ملخص البحث
إنّ للتمسك بـ«المفهوم» في استنباط كثير من الأحكام الفقهية أهمية بالغة في عملية الاجتهاد عند العامة والخاصة، حيث يُعدّ مبحث المفاهيم من المسائل المطروحة بين الفريقين في علم أصول الفقه. ويشترك الإمامية وأهل السنة في كلياته، وقد تصدى أصوليوهم لبيان ماهية «المفهوم» وضابطه وأقسامه. يُقسَّم «المفهوم» في علم أصول الفريقين إلى قسمين: «الموافق» و«المخالف». يتناول هذا البحث حقيقة «مفهوم المخالف» ومنشأه وملاك تحققه عند الفريقين، وذلك باتباع المنهج التحليلي الوصفي وبالاستفادة من المصادر المكتبية. ويسعى البحث إلى تبيين ما إذا كان «مفهوم المخالف» في نظر العامة والخاصة من قبيل المدلول المطابقي أو الالتزامي للكلام، أو أنه ليس من أي من هذين الفرضين، بل هو من الدوالّ الناشئة عن فعل التكلم نفسه. كما يسعى إلى بيان ملاك وضابطة ثبوت المفهوم للجملة في فكر أصوليي الفريقين. هذا الموضوع هو ما يحاول هذا الأثر تبيينه.
مقدمة
يعد مبحث المفاهيم من الأقسام المهمة والغنية بالثمار في مباحث الألفاظ من علم الأصول. «المنطوق» و«المفهوم» هما صفتان لـ«المعنى»، ويتعلق بحث المفهوم بـ«الجملة»، لا بـ«المفرد». وبالطبع، ليس لكل جملة «مفهوم» بالإضافة إلى «منطوقها»، ولكن كل جملة لها «مفهوم» لا بد أن يكون لها «منطوق» أيضاً. يُصرَّح بـ«الحكم» في «المنطوق»، أما في «المفهوم» فلا يكون كذلك، بل يجب استخلاصه ببعض التأمل.
قد لا نجد فرعاً من فروع فقه الفريقين إلا ويكون من مصاديق هذا البحث في أدلته. ولهذا، يظهر البحث حول مصاديق «المفهوم» المتنوعة في كلمات الفقهاء المتقدمين والمتأخرين بكثرة، حيث استُدل به تارة في مقام الإثبات، وتارة في مقام النفي ورد استدلال الخصم.
قسّم الأصوليون من العامة والخاصة «المفهوم» إلى «موافق» و«مخالف»، وذكروا لـ«مفهوم المخالف» أقساماً كـ«مفهوم الشرط»، و«مفهوم الغاية»، و«مفهوم الحصر»، و«مفهوم الوصف» (انظر: السبكي، ١٤١٦، ج١، ص٣٦٨؛ الشوكاني، ١٤١٩، ج٢، ص٣٧؛ المقدسي، ١٤٢٣، ج٢، ص١١٢؛ نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٣٩؛ المظفر، ١٤٠٥، ص١٢٢؛ الخراساني، ١٤٠٩، ص١٩٣). لا شك أن جميع فقهاء الإمامية متفقون على أن «الكلام» بشروط خاصة له «مفهوم»، ولا يمكن إنكار ذلك. إلا أن معظم الجهود كانت منصبّة على إثبات كون «المفهوم» قاعدة مطردة في بعض أساليب الكلام، أو سلبها بشكل كلي أو جزئي، أو بيان شروط لتحديد مصاديق المفاهيم.
