البينة الداخلة والخارجة وتعارضهما

المستخلص

يعد تعارض البيّنات من المباحث الهامة في باب القضاء. والقدر المتيقن من البيّنة هو حضور شاهدين عادلين، وقد يُقيم كل من المدّعي والمنكِر شاهدين عادلين، وفي هذه الحالة، يُطرح البحث تحت عنوان “تعارض بيّنة الداخل وبيّنة الخارج”، وهو موضوع هذه المقالة.

ألف، إذا كان الشيء المتنازع عليه في يد طرفي الدعوى، فإنه يُنصَّف بينهما بيمينهما معًا أو بنكولهما معًا.

لم يَرَ بعض الفقهاء، كالشيخ الطوسي (رحمه الله)، حقًّا للمنكِر في إقامة شاهدين، وقالوا إن المنكِر له حق اليمين فقط، لا حق إقامة البيّنة. وذهب فقهاء آخرون، كالعلامة الحلي (رحمه الله)، إلى أن للمنكِر حق إقامة البيّنة، ولكنهم قالوا إن هذا الحق ثابت له في غير باب القضاء. أما القائلون بأن للمنكِر حق إقامة البيّنة أيضًا، كأبي الصلاح الحلبي، فإنه في صورة التعارض بين بيّنة الداخل (بيّنة المنكِر) وبيّنة المدّعي (بيّنة الخارج)، تُقدَّم بيّنة المنكِر. وهناك فقهاء آخرون، كالمرحوم النراقي والإمام الخميني (قدس سرهما)، قالوا بوقوع التعارض وتقديم بيّنة المنكِر. وبالطبع، استدل كل فريق بأدلة على رأيه.

ويرى الكاتب أن تعارض البيّنة الداخلة والخارجة ممكن الوقوع، وقد ذهب بعض الفقهاء كالشيخ الطوسي (رحمه الله) في “النهاية” إلى أنه إذا ذكرت البيّنة الخارجة سبب شهادتها، فإنها تُقدَّم. كما صحّح الشهيد الثاني (رحمه الله) قول القدماء بتقديم البيّنة الخارجة على الداخلة عند تساويهما. ولكن الرأي الصائب هو أنه لا تُقدَّم أي من البيّنة الداخلة أو الخارجة على الأخرى، ومع تسلط كلتا البيّنتين، تصل النوبة إلى يمين المنكِر والحكم لصالح ذي اليد.

المقدمة

في بيان المسألة، يجب القول إن المراد من “تعارض البيّنات في باب القضاء” هو أن يتنافى مدلول دليلين أو أكثر، بحيث ينفي مدلول كل منهما مدلول الآخر بشكل مباشر أو بالملازمة، ولا يمكن الجمع بينهما عرفًا. ويعتبر تعارض البيّنة الداخلة والخارجة فرعًا من تعارض البيّنات. وهذا التعارض إما أن يكون متعلقًا بالتعارض في الحكم الشرعي الذي يُبحث في أصول الفقه في باب التعادل والتراجيح، وإما أن يكون متعلقًا بالموضوعات التي تُبحث في مباحث تعارض البيّنات في كتب القضاء. ومحور هذه المقالة هو تعارض البيّنات، لا تعارض الأحكام. في البداية، من الضروري تعريف بعض المفاهيم اللازمة في المقالة.

القسم الأول: تعريف البيّنة وأقسامها

أ. التعريف اللغوي والاصطلاحي للبيّنة

يقول الراغب الأصفهاني في معنى البيّنة: البيّنة هي الدلالة الواضحة والجلية، سواء كانت هذه الدلالة عقلية أم محسوسة. وقد سُمِّي الشاهدان بيّنة لأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: “البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر” (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢: ١٥٧). وفي القرآن الكريم أيضًا، استُخدمت البيّنة بمعنى الحجة الواضحة والدلالة الجلية (البجنوردي، ١٤١٩: ١٠).

من حيث المعنى الاصطلاحي، تختلف أقوال الفقهاء أيضًا حول معنى البيّنة. فقد اعتبر البعض أن المراد بالبيّنة هو الشاهدان العادلان (الحسيني المراغي، ١٤١٧: ٢/ ٦٥٠). واعتبر البعض الآخر أن المراد بالبيّنة أعم من شهادة رجلين عادلين وكل ما يُعتبر حجة (الشهيد الثاني، ١٤٠٣: ١٠/ ١٨٠؛ الرشتي، ١٤٠١: ٢/ ٢٣١).

وفي القرآن الكريم أيضًا، استُخدمت البيّنة بمعنى الحجة الواضحة والدلالة الجلية (البجنوردي، ١٤١٩: ١٠).

يبدو أن المراد بالبيّنة هو شهادة رجلين عادلين، ويمكن الاستدلال على ذلك بأنه بسبب كثرة استعمال البيّنة في الشاهدين، فإن فهم العرف والعموم من البيّنة هو الشاهدان العادلان (نفسه: ٣/ ١٣). وبما أن مردّ التبادر هو الانصراف، فإن التبادر يؤيد انصراف كلمة “البيّنة” إلى أحد مصاديقها وهو الشاهدان العادلان.

ب. المراد من البيّنة

۱. ب. إطلاق البيّنة على الشاهدين العادلين

إن كلمة البيّنة بشكل مطلق وبدون قرينة في الروايتين التاليتين تشير إلى أن المراد بالبيّنة منذ البداية هو الشاهدان العادلان.

الرواية الأولى: الرواية النبوية: “البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر” (الحر العاملي، ١٤٠٩: ١٧١). باستخدام كلمة البيّنة بشكل مطلق في الروايات المذكورة والروايات الأخرى، يُفهم أن المراد بالبيّنة هو “الشاهدان العادلان” (الفاضل اللنكراني، ١٤٢٠: ٤٦٦).

