أُسُس حضارة العلوم العقلية في فكر الصدوق والمفيد الكلامي

الملخص: إن مسيرة الحضارة في العلوم تنشأ من تطور أفكار العلماء. ومن البديهي أن العلوم قد تكون في بداياتها بسيطة وساذجة، لكنها تنمو وتتعمق وتتوسع بمرور الزمن حتى تبلغ كمالها. أحد هذه العلوم هو علم الكلام، الذي حوى في قراءة العلماء المسلمين مضامين عالية، وتوفرت له بمرور الزمن أسباب النمو والتطور، واستطاع أن يترك أثراً بالغاً في العلوم العقلية. هذا البحث، بالمنهج الوصفي التحليلي، يبيّن كيف أسهم علماء الكلام الشيعة في العلوم العقلية، وفي المقابل، كيف استفادوا من تلك العلوم في مبانيهم. لقد بدأ علم الكلام كعلمٍ مستقل في زمن الشيخ المفيد. ورغم أن القضايا الكلامية كانت مطروحة قبل المفيد، وسعى بعض العلماء الدينيين كالنوبختيين والصدوق وغيرهم إلى جمع طائفة من قضاياه، ومهّدوا الطريق لنشوء هذا العلم ببيان توضيحي وأحياناً تبييني، إلا أن المفيد منحه هيكلاً وأساساً جديداً. ولهذا السبب، يمكن اعتباره منشأ ظهور علم الكلام كعلمٍ مستقل. وكما نشأت من هذا المنطلق طائفة من قواعد وأحكام العلوم العقلية الفلسفية. ويهدف هذا البحث إلى دراسة فكر الصدوق كعالم نصّي، والمفيد كعالم عقلي ، من زاوية أنهما استندا من جهة إلى تعاليم أهل البيت (ع)، ومن جهة أخرى أدّيا إلى تنظيم علم الكلام بشكل مختلف، وأُشرِبَت فيه قواعد فلسفية كأصالة الوجود، وقاعدة الإمكان والوجوب، وبرهان الصديقين، وبرهان الحدوث، وبرهان الفصل والوصل، وبرهان التمانع وغيرها، والتي حظيت فيما بعد بقوة ونمو وتطور متزايد في تطور العلوم العقلية.

مقدمة

لقد سعى الإنسان في مسيرة حياته الحقيقية دائماً إلى كشف الظواهر وتبيينها عقلياً. وهذا الميل إلى الحل العقلي للظواهر فتح الباب لاستكشاف العلوم العقلية. لذلك، لا يمكن تحديد مبدأ للميل العقلي والعلوم العقلية. ورغم أن بعض العلماء والمفكرين الكبار في التاريخ قد ذكروا أحكاماً للعلوم العقلية، إلا أن هذه العملية في الواقع ليست اكتشافاً للعلم العقلي، بل هي اكتشاف لأحكامه ومسائله. ومع أن بعض التيارات المذهبية في العصر الإسلامي حاربت كل شكل من أشكال العقلانية وعاندت التبيين العقلي لأي ظاهرة، إلا أنه بالنظر العميق والتأمل في أحوالهم وأفكارهم، يتضح أنهم لا يستطيعون ترك العقل بالكلية. وبالطبع، اتجه آخرون نحو العقلانية المحضة، وفي غضون ذلك، سلك آخرون طريقاً وسطاً. أي أنهم استفادوا من التجربة لتبيين الظواهر، ومن العقل، ومن النقل أيضاً. في الحقيقة، كانت هذه الفئة من العلماء والمفكرين الذين ظهروا، سواء في حياتهم أو بعد القرن الثالث، متأسين بتعاليم أهل بيت النبي (ص). وقد أدت هذه الطريقة من جهة إلى نوع من الابتكار، ومن جهة أخرى، كانت هي نفسها التي أوجدت المسار الحضاري في العلوم العقلية.

من الواضح أن الإبداعات والابتكارات في مجال العلوم العقلية إما أن تكون تأسيسية أو تأصيلية. الإبداعات التأسيسية هي نتاجات لا سابقة لها، أما الإبداعات التأصيلية فهي نظريات مسبوقة بسابقة، وتتجلى من خلال ومضات ذهنية، كما تظهر من خلال شرح وتوضيح المباني السابقة. ويطلق على هذا النوع من القضايا أيضاً اسم الإبداعات التطويرية. لا يسعى هذا البحث إلى كشف إبداعات وابتكارات العلماء المسلمين الشيعة في مسار حضارة العلوم العقلية، بل يتقصى أُسُس الفكر في مجال العلوم العقلية ويظهرها بحسب فهمه. وفي هذا السياق، تم اختيار التيار الفكري للصدوق كأحد العلماء النصيين، والمفيد كعالم عقلي في مجال علم الكلام، ليتضح تأثير فكرهما في اختلاف علم الكلام. وكذلك ليتضح كيف نظّما التوجه العقلي لحل الظواهر، وكيف نشأ نمو وتطور العلوم العقلية من هذا المبدأ الفكري.

بالنظر إلى منهج الصدوق والمفيد اللذين كانا يتبعان تعاليم أهل البيت (ع)، ومن الواضح أنهما استفادا من تلك التعاليم في مسار استدلالاتهما ، يمكن القول بقطعية إن الصدوق، بناءً على تلك التعاليم نفسها، كانت له أحياناً إبداعات تطويرية وأحياناً أخرى إبداعات تأسيسية. ولهذا السبب، نشأت فرضية مفادها أن الصدوق إذا استفاد من العقل والاستدلالات العقلية، فإنه في الحقيقة قد استفاد من العقل في مسار شرح وتوضيح تلك النصوص. بعبارة أخرى، هذه هي المسألة التي تم بيانها وقولها في هذا البحث. في منهج الصدوق، العقل متأخر عن النصوص، بمعنى أن استدلالات الصدوق تتشكل من العقل والنقل، بحيث يشكل “النقل” أحد طرفي البرهان و”العقل” الطرف الآخر. ولكن بما أن إبداعات المفيد كانت مبنية على العقل دون النقل، يمكن اعتباره مؤسساً لبعض المباني العقلية. بعبارة أخرى، قدّم المفيد العقل على النص والنقل واستفاد منه، أي أن طريقة نظرته إلى النصوص تُقاس بالعقل، وقد أظهر هذا في مواجهته لنصوص الأشباح.