وفي خضم ذلك، هناك نقطة في البحث ربما غفل عنها فقهاء الفريقين المتقدمون، ودقق فيها بعض الأصوليين المتأخرين من الإمامية، وهي «حقيقة المفهوم». فطرح هذا البحث الذي يتساءل عن منشأ «المفهوم» ومن أي سنخ من المدلولات هو، لا يحمل عنواناً متعارفاً (انظر: الصدر، ١٤٣١، ج٣، ص١٣٧). تسعى هذه المقالة، عبر جمع المعلومات بالمنهج المكتبي والوصفي التحليلي، إلى إجراء دراسة مقارنة لـ«حقيقة مفهوم المخالف» بين أصوليي الإمامية وأهل السنة. تجدر الإشارة إلى أنه في الدراسات التي أُجريت، لم يُعثر على مبحث «المفاهيم» بمنهج مقارن في كتب علم أصول الفقه المقارن. [الهامش ١]
إجمالاً، يمكن القول إن ثمرة بحث المفاهيم تظهر في عدة جوانب:
١. في الحالات التي يكون فيها حكم المكلف هو الجواز والترخيص، فإن مفهومه (أي انتفاء الترخيص) سيفيد حكماً آخر. نعم، إذا كان الحكم غير الترخيص، فلن تترتب ثمرة فقهية على إثبات «المفهوم»؛ لأنه في حال إثبات «المفهوم»، ينتفي «الحكم» بانتفاء «الموضوع»، وفي حال عدم إثبات «المفهوم»، يُنفى «الحكم» بالأصل العملي كـ«البراءة» وما شابهها.
٢. في الحالات التي يوجد فيها خطاب عام أو خاص يعارض «المفهوم»؛ على سبيل المثال، مفهوم جملة «إن جاءك زيد، يجب إكرامه» وهو «إن لم يجئك، فلا يجب إكرامه»، يتعارض مع دليل آخر يقول: «أكرم زيداً عند رؤيته». هنا، إذا قلنا بوجود «المفهوم»، يقع التعارض بين الدليلين، وإلا فلا تعارض، وهذه ثمرة بالغة الأهمية.
مفهوم «المنطوق» و«المفهوم»
المنطوق: هو المدلول المنطوقي وما يُفهم من محل النطق، وهو في الاصطلاح الأصولي يقابل «المفهوم» (دهخدا، ١٣٧٢، ج٢، ص١٢٨٩). «نَطَقَ النَاطِقُ يَنْطِقُ نَطقاً، وهو منطيق بليغ» (الفراهيدي، ١٤١٠، ج٥، ص١٤٤). «المنطوق» مشتق في الأصل من «النطق» الذي هو في عرف الكلام، أصوات متقطعة تظهرها اللغة وتسمعها الآذان وتحفظها (راغب الأصفهاني، ١٤١٢، ج٤، ص٣٥٤). يفيد «المنطوق» في نصوص المصادر الدينية المعنى عن طريق الدلالة (النص، الظاهر، المجمل، المؤول)، أو بالشكل المنطوق الصريح (الدلالات المطابقية، التضمنية والالتزامية)، أو بطريقة المنطوق غير الصريح (دلالات الاقتضاء، التنبيه والإشارة).
المفهوم: كلمة «مفهوم» من جذر «فَهِمَ» وتعني «العلم بالشيء». وفي الاصطلاح، هو المعنى الذي لم يُنص عليه في الكلام، ولكن يمكن فهمه من خلال بنية الكلام. يرى ابن فارس أن «المفهوم» من جذر «فَهِمَ» ويعني العلم بالشيء، وينسب هذا المعنى إلى اللغويين (ابن فارس، ١٤٠٤، ج٥، ص٤٤١). «الفهم: معرفتك الشيء بالقلب. فَهِمَهُ فَهْماً وفَهَماً وفَهامة: عَلِمَه» (ابن منظور، ١٤١٤، ج١٠، ص٣٥٤). الفهم: العلم والمعرفة. «فَهِمَهُ فَهْماً: عَلِمَهُ وَعَرَفَهُ بقلبه»، ويتعلق بالمعاني لا الذوات. يقال: «فَهَمْتُ الكلام»، ولكن لا يصح «فَهَمْتُ الرجُلَ»، بل الصحيح «عرفتُ الرجُلَ» (قرشي، ۱۳۷۱، ج۷، ص۷۹).