الرواية الثانية: الرواية النبوية: “إنما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان” (نفسه: ١٦٩)؛ أي إني أحكم بينكم على أساس البيّنات والأيمان.

الرواية الثالثة: رواية مسعدة بن صدقة: “… حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة” (الكليني، ١٤٠٧: ٥/ ٣١٣)؛ أي حتى يثبت خلاف (الحلية) أو تُقام بيّنة على (الحرمة).

أراد البعض التشكيك في حجية هذه الرواية من خلال الإشكال في ضعف رواية مسعدة (المحسني القندهاري، ١٤٢٩: ١/ ٧٧٣)، ولكن الحق أن هذه الرواية يمكن أن تُطرح كمؤيد.

من حيث الدلالة، وُضعت كلمتا “يستبين” و”بيّنة” جنبًا إلى جنب، وقد يُقال إن هناك تقابلًا بين الاستبانة والبيّنة، أي أن الاستبانة تحصل أحيانًا، وأحيانًا تحصل البيّنة. ولكن الحق هو أن الاستبانة أيضًا من مصاديق البيّنة (الصدر، ١٤٠٨: ٢/ ٨٧).

يُستفاد من روايات عديدة أن المراد بالبيّنة هو الشاهدان العادلان وليس أعم منهما؛ من جملتها رواية محمد بن سنان (الحر العاملي، نفسه: ١٨/ ١٧١)، ورواية يونس بن عبد الرحمن (الحر العاملي، نفسه: ١٧٦/١٨)، ورواية الفضل بن شاذان (نفسه: ١٧٣). وعلى هذا الأساس، اعتبر كثير من الأعلام أن البيّنة هي الشاهدان العادلان، منهم (الشهيد الثاني، ١٤١٣: ٣٨٤؛ الخوئي، ١٤٢٢: ٤١/ ٦٧؛ مكارم الشيرازي، ١٤١١: ٢/ ٤٩؛ المشكيني، ١٤١٩: ١١٩).

٢. ب. إطلاق البيّنة على غير الشاهدين العادلين

حتى الآن بيّنا أن المراد بالبيّنة في الروايات وأقوال الفقهاء هو الشاهدان العادلان. والسؤال الآن هو هل تُطلق البيّنة على موارد أخرى أم لا؟ وسنبحث هذه الموارد بالترتيب.

٢-١ ب. إطلاق البيّنة على اليمين (القسم)

قرأنا في الرواية النبوية: “إنما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان”؛ أي إنما أحكم بينكم على أساس البيّنات والأيمان. لقد ذُكر لفظ البيّنة في هذه الرواية بشكل مطلق، ولكن البيّنة ذُكرت في مقابل القسم، ولا يمكن تسمية اليمين بيّنة، فالبيّنة غير اليمين (الكلبايكاني، ١٤٠٦: ٢/ ١٥٧).

أراد البعض القول إن المراد بالبيّنة عام ويشمل خبر الواحد العادل وأمارة اليد، وأن المعنى الاصطلاحي الخاص الذي هو شهادة العدلين هو المستخدم (المحسني القندهاري، ١٤٠٤: ١٣٩)، ولكن هذا الادعاء يُرد بالاستدلالات السابقة.

٢-٢ ب. إطلاق البيّنة بمعنى الحجة

السؤال المطروح هو: ما الإشكال في أن يكون المراد بالبيّنة هو الحجة التي تشمل سائر الأدلة؟ وفي الجواب يجب القول إنه لم ترد البيّنة بمعنى الحجة، بل أُطلقت الحجة على البيّنة في إحدى الروايات. فالإمام علي (عليه السلام) يقول إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في معالجة دعوى خاطب المدعي فقال: “ألك الحجة؟” ثم قال: “فإن أقام بيّنة يرضاها ويعرفها أنفذ الحكم على المدّعى عليه”. قال للمدعي: هل لديك حجة؟ ثم قال: إذا أقام المدعي بيّنة يعرفها (القاضي) ويرضاها، فإنه يُصدر الحكم ضد المدعى عليه (الحر العاملي، نفسه: ١٨/ ١٧٥). يُستفاد من هذه الرواية أن المراد بالحجة هو البيّنة، والمراد بالبيّنة هو خبر الشاهدين العادلين.

٢-٣ ب. إطلاق البيّنة على الشاهد الواحد

أراد البعض القول إن كلمة البيّنة تشمل الشاهد الواحد أيضًا. ولكننا نعتقد أن إطلاق البيّنة في هذين البابين يدل على أنه لا يُقال للشاهد الواحد العادل أو للشاهد الواحد العادل مع يمينه أو لشهادة النساء بيّنة. إجماع الشيعة قائم على أن حضور شاهدين عادلين ضروري في هذه المواضع (الرشتي، نفسه: ١٠١/٢)، وفي الطلاق أيضًا لا تُقبل شهادة النساء (المفيد، ١٤١٣: ٥١).

٢-٤ ب. إطلاق البيّنة على الإقرار واليمين

يظهر من متن الروايات، ومنها روايات وسائل الشيعة، أن إطلاق البيّنة على الإقرار واليمين غير صحيح؛ لأنه استُدل بأنه كلما لم توجد البيّنة، نلجأ إلى القسم (الحر العاملي، نفسه: ١٨/ ١٦٧). الإقرار واليد والقسم في الفقه ليست طرقًا إلى الواقع، ولا تتمتع بحجية ذاتية في باب القضاء، ولا تُعتبر معيارًا للقضاء (الحسيني الحائري، ١٤٢٣: ٥٨٧). واستعمال كلمة “يمين قاطعة” في رواية وسائل الشيعة يدل أيضًا على أن استعمال اليمين هو لقطع وإنهاء الدعوى، لا لاستخدامه كحجة ذاتية واعتباره بيّنة (الحر العاملي، نفسه: ١٨/ ١٦٨). والمرحوم كاشف الغطاء أيضًا لا يعتبر الإقرار بيّنة ويقول إن الإقرار يُثبّت لوازم على المُقرّ ولكنه لا يُنشئ وظيفة للمُقَرّ له (كاشف الغطاء، ١٤٢٦: ١٨٨). أي أن مجرد الإقرار لا يمكن أن يكون له فعالية البيّنة.

٣. ب. القول المخالف في إطلاق البيّنة على الشاهدين العدلين

في هذا السياق، يعتقد بعض الفقهاء أن البيّنة تُطلق فقط على الشاهدين العدلين. ومنهم السيد المرتضى الذي يعتبر البيّنة أعم من الشاهدين العدلين ويقول: إذا اعتبرنا الإقرار والشهادة بيّنة، يجب أن نقول إن أقوى البيّنات هو علم القاضي (السيد المرتضى، ١٤١٥: ٤٩٢).

ويعتقد سلار الديلمي أيضًا أن القسم جزء من البيّنات وأن شهادة الشاهد الواحد في رؤية هلال رمضان كافية (سلار، ١٤٠٤: ٢٣٢).

وأبو الصلاح الحلبي قد أطلق البيّنة على أربعة شهود عدول من الرجال في الزنا واللواط والسحق (الحلبي، ١٤٠٣: ٤٣٨)، كما أُطلقت البيّنة في بعض الروايات على أربعة شهود أيضًا (الحر العاملي، نفسه: ١٨/ ٣٦٥).

ولكن كما مرّ سابقًا، فإن إطلاق البيّنة على هذه الموارد لا يتناسب مع المعنى الاصطلاحي للبيّنة، وسيكون المعنى الاصطلاحي للبيّنة هو الشاهدان العادلان. ولعل المرحوم المراغي هو أول من بيّن أن المعنى اللغوي العام للبيّنة يشمل غير الشاهدين العادلين أيضًا (الحسيني المراغي، نفسه: ٢/ ٦٥٥). وبعده قال المحقق الآشتياني إن البيّنة تعني كل حجة معتبرة للمدعي بمعنى أعم يشمل المنكِر أيضًا، بحيث تشمل قول شخص واحد أو شخصين، سواء كانوا رجالًا أم نساء، واليمين أيضًا (الآشتياني، ١٣٦٩: ٤٠٢).

ج. أقسام البيّنة

قسّموا البيّنة إلى أقسام نوضحها باختصار:

  1. بيّنة الإثبات: البيّنة التي تشهد بوجود ووقوع أمر ما.
  2. بيّنة النفي: البيّنة التي تشهد بعدم وجود ووقوع أمر ما.
  3. بيّنة الأصل: أي الشهود الذين يثبتون صحة أصل الدعوى استنادًا إلى علمهم، ولها أقسام:

أ. بيّنة الخارج: تُسمى أيضًا بيّنة “من لا يد له” وبيّنة المدعي أو غير ذي اليد، وتُقام من طرف المدعي. وتُسمى بيّنة خارج لأن موضوع الشهادة خارج عن تصرّف المدعي، بخلاف بيّنة الداخل وذي اليد التي تُقام من طرف المنكِر.

ب. بيّنة الداخل: تُسمى أيضًا بيّنة المدّعى عليه وذي اليد والمتشبث، وتُقام من طرف المنكِر.

ج. بيّنة الفرع: تُسمى أيضًا البيّنة غير المباشرة، وهي شهود يشهدون على شهادة آخرين. وتنقسم هذه البيّنة إلى بيّنة الجرح والتعديل.

  1. بيّنة التعديل أو التزكية: أي أن يأتي شهود ويعدّلون الشهود الأصليين ويقولون إن هؤلاء الشهود عدول (النجفي، ١٣٩٨: ٤٠/ ١١٠) و(الشهيد الثاني، ١٤٢٤: ٢/ ٩٠).
  2. بيّنة الجرح: هم شهود يشهدون على نفي عدالة الشهود؛ بحيث يُقيم المدعي شهودًا، ويأتي المنكِر بشهود لتخريب شهوده، وتُسمى بيّنة النفي أو بيّنة الجرح.

الجدير بالذكر أنه لا يمكن جرح وتعديل إلا بيّنة الأصل، وجرح وتعديل بيّنة الفرع غير ممكن (نفسه: ١٢٩).

القسم الثاني: المراد من المدعي والمنكر ومفهوم التعارض وشروط وقوعه

أ. المراد من المدعي والمنكر

بما أننا نتعامل في هذه المقالة مع مفهومي المدعي والمنكر، فلا بد من تعريف هذين المصطلحين. باختصار، يمكن تعريف المدعي والمنكر على النحو التالي:

أ. المدعي هو من تنتهي الدعوى لو ترك الخصومة والنزاع (النجفي، نفسه: ٤٠/ ٣٧١).

ب. المدعي هو من يدّعي خلاف الظاهر، ولكن المنكِر كلامه موافق للظاهر (نفسه: ٣٧٥).

ج. المدعي هو من قوله خلاف الأصل، ولكن المنكِر قوله موافق للأصل (كاشف الغطاء، نفسه: ٤/ ٣٤٧).

د. تمييز المدعي والمنكر من شأن العرف، والموافقة مع الأصل والظاهر لا تحل المشكلة (الآشتياني، نفسه: ٣٣٦).

هـ. يقول المرحوم السيد الخوئي إن المدعي هو من يدّعي شيئًا على غيره، والإثبات بعهدته من وجهة نظر العرف والعقلاء (الخوئي، نفسه: ٤١/ ٥١).

ب. مفهوم التعارض

التعارض مأخوذ من كلمة “عَرَضَ” بمعنى الإظهار والإبراز (الفيومي، ١٤٢٥: ٢ و ١/ ٤٠٢). من الناحية اللغوية، عندما تتقابل بيّنتان، يُقال إنهما تعارضتا. وفي الاصطلاح، المراد بالتعارض هو التنافي والتنافر العرفي في مفاد ومدلول خبرين أو أكثر. والمقصود من التنافي العرفي مقابل التنافي العقلي هو أن هذا التنافر أعم من أن يكون على نحو التباين الكلي أو العامين من وجه أو العموم والخصوص المطلق، ليشمل موارد الجمع العرفي أيضًا (السبحاني، ١٤١٥: ٤/ ٤٣٩).

ج. شروط وقوع تعارض البيّنات

لكي تتعارض بيّنتان، ذُكرت شروط هي: أولًا، عدم إمكان ترجيح إحدى البيّنتين على الأخرى. ثانيًا، أن تكون كلتا البيّنتين مستوفية لشروط صحة الحجية. ثالثًا، اتحاد موضوع ومورد الشهادة. رابعًا، اتحاد زمان مورد الشهادة. خامسًا، عدم إمكان الجمع بين البيّنتين بحيث يؤدي قبول إحداهما إلى تكذيب الأخرى (الخادمي كوشا، ١٣٨٥: ١/ ٥٤).

القسم الثالث: تعارض وتراجيح البيّنات

قد يقع تعارض البيّنات في حالتين: الأولى في حالة التداعي، والثانية في حالة المدعي والمنكر. هنا نوضح كل حالة على حدة.

أ. تعارض وتراجيح البيّنات في مورد التداعي

١. تعارض البيّنات في مورد التداعي

المقصود بالتداعي هو أن يكون كل من طرفي الدعوى مدعيًا، وقد يكون ذلك في إحدى الحالات التالية:

  1. أن يكون الشيء المتنازع فيه تحت استيلاء كلا الطرفين، مثل شقة يسكنها كلا طرفي الدعوى.
  2. أن لا يكون الشيء المتنازع فيه في حيازة أي من الطرفين، مثل طائر في السماء.
  3. أن يكون الشيء المتنازع فيه في تصرّف شخص ثالث.
  4. أن لا يكون الشيء المتنازع فيه قابلًا للتقسيم، مثل أن تدّعي امرأتان زوجية رجل واحد.

٢. حكم الصور المختلفة للتداعي

من حيث الحكم، صرّح كثير من الفقهاء بأن تشخيص هذه الصور وحلها من مسائل باب القضاء المشكلة (الإمام الخميني، بيتا: ٢/ ٤٣٣).

الأصل الأولي في التعارض هو التساقط، ولكن اقتُرحت حلول للحفاظ على البيّنات من التساقط، منها:

  1. العمل بأرجح البيّنات من حيث العدد والعدالة.
  2. إعمال كلتا البيّنتين.
  3. إعمال بيّنة الداخل (أي ذي اليد المتداعي).
  4. إعمال بيّنة الخارج (أي غير ذي اليد المتداعي).
  5. القرعة (السبحاني، ١٤١٨: ٢/ ٨٩).

وقد وردت روايات عديدة، معظمها حول النزاع على عين معينة، في هذا الخصوص، وبالطبع الموضوع أعم من العين والمنافع والحقوق والعقود والديون (السبحاني، ١٣٧٥: ١/ ٦٨).

إحدى هذه الروايات هي رواية إسحاق بن عمار عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: “تنازع رجلان في دابة فأتيا علياً (عليه السلام) فأقام كل منهما بيّنة، فأحلفهما علي (عليه السلام) فحلف أحدهما وأبى الآخر، فجعلها للحالف. فسئل علي (عليه السلام): لو كان المال في يد غيرهما وأقام كل منهما بيّنة، ماذا كان الحكم؟ قال: أُحلّفهما وأجعلها للحالف. ولو حلفا كلاهما، قسّمت المال بينهما بالنصف. فسئل: لو كان المال في يد أحدهما وأقام كل منهما بيّنة، ماذا كان الحكم؟ قال: أعطي المال لمن هو في يده” (الحر العاملي، نفسه: ١٨/ ١٨٢). ورغم أن رواية إسحاق بن عمار تُعتبر ضعيفة (الطباطبائي، ١٤١٨: ١٥/ ٢٠٩)، إلا أن إعراض المشهور عن هذه الرواية ليس بسبب ضعف الراوي، بل بسبب تعارضها مع أخبار أخرى (الحسيني الحائري، نفسه: ٦١٠).

مشكلة الرواية أيضًا هي أنه بعد إقامة البيّنة من قبل الطرفين وتعارض البيّنات، تسقط بيّنة كلا الطرفين وتصل النوبة إلى أدلة أخرى، ولا محل لتنصيف المال بين الطرفين. ومع ذلك، اعتبر كثير من الفقهاء سند رواية إسحاق بن عمار موثقًا واعتبروا الرواية معتبرة من هذا الجانب (التبريزي، ١٤٢٦: ٣٥٢). الرواية المذكورة توضح حكم التعارض في الأقسام التالية بوضوح:

أولًا: حيث يكون الشيء المتنازع عليه في يد كلا الطرفين، مما يترتب عليه تساقط البيّنات واللجوء إلى يمين الطرفين.

ثانيًا: حيث لا يكون الشيء المتنازع عليه في يد أي من الطرفين، ويُقيم كلاهما بيّنة، مما يترتب عليه أيضًا تساقط البيّنات.

ثالثًا: حيث يكون الشيء المتنازع عليه في يد أحد طرفي الدعوى، ويأتي كلاهما ببيّنة، فقد قال الإمام (عليه السلام) إننا نعطي المال لمن هو في يده بيمينه.

لكن حكم الصور التالية لم يُبيَّن في هذه الرواية:

أولًا: حيث يكون المال في حيازة كلا الشخصين، ويبدو أنه بعد سقوط كلتا البيّنتين ويمين الطرفين، يُقسَّم المال بينهما بالتنصيف (الخوئي، نفسه: ٤١/ ٦٣).

ثانيًا: حيث يكون المال عند كلا الطرفين أو لا يكون في يد أي منهما، وبعد سقوط البيّنات، يمتنع كلا الطرفين عن اليمين، فيبدو هنا أيضًا أن المال يُقسَّم بين الطرفين بالتساوي (الحسيني الحائري، نفسه: ٦٠٩).

ثالثًا: حيث يكون المال المتنازع فيه عند أحد الطرفين، ومع سقوط البيّنات، يمتنع ذو اليد عن اليمين، ويمتنع الطرف المقابل أيضًا عن اليمين، فيبدو هنا أنه بسبب ترجيح بيّنة الداخل، يُعطى المال لذي اليد (النوري الطبرسي، ١٤٠٨: ١٧/ ٢٧٣). وقد نُقل نفس الحكم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خبر جابر بن عبد الله الأنصاري.

رابعًا: حيث يكون المال المتنازع فيه عند أحد الطرفين، وبعد سقوط البيّنات، يمتنع ذو اليد عن اليمين، ولكن الطرف المقابل يحلف، فيبدو هنا أيضًا أن المال يُنصَّف. وهذا الحكم يُستنبط من رواية تقسيم المال بين الطرفين عن علي (عليه السلام) (الحر العاملي، نفسه: ١٨/ ١٨٣). وفي هذا الخصوص، نُقل أكثر من عشرين رواية، قُدّمت الروايات أعلاه كنموذج. وموضوع هذه الروايات كان حول عين خارجية معينة، ولكن يبدو أن هذه الروايات تسري أيضًا في حالات مثل الدين الخاص والوصية والمنفعة والنكاح والطلاق، ولا تختص بالأعيان الخارجية (الطباطبائي اليزدي، ١٤١٨: ٣/ ١٥٨).

على الرغم من أن البعض اعتبر سراية حكم الأعيان إلى مثل العقود والنسب والمواريث قياسًا ممنوعًا، وقالوا إن حكم هذه الموارد لا يُستنبط من الروايات المذكورة (السبحاني، ١٤١٨: ٢/ ٩٦؛ السبحاني، ١٣٧٥: ١/ ٧٤)، إلا أنه يبدو أن كلمة “شيء” لها مفهوم واسع يشمل الأعيان الخارجية والمنافع والحقوق والديون أيضًا.

٣. ترجيح البيّنات في باب التداعي

ضمن دراسة الروايات الواردة في باب تعارض البيّنات، يُلاحظ أن بعض الروايات قد رُجّحت على بعضها الآخر، ويمكن حصر المرجحات على النحو التالي:

  1. أحيانًا تُعتبر الأكثرية قرينة لترجيح بيّنة على أخرى، مثلًا في حالة وجود أربعة شهود لطرف مقابل شاهدين للطرف الآخر، يُغلَّب الطرف الأول (الشيخ الطوسي، ١٤٠٧: ٦/ ٣٣٣)، أو في حالة وجود شاهد رجل وثلاث نساء لطرف، يُرجَّح على من لديه شاهد رجل وشاهدتان (الرشتي، نفسه: ٢/ ٢٠٥).
  2. أحيانًا تُعتبر الأعدلية قرينة، فتُغلَّب بيّنة طرف على الآخر، مثل الروايات المذكورة في أبواب الشهادات في وسائل الشيعة (الحر العاملي، نفسه: ١٨/ ٢٩٩). وعلى الرغم من أن بعض الفقهاء قبلوا دلالة هذه الروايات فقط في باب الأشعار ولم يستنبطوا منها تصريحًا (الحسيني الحائري، نفسه: ٢١٦؛ الطوسي، ١٤٠٨: ٢١٨)، إلا أنه يبدو أن العدالة أيضًا مثل أي كلي مشكك لها درجات من القوة والضعف، ومع مراعاة درجة التزام الأفراد، يمكن ترجيح عادل على آخر، وليس المراد بالأعدل أن يكون أحدهما عادلًا والآخر غير عادل.
  3. أحيانًا، في ترجيح بيّنة على أخرى، يُعتبر ذكر السبب قرينة على الترجيح. مثلًا، إذا شهدت إحدى البيّنات بشكل مطلق بأن المال لأحد الطرفين، وشهدت الأخرى بسبب تلك الملكية، فإن البيّنة الثانية تُرجَّح، على الرغم من أن هذه القرينة لم تحظ بقبول كثير من الفقهاء (النجفي، نفسه: ٤٠/ ٤٣١).

فيما يتعلق بمدى توافق الأحكام الصادرة في الروايات في باب التعارض وتراجيح البيّنات مع القواعد العقلية وغيرها، فقد أُثيرت نقاشات كثيرة لا نتعرض لها في هذا القسم ونحيل إلى المصادر ذات الصلة مثل آثار المحقق الخوئي (الخوئي، نفسه: ٤١/ ٦٥).

ب. تعارض البيّنات في المدعي والمنكر

في قسم تعارض بيّنات المتداعيين، حيث كان كلا الطرفين مدعيًا ويقيمان بيّنة، قدمنا بعض المطالب في القسم السابق. وفي هذا القسم، نبحث تعارض بيّنات المدعي والمنكر. هل في الحالة التي يُقيم فيها المدعي بيّنة، يمكن للمنكر أساسًا أن يُقيم بيّنة؟ وإذا أقام بيّنة، فهل بيّنته قابلة للمقابلة مع بيّنة المدعي أم لا؟ وإذا كانت قابلة للمقابلة، فأيهما يُرجَّح على الآخر؟

١. اعتبار بيّنة المنكر

هناك ثلاث وجهات نظر فقهية في هذا الصدد.

الأولى: بيّنة المنكر لا اعتبار لها، ولا يمكنه إلا أن يحلف (الطوسي، ١٤٠٧: ٣/ ١٣٠)؛ لأن بيّنة المدعي هي بيّنة الخارج، وبيّنة الخارج مقدّمة. وكثير من الفقهاء الآخرين أيضًا قدّموا بيّنة الخارج في تعارض بيّنة الخارج والداخل، مثل المرحوم النراقي (النراقي، ١٤٠٨: ١٧/ ٣٨٤) والإمام الخميني (رحمه الله) (الإمام الخميني، نفسه: ٢/ ٤٣٣). وبالطبع، لدى هذا الفريق أدلة لإثبات رأيهم، والتي بُحثت في محلها.

الثانية: بيّنة المنكر لها اعتبار أيضًا، ولها القدرة على معارضة بيّنة الخارج. وقد ذكر بعض الفقهاء هذا الاعتبار بشكل مطلق، حيث أن بيّنة المنكر قابلة للمعارضة مع بيّنة المدعي من باب الحجية الذاتية والحجية القضائية (أبو الصلاح الحلبي، نفسه: ٤٤٠). ورأي هؤلاء هو أن قول ذي اليد هنا مقدّم، وهذا القول يمكن استنباطه من بعض كلمات الشيخ الطوسي أيضًا (الطوسي، ١٤٠٧: ٦/ ٣٤٣). وبالطبع، استُند إلى روايات عامة وخاصة في هذا الصدد.

الثالثة: يرى بعض الفقهاء أن بيّنة المنكر حجة، ولا فرق بين أن تُقدّم البيّنة من طرف المدعي أو المنكر، ولكن اختصاص حجيتها يتعلق بغير باب القضاء، وبسبب نصوص مثل “اليمين على من أنكر”، فإن بيّنة المنكر لا اعتبار لها في مقابل بيّنة المدعي (العلامة الحلي، ١٤١٣: ٨/ ٤٦٢). وبالطبع، استند هذا الفريق أيضًا في رأيهم إلى آيات وروايات.

٢. ترجيح بيّنة الخارج على الداخل

بعد دراسة اعتبار بيّنة المنكر مقابل المدعي وبيان الآراء الثلاثة، حان الآن وقت دراسة ما إذا كانت بيّنة الخارج تُرجَّح على الداخل أم لا.

يخبرنا المرحوم الطباطبائي اليزدي عن اختلاف الفقهاء في هذا المجال (الطباطبائي اليزدي، ١٤١٨: ٣/ ١٤٨). والمحقق النراقي أيضًا ذكر تسعة أقوال في هذا المجال، يمكن تلخيصها في خمس فئات.

القول الأول: بيّنة الخارج مقدّمة مطلقًا على بيّنة الداخل، ولا فرق بين أن تشهد بيّنة الخارج بشكل مطلق أو مقيّد بسبب ملكية المدعي (ابن زهرة، ١٤١٧: ٤٤٣). ورأي الإمام الخميني (رحمه الله) هو نفسه (الموسوي الخميني، نفسه: ٢/ ٤٣٣).

القول الثاني: ترجيح بيّنة الخارج على الداخل خاص بالوقت الذي تشهد فيه كلتا البيّنتين بشكل مطلق، ولكن إذا شهدت بيّنة الداخل مع ذكر السبب، فإنها تُقدَّم على بيّنة الخارج. وهذا هو رأي الشيخ الطوسي في النهاية (الطوسي، ١٤٠٠: ٣٤٤) والسيد علي الطباطبائي أيضًا (الطباطبائي، ١٤١٨: ١٥/ ٢٠٢). وهو ينسب هذا القول إلى جمع كثير من الفقهاء.

القول الثالث: ترجيح بيّنة الخارج في حالة شهادة كلتا البيّنتين بسبب الملكية. إلا إذا كانت شهادة بيّنة الداخل مصحوبة بالسبب فقط (الحسيني الروحاني، ١٤٢٩: ٣٨/ ٣٨١).

القول الرابع: ترجيح بيّنة الخارج بشرط أن تذكر بيّنة الخارج سبب الملك فقط، وفي هذه الحالة ادُّعي الإجماع على تقدّم قول المدعي على المنكر (العاملي، بيتا: ١٠/ ٢٢٢).

القول الخامس: ترجيح بيّنة الخارج بشرط ألا يكون لأي من بيّنتي الخارج والداخل ترجيح على الأخرى من حيث العدالة (المفيد، نفسه: ٧٣٠).

وقد نسب الشهيد الأول هذا القول إلى أكثر فقهاء القدماء (الشهيد الأول، ١٤١٧: ٢/ ١٠١).

٣. مرجحات تقدّم بيّنة الخارج

باختصار، يمكن حصر أدلة القائلين بتقديم بيّنة الخارج على النحو التالي:

  1. أدلة الداخل لا حجية لها أساسًا ولا قدرة على المقاومة أمام بيّنة الخارج.
  2. إذا كانت بيّنة الداخل حجة، فإن بيّنة الخارج لها رجحان للأسباب التالية: أ. ترجيح بيّنة الخارج موافق لعدم حجية بيّنة المنكر ويمينه. ب. موافق لسنة النبي (صلى الله عليه وآله). ج. موافق لشهرة القدماء. د. موافق لرأي أكثر فقهاء الشيعة (المجلسي، ١٤٠٦: ١٠/ ٧٣).

ولكن في المقابل، يعتقد البعض أن بيّنة الداخل مقدّمة، وقد ذكروا مرجحات لأنفسهم.

٤. مرجحات تقدّم بيّنة الداخل

يمكن حصر هذه المرجحات على النحو التالي: ١. الأصل والاستصحاب. ٢. ذو اليد له يد وبيّنة، والطرف المقابل له بيّنة فقط. ٣. مع تساقط بيّنتي الطرفين، تبقى اليد بلا معارض لصالح المنكر. ٤. وجود أخبار مثل خبر إسحاق بن عمار وجابر بن عبد الله الأنصاري وغيرهما.

وقد ذُكرت أقوال أخرى بالإضافة إلى القولين المذكورين في ترجيح إحدى البيّنتين، وهي:

أ) تقدّم بيّنة من لديه شهود أكثر. وقد نُسب هذا القول إلى الإسكافي (العلامة الحلي، نفسه: ٨/ ٣٨٨).

ب) ترجيح قول ذي اليد بشرط أن يكون سبب الملكية قابلًا للتكرار. مثلًا، عندما يكون شيء في يد ذي اليد ويقول إنه اشتراه، فبما أن الشيء قابل للنقل والانتقال المتكرر، فإننا نقبل قول ذي اليد، ولكن في مثل الولادة التي تحدث مرة واحدة، فإن قول ذي اليد غير مقبول (الطوسي، ١٤٠٨: ٢١٨).

ج) القرعة بين البيّنتين مطلقًا. هذا هو رأي ابن عقيل العماني الذي نقله صاحب الرياض (الطباطبائي، ١٤١٨: ١٥/ ٢٠٧).

د) مع فقدان المرجحات مثل الأكثرية والأعدلية، تسقط كلتا البيّنتين ويُقدَّم قول ذي اليد. ويستند القائلون بهذا القول إلى بعض الروايات أيضًا (المحسني القندهاري، كتاب القضاء والشهادات: ١٣٤).

٥. دراسة الأقوال المذكورة

الأدلة التي أُقيمت على ترجيح بيّنة الخارج ليست قوية جدًا. على سبيل المثال، إحدى الأدلة التي أُقيمت لتقديم بيّنة الخارج على الداخل هي شهرة القدماء (القسم ج)، والتي، حسب رأي أمثال المرحوم الخوئي، فإن الشهرة المطلقة لا تجبر ضعف الروايات الدالة على تقدّم بيّنة الخارج للاستناد إليها.

وفيما يتعلق بأدلة ترجيح بيّنة الداخل، فإن هذه الأدلة ليست قوية جدًا أيضًا. على سبيل المثال، وجود اليد للمنكر لا قدرة له على المقاومة أمام بيّنة الخارج ليبقى بعد تساقط بيّنة الداخل والخارج، ويُعتبر دليلًا. الرأي الصائب هو أنه لا يوجد تفوّق لبيّنة الداخل أو الخارج على الأخرى، وبعد تساقط البيّنات وبقاء يد المنكر مع يمينه، يُحكم لصالح ذي اليد.

الأقوال الأربعة الأخرى، مثل القول بالقرعة، لا تتمتع باعتبار كبير ولا يُعتد بها؛ إلا في حالات نادرة مثل ادعاء زوجية امرأة من قبل رجلين، حيث تُحل المشكلة بالقرعة.

النتيجة

على الرغم من أن البيّنة تعني الحجة الواضحة والجلية وتُطلق على كل حجة ودليل، إلا أنها في اصطلاح الفقهاء انصرفت إلى معنى الشاهدين العادلين. وفي تعارض البيّنات أيضًا، الأصل الأولي هو التساقط ما لم يظهر مرجح، مثل أن يقع خطأ في الحس في إحدى البيّنات. والبيّنة لها طريقية إلى الواقع لا موضوعية، لأن ارتكاز العقلاء من البيّنة لا يفهم منه سوى الطريقية.

في تعارض بيّنات الداخل والخارج، إذا كان الشيء المتنازع فيه في حيازة الطرفين، فبعد سقوط البيّنات، تصل النوبة إلى اليمين، فبيمين كلا الطرفين أو نكولهما، يُقسَّم الشيء بالمناصفة، وإذا حلف أحدهما فقط، يُعطى الشيء له فقط. وهذا الحكم يسري أيضًا حيث لا يكون الشيء المتنازع فيه عند أي من الطرفين. وعندما يكون الشيء المتنازع فيه عند ثالث، فبإقرار الثالث لصالح أحد الطرفين، يُعطى الشيء له، وفي حالة الإقرار لكليهما أو النكول عن الإقرار، يُقسَّم المال بين المدعي والمنكر بالتساوي. وعندما لا يكون الشيء المتنازع فيه قابلًا للتنصيف، مثل ادعاء زوجية امرأة، يُعمل هنا بالقرعة. وفي النهاية، لم يُعثر على دليل لترجيح بيّنة الخارج على الداخل، ولذا فإن يمين المنكر هو فصل الخطاب.

