تحليل نقدي للآراء الكلامية للشريف الرضي حول الله في كتاب تلخيص البيان عن مجازات القرآن

الملخص: الشريف الرضي، الأديب والعالم الشيعي البارز في القرن الرابع، الذي اشتهر بجمعه لكتاب نهج البلاغة، له تفسير كبير للقرآن الكريم بعنوان “حقائق التأويل في متشابه التنزيل”، أودع خلاصته في كتاب “تلخيص البيان عن مجازات القرآن”. وبما أنه كان تلميذاً للقاضي عبد الجبار الهمداني في علم الكلام، ومطّلعاً بشكل كامل على آراء المعتزلة، فقد أوَّل الآيات الموهمة للتشبيه والتجسيم والتجوير وفقاً للمنهج المعتزلي. في هذا المقال، وضمن تتبع آرائه الكلامية حول أفعال الله وصفاته، نسعى إلى نقد نظرياته، خصوصاً فيما يتعلق بمدى المجاز في تفسير آيات القرآن الكريم، في ضوء الآراء المنافسة. وبناءً على ذلك، فإن أهم النقاط التي تم إغفالها في عقلانية الشريف الرضي الاعتزالية، والتي أدت إلى إفراطه في التأويل، هي: إمكانية الحمل على الاستعارة التمثيلية والتفسير التمثيلي، والتفسير القائم على حقيقة باطن العالم، والتفسير المعتمد على روح المعنى.

المقدمة

من الموضوعات التي حظيت باهتمام المفكرين منذ القدم، اختلاف الفهوم والمعتقدات الدينية المستندة إلى النصوص الدينية. وفي هذا السياق، وعند تحليل الآراء الكلامية للعلماء المسلمين، يجب القول إن النصوص الدينية، سواء القرآن الكريم أو الروايات، كانت تحتمل قبول كل من الآراء المتنافسة. فإذا كان دعاة التنزيه يتخذون من آيات مثل “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” (الشورى: ١١) و”لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ” (الأنعام: ١٠٣) أصلاً، فإن مخالفيهم كانوا يتمسكون بآيات مثل “الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” (طه: ٥) و”وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” (القيامة: ٢٢-٢٣). وإذا كان الجبريون يستدلون بآيات مثل “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ” (يونس: ١٠٠)، فإن القائلين بالاختيار كانوا يستحضرون آيات مثل “فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف: ٢٩).

فيما يتعلق بالآيات والروايات الموهمة للتجسيم والتشبيه، فإن ما كان يدفع العلماء إلى الاختيار بين الإبقاء على ظاهر النص أو تأويله هو توسيع أو تضييق نطاق المجاز بناءً على أصولهم العقلية أو النقلية المقبولة. وعلى هذا الأساس، يرى عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١ هـ)، أحد أبرز علماء البلاغة في القرن الخامس، أن آفة عدم المعرفة الصحيحة بالمجاز وأقسامه هي الإفراط أو التفريط في تفسير النصوص الدينية. ففي جانب التفريط، يحمل المفسر آيات مثل “وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا” (الفجر: ٢٢) و”الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” (طه: ٥) على ظاهرها، مما يستلزم التشبيه والتجسيم. وفي جانب الإفراط، يمعن في التأويلات الغريبة والوجوه التفسيرية البعيدة، بحيث لا يحتمل اللفظ المعاني المقدمة بأي وجه.

وهذا الأمر لا يقتصر على الكلام الإسلامي. يؤكد هاري ولفسون (١٨٨٧-١٩٧٤)، الفيلسوف اليهودي، أنه على الرغم من كثرة العبارات التشبيهية عن الله في الكتاب المقدس والتراث التلمودي، فإن العلماء اليهود، بل وعامتهم، لم يحملوها على معانيها الحرفية. ويستشهد في هذا الصدد ببعض التقارير الواردة في كتب علماء اليهود في العصور الوسطى حول الاعتقاد بتشبيه الله، والتي يتكلف في تأويلها أحياناً.

في هذه المقالة، نعتزم دراسة الآراء الكلامية المنعكسة في تفسير أحد أبرز علماء الإمامية في القرن الرابع، وهو الشريف الرضي (٣٥٩-٤٠٦ هـ)، الذي يشتهر بجمعه لنهج البلاغة وموهبته الشعرية الفذة، وذلك في مجال الصفات والأفعال الإلهية. كان قد درس علم الكلام على يد القاضي عبد الجبار (ت ٤١٥ هـ)، كبير معتزلة عصره البهشميين، وله تفسير كبير للقرآن الكريم بعنوان “حقائق التأويل في متشابه التنزيل”، لم يصلنا منه للأسف سوى المجلد الخامس (من سورة آل عمران إلى الآية ٤٨ من سورة النساء). ثم استخلص من هذا الكتاب مختصراً بعنوان “تلخيص البيان عن مجازات القرآن”، والذي يشمل جميع سور القرآن، وسيكون تركيزنا في هذه المقالة على هذا الكتاب. بعد استعراض الدراسات السابقة وإلقاء نظرة سريعة على انتماءات الشريف الرضي الكلامية، سنبحث أولاً رأيه في المجاز الذي له دور حاسم في بحثنا، ثم نستخرج آراءه الكلامية في مجال الصفات والأفعال الإلهية من ثنايا كتابه بشكل مصنف، ونقوم بنقدها بعد مقارنتها بآراء المعتزلة.

في استعراض للدراسات السابقة حول هذا الموضوع، لم نجد سوى مقالتين مرتبطتين. الأولى مقالة لقاسم بور ولواساني (١٣٩٥ هـ.ش) قارنا فيها بين المنهج التفسيري العقلي للشريف الرضي والزمخشري من خلال دراسة الآيات ٧ و٨ و٦٠ و٦١ من سورة آل عمران. بالإضافة إلى أن هذه الآيات لا تعكس آراء هذين المفسرين الكلامية حول الصفات والأفعال الإلهية، فمن الواضح أنه بسبب محدودية الآيات المختارة، لم يكن بالإمكان تقديم صورة واضحة عن دور آراء الشريف الرضي الكلامية في تفسير القرآن الكريم. أما قربان بور وجلالي ورستمي (١٣٩٦ هـ.ش)، ففي مقالتهم “عقلانية السيد الرضي في التفسير”، بعد تقسيمهم لمنهج التفسير العقلي إلى عقل أداتي وعقل مصدري، يزعمون أننا قلما نشهد في تفسير الشريف الرضي استخداماً للدور المستقل للعقل في فهم الآيات، بل نرى في الغالب وظيفة أداتية للعقل في التفسير. ويذكرون اعتبار بعض الآيات استعارية بناءً على الأحكام العقلية القطعية كأحد موارد استخدام العقل الأداتي في تفسير الشريف الرضي. وكما يلاحظ، لم تبحث الدراسات السابقة بشكل مفصل في الآراء الكلامية للشريف الرضي حول الصفات والأفعال الإلهية في تفسير القرآن. في هذه المقالة، سنقوم بدراسة هذه الآراء ونقدها في ضوء الآراء المنافسة.

١. المدرسة الكلامية للشريف الرضي ورأيه في المجاز

كما ذكرنا، كان الشريف الرضي تلميذاً في علم الكلام للقاضي عبد الجبار الهمداني (ت ٤١٥ هـ)، كبير معتزلة عصره البهشميين، وقد قرأ عليه كتب “شرح الأصول الخمسة”، و”تقريب الأصول”، و”العمدة في أصول الفقه”. إن إلقاء نظرة على كتاب “تلخيص البيان عن مجازات القرآن” للشريف الرضي يكشف عن تأثير أدبيات الكلام المعتزلي عليه. فإطلاق اسم “القديم” و”الغني لنفسه” على الله، والاستناد إلى قاعدة “اللطف” وقاعدة “قياس الغائب على الشاهد”، كلها شواهد على ذلك.

وقد يعبّر أحياناً عن علماء المعتزلة بـ “شيوخ أهل العدل”، ويشير تحت آية ٩٨ من سورة هود إلى اختلاف رأي أبي علي الجبائي (ت ٣٠٣ هـ) وأبي القاسم البلخي (ت ٣١٩ هـ). كما يحكي في موضع من الكتاب رأي القاضي عبد الجبار الذي لم يستحسن إطلاق اسم “الناطق” على الله، خلافاً لاسم “المتكلم”. هذا في حين لم ترد في هذا الكتاب أي إشارة إلى علماء الأشاعرة، لا مؤسس المذهب ولا خلفائه مثل أبي بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ) الذي كان معاصراً له وبلدياً.

في مجال التفسير، ألّف الرضي كتاباً في معاني القرآن الكريم قيل عنه إنه “يتعذر وجود مثله”، ثم ألّف بعده “مجازات القرآن” الذي كان نادراً في بابه أيضاً. ويؤكد الرضي نفسه أنه لم يسبقه أحد في تأليف كتاب جامع في مجاز القرآن ومجاز الآثار النبوية، إلا أبا علي الجبائي (ت ٣٠٣ هـ) في “شرح الحديث” وبعض علماء “أهل العدل” الذين تعرضوا في مواضع من كتبهم لتفسير الروايات المتشابهة التي ظاهرها التشبيه والتجسيم والتجوير. ثم يضيف أنه لو لم يكن الأمر كذلك، لكان قد أجرى بحثاً مستوفى في خصوص المجاز في الروايات على طريقة كتابه الكبير “حقائق التأويل في متشابه التنزيل”.

أما عن رأي الرضي في وقوع المجاز في القرآن الكريم، فيجب القول إنه لم يقتصر على القول بوقوعه، بل بيّن أسسه النظرية في كتابه. فهو يقول إن الله الحكيم لم يستخدم ألفاظ المجاز لأنه ضاق به المقام في التعبير، بل لأن هذه الألفاظ أظهر في أسماع السامعين وأشبه بلغة المخاطبين. فنحن البشر غالباً ما نعدل عن التعبير الحقيقي إلى التعبير المجازي لأننا نقع في ضيق في بعض طرق التعبير، فنخلص أنفسنا منه بالبيان المجازي، أما الله سبحانه فإنه يستعمل من الألفاظ ما هو أوقع في البلاغة وأجمل في الفصاحة. ثم يشير إلى بناء الاستعارة على المستعار منه والمستعار له، ويعتبر المستعار منه في وجه الشبه (أو جامع الاستعارة) هو الأصل والأقوى، والمستعار له هو الفرع والأضعف. فمثلاً، في آية “سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ” (الرحمن: ٣١)، المستعار منه هو أمر يجوز الاشتغال به كأفعال العباد، والمستعار له هو أمر لا يجوز الاشتغال به كأفعال الله. ومن هنا، استعير الفراغ من الأول للثاني، والجامع بينهما هو الوعيد. وعلى هذا القياس، في آية “ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا” (المدثر: ١١)، المستعار منه هو أمر يجوز المنع منه كأفعال العباد، بخلاف المستعار له وهو أفعال الله التي لا يجوز المنع منها. ولهذا استعير المنع من الأول للثاني، والجامع بينهما هو التخويف والتهديد.

وبناءً على هذا الرأي، يقوم الشريف الرضي بتأويل جميع الآيات التي يستلزم حملها على معناها الحرفي نوعاً من الجسمانية أو المماثلة للمخلوقات. وفي الأقسام التالية من المقالة، بالإضافة إلى دراسة تأويلات الشريف الرضي في مجال الصفات والأفعال الإلهية، سنشير إلى تأويلاته في مجال التعديل والتجوير.

٢. التأويل في مجال الصفات والأفعال الإلهية

نعلم أنه نُسب إلى الله في القرآن الكريم الوجه، واليد، والعين، والجنب، والنفس، والمجيء، والاستواء، والقول، والحب، والتجلي، واللقاء، والمكان، والاستهزاء، والمكر، والوقار، وهي في الظاهر من خصائص وصفات المخلوقات. يقوم الشريف الرضي بتأويل كل هذه الآيات بمنهج تنزيهي، وقد يصل به الأمر أحياناً إلى الإفراط في التأويل. وفيما يلي نذكر بعض تأويلاته في هذا المجال بشكل مفصل.

١-٢. تأويل “الوجه”

يرى الرضي تحت آية ٨٨ من سورة القصص وآية ٢٧ من سورة الرحمن أن “وجه الله” بمعنى “ذات الله”، لأن “ذو الجلال” (بالرفع) في الآية الأخيرة صفة لـ “وجه” لا لـ “رب”، بخلاف آية ٧٨ من السورة نفسها التي فيها “ذي الجلال” صفة لـ “رب” لا لـ “اسم”. وسبب هذا الفرق أن اسم الله غير الله، بينما وجه الله هو الله نفسه. وتجدر الإشارة إلى أن استدلال الرضي بغيرية الأسماء الإلهية عن الذات هو رأي المعتزلة المعروف في هذا الموضوع. ويذكر الرضي تأويلاً آخر لهذه الآيات، وهو أن المراد بوجه الله هو جهة التقرب إلى الله، وهي الأعمال الصالحة التي يقصد بها التقرب إلى الله.

٢-٢. تأويل “اليد”

تحت آية “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ” (يس: ٧١)، يرى الرضي أن “أيدينا” إما مجاز عن القدرة والقوة، وإما تأكيد على أن خلق الأنعام تم حصراً من قبل الله ولم يشاركه أحد في هذا الخلق (تحقيق الإضافة). ويكرر الكلام نفسه بخصوص “يدي” في آية ٧٥ من سورة ص. ويعتبر “القبضة” و”اليمين” في آية ٦٧ من سورة الزمر بمعنى الملك، أي أن السماوات والأرض في يوم القيامة ملك خالص له، ولا يملك أحد من العباد يومئذ شيئاً. وبالطبع، يطرح احتمالين آخرين حول “يمين” في هذه الآية. الأول، أنها مجاز عن القدرة. والثاني، أنها بمعنى القسم، إشارة إلى القسم الذي أقسمه الله في آية ١٠٤ من سورة الأنبياء على طي السماوات، وإن كان يرى هذا الاحتمال أضعف من الاحتمالين الأولين. وأخيراً، يجب الإشارة إلى آية “إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ” (الفتح: ١٠)، التي ذكر فيها الرضي أربعة احتمالات: الأول، أن عقد البيعة الذي عقدوه مع النبي (ص) أرفع من سائر العقود. الثاني، أن قدرة الله في نصرة نبيه أعظم من قدرة نصرة أصحابه له. الثالث، أن قدرة الله في هذا الأمر فوق قدرتهم وأمره فوق أمرهم. الرابع، أن ما سيعطيكم الله جزاء هذه البيعة أرفع وأعظم مما أعطيتموه أنتم فيها، وتكون “اليد” في هذا المعنى الأخير مجازاً عن النعمة.

٣-٢. تأويل “العين”

أوّل عامة المعتزلة “العين” عند إطلاقها على الله بالعلم. ويذكر الشريف الرضي هذا المعنى لـ “العين”، مبيناً علته بأن العين طريق العلم. لكن المعنى الذي يرجحه في الغالب لآيتي ٣٧ من سورة هود و٣٩ من سورة طه هو معنى الحفظ والحراسة. وفي توضيح الآية الثانية يقول: وإن كان لا يخفى على الله شيء، فإن هذا الكلام يخصص موسى (ع) بشدة المراقبة والحراسة من قبل الله. وكما أن المراقب والحافظ لشيء غالباً لا يرفع عينه عنه، فقد استعمل الله في هذه الآية “العين” مجازاً بدل الحفظ والحراسة. ويذكر الرضي احتمالاً آخر بشأن الآية الموجهة إلى نوح (ع)، وهو أن تصنع السفينة أمام أعين أوليائنا من الملائكة والمؤمنين، الذين نحفظك بهم من شر أعدائك وحاسديك، ونقويك ونحميك بنصرهم ومعاضدتهم.

٤-٢. تأويل “الجنب”

يشير الشريف الرضي تحت آية ٥٦ من سورة الزمر إلى اختلاف العلماء في معنى “الجنب”. فمنهم من فسره بـ “ذات الله”، ومنهم من فسره بـ “طاعة الله” أو “أمر الله” (كالمعتزلة)، وفريق ثالث فسره بـ “سبيل الله”. وفي توضيح الرأي الثالث يقول الرضي: بما أن هناك طريقين للهداية والرشاد، وللغواية والضلال، وهذان الطريقان “مجانبان” لبعضهما، بمعنى أن أحدهما في جانب والآخر في جانب آخر، وبما أن “الجنب” و”الجانب” بمعنى واحد، فإنه يحسن التعبير عن طريق الله بـ “جنب الله”.

٥-٢. تأويل “النفس”

يعتبر الرضي في آية ١١٦ من سورة المائدة تعبير “النفس” عن الله استعارة، “لأن القديم سبحانه لا نفس له”. وتجدر الإشارة إلى أن الاستعارة في كلام الرضي لا تقتصر على معناها المصطلح في علم البيان، بل تشمل جميع أنواع الاستعمال المجازي. ثم يبين معنى هذه العبارة بصور مختلفة كالتالي: “أنت تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك”، أو “أنت تعلم حقيقتي وذاتي ولا أعلم حقيقتك وذاتك”، أو “أنت تعلم باطني ولا أعلم باطنك”. وأخيراً، يلخص فحوى العبارة بقوله: “أنت تعلم ما أعلمه أنا ولا أعلم ما تعلمه أنت”. وقد اعتبر علماء البلاغة استعمال “النفس” في هذه الآية لله من باب فن “المشاكلة” البديعي، أي أن يُذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرضي يفسر إطلاق صفات مثل الاستهزاء (البقرة: ١٥) والمكر (آل عمران: ٥٤) على الله من باب المشاكلة، وإن لم يصرح بذلك لعدم شيوع هذا المصطلح في زمنه.

٦-٢. تأويل بعض الصفات الإلهية المذكورة في القرآن

في آية ٧٣ من سورة آل عمران، يفسر الرضي صفة “واسع” لله إما بمعنى سعة العطاء والإحسان الإلهي، أو بمعنى اتساع طرق العلم الإلهي وسلطانه وعزته. وفي تفسير آية ٧ من سورة غافر، يذكر علة هذا التأويل بأن “السَّعَة” تطلق على الأشياء التي هي من الأجسام ولها حجم ومساحة، والله سبحانه منزه عن هذه الأوصاف. وبناء على ذلك، يجب تفسير الآية الأخيرة بأن رحمتك وعلمك قد وسعا كل شيء. وفي الحقيقة، نُقل الفعل “سعة” هنا من صفة الرحمة والعلم إلى الموصوف (الله) للمبالغة، نظير عبارات مثل “طبت بهذا الأمر نفسًا”، التي أصلها “طابت نفسي”.

وفي تفسير غريب، يرى الرضي أن صفة “رفيع الدرجات” في آية ١٥ من سورة غافر لا تعود إلى الله، بل إلى عباده الصالحين وأوليائه الذين يرفعهم الله في الدرجات التي خصصها لهم. ولعل منشأ هذا الرأي هو أن الرضي اعتبر إطلاق هذه الصفة على الله يستلزم كونه في مكان أو قابلاً للمقارنة، وكلاهما مستحيل في نظره. وعلى هذا القياس، يفسر “العلو” المفهوم من آية ١٠ من سورة فاطر من حيث الجلال والعظمة الإلهية لا من حيث الجهة المكانية، كما يفسر “القرب” المذكور في آية ١٦ من سورة ق من حيث الإحاطة العلمية لا المسافة المكانية. كما يحمل “الوقار” في آية ١٣ من سورة نوح على معناه المجازي وهو الحلم والصفح. وسبب ذلك في نظره هو أن المعنى الحقيقي للوقار، وهو الثقل والرزانة، لا يمكن حمله على الله لأنه من صفات الأجسام. وبالطبع، ينقل قولاً آخر يعتبر فيه الوقار بمعنى العظمة وسعة القدرة وما يوجب التعظيم من علم وحلم. ويبدو أنه مع هذا المعنى لا يرى الرضي حاجة للتأويل. وقد فسر معظم المفسرين المتقدمين الوقار بمعنى العظمة. وأخيراً، يجب الإشارة إلى آية “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور: ٣٥)، حيث فسر الرضي الله بأنه هادي أهل السماوات والأرض، يهديهم بالبراهين الواضحة والبيانات الجلية، كما يُهدون بالأنوار الساطعة والشهب اللامعة. ويذكر قولاً آخر في الآية وهو أنه منور السماوات والأرض بالنجوم والشمس والقمر.

٧-٢. تأويل “الاستواء” و”المجيء” و”القيام”

فسّر الرضي “الاستواء” في آية “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ” (البقرة: ٢٩) بمعنى القصد، وفي آية “ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ” (يونس: ٣) بمعنى الاستيلاء. ويقول إن الاستواء، سواء كان بمعنى التمام بعد النقص والاستقامة بعد الاعوجاج، أو بمعنى الاستقرار والحلول في مكان، هو من خصائص الأجسام والمحدثات ولا يمكن إطلاقه على الله سبحانه. وقد فسّر الاستواء في الآية الأولى بقصد الله خلق السماوات السبع، وفي الآية الثانية بنفاذ أمره وقدرته على مخلوقاته. ورداً على سؤال: إذا لم يكن الله على العرش وكان المراد بالاستواء هو استيلاء سلطانه وقدرته على الكائنات، فلماذا خُص العرش بالذكر هنا؟ يقول: كما يطوف الناس ببيت الله تعبداً والله ليس فيه، كذلك تطوف الملائكة في السماء بالعرش تعبداً والله ليس عليه.

كما يفسّر الرضي آية “وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا” (الفجر: ٢٢) بمعنى “جاء ملائكة ربك وهم صفاً صفاً”، ويذكر أن سبب تكرار “الملك” في هذا التقدير هو الدلالة على المحذوف، لأنه لا يجوز أن نقول: “جاء ربك وهم صفاً صفاً” والمراد ملائكة ربك إلا بقرينة. وبالطبع، يجيز تقدير “وجاء أمر ربك” الذي هو أكثر شيوعاً في أقوال المفسرين.

يصل إفراط الرضي في اعتبار المجاز إلى حد أنه يرى “المقام” في آية ١٤ من سورة إبراهيم وآية ٤٦ من سورة الرحمن استعارة أيضاً، بحجة أنه لا يجوز إسناد القيام إلى الله. ولهذا ينسب “القيام” إلى يوم القيامة، لأن الناس يقومون فيه للحساب وعرض الأعمال: “يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ” (المطففين: ٦). وسبب نسبة القيام في الظاهر إلى الله هو أن الحكم في ذلك اليوم لله وحده، ولا يجرؤ أحد على المشاركة أو التدخل في حكمه. وبالطبع، يجيز الرضي وجهاً آخر هنا، وهو أن العرب كانوا يسمون المحافل والمجالس التي يذكرون فيها مفاخرهم ومآثرهم “مقامات” أو “مقاوم”، وبما أن الله يحصي في القيامة أعمال العباد من سيئات وحسنات، أُطلق على موقف الحساب “مقام”.

٨-٢. تأويل “اللقاء” و”النظر” و”التجلي”

في تفسير آية ٥ من سورة العنكبوت، لا يرى الرضي إمكانية “لقاء الله” على وجه الحقيقة، ويرى أن المراد به في جميع مواضع استعماله في القرآن الكريم هو لقاء الحساب والجزاء الإلهي أو زمان وقوعه. ويستشهد بقول العرب “لقينا خيراً ولقينا شراً”، حيث لا يوجد شيء يُرى بالعين أو يواجه به، بل يريد القائل فقط أن يقول: أصابنا فلان خير أو شر. ويذكر وجهاً آخر لهذه المسألة، وهو أنه عندما يواجه الإنسان شيئاً لا مفر منه ولا مهرب، يستخدم هذا التعبير. وفي يوم القيامة، لا يستطيع أحد الفرار أو التخلف عن الوجهة التي يأمر الله الناس بالاجتماع فيها، ولذلك عُبّر عنه مجازاً بـ “لقاء الله”. وفيما يتعلق بآية ١٥ من سورة المطففين، يستدل بأن الحجاب يطلق على ما له استتار وظهور، وهذا من خصائص المحدثات والأجسام. لذلك، إما أن نقول إن مراد الآية أن الكفار ممنوعون من الثواب الإلهي ومطرودون من دخول الجنة، أو أنهم ليسوا مقربين عند الله لعدم امتلاكهم الأعمال الصالحة واستحقاق الثواب، وعُبّر عن هذا المعنى بالحجاب.

كما يفسر الرضي “النظر” في آية “وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” (آل عمران: ٧٧) ليس بمعنى الرؤية، بل بمعنى الرحمة، مستدلاً بأن المعنى الحقيقي لهذه الكلمة، وهو تقليب العين نحو المرئي لرؤيته، لا يمكن إطلاقه على الله. ويفسر المراد بـ “التجلي” في آية ١٤٣ من سورة الأعراف بأنه عندما أظهر الله معرفته للحاضرين في الجبل بالآيات التي أحدثها فيه، زالت الشبهات والشكوك التي كانت لديهم في العلم بحقيقته، فكأن معرفة الله تجلت لهم من الغطاء والحجاب الذي كانت فيه. وبالطبع، يذكر وجهاً آخر لهذه الآية يقوم على مجاز الحذف، أي أن الجملة في الأصل “فلما تجلى أمر ربه / سلطان ربه”، وقد حذف المضاف. ثم يقول: هنا أيضاً استعارة (مجاز) لأن الأمر أو السلطان وصف بالتجلي، بينما المتجلي هو حاملهما ومالكهما. ومن الواضح أن هذا الكلام من الرضي متكلف، أو على الأقل يبدو متناقضاً.

٩-٢. تأويل “القول”

في تفسير آية “إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” (النحل: ٤٠)، يقول الرضي إن هذه الآية استعارة، لأنه لا يوجد شيء يؤمر ولا قول يسمع. ويأتي باستدلال مشابه في آية ١١ من سورة فصلت. بل إن “القول” هنا يدل على سرعة تحقق الإرادة الإلهية ووجود المراد. فإذا أراد شيئاً، وُجد في الحال دون تأخير أو مشقة، كما يصدر “القول” من أحدنا بسرعة ودون أي مشقة. وعلى هذا الأساس، فإن المراد بـ “القول” في آية ٦٩ من سورة الأنبياء، على أصح التأويلات، هو أننا حولنا حرارة النار إلى برودة في لحظة دون أي مشقة أو عناء ودون أي أداة أو آلة.

١٠-٢. تأويل “الحب”

يقول الرضي في آية ٥٤ من سورة المائدة، بما أن المحبة هي ميل طبيعة المحب إلى شيء، فلا يجوز ذلك على القديم تعالى، بل المراد بحب الله للعباد هو إكرامهم في الدنيا وإعطاؤهم الثواب في الآخرة، ومعنى حب العباد لله هو تعظيمه وطاعته وعبادته.

٣. التأويل في مجال التعديل والتجوير

الآيات المتعلقة بمجال التعديل والتجوير في كتاب “تلخيص البيان عن مجازات القرآن” للرضي ليست كثيرة. إحدى الآيات التي بحثها الرضي مفصلاً في “حقائق التأويل” هي آية “رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا” (آل عمران: ٨). السؤال هو: إذا لم يكن إزاغة القلوب من فعل الله، فما المعنى والفائدة في دعائه ألا يفعل ذلك؟ هذا في حين أن الإزاغة من قبيل الإضلال والتحريض على السوء، وهو ما تأبون يا أهل التوحيد والعدل نسبته إلى الله. يجيب الرضي بأن قاعدتنا هي رد الآيات المتشابهة إلى الآيات المحكمة. والآية موضع السؤال من الآيات المتشابهة، لأن ظاهرها يوحي بأن الله يضل الناس عن الإيمان. وهذا لا يمكن أن يكون صحيحاً، لأن هذا الفعل قبيح والله غني عنه وعالم بغناه عنه. ومن ناحية أخرى، هو نفسه أمرنا بالإيمان وزينه لنا، ونهانا عن الكفر وحذرنا منه. فلا بد إذن من إرجاع هذه الآية إلى آية محكمة في هذا المعنى، وهي آية “فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ” (الصف: ٥). وهذه الآية تبين أن الزيغ الأول كان من الكافرين، والزيغ الثاني كان عقوبة لهم من الله سبحانه. وأن الزيغ الثاني غير الزيغ الأول، لأنه لو كان نفسه لكان تحصيلاً للحاصل. الزيغ الأول قبيح لأنه معصية، والزيغ الثاني حسن لأنه جزاء وعقوبة. فنستنتج أن الزيغ الأول هو انحراف الكافرين عن الإيمان، والزيغ الثاني هو إزاغتهم عن طريق الجنة والثواب.

بالطبع، لدى الرضي إجابات أخرى لهذا السؤال. أحدها أن “أزاغ” في الآية محل البحث بمعنى “المصادفة” في باب “أفعل”، أي وجدان المفعول على صفة مادة الفعل، مثل “أبخلته” أي وجدته بخيلاً. ويكون تفسير الآية على هذا الأساس كالتالي: ربنا أدم ألطافك علينا، وقرّنا بهدايتك وعصمتك حتى لا تنحرف قلوبنا فتجدها منحرفة. أو: لا تبتلنا بالامتحانات الصعبة والتكاليف الشاقة فيصعب علينا أداؤها ولا نقوى عليها، فتجدنا منحرفين.

وفي آية ٣٤ من سورة هود، لا يجيز الرضي المعنى المعهود لـ “الإغواء”، وهو الدعوة إلى الغي والضلال، على الله، لأن هذا الفعل قبيح والله قد أمرنا بضده. وقد فسّر هذه الكلمة هنا بمعنى تخييبهم من رحمته بسبب كفرهم، وشاهده على ذلك آية ٥٩ من سورة مريم، حيث “الغي” فيها بمعنى الخيبة من رحمة الله والوقوع في نقمته. ومن اقتراحات الرضي الأخرى لمعنى “الإغواء” في هذه الآية: الإهلاك، والحكم عليهم بالضلال.

في آية ٢٨ من سورة الكهف التي تنسب “الإغفال” ظاهراً إلى الله، وبعد ذكر معاني نسبة الفعل إليه (نسبناه إلى الغفلة، سميناه غافلاً، حكمنا بأنه غافل، والمصادفة: وجدناه غافلاً)، ينقل كلاماً لأستاذه القاضي عبد الجبار من أواخر باب التعديل والتجوير من كتابه “تقريب الأصول”، حيث قال: لو لم نحمل “الإغفال” في هذه الآية على معنى المصادفة، بل على معنى “جعلناه غافلاً”، لكان ينبغي استخدام فاء التفريع فيقال “فاتّبع هواه”، أي أغفلنا قلبه عن ذكرنا، فاتبع هوى نفسه. أما وقد استُخدم حرف العطف الواو، فيكون المعنى: لا تطع من قلبه غافل عن ذكرنا ويتبع هوى نفسه. وذلك لأنه إذا وُجد شخص غافلاً، فهو الذي غفل والفعل فعله ومنسوب إليه. وبالطبع، يقدم الرضي اقتراحاً أدبياً آخر يقوم على الاستعارة، وهو أن العرب كانوا يسمون إبلهم بوسم وعلامة لتمييزها عن غيرها. وبناء على آية ٢٢ من سورة المجادلة، فإن الله يضع على قلوب المؤمنين علامة التأييد التي تشهد بطهارة أعمالهم وصلاح أحوالهم، أما قلوب الكافرين فيتركها بلا علامة (غُفلاً).

الآن وقد تعرفنا على تأويلات الشريف الرضي للآيات الموهمة للتجسيم والتشبيه والتجوير، يجدر بنا نقدها وتحليلها في ضوء الآراء المنافسة.

٤. نقد الآراء الكلامية للشريف الرضي في تفسير القرآن الكريم

كما رأينا في الأقسام السابقة، فإن تأثير المنهج المعتزلي في تفاسير وتأويلات الشريف الرضي واضح تماماً. للملا صدرا (ت ١٠٥٠ هـ)، الحكيم والمتأله الإيراني، في كتابه “مفاتيح الغيب” مقال حول المناهج التفسيرية للعلماء في مواجهة الألفاظ المتشابهة في القرآن والحديث، يمكن أن يبين مكانة التأويل المعتزلي بين المناهج الأخرى. المجموعة الأولى هم الفقهاء وأصحاب الحديث، وعلى رأسهم الحنابلة والكرامية، الذين يحملون الألفاظ المتشابهة على معانيها الظاهرية حتى لو خالفت القواعد العقلية. المجموعة الثانية هم أهل النظر والتفلسف، الذين يتخذون القواعد العقلية أصلاً ويؤولون الألفاظ المتشابهة عن معانيها الظاهرية إلى معانٍ تنزه الله بزعمهم عن نقائص الإمكان والأكوان. المجموعة الثالثة هم الذين يجمعون بزعمهم بين هذين المذهبين، فيقبلون التأويل في باب المبدأ ولا يقبلونه في باب المعاد. ويذكر الملا صدرا الأشاعرة والمعتزلة كأصحاب هذا المسلك، ويقول إن إفراط المعتزلة في التأويل أكثر من الأشاعرة، حتى إنهم يؤولون “السمع” بالعلم بالمسموعات و”البصر” بالعلم بالمبصرات. أما المجموعة الرابعة فهم الراسخون في العلم، الذين لم يقعوا في حرارة التنزيه ولا في برودة التشبيه، ولم يفتتنوا بالخلط بينهما، بل يرون الحقائق بالنور القدسي والكشف الإلهي كالأنبياء.

يوضح الملا صدرا أن الأصل عند الراسخين في العلم هو إبقاء الألفاظ على معانيها الظاهرية، وما يحصل للعلماء الراسخين والعارفين المحققين من أسرار وأعماق القرآن لا يتناقض مع التفسير الظاهري للقرآن، بل هو تكميل وتتميم له، وعبور من الظاهر إلى اللباب. ففحوى القرآن لا تبطل ظاهره، ومعناه لا يتعارض مع صورته. إن تأويل الاستواء على العرش بمجرد عظمة الله وكبريائه، أو تأويل “الكرسي” بمحض العلم أو القدرة، هو من المجازات التي لا ضرورة للقول بها، فضلاً عن أنه لا يوجد ضابط لهذه المجازات والظنون. ويرى أن طريقة الذين يحملون الألفاظ المتشابهة على معانيها الظاهرية، خاصة عندما يقولون إن لله يداً لا كأيدينا ووجهاً لا كوجوهنا، أقرب إلى الحقيقة وأبعد عن التحريف من طريقة المؤولين، لأن ما يفهمه الظاهرية من المعاني الأولية للألفاظ المتشابهة هو قوالب المعاني القرآنية والعلوم الإلهية.

قبل أن نعرض رأي الملا صدرا الخاص في تفسير الألفاظ والآيات المتشابهة، من المناسب أن نطرح بعض الانتقادات الأخرى التي ترد على آراء الشريف الرضي التفسيرية وفقاً لآراء أخرى.

١-٤. عدم الحاجة إلى التأويل في بعض الموارد

توجد بعض الموارد في تفسير الرضي لا يبدو فيها حاجة إلى التأويل. مثلاً، في آية “يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ” (الحديد: ١٢)، أوّل “النور” بالإيمان. فما المانع من فهم “النور” بالمعنى الذي يفهمه أهل اللغة؟ أو لماذا يجب تأويل شهادة الأيدي والأرجل (النور: ٢٤) بوضع علامة عليها لتكون بمنزلة كلامها على أصحابها، مع أن الرضي هنا قد أشار إلى إمكانية التفسير الحقيقي أيضاً؟

من موارد تأويلات الرضي في مجال الصفات الإلهية التي لم تكن هناك حاجة لتأويلها تفسيره لصفة “واسع”. فقد اعتبرها استعارة (مجازاً) بمعنى سعة العطاء والإحسان الإلهي أو اتساع طرق العلم الإلهي وسلطانه وعزته. فما المانع من تفسيرها، كما فعل بعض المفسرين، بعدم محدودية الله، واعتبارها تعبيراً غير مجازي؟

٢-٤. إمكانية الحمل على الاستعارة التمثيلية في بعض الموارد

بناءً على ما نقلناه سابقاً عن الرضي من أن الله الحكيم لم يستخدم ألفاظ المجاز لأنه ضاق به المقام في التعبير، بل لأن هذه التعابير تزيد الكلام رونقاً وجلاءً، وتكون أظهر في أسماع السامعين وأشبه بلغة المخاطبين، كان من المتوقع، نظراً لموهبته الأدبية العالية، ألا يغفل عن احتمال حمل آيتي ٢٢ من سورة الفجر و١٠ من سورة الفتح على الاستعارة التمثيلية. وبناءً على ذلك، وفي توضيح الآية الأولى، يمكن القول، تماشياً مع بعض علماء البلاغة، إن هول يوم القيامة ورهبة لحظة حساب أعمال العباد شُبّهت بحال حضور الملك نفسه مع خواصه ووزرائه وجنوده في احتفال رسمي، وما يصيب المحاسَبين وعامة الناس من خوف ورهبة عند رؤية هذا المشهد صُوِّر بهذه الطريقة.

أما الآية الثانية، فبناءً على سنة العرب في البيعة، حيث كانوا يؤكدون تعهدهم رمزياً بوضع الأيدي فوق بعضها، يمكن القول إن حماية الله للمبايعين في الحديبية شُبّهت بيدٍ تعلو أيدي المبايعين.

٣-٤. إمكانية التفسير التمثيلي في بعض الموارد

نقد آخر يوجه للمنهج التفسيري للشريف الرضي هو إغفاله إمكانية الحمل على التمثيل في بعض الآيات. أحد الخيارات المطروحة منذ القدم في تفسير النصوص المقدسة هو التفسير التمثيلي (allegorical) مقابل التفسير الظاهري (literal). فقد كانت مدرسة الإسكندرية في تفسير الكتاب المقدس تميل إلى التمثيل والتأويل، بينما مالت مدرسة أنطاكية والمفسرون في العصر الحديث إلى التفسير التاريخي والظاهري.

إحدى الآيات التي وضعت المفسرين بين خياري التفسير الحقيقي والتفسير التمثيلي هي آية الأمانة (الأحزاب: ٧٢). فقد حملها البعض على الحقيقة بأدلة قرآنية، وحملها البعض الآخر على التمثيل. ومع أن الوجه الثالث الذي ذكره الرضي في تفسير هذه الآية قريب من التفسير التمثيلي، فإن الوجهين الأول والثاني اللذين ذكرهما، وهما مجاز الحذف بصورة “أهل السماوات والأرض والجبال” ومقارنة الأمانة بالسماوات والأرض والجبال، ليسا حملاً على الحقيقة ولا على التمثيل، بل هما تأويل لا يتناسب مع ظاهر لفظ الآية.

٤-٤. الحمل على حقيقة باطن العالم في بعض الموارد

من الآراء التي حظيت باهتمام أكبر في التفسير المعاصر حمل بعض الآيات على حقيقة باطن العالم، وهي حقيقة تمثل واقع أعمال البشر، وتوجد وراء حياتهم الظاهرية، ولا يلتفت إليها البشر إلا الأوحدي منهم. بناءً على ذلك، في آيتي ١٧٤ من سورة البقرة و١٠ من سورة النساء، فإن آكلي أموال اليتامى وكاتمي آيات الله يأكلون ناراً حقيقةً، خلافاً لرأي الرضي، وليس أن الآية تفسر من باب المجاز بعلاقة السببية.

٥-٤. التفسير على مبنى نظرية روح المعنى في بعض الموارد

هناك رأي آخر طرحه بعض المفكرين المسلمين، منهم الملا صدرا، في تفسير النصوص الدينية، وهو نظرية “روح المعنى”. بناءً على هذه النظرية، التي طرحها لأول مرة الإمام محمد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ)، ويعترف الملا صدرا نفسه بتأثره به فيها، فإن اللفظ وُضع لمعنى أعم من المصاديق الحسية والعقلية، وخصوصيات المصاديق خارجة عن موضوع له اللفظ، وإن كان عامة الناس، بسبب أنسهم بالمصاديق الحسية، يحملون اللفظ على هذه المصاديق فقط، ويعدون استعماله في غيرها مجازاً. ويضرب مثالاً على ذلك بـ “الميزان”، الذي وُضع لكل ما يوزن به، وهذا هو روح المعنى وملاكه، دون أن يكون مقيداً بهيئة أو شكل خاص. وبناءً على ذلك، فإن لفظ “الميزان” كما يطلق على المسطرة والشاقول والزاوية والذراع والأسطرلاب، يمكن إطلاقه أيضاً على النحو والعروض والمنطق والعقل نفسه. فالإنسان العارف عندما يسمع لفظ “الميزان” لا يُحجب عن هذا المعنى الحقيقي، ولا يتوقف عند صورة الميزان المادية بسبب تكرار الحس والمشاهدة.

بناءً على هذه النظرة، فإن تسبيح الرعد والجبال والطيور والسماوات والأرض (الرعد: ١٣؛ الإسراء: ٤٤؛ الأنبياء: ٧٩؛ سبأ: ١٠) هو أمر حقيقي وليس مجازياً، ولا ينبغي حتى تفسيره بأنه علامة على الله. كما أن محاولة الرضي في تأويل “لقاء الله” أو “نظر” في آية “وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” (آل عمران: ٧٧) لا تبدو صحيحة. فلا يوجد دليل على استحالة “لقاء الله” أو “نظره”. كما لا يوجد مانع من إطلاق “الحب” على الله، الذي أوّله الرضي بتكلف.

إن عدم التفات الشريف الرضي إلى نظرية روح المعنى في تفسير آية النور واضح تماماً. ففي فقرة “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور: ٣٥)، فسر الله بأنه هادي أهل السماوات والأرض بالبراهين الواضحة أو منور السماوات والأرض بالنجوم والشمس والقمر. ويجدر في مقابل هذا المنهج التأويلي للرضي الإشارة إلى منهج الغزالي الذي يركز على روح المعنى. فالغزالي في “مشكاة الأنوار”، بعد تعريف “النور” بأنه ما يُرى به غيره، يصف ما هو نور لذاته وبذاته ولا يستمد نوره من غيره، بل تنبعث وتُشتق منه جميع الأنوار الأخرى في مراتبها، بأنه “النور” الحقيقي. بل يذهب أبعد من ذلك ويعتبر إطلاق “النور” على غير النور الأول مجازاً محضاً. ويستدل بأن ما سوى النور الأول لا نور له في ذاته وبنفسه، بل يستعير نوره من غيره، وقوام نوريته ليس بنفسه بل بغيره. وبناءً على ذلك، فإن إطلاق النور على مثل هذه الأشياء مجاز محض، والنور الحقيقي هو الذي بيده الخلق والأمر، ولا يشاركه غيره لا في حقيقة هذا الاسم ولا في استحقاقه، بل يُسمى “نوراً” فقط، وهذا من تفضله، كالسيد الذي يهب لعبده مالاً ويسميه “مالكاً”. ومن الواضح أن هذا المنهج للغزالي في التفسير يظهر مسافة كبيرة بينه وبين المنهج التأويلي للرضي، وهو ما سماه الملا صدرا منهج الراسخين في العلم، أي إبقاء اللفظ على معناه الظاهري مع العناية بروح معنى اللفظ.

الخاتمة

تأثر الشريف الرضي في تفسيره للقرآن الكريم بآراء المعتزلة الكلامية، ولهذا السبب أوّل الآيات الموهمة للتشبيه والتجسيم والتجوير على طريقة المعتزلة. ورغم أن منهجه هذا محمود في الآيات الموهمة للتجوير، وكذلك في بعض الموارد مثل التنبه للمشاكلة (وإن لم يذكر المصطلح صراحة) في إسناد “النفس” (المائدة: ١١٦) و”الاستهزاء” (البقرة: ١٥) و”المكر” (آل عمران: ٥٤) إلى الله، إلا أنه في بعض الموارد محل تأمل، مثل إنكار “لقاء الله” (العنكبوت: ٥) أو إسناد “النظر” إلى الله (آل عمران: ٧٧) على الوجه الحقيقي. وقد بلغ تأثير المنهج المعتزلي في الرضي حداً جعله، رغم موهبته الأدبية العالية، يغفل عن إمكانية الاستعارة التمثيلية في آيتي “يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ” (الفتح: ١٠) و”وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا” (الفجر: ٢٢).