الصدوق والمفيد عالمان ومفكران كلاميان يتشابهان من جهة، ويتميزان عن بعضهما من جهة أخرى. وجه التشابه بينهما هو أن كليهما استفاد من النص والنقل، وأن أسس استدلال كليهما مستقاة من تعاليم أهل بيت العصمة (ع). ولكن وجه التمايز بينهما يكمن في كيفية توظيف الأحكام والقواعد العقلية. فالصدوق يضع العقل في مسار استدلالاته ما دام لا يتعارض مع النصوص والوحي. ونتيجة لذلك، يكون العقل متأخراً عن النقل. ويمكن ملاحظة هذا المنهج للصدوق في استثماره لتعاليم أهل بيت العصمة والطهارة (ع) لاستخراج بعض القواعد العقلية، مثل برهان الصديقين، وبرهان التمانع، وبرهان الإمكان والوجوب، وبرهان الحدوث، وبرهان الفصل والوصل، وغيرها. أما المفيد، فقد جعل العقل أساساً لصحة شرح وتوضيح النصوص، وبه يختبر صحة النصوص. ولهذا السبب، تم بيان منهج تقديم العقل على النص لدى المفيد في هذا البحث. وقد استفاد منهج المفيد هذا أيضاً من تعاليم أهل البيت (ع). كما يمكن استنباط قاعدة أصالة الوجود من بحثه في إثبات وجود الله وأصل التوحيد.

١. العقل في قراءة المتكلمين النصيين

بنظرة خارجية إلى علم الكلام الشيعي، يمكن القول: إن المتكلمين الشيعة لم يستفيدوا من العقل كمصدر إلهام بمستوى واحد ونوع واحد. لقد نقل الصدوق روايات عن الإمام الصادق (ع) يمكن نسبة ظاهرها إلى العقل النظري، كروايات مثل: «قَالَ: مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ وَاكْتُسِبَ بِهِ الْجِنَانُ». و«سُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (ع) فَقِيلَ لَهُ: مَا الْعَقْلُ؟ فَقَالَ: التَّجَرُّعُ لِلْغُصَّةِ حَتَّى تَنَالَ الْفُرْصَةَ».

إن الصدوق، بناءً على هذه الأخبار التي نقلها، يولي اهتماماً في الحقيقة للعقل النظري نفسه، خاصة عندما يسعى لإثبات التوحيد أو الإمامة ويحتج على الطرف المقابل. وقد أورد رواية عن الإمام الصادق (ع) بخصوص الحق تعالى، أنه قال: «وَخَالِقُنَا لَا مَدْخَلَ لِلْأَشْيَاءِ فِيهِ، وَاحِدٌ أَحَدِيُّ الذَّاتِ وَأَحَدِيُّ الْمَعْنَى». لا يمكن الادعاء بأن الصدوق لم يفهم أي معنى من هذه الرواية، وإن كان من الممكن أن المعنى الذي قدم له الفلاسفة والعرفاء تحليلات واسعة لم يكن في ذهنه. بعبارة أخرى، فتح الفلاسفة من هذه العبارة الموجزة أبواباً. إن إدراك الحقيقة التي تعبر عنها هذه العبارة القصيرة ليس ممكناً للجميع، إلا لفئة بذلت جهوداً كبيرة في مجال الفلسفة والعرفان.

في تفسير الرواية المذكورة، قيل إن الله تعالى أحد، أي لا تركيب فيه، وهو بسيط غير مركب من أجزاء. هذا هو معنى “أحدي الذات”. أما معنى “أحدي المعنى” فهو أن كل صفة من صفاته متصفة بالأحدية كذاته، ولا تقبل أي حد، وبالتالي فإن صفاته عين ذاته. وقد بيّن الإمام الباقر (ع) كون الحق تعالى “أحدي المعنى” بأنه لا كثرة فيه من حيث المعاني الكثيرة: «مِنْ صِفَةِ الْقَدِيمِ أَنَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ صَمَدٌ، أَحَدِيُّ الْمَعْنَى وَلَيْسَ بِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ». ولهذا قال في تتمة الحديث: «إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يَسْمَعُ بِمَا يُبْصِرُ وَيُبْصِرُ بِمَا يَسْمَعُ». فالسمع والبصر ليسا شيئين مختلفين من حيث المعنى في ذات الحق تعالى، بل هما شيء واحد، ولكنهما شيئان مختلفان من حيث المفهوم. فهو إذن مطلق، بل ومنزه حتى عن قيد الإطلاق. وهذا هو ما أذعن به العرفاء فقالوا: إن مقام الواحدية هو ظل وصورة وتفصيل لمقام الأحدية. وفي هذا المقام أيضاً، تنتفي الكثرة الوجودية، مع فارق أن الكثرة النسبية لا أثر لها في الأحدية، بينما في حضرة العلم والمقام الإلهي أو الألوهية، تتحقق الكثرة النسبية التي هي أصل الكثرة الخارجية. وإن شئت قلت: الأحدية والواحدية شأنان ذاتيان لمقام غيب الوجود، فالذات في مقام التجلي والتشان أو الاتصاف بالأحدية منزهة عن كل الكثرات.

إن التحليلات التي يقدمها الصدوق حول بعض الروايات التوحيدية تخرجه من كونه مجرد أخباري ومتكلم نقلي محض. ورغم أنه في بحث إثبات بعض القضايا الماورائية لا يرى العقل كافياً في الاستدلال، بل يعتبر نجاحات العقل وبراهينه مقبولة في ظل الوحي، بعبارة أخرى، يستفيد الصدوق من العقل وتطبيقاته عندما يتمكن من جعل النقل أحد طرفي مواد براهينه. وهو لم يتجاوز هذا المنهج في أي من كتبه، وظل متمسكاً به دائماً، بحيث يتكون انطباع بأنه يرى العقل والنقل فاعلين معاً.

نقل الصدوق روايات عن هشام بن الحكم تبيّن المنهج الكلامي لهشام، وأحياناً يورد الصدوق استدلالاته الخاصة في ذيل تلك الروايات، وهو ما يمثل وجه التمايز بين الصدوق وهشام. إذن، فإن التعقل عند الصدوق وهشام مسألة لا مفر منها في مواجهتهما للقضايا الكلامية، ولكن كلاً منهما قدم في هذا التعقل منهجاً خاصاً، بحيث يتشابه منهج ورؤية الصدوق وهشام من جهة، ويختلفان من جهة أخرى.