المصادر والمراجع

  1. الآشتياني، محمد حسن، كتاب القضاء، طهران، مطبعة رنكين، الطبعة الأولى، ١٣٦٩ش.
  2. أبو صلاح الحلبي، تقي الدين بن نجم الدين، الكافي في الفقه، تحقيق رضا أستادي، أصفهان، مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ.
  3. الأسدي (العلامة الحلي)، حسن بن يوسف بن مطهر، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، تحقيق قسم الأبحاث بمكتب التبليغات الإسلامي، قم، منشورات مكتب التبليغات الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٣هـ.
  4. التبريزي، جواد بن علي، تنقيح مباني الأحكام (القضاء والشهادة)، قم، دار الصديقة الشهيدة، الطبعة الثانية، ١٤٢٦هـ.
  5. الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، تحقيق الشيخ محمد رازي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٩هـ.
  6. الحسيني، حمزة بن علي، أبو المكارم ابن زهرة، غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.
  7. الحسيني العاملي، السيد محمد جواد بن محمد، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، مؤسسة دار إحياء التراث العربي، بي تا.
  8. الحسيني الروحاني، السيد محمد صادق، فقه الصادق، تحقيق قاسم المصري العاملي وغيره، قم، منشورات الاجتهاد، الطبعة الأولى، ١٤٢٩هـ.
  9. الحسيني المراغي، السيد مير عبد الفتاح، العناوين الفقهية، قم، دفتر انتشارات إسلامي، ١٤١٧هـ.
  10. الحسيني الحائري، السيد كاظم، القضاء في فقه الإسلام، قم، مجمع الفكر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية، ١٤٢٣هـ.
  11. الخادمي كوشا، محمد علي، تعارض بينه: بررسي تطبيقي آراى فقهى محقق نراقى، دانشگاه آزاد نراق، مجموعة مقالات، ١٣٨٥ش.
  12. الرشتي، ميرزا حبيب الله، كتاب القضاء، تحقيق سيد أحمد حسيني، قم، دار القرآن الكريم، ١٤٠١هـ.
  13. السبحاني، جعفر، المحصول في علم الأصول، تقرير محمود جلالي، قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ١٤١٥هـ.
  14. مقالة تعارض البيّنات وصورها الأربع، قم، الرسالات والمقالات (مجموعة مقالات)، مؤتمر المقدس الأردبيلي، الطبعة الأولى، ١٣٧٥ش.
  15. نظام القضاء والشهادات في الشريعة الإسلامية الغراء، قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ.
  16. السلار الديلمي، حمزة بن عبد العزيز، المراسم العلوية والأحكام النبوية، تحقيق محمود البستاني، قم، منشورات الحرمين، الطبعة الأولى، ١٤٠٤هـ.
  17. الصدر، السيد محمد باقر، بحوث في شرح العروة الوثقى، تحقيق سيد محمد هاشمي، قم، مجمع شهيد آية الله الصدر العالمي، الطبعة الثانية، ١٤٠٨هـ.
  18. الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم، كتاب التعارض، تحقيق وتعليق: الشيخ حليمي عبد الرؤوف السنان، انتشارات مدين، قم، مطبعة وفا، ١٤٢٣هـ.
  19. تكملة العروة الوثقى، قم، مكتبة الداوري، ١٤١٨هـ.
  20. الطباطبائي، السيد علي، رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل، تحقيق محمد بهره مند وغيره، قم، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ.
  21. الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، الخلاف، تحقيق علي خراساني وغيره، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ.
  22. النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، ١٤٠٠هـ.
  23. الطوسي، محمد بن علي بن حمزة، الوسيلة إلى نيل الفضيلة، تحقيق شيخ محمد حسن، قم، مكتبة المرعشي النجفي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
  24. العاملي، محمد بن مكي (الشهيد الأول)، الدروس الشرعية في فقه الإمامية، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٧هـ.
  25. العاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين بن علي بن أحمد، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، قم، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ.
  26. مسالك الأفهام، قم، تحقيق مجموعة باحثين في مؤسسة معارف إسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٠٣هـ.
  27. الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، قم، تحقيق مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤٢٤هـ.
  28. المفيد، محمد بن محمد بن نعمان، المقنعة، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ.
  29. الفاضل اللنكراني، محمد الموحدي، القضاء والشهادات، تحقيق حسين واثقي ومحمد مهدي مقدادي، قم، مركز فقهي أئمة أطهار (عليهم السلام)، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ.
  30. كاشف الغطاء، شيخ محمد حسين، تحرير المجلة، تحقيق شيخ محمد ساعدي، قم، المجمع العالمي للتقريب، الطبعة الأولى، ١٤٢٦هـ.
  31. الكليني، أبو جعفر، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧هـ.
  32. الكلبايكاني، سيد محمد رضا موسوي، كتاب القضاء، مقرر سيد علي حسيني ميلاني، قم، دار القرآن الكريم، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ.
  33. المجلسي، محمد باقر، ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، تحقيق سيد مهدي رجائي، قم، مكتبة مرعشي نجفي، ١٤٠٦هـ.
  34. المحسني القندهاري، محمد آصف، حدود الشريعة، قم، مؤسسة بوستان كتاب، الطبعة الأولى، ١٤٢٩هـ.
  35. كتاب القضاء والشهادات، بي نا، مطبعة سيد الشهداء، ١٤٠٤هـ.
  36. المشكيني، ميرزا علي، مصطلحات الفقه، قم، نشر الهادي، الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ.
  37. المقري الفيومي، المصباح المنير، قم، دار الهجرة، الطبعة الثالثة، ١٤٢٥هـ.
  38. مكارم الشيرازي، ناصر، القواعد الفقهية، قم، مدرسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، الطبعة الثالثة، ١٤١١هـ.
  39. الموسوي الخوئي، سيد أبو القاسم، موسوعة الإمام الخوئي، مباني تكملة المنهاج، مؤسسة إحياء الآثار الخوئي، ١٤٢٠هـ.
  40. الموسوي البغدادي، شريف مرتضى علي بن الحسين، الانتصار في المفردات الإمامية، تحقيق مجموعة باحثين في مكتب التبليغات الإسلامي، قم، نشر دفتر التبليغات الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٥هـ.
  41. الموسوي الخميني، سيد روح الله، تحرير الوسيلة، قم، مدرسة دار العلم، الطبعة الأولى، بي تا.
  42. النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، تحقيق محمد القچاني، طهران، دار الكتب الإسلامية، المطبعة السادسة، ١٣٩٨هـ.
  43. النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة في أحكام الشريعة، تحقيق مجموعة باحثين في مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، بيروت، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.
  44. النوري الطبرسي، ميرزا حسين، مستدرك الوسائل، تحقيق مجموعة باحثين في مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، بيروت، نشر آل البيت (عليهم السلام)، الطبعة الأولى، ١٤٠٨هـ.

الهوامش

  1. أستاذ مساعد في كلية الحقوق بجامعة قم (Dr. Azizollah Fahimi).
  2. طالب في السطح الرابع في الحوزة العلمية بقم وطالب دكتوراه في القرآن والعلوم الاجتماعية (المؤلف المسؤول) (Ms.2522@yahoo.com).
Scroll to Top