الملخص: يسعى كاتب المقال، في الإجابة عن سؤال: “هل كان للتوابين أصل يمني؟” ، إلى تحليل سلوك الفاعلين السياسيين ومدى ارتباط أدائهم بالانتماءات القومية، وذلك بالنظر في أحداث صدر الإسلام. وقد تم ذلك من خلال تقديم أمثلة من عصر النبي (ص) وحروب عصر أمير المؤمنين علي (ع) والحكام من بعده حتى بداية نهضة التوابين. ثم تناول الكاتب تحديد أصول قادة التوابين وكذلك الأفراد الذين كانوا تحت قيادتهم، لتبيان ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى أصل واحد لهم ، أو تحديد هيمنة أصل معين على الأصول الأخرى التي تحدد المواقف السياسية للمنتمين لتلك الأصول. وقد أظهر البحث، القائم على دراسة تحليلية استدلالية، أن المشاركين في ثورة التوابين لم يكونوا من قبيلة واحدة ، ولم يكن هناك ارتباط تلازمي بين الانتماء العرقي ونوع موقفهم السياسي. وإنما كان المحرك للتوابين في قيامهم ليس النزعة القومية، بل الدافع والشعور بالواجب الديني.
طرح المسألة
حول هوية ثوار التوابين الذين قاموا مطالبين بدم الإمام الحسين (ع)، حاول بعض الكتاب تصنيف الثوار على أنهم من قبائل معينة ، وتقييم هذه الثورة من منظور الهوية القومية، ثم الحكم عليها برفع الهوية القومية إلى مستوى الهوية القيمية. فقد اعتبر البعض قادة التوابين يمنيين ، وألمحوا إلى أن انتماء قادة التوابين إلى اليمن يرمز إلى المستضعفين الباحثين عن الحقيقة الذين نهضوا في منعطفات التاريخ لمساعدة الحركات الشعبية والمطالبة بالحق. ومن هذا المنظور، اعتبروا ثورة التوابين ضد الأشراف. بينما ذهب البعض الآخر إلى أن قادة التوابين ليسوا يمنيين ، ولكنهم، رغم هذا الادعاء، اعتبروا حركة سليمان بن صرد، زعيم التوابين، موجهة ضد الأرستقراطية القبلية في الكوفة. وذلك لأن الأشراف كانوا يشعرون بالخطر من الأمويين، فانخرطوا في خدمتهم وعملوا ضد الشيعة، وسعوا إلى إبعاد الشيعة عن الكوفة. ويرى البعض أيضًا أن الروابط القبلية بين أتباع سليمان بن صرد وأشراف الكوفة كانت عائقًا أمام قيادة التوابين في الكوفة لقتل قتلة الإمام الحسين (ع) في هذه المدينة. ويهدف هذا المقال إلى مناقشة أصول التوابين وتقييم الحكم القيمي الناشئ عنها ، ولا يقصد الخوض في أهداف التوابين، لذلك يتجاوزها.
طريقة دراسة الموضوع
تَناول الكاتب دراسة أصول التوابين وتأثيرها في توجهاتهم الاجتماعية والسياسية على مستويين: المستوى الأول هو تحليل ما إذا كانت أحداث تاريخ الإسلام بعد الخلفاء الراشدين يمكن تفسيرها بالتركيز على نسب الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، كما يُدّعى.
١. تحليل الأنساب في الأحداث التاريخية الإسلامية
المستوى الثاني هو ما إذا كان قادة التوابين، وكذلك الأفراد منهم الذين وردت أسماؤهم في المصادر التاريخية، ينتمون إلى أصل واحد. يدرك الكاتب أن نسبة الأسماء الموجودة في المصادر التاريخية إلى العدد الكلي لجيش التوابين لا تمثل عينة مساوية للكل ، ولكن نظرًا لأن قادة التوابين أدوا دور الموجهين للجيش، فلا شك أن معرفة هؤلاء يمكن أن تكون محط اهتمام في تحديد توجه التوابين.
يرى بعض الكتاب أن في الخلاف بين الإمام علي (ع) ومعاوية، وقف اليمانية إلى جانب علي (ع)، والمضريون إلى جانب معاوية. هذا الخلاف اليمني والمضري، الذي ورد أيضًا بعبارات مثل “قحطاني وعدناني” و”يماني وقيسي”، كان مصدرًا للصراعات وتشكيل الأحداث طوال العصر الأموي والدولة العباسية حتى ظهور العنصر التركي في الدولة المذكورة. وبهذا، فإن حركة التوابين هي أيضًا مظهر من مظاهر هذا الخلاف. ولتقييم هذا الرأي، ينظر الكاتب في الأحداث التي وقعت بعد وفاة النبي (ص) وحتى حركة التوابين، لمعرفة مدى صحة هذا الرأي.
أول نقطة في هذا الصدد هي أن الروابط القبلية عادة ما تكون مصدر تأثير اجتماعي واسع في البيئات المغلقة ما قبل المدنية، مثل المجتمعات البدوية والريفية. وعندما يدخل أفراد هذه المجتمعات إلى بيئة حضرية أوسع، يحدث انقطاع في العلاقات القبلية ناتج عن انخفاض الاعتماد المعيشي والاجتماعي لأفراد القبيلة الواحدة على بعضهم البعض في البيئة الحضرية – حيث يتم تلبية هذه الاحتياجات من خلال المؤسسات والمنظمات المسؤولة – وبالتالي تقل الآثار الاجتماعية لهذه العلاقة.
نقطة أخرى هي أنه عندما تتعرض الثقافة القبلية لثقافة أوسع وأكثر شمولاً ، فإن الشعور بالدونية والسعي لتحقيق المكانة في المجتمع الأكبر يدفع أفراد القبيلة إلى إحداث شقاق وانشقاق في الروابط القبلية. ومن الطبيعي أنه كلما كانت الثقافة المتفوقة أكثر شمولاً وجاذبية، زاد اختراقها للثقافات الفرعية. لذا، عندما أصبح الإسلام دينًا عالميًا يستوعب أفرادًا من مختلف القوميات، وبعد فتح مكة، دخلت أفواج بشرية في هذا الدين، قام هؤلاء الأفراد بدمج هويتهم السابقة إلى حد كبير في هويتهم الجديدة ، وأصبحت تلك الهوية مهمشة تحت ظل هويتهم الجديدة. وقد تحرك المعارضون للهوية الجديدة لشعورهم بهذا الخطر ، كما حدث مع عبد العزى بن عبد المطلب (أبو لهب)، عم النبي (ص)، الذي وقف في وجهه بعد إعلانه للدعوة، متجاوزًا روابط القرابة. وقد دعا النبي (ص) أقاربه إلى اجتماع بعد نزول الآية «وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (الشعراء/ ٢١٤)، وحذرهم من عذاب شديد إذا لم يؤمنوا. في هذا الاجتماع، قال أبو لهب للنبي (ص): “تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟” ثم قام. وقد قيل قبل أن يبدأ النبي (ص) بالكلام، نسبه إلى السحر وتسبب في تفرق الجمع. وخاطب أقاربه قائلاً: “خذوا بيده قبل أن يأخذ بيده غيركم، فإن نصرتموه قُتلتم، وإن تركتموه ذللتم”. إن هذه المواجهات بين أفراد العائلة الواحدة والأقارب من الدرجة الأولى في عصر النبي (ص)، والتي يمكن العثور على دلائل متعددة عليها في المصادر التاريخية ، تمثل مظهرًا من مظاهر التعارض بين الثقافتين المذكورتين.
تُظهر الدراسات التاريخية للحروب التي وقعت بعد عصر النبي (ص) أيضًا أن العصبية القبلية لم تكن عنصرًا حاسمًا في الأحداث التاريخية ، فقد شهدنا في حروب متعددة قبائل موحدة على جانبي القتال. وفيما يلي بعض الأمثلة:
١-١. عصر خلافة الإمام علي (ع) ١-١-١. معركة الجمل
وفقًا لما ورد في “تاريخ الأمم والملوك”، كان المضريون في هذه المعركة يواجهون المضريين، والربيعيون يواجهون الربيعيين، واليمنيون يواجهون اليمنيين. ويذكر نفس المصدر أن “ديان” كان يضم مجموعتين: كوفية وبصرية. ويذكر قائد الأزد في جيش علي (ع) باسم مخنف بن سليم، وقائد الأزد في جيش عائشة باسم عبد الرحمن بن جشم بن أبي حنين الحمامي. بالإضافة إلى الأزد، كانت قبائل مذحج، وربيعة، وهمدان، وخثعم، وقضاعة، وقيس غيلان، وخزاعة موجودة على جانبي المعركة.
كما يتضح، لم يكن أفراد القبيلة الواحدة في طرفين متقابلين فحسب، بل كان من كلتا القبيلتين القحطانية والعدنانية منخرطين في الصراع. بل وأكثر من ذلك، كان أحيانًا شقيقان يتواجهان في صفوف المعركة، كما حدث مع ابني أبي بكر، الخليفة الأول للإسلام، حيث كان عبد الرحمن بن أبي بكر من أنصار عائشة ، بينما كان محمد بن أبي بكر مع علي (ع).
٢-١-١. معركة صفين
في هذه المعركة، كانت قبائل كنانة، وبنو قيس، وأزد، وقضاعة، ومذحج، وهمدان، وخثعم، وبجيلة، وكندة على جانبي القتال. وكان المضريون من الكوفة والبصرة في وسط وقلب الجيش، واليمانيون في الجناح الأيمن، وبنو ربيعة في الجناح الأيسر من جيش علي (ع). وفي هذه المعركة، أمر علي (ع) بأن يواجه الأزد والخثعميون من العراق نفس القبائل من الشام، وأن تواجه كل قبيلة من العراق نفس القبائل من أهل الشام. وفي هذه المعركة نفسها، جاء اليمنيون بمساعدة عمرو بن العاص ضد محمد بن أبي بكر، وقام ابن حُدَيج الكندي، وهو من القبائل اليمنية، بملاحقة محمد بن أبي بكر وقتله. وفي هذه المعركة، كان حجر بن عدي في جيش علي (ع) يواجه ابن عمه حجر بن يزيد من جيش معاوية، وقد عرفا على التوالي بحجر الخير وحجر الشر. وكذلك أبو شجاع الحميري من جيش علي (ع) وذو الكلاع الحميري من جيش معاوية، وزياد بن النضر من جيش علي (ع) في مواجهة أخيه من جيش معاوية.
في هذه المعركة نفسها، التقى عبد الله بن حنّس الخثعمي، قائد الخثعميين الذين كانوا مع معاوية، بأبي كعب الخثعمي، قائد خثعميين جيش علي (ع)، وأرسل إليه رسالة مفادها: “إذا أردت أن نكف أيدينا، فلن نقاتل. وإن انتصر صاحبك، كنا معكم، وإن انتصر صاحبنا، كنتم معنا”. ولكن أبا كعب رفض هذا الاقتراح. وكذلك أدهم بن محرز الباهلي في جيش معاوية ضد شمر بن ذي الجوشن الباهلي في جيش علي (ع) ، وقيس بن يزيد من جيش معاوية ضد أخيه أبي العمرطة بن يزيد من جيش علي (ع) ، وذو النواس بن هذيم بن قيس العبدي من أنصار معاوية ضد ابن عمه حارث بن منصور. وجون بن مالك الحضرمي من جيش معاوية ضد مالك بن يسار الحضرمي من جيش علي (ع).
٢-١. عصر خلافة يزيد
عندما كان عمرو بن سعيد حاكمًا للمدينة من قبل يزيد بن معاوية، قام عمرو بن الزبير، قائد حرس هذه المدينة، بمحاولة ضد أخويه عبد الله بن الزبير والمنذر بن الزبير.
١-٢-١. حركة مسلم بن عقيل
عندما سجن ابن زياد هانئ بن عروة، الذي آوى مسلم بن عقيل، قام مسلم بن عقيل بجمع أهل الكوفة لإنقاذه، وعقد لكل قبيلة راية وعين لها أميرًا. ومن هؤلاء، عين عبد الرحمن بن عزيز الكندي أميرًا على ربيعة، ومسلم بن عوسجة على قبائل مذحج وبني أسد ، وأبا ثمامة الصائدي أميرًا على قبيلتي همدان وتميم. وبنظرة إلى قائمة أسماء القبائل التي حشدها مسلم بن عقيل، يتضح أن فردًا يمنيًا من قبيلة كندة يرأس قبيلة ربيعة العدنانية، أو أن أميرًا واحدًا يحكم على كلتا القبيلتين اليمنية والمضرية، همدان وتميم. وبالإضافة إلى ذلك، عندما سعى عبيد الله بن زياد إلى تفريق الناس عن مسلم بن عقيل، كان عبيد الله بن كثير بن شهاب هو الذي سعى في هذا الأمر بمساعدة أفراد من قبيلة مذحج اليمنية. وعندما التجأ مسلم إلى منزل طوعة، كان محمد بن الأشعث الكندي من القبيلة اليمنية هو الذي ترأس ستين أو سبعين رجلاً من أهل قيس (العدنانية) لاعتقال مسلم وتسليمه لابن زياد.
١-٢-١. حادثة كربلاء
إذا نظرنا إلى جانبي المعركة في حادثة عاشوراء، فبغض النظر عن أن قادة الجبهتين لا يندرجون ضمن التصنيف القيمي المذكور، ذلك أن الإمام الحسين (ع) ينتمي إلى الفرع العدناني، ويزيد يرجع نسبه إلى القحطانيين (اليمنيين)، فإن الأفراد الذين كانوا مع الإمام الحسين (ع) ليسوا جميعهم من اليمنيين. فكما أن لدينا هؤلاء الأفراد من الفرع العدناني في قائمة شهداء جيش الإمام (ع) : أبو عمرو النهشلي الخثعمي، أدهم بن أمية العبدي، بكر بن حي بن تيم الله بن ثعلبة التميمي، جابر بن حجاج مولى عامر بن نهشل التميمي، جناب بن عامر بن كعب التميمي، جوين بن مالك التميمي، حر بن يزيد التميمي اليربوعي، زهير بن بشر الخثعمي، سعد بن حنظلة التميمي، سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، سيف بن عبد الله مالك العبدي، عامر بن مسلم بن طريف العبدي، عبد الرحمن مسعود التميمي، عبد الله بن بشر الخثعمي، عبيد الله بن يزيد بن نبيط العبدي، عمرو بن ضبيعة بن قيس التميمي ، قاسط بن زهير التغلبي، ضرغامة بن مالك التغلبي، كردوس بن زهير (كرش) التغلبي، كنانة بن عتيق التغلبي، مسعود بن حجاج التميمي، يحيى بن سليم المازني، يزيد بن نبيط، يزيد بن مسعود العبدي.
٣-٢-١. عشية قيام التوابين
بعد وفاة يزيد بن معاوية، عندما عاد مأمورو أخذ البيعة من عبيد الله بن زياد من أهل الكوفة إلى البصرة، وأبلغوا أهل البصرة برفض أهل الكوفة قبول ولاية عبيد الله بن زياد، شرع أهل البصرة، شأنهم شأن أهل الكوفة، في معارضة عبيد الله بن زياد. فاضطر عبيد الله إلى مغادرة مقر حكمه في البصرة. وقد طلب المساعدة من الحارث بن قيس الأزدي، من قبائل اليمنيين، لإنقاذ حياته من أهل البصرة. فتمكن الحارث ليلاً من اصطحاب عبيد الله بن زياد إلى مسعود بن عمرو، كبير قبيلة الأزد في البصرة، ومكث عبيد الله فترة في منزل مسعود بن عمرو حتى تهيأت له الفرصة للخروج من البصرة والذهاب إلى دمشق. وفي معركة مرج راهط التي دارت بين الضحاك بن قيس الفهري من طرف عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم، كان جيش الضحاك من العدنانيين، وجيش مروان الذي كان حاكمًا أمويًا في زمن ثورة التوابين يتكون من اليمنيين. وعندما دعا سليمان بن صرد الخزاعي أهل الكوفة للتجمع في النخيلة لمواجهة أهل الشام، كان اثنان من رسله لجمع الناس: أحدهما حكيم بن منقذ الكندي (يماني)، والآخر وليد بن غضين الكناني (عدناني). وقد استمر هذا النمط بعد ثورة التوابين أيضًا ، ففي حادثة ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي، كان شمر بن ذي الجوشن يقاتل مع الناس من أصل يمني ضد المختار. ويمكن ذكر العديد من الأمثلة المشابهة في الفترات اللاحقة لهذا التاريخ. وما تم ذكره هنا هو مجرد إحصاء انتقائي من حالات عديدة، نظرًا لمحدودية صفحات المقال.
١-٣-٢-١. قادة التوابين
بعد ما تقدم، حان الوقت للخوض في نسب التوابين وتقييم الأصل القبلي لقادة التوابين، وكذلك فئة التوابين الذين ورد ذكرهم في المصادر التاريخية ، وذلك لمعرفة ما إذا كان ثوار التوابين ينتمون إلى أصل يمني واحد أم لا ، وكذلك دراسة المعنى القيمي لهذا الأصل.
كان قادة التوابين خمسة أشخاص، وهم: سليمان بن صرد الخزاعي، عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، رفاعة بن شداد البجلي، عبد الله بن وال التميمي، والمسيّب بن نجبة الفزاري. ومن هؤلاء، ينتمي الثلاثة الأخيرون إلى قبائل بجيلة وتميم وفزارة، ويعتبرون من العرب العدنانية (الشمالية). أما القبيلتان الأخريان، وهما خزاعة وأزد، فهما من العرب اليمنية. ومن الملاحظ أن نسب قادة التوابين الخمسة ليس متجانسًا، بل إن السيطرة الجغرافية ليست لليمنيين.
٢-٣-٢-١. سائر التوابين
من خلال البحث في قائمة أسماء التوابين في المصادر التاريخية، بالإضافة إلى القادة المذكورين أعلاه، تم ذكر ثلاثين شخصًا آخرين بشكل متفرق. هذه الأسماء كالتالي:
عبيد الله بن عبد الله المري (مُبلِّغ أفكار التوابين بين الناس)، كثير بن عمر المزني، صخر (أو صُحَيْر) بن حذيفة (أو هلال) المزني (أو المري)، عبيدة بن سفيان المزني، أبو المعتمر حنش بن أبي ربيعة الكناني، ظبيان بن عمارة التميمي السعدي، عبد الله بن خطل الطائي، عبد الله بن مالك الطائي، حكيم بن منقذ الكندي، عبد الله بن خازم الكندي، وليد بن غضين الكندي (أو الكناني)، عبد الله بن عزيز الكندي (أو الكناني)، خالد بن سعد بن نفيل الأزدي، حميد بن مسلم الأزدي، سدي بن كعب الأزدي، كريب (أو كرب) بن يزيد الحميري، أبو الحويرث العبدي، مثنى بن مخربة العبدي ، عبد الله بن عوف بن أحمد سعد (أو نصر بن أبي سعد أو أبي نصر) الحنفي، عمرو بن عمرو بن بشر، حليس بن غالب، سعد بن حذيفة اليماني، حصين بن يزيد، عبد الرحمن (أو عبد الله) بن عزية، وهب بن زمعه، كرب بن نمران، وعبد الله بن حر الجعفي.
كما يلاحظ، يضم التركيب القبلي لهؤلاء الأفراد طوائف: مري، مزني، كناني، تميمي، طائي، كندي، أزدي، حميري، وعبدي. من القبائل التسع المذكورة في تحديد هوية الأفراد المذكورين في ثورة التوابين، خمس قبائل: مري، طائي، كندي، أزدي، وحميري، هي من أصل يمني ، وأربع قبائل: مزني، كناني، تميمي، وعبدي، هي من أصل عدناني. وهكذا يتضح أن ثلاثة من قادة التوابين الخمسة ينتمون إلى قبائل عدنانية، وعلى مستوى قادة الثورة، فإن الغلبة القبلية للعدنانيين. ولكن توجههم كان تضحويًا وفي سبيل القيم المطالبة بالحق، مما يدل على أن الانتماء الجغرافي والنسبي لا يمكن أن يكون أساسًا للتوجه القيمي. بالإضافة إلى ذلك، فإن مبدأ الانتساب إلى أنساب مختلفة بين العرب، أكثر من كونه دليلاً على العرق، يشير إلى تحالف بين القبائل ذات المصالح الواحدة والمنافع المشتركة، ومن ضمنها الأهداف الأمنية والدفاعية. وبما أن هذه التحالفات استمرت لزمن طويل، فقد تحولت إلى نسب ، وأصبح أفرادها يشعرون بأنهم من عائلة واحدة وأب واحد ، وكم من مرة حدث أن أدت الحرب إلى إخضاع القبائل المهزومة لسلطة القبائل المنتصرة، واستمرار هذا الخضوع والتحالف والجوار بينهم أدى إلى اعتبارهم من نفس النسب.
بعبارة أخرى، فإن التوجه القحطاني والعدناني هو مظهر من مظاهر التحدي الذي واجهه العرب في العصر الإسلامي، والذي سعى أصحابه إلى إعطائه صبغة قديمة وسابقة وإعادته إلى العصر الجاهلي ، وأن الذين قاموا بالتدوين كانوا يملكون ميولًا من الصداقة أو العداوة لهذه الفئة أو تلك.
الخلاصة أنه بافتراض صحة انتساب الأفراد والقبائل إلى أنسابهم، فإن النظرة إلى تنظيم المهاجرين في المدن المستحدثة كالكوفة، توضح أن الترابط والحمية القبلية بين القبائل المنسوبة إلى اليمانية والعدنانية لم تكن كافية لتدل على اتساق توجهاتهم الاجتماعية والسياسية. بل على العكس، أدت التوترات الداخلية بينهم إلى سعي الحكام المختلفين إلى دمجهم مع قبائل اعتبرت في الدراسات التاريخية من قبائلهم، وذلك بهدف تحقيق نوع من الاستقرار والاندماج الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، في التقسيم الأول لأهل الكوفة الذي قام به سعد بن أبي وقاص، أسكن اليمنيين في الجانب الشرقي والنزاريين (العدنانيين) في الجانب الغربي من المدينة. ولكن بعد فترة، وبسبب الخلافات والمنازعات التي نشأت، قام سعد، بعد استشارة عمر، بتقسيمهم إلى سبع مجموعات. وقد شهد هذا التقسيم للسكان تغيرات أيضًا في عهد حكم علي (ع) وزياد بن أبيه.
النتيجة الختامية
فيما يتعلق بتأثير نسب الأفراد من القبائل العربية في سلوكهم الاجتماعي والسياسي، يجب مراعاة عدة نقاط. أولًا، مدى صحة الادعاء بالانتماء إلى نسب معين، ذلك أن جزءًا من الأنساب المذكورة في المصادر التاريخية وكتب الأنساب نشأ عن تحيز المؤلفين تجاه فئة معينة من القبائل، وفي الواقع كان ذلك بناءً على نسب مختلقة ومزورة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحدود الفاصلة بين الانتماء النسبي والروابط الناشئة عن التحالف والمصالح المشتركة بين القبائل ليست واضحة، وقد يؤدي تحالف القبائل على مر الزمن إلى اعتبارهم من نفس العرق ووحدة النسب. وكذلك ، فإن نظرة إلى سجلات النزاعات التاريخية بين مختلف القبائل العربية تظهر أن العديد من الأفراد المنتسبين إلى قبيلة واحدة قد وقفوا على طرفي نقيض في النزاعات السياسية والعسكرية، أو حتى أن أفرادًا منتسبين إلى قبيلة واحدة قد قاموا بأعمال اجتماعية وسياسية في أوقات مختلفة بمواقف متناقضة. لذا، لا يمكن اعتبار مجرد الانتماء إلى قبيلة أو عشيرة معينة أساسًا للحكم على التوجه الاجتماعي والسياسي للأفراد أو القبائل.
المصادر والمراجع
- ابن الأثير، عز الدين علي بن محمد. (١٤٠٧). الكامل في التاريخ. تحقيق: أبي الفداء عبد الله القاضي. بيروت: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى.
- ابن كثير، أبو الفداء. (١٩٦٦). البداية والنهاية. بيروت، رياض: مكتبة المعارف، مكتبة النصر، الطبعة الأولى.
- ابن عبد ربه الأندلسي، أبو عمر أحمد بن محمد. (١٣٧٢). العقد الفريد. شرحه وضبطه وصححه: أحمد أمين، أحمد المزني، إبراهيم الأبياري. القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.
- الأصفهاني، أبو الفرج. (بي تا). مقاتل الطالبيين. ترجمة: سيد هاشم رسولي محلاتي. طهران: كتابفروشي صدوق.
- آيينه وند، صادق. (١٣٨٧). قيام حجر بن عدي وقيام توابون. طهران: نشر علم، الطبعة الأولى.
- البلاذري، أبو العباس أحمد بن يحيى بن جابر. (١٣٧٧). فتوح البلدان. حققه وشرحه وعلق على حواشيه وقدم له: عبد الله أنيس الطباع، عمر أنيس الطباع. بيروت: دار النشر للجامعيين.
- الحموي الرومي البغدادي، ياقوت بن عبد الله. (بي تا). معجم البلدان. بيروت: دار صادر، دار بيروت.
- الدينوري، ابن قتيبة. (١٤١٠). الإمامة والسياسة. تحقيق: علي شيري. بيروت: دار الأضواء، الطبعة الأولى.
- الدينوري، أبو حنيفة أحمد بن داود. (بي تا). أخبار الطوال. تحقيق: عبد المنعم عامر. بغداد: مكتبة المثنى.
- الرازي، أبو علي مسكويه. (١٣٧٩). تجارب الأمم. حققه وقدم له: الدكتور أبو القاسم إمامي. طهران: دار سروش للطباعة والنشر، الطبعة الثانية.
- رضوي أردكاني، أبو الفاضل. (١٣٩٠). قيام مختار. طهران: شركة چاپ و نشر بين الملل، الطبعة الثامنة.
- زرگري نژاد، غلام حسين. (١٣٨٣). نهضت امام حسين و قيام كربلا. طهران: انتشارات سمت، الطبعة الأولى.
- شهيدي، سيد جعفر. (١٣٥٨). پس از پنجاه سال. طهران: أمير كبير، الطبعة الأولى.
- الطبری، أبو جعفر محمد بن جرير. (بي تا). تاريخ الأمم والملوك. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
- عبد ديكسون، عبد الأمير. (١٣٨١). خلافت أموي. ترجمة: گيتي شكري. طهران: انتشارات طهوري، الطبعة الأولى.
- علي، جواد. (١٩٦٨). المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. بيروت، بغداد: دار العلم للملايين، مكتبة النهضة، الطبعة الأولى.
- كحاله، عمر رضا. (١٣٨٨). معجم قبائل العرب القديمة والحديثة. بيروت: دار العلم للملايين، الطبعة الثانية.
- محمد جعفري، سيد حسين. (١٣٦٤). تشيع در مسير تاريخ. ترجمة: سيد محمد تقي آيت اللهي. طهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامي، الطبعة الثالثة.
- المسعودي، علي بن حسين بن علي. (١٤٠٤). مروج الذهب ومعادن الجواهر. قم: دار الهجرة، الطبعة الثانية.
- المفيد، أبو عبد الله محمد بن محمد بن نعمان. (١٣٦٧). نبرد جمل. ترجمة: د. محمود مهدوي دامغاني. طهران: نشر ني، الطبعة الأولى.
- المنقري، نصر بن مزاحم. (١٣٦٦). پيكار صفين. تصحيح وشرح: عبد السلام محمد هارون. ترجمة: پرويز أتاييكي. طهران: سازمان انتشارات و آموزش انقلاب اسلامي، الطبعة الأولى.
- ولهاوزن، يوليوس. (١٣٧٥). تاريخ سياسي صدر اسلام. ترجمة: د. محمود رضا افتخارزاده. قم: دفتر نشر معارف اسلامي، الطبعة الأولى.
- اليعقوبي، أحمد بن يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح. (١٤١٣). تاريخ اليعقوبي. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى.