إعادة بناء مدرسة الري الحديثية الشيعية في مرآة رواة الحديث (القرنين الثاني والثالث الهجريين)

الملخص: يعتمد ازدهار الدراسات الحديثية وانتشارها في مدينة أو منطقة ما على عوامل مختلفة.  يمكن اعتبار حضور العلماء والمحدثين في تلك الرقعة الجغرافية العلمية وأنشطتهم الحديثية أحد هذه العوامل.  ومن أفضل وأهم أساليب إعادة بناء المدارس الحديثية، التعرّف على الرواة والمحدثين المشهورين وتصنيف أنواع الروايات الشائعة في تلك المدرسة الحديثية.  تُعدّ مدرسة الري الحديثية من أهم مدارس الحديث الشيعية في القرون الإسلامية الأولى.  وتحظى هذه المدرسة بأهمية بالغة في البحث نظراً لكثرة المحدثين الشيعة فيها ووفرة رواياتهم في كتب الحديث الشيعية، وكذلك لتجربتها عصرَيْ حضور الأئمة (ع) وغيبتهم. يهدف هذا البحث إلى إعادة بناء مدرسة الحديث الشيعية في “الري” في مرآة رواة الحديث، والتعرّف الدقيق على رواة هذه المدرسة الحديثية ومصنفاتهم وتصنيف رواياتهم. وفي هذا السياق، تم استخلاص وتقديم كيفية تحمّل وأداء الحديث في هذه المدرسة ومدى تأثر محدثي تلك الديار بالمدارس الحديثية الأخرى.  وقد خلص هذا البحث، الذي اعتمد المنهج المكتبي والمقاربة الوصفية التحليلية، إلى أن نشاط مدرسة الري الحديثية بدأ منذ زمن الإمام الصادق (ع). وتدل دراسة الرحلات الحديثية للمحدثين على أن هذه المدرسة تأثرت بشكل كبير بمدرسة الكوفة الحديثية، وأنه على الرغم من تنوع أنواع الروايات المنقولة عن الرواة، إلا أن الصبغة الغالبة على روايات مدرسة “الري” الحديثية كانت فقهية.
١. طرح الإشكالية
يعدّ التعرّف على المكاتب أو المدارس الحديثية وتحليلها في القرون الإسلامية الأولى ذا أهمية بالغة في دراسة المباحث المتعلقة بتاريخ تطورات الحديث. فالمكتب أو المدرسة الحديثية تتضمن رؤية ومنهجاً خاصاً في قبول الأحاديث ونقلها. وقد تأسست المدارس الحديثية في أواخر عصر حضور الأئمة (ع) في بعض مدن العالم الإسلامي. وتتمتع جغرافية المدارس الحديثية باتساع وتنوع ملحوظ. وتُعتبر مدارس قم، وبغداد، وما وراء النهر، والكوفة، وأصفهان، والحلة من أهم المدارس الحديثية في العالم الإسلامي.  وكان لكل من المدارس الحديثية المذكورة مؤسس أو مؤسسون، وقامت بتربية تلاميذ في نطاقها الجغرافي. ونظراً لتنوع توجهات محدثي كل مدرسة حديثية وميولهم المذهبية وتخصصاتهم، فإنه بالإضافة إلى المشتركات، تُلاحظ اختلافات جوهرية وبارزة بين هذه المدارس. وتُعدّ “الري” من بين المناطق الهامة والمؤثرة في مجال حديث الشيعة ونشره.
تكمن أهمية معرفة أو إعادة بناء المدارس الحديثية في أنها تكشف عن الأساس الفكري الحاكم في حوزة حديثية ما. كما أنها تساعد علماء الحديث في فهم الظروف الحاكمة على نقل الأحاديث  ونوع الأحكام والتقييمات في قبول الأحاديث أو ردها أو توجيهها وتأويلها.  وبما أن آراء رواة كل مدرسة حديثية في مختلف مجالات الحديث، والفقه، والتفسير، والكلام، وغيرها، تُعدّ عاملاً في إيجاد المشتركات والافتراقات بين المدارس الحديثية؛  لذا فإن تحديد رواة كل مدرسة حديثية وكذلك إعادة قراءة رواياتهم يحظى بأهمية بالغة.  إن بحوثاً من هذا القبيل تساعد علماء الرجال والتراجم في اختيار نوع الحكم والتقييم بشأن رواة الحديث. على سبيل المثال، استُخدمت كلمة “الغلو” أو “غالٍ” في كتب الفهارس والرجال لوصف العديد من الرواة.  وهذا الانتشار بحد ذاته دليل على غلبة تيار فكري معين في المجتمع.  ومن ناحية أخرى، فإن وجود علاقات متبادلة بين محدثي المدارس الحديثية المختلفة ورحلاتهم العلمية لتعلم الحديث أو نشره من المسائل التي تجعل البحث حول المدارس الحديثية ضرورياً.  ومن خلال التعريف بالمحدثين وكذلك الألقاب التي ذُكرت لهم، يمكن التعرّف على جغرافية حضورهم ونشاطهم وكذلك كثرة أو قلة رواة المدارس الحديثية.  على سبيل المثال، لقب “الرازي” يدل على محدثي منطقة الري الجغرافية، واتساع هذا الوصف بعد أسماء الرواة يشير إلى أهمية ومكانة هذه المدرسة الحديثية بين سائر المدارس الحديثية وكذلك كثرة رواة تلك الديار.
سبق هذا البحث عدد من الدراسات في مجال المدارس الحديثية.  فقد اكتفى نريماني (١٣٨٤ش) في بحثه المعنون “شناخت وبررسى مكاتب حديثى شيعه بغداد و رى تا پايان قرن پنجم” بالتعريف بمفاخر مدرسة الري وبغداد الحديثية، خاصة في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وبعض الخصائص العامة لهاتين المدرستين.  ولم يتم في البحث المذكور استخلاص خصائص مدرسة الري الحديثية من خلال دراسة وتحليل روايات رواتها.  كما أشار فيروزمندي بندجي ونريماني (١٣٩٦ش) في مقالتهما المعنونة “نقش مفاخر شيعه در نشر حديث در رى” إلى الخصائص العامة لمدرسة الري الحديثية والأفكار الكلامية الشائعة فيها.  وفي هذا البحث أيضاً، لم يتم دراسة وتحليل مؤشرات مدرسة الري الحديثية بناءً على منقولات رواة الحديث في القرنين الثاني والثالث الهجريين.  بالإضافة إلى أن نطاق البحث وكذلك توجهات البحوث المذكورة تختلف عن البحث الحالي.  وفي بحوث أخرى، تم دراسة مدارس حديثية أخرى مثل الكوفة، وما وراء النهر، والحلة، وغيرها، والفارق الموضوعي (العنوان) لتلك البحوث عن البحث الحالي واضح.  في هذا البحث، وبهدف إعادة بناء مدرسة الحديث الشيعية في الري؛  أولاً، وبناءً على التقارير التاريخية ومراجعة المصادر الرجالية المتقدمة والمتأخرة وكتب الفهارس والمسانيد، تم استخلاص أسماء محدثي الري.  وفي الخطوة التالية، وضمن دراسة سيرهم الذاتية ومصنفاتهم وصبغتهم الفكرية، تم استخلاص رواياتهم من كتب الحديث وتصنيفها إلى ثلاث فئات: العقائد، والأخلاق، والأحكام.  هذا البحث أساسي من حيث الهدف، ووصفي-تحليلي من حيث المنهج.  وتجدر الإشارة إلى أن البيانات الإحصائية المقدمة في نهاية كل مدينة في قسم “التفاعلات الحديثية في عرض ونقل الحديث” تستند إلى فحص العديد من كتب الحديث ومستمدة من رسالة الماجستير للباحثة بعنوان “بازسازى مدرسه حديثى شيعه در رى از آغاز تا پايان قرن سوم هجرى” (أيوز خاني، ١٣٩٩ش، ١١٢-٣٠٩).
٢. حيوية وازدهار مدرسة الحديث الشيعية في الري
عُرفت “الري” بجمالها بـ”عروس الدنيا”.  وبسبب قدمها، لُقبت بـ”شيخ البلاد”.  كانت هذه الديار قبل الإسلام مركزاً دينياً للزرادشتيين، وساد فيها نوع من الحكم الديني بواسطة الموابذة.  فتح المسلمون “الري” سنة ٢٢ هـ.  واعتنق أهلها الإسلام تدريجياً. كان حكام الري المختارون يتبعون سياسة الخلفاء. وفي عهد حكم الأمويين، فرض حضور الحكام النواصب في هذه المدينة الانحراف الفكري الديني على أهل الري.  ومظهر هذا الانحراف هو أنه، حسب قول ابن الأثير الجزري (٦٣٠ هـ)، في زمن خلافة معاوية، كان والي الري (المغيرة بن شعبة) يسب أمير المؤمنين علي (ع) على المنابر.  ومع ذلك، حتى في زمن الأمويين، كانت هناك جماعة من شيعة أهل البيت (ع) في هذه المدينة. بدأت الحركة العباسية سنة ١٠٠ هـ.ق.
هيأت السنوات الأخيرة من حكم بني أمية والسنوات الأولى من خلافة بني العباس أفضل الأوقات لترويج معارف أهل البيت (ع).  وأدى الصراع على السلطة إلى غفلة الأمويين عن الشيعة، وخروج الشيعة من حالة التقية الشديدة.  وفي مثل هذا السياق السياسي-الاجتماعي، تهيأت الظروف لتعرّف أهل الري على مدرسة أهل البيت (ع).  ويشهد على هذه الحقيقة حضور محدثين ملقبين بـ “الرازي” بين أصحاب الإمام الباقر (ع) مثل أعين الرازي، والإمام الصادق (ع) مثل أبي هلال الرازي.
١-٢. حيوية رواة الشيعة من أهل الري في مجال الرواية عن المعصومين (ع)
منذ عهد الإمام الصادق (ع) وحتى نهاية فترة حضور الأئمة (ع)، ازداد عدد أنصارهم في هذه المدينة.  وتؤكد نظرة إلى كتب الرجال هذا الأمر.  وبذلك، مهّد حضور هؤلاء الأصحاب في الري الطريق لتأسيس ونمو مدرسة الحديث الشيعية في الري.  ومن بين صحابة ورواة الأئمة الأطهار (ع) الذين عاشوا في الري في القرن الثاني الهجري يمكن ذكر الأسماء التالية: يحيى الرازي، عبد الرحيم بن سليمان الرازي، علي بن نعمان الرازي، هشام بن مثنى الرازي، محمد بن سهل البجلي الرازي، أبو محمد الحسن بن عبد الله الرازي التميمي، الحسين بن محمد الرازي، جعفر بن محمد أبي زيد الرازي، عبد الله بن محمد التميمي الرازي، أبو إسماعيل الصيقل الرازي، علي بن عثمان الرازي.
موسى بن أبي الحسن الرازي، وموسى بن نصر الرازي، ووليد بن أبان الرازي.
وفي القرن الثالث الهجري، ازداد عدد أصحاب الأئمة (ع) في هذه الديار.  وكان من أهم أنصار الأئمة (ع) في هذا القرن في الري: إبراهيم بن أبي بكر الرازي، صالح بن سلمة أبي حماد، عبد الله بن محمد بن حماد الرازي، عبد الله بن محمد الرازي، محمد بن حسان الرازي، محمد بن خالد الرازي، منصور بن عباس الرازي، محمد بن أبي زيد الرازي، يحيى بن أبي بكر الرازي، أحمد بن إسحاق الرازي، أبو محمد الرازي، جعفر بن أحمد بن وندك الرازي، محمد بن إسماعيل الرازي،  الحسن بن العباس بن حريش الرازي، محمد بن يزداد الرازي، مخلد بن موسى الرازي، وعلي بن محمد علان الكليني.
٢-٢. هجرة رواة من مناطق أخرى إلى الري
كانت هجرة بعض المحدثين من أصل كوفي واستقرارهم في الري عاملاً آخر في ازدهار هذه المدرسة الحديثية. هيأ هذا الحدث لانتقال جزء كبير من التراث الحديثي الكوفي إلى الري. الحسين بن يزيد النوفلي (القرن الثاني) هو أحد هؤلاء المحدثين.  قام بتعليم أفراد مؤثرين مثل إبراهيم بن هاشم القمي.  إبراهيم بن هاشم هو أول من نشر أحاديث الكوفة في قم.  بالنظر إلى حجم روايات الحسين بن يزيد النوفلي وتلاميذه، يمكن إدراك أنه لعب دورًا بارزًا في نشر الحديث وازدهار مدرسة الحديث الشيعية في الري.  سبب هجرة الحسين بن يزيد النوفلي إلى الري غير واضح، ولكن سبب هجرة محمد بن جعفر الأسدي الكوفي (القرن الثالث) إلى الري، كما يظهر من الروايات، هو وكالته في هذه المدينة.  وقد ذُكر من بين “الأبواب”.  وجد التيار الحديثي الكوفي طريقه مرة أخرى إلى هذه المدينة مع إقامته في الري. وكانت ثمرة جهوده الحديثية، بالإضافة إلى التعلم على يد أساتذة مثل محمد بن عثمان بن سعيد العمري، النائب الثاني من النواب الخاصين للإمام المهدي (عج)، تعليم الحديث لعلماء مثل محمد بن يعقوب الكليني.  وتدل الروايات الكثيرة لمحمد بن جعفر الأسدي في الكافي على أهمية دوره في ازدهار مدرسة الحديث الشيعية في الري.
قدم بعض المحدثين إلى الري بعد طردهم من قم بتهمة الغلو، وجلبوا معهم نتاج رحلاتهم الحديثية الشاقة إلى مختلف المدن.  وبهذه الطريقة، انتقل تراث حديثي جدير بالاهتمام من مدن الكوفة وبغداد وقم وغيرها إلى الري.  سهل بن زياد الآدمي مثال لهؤلاء المحدثين.  كان من أكثر المحدثين سفراً في عصره (القرن الثالث)، وكان يتراسل مع الإمام الحسن العسكري (ع) عن طريق محمد بن يحيى العطار.  تلقى الحديث من كبار الشخصيات مثل أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي صاحب كتاب الجامع، وتتلمذ على يده تلاميذ مثل محمد بن يحيى العطار.  محمد بن يحيى العطار من المحدثين المشهورين الذين وصفهم الرجاليون بـ “العين”.  بالنظر إلى حجم روايات سهل وكثرة أساتذته وتلاميذه، فقد لعب دورًا بارزًا في نشر الحديث ونمو مدرسة الحديث الشيعية في الري.  ورغم أن طريقة نقله للحديث انتقدها بعض الرجاليين، إلا أن الكليني وثق به ونقل عنه ١٥٠٠ رواية في الكافي.
مع حضور أصحاب الأئمة (ع) المعروفين مثل عبد العظيم الحسني (ع) (القرن الثالث) في هذه المدينة، ازدهرت مدرسة الحديث الشيعية في الري.  ورغم أنه كان يقيم سراً في سرداب أحد بيوت الشيعة، إلا أن خبر اختفائه وصل إلى جميع الشيعة بعد فترة، وتحول ذلك السرداب إلى محفل علمي للشيعة.  كان من أصحاب الإمام الجواد (ع) والإمام الهادي (ع) والإمام العسكري (ع)، ونشر رواياتهم في الري.  ويكفي في عظمته المعنوية أن زيارته عُدّت بمثابة زيارة الإمام الحسين (ع).  وتدل وصية الإمام الهادي (ع) لأبي حماد الرازي وإرجاعه في المسائل العلمية والدينية إلى عبد العظيم الحسني على مكانته العلمية.
في تأسيس وتنظيم مدرسة الحديث الشيعية في الري، لعبت شخصيات مهمة أخرى من محدثي الري دورًا فاعلاً. بكر بن صالح الرازي (القرن الثاني) من أصحاب الإمام الكاظم (ع)، هو أحد مؤسسي مدرسة الري الحديثية.  قام بتربية العديد من التلاميذ الذين يُعد كل منهم من مشاهير حديث الشيعة.  أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري شيخ القميين هو أحد هؤلاء التلاميذ.  وفي القرن الثالث الهجري، ومع حضور أشخاص مثل علان الكليني من أساتذة محمد بن يعقوب الكليني، وسَلَمَة بن الخطاب، وأبو عبد الله الجاموراني، وعلي بن عباس الجراديني، الذين كان لكل منهم آثار حديثية كثيرة، تهيأت الظروف لنمو هذه المدرسة الحديثية.  كما ساهم محدثون آخرون مثل عطية بن نجيح، وقاسم بن محمد الرازي، ويحيى بن محمد الرازي، والحسن بن عبد الله الرازي التميمي، والحسن بن علي الخياط الرازي، ومحمد بن يوسف المقرئ، على الرغم من قلة منقولاتهم أو عدم النقل عنهم في مصادر الحديث الشيعية، في تكوين ونمو مدرسة الري الحديثية.  بالإضافة إلى حضور المحدثين الشيعة، كان هناك أيضًا متكلمون في هذه المدينة، منهم في القرن الثاني علي بن أحمد بن علي الخزاز الرازي، وفي القرن الثالث محمد بن خلف الرازي، وكذلك المتكلم الحاذق ابن قبة الرازي.
(الرسم البياني لأصحاب ورواة الشيعة في الري حسب الأئمة (ع) في القرنين الثاني والثالث الهجريين)
الإمام عدد الأصحاب والرواة
أصحاب ورواة الإمام الباقر (ع) 3
أصحاب ورواة الإمام الصادق (ع) 9
أصحاب ورواة الإمام الكاظم (ع) 8
أصحاب ورواة الإمام الرضا (ع) 5
أصحاب ورواة الإمام الجواد (ع) 4
أصحاب ورواة الإمام الهادي (ع) 6
أصحاب ورواة الإمام العسكري (ع) 1
النواب والمكاتبون مع الإمام المهدي (عج) 3
ملاحظة: تم استخلاص البيانات للجدول أعلاه من النص الفارسي المصاحب للرسم البياني في الوثيقة الأصلية.
استعراض الفرق والمذاهب الإسلامية في الري
كانت “الري” واحدة من أقدم مدن إيران، ويعود تاريخ ظهورها واستيطانها إلى عصور ما قبل الإسلام. لهذا السبب، عاشت في هذه المدينة مجموعات مختلفة ذات أفكار ومعتقدات متباينة. مع دخول الإسلام وتشكل الفرق الإسلامية، دخل عدد كبير من المسلمين إلى هذه المدينة، وكانوا في بعض الأحيان في صراع وتقابل.
يفيد النقل التاريخي أنه حتى القرن الثالث الهجري، كان للحنفية  والشافعية  حضور بارز بين المذاهب الفقهية لأهل السنة في مدينة الري. ورغم أن المجبرة، والأشاعرة، والكلابية، والجهمية، والمجسمة، وغيرها، كانوا يعتبرون أنفسهم من جملة الشافعية ويعملون بفقده، إلا أن فرقًا كلامية مثل المعتزلة، والنجارية،  والزعفرانية، والمرجئة، كان لها أيضًا حضور فعال في هذه الديار.
يعود انتشار التشيع في الري إلى القرن الثاني الهجري.  وبسبب حضور الأئمة (ع) كمرجع للشريعة، لم يبتلِ الشيعة بالمشاكل التي واجهها أهل السنة في الأصول الإسلامية،  وما أدى إلى الاختلاف والتفرق في الشيعة هو مسألة الإمامة وخصائصها وشروطها.  وفي كل فترة، انفصلت مجموعة عن الجسم الرئيسي للشيعة. وفي بعض فترات خلافة بني العباس، وبسبب المشاكل السياسية والتضييق من قبل الخلفاء على الأئمة (ع)، اختلت العلاقة بين الأئمة (ع) والشيعة، وأصيب عدد من الشيعة بالتردد في معرفة إمامهم، خاصة في الفترة الفاصلة بين شهادة إمام وخلافة الإمام التالي.  وأدى هذا الحدث إلى ظهور فرق مختلفة ذات أفكار غير صحيحة.  ولم تكن “الري” مستثناة من هذا الأمر بسبب موقعها الجغرافي الخاص، وكانت دائمًا مسرحًا للجدالات السياسية وتضارب الآراء.  وفي الري، كانت تعيش ثلاث فرق: الزيدية، والقرامطة – وهم فرع من الإسماعيلية -، والإمامية.
٤. أنشطة مدرسة الري الحديثية في مجال تلقي ونقل الحديث
في زمن رسول الله (ص)، كانت أقواله الكريمة تُعتبر ضرورية لفهم القرآن وإدراك الدين. وبعد وفاته، ومع وجود كبار الصحابة، وخاصة الإمام علي (ع)، استمر هذا الدور. أصبحت الكوفة، بعد استقرار الإمام علي (ع) فيها، مركزًا حديثيًا مهمًا. وبعد شهادة الإمام، شهدت مدينة المدينة المنورة مرة أخرى حضور الأئمة (ع)،  وبلغت ذروة أنشطتها الحديثية، خاصة في فترة الصادقين (ع).  إن انتقال الإمام الهادي (ع) والإمام العسكري (ع) إلى سامراء، وسجن الإمام الكاظم (ع) في بغداد، ولاحقًا حضور النواب الأربعة في هذه المدينة، وفّر الدافع للشيعة للحضور في هاتين المدينتين.  وتحولت هاتان المدينتان إلى مركز لعرض ونقل الحديث.  وشهدت خراسان ازدهارًا مماثلاً إثر سفر الإمام الرضا (ع) إليها.  كان طلاب العلم يقصدون هذه المدن لتعلم الحديث وسنة الرسول الأكرم (ص)، وكذلك للتواصل مع الأئمة (ع) وأنصارهم، والاستفادة من محضرهم.  وفي هذه التنقلات، كان الرواة في مدن مثل قم – لقربها من الري – والأهواز والمدائن – التي كانت من المدن الحدودية – ينخرطون في اكتساب وإلقاء الحديث، وبعد عودتهم إلى مدنهم، كانوا ينقلون ثمرة هذه الرحلات إلى تلاميذهم.  ويُعد سهل بن زياد الرازي نموذجًا لهذه الجموع المشتاقة.  وفي بعض الحالات، كان هؤلاء المحدثون محط اهتمام مهاجرين من مدن أخرى مثل كش وقزوين وغيرها. بعض المحدثين مثل عبد العظيم الحسني (ع) كانوا تلاميذ بارزين تربوا في كنف الإمام الهادي (ع) ونهلوا من معين علمه الفياض، ولكن لأسباب مثل ظلم الحكام، هاجروا إلى مدينة الري، وتسببوا في نشر علوم وأحاديث أهل البيت (ع) في هذه المنطقة.  يمكن القول إن تشكّل الأنشطة الحديثية الشيعية في الري يعود إلى النصف الأول من القرن الثاني، أي فترة الإمام الصادق (ع).  ورغم وجود أفراد بلقب “الرازي” بين أصحاب الإمام الباقر (ع)، مثل أبي هلال الرازي، إلا أن ازدياد ألقاب “الرازي” بين أصحاب الإمام الصادق (ع) يشير إلى تزايد نشاط محدثي الري في هذه الفترة؛  وهي الفترة التي شهدت تدهور حكم بني أمية، وتهيأت الأجواء السياسية المفتوحة للنشاط الشيعي.  إن كثرة الرحلات الحديثية لمحدثي الري في هذه الفترة لاكتساب الحديث، وكذلك رحلات محدثي المدن الأخرى إلى الري لتعليم وتعلم الحديث أو إقامتهم في هذه المدينة، تدل على أهمية هذه المدرسة الحديثية.  وأهم المناطق التي ارتبطت بـ “الري” في تلقي أو نقل الحديث في هذين القرنين، حسب الأهمية وتفصيل القرن الثاني والثالث، هي كالتالي:
١-٤. المدينة المنورة
كانت “المدينة” مركز استقرار الأئمة (ع) ومقصدًا للشيعة، بمن فيهم الرازيون. نجد في مصادر الرجال الشيعية أسماء عدد من الرازيين الذين ذُكروا كأصحاب للأئمة (ع). وهذا يدل على وجود علاقات بين الري والمدينة. في القرن الثاني، وقبل ازدهار حوزة الكوفة الحديثية، كانت حوزة المدينة الحديثية تتمتع بنشاط علمي وحيوية. في هذه الفترة، عاش عدد من الرازيين من أصحاب الأئمة (ع)، بعضهم لم يروِ حديثًا عن الأئمة (ع) في كتب الحديث الشيعية،  مثل أعين الرازي، صاحب الإمام الباقر (ع)، وهشام بن مثنى الرازي وعبد الرحيم بن سليمان الرازي من أصحاب الإمام الصادق (ع)، ومحمد بن سهل البجلي الرازي من أصحاب الإمام الرضا (ع).  وروى آخرون الحديث عن الأئمة (ع) ووردت أسماؤهم في مصادر الحديث الشيعية.
أبو هلال الرازي ونعمان الرازي من رواة الإمام الصادق (ع)، وكانت “المدينة” حوزة تحملهما للحديث.  بكر بن صالح الرازي له ٢٧ رواية عن الإمام الكاظم (ع) في كتب الحديث الشيعية.  وليد بن أبان الضبي الرازي هو أحد أنصار الإمام الرضا (ع).  نقل المحدثون الرازيون في هذه الفترة ٣٤٩ رواية عن مشايخهم المدنيين.  وفي القرن الثالث الهجري، استقبلت المدينة الرازيين بسبب حضور الإمام الجواد (ع).  عبد الرحمن بن محمد بن حماد الرازي وعبد الله بن محمد الرازي من أصحابه، ومحمد بن إسماعيل الرازي وحسن بن عباس بن حريش الرازي، جميعهم من تلاميذ الإمام الجواد (ع) ورووا عنه الحديث.  وقيل إن الأخير عرض كتابه “إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ” على الإمام الجواد (ع).  واستفاد بعض الرازيين، بالإضافة إلى حضورهم محضر الأئمة (ع)، من أساتذة آخرين في المدينة لتلقي الحديث. على سبيل المثال، سليمان بن جعفر بن إبراهيم الجعفري هو أحد الأساتذة المدنيين لمحمد بن إسماعيل الرازي.  وهاجر بعض محدثي المدينة إلى الري وتوفوا في نفس المدينة.  عبد العظيم بن عبد الله الحسني (ع)، صاحب الإمام الجواد (ع) والإمام الهادي (ع) والإمام العسكري (ع)، جاء إلى الري من المدينة بسبب ملاحقة الحكومة واستقر فيها.
كانت حصيلة الروابط الحديثية بين الري والمدينة في هذه الفترة ١٠٦ روايات في مصادر الحديث الشيعية، تلقاها جميعًا الرازيون بصفتهم تلاميذ من مشايخهم الحديثيين في المدينة. ومن الواضح أن عدد روايات الرازيين عن مشايخهم المدنيين في القرن الثالث يمثل تقريبًا ثلث ما كان عليه في القرن الثاني، وهذا يدل على قلة ازدهار مدرسة المدينة الحديثية في هذه الفترة.  وبذلك، انتقلت بعض آثار مشايخ المدينة إلى الري بواسطة المحدثين الرازيين.
٢-٤. الكوفة
كانت “الكوفة” من أهم مناطق العراق التي يقطنها الشيعة، وكان الشيعة يترددون على هذه المدينة.  عُرفت الكوفة بأنها مدينة شيعة علي (ع).  سمّى الإمام علي (ع) هذه المدينة “قبة الإسلام”.  وكان العديد من الأسر الشيعية الطالبة لعلوم أهل البيت (ع) في هذه المدينة، ومن بينهم آل شعبة، وآل أعين، وبنو دراج البجلي الكوفي، وغيرهم.  وكانت الكوفة في زمن الإمام الصادق (ع) أيضًا قاعدة للتشيع، لدرجة أن الحسن بن وشاء قال: “كان نحو ٩٠٠ راوٍ في مسجد الكوفة يقولون: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ”.  بالإضافة إلى ذلك، كان الحديث يصدر في المدينة شفهيًا، ويُنظم ويُدوّن في الكوفة.  وبهذا الوصف، يبدو طبيعيًا أن يتوق المحدثون الشيعة الرازيون للسفر إلى هذه الديار لاكتساب الحديث.
في القرن الثاني الهجري، يمكن اعتبار مرحلتين لتحمل وأداء (إلقاء) الحديث؛ فقد هاجر بعض محدثي الشيعة من الري إلى الكوفة وأخذوا الحديث عن مشايخهم الكوفيين.  على سبيل المثال، استفاد بكر بن صالح الرازي في هجرته إلى الكوفة من أساتذة كوفيين منهم الحسن بن علي بن فضال.  من ناحية أخرى، هاجر بعض المحدثين الكوفيين إلى الري، وبإقامتهم في تلك الديار، مهّدوا لنشر التراث الكوفي في الري. كان الحسين بن يزيد النوفلي أحد الكوفيين الذين هاجروا إلى الري وتوفي فيها.  عندما كان في الكوفة، استفاد من العديد من الأساتذة، بمن فيهم إسماعيل بن أبي زياد السكوني.  روى السكوني عن الإمام الصادق (ع)، والإمام الكاظم (ع)، والإمام الرضا (ع).  له وحده ٤٠٩٣ رواية عن الإمام الصادق (ع)، وهو أكثر مرجع غير شيعي نشاطًا في حديث الشيعة؛  لأن الرجاليين وصفوه بـ “العامي”.
له كتب رواها حسين بن يزيد النوفلي.  نقل النوفلي، مع احتساب المكررات، عن السكوني ٢٩٧١ رواية في مصادر الحديث الشيعية.  وبفضل هذه الهجرات، انتقل جزء من التراث الحديثي الكوفي إلى الري.  وفي هذه المرحلة، تلقى المحدثون الرازيون ٣١٩٨ رواية من مشايخهم الكوفيين.  بعض المحدثين الرازيين، بعد أخذ الحديث من الإمام الصادق (ع) في المدينة، اقتصر نشاطهم على نشر الحديث في الكوفة فقط، ويُحتمل أنهم أقاموا في هذه المدينة لزيادة التواصل مع المحدثين الكوفيين. أبو هلال الرازي ونعمان الرازي من بين هؤلاء المحدثين.  صفوان بن يحيى البجلي هو أحد تلاميذ أبي هلال الرازي الكوفيين.  وهو من أصحاب الإمام الرضا (ع) والإمام الجواد (ع)، وله مؤلفات حديثية كثيرة.  وألقى آخرون الحديث في مدن مختلفة، بما في ذلك الكوفة. موسى بن عمران النخعي من تلاميذ الحسين بن زياد النوفلي الكوفيين، وهو ثقة وله كتاب.  وبدراسة الأسانيد، يتضح دور المحدثين المهاجرين في نشر الحديث. نشر تلاميذ الرازيين الكوفيون ٩٢ رواية في هذه الفترة.
في القرن الثالث الهجري، استفاد المحدثون الرازيون فقط من مشايخ الكوفة، وفي مرحلة إلقاء الحديث، لم يكن لهم تلاميذ كوفيون.  كان بعض المحدثين الرازيين كثيري الأسفار، ونقلوا في أسفارهم تراثًا حديثيًا عظيمًا من مدن مختلفة مثل الكوفة إلى الري. سهل بن زياد من أكثر محدثي الري سفرًا في هذه الفترة، وقد استفاد خلال رحلاته الحديثية الكثيرة، بما في ذلك إلى الكوفة، من العديد من الأساتذة، وجلب ما يقرب من ٣٦٠٠ رواية من الكوفة إلى الري، وتلقى ما يزيد على ١٣٤٠ رواية فقط من أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.  البزنطي هو أحد أساتذة الجاموراني الكوفيين أيضًا؛ فقد أخذ الجاموراني الحديث عنه في سفره إلى الكوفة.  مثال آخر هو إسماعيل بن مهران بن محمد بن أبي نصر، الثقة وكاتب “ثواب القرآن”.  أحد أساتذة محمد بن حسان الرازي الكوفيين هو عبد الله الزينبي الرازي، الذي اكتسب الحديث منه في الكوفة.  كما أن الحسن بن علي الوشاء هو أحد أساتذة صالح بن سلمة أبي حماد الرازي الكوفيين، وهو من وجوه الكوفة وله كتاب “النوادر”.
بعض المشايخ الكبار هم كوفيون بأنفسهم. محمد بن جعفر عون الأسدي الرازي من الكوفيين الذين استقروا في الري.  كان أحد أبواب (نواب) الإمام المهدي (عج)، وعالمًا بالفقه والأخبار والرجال.  وبذلك، لعب المحدثون الرازيون والكوفيون، كل بطريقته، دورًا في نقل التراث الحديثي الكوفي إلى الري.  بلغت روايات الرازيين عن مشايخهم الكوفيين ما يزيد على ٤٦٠٠ رواية، وهو ما يمثل زيادة بنسبة ٣٠٪ مقارنة بالقرن الثاني الهجري.
٣-٤. قم
“قم” هي أول مدينة شيعية في إيران. يعود تاريخ تشيعها إلى الربع الأخير من القرن الأول الهجري، حيث اختارت نهجها المذهبي مع استقرار العرب الأشعريين.  بُعد قم عن مركز الخلافة وانتشار التشيع فيها جعل هذه المدينة ملاذًا للشيعة. روايات الأئمة (ع) في مدح قم، بما في ذلك رواية الإمام الصادق (ع) التي قال فيها: “قُمْ بَلَدُنَا وَبَلَدُ شِيعَتِنَا”، تدل على مكانة هذه المدينة عندهم. التواصل المستمر لمحدثي هذه المدينة مع الأئمة (ع) أدى إلى انتشار علوم أهل البيت (ع) فيها.  قرب هذه المدينة من “الري” مهّد للروابط الحديثية بين محدثي هاتين المدينتين. مع جهود الصادقين (ع)، ازداد عدد الشيعة كماً وكيفاً. بعد شهادة الإمام الصادق (ع)، نشأت خلافات بين الشيعة، وأصبحت الكوفة مركزًا للاتجاهات المختلفة. في هذا الوقت، بدأت مدرسة الكوفة الحديثية في الأفول، وهاجر العديد من محدثي تلك الديار المشهورين إلى قم. حسين بن سعيد الأهوازي من بين هؤلاء المحدثين.
في القرن الثاني، ما يُستفاد من أسانيد الروايات هو أن المحدثين الرازيين لم يستفيدوا من القميين كأساتذة؛  بينما رواية التلاميذ القميين عنهم كثيرة جدًا.  ويعود هذا الأمر إلى الرحلات الحديثية لبعض المحدثين الرازيين أو إقامة بعض المحدثين الكوفيين في الري.  على سبيل المثال، بكر بن صالح الرازي، أحد محدثي الري كثيري الأسفار في هذه الفترة، بعد اكتساب الحديث في المدينة والكوفة وبغداد وغيرها، أقام في قم في طريق عودته إلى مدينته، واكتسب منه الحديث محدثون قميّون بارزون، منهم إبراهيم بن هاشم القمي.  وكذلك وليد بن أبان الضبي الرازي الذي روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري.  ومن المحتمل أن حسين بن يزيد النوفلي أقام في قم في طريق عودته من الكوفة إلى الري؛  لأن محدثين قميّين بارزين، منهم إبراهيم بن هاشم وأحمد بن محمد بن خالد البرقي، يروون عنه.  وبذلك، كان المحدثون الرازيون هم ناقلو التراث الحديثي للكوفة والمدينة وغيرها إلى قم. بلغت روايات التلاميذ القميين عن المحدثين الرازيين ما يزيد على ٣٢٢٨ رواية في كتب الحديث الشيعية.
شهد القرن الثالث الهجري مرحلتين لتحمل وإلقاء الحديث. اتجه بعض المحدثين الرازيين إلى تحمل الحديث عن مشايخ قم. من بينهم علان الكليني الذي نقل الحديث عن أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري.  وكما مرّ، فإن سهل بن زياد هو أحد أكثر المحدثين سفرًا في هذه الفترة. وقد اكتسب الحديث من محدثي قم أيضًا. علي بن ريان بن الصلت هو أحد أساتذته القميين.  وبحسب الرجاليين، عندما كان مقيمًا في قم، طرده أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري من قم بتهمة الغلو والضعف في الروايات. فجاء إلى الري واستقر في تلك المدينة.  تسببت هذه الهجرة في انتشار أحاديث أهل البيت (ع) في الري. أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، بالإضافة إلى سهل بن زياد، طرد أيضًا أبا سمينة وأحمد بن محمد بن خالد البرقي من قم بتهمة الغلو والنقل عن الضعفاء.  أقاموا لفترة قصيرة في الري ومهدوا لنشر قدر كبير من أحاديث الشيعة في الري.  نقل تلاميذ المحدثين القميين الرازيون ما يزيد على ١٢٣٩ رواية.  وفي مرحلة إلقاء الحديث أيضًا، قام المحدثون الرازيون بتربية تلاميذ قميّين.  سعد بن عبد الله القمي هو أحد تلاميذ صالح بن سلمة أبي حماد الرازي القميّين.  أحمد بن إدريس ومحمد بن الحسن الصفار من تلاميذ سلمة بن الخطاب القميّين.  والبرقي أيضًا هو أحد تلاميذ أبي عبد الله الجاموراني.  نقل تلاميذ محدثي الري القميّون ما يزيد على ١٦٢٩ رواية.
٤-٤. بغداد
كانت “بغداد” أحد المراكز العلمية في العالم الإسلامي منذ تأسيسها، ومكانًا لحضور الشيعة وتبادلاتهم العلمية.  الحضور القصير لبعض الأئمة مثل الإمام موسى الكاظم (ع) والإمام الجواد (ع) في هذه المدينة مهّد للحضور المتزايد للشيعة في بغداد.  عندما بدأت مدرسة الكوفة في الأفول، اتجه العديد من محدثيها إلى بغداد.
بدراسة روايات كتب الحديث، يُحتمل أنه في القرن الثاني الهجري، اقتصر تحمل الحديث من قبل المحدثين الرازيين عن الأساتذة البغداديين على بكر بن صالح الرازي.  له عن محمد بن أبي عمير ١١ رواية في كتب الحديث الشيعية.  محمد بن أبي عمير من مشاهير محدثي بغداد، وكان يتمتع بمكانة رفيعة عند علماء الشيعة والسنة.  روى الحديث عن الإمام الرضا (ع) والإمام الجواد (ع)، وبحسب تقرير أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ألّف ٩٤ كتابًا.  وفي مرحلة إلقاء الحديث، يمكن الإشارة إلى تلميذ الحسن بن عبد الله الرازي البغدادي، وهو محمد بن عمر بن محمد بن سالم الجعابي، الذي كان من كبار أهل العلم وحفاظ الحديث، وثقة وله كتاب.  في هذه الفترة، نقل تلاميذ محدثي الري البغداديون ١٢٤ رواية.
في القرن الثالث الهجري، لا يمكن إنكار دور سهل بن زياد في نقل أحاديث البغداديين إلى الري.  فقد ساهم بشكل كبير في إثراء مركز الري الحديثي من خلال الاستفادة من مشايخ بغداديين مثل محمد بن الحسن الشمون، ويعقوب بن يزيد الأنباري، وهارون بن مسلم بن سعدان، وغيرهم.  وكان أولئك المحدثون من الري الذين يُعتبرون من أصحاب الإمام الجواد (ع) على صلة بمحدثي بغداد أيضًا. يروي صالح بن أبي حماد الرازي أيضًا عن محمد بن أبي عمير.  ذهب بعض الرازيين إلى بغداد واستقروا في تلك الديار.  أبو الحسين الرازي (منصور بن عباس) من أصحاب الإمام الجواد (ع) كان مقيمًا في بغداد وتوفي فيها أيضًا.  بلغت روايات المحدثين الرازيين عن أساتذتهم البغداديين ما يزيد على ١١٤٩ رواية. في هذه الفترة، لم يكن للمحدثين الرازيين تلاميذ بغداديون.
٥-٤. الأهواز
كانت “الأهواز” دائمًا أحد المراكز الرئيسية للشيعة الإمامية في إيران، ويعود تاريخ تشيعها إلى القرن الأول الهجري. كان تشيع الأهواز بسبب صلتها الوثيقة بالكوفة وتردد سكانها على الأهواز.  قرب هاتين المدينتين وفّر أسرع الظروف للعلاقات العلمية والتبادلات الثقافية في الأهواز.  في سلسلة أسانيد روايات المحدثين الرازيين، تظهر أسماء بعض المحدثين الأهوازيين. مثال على هذه الصلة يعود إلى اثنين من الشيعة والمحدثين البارزين الأهوازيين، وهما الحسين بن سعيد الأهوازي والحسن بن سعيد الأهوازي، وكلاهما ابنا سعيد بن حماد بن سعيد من موالي الإمام السجاد (ع)، ووُصفا بـ “الكوفي الأهوازي”.  الحسين بن سعيد، المعروف بامتلاكه ٣٠ كتابًا، ذهب بعد الأهواز إلى قم ودُفن فيها.
في القرن الثاني، كان بكر بن صالح الرازي فقط، كأحد أبرز رواة الري في جمع الأحاديث من محدثي الأهواز، يقوم بتحمل وإلقاء الحديث.  في سفره إلى الأهواز، أخذ الحديث عن الحسن بن سعيد. كما روى عنه في مرحلة إلقاء الحديث علي بن مهزيار والحسين بن سعيد.  علي بن مهزيار أيضًا من الأسر العلمية المعروفة في الأهواز، ورسالة الإمام الجواد (ع) إليه تدل على شأنه ومكانته عند ذلك الإمام.  أخذ بكر بن صالح ٦ أحاديث ونقل ١٥ رواية أيضًا.
في القرن الثالث، كان سهل بن زیاد ناقل الآثار الحدیثیة الأهوازیة إلى الري.  روى فقط عن علي بن مهزیار.  بلغت الروایات المأخوذة عنه ١٢١ روایة. استفاد أیضًا من حسین بن سعید الأهوازي. یُحتمل أنه كان مقیمًا في قم في هذه الفترة؛ لذا، عُدّ من بین أساتذة سهل القمیین. نقل علي بن مهزیار عن مخلد بن موسى الرازي روایتین.
٦-٤. البصرة
البصرة إحدى مدن العراق، وكانت ذات ميول عثمانية.  حضور أبي موسى الأشعري كعامل في البصرة مهّد لكثير من البدع والانحرافات الفكرية.  حضور بعض محبي أهل البيت (ع) في هذه المدينة غيّر من وضعها قليلاً.  وكان المحدثون الرازيون يترددون على هذه المدينة أيضًا. ورغم أنه في القرن الثاني الهجري لم يكن للرازيين ارتباط بالبصرة، إلا أنهم في القرن الثالث نشطوا في كل من أخذ الحديث ونقله. على سبيل المثال، كان إسحاق بن أحمد النخعي أستاذًا بصريًا لمحمد بن جعفر الأسدي الرازي.  أحمد بن محمد السياري أيضًا تلميذ بصري لمحمد بن إسماعيل الرازي.  في مرحلة تحمل الحديث، أخذ الرازيون ما يزيد على ١١٠ روايات من مشايخهم البصريين وألقوا عليهم ٢٢ رواية.
٧-٤. سامراء
تأسست “سامراء” في نهاية الثلث الأول من القرن الثالث الهجري، وأصبحت عاصمة للدولة العباسية.  بعد فترة، استدعى المتوكل العباسي الإمام الهادي (ع) إلى هذه المدينة، ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه المدينة مكانًا لتجمع الشيعة وقيادتهم.  قضى الإمام الحسن العسكري (ع) أيضًا فترة عمره القصيرة في هذه المدينة. على الرغم من البيئة غير الآمنة والخناق الحاكم على سامراء، كان الشيعة يتواصلون بطرق مختلفة مع الإمام الهادي (ع) والإمام الحسن العسكري (ع). بعض المحدثين الأجلاء الذين كانوا يعيشون في الري كانوا من بين أنصار هذين الإمامين. كان عبد العظيم الحسني (ع) من أصحاب هذين الإمامين العزيزين وموضع ثقتهما.  عندما كان عبد العظيم الحسني (ع) في المدينة وسامراء في خدمة الإمام الهادي (ع)، عرض عليه في جلسات متعددة معتقداته وأفكاره الدينية والمذهبية.  كان جعفر بن أحمد بن وندك الرازي من رجال الإمام الهادي (ع).  عُدّ صالح بن سلمة أبي حماد من بين أصحاب هذين الإمامين.  أبو الحسين الرازي، وأبو العباس الرازي، وأبو عبد الله الزينبي الرازي، جميعهم كانوا من أصحاب الإمام الهادي (ع).  وكان محمد بن يزداد الرازي أيضًا من أصحاب الإمام الحسن العسكري (ع).  بالإضافة إلى المصاحبة الحضورية لبعض محدثي الري معهم، كانت لهم علاقات مكاتبة، مثل سهل بن زياد الذي كان يتراسل مع الإمام الحسن العسكري (ع) بواسطة محمد بن يحيى العطار.  وبذلك، انتقلت ٣١ رواية من سامراء إلى الري.  ولم يقم المحدثون الرازيون بإلقاء الحديث على محدثي سامراء.
٨-٤. المدائن
كانت المدائن من المدن الشيعية. بعض آثار محدثي المدائن نقلها محدثو الري إلى الري. أخذ سهل بن زياد الحديث عن محمد بن عمرو بن سعيد الزيات المدائني وخيران الخادم القراطيسي. مجموع الروايات المنقولة من المدائن إلى الري ٥١ رواية.
٩-٤. خراسان وكش
كانت خراسان من المناطق الشيعية ومحل حضور وتردد محدثي الري. عبد العظيم الحسني (ع)، الذي يبدو أنه ذهب إلى خراسان في سفره من المدينة إلى الري لزيارة الإمام الرضا (ع)، روى عن إبراهيم بن أبي محمود الخراساني. الروايات المنقولة من خراسان ١٣ رواية فقط، قام بها جميعًا عبد العظيم الحسني (ع)، ولم يتم أي إلقاء للرواية. كانت “كش” أيضًا مسكنًا للشيعة والمحدثين، وفي سلسلة أسانيد محدثي الري، سُجّل محدثو كش كجامعي أحاديث الري. حمدويه بن نصير وإبراهيم بن نصير تلميذا محمد بن إسماعيل الرازي،  وعثمان بن حامد الكشي تلميذ محمد بن يزداد الرازي، نقلوا في المجموع ٨ روايات من الري إلى كش.
١٠-٤. قزوين
كان تلاميذ محمد بن جعفر الأسدي الرازي القزوينيون هم ناقلو التراث الحديثي للري إلى قزوين، وفي هذا السياق، نُقل ما مجموعه ١٧ رواية. أحد هؤلاء التلاميذ هو علي بن حاتم القزويني. بدراسة روايات كتب الحديث، يبدو أن أخذ الحديث من قبل محدثي الري من هذه المنطقة لم يحدث.
٥. تراث مدرسة الشيعة الحديثية في الري
نظراً للرحلات الحديثية لمحدثي الشيعة من الري إلى مناطق شيعية أخرى، وإقامة أصحاب الأئمة (ع) البارزين في الري وتعليمهم للباحثين المشتاقين في هذه المدينة، وهجرة بعض الشخصيات الحديثية إلى هذه الديار وجهودهم وسعيهم، ظهرت آثار في مختلف فروع الحديث تعبر عن الفكر الشيعي.  لعبت هذه الجهود دورًا حيويًا وبناءً في تشكيل المجاميع الحديثية الشيعية في القرون اللاحقة.  في هذه الفترة، كانت موضوعات كتب الحديث تتخذ أشكالاً مختلفة حسب ظروف واحتياجات أهل العلم والمجتمع.  يمكن حصر الكتب المنتجة في هذه الفترة في دراسات متخصصة (تك نگاري) ألفها المحدثون في موضوعات مختلفة فقهية، وكلامية، وعقائدية، وأخلاقية، وغيرها.
١-٥. النوادر
تعود معظم الكتابات في هذه الفترة إلى تأليف كتب باسم “النوادر”.  “النوادر” عنوان عام لمجموعة من كتب الحديث في القرون الإسلامية الأولى عند الإمامية، والتي تضمنت أحاديث غير مشهورة أو أحاديث مشتملة على أحكام غير متداولة وغير متعارف عليها.  في القرن الثاني، كان بكر بن صالح صاحب كتاب النوادر، الذي وصل إلى قم عن طريق محمد بن خالد البرقي.  وفي القرن الثالث، بادر سلمة بن الخطاب، وسهل بن زياد الآدمي، وصالح بن سلمة أبي حماد الرازي، ومنصور بن عباس الرازي أيضًا إلى تأليف النوادر.
٢-٥. الكلام
في موضوع “الكلام”، ألّف بكر بن صالح في القرن الثاني الهجري كتابًا باسم “في درجات الإيمان والكفر”. وفي القرن الثالث الهجري، ألّف سهل بن زياد كتاب “التوحيد”.  كما ورد ذكر كتاب لجعفر بن أحمد بن وندك باسم “الإمامة”.  وكذلك، كان لمحمد بن إسماعيل الرازي (المعروف بصاحب الصومعة) كتاب باسم “التوحيد” رواه تلميذه محمد بن جعفر الأسدي.  وكان لمحمد بن جعفر الأسدي أيضًا كتاب باسم “الرد على أهل الاستطاعة” رواه التلعكبري.  وكان لحسن بن عباس بن حريش الرازي كتاب باسم “إنا أنزلناه في ليلة القدر” سماه الشيخ الطوسي “ثواب إنا أنزلناه” وجلبه محمد بن خالد البرقي إلى قم.  كتاب “الرد على السلمانية” يعود لعلي بن عباس الجراذيني، رواه محمد بن الحسن الطائي الرازي.  محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي، المتكلم الإمامي في هذه الفترة، كانت له كتب في مجال الكلام بأسماء “الإنصاف في الإمامة”، و”الرد على الزيدية”، و”المستثبت (نقض كتاب أبي القاسم البلخي)”، و”الرد على أبي علي الجبائي والمسألة المفردة في الإمامة”.  وكان لمحمد بن خلف الرازي المتكلم أيضًا كتاب عن الإمامة.
٣-٥. الفقه
في مجال “الفقه”، كان لبكر بن صالح الرازي في القرن الثاني كتاب باسم “الاستغفار والجهاد”.  وألّف حسين بن يزيد النوفلي كتابين بعنوان “التقية” و”السنة”، نقلهما إبراهيم بن هاشم إلى قم.  وفي القرن الثالث، ألّف سلمة بن الخطاب كتب “ثواب الأعمال”، و”عقاب الأعمال”، و”السهو”، و”القبلة”، و”الحيض”، و”الحج”، و”ثواب الحج”، و”المواقيت”، و”نوادر الصلاة”، و”افتتاح الصلاة”.  كما ورد ذكر كتاب “الصيام” له.  وألّف محمد بن حسان الرازي أيضًا كتب “ثواب القرآن”، و”العقاب”، و”ثواب إنا أنزلناه”، و”ثواب الأعمال”، و”الشيخ والشيخة”، نقلها أحمد بن إدريس القمي إلى قم.
٤-٥. الأخلاق
في موضوع “الأخلاق”، ورد ذكر كتاب واحد فقط في القرن الثالث باسم “الآداب والمرويات” يعود لعلي بن عباس الجراذيني.
٥-٥. كتابة السيرة وتدوين التاريخ
تعد جهود المحدثين في كتابة السيرة وتدوين التاريخ جديرة بالاهتمام أيضًا.  ففي القرن الثالث، أُلّفت كتب في هذا المجال. “مولد الحسين بن علي (ع) ومقتله” وكذلك “وفاة النبي” من آثار سلمة بن الخطاب، التي نُقلت إلى قم بواسطة عدد من القميين، بمن فيهم هو.  وكان لأبي حماد الرازي أيضًا كتاب باسم “خطب أمير المؤمنين (ع)” نقله سعد بن عبد الله القمي إلى قم.  وكان لعبد العظيم الحسني (ع) أيضًا كتاب بهذا الاسم.
٦-٥. الرجال
نشط محدثو الري في مجال علم “الرجال” أيضًا وألّفوا فيه آثارًا.  كان لعلي بن عباس الجراذيني كتاب باسم “الممدوحين والمذمومين”.
٧-٥. كتابة الغيبة
بما أن موضوع غيبة الإمام المهدي (عج) كان محط اهتمام الشيعة، وفي مواجهة السنيين أصبح هاجسًا لهم، وُجد في القرن الثالث كتاب باسم “أخبار القائم (عج)” من تأليف علان الكليني، رواه الشيخ الكليني.
٨-٥. التفسير المأثور
التفسير المأثور نوع آخر من الكتابات في القرن الثالث.  كتاب “تفسير الياسين والجواهر” لسلمة بن الخطاب مثال على هذا النوع من الآثار.
٩-٥. كتابة النسخ
بالإضافة إلى ما ذُكر، كان لعبد الله بن محمد بن علي التميمي في القرن الثاني الهجري نسخة عن الإمام الرضا (ع).  وذكر الرجاليون أسماء بعض المحدثين الذين كانت لهم كتب ولكن لم تُذكر أسماء كتبهم.  أبو هلال الرازي من محدثي القرن الثاني، وأبو عبد الله الجاموراني من محدثي القرن الثالث، هم من هذه الفئة.
إن تأليف هذه الآثار المتنوعة والمتعددة كلها دليل على إقامة ندوات علمية في الري؛ ورغم أنه لا يوجد في المصادر التاريخية وغيرها تقرير واضح عن حلقات حديث محدثي الشيعة في الري، إلا أننا نعلم أنه مع حضور محدثين بارزين في الري، كانت مجالس الحديث تُعقد بلا شك؛ وإن كانت هذه الجلسات غير علنية بسبب الخناق الحكومي الشديد وتقية الشيعة.
(الرسم البياني للتراث الحديثي الشيعي في القرنين الثاني والثالث)
نوع الكتاب كتب القرن الثاني كتب القرن الثالث
عقائدية 0 4
النوادر 1 4
فقه 2 17
أخلاق 0 1
تاريخ ورجال 0 4
كتابة الغيبة 0 1
تفسير مأثور 0 1
نسخة 1 0
كلامية 1 7
المجموع (تقريبي) 5 39
ملاحظة: تم استخلاص البيانات للجدول أعلاه من النص الفارسي المصاحب للرسم البياني في الوثيقة الأصلية، مع العلم أن الأرقام على المحور العمودي في الرسم البياني الأصلي قد تشير إلى عدد الكتب أو عدد المؤلفين، وقد تم تقدير الأرقام بناءً على الأعمدة الظاهرة.
٦. التصنيف العام لروايات مدرسة “الري” الحديثية
أدى رفع منع تدوين الحديث، وانقراض الأمويين، والحرية النسبية لأهل الري إلى زيادة ميل أهل هذه الديار إلى التشيع. يمكن اعتبار دور الرازيين الذين كانوا من أصحاب الأئمة (ع) وصلتهم بالأئمة (ع)، وحضور الصحابي الجليل للإمام الهادي (ع) (عبد العظيم الحسني (ع)) في الري، قرائن على تشكل أُسس مدرسة الري الحديثية. لم تُطرح مدرسة الري الحديثية حتى القرن الثالث، على الرغم من حضور شخصيات حديثية بارزة، كمدرسة ذات فكر جديد ومختلفة عن المدارس الحديثية الأخرى.  وتشهد سيرة وحياة وروايات محدثي هذه الفترة على هذه الحقيقة. تدل دراسة وتتبع أنواع روايات محدثي الري على زيادة الروايات الفقهية مقارنة بالفئات الأخرى. يبلغ حجم الروايات الفقهية في هذه المدرسة الحديثية ما يزيد على ٢٠٠٤٠ رواية في كتب الحديث، وهو ما يشكل تقريبًا ٨٩٪ من حجم روايات كتب الحديث.  تبلغ الأحاديث العقائدية لهذه المدرسة الحديثية ١٥٢٣ رواية، وهو ما يمثل تقريبًا ٧٪ من روايات كتب الحديث.  تشمل الروايات الأخلاقية لهذه المدرسة الحديثية ١٦٤ رواية، وهو ما يشكل تقريبًا ١٪ من روايات كتب الحديث.  تبلغ الروايات المتفرقة لمدرسة الري الحديثية ٧٨٣ رواية، وهو ما يمثل تقريبًا ٣٪ من روايات كتب الحديث.  أدى التعايش السلمي بين أهل السنة والشيعة في هذه المدينة والمباحثات الكلامية بينهم، وعصر الغيبة وحيرة الشيعة، إلى نوع من الحركة نحو العقلانية والاجتهاد بين محدثي هذه الحوزة الحديثية، مما أدى إلى تأليف كتب كلامية في هذه الفترة.  من ناحية أخرى، اتجه محدثو هذه المدرسة الحديثية أيضًا نحو مباحث أصول الدين، وكانت ثمرة ذلك تأليف قسم “الأصول” من الكافي للكليني في القرن الرابع الهجري.
٧. الخلاصة
تشير نتائج البحث الحالي في إعادة بناء مدرسة الري الحديثية في القرنين الثاني والثالث الهجريين من خلال رواة الحديث الرازيين إلى ما يلي:
١- كان تحول معظم أهل الري إلى النصب نتيجة مشؤومة جلبها لهم بنو أمية.  في الفترة التي ضعف فيها الأمويون وكانوا في صراع على السلطة مع بني العباس، حدث انفراج سياسي أتاح، من خلال تردد شيعة الري على الأئمة (ع)، وحضور أصحاب الأئمة (ع) في الري، وهجرة الشيعة الفارين من جهاز الحكم إلى تلك الديار، تهيئة الظروف لنمو وانتشار التشيع.
٢- يدل لقب “الرازي” بين أصحاب الأئمة (ع) على حضور الشيعة في القرن الثاني الهجري في الري، والذي شهد نموًا ملحوظًا حتى القرن الثالث.
٣- تروي دراسة كتب الرجال والفهارس والتاريخ وغيرها قصص جهود ومثابرة منقطعة النظير لمحدثي الري، الذين سافروا من مدينة إلى أخرى لتعلم الحديث وأنتجوا آثارًا حديثية قيمة.
٤- شهدت مدينة الري في بعض المراحل التاريخية نموًا لمذاهب وفرق متنوعة.  أدى حضور أصحاب بعض المذاهب الفقهية لأهل السنة والفرق الفقهية والكلامية في هذه المدينة إلى تضارب الأفكار، وبالتالي إلى الحيوية والنضج والازدهار العلمي.  أدى الاختلاف الفكري الواسع في العصر العباسي إلى ظهور العديد من الاصطفافات. كانت كتابة الردود والنقوض نتيجة للجو الفكري والاجتماعي السائد في تلك الفترة في الري.
٥- تشكل الروايات الفقهية لمدرسة الري الحديثية، مقارنة بالأنواع العقائدية والأخلاقية، الحجم الأكبر من كتب الحديث بنسبة ٨٩٪ من حيث كثرة النقل.
٦- من خلال عمليات نقل وانتقال الحديث بواسطة أساتذة وتلاميذ مدرسة الري الحديثية، ومن بين إجمالي ١٠٨٧٨ رواية نقلها محدثو الري، استحوذت الروايات العائدة لأساتذة الكوفة على الحجم الأكبر بكثرة بلغت ٧٧٩٨ رواية، ويمكن القول إن مدرسة “الري” الحديثية تأثرت بشكل كبير بمدرسة الكوفة الحديثية.  ومن بين ٥١٣٧ رواية أُخذت عن محدثي الري، لعب التلاميذ القميون الدور الأكبر بـ ٤٨٥٧ رواية.
المصادر
ابن الأثير الجزري، عز الدين، الكامل في التاريخ، بيروت، دار صادر، ١٣٨٥هـ.ق.
ابن عبد ربه الأندلسي، أحمد بن محمد، العقد الفريد، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤١٧هـ.ق.
أحمدي، محمد حسين، “نواب اربعه وشخصيت اجتماعى آنان”، سيماى تاريخ، ٤ (١٣٩٠): ٣٣-٥٤.
الأردبيلي، محمد علي، جامع الرواة، بيروت، دار الأضواء، ١٤٠٣هـ.ق.
الاسترآبادي، محمد بن علي، منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، ١٤٢٢هـ.ق.
الأبطحي، السيد محمد علي، تهذيب المقال، قم، مطبعة الآداب، الطبعة الثانية، ١٤١٧هـ.ق.
أيوزخاني، رقية، بازسازى مدرسه حديثى شيعه در رى از آغاز تا پايان قرن سوم هجرى، رسالة ماجستير، طهران، جامعة القرآن والحديث، پرديس طهران، ١٣٩٩هـ.ش.
البرقي، أحمد بن محمد، الرجال، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، قم، النشر الإسلامي، ١٤١٩هـ.ق.
الجباري، محمدرضا، مكتب حديثى قم، قم، زائر، ١٣٨٤هـ.ش.
جعفريان، رسول، تاريخ تشيع در ايران از آغاز تا پايان قرن نهم هجرى، طهران، علم، ١٣٩٥هـ.ش.
الحسيني التفرشي، السيد مصطفى، نقد الرجال، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، ١٤١٨هـ.ق.
الحلي، الحسن بن يوسف، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، قم، فقاهت، الطبعة الثانية، ١٤٢٢هـ.ق.
الحموي، ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان، بيروت، دار صادر، ١٣٧٦هـ.ق.
خرمشاهي، بهاء الدين أحمد وكامران فاني وأحمد صدر حاج سيد جوادي، دائرة المعارف تشيع، طهران، حكمت، ١٣٩١هـ.ش.
الخضري، السيد أحمد رضا، تاريخ خلافت عباسى از آغاز تا پايان آل بويه، طهران، سمت، ١٣٧٨هـ.ش.
الخوئي، السيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث، قم، مركز نشر آثار الشيعة، ١٤١٠هـ.ق.
محمدي ري شهري، محمد ومهدي مهرريزي ورضا بابائي ومحمد قنبري، دانشنامه رى، قم، دار الحديث، ١٣٩٧هـ.ش.
رجبي دواني، محمد حسين، كوفه ونقش آن در قرون نخستين اسلامى، طهران، دانشگاه امام حسين (ع)، ١٣٩٧هـ.ش.
ستار، حسين، وسيد محمد موسوي، وسيد أمير إلياس موسوي، “اثر پذيرى كلينى از پيشينيان در تدوين وتبويب اصول الكافى (مورد پژوهى؛ كتاب عقل وجهل»، ايمان وكفر» و «حجت»)”، مطالعات فهم حديث، ٨، ١٦ (١٤٠١): ٩-٣١.
شفيعي، سعيد، مكتب حديثى شيعه در كوفه از آغاز تا پايان قرن سوم هجرى، رسالة ماجستير، طهران، دانشگاه تربيت مدرس، ١٣٨٥هـ.ش.
الشوشتري، محمد تقي، قاموس الرجال، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٠هـ.ق.
الصدوق، محمد بن علي، علل الشرايع، مقدمة: محمد صادق بحر العلوم، النجف، مكتبة الحيدرية، ١٣٨٥هـ.ق.
ــــــ، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، قم، شريف رضي، ١٣٦٨هـ.ش.
الصفار القمي، أبو جعفر محمد بن الحسن، بصائر الدرجات، تحقيق: محسن كوجه باغي، طهران، أعلمي، ١٤٠٤هـ.ق.
الطباطبائي، السيد محمد كاظم، تاريخ حديث شيعه، طهران، سمت، ١٣٨٨هـ.ش.
الطوسي، محمد بن الحسن، الرجال، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤٢٠هـ.ق.
ــــــ، الفهرست، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني، قم، نشر الإسلامي، ١٤١٧هـ.ق.
الطهراني، آقا بزرگ، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، قم، إسماعيليان، ١4٠٨هـ.ق.
العطاردي، عزيز الله، مسند الإمام الكاظم (ع)، بيروت، دار الصفوة، ١٤١٣هـ.ق.
ــــــ، مسند الإمام الهادي (ع)، بيروت، دار الصفوة، الطبعة الثانية، ١٤١٣هـ.ق.
ــــــ، مسند الإمام الرضا (ع)، بدون مكان، مكتبة الصدوق، ١٣٩٢هـ.ق.
الغضائري، أحمد بن الحسين، الرجال، تحقيق: السيد محمد رضا الحسيني الجلالي، قم، دار الحديث، ١٣٨٠هـ.ش.
غلامعلي، مهدي، سبك شناسى كتابهاى حديثى، طهران، سمت، ١٣٨٨هـ.ش.
فيروزمندي بندجي، جعفر، وزهرة نريماني، “نقش مفاخر شيعه در نشر حديث در رى”، پژوهشنامه علوم حديث تطبيقى، ٧ (١٣٩٦): ٤٣-٧٢.
القمي، عباس، سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار، قم، أسوة، ١٤١٤هـ.ق.
كريمان، حسين، رى باستان، طهران، دانشگاه ملى ايران، الطبعة الثانية، ١٣٥٤هـ.ش.
ــــــ، رى باستان، طهران، دانشگاه شهيد بهشتى، ١٣٧١هـ.ش.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، محقق: علي أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧هـ.ق.
لويس، برنارد، تاريخ اسماعيليان، ترجمة: فریدون بدره ای، بدون مكان، توس، ١٣٦٣هـ.ش.
المجلسي، محمد تقي، لوامع صاحبقرانى، قم، إسماعيليان، الطبعة الثانية، ١٤١٤هـ.ق.
المحدث النوري، حسين، مستدرك الوسائل، تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، قم، مؤسسة آل البيت، الطبعة الثانية، ١٣٦٨هـ.ش.
مددي، السيد أحمد، “مكتب ها وحوزه هاى حديثى واعتبار سنجى احاديث”، رهنامه پژوهش، ٢٣ و ٢٤ (١٣٩٥): ٧٥-٨١.
معرفت، محمد هادي، تفسير ومفسران، قم، التمهيد، ١٣٧٩هـ.ش.
المفيد، محمد بن محمد، أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، بيروت، دار المفيد، الطبعة الثانية، ١٤١٤هـ.ق.
المقدسي، محمد بن أحمد، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ترجمة: علي نقي منزوي، طهران، مؤلفان ومترجمان ايران، ١٣٦١هـ.ش.
مهدوي، حسن، “بررسى شخصيت رجالى – حديثى سهل بن زياد”، فقه اهل بيت، ٨٨ (١٣٩٥): ١٧٥-٢١٠.
ميرجليلي، علي محمد، وأحمد زارع زرديني، ومحمد مهدي خيبر، “تعامل حوزه حديثى مدائن با ديگر مراكز حديثى در سده دوم وسوم هجرى”، مطالعات فهم حديث، ٨، ١٦ (١٤٠١): ١٩٧-٢٢١.
النجاشي، أحمد بن علي، الرجال، تحقيق: محمد جواد النائيني، بيروت، دار الأضواء، ١٤٠٨هـ.ق.
نريماني، زهرة، شناخت وبررسى مكاتب حديثى شيعه (بغداد ورى تا پايان قرن پنجم هجرى)، رسالة ماجستير، قم، دانشگاه قم، ١٣٨٤هـ.ش.
نيومن، أندرو جي، دوره شكل گيرى تشيع دوازده امامى، ترجمة: مهدي طالبي ومحمدرضا أمين وحسن شكرالهي، قم، شيعه شناسى، ١٣٨٦هـ.ش.
Scroll to Top