«المنطوق» و«المفهوم» في اصطلاح العامة
ما يدل عليه اللفظ في محل النطق والقول هو «المنطوق» (السيوطي، ١٣٨٠، ج٢، ص١٠٧). قال بعض علماء أهل السنة في تعريف «المفهوم» وبيان مرادهم: «المفهوم» هو المعنى الذي يُفهم من اللفظ ضمناً (الشوكاني، ١٤١٩، ج٢، ص٣٦؛ الزركشي، ١٤١٤، ج٥، ص١٢١)، ومرادهم من «المفهوم» في محل النزاع هو المعنى المستفاد من الألفاظ المركبة؛ لأنهم قسموا المفهوم المستفاد من الألفاظ المركبة إلى «موافق» و«مخالف» (الزركشي، ١٤١٤، ج٥، ص١٢٢ و١٣٢). ويقول آخرون: «المفهوم» هو المعنى الذي يُفهم من اللفظ في غير محل النطق (الساعاتي، ١٤٠٥، ج٢، ص٥٥٠). وقد تبنى النملة هذا المعنى لـ«المفهوم» (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٣٩)، ومرادهم بـ«المفهوم» ما يقابل «المنطوق»؛ لأنهم في تبويب كتبهم وضعوا «المفهوم» في مقابل «المنطوق» (انظر: نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧١٧).
«المنطوق» في نظر النملة هو المعنى المستفاد من محل النطق. ويقسم «المنطوق» إلى صريح (المعنى الحاصل من اللفظ بالدلالة المطابقية والتضمنية) وغير صريح (المعنى الحاصل من اللفظ بالدلالة الالتزامية) (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٢١ و١٧٢٢)، ويضيف قائلاً: «المنطوق غير الصريح يشمل دلالات الاقتضاء والإيماء والإشارة» (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٢٤)، ويصرح بأنه بتعريف «المفهوم» بأنه المعنى المستفاد من غير محل النطق، يُخرج «المنطوق» بجميع أقسامه (انظر: نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٣٩).
«المفهوم» و«المنطوق» في اصطلاح الخاصة
يقصد الأصوليون من الخاصة بـ«المنطوق» المعنى الذي يدل عليه اللفظ ذاتاً، بحيث يكون اللفظ الموضوع قالباً لذلك المعنى ومحتوياً له. وبناءً على ذلك، سموا «المعنى» باسم «المنطوق» من باب تسمية المدلول باسم الدال؛ أي أطلقوا على «المعنى» الذي هو المدلول اسم «المنطوق» الذي هو اللفظ الدال (المظفر، ۱۳۷۱، ص۱۰۷-۱۰۹).
وكذلك «المفهوم» هو معنى لم يُذكر في الكلام، ولكنه يُفهم من خلال البنية التركيبية للكلام، وموضوعه أيضاً لم يُذكر في الجملة (محمدي، ١٣٦٨، ص٦٩). «المفهوم» هو مدلول التزامي يبين هذه النقطة: لو انتفى بعض قيود المدلول المطابقي واختل، لانتفى حكم «المنطوق» أيضاً؛ أي أن انتفاء القيد يوجب انتفاء الحكم (الصدر، ١٣٨٦، ج٢، ص١٠٠).
بناءً على ذلك، في المدرسة الأصولية الشيعية، يختلف تعريف «المفهوم» عن تعريفه لدى أهل السنة. مراد الأصوليين الشيعة من «المفهوم» هو المفهوم الذي يقابل «المنطوق»؛ أي مفهوم الجمل التركيبية، لا مفاهيم الألفاظ وهيئاتها (انظر: النائيني، ١٣٥٢، ج١، ص٤١٣؛ مغنية، ١٩٧٥م، ص١٤٣؛ فياض، ١٤١٧، ج٤، ص٢٦٧). وهم متفقون على أن «المفهوم» هو حصة خاصة من المدلول الالتزامي (الصدر، ١٤٣١، ج٦، ص٥٧٢؛ النائيني، ١٣٥٢، ج١، ص٤١٣؛ العراقي، ١٤١٧، ج٢، ص٤٦٩)؛ ولكنهم يختلفون في تحديد أي حصة هي. ولذلك، أضاف كل من الأصوليين قيداً إلى تعريفه لتحديد الحصة المرادة من المدلول الالتزامي. يقول المشهور: أن يكون المدلول الالتزامي على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخص (النائيني، ١٣٥٢، ج١، ص٤١٤؛ العراقي، ١٤١٧، ج٢، ص٤٦٩). ويقول آخر: هو خصوصية في المعنى تستلزم «المفهوم» (الخراساني، ١٤٠٩، ص١٩٣). أما الشهيد الصدر فيعتبر «المفهوم» مقابلاً لـ«المنطوق» ويقول: «المنطوق» هو المدلول المطابقي (الصدر، ١٤٣١، ج١، ص٢٤٧) و«المفهوم» هو المدلول الالتزامي للكلام؛ ولكن ليس كل حصة من المدلول الالتزامي، بل تلك الحصة اللازمة التي ترتبط فيها الحكم بالموضوع القائم. أما إذا كان اللازم يتعلق بالحكم فقط أو بالموضوع فقط، فلا يعتبره الشهيد الصدر مدلولاً التزامياً «مفهوماً» (انظر: الصدر، ١٤٣١، ج٦، ص٥٧٥ و٥٧٦).