تشابه منهج ورؤية الصدوق مع هشام: (أ) كلاهما يرجعان إلى العقل في مقام الاستدلال. (ب) كلاهما يستفيدان من النقل في استدلالاتهما ويجعلانه إحدى مقدمات برهانهما.

وجه تمايز منهج ورؤية الصدوق عن هشام يتمثل في أن رؤية الصدوق تعتبر العقل غير كافٍ في فهم القضايا الدينية والكلامية، وتراه فاعلاً إلى جانب النقل. كما أنه يعتبر العقل معتبراً دائماً بعد النقل. أما منهج ورؤية هشام، فأحياناً يكون منهجاً عقلياً محضاً يختاره لإثبات القضايا الدينية ، وأحياناً يلاحظ في استدلالاته أن العقل يسبق النقل، بحيث لا يستخدم الروايات التي لا تتوافق مع العقل. وأحياناً أخرى، لا يستفيد في استدلالاته من النقل مباشرة، بل يعقلن مفهوم ومحتوى النقل ويجعله موضع استدلال وبرهان.

٢. دراسة تحليلية ومقارنة لمكانة العقل والعلوم العقلية في الفكر الكلامي للصدوق والمفيد

في عقيدة الصدوق، لا يستطيع العقل بدون مساعدة الوحي أن يعرف الله كما ينبغي ، لا أن النتائج العقلية ومستنبطاتها لا اعتبار لها بالمرة. والجدير بالذكر أن الكثير من الاحتجاجات العقلية والاستدلالات النظرية للأئمة (ع) في مجال العقائد قد جمعها الصدوق ووصلت إلى المتكلمين اللاحقين. بعبارة أخرى، لم يعر الصدوق في كتبه الاعتقادية، في الغالب، قيمة وأهمية للإدراكات العقلية المحضة والاستفادة من هذا المصدر المهم -دون الأخذ بنظر الاعتبار النقل- ولم يلتفت إليه عملياً، ولكنه في الوقت نفسه لم ينهض لمحاربته. ولعل هذا النوع من تعامل الصدوق مع المباحث العقلية كان بسبب ظروف عصره، حيث كان يميل إلى ترويج أحاديث الأئمة (ع) في الرد على أسئلة العصر، لا أنه لم يكن لديه فهم لتلك المباحث. وإلا، لتبادر إلى الذهن وهم أنه بنقله لتلك الطائفة من روايات المعصومين (ع) قد صدّق بلا تصور. في حين أن التوضيحات والتفاسير التي أوردها بشأن بعض روايات كتاب التوحيد تثبت عكس هذا المعنى، ويبدو بعيداً عن شخصيته أن يكون جاهلاً بمثل هذه المباحث.

أما في رؤية المفيد، فالمعرفة بالله والأنبياء أمر اكتسابي. أي أنه بناءً على رؤيته، فإن معرفة الله والأنبياء ليست أمراً توقيفياً، بل يعتقد أنه إذا تم الإعراض عن استخدام العقل والاستدلال، فسيتم السير في طريق التقليد، وهذا النوع من التقليد يعتبر مذموماً. وهو أيضاً في موضع آخر وفي سياق هذا الاعتقاد، يوسع نطاق استخدام العقل من أصول العقائد إلى أصول أحكام الشريعة، ويقول: «أصول أحكام الشريعة ثلاثة أقسام… وطريق الوصول إلى العلم الشرعي في هذه الأصول أيضاً ثلاثة طرق: الأول العقل، وهو طريق لمعرفة حجية القرآن وأدلة الخبر. الثاني، الاستعمالات اللغوية، وهو طريق لمعرفة معاني الكلام. الثالث، الأخبار، وهو طريق لكشف وإثبات مصادر الأصول من القرآن والسنة وأقوال الأئمة (ع)».

بناءً على بعض معطيات المفيد، يبدو أنه قد تناول حجية القرآن (الوحي) بواسطة العقل. ولهذا السبب، ألف في مجال العقائد رسائل ليست مجرد مجموعة من الأحاديث والأخبار، بل تحتوي أحياناً على عبارات حادة تجاه النصيين وأعداء العقل. وقد ألف رسالة في هذا الباب بعنوان “مقابس الأنوار في الرد على أهل الأخبار”. يمكن تتبع فكر المفيد العقلي في مجموعة كتبه. لقد استفاد من استعمالاته اللغوية في قالب كلمات ومصطلحات كلامية للرد على أسئلة السابقين. وله استدلالات بيّن فيها أصول بعض القواعد في الفلسفة الإسلامية باستعمال لغوي-كلامي يمكن مطابقته مع بعض القواعد الفلسفية. ونشير هنا إلى بعضها، حيث يقول: «فإن قيل ما حد الواجب وما الممكن؟ فالجواب: الواجب هو الذي لا يفتقر في وجوده إلى غيره ولا يجوز عليه العدم، والممكن هو الذي يفتقر في وجوده إلى غيره ويجوز عليه العدم». فإذا سُئل: هل مُوجِد الحوادث واجب الوجود أم ممكن الوجود؟ أُجيب بأن واجب الوجود هو الذي يُوجِد الحوادث. فإذا سُئل: ما تعريف الواجب والممكن؟ قيل في الجواب: الواجب هو الموجود الذي لا يحتاج في وجوده إلى غيره، أي أن وجوده لذاته ومتقوم بذاته لا بشيء آخر، والعدم لا يسبقه، أي أن وجود الباري تعالى ليس مسبوقاً بالعدم ليتصور شيئية العدم في مقابل الوجود. والممكن هو الشيء الذي يحتاج في وجوده إلى غيره، ووجوده مسبوق بالعدم.

يشير الشيخ المفيد في تعريف الواجب إلى شرطين يوضحان عدم قابلية الواجب للتعريف، ويكشفان عن أصالة الوجود. فهو يقول: “لا يحتاج في وجوده إلى غيره”، أي أن وجوده ذاتي لذاته، وبعبارة أخرى، لا ماهية له إلا ذاته ووجوده. وقوله “لا يجوز عليه العدم” يعني أنه ليس موجوداً حادثاً مسبوقاً بالعدم، فوجوده موجود دائماً، وحيثما يكون “الوجود” موجوداً، لا مدخل للعدم. فكل ما هو كائن، فهو وجوده لا غير. يمكن مطابقة هذا المعنى مع معنى أصالة الوجود في الحكمة المتعالية، والذي جرى على لسان المفيد بمصطلحات كلامية في استعماله اللغوي.

إذن، حتى الآن يمكن القول إن الاختلاف المنهجي بين الصدوق والمفيد في المباحث الكلامية يكمن في استخدام العقل ونسبة التفاعل بين العقل والوحي (النقل). فالصدوق يرى العقل متأخراً عن النقل، بينما يرى المفيد العقل مقدماً على النقل، بمعنى أنه في مواجهة القضايا الكلامية، يستخدم العقل أولاً ثم يقدم النقل كمؤيد ومنطبق عليه. أي أنه يظهر بذلك أنه حيثما كان حكم العقل، فإن النقل لا يتخطاه، وإذا حدث اختلاف بين العقل والنقل في موضع ما، فإما أن يؤوّل النقل أو يتوقف عنده. ويمكن ملاحظة هذا المنهج للمفيد في مواجهة القضايا الدينية في نوع تفسيره لروايات الأشباح، وهي الروايات التي أوردها الكليني، ومفادها أن الأئمة الأطهار (ع) كانوا موجودين عند الحق تعالى قبل الخلق، أو أنهم كانوا نوراً في حضرة الحق تبارك وتعالى: «قَالَ لِي أَبُو جَعْفَرٍ (ع): يَا جَابِرُ! إِنَّ اللهَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ خَلَقَ مُحَمَّداً (ص) وَعِتْرَتَهُ الْهُدَاةَ الْمُهْتَدِينَ، فَكَانُوا أَشْبَاحَ نُورٍ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ. قُلْتُ: وَمَا الْأَشْبَاحُ؟ قَالَ: ظِلُّ النُّورِ، أَبْدَانٌ نُورَانِيَّةٌ بِلَا أَرْوَاحٍ، وَكَانَ مُؤَيَّداً بِرُوحٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ رُوحُ الْقُدُسِ، فَبِهِ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ وَعِتْرَتُهُ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ حُلَمَاءَ عُلَمَاءَ بَرَرَةً أَصْفِيَاءَ، يَعْبُدُونَ اللهَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالسُّجُودِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، وَيُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ وَيَحُجُّونَ وَيَصُومُونَ».

يُضعّف المفيد هذه النظرية والروايات التي نقلها محمد بن سنان والمفضل بن عمرو وغيرهما ويردّها، وفي الحقيقة يناقشها ويحاربها. وفي معرض تعريضه لقول القائلين بالتقدم الوجودي لصور وأشباح المعصومين من آل بيت النبي (ص) قبل وجود آدم (ع)، يرى هذا القول باطلاً وبعيداً عن الحق ، بحيث لا يعتقده متعلم مبتدئ ولا يتدين به عالم محقق. وإنما يقول به التيار الفكري للغلاة الجهلة وفرقة الحشوية المنشعبة من الشيعة، وهم لا بصيرة لهم بالمعاني الحقيقية ولا يعلمون حقيقة الكلام.

وفي موضع آخر يصرح بأن الأخبار الواردة عن الأئمة (ع) في شأن الأشباح وخلق الأرواح قبل خلق آدم (ع) بألفي عام، كلها باطلة. «ما قوله أدام الله تأييده في معنى الأخبار المروية عن الأئمة الهادية (ع) في الأشباح وخلق الله تعالى الأرواح قبل خلقه آدم (ع) بألفي عام وإخراج الذرية من صلبه على صور الذر. ومعنى قول رسول الله (ص): “الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف”. الجواب وبالله التوفيق، إن الأخبار بذكر الأشباح تختلف ألفاظها وتتباين معانيها، وقد بنت الغلاة عليها أباطيل كثيرة وصنفوا فيها كتباً لغوا فيها وهذوا فيما أثبتوه منه في معانيها…». وفي استنتاجه النهائي، ينفي أولاً إنكار العقل، ثم ينبّه على عدم تضاد الروايات مع العقل. وهذا هو المنهج العقلي الديني الذي يلاحظ بدرجات متفاوتة حتى عند الحكماء الذين أتوا بعدهم، خاصة الحكماء الذين سلكوا المنهج الإشراقي والحكمة المتعالية.

ولعل بالإمكان القول بجرأة إن المفيد في هذه المناقشة حول روايات الأشباح قد اعتقد بنوع ما بعدم وجود الروح قبل البدن، كما استدل عليه الملا صدرا وعبّر عنه بعنوان “الجسمانية الحدوث والروحانية البقاء”.

١-٢. منهج الصدوق في القضايا الكلامية

إن منهج الصدوق في القضايا الكلامية مبني على العقل، رغم أنه يأخذ أصول فكره العقلي من النصوص الشرعية. فهو بنقله روايات عن النهي عن الجدال، يعتقد أنه لا ينبغي الجدال في مسألة الحق تعالى: «وَسُئِلَ الصَّادِقُ (ع) عَنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ} قَالَ: إِذَا انْتَهَى الْكَلَامُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَأَمْسِكُوا». أو قوله: «وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع): مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالْجَدَلِ…». لأنه يعتقد أن المتكلمين إذا جادلوا فقد هُددوا بالهلاك. ولكنه يجيزه بشرط واحد، فيقول: «الاستدلال على المخالفين بكلام الله والأئمة (ع)، أو بوساطة الأفكار التي هي منظور نظرهم، غير جائز بلا قيد لمن لا يملك هذه المهارة، بل هو ممنوع وحرام».

حتى إنه يعتقد: أن الذين يجوز لهم الاستدلال والجدال هم فقط من يجب عليهم أولاً أن يكونوا ماهرين في المباحث الكلامية، وثانياً يجب أن تكون استدلالاتهم في نطاق كلمات الله والأئمة. أي أن تكون لديهم المهارة في تفسير ونقل وتوضيح الأخبار. إذن، فإن دور الشخص المتخصص في علم الكلام من وجهة نظر الصدوق لا يُتصور أكثر من هذا المقدار. وهذا هو معنى تأخر العقل عن النقل. ولهذا يقول المفيد: «إن الصدوق كتب رسائل لم تكن مجرد مجموعات من الأحاديث، بل كانت مجموعات من أجوبته على الأسئلة، ولم يكن له شأن بالأحاديث وبيان تفسيرها. وكان من عادته أن يميز بين ما لا يُعرف بالعقل وما وسيلة معرفته الوحي».

يمكن تبرير هذا المنهج وهذه الرؤية للصدوق بشكل أفضل في كلام المحقق اللاهيجي. فهو يقول: «إن تحصيل المعارف بدليل ينتهي إلى قول المعصوم (ع) هو كلام ينتهي إلى طريق الصواب. وبرأيه، فإن المقدمات المأخوذة من المعصوم هي بمنزلة الأوليات في القياس البرهاني، وكما أن القياس البرهاني يفيد اليقين، فإن الدليل المؤلف من مقدمات مأخوذة من المعصوم يمكن أن يفيد اليقين، وذلك بأن يقال: هذا قول المعصوم، وكل ما هو قول المعصوم فهو حق، إذن هذه المقدمة حق». في الواقع، إن كلام المحقق اللاهيجي هذا يثبت الفرضية التي يسعى هذا البحث لبيانها. ولهذا السبب، ينقل الصدوق في كتاب التوحيد روايات عن هشام بن الحكم أن أبا شاكر الديصاني سأل الإمام الصادق (ع) عن الدليل على وجود الصانع، فعرّف الإمام في جوابه نفسه بأنه مصنوع، وبهذه الطريقة وبحصر عقلي أثبت وجود صانعه. «فَقَالَ لَهُ: أَ تَأْذَنُ لِي فِي السُّؤَالِ؟ فَقَالَ لَهُ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ. فَقَالَ لَهُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ لَكَ صَانِعاً؟ فَقَالَ: وَجَدْتُ نَفْسِي لَا تَخْلُو مِنْ إِحْدَى جِهَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ أَكُونَ صَنَعْتُهَا أَنَا، أَوْ صَنَعَهَا غَيْرِي. فَإِنْ كُنْتُ صَنَعْتُهَا أَنَا، فَلَا أَخْلُو مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إِمَّا أَنْ أَكُونَ صَنَعْتُهَا وَكَانَتْ مَوْجُودَةً، أَوْ صَنَعْتُهَا وَكَانَتْ مَعْدُومَةً. فَإِنْ كُنْتُ صَنَعْتُهَا وَكَانَتْ مَوْجُودَةً، فَقَدِ اسْتَغْنَتْ بِوُجُودِهَا عَنْ صَنْعَتِهَا. وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُحْدِثُ شَيْئاً. فَقَدْ ثَبَتَ الْمَعْنَى الثَّالِثُ أَنَّ لِي صَانِعاً وَهُوَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. فَقَامَ وَمَا أَحَارَ جَوَاباً». ثم يقول الصدوق في توضيح هذا الحديث: «الْقَوْلُ الصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ أَنْ يُقَالَ: عَرَفْنَا اللهَ بِاللهِ. لِأَنَّا إِنْ عَرَفْنَاهُ بِعُقُولِنَا فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ وَاهِبُهَا، وَإِنْ عَرَفْنَاهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَحُجَجِهِ (ع) فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ بَاعِثُهُمْ وَمُرْسِلُهُمْ وَمُتَّخِذُهُمْ حُجَجاً، وَإِنْ عَرَفْنَاهُ بِأَنْفُسِنَا فَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ مُحْدِثُهَا، فَبِهِ عَرَفْنَاهُ».

في الواقع، إن هذا الكلام التوضيحي للصدوق هو بيان بسيط وساذج لما نشأ بعد قرون بشكل فني وفلسفي تحت عنوان “برهان الصديقين”. وبالطبع، يمكن أن يكون لقول الصدوق “نحن نعرف الله بالله” نظرة أخرى، أي أننا يمكن أن نعرف ذات الله بواسطة فعل الله الذي يشمل جميع مخلوقاته. بعبارة أخرى، يمكننا أن نعرف الله بواسطة مظاهر أسمائه وصفاته، التي لكل منها تجليات، وظهوراتها في عالم الأعيان هي جميع المصنوعات والمحدثات. في الحقيقة، يوجد نوع من الاتحاد بين الدال والمدلول. كما أنه هو نفسه يشير إلى كلام الإمام الصادق (ع) ويقول: «قال (ع): لو لم نكن كمخلوقين وفعل إلهي، لما كان الله كفاعل وخالق قابلاً للمعرفة، ولو لم يكن الفاعل الحقيقي، أي الله، لما كان فعله قابلاً للمعرفة». وذلك لأن المعرفة من مقولة الوجود، وإذا لم يوجد الفعل، لم تحصل المعرفة ، لأن العلم يريد معلوماً، والمعلوم (معرفة العلم) هو فعل الحق. وكذلك نقل رواية أخرى عن ابن عمران الدقاق عن محمد بن يعقوب. وعن معنى قول أمير المؤمنين (ع): «اعْرِفُوا اللهَ بِاللهِ، وَالرَّسُولَ بِالرِّسَالَةِ، وَأُولِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» ، يقول الصدوق نقلاً عن الكليني: «مَعْنَى قَوْلِهِ “اعْرِفُوا اللهَ بِاللهِ” يَعْنِي أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْأَشْخَاصَ وَالْأَلْوَانَ وَالْجَوَاهِرَ، فَالْأَعْيَانُ الْأَبْدَانُ وَالْجَوَاهِرُ الْأَرْوَاحُ، وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُشْبِهُ جِسْماً وَلَا رُوحاً، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي خَلْقِ الرُّوحِ الْحَسَّاسِ الدَّرَّاكِ أَثَرٌ وَلَا سَبَبٌ، هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ. فَمَنْ نَفَى عَنْهُ الشَّبَهَيْنِ: شَبَهَ الْأَبْدَانِ وَشَبَهَ الْأَرْوَاحِ، فَقَدْ عَرَفَ اللهَ بِاللهِ. وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالرُّوحِ أَوِ الْبَدَنِ أَوِ النُّورِ، فَلَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِاللهِ».

“اعرفوا الله بالله”، يعني أن الله عز وجل خلق الأشخاص والألوان والجواهر والأعيان (الأبدان) وجواهر (الأرواح). ثم يقول في تتمة الحديث: «من لم يشبه الحق تعالى بالتشبيهين: التشبيه بالأبدان والتشبيه بالأرواح، فقد عرف الله بالله، ومن شبه الله بالروح أو البدن أو النور، فلم يعرف الله بالله». فإذا قال الصدوق إن الله وهبنا العقل، وإن الرسل والأنبياء والحجج الإلهية وحتى نفوسنا كلها فعل الحق، فإن كلامه هذا يشير إلى مظاهر وجود الحق تعالى. كل واحد من هذه المظاهر في حقيقة وجوده يمتلك شدة وضعفاً وغير ذلك بالنسبة للآخر. كما يعرض مولى المتقين في دعاء الصباح الشريف: «يَا مَنْ دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ بِذَاتِهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجَانَسَةِ مَخْلُوقَاتِهِ». وكما يقول سيد الشهداء (ع) في دعاء عرفة: «أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ؟ مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ؟ وَمَتَى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الْآثَارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ؟ عَمِيَتْ عَيْنٌ لَا تَرَاكَ عَلَيْهَا رَقِيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيباً». وكذلك مروي عن الإمام سيد الساجدين وزين العابدين علي بن الحسين (ع) في دعاء أبي حمزة الثمالي: «بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ». فإذا حصلت المعرفة بالحق من هذا الطريق، فهي ليست شيئاً منفصلاً عن الحق. ولهذا، فإن منهج الصدوق العقلي في الدخول والخروج من المباحث الكلامية واضح تماماً، إلا أن منهجه على بساطته له عمق يتجلى ويفهم بشكل أفضل مع معرفة قواعد ومصطلحات القوم في العصر الحديث.

٢-٢. علاقة العقل والوحي في المنهج الكلامي للصدوق

يعتقد الصدوق بخصوص علاقة العقل بالوحي أن العقل لا يستطيع الوصول إلى معرفة الله بدون الوحي. وهذا لا يعني أن النتائج المستخلصة من العقل لا تتمتع بالاعتبار والصحة. إنه يتحدث عن وصول الناس إلى معرفة الله، ولا يسعى للبحث في قدرة العقل بمفرده، سواء لإثباتها أو لنفيها. بشكل عام، لا يميز الصدوق بين عمل العقل والوحي. فإذا كان لديه حديث لتوضيح نقطة ما، فإنه لا يعتمد على بحثه وتحقيقه الشخصي. إن كتابيه “علل الشرائع” و”معاني الأخبار” المخصصين لبيان أسباب الظواهر، يتكونان بالكامل تقريباً من الأحاديث. وبالطبع، يوجد خلاف حول إيجاد دليل للأوامر الإلهية وتثبيت الحق والباطل بواسطة العقل والاستدلال. ويؤيد الصدوق هذا الأمر وينقل رأي الفضل بن شاذان القائل بوجود أدلة حكيمة لجميع أوامر الله. ويعدد الأدلة التي أوردها الفضل لبعض أحكام الشريعة. وبهذا يتضح أن الصدوق لا ينكر حق العقل والاستدلال في البحث والتحقيق في موضوعات العقيدة أو الشريعة، وإن لم يكن هو نفسه قد استخدم هذا الحق. كما أن الفضل لم ينكر استنباط واستخراج النتائج العقلية، ولكنه يترك العقل في استخراج علل وأحكام الشرائع، لأنه لا يرى العقل المجرد عن الوحي كافياً لفهم علل ومراد الحق تعالى.

٣-٢. أُسُس القواعد العقلية (الفلسفية) في المنهج الكلامي للصدوق

١-٣-٢. الدليل العقلي على نفي التشبيه؛ برهان الوجوب والإمكان

أهم كتاب ألفه الصدوق في مجال نفي التشبيه هو “الهداية”. ويبدو أن تأليف كتاب “الهداية” يسبق كتاب “التوحيد”، لأنه في هذا الكتاب يفسر غالباً الأحاديث التي يرويها بملاحظات توضيحية من عنده. وبعض هذه التوضيحات تهدف إلى إثبات رأيه المناهض للتشبيه، الذي كان يكتفي بذكره في آثاره الأقدم. إحدى هذه الملاحظات هي إثبات أن الله لا يشبه مخلوقاته ، وبما أن التشبيه منفي عن الحق تعالى، فهو إذن غير قابل للرؤية أيضاً. «مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئاً وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وَكُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلَافِهِ».

ويقول في شرح هذا الحديث: «الدليل على أن الله لا يشبه أياً من مخلوقاته من أي وجه، هو أنه لا يوجد في أي من مخلوقاته جانب إلا وهو محدث، ولا يوجد جانب محدث إلا وهو يدل على عدم قدم صاحبه. فلو كان الله شبيهاً بأحدهم، للزم أن يكون ذلك الجانب، كما هو علامة على حدوث صاحبه، علامة على حدوث الله أيضاً. لأن الشيئين المتشابهين عقلاً لهما حكم واحد من حيث تشابههما. وقد ثبت من قبل أن الله قديم، ومن المستحيل أن يكون الله قديماً من وجه ومحدثاً من وجه آخر».

هذا الاستدلال العقلي للصدوق، رغم غموضه، يمكن أن يُفهم منه أنه يريد القول بأن صفة الحدوث موجودة في جميع المخلوقات وفي جميع جهاتها. إذن، كل ما يمكن التفكير فيه أو قوله عن المخلوقات يعكس حدوثها. ولكي يكون شيئان متشابهين، لا بد من وجود جانب مشترك بينهما. فاعتبار الله شبيهاً بالمخلوقات يستلزم أن يكون لله صفة حادثة. ومن جهة أخرى، يثبت أيضاً أن الله قديم. إذن، يكون لله صفتان متضادتان ومتناقضتان. ولهذا السبب، لإثبات استحالة وجود صفتين متناقضتين في الله تعالى، يستدل بإثبات قدم الله ويقول: «دليل على قدم الله هو أنه لو كان محدثاً، للزم أن يكون له مُحدِث، لأن الفعل لا يصدر إلا من فاعله. ولكن هذا المطلب الذي قلناه عن الله يصدق أيضاً على مُحدِثه، وهذا يستلزم وجود سلسلة من المحدثات لا بداية لها، وهذا الأمر محال. فثبت أنه يجب وجود صانع قديم، وبما أن الأمر كذلك، فإن ما يوجب ويثبت أبدية وقدم الصانع هو دليل إثبات قدم صانعنا أيضاً».

هذا البرهان الذي قدمه الصدوق لإثبات ذات الحق تعالى القديمة، اشتهر في القراءة الفلسفية بتعبير “برهان الإمكان والوجوب”. برهان الإمكان والوجوب هو من أمتن البراهين وأكثرها يقيناً، لأنه البرهان الوحيد القائم على مقدمات عقلية محضة وبعيد عن الافتراضات غير العقلية، فمقدماته فلسفية محضة. ويرى مطهري أن هذا البرهان من ابتكارات ابن سينا ويقول: «إنه هو نفسه يعتبره أسمى البراهين». وقد أثبت ابن سينا الواجب بواسطة هذا البرهان، والصدوق باستدلاله يثبت من جهة صانعاً لا مُحدِث له، ومن جهة أخرى يعتبر هذا الصانع قديماً، لأن الموجود الذي لا مُحدِث له يكون قديماً.

٢-٣-٢. برهان التمانع

كذلك، يستفيد في إثبات توحيد الحق ووحدانيته من برهان اشتهر فيما بعد بين المتكلمين باسم “برهان التمانع”. يروي الصدوق رواية طويلة عن شخص شك في كتاب الله، فأشار أمير المؤمنين (ع) بشأن شكه في القرآن إلى عدم استفادته الكاملة من العقل، قائلاً: «فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع): إِنَّ كِتَابَ اللهِ لَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَلَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَلَكِنَّكَ لَمْ تُرْزَقْ عَقْلًا تَنْتَفِعُ بِهِ». ثم في النهاية يقول الصدوق في توضيح هذه الرواية: «الدليل على أن الصانع واحد وليس أكثر من واحد، هو أنه لو كانا اثنين، لكان الوضع بحيث إما أن يكون لكل منهما القدرة على منع الآخر من فعل ما يريد، أو لا يكون له هذه القدرة. في الحالة الأولى، تتعطل أفعالهما، ومن يتعطل فعله ويصبح عقيماً فهو محدث، كما أن المصنوع محدث. وإذا لم تكن لديهما هذه القدرة، فإنهما بالضرورة عاجزان وناقصان، وهذا بحد ذاته علامة على الحدوث. فثبت أن الصانع قديم وأبدي وواحد. والدليل الآخر هو أنه يجب أن يكون كل منهما قادراً على إخفاء شيء عن الآخر، وإذا كان الأمر كذلك، فإن من يمكن إخفاء شيء عنه هو محدث، وإذا لم يكن قادراً، فهو عاجز، ومن كان عاجزاً فهو محدث، كما أثبتنا في موضع آخر. وهذا البرهان هو رد على وجود قديمين تكون صفات كل منهما هي نفس صفات القديم الذي أثبتنا وجوده».

٣-٣-٢. برهان الفصل والوصل (الحركة)

بالإضافة إلى ذلك، يستخدم الصدوق في شرح رواية «إِنَّ لِلْجِسْمِ سِتَّةَ أَحْوَالٍ: الصِّحَّةَ وَالْمَرَضَ وَالْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ وَالنَّوْمَ وَالْيَقَظَةَ. وَكَذَلِكَ الرُّوحُ، فَحَيَاتُهَا عِلْمُهَا، وَمَوْتُهَا جَهْلُهَا، وَمَرَضُهَا شَكُّهَا، وَصِحَّتُهَا يَقِينُهَا، وَنَوْمُهَا غَفْلَتُهَا، وَيَقَظَتُهَا حِفْظُهَا»، برهان حدوث الأجسام، الذي عُرف فيما بعد باسم “برهان الفصل والوصل” أو “برهان الحركة” في قسم الطبيعيات من الفلسفة. تقرير برهانه كالتالي: «الدليل على أن الأجسام يجب أن تكون محدثة هو أنها يجب أن تكون إما متصلة أو منفصلة، متحركة أو ساكنة. والاتصال والانفصال والحركة والسكون تحدث في الزمان، ومن هنا يتضح أن الأجسام يجب أن تكون حادثة ، من حيث إن ما لا يمكنها الانفصال عنه هو حادث». ورغم أن الحكماء استخدموا هذا البرهان بالإضافة إلى إثبات الحدوث استخدامات أخرى، منها أن شيئين مستقلين لا يمكنهما شغل مكان واحد في نفس الوقت.

إذن، يمكن الادعاء بأنه متكلم عقلي وأن منهجه مبني على العقلانية ، لأن استدلالاته تتكون أحياناً من مقدمات عقلية محضة ، كما ذُكر في برهان الإمكان والوجوب، وأحياناً تكون مبنية على العقل مع مقدمات نقلية، وهذا لا ينقص من منهجه ورؤيته شيئاً. ولكن من الصحيح القول إن مواد استدلاله أو استنتاجاته قد تكون أحياناً عقيمة، ناقصة، وقابلة للنقض والنقاش. وبالطبع، هذا الأمر ملاحظ عند جميع الحكماء وهو منهج سائد ومقبول. إذن، فإن منهج الصدوق مبني على العقل، حيث تقع المقدمات العقلية في أحد طرفي براهينه، بينما تشكل الروايات الطرف الآخر.

الخاتمة

خلاصة هذا المقال هي أنه بالنظر إلى منهج الصدوق، يمكن القول إن منهجه الكلامي مبني على العقل. ورغم أنه أخذ عقيدته وأصول فكره من النصوص الشرعية، وبنقله روايات عن الإمام الصادق (ع) حول النهي عن الجدال بشأن الله تعالى، يعتقد أنه لا ينبغي الجدال في مسألة الحق تعالى، ويبيّن أن المتكلمين الذين فعلوا ذلك قد هُددوا بالهلاك. في الواقع، هو يتجنب هذا المنهج ويتبنى هذه الرؤية فقط في مواجهة القضايا التي ترتبط بالله تعالى بنحو ما، أما في القضايا الكلامية الأخرى، فإنه يستفيد من هذا المنهج بشكل جيد، لدرجة أن المفيد يصفه بأنه متكلم جدلي. يعارض المفيد اعتقاد الصدوق هذا بأنه لا ينبغي الجدال حول الله. ويكمن اختلافه مع الصدوق في أن الصدوق كان يرى وظيفة الخبير مقتصرة على توضيح وبيان الأحاديث، لأنه لم يكن يميل إلى الابتعاد كثيراً عن تلك الأحاديث. فهو يفسرها ويبررها بحيث يوجد توافقاً وانسجاماً بين هذه الأحاديث والبحث والتحقيق الاستقلالي. أما المفيد فكان يعتقد أن العقل في مقدماته واستنتاجاته يحتاج إلى عون السمع (الوحي). وعلى هذا الأساس يقول: إن الاستدلال العقلي حق، والمناظرة على أساس الحق صحيحة. لذلك، فإن تبرير الأخبار التي نقلها الصدوق ليس كما تخيله هو من معانيها. ولهذا السبب، يقول المفيد إن الصدوق في بعض آثاره قد ميّز بين ما يُعرف بالعقل وما وسيلة معرفته الوحي.

في الوقت نفسه، سلك الصدوق في بعض كتاباته المنهج العقلي، ولكنه في مقدمات البرهان لإثبات قضية ما، استفاد من النصوص الشرعية، سواء القرآن أو الروايات. ولهذا، فإنه فيما يتعلق بعلاقة العقل بالوحي، يعتقد أن العقل لا يستطيع الوصول إلى معرفة الله بدون الوحي، وهذا لا يعني أن النتائج المستخلصة من العقل لا تتمتع بالاعتبار والصحة.

لقد وردت في هذا البحث إشارات تخرج الصدوق من كونه مجرد محدّث أو أخباري صرف، ولا يمكن التصديق بأنه يعادي كل أنواع الدليل العقلي. بل يمكن الادعاء بأنه متكلم عقلي. المهم هو أن منهجه مبني على العقلانية، بحيث تتكون استدلالاته أحياناً من مقدمات عقلية محضة، مثل برهان الإمكان والوجوب، وأحياناً تكون مبنية على العقل ولكنها منظمة بمقدمات نقلية، مثل برهان الصديقين، أي معرفة الله بالله.

من ناحية أخرى، لا يرى العقل كافياً في الاستدلال على مسائل العوالم غير المادية، بل يعتبر نجاحات العقل وبراهينه مقبولة في ظل الوحي. بعبارة أخرى، يستفيد الصدوق من العقل وتطبيقاته عندما يتمكن من جعل النقل أحد طرفي مواد براهينه. وهو لم يتجاوز هذا المنهج في أي من كتبه، وظل متمسكاً به دائماً، بحيث يتكون انطباع بأنه يرى العقل والنقل فاعلين معاً.

بهذه البيانات، يبدو أن علماء مثل الصدوق والمفيد قد وفروا المواد الأولية لنمو وتطور الحضارة العلمية في مجال المباحث العقلية. وبالطبع، بما أن شخصيات مثل الفارابي (٢٦٠-٣٣٩هـ)، وابن سينا (٣٧٠-٤٢٨هـ)، والصدوق (٣٠٦-٣٨١هـ)، والمفيد (٣٣٦-٤١٣هـ) وغيرهم عاشوا في فترة زمنية متقاربة جداً، بل معاصرين لبعضهم البعض تقريباً ، فمن غير المستبعد أن تكون الشهرة والسمعة العلمية لكل منهم قد وصلت إلى مسامع الآخر. وبناءً على هذه الفرضية، يمكن الادعاء بأنه في هذه الفترة، كانت هناك تأثيرات متبادلة في مجال العلوم العقلية، ويبدو أن هذا الأمر لا يخلو من ارتباط بهذا التعاصر.

المصادر

  • ابن بابويه، محمد بن علي، ١٤١٤، الاعتقادات، قم: مؤتمر الشيخ المفيد.
  • ـــــــــــــــ، بي تا الف، التوحيد، قم: جامعة المدرسين.
  • ـــــــــــــــ، بي تا ب، علل الشرائع، ج ١، قم: داوري، الطبعة الأولى.
  • ـــــــــــــــ، ١٣٦١، معاني الأخبار، تصحيح علي أكبر غفاري، قم: جامعة المدرسين.
  • ذبيحي، محمد، ١٣٨٦، فلسفة المشاء بالتركيز على أهم آراء ابن سينا، طهران: سمت.
  • الشيرازي، محمد بن إبراهيم، ١٩٨١، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • قيصري، داود، ١٣٨١، رسائل قيصري مع حواشي السيد جلال الدين الآشتياني، طهران: حكمة وفلسفة إيران.
  • ـــــــــــــــ، ١٣٧٥، شرح فصوص الحكم، تصحيح السيد جلال الدين الآشتياني مع حاشية ميرزا أبو الحسن جلوه، طهران: علمي وفرهنگي.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، ١٤٠٧، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • المجلسي، محمد باقر، ١٤٠٣، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • مطهري، مرتضى، ١٣٨٠، مجموعة الآثار (أصول الفلسفة والمنهج الواقعي)، طهران: صدرا.
  • المفيد، محمد بن محمد بن نعمان، ١٤١٣ الف، التذكرة بأصول الفقه، ج ٩، قم: مؤتمر الشيخ المفيد.
  • ـــــــــــــــ، ١٤١٣ب، المسائل السروية، ج ٧، تحقيق: صائب عبد الحميد.
  • ـــــــــــــــ، ١٤١٣، المسائل العكبرية، ج ٦، تصحيح علي أكبر إلهي خراساني.
  • ـــــــــــــــ، ١٤١٣، النكت الاعتقادية، ج ١٠.
  • ـــــــــــــــ، ١٤١٣هـ، أوائل المقالات، ج ٤.
  • ـــــــــــــــ، ١٤١٣ و، تصحيح الاعتقاد، ج ٥.
  • مكدرموت، مارتن، ١٣٦٣، الأفكار الكلامية للشيخ المفيد، ترجمة أحمد آرام، طهران: مؤسسة الدراسات الإسلامية.
  • النجاشي، أحمد بن علي، ١٣٦٥، رجال النجاشي، قم: جامعة المدرسين.
Scroll to Top