لقد أدت ظروف عصر الشريف الرضي وفرضياته الكلامية إلى إغفاله لرأيين تفسيريين حظيا باهتمام أكبر في القرون اللاحقة، وهما: تفسير الآيات بناءً على حقيقة باطن العالم، ونظرية روح المعنى. فبناءً على الرأي الأول، تُعتبر آيات مثل آية أكل النار من قبل آكلي أموال اليتامى (النساء: ١٠) حقيقة ناظرة إلى باطن هذه الحياة الظاهرية وليست مجازاً. وبناءً على الرأي الثاني، فإن العديد من الآيات التي لجأت العقلانية المعتزلية إلى تأويلها تُرى في غنى عن التأويل، مثل تسبيح وسجود المخلوقات، أو لقاء الله ونظره وحبه.

المصادر

  • القرآن الكريم.
  • ابن خلكان، أحمد بن محمد. ١٩٧٨. وفيات الأعيان. تحقيق إحسان عباس، بيروت: دار صادر.
  • ابن عاشور، محمد الطاهر. ١٤٢٠ ق. التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور. بيروت: مؤسسة التاريخ العربي.
  • ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم. ١٤١١ ق. تفسير غريب القرآن. تحقيق إبراهيم محمد رمضان، بيروت: دار ومكتبة الهلال.
  • أبو الفتوح الرازي، حسين بن علي. ١٤٠٨ ق. روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن. تحقيق محمد مهدي ناصح ومحمد جعفر ياحقي، مشهد: مؤسسة البحوث الإسلامية في العتبة الرضوية المقدسة.
  • الأشعري، علي بن إسماعيل. ١٩٨٠. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. تحقيق هلموت ريتر، فيسبادن: فرانتس شتاينر.
  • باكتجي، أحمد. ١٣٨٥ هـ.ش. “الأسماء والصفات، تكملة – الصفات الإلهية في علم الكلام”. صص ٦٢٤-٦٢٨، في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، ج ٨، إشراف كاظم موسوي بجنوردي، طهران: مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى.
  • الجرجاني، عبد القاهر. ١٩٥٤. أسرار البلاغة. تحقيق هلموت ريتر، إسطنبول: مطبعة وزارة المعارف.
  • جوادي آملي، عبد الله. ١٣٧٨ هـ.ش فصاعداً. تسنيم، تفسير قرآن كريم. قم: إسراء.
  • الحسن البصري. ١٩٣٣. “رسالة الحسن البصري إلى عبد الملك بن مروان”. في Ritter, Helmut. 1933. “Studien zur Geschichte der islamischen Frömmigkeit.” Der Islam 21: 1-83.
  • الخطيب البغدادي، أحمد بن علي. ١٤٢٢ ق. تأريخ مدينة السلام. تحقيق بشار عواد معروف، بيروت: دار الغرب الإسلامي.
  • الخطيب القزويني، محمد بن عبد الرحمن. ١٣٩٥ ق. الإيضاح في علوم البلاغة. تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، بيروت: دار الكتاب اللبناني.
  • الرد على الجهمية والزنادقة. منسوب إلى أحمد بن حنبل. ١٤٢٤ ق. تحقيق صبري بن سلامة شاهين، الرياض: دار الثبات.
  • رضي الدين الأسترآبادي، محمد بن الحسن. ١٤٠٢ ق. شرح شافية ابن الحاجب. تحقيق محمد نور الحسن، ومحمد زفزاف، ومحمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت: دار الكتب العلمية.
  • الزمخشري، محمود بن عمر. ١٤٠٧ ق. الكشاف. تحقيق محمد عليان مرزوقي، بيروت: دار الكتاب العربي.
  • الشريف الرضي، محمد بن الحسين. ١٤٠٦ ق. حقائق التأويل في متشابه التنزيل. تحقيق محمد رضا آل كاشف الغطاء، طهران: مؤسسة البعثة.
  • الشريف الرضي، محمد بن الحسين. ١٤٣٢ ق. تلخيص البيان في مجازات القرآن. تحقيق مكي سيد جاسم، بيروت: عالم الكتب.
  • الشريف الرضي، محمد بن الحسين. (د.ت). المجازات النبوية. تحقيق طه محمد الزيني، (د.م): مؤسسة الحلبي.
  • شيوابور، حامد. ١٣٩٤ هـ.ش. نظرية روح المعنى في تفسير القرآن. قم: جامعة مفيد.
  • صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم. ١٣٦٣ هـ.ش. مفاتيح الغيب. تحقيق محمد خواجوي، طهران: مؤسسة الدراسات والتحقيقات الثقافية.
  • الطباطبائي، السيد محمد حسين. ١٣٩٠ ق. الميزان في تفسير القرآن. بيروت: مؤسسة الأعلمي.
  • الطبراني، سليمان بن أحمد. ٢٠٠٨. التفسير الكبير: تفسير القرآن العظيم. إربد: دار الكتاب الثقافي.
  • الطوسي، محمد بن الحسن. ١٤٣٠ ق. التبيان في تفسير القرآن. قم: انتشارات جامعة مدرسين.
  • الغزالي، محمد بن محمد. ١٤٠٦ ق. “مشكاة الأنوار”. صص ٥-٤٧، في مجموعة رسائل الإمام الغزالي، ج ٤، بيروت: دار الكتب العلمية.
  • الفراء، يحيى بن زياد. ١٤٠٠ ق. معاني القرآن. تحقيق أحمد يوسف نجاتي ومحمد علي نجار، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  • الفيض الكاشاني، محمد بن مرتضى. ١٣٨٧ هـ.ش. الصافي في تفسير القرآن. تحقيق سيد محسن حسيني أميني، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • قاسم بور، محسن، ومحمد حسن لواساني. ١٣٩٥ هـ.ش. “العقلانية في تفسير الآيات من منظور السيد الرضي والزمخشري”. مجلة مطالعات تفسيري، العدد ٢٨.
  • القاسمي، محمد جمال الدين. ١٣٩٨ ق. تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار الفكر.
  • القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني. ١٣٨٦ ق. متشابه القرآن. تحقيق عدنان محمد زرزور، القاهرة: مكتبة دار التراث.
  • قربان بور، حميد، ومهدي جلالي، ومحمد حسن رستمي. ١٣٩٦ هـ.ش. “عقلانية السيد الرضي في التفسير”. مجلة پژوهشهای قرآنی، العدد ٨٢.
  • الواحدي، علي بن أحمد. ١٤١٥ ق. الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. تحقيق صفوان عدنان داوودي، بيروت: دار القلم.
Scroll to Top