بناء على ما تقدم، يمكن الوصول إلى تعريف واحد جامع بين الشيعة وأهل السنة: «المفهوم هو معنى يُفهم من اللفظ في غير محل النطق». هذا التعريف جامع بين الشيعة وأهل السنة؛ ومع ذلك، يختلف الشيعة وأهل السنة من جهتين:
أ) يرى الأصوليون الإمامية أن «المنطوق» هو الدلالة المطابقية؛ بينما يرى بعض أهل السنة كالنملة أن «المنطوق» أعم من الدلالة المطابقية والالتزامية.
ب) يرى بعض الأصوليين الشيعة، كالمرحوم النائيني والمحقق العراقي، أن المفهوم هو مدلول التزامي، وكذلك الشهيد الصدر يرى «المفهوم» حصة خاصة من المدلول الالتزامي؛ بينما يعتبر أشخاص كالنملة من الأصوليين العامة المدلول الالتزامي داخلاً في «المنطوق»، ويعتبرون المعنى المستفاد من اللفظ في غير محل النطق «مفهوماً». هذه الفروق تعبر عن الاختلاف الجوهري في تعريف حقيقة «المفهوم» من منظور الخاصة والعامة.
خروج «مفهوم الموافق» من محل البحث
قسّم علماء الفريقين «المفهوم» إلى «موافق» و«مخالف». «مفهوم الموافق» هو قضية يكون حكمها نفياً وإثباتاً موافقاً لحكم «المنطوق». أما «مفهوم المخالف» فهو قضية يكون حكمها نفياً وإثباتاً مخالفاً لحكم «المنطوق» (القمي، ۱۳۷۸، ج۱، ص۱۷۱). ويسمى «مفهوم الموافق» أيضاً «فحوى الخطاب» أو «لحن الخطاب»، و«مفهوم المخالف» «دليل الخطاب».
عدّ الأصوليون الشيعة ستة أنواع لـ«مفهوم المخالف» (مفهوم الشرط، مفهوم الغاية، مفهوم الحصر، مفهوم الوصف، مفهوم العدد، مفهوم اللقب، مفهوم الزمان ومفهوم المكان)، واعتبروا من بينها مفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم الحصر فقط حجة (صادقي، ١٣٨٦، ص٧٠).
ما يُذكر في هذا البحث بعنوان «المفهوم» هو نفسه «مفهوم المخالف» في كلام القوم. أما «مفهوم الموافق» فهو حكم يوافق في مضمونه حكم «المنطوق» بعكس «مفهوم المخالف»؛ كقوله «لا تقتل زيداً» الذي يُفهم منه «لا تضرب زيداً»؛ إذ يوجد بين مدلول الكلام ومفهوم الموافق ملازمة عرفية، والعرف يرى ملازمة بين «حرمة ضرب زيد» و«حرمة قتله». لذا، يتضح أن حقيقة «مفهوم الموافق» ليست سوى المدلول الالتزامي للكلام بملازمة عرفية. وبناءً على ذلك، لا يوجد إبهام في «مفهوم الموافق».
سيتبين لاحقاً أن «مفهوم الموافق» و«مفهوم المخالف» لا يجمعهما جامع واضح ليُدرجا تحت تعريف واحد. كما أنه لا يوجد نزاع بين الأصحاب في «مفهوم الموافق»؛ حيث بُيِّن في محله أنه لا فرق في الحجية عند سيرة العقلاء بين المدلول الالتزامي والمطابقي.
ملاك تحقق «المفهوم» عند العامة
لم يصرح الأصوليون من أهل السنة بضابطة لثبوت المفهوم، واكتفوا ببيان شروط لحجية «مفهوم المخالف»، ومن هذه الشروط قانون العلية. بناءً على هذا القانون، فإن انعدام العلة يستتبع انعدام المعلول. فإذا كان شيء علة لحكم، فبانتفائه ينتفي الحكم أيضاً. وتشير عبارات بعض الأصوليين العامة إلى هذا القانون، مثل:
«إن الترتيب يشعر بالعلية» (السبكي، ١٤١٦، ج١، ص٣٧٣).
«مِنْ بَقِيَّةِ الْمَفَاهِيمِ كَمَفْهُومِ الصَّفَةِ وَالْغَايَةِ وَالْحَصْرِ فِيهِ رَائِحَةُ التَّعْلِيل» (القرافي، ١٣٤٥، ج٣، ص٧٧).
«لأن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية» (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٦٨).
«أن الصفة يجوز أن تكون علة يعلق الحكم عليها» (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٨٠١).
من بين أصوليي أهل السنة، يذكر النملة بعد تعداد أقسام «مفهوم المخالف» [الهامش ٢] (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٦٧) ودراسة حجيتها وقبول حجية بعضها ورفض حجية البعض الآخر (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٩٩)، شروطاً ويقول إنها شروط عامة لـ«مفهوم المخالف»، وإن لم تتوفر فلا يكون أي مفهوم مخالف حجة (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٨٠٢-١٨٠٥؛ نملة، ١٤١٧، ج٦، ص٤٠٨ و٤٠٩). وهذه الشروط هي:
١. ألا يكون حكم «مفهوم المخالف» مبطلاً لحكم «المنطوق».
٢. ألا يكون هناك دليل خاص في «المفهوم» يدل على نقيض حكم «المنطوق». فإن وجد، يُعمل بذلك الدليل، لا بـ«مفهوم المخالف»؛ مثل آية «وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا»(النساء، ١٠١)، حيث لا يُستند فيها إلى «مفهوم الشرط»؛ لوجود دليل آخر يدل على جواز القصر في غير حالة الخوف، وهو «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (ابن أبي جمهور، ١٤٠٣ق، ج٢، ص٢٢٦).
٣. ألا تكون نسبة حكم «المفهوم» إلى حكم «المنطوق» أولوية أو تساوياً؛ وإلا لكان «مفهوم الموافق».
٤. أن يكون القيد وارداً على نحو الاستقلال لا على نحو التبعية لشيء آخر؛ مثل «وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ»(البقرة، ١٨٧)، حيث إن قيد «في المساجد» تبعي؛ لأن المعتكف لا يحق له المباشرة.
٥. ألا يكون منشأ الجهل بالحكم المسكوت عنه هو المخاطب.
٦. ألا يكون القيد غالباً؛ مثل آية «وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» (النساء، ٢٣) حيث إن قيد «في حجوركم» غالب؛ لأن «الربائب» غالباً ما يكن كذلك.
٧. ألا يكون القيد للمبالغة في الكثرة؛ مثل «جئتك ألف مرة»، حيث العدد هنا للمبالغة.
٨. ألا يكون القيد للمبالغة في التنفير؛ مثل آية «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (آل عمران، ١٣٠)، حيث لا يمكن أخذ المفهوم منها بأن «إذا كان الربا قليلاً، فهو حلال»؛ لأن قيد «مضاعفة» جاء للمبالغة في التنفير (تنفير الناس أكثر من الربا)، لا ليكون له مدخلية في الحكم.
٩. ألا يكون القيد لإيجاد الدافع للامتثال؛ مثل حديث «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحدّ عليه أربعة أشهر وعشراً» (العسقلاني، ١٣٧٩م، كتاب الطلاق، ص٣٩٥)، حيث قيد «الإيمان» ليس له مدخلية في الحكم، والرواية لا تقول إنه إذا لم تكن مؤمنة، يمكنها أن تعتد أقل؛ بل هو لإيجاد الدافع ليعلم الجميع أن النساء المؤمنات يعتددن.
١٠. ألا يكون القيد للامتنان؛ مثل آية «وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا» (النحل، ١٤)، حيث قيد «طرياً» هو للمنة على الإنسان، لا بمعنى أنه بما أن البحر سُخِّر للإنسان، فلا يمكنه أن يأكل لحماً غير طازج.
١١. ألا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جواباً لسؤال أو بياناً لحادثة معينة؛ مثل أن يسأل شخص عن غنم سائمة، ويكون الجواب الذي يُعطى متعلقاً بذلك السؤال، ولا يمكن أخذ مفهوم من لفظ ذلك السؤال بأن الغنم المعلوفة لا زكاة فيها.
١٢. ألا يكون القيد للقياس؛ مثل حديث «خمس فواسق يُقْتَلْنَ في الحل والحرم: الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة» (ابن الملقن، ١٤٣٠ق، ج٩، ص١٧٣). يقول النملة: هذه القيود للقياس ولا يُفهم منها «مفهوم»؛ بل يمكن قتل كل حيوان مؤذٍ بناءً على هذا الحديث. [الهامش ٣]
يبدو أن هذه الشروط ليست معبرة عن ملاك تحقق «المفهوم» في الجملة، بل هي شروط كلية للجملة. فمع أن عدم وجود هذه الشروط يدل على عدم وجود مفهوم للجملة، إلا أن وجودها لا يعني بالضرورة وجود مفهوم لها. يؤيد هذا الفرق عدم حجية «مفهوم اللقب». يقول النملة: اللقب لا «مفهوم» له (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٩٩)؛ بينما لم يستدل على عدم حجيته لا بفقدان هذه الشروط في «مفهوم اللقب» (نملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٧٩٩ و١٨٠٠)، ولا بأن «مفهوم اللقب» يفتقر إلى هذه الشروط؛ مثل «زيد يأكل» [الهامش ٤] الذي يستوفي جميع شروط «مفهوم المخالف»، ولكنه ليس بحجة.
ملاك تحقق «المفهوم» عند الخاصة
تحدث بعض أصوليي الشيعة عن ملاك تحقق «المفهوم» في الجملة تحت عنوان «الضابطة» (انظر: عبدالساتر، ١٤٢٣، ج٦، ص٥٧٧)، وقالوا إنه إذا وجدت تلك النقطة الأساسية (الضابطة) في الجملة، فإن الجملة تدل على «المفهوم» (انظر: الهاشمي الشاهرودي، ١٤٣١، ج٦، ص٥٧٧). وبناءً على ذلك، يمكن القول عن «الضابطة» إنها قالب كلي إذا انطبق على جملة ما، فإن تلك الجملة تكون ذات «مفهوم». لذا، فإن الأصوليين الإمامية، بخلاف أهل السنة الذين اكتفوا بذكر الشروط ولم يتحدثوا عن «الضابطة»، قد أوضحوا «الضابطة» بالتفصيل.
يجب التسليم بأن الأصوليين الإمامية يختلفون حول «الضابطة». يرى المشهور ضرورة وجود ركنين (الصدر، ١٤١٨، ص٣٢١؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤٣١، ج٦، ص٥٧٧): الأول، أن يكون الربط بين الجزأين على نحو اللزوم العلي الانحصاري (النائيني، ١٣٥٢، ج١، ص٤١٥-٤١٧)، والثاني، أن يكون طبيعي الحكم منتفياً، لا شخصه (العراقي، ١٤١٧، ج٢، ص٤٦٩).
بالطبع، هناك أصوليون يعتبرون هذين الركنين غير تامين (العراقي، ١٤١٧، ج٢، ص٤٧٢). يقبل الشهيد الصدر الركن الثاني (الصدر، ١٤١٨، ج٢، ص١١١)، ولكنه يناقش في الأول ويقول: العلية ليست لازمة، فضلاً عن العلية التامة والانحصارية؛ بل الركن الأول بناءً على المدلول التصوري للكلام، هو وجود نسبة توقفية بين الجزأين، وبناءً على المدلول التصديقي، هو عدم انفكاك الجزأين عن بعضهما (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٣١، ج٦، ص٥٧٩).
بناءً على ما ذُكر حول «الضابطة» وملاك تحقق «المفهوم» في الجملة، فإن الفرق بين وجهة نظر الأصوليين العامة والخاصة يتمثل في:
١. يذكر أهل السنة شروطاً كلية لحجية «مفهوم المخالف» لا تُطرح عند الشيعة.
٢. يصرح المشهور من الشيعة بـ«الضابطة»؛ بخلاف أهل السنة الذين تُكتشف «الضابطة» من عباراتهم دون التصريح بها.
٣. يعتبر المشهور من الشيعة العلية الانحصارية هي الملاك؛ بخلاف العامة الذين تشير عباراتهم إلى العلية فحسب، لا أكثر.
٤. يعتبر الشيعة انتفاء طبيعي الحكم هو الملاك؛ بينما لم يحدد أهل السنة ما إذا كان مرادهم هو طبيعي الحكم أم شخص الحكم.
٥. يعتبر أهل السنة، وخاصة النملة، العلية ركناً؛ وكذلك بعض أصوليي المذهب الإمامي يعتبرون العلية ركناً؛ ولكن الشهيد الصدر يقول إن العلية ليست لازمة، وتكفي النسبة التوقفية.
اعتبار «مفهوم المخالف» عند الإمامية
حول حجية «مفهوم المخالف» الذي يشمل مفهوم الشرط، مفهوم الوصف، مفهوم الغاية، مفهوم العدد، مفهوم الحصر، ومفهوم اللقب، توجد آراء مختلفة بين الأصوليين (المظفر، ١٤٠٥، ج١، ص١٤٠). قيل إن النزاع في حجية المفاهيم هو نزاع صغروي؛ بمعنى هل للشرط، أو الوصف، أو العدد مفهوم أم لا؟ (الخميني، ١٣٦٧، ج١، ص١٠٦؛ النائيني، ١٤٢١، ج١، ص٤٧٨). يقول المرحوم المظفر عن «مفهوم المخالف» واعتباره: لا شك أنه متى كان للكلام مفهوم يدل عليه، فإنه يظهر في ذلك المفهوم، وبالتالي يكون حجة على السامع من المتكلم وعلى المتكلم من السامع، كغيره من الظواهر. فإذا كان ظهور «المفهوم» حجة، فما معنى النزاع في حجيته؟! على سبيل المثال، عندما يقولون: «هل مفهوم الشرط حجة؟»، فإن النزاع في الحقيقة هو في أصل دلالة الجمل على «المفهوم» أو عدم دلالتها، وبعد أن افترضنا أن الجملة لها «مفهوم»، فلا يبقى نزاع في حجيته (المظفر، ١٤٠٥، ج١، ص١٠٢).
قيل في اعتبار «مفهوم المخالف»: إن لكل حكم موضوعه، وعندما يبيّن المشرّع الحكم لموضوع ما، فإن ظاهره أنه لا يريد خلافه. بعبارة أخرى، هدف المشرّع هو أن يختص الحكم بذلك الموضوع، بحيث إذا تغير الموضوع، تغير الحكم أيضاً. وعلى هذا الأساس، عرّفوا «مفهوم المخالف» بأنه حكم مخالف لـ«المنطوق» يوجد لفرض مخالف لموضوع ذلك الحكم (كاتوزيان، ۱۳۷۷، ج۳، ص۱۰۱). كذلك في اعتبار «مفهوم المخالف» يبيّنون: الخصوصية المذكورة في الكلام تدل على انتفاء الحكم، سواء كانت تلك الخصوصية شرطاً، أو وصفاً، أو غاية، أو لقباً. هذه الدلالة عند الأصوليين المتقدمين ليست دلالة لفظية، بل هي من باب بناء العقلاء؛ بمعنى أن أي شخص يقوم بفعل، فإنه يفعله لهدف وغاية، والهدف والغاية عند العقلاء من التكلم هو إيصال المعنى إلى المخاطب؛ أي أن من يتكلم هدفه تفهيم المعنى. وكما أن من خصائص الهدف والغاية أن يكون لهما دخل في المطلوب؛ أي أن المطلوب يجب أن يحقق الهدف والغاية (فاضل لنكراني، ۱۳۷۷، ج۷، ص٣٥٦). لذا، عندما يقول المولى: «إذا أكرمك زيد فأكرمه»، يحكم العقلاء بأن الإكرام الصادر من زيد له دخل في وجوب إكرامه من قبل المخاطب. ويقولون أيضاً إنه لو لم يكن للإكرام الصادر من زيد دخل في وجوب إكرامه، لما ذكر المتكلم هذا الشرط (إذا أكرمك زيد). وهكذا الحال في القيود الأخرى. إذن، استخلاص «المفهوم» من الجملة ليس على أساس أن الجملة تدل عليه، وأنه مثلاً إذا انتفى الشرