً أو امرأة. وقد ورد الحديث المذكور في مصادر أولية متعددة لأهل السنة.

1-3. استدلال السلفيين بالحديث

استند ابن تيمية مراراً إلى هذا الحديث في وجوب قتل المرتد. واعتبر قتل المرتد استناداً إلى هذا الحديث مذهب أكثر الفقهاء، وعلة ثابتة ونصاً صريحاً في قتل المرتد. وفي معرض عدم قبول توبة سابّ النبي (ص)، استند إلى عمومية حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». وصرح ابن تيمية بأن دليل قتل المرتد هو هذا الحديث. في فتوى بن باز، يُعتبر القائلون بالتوسل والاستغاثة بأولياء الله، في حال عدم التوبة، مرتدين ويجب قتلهم. ومستند بن باز هو حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». أجمع فقهاء الحنابلة على وجوب قتل المرتد مستندين إلى هذا الحديث.

4. تقويم الحديث من حيث السند والرجال

نُقل حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» بستة أسانيد عن طريق ابن عباس، والحسن البصري، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة، وابن عمر، وعائشة. كما وردت ثلاثة أحاديث بمعناه عن طريق عصمة بن مالك، وزيد بن أسلم، ومعاذ بن جبل، وباحتساب تعدد طرق ابن عباس ومعاذ وأبي هريرة، يصبح المجموع أحد عشر طريقاً. وفيما يلي يتم دراسة وتقويم هذه الطرق الأحد عشر.

1-4. طريق عكرمة عن ابن عباس

أشهر وأكثر طرق الحديث وروداً هو طريق ابن عباس. وهذا الطريق نُقل بواسطة شخصين هما عكرمة وأنس بن مالك عن ابن عباس. بدايةً، ندرس طريق عكرمة عن ابن عباس، ثم نتطرق إلى طريق أنس عن ابن عباس. أما مدار الرواية التي نقلها عكرمة، فيدور على أيوب بن أبي تميمة. والحديث اشتهر عن طريق أيوب في الطبقات اللاحقة (التابعين). بعبارة أخرى، هذا الطريق رواه عشرة رواة عن أيوب بن أبي تميمة. وهؤلاء العشرة هم: 1. حماد بن زيد؛ 2. سفيان بن عيينة؛ 3. عبد الوارث بن سعيد؛ 4. وهيب بن خالد؛ 5. معمر بن راشد؛ 6. سعيد بن إياس الجريري؛ 7. سعيد بن أبي عروة؛ 8. عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي؛ 9. جرير بن حازم؛ 10. إسماعيل بن إبراهيم بن علية.

تحليل

رواية هؤلاء العشرة عن أيوب في الطبقة الثالثة لا تخرج الحديث عن كونه من الآحاد في الطبقة الأولى. لأن تواتر الحديث أو شهرته أو استفاضته إذا حصلت بعد عصر الصحابة الذين هم رواة الحديث، لن يؤدي إلى اتصاف الحديث بهذه الصفات وارتفاع درجته.

طريق حماد بن زيد ورد في: 1- صحيح البخاري، 2- مسند أحمد، 3- سنن البيهقي، 4- صحيح ابن حبان، 5- مسند أبي يعلى، 6- الرد على الجهمية للدارمي، و 7- سنن الدارقطني.

طريق سفيان بن عيينة ورد في: 1- صحيح البخاري، 2- سنن ابن ماجه، 3- مسند أبي يعلى، 4- مصنف ابن أبي شيبة، 5- شرح السنة للبغوي، 6- سنن البيهقي، 7- التمهيد لابن عبد البر.

طريق إسماعيل بن إبراهيم بن علية ورد في: 1- سنن أبي داود، 2- مسند أحمد، و 3- التمهيد لابن عبد البر.

طريق معمر بن راشد ورد في: 1- مصنف عبد الرزاق، 2- سنن النسائي، و 3- صحيح ابن حبان.

طريق وهيب بن خالد ورد في: 1- مسند أحمد، و 2- سنن النسائي.
طريق عبد الوارث بن سعيد ورد في سنن النسائي.
طريق سعيد بن إياس الجريري ورد في شرح السنة للبغوي.
طريق سعيد بن أبي عروبة ورد في سنن الدارقطني.
طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ورد في سنن الترمذي.

طريق سفيان بن عيينة وحماد بن زيد، كل منهما ورد في سبعة كتب، يحتلان المرتبة الأولى. وكلا الطريقين وردا أيضاً في صحيح البخاري، لذا فهما أفضل الطرق من حيث الكم والكيف.
وطريق إسماعيل بن إبراهيم ومعمر بن راشد، كل منهما ورد في ثلاثة كتب، يحتلان المرتبة الثانية.
وطريق وهيب ورد في كتابين، يحتل المرتبة الثالثة، وبقية الرواة وردت رواياتهم في مصدر حديثي واحد لكل منهم.

1-1-4. تقويم طريق عكرمة عن ابن عباس

طريق عكرمة عن ابن عباس هو الأكثر تكراراً في كتب الحديث المعتبرة لأهل السنة، بما في ذلك صحيح البخاري. لذلك، فإن تثبيت أو تضعيف هذا الطريق يعتبر نوعاً ما تضعيفاً أو تثبيتاً لأصل الرواية. ولهذا الطريق دور وتأثير بارز في جرح وتعديل وصحة وسقم الحديث. كان عكرمة مولى لابن عباس وكان يروي الحديث عن ابن عباس. ولعكرمة وأيوب بن أبي تميمة دور محوري وأساسي في هذا الطريق. تضعيف أي منهما بمثابة فقدان هذا الطريق لاعتباره.

نظرة سريعة في كتب الحديث والرجال والتراجم لأهل السنة تظهر أنه على الرغم من أن البعض وصف ووثق عكرمة؛ إلا أن البعض الآخر ضعفه وجرحه. هذا التضعيف يجعل حجية قبول أحاديث عكرمة موضع شك. وفيما يلي نشير إلى بعض عناصر تجريح عكرمة.

1-1-1-4. اتهام عكرمة بالخارجية

نسبت بعض المصادر عكرمة إلى فرقة الخوارج. كان جد يعقوب الحضرمي يقول: كان عكرمة إباضياً خارجياً، لأنه كان يقف أمام باب المسجد ويقول: ليس فيه إلا كافر. واعتبر عكرمة مؤسس خوارج المغرب ومصر. وفي بعض الروايات، بالإضافة إلى كونه خارجياً، اعتبر عكرمة مؤسساً لبعض فرق الخوارج. ابن المديني اعتبر عكرمة مؤسس فرقة النجدات والحرورية، وعطاء بن أبي رباح اعتبر عكرمة مؤسس فرقة الإباضية، وأحمد بن حنبل نسبه إلى فرقة الصفرية من الخوارج. خالد الحذاء يعتبر عكرمة مؤسس فرقة الصفرية خوارج أفريقيا. ياقوت الحموي ذكر ميل عكرمة إلى آراء الخوارج وكونه داعياً إلى فرقة الخروبية. يقول أبي الأسود: سألني عكرمة عن أهل المغرب، فأخبرته بغفلة أهل المغرب. لذا تحرك عكرمة نحو المغرب. وهو أول من نشر آراء الصفرية في المغرب.

تحليل

يعتقد الكاتبان أنه كما يظهر من خبر أبي الأسود؛ فإن عكرمة عندما سمع أن أهل المغرب أناس بسطاء وغير واعين، وجد هناك بيئة مناسبة لنشر معتقداته الخارجية ومعاداته للإمام علي (ع). وبهجرته إلى هناك أصبح مؤسس فرقة الصفرية. ونظراً لأن أهل المدينة كانوا أهل علم ومعرفة بالحديث وسنة رسول الله (ص) ومحبين ومدركين لمقام أهل البيت (ع)؛ يبدو أن أمثال عكرمة لم تكن لديهم القدرة والإمكانية للتأثير في مثل هذه البيئة. لذا رأى أمثال عكرمة أنه من الأفضل ترك هذه البيئة واختيار بيئات بعيدة عن العلم والمعرفة والحديث، وأهلها غير واعين.

إذا ثبت ميل عكرمة إلى الخوارج أو احتمل، فإن صدور مثل هذه الرواية عن النبي (ص) يصبح موضع شك. لأن الخوارج كانوا من قتلة الإمام علي (ع)، وكانوا يسبونه ويلعنونه باستمرار، ويسعون دائماً لتشويه سمعته وتضعيف شخصيته. سبب صدور حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» واعتراض ابن عباس ومعارضته، يظهر نوعاً من تضعيف شخصية الإمام ومخالفة الإمام لسيرة وسنة وقول رسول الله (ص) والصحابة. بناءً على هذا الحديث، أخطأ الإمام علي (ع) وعمل خلافاً لقول رسول الله (ص). هذا الحديث يصور صورة عنيفة وقاسية للإمام علي (ع). ومن ناحية أخرى، نعلم أن الإمام علي (ع) هو الوحيد الذي تعامل بأشد الطرق مع الخوارج، فشتتهم وقتل عدداً منهم. لذا، كان الخوارج دائماً يحملون بغضاً وحقداً على الإمام علي (ع) وكانوا يكفرونه. ونتيجة لذلك، إذا ثبت ميل عكرمة إلى آراء الخوارج؛ فإن صدور مثل هذه الرواية عن عكرمة يصبح مبرراً. هذا الكلام يأتي في حين أن مصادر متعددة ومعتبرة في علم الرجال عند أهل السنة، لم تعتبر عكرمة مائلاً إلى فرقة الخوارج فحسب، بل مؤسساً لبعض فرق الخوارج.

2-1-1-4. اجتناب وكراهية التابعين والمحدثين المشهورين لعكرمة

كان بعض التابعين وعلماء الحديث المشهورين من أهل السنة مثل ابن سيرين ومسلم ومالك يجتنبون عكرمة ويكرهونه. وفي تضعيف عكرمة يكفي أن أمثال مالك ومسلم لم يرووا حديثاً عن عكرمة في آثارهم المعتبرة (صحيح مسلم وموطأ مالك). وقد وردت كراهية مالك لعكرمة مراراً. كان مالك يكره الرواة الذين ينقلون الحديث عن عكرمة. على سبيل المثال، كان مالك يكره داود بن الحصين لأن داود كان يروي الحديث عن عكرمة. عندما سئل أبو أيوب عن اتهام عكرمة، سكت قليلاً ثم قال: ولكني لا أتهمه. هذه العبارة من أبي أيوب وسكوته يعتبر عرفاً نوعاً من الاتهام.

3-1-1-4. كذب عكرمة

من أشهر الصفات التي نُسبت لعكرمة في مصادر الرجال عند أهل السنة هي الكذب. وفي علم الرجال، “كذاب” من أهم ألفاظ الجرح. إذا اتصف راوٍ بهذه الصفة، فإن روايته تسقط عن الاعتبار. كثيرون اعتبروا عكرمة كذاباً، منهم مجاهد وابن سيرين ومالك ويحيى بن سعيد وابن المسيب وعطاء وسعيد بن جبير، الذين صرحوا بأن عكرمة كذاب.

كان ابن سيرين يقول عن عكرمة: لست حزيناً أن يكون عكرمة من أهل الجنة، ولكنه كذاب. يقول القاسم: كان عكرمة يقول كلاماً في الصباح يخالفه في المساء. وكان يكذب على ابن عباس. من مظاهر كذب عكرمة الكذب على ابن عباس. كان علي بن عبد الله بن عباس، ابن ابن عباس، يعاقب عكرمة بربطه عند باب المرحاض. وعندما كانوا يعترضون عليه، كان يقول: هذا الخبيث “عكرمة” يكذب على أبي. وقد ورد الكذب على ابن عباس بواسطة عكرمة كثيراً. شخصية عكرمة وكذبه على مولاه أصبحت في عصره مضرب مثل لتأديب وتربية العبيد الآخرين. على سبيل المثال، كان علي بن المسيب وابن عمر يقولان لعبيدهما: لا تكذبوا على أسيادكم كما يكذب عكرمة على أسياده. كان سعيد بن المسيب يتجنبه ويحذر الآخرين منه. وكان يقول: عبد ابن عباس لا يكف عن الكذب حتى يُعلّق حبل في عنقه ويُطاف به حول المدينة. كان سعيد بن المسيب في كثير من الأحيان يقول لعبده: لا تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.

4-1-1-4. فتاوى عكرمة الشاذة

صدور روايات شاذة ونادرة ومخالفة لإجماع المسلمين شاهد وقرينة على تضعيف وتجريح الراوي. بناءً على تقارير المصادر، كان عكرمة يصدر فتاوى نادرة. من معتقدات عكرمة أن نزول الآيات المتشابهة من القرآن هو لإضلال الناس. قال شخص لعكرمة: فلان يسبني في المنام. فأجاب عكرمة: اضرب ظله ثمانين جلدة. ومن فتاوى عكرمة الشاذة الأخرى، كراهة الصوم لمن احتجم. نقل عكرمة عن ابن عباس؛ أنه لا بأس بعدم ذكر التسمية عند الذبح وأن المذبوح حلال. وكان عكرمة يقول: لا حاجة لحبس البول والغائط أثناء الصلاة.

5-1-1-4. عدم تقوى عكرمة ومعارضته لرواية الحديث

نُسب عكرمة في مصادر الرجال إلى عدم التقوى. كان طاووس يقول: لو اتقى عبد ابن عباس وتوقف عن رواية الحديث، لانفصلت له الجبال.

6-1-1-4. تجريح عكرمة وعدم ثقته

على الرغم من أن بعض المتقدمين احتجوا بحديث عكرمة؛ إلا أن بعض المتأخرين أخرجوا أحاديث عكرمة من دائرة الأحاديث الصحيحة. على سبيل المثال، كان ابن أبي ذئب يعتبر عكرمة غير موثوق به. ولم يكن محمد بن سعد يحتج بحديث عكرمة وكان يقول: يُقال عن عكرمة كلام كثير. كان بكر بن عبد الله يتعجب ويضحك من جلوس أهل البصرة عند حديث عكرمة. ويقول: أنا مستعد أن آتي بخمسين شاهداً من شيوخ المهاجرين والأنصار يشهدون بإنكار عكرمة. يقول ابن الصلاح: روى البخاري عن جماعة جرحهم من كان قبل البخاري، منهم عكرمة. كان سعيد بن جبير يقول: تنقلون أحاديث عن عكرمة لو كنت عنده لما نطق بها أبداً. يكتب الذهبي: كان عكرمة يتكلم من عند نفسه، لا لحفظه الأحاديث. يقول قتادة: لم أحفظ عن عكرمة إلا بيتاً من الشعر.

7-1-1-4. فسق وفجور عكرمة

ذكرت مصادر الرجال صفات لعكرمة لا يُتوقع صدورها من مسلم عادي، فكيف بتابعي رفيع المستوى منسوب إلى ابن عباس. وجود إحدى هذه الصفات كافٍ لتحدي عدالة الشخص. على سبيل المثال، لم يكن عكرمة يصلي صلاة صحيحة وحسنة. كان عكرمة مقامراً. وكان مولعاً بسماع الموسيقى الحرام والغناء. الاستماع إلى الموسيقى الحرام يتنافى مع عدالة التابعي. العدالة من الشروط والخصائص الرئيسية لقبول رواية الراوي. قال صلت بن دينار لمحمد بن سيرين ذات مرة: يؤذينا عكرمة، نسمع منه أشياء نكره قولها. فرد محمد بن سيرين على كلام صلت بلعن عكرمة وقال: اللهم أمته وأرحنا منه.

تحليل

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: أي شخصية كان عكرمة حتى يلعنه أمثال محمد بن سيرين ويتمنون موته؟ لماذا يرى محمد بن سيرين موت عكرمة راحة وطمأنينة؟ هل يجوز أصلاً تمني الموت، ليس لتابعي مشهور، بل لمسلم عادي؟ كيف كان عكرمة يعامل من هم دونه حتى لم يستطع صلت بن دينار أن يروي أقوال عكرمة البذيئة، أو بالأحرى، شتائمه الفاحشة، شكوى؟

8-1-1-4. عدم مشاركة الناس في تشييع جنازة عكرمة

حسب المصادر، كان عكرمة مكروهاً وربما مبغوضاً بين الناس. لم يكن لحياته أو موته فرق بالنسبة للناس. على سبيل المثال، على الرغم من وفاة عكرمة وكثير في نفس اليوم وفي نفس الحي، إلا أن الناس تركوا جنازة عكرمة وشاركوا مشاركة حاشدة في تشييع جنازة كثير. وقد ذكرت بعض المصادر أن سبب ترك الناس تشييع جنازة عكرمة هو ميله إلى الخوارج.

تحليل

في جميع المذاهب الإسلامية، تغسيل وتكفين ودفن المسلم، رغم ذنبه وفسقه وظلمه، واجب عيني على الجميع. تشييع جنازة المسلم مستحب مؤكد وله آثار تربوية كثيرة. من ناحية أخرى، كان أهل مدينة النبي (ص) أناساً مؤمنين ومطلعين على أقوال وتوصيات رسول الله (ص) في ثواب تشييع الجنازة. وكان احترام ومكانة كل مسلم، وخاصة الصحابة والتابعين، واضحاً لهؤلاء الناس. مع هذه الأوصاف، يطرح السؤال: ما هو التصور الذي كان لدى أهل المدينة عن عكرمة، مولى الصحابي المشهور للنبي (ص)، حتى لم يكونوا مستعدين للمشاركة في تشييع جنازته؟ كان عكرمة منسوباً إلى ابن عباس ويتمتع بشخصيته وحرمته وعظمته. لذا، كان يتمتع بمكانة رفيعة. مثل هذه الشخصية عرفاً لا ينبغي أن تكون غريبة أو غير محترمة لدى الناس، لدرجة أنهم لا يرضون حتى بحضور تشييع جنازته.

2-1-4. سبب شهرة الرواية في الطبقة الثالثة

الشخص الذي روى الحديث المذكور عن عكرمة هو أيوب السختياني. وحسب المصادر، كان أيوب من أشهر العباد في زمانه. استخدمت مصادر الرجال تعابير كبيرة جداً في وصف وتمجيد وتعديل أيوب. ويبدو أن أيوب كان حسن الظن بعكرمة. ولعل شهرة أيوب وورعه هي التي جعلت الرواة بعده يثقون بحديثه عن عكرمة. ونتيجة لذلك، في الطبقة التي تلي أيوب، روى الرواة الحديث دون تقويم لحديث عكرمة، اعتماداً على أيوب بشكل أعمى. وهذا الادعاء تؤيده مصادر أخرى أيضاً. على سبيل المثال، يقول ابن عدي: روى أصحاب الصحاح الستة الأحاديث التي نقلها الثقات عن عكرمة.

النتيجة

هذا الطريق غير موثوق به بسبب وجود عكرمة. ونظراً لجرح عكرمة الذي هو في رأس السند، يتم صرف النظر عن دراسة بقية الرواة. عدم صحة هذا الطريق يعني أن ما يقرب من ثمانين بالمائة من روايات الحديث في الطرق الأخرى وفي مصادر الحديث لأهل السنة متروكة.

2-4. طريق أنس عن ابن عباس

طريق «عبد الصمد بن عبد الوارث عن هِشَامُ بْنُ أَبِي عبد الله الدستوائي عن أبو الخطاب قتادة بن دعامة بن قتادة عن أنس بن مالك عن ابن عباس» رواه مسند أحمد وسنن النسائي وسنن البيهقي والمعجم الكبير للطبراني وصحيح ابن عباس.

أما عن حال رجال الحديث، فيجب القول بأن قتادة تابعي. وعلى الرغم من الأوصاف التي وردت عنه، إلا أن أحمد بن حنبل يكتب عن قتادة بن دعامة: كان قتادة قدري المذهب وكان يدلس في الحديث. وكتب الذهبي عن قتادة: قتادة معروف بالتدليس والقدرية. ويعترف الذهبي بخطأ وزلل وانحراف قتادة ويستغفر الله له. وينقل الذهبي عن قيس بن ربيع أن قتادة كان يبغض الإمام علي (ع). وكان بعض التابعين مثل طاووس يفرون عند رؤية قتادة لأنهم كانوا يعتبرون قتادة قدرياً. ويذكر أبو زرعة اسم قتادة بن دعامة السدوسي ضمن المدلسين. والجدير بالذكر أن قتادة كان يسكن البصرة. وأهل البصرة كانوا في الغالب عثمانيي المذهب ومناصرين لعائشة وطلحة والزبير، وكانوا يبغضون الإمام علي (ع). وحرب الجمل حكاية عن مواجهة الإمام علي (ع) مع أهل البصرة.

أما شخصية هشام بن أبي عبد الله البصري الذي في سند الحديث، فقد اعتبره ابن سعد وابن حجر ومصادر كثيرة قدرياً. ويضع الذهبي في كتاب “المغني في الضعفاء” هشام بن أبي عبد الله في قائمة الضعفاء ويتهمه بالقدرية.

في القرون الأولى، كانت القدرية صفة مذمومة. وأحياناً كانت فرقة المعتزلة تتهم بالقدرية بسبب معارضتها للجبرية. ويبدو أن أساس ذم صفة القدرية هو حديث النبي (ص) المشهور الذي قال فيه: “القدرية مجوس أمتي”. هذا الحديث مشهور وورد في معظم مصادر الروايات لأهل السنة. وقد تمسك ابن تيمية أيضاً بهذا الحديث مراراً في آثاره. واعتبر القدرية أسوأ حالاً بكثير من المجوس والمشركين ومن أتباع إبليس.

النتيجة

القدرية تهمة واردة في هذا السند. وعلى الرغم من أن بعض علماء الرجال من أهل السنة، رغم قدرية بعض رجال السند، وثقوهم، إلا أن السلفيين وابن تيمية، مع كل هذه المواقف ضد القدرية، لا يمكنهم الركون إلى هذا السند. لذا، هذا الطريق أيضاً غير موثوق به.

خلاصة البحث هي أن الطريق المروي عن ابن عباس بواسطة عكرمة وأنس غير موثوق به. معنى هذا الكلام هو أنه إذا كان طريق ابن عباس بكل هذه الشهرة والكثرة غير مقبول، فإن قبول الطرق الأخرى التي وردت في مصادر الروايات الثانوية لأهل السنة، وذلك في مصدر أو مصدرين فقط، يصبح أكثر إشكالاً من باب أولى.

3-4. طريق الحسن البصري

في تحليل طريق موسى بن عبد الرحمن عن محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة البصري عن قتادة عن أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري المعروف بـ (الحسن بن يسار البصري) يمكن القول:

في هذا الطريق، أشير سابقاً إلى حال قتادة بن أبي دعامة. وجود قتادة يكفي لتضعيف الحديث ويغنينا عن دراسة سائر الحالات.
باستثناء النسائي، لم يروِ أي من المصادر هذا الطريق، وهو شاهد آخر على تضعيف هذا الطريق.
أصلاً هذا الحديث مرسل. الحسن البصري من التابعين. لذا لا يمكنه أن يروي الحديث مباشرة عن رسول الله (ص).
بقية رجال السند أيضاً ليسوا في وضع جيد. على سبيل المثال، قيل عن الحسن البصري أنه كان أهل تدليس. كان يروي الروايات المرسلة، وكان يروي الروايات بالمعنى. وقد ذكرت بعض المصادر صراحة تدليس الحسن البصري. وصرح ابن حجر والعلائي، صاحب التهذيب، بتدليس وإرسال الحسن البصري. وفي بعض المصادر، عُرف الحسن البصري بأنه قدري المذهب. وكذلك سعيد بن أبي عروبة مشهور بالتدليس. ويذكر العقيلي اسم سعيد بن أبي عروبة في قائمة الرواة الضعفاء في كتاب “الضعفاء الكبير”. ويشير أحمد بن حنبل إلى فترتين من حياته، ويضعف رواياته في الفترة اللاحقة لهجرته ويصرح باختلاط سعيد. وينقل الأنصاري عن شرب سعيد بن أبي عروبة للخمر. ويكتب الذهبي عنه: عندما كبر فقد ذاكرته. كان قدرياً. رواياته في الفترة اللاحقة لهجرته ليست صحيحة. هو مختلط. واختلاطه كان طويل الأمد أيضاً.
النتيجة

هذا الطريق أيضاً غير مقبول للأسباب المذكورة أعلاه. في أمر بالغ الأهمية يتعلق بدماء الناس، قبول حديث مرسل محل إشكال.

4-4. طريق أبي بردة عن معاذ

طريق عبد الرزاق عن معمر بن راشد الأزدي عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي البصري عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، واسمه عامر بن عبد الله بن قيس، عن معاذ بن جبل… قال معاذ: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه، أو قال: من بدل دينه فاقتلوه.
هذا الطريق لم يروه إلا مسند أحمد ومصنف عبد الرزاق. هذا الطريق مرسل وغير مقبول. أحاديث أبي بردة عن معاذ مرسلة. يذكر أبو زرعة اسم أبي بردة في كتابه “المراسيل”. وهو يصرح مراراً بإرسال روايات أبي بردة عن معاذ بن جبل.
وكذلك حميد بن هلال الذي في سند الحديث، ليس موضع تأييد ورضا ابن سيرين. كان حميد بن هلال من علماء البلاط ومتأثراً بالسلطان الحاكم في زمانه.
وكذلك فيما يتعلق بمعمر بن راشد، قسم محدثو أهل السنة أحاديثه إلى فترتين: فترة وجوده في اليمن وفترة وجوده في البصرة، واعتبروا أحاديثه في اليمن جيدة، أما أحاديث فترة وجوده في البصرة ففيها اضطراب كثير وضعيفة. واعتبر أحمد بن حنبل أحاديثه في البصرة فيها خطأ. واعتبر السيوطي معمر بن راشد من المدلسين.

5-4. طريق سليمان عن أبي هريرة

ورد حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» بسندين عن أبي هريرة أيضاً، أحدهما بواسطة الطبراني في المعجم الأوسط، والآخر بواسطة ابن عدي في الكامل في الضعفاء. في سند الطبراني، عن مسعود بن محمد الرملي، عن عمران بن هارون، عن ابن لهيعة، حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، أن النبي (ص) قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».

هذا الطريق لم ينقله إلا الطبراني. مجرد نقل الطبراني وعدم نقله بواسطة مصادر حديثية أخرى شاهد على عدم الاهتمام وعدم قبول هذا الطريق. وكذلك لم يروِ هذا الحديث عن بكير بن عبد الله إلا عبد الله بن لهيعة. وقد ضعف جمهور المحدثين ابن لهيعة. وذكر الذهبي والعقيلي ابن لهيعة بعبارات متعددة ضمن الضعفاء. وذكر السيوطي عبد الله بن لهيعة ضمن المدلسين. وبغض النظر عن المباحث المذكورة، فإن شخصية بقية رجال الحديث ليست جيدة أيضاً. على سبيل المثال، روى ابن أبي الحديد عن الإمام علي (ع) عن أبي هريرة أنه قال: ألا إن أكذب الناس على رسول الله (ص) أبو هريرة الدوسي. وقد صُرح بتدليس أبي هريرة أيضاً في مصادر أهل السنة. كان الصحابة والتابعون يشكون في الروايات التي كان ينقلها أبو هريرة عن رسول الله (ص)، ولهذا السبب كانوا يسألونه: هل سمعت هذه الرواية من رسول الله (ص)؟ فكان يجيب: لا، هذه الرواية أتيت بها من كيسي.

النتيجة: لا شك في ضعف طريق سليمان بن يسار عن أبي هريرة. لذا، هذا الطريق غير مقبول.

6-4. طريق عطاء عن أبي هريرة

كما أشير سابقاً، ورد عن أبي هريرة سندان. هذا الطريق رواه ابن عدي في “الكامل في الضعفاء”.
هذا السند، باستثناء ابن عدي وذلك في كتاب الضعفاء، لم يروه مصدر آخر، وهذا العامل كافٍ في ضعف هذا الطريق. ويكتب ابن عدي تحت الرواية: إسحاق بن أبي فروة من الضعفاء، لم يتابعه أحد لا في المتن ولا في السند من مسنداته، ولا يشاركه أحد في نقلها.

7-4. طريق ابن عمر

هذا الطريق لم يروه إلا ابن عبد البر في “التمهيد” عن ابن عمر. ويكتب ابن عبد البر تحت الحديث: هذا الحديث عندي منكر.

النتيجة

هذا الطريق، بتصريح ناقله، غير مقبول.

8-4. طريق عائشة

هذا الطريق رواه الطبراني في المعجم الأوسط عن طريق نعيم بن محمد الصوري، ثنا موسى بن أيوب النصيبيني، ثنا عبد الرحمن بن الحسن أبو مسعود الزجاج، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن، وشهر بن حوشب، عن عائشة…».
أولاً، هذا الطريق أيضاً لم يروه إلا الطبراني. ثانياً، الطبراني نفسه الذي هو ناقل الحديث ليس لديه نظرة إيجابية للحديث. ثالثاً، رجال الحديث ضعفاء. على سبيل المثال، ذكرت المصادر تضعيف سلمى بن عبد الله أبو بكر الهذلي البصري بعبارات متعددة. وكتب صاحب كتاب “الوافي” عن أبي بكر الهذلي: لم يرضه يحيى القطان. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أحمد: ضعيف. وقال البخاري: ليس بالحافظ. وبغض النظر عن هذه الحالات، فإن بقية رجال السند ليسوا في وضع جيد.

النتيجة: هذا الطريق أيضاً غير مقبول.

أحاديث بمعناه:

9-4. طريق عصمة بن مالك الخطمي

في مصادر أهل السنة، توجد أحاديث أخرى حول قتل المرتد بمعناها مع حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». أحد هذه الأحاديث هو حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير عن عصمة بن مالك عن النبي (ص) أنه قال: «من ارتد عن دينه فاقتلوه».
أولاً، هذا الطريق وهذا الحديث لم ينقله أحد غير الطبراني، وهو شاهد على ضعفه.
ثانياً، رجال الحديث ضعفاء. على سبيل المثال، فضل بن المختار في سند الحديث، ضعيف. ذكره العقيلي في قائمة الرواة الضعفاء واعتبره منكر الحديث. واعتبر ابن الجوزي روايات فضل أباطيل وواهيات ومن المنكرات. وكذلك عبد الله بن موهب الذي في السند، ضعيف أيضاً. واعتبر الذهبي فضل غير ثقة وضعيف ومنكر الحديث ومجهول.

10-4. طريق زيد بن أسلم

من الأحاديث الأخرى التي تحمل نفس معنى حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» حديث رواه زيد بن أسلم عن النبي (ص) أنه قال: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ».
هذا الطريق أولاً لم يروه إلا موطأ مالك. ثانياً، يكتب ابن عبد البر، شارح الموطأ، تحت هذا الحديث: هذا الحديث مرسل. وكذلك الذهبي في تعداد شيوخ زيد بن أسلم لم يذكر اسم النبي (ص).

11-4. طريق أبي ثعلبة عن معاذ

طريق حسين بن إسحاق التستري عن هوبر بن معاذ عن محمد بن سلمة عن الفزاري عن مكحول عن ابن أبي طلحة اليعمري عن أبي ثعلبة الخشني عن معاذ بن جبل عن رسول الله.
هذا الطريق لم يروه إلا المعجم الكبير. عدم نقل هذا الطريق في المصادر الأخرى دليل على عدم اعتمادهم على هذا الطريق. يعتبر شعيب الأرنؤوط هذا الحديث غير حسن. في سند الحديث شخص مجهول اسمه “مكحول” يروي عن ابن أبي طلحة الذي لم يُعرف اسمه. ويصرح العقيلي بتقارير متعددة من علماء أهل السنة بضعف وترك محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي الفزاري أبو عبد الرحمن الكوفي. ويصرح البخاري بأن الفزاري الكوفي هو نفسه محمد بن عبيد الله. وصرحت مصادر أخرى بترك العرزمي بعبارات متعددة. يعتبر ابن حجر السند صحيحاً، ولكن يبدو أن احتمال توثيق ابن حجر له هو أنه اعتبر الفزاري هو أبو إسحاق الفزاري (إبراهيم بن محمد بن حارث) الذي كان حافظاً وثقة.

5. تقويم محتوى الحديث

1-5. التمسك بخبر الواحد للقتل غير صحيح

هذا الحديث اشتهر بعد القرن الأول الهجري، وقبل ذلك كان من أحاديث الآحاد. التمسك بحديث هو خبر واحد لأمر مهم يتعلق بحياة الناس غير صحيح. يكتب الدكتور صبحي صالح: لا يمكن الاكتفاء بخبر الواحد فيما يتعلق بحياة الإنسان. النصوص القرآنية والنبوية تؤكد على حفظ حياة الإنسان. فقط إذا كانت المسألة محل إجماع المسلمين، يُصرف النظر عن قاعدة ووجوب حفظ حياة الإنسان. وهذا الإجماع غير موجود فيما يتعلق بالمرتد، بأن المرتد يستحق القتل لمجرد تغيير عقيدته.

2-5. مراعاة شروط الردة

المسألة الأخرى هي مراعاة شروط الردة المختلفة. لأن ثبات ودوام أي حكم يعتمد على ثبات موضوعه. الردة أحياناً تكون في حدود الشك والتردد في أصول العقائد، وأحياناً في حدود التكذيب والإنكار. وكذلك، الشخص المرتد أحياناً يقدم على الإنكار بسبب الجهل وعدم المعرفة، وأحياناً ينكر جاحداً. أحياناً تكون جذور الردة فكرية، وأحياناً سياسية. المرتد أحياناً يظهر ردته بأفعال مهينة، وأحياناً يعبر عنها بلسانه فقط دون أي فعل عملي مهين. أحياناً تكون الردة موجهة ومدارة من قبل أعداء خارجيين، وأحياناً بدون تدخل وتوجيه من الأعداء. وكذلك، أحياناً تكون ردة الشخص مؤثرة بسبب موقعه الخاص، وأحياناً بدون تأثير ورد فعل شعبي. لذلك، يبدو أن التمسك بعمومية حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» غير صحيح. لذا، يجب ملاحظة أوصاف وتفاصيل الردة.

3-5. الاختلاف في روايات الحديث

بغض النظر عن سند الحديث، فإن متنه أيضاً يعاني من اضطراب واختلافات كثيرة. هذا الاختلاف في المتن قرينة على تدخل أذواق الرواة في متن الحديث. ورد الحديث بالأشكال التالية:

أمر الإمام علي (ع) أولاً بقتلهم ثم أحرق جثثهم بالنار.
أمر الإمام علي (ع) بتعريض هؤلاء الأفراد لدخان النار لعلهم يتوبون.
الأفراد الذين أمر الإمام علي (ع) بحرقهم كانوا جماعة من الزنادقة.
أفراد كانوا يعبدون الأصنام سراً ويتلقون الهدايا من الناس، أُحضروا إلى الإمام علي (ع). سجنهم الإمام ثم استشار الناس بشأن التعامل معهم. قال الناس: اقتلهم. فقال الإمام علي (ع): سأفعل بهم ما فعلوه بأبينا إبراهيم. ثم ألقاهم في النار وأحرقهم. الجدير بالذكر أن الإمام المعصوم لا يستشير أحداً في حكم الله. لذا، فإن نفس طلب الإمام علي (ع) للمشورة شاهد على كون الحديث مجعولاً.
يروي أيوب بن نعمان أنه رأى الإمام علي (ع) في ساحة المدينة. جاء شخص إلى علي (ع) وقال: جماعة يعبدون الأصنام في أحد بيوت المدينة. تحرك علي (ع) نحو ذلك المنزل. في تلك الأثناء خرجوا ومعهم صنم من رخام. أحرق علي (ع) البيت بمن فيه. يقول البعض إنهم كانوا جماعة من قبيلة “الزط”.
يقول البعض إن جماعة ذهبت إلى الإمام علي (ع) وهم واقفون عند باب المسجد يقولون: علي ربنا. خرج الإمام علي (ع) إليهم وقال: ويلكم! ما هذا الكلام الذي تقولونه؟ قالوا: أنت هو الذي نقوله. حقاً أنت ربنا وخالقنا ورازقنا. ثم قال الإمام: ويلكم! ما هذا الكلام الباطل الذي تقولونه؟ أنا عبد مثلكم. ثم تركهم الإمام علي (ع) وطلب منهم أن يعودوا إليه في اليوم التالي تائبين. لكنهم لم يفعلوا ذلك. فأمهلهم هذه المرة ثلاثة أيام. فلما انتهت الأيام الثلاثة ولم يتوبوا، حفر لهم حفرة. ثم أمر بضرب أعناقهم. ثم ألقى بجثثهم في الحفرة وأحرقهم.
تحليل:

في هذه الرواية لم يشر إلى عدد هؤلاء الأفراد واسم قبيلتهم ومكان إقامتهم. وقوع مثل هذه الحادثة المروعة والكبيرة بشكل مجمل وعام ودون الإشارة إلى التفاصيل يبدو غير عادي. ونظراً لأن مثل هذه الحادثة عرفاً كان يجب أن يشاهدها مئات الأشخاص وينقلونها، خاصة مع وجود أعداء وخصوم كثيرين للإمام علي (ع) كانوا يبحثون عن ذريعة لتشويهه، فإن روايتها كخبر واحد، وذلك بواسطة أفراد ضعفاء وفي الغالب من البصرة، وبعبارات متعددة، تدل على عدم واقعيتها.

4-5. دور اليهود في صدور الحديث

على فرض صحة الحديث من حيث السند والمحتوى؛ إلا أنه يبدو أن الحديث له خصوصية وأوصاف خاصة ومتأثر بزمان ومكان معينين. تنقيح المناط منه وإلغاء خصوصيته واستنباط حكم كلي عام منه غير صحيح. بعبارة أخرى، يوجد ظن بتأثير خصوصيات خاصة في تعلق الحكم بالموضوع في هذا الحديث. من خصوصيات الحديث أنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمؤامرات اليهود. يقول القرآن في هذا الشأن: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (آل عمران: 72). كان اليهود والمنافقون يقصدون المخالفة والسخرية وتشويه الإسلام، فيؤمنون صباحاً ويرتدون مساءً. كانت حيلة المنافقين واليهود في صدر الإسلام سياسية، وحركة جماعية ومدروسة بدوافع معادية للحق ومحاربة وعناد مع المسلمين. لذلك، فإن دور اليهود وتكرار ردتهم والظروف الخاصة لزمان رسول الله (ص) في صدور الحديث لإحباط النشاط الثقافي السياسي لليهود ليس بلا تأثير. صدور حديث قتل المرتد في تلك البيئة الخاصة يبدو مبرراً. مع الظن بتأثير هذه الأوصاف، فإن تعميم حكم عام من الحديث محل شك.

5-5. مخالفة الحديث للسيرة العملية لرسول الله (ص)

يقول الشافعي: كان رسول الله (ص) أشد الناس عزماً وجدية في تنفيذ حدود الله. أحياناً كان بعض الأفراد يؤمنون ثم يرتدون ثم يظهرون الإيمان مرة أخرى، لكن النبي (ص) لم يقتل أياً منهم. يقول البيهقي: ارتد عبد الله بن أبي سرح، ثم أسلم، لكن النبي (ص) لم يأمر بقتله بعد ردته. نهى النبي (ص) عن قتل نساء أهل الحرب. ورغم أن هذا قياس؛ ولكن عندما ينهى النبي (ص) عن قتل النساء الحربيات؛ فمن باب أولى لا يجوز قتل النساء اللاتي لهن سابقة في الإسلام.

6-5. مخالفة الحديث لنصوص القرآن في حفظ النفس

لم يتساهل القرآن في حماية النفس وحياة الإنسان، ولم يُجز قتل الإنسان إلا بأدلة قوية. المحكمات القرآنية توصي باحترام حياة الإنسان. ويعتبر قتل إنسان في غير حالة القاتل أو المفسد كقتل جميع الناس. حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يتعارض مع النصوص القرآنية. من معايير التعادل والتراجيح للحديث موافقته ومخالفته للقرآن. وردت روايات كثيرة عن الأئمة بعنوان عرض الحديث على القرآن. في حديث، قال النبي (ص): إذا أتاكم حديث عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق القرآن فاقبلوه وما خالف فاضربوا به عرض الحائط.

7-5. مخالفة آيات حرية العقيدة

تدل آيات كثيرة من القرآن على حرية اختيار الإنسان لعقيدته. آيات مثل ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ تنفي الإكراه في قبول العقيدة. لذا، فإن قبول حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يخالف ظاهر ونص هذا النوع من آيات القرآن. هذا الحديث يخالف أصل عدم جواز استخدام الإكراه في مجال العقيدة والإيمان. كما أنه يخالف أصل خروج الإيمان والعقيدة عن اختيار الإنسان. يقول الله للنبي (ص): لست عليهم بمسيطر. (يونس: 99).

8-5. مخالفة الحديث للقواعد الفقهية

حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يتعارض مع بعض القواعد الفقهية والأصولية مثل قاعدة “الدرء”. أساس هذه القاعدة هو الحديث النبوي “ادرؤوا الحدود بالشبهات”. بناءً على هذه القاعدة، يُفضل الخطأ في العفو على الخطأ في العقوبة. أصر الإسلام وأوصى كثيراً بعصمة دماء وأعراض وأموال الناس. إذا شككنا في ارتكاب جريمة مثل الردة من قبل شخص ما، يجري أصل البراءة ويحكم أصل الاحتياط في حفظ دماء وأعراض الناس. إذا حصل شك في وقوع الردة، يتوقف تنفيذ الحد. كلما وجد شك في ارتكاب المتهم للفعل الإجرامي، يُبرأ المتهم.

9-5. مخالفة الحديث لأحاديث أخرى

استثناء حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» في المذهب الإمامي والحنفي إجماعي. في بعض مصادر أهل السنة، نهى النبي (ص) عن قتل النساء المرتدات. وفي حديث آخر، ورد لفظ “رجل”، مما يجعل القتل خاصاً بردة الرجال دون النساء. ورغم أن بعض الروايات أوجبت قتل النساء المرتدات؛ إلا أن بعض علماء أهل السنة يعتقدون أن قتل النساء في الروايات المذكورة لم يكن بسبب تغيير العقيدة، بل بسبب حربهن مع المسلمين. قتل المرتدين ليس عقوبة لردتهم، بل جزاء لإصرارهم على الكفر. ولهذا السبب، إذا تاب المرتد، ينتفي قتله لأن الإصرار قد انتفى. لو كان القتل عقوبة للمرتد، لما كان يسقط بالتوبة، كما أن عقوبة الحدود لا تسقط بالتوبة.

10-5. عدم نقل الحديث في المصادر الأولية للحديث

لم يرد حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» في صحيح مسلم وموطأ مالك. عدم نقل مثل هذا الحديث في صحيح مسلم شاهد بحد ذاته على عدم اهتمام مسلم ومالك بهذا الحديث.

6. الاستنتاج

بناءً على ما تقدم، فإن أهم استدلال للسلفيين في قتل المرتد هو حديث «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
بناءً على الأدلة التالية، فإن التمسك بمثل هذا الحديث في قتل المرتد غير صحيح.
لا يصلح أي من طرق الحديث للاحتجاج والاستناد. لأنه في بعض طرق الحديث يوجد إرسال، وفي بعضها الآخر انقطاع وتدليس واضطراب.
لم يرد خبر قتل المرتدين بالنار لا قبل خلافة الإمام علي (ع) ولا بعدها. وهذه قرينة على عدم موثوقية هذه الحادثة.
الحديث المذكور يتعارض مع محكمات القرآن التي توصي وتؤكد على حفظ حياة الإنسان وتعتبر حرية العقيدة حقاً مشروعاً.
هذا الحديث يتعارض مع أحاديث أخرى وقواعد فقهية.
هذا الحديث خبر واحد.
بغض النظر عن الإشكالات السندية والمحتوائية الواردة على الحديث، يجب في الظروف الحالية للعالم الإسلامي مراعاة مقتضيات الزمان في تبيين وتبليغ وتنفيذ الحديث. يرى الكاتب، كأستاذ جامعي، أن من أهم الشبهات التي يثيرها الطلاب ضد الإسلام هي تعاليم الردة. كتابة مقال آخر بشكل مقارن في الفقه الإمامي والسلفي في موضوع الردة، دفاعاً عن مدرسة أهل البيت، يمكن أن يكون مؤثراً جداً، وهو ما يُقترح. الدين الذي لا يُستفاد في فهمه من علم أهل البيت (ع) سيكون ديناً يكون الانحراف والقتل والتخريب رسالته الأساسية. طريق الخروج من هذه المعضلة هو العودة إلى ولاية أهل البيت (ع) وإلى قول رسول الله الذي قال: لا افتراق بين القرآن والعترة.

ومن النتائج الأخرى للبحث الرد على شبهة من يعتقدون أن الإمام علي (ع) أحرق جماعة من المرتدين بالنار. هذا الحديث وهذه الرواية أيضاً غير موثوقين.

المصادر

القرآن الكريم.
ابن أبي الحديد، أبو حامد عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، بيروت، دارالكتب، (د.ت).
ابن أبي عاصم، أبو بكر أحمد بن عمرو، السنة، تحقيق الألباني، بيروت، مكتب الإسلامي، 1400ق.
ابن العجمي، برهان الدين أبو الوفاء، التبيين لأسماء المدلسين، تحقيق شفيق، بيروت، دار الكتب، 1406ق.
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، أحكام المرتد عند شيخ الإسلام ابن تيمية، قم، مكتبه الشامله، (د.ت).
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، تحقيق أنور الباز، بيروت، دارالوفاء، الطبعة الثالثة، 2005م.
ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الصارم المسلول، تحقيق: عمر الحلواني، بيروت، دار ابن حزم، 1417ق.
ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، العلل المتناهية، المحقق: إرشاد الحق الأثري، باكستان، إدارة العلوم الأثرية، الطبعة الثانية، 1401ق.
ابن حجر، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب، بيروت، دارالفكر، 1404ق.
ابن حجر، أحمد بن علي، تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين، عمان، مكتبة المنار، 1403ق.
ابن حجر، أحمد بن علي، فتح الباري، بيروت، دارالمعرفة، 1379ق.
ابن رجب الحنبلي، زين الدين أبي الفرج، شرح علل الترمذي، المحقق: نورالدين عتر، بغداد، (د.ن)، (د.ت).
ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، 1968م.
ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، التمهيد لما في الموطأ، المغرب، وزارة عموم، 1387ق.
ابن عدي، أبو أحمد الجرجاني، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: عادل أحمد، لبنان، الكتب العلميه، 1418ق.
ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المغني، تحقيق المقدسي أبو محمد، بيروت، دارالفکر، 1405ق.
ابن قليج، علاء الدين مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري الحنفي، إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن محمد، مصر، الفاروق الحديثة للطباعة، 1422ق.
أبو زرعة، أحمد بن عبد الرحيم، المدلسين، تحقيق رفعت فوزي، المدينة، دارالوفاء، 1415ق.
أميري، عظيم و محمد حسين طاهري، بررسى و نقد انگاره ارتداد در مسيحيت كاتوليك، معرفت اديان 4، 16(1392): 96-77.
أنصاري، أحمد بن عبد الله، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، بيروت، دار البشائر، 1416ق.
بن باز، عبد العزيز بن عبد الله، فتاوى نور على الدرب، قم، مكتبه الشامله، (د.ت).
بيهقي، أحمد بن حسن، سنن البيهقي الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكة، مكتبة دار الباز، 1414ق.
ذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام، تحقيق بشار عواد، دار الغرب الإسلامي، 2003م.
ذهبي، محمد بن أحمد، المغني في الضعفاء، تحقيق نورالدين عتر، (د.م)، (د.ن)، (د.ت) (أ).
ذهبي، محمد بن أحمد، تذكرة الحفاظ، تحقيق: زكريا عميرات، بيروت، دار الكتب العلمية، 1419ق.
ذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، المحقق: مجموعة محققين بإشراف شعيب الأرناؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، (د.ت) (ب).
ذهبي، محمد بن أحمد، ديوان الضعفاء، المحقق: حماد بن محمد، مكة، مكتبة النهضة، الطبعة الثانية، 1387ق.
ذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: على محمد معوض، بيروت، دار الكتب، 1995م.
ذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال، تحقيق البجاوي، بيروت، دار المعرفة، 1382ق.
زركلي، خير الدين بن محمود، الأعلام، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الخامسة عشر، 2002م.
سيوطي، جلال الدين، أسماء المدلسين، المحقق: محمود محمد، بيروت، دارالجیل، (د.ت).
صفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات، المحقق: الأرناؤوط، بيروت، دار إحياء، 1420ق.
طبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الأوسط، تحقيق: طارق بن عوض الله، القاهرة، دارالحرمین، 1415ق.
عقيلي، محمد بن عمرو، الضعفاء الكبير، المحقق: قلعجي، بيروت، دار المكتبة العلمية، 1404ق.
علائي، صلاح الدين خليل بن كيكلدي، جامع التحصيل، المحقق: عبد المجيد السلفي، بيروت، عالم الكتب، 1407ق.
علواني، طه جابر، دين اجباري يا دين اختياري، مترجم أمين سليماني، تهران، احسان، 1392ش.
عيني، أبو محمد محمود بن أحمد، مغاني الأخيار، تحقيق: أبو عبد الله محمد حسن، (د.م)، (د.ن)، (د.ت).
مزي، أبو الحجاج يوسف بن الزكي، تهذيب الكمال، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1400ق.
هيثمي، أبو الحسن علي بن أبي بكر، مجمع الزوائد، المحقق: القدسي، القاهرة، مكتبة القدسي، 1414ق.
ياقوت حموي، شهاب الدين أبو عبد الله، معجم الأدباء، المحقق: إحسان عباس، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1414ق.

Scroll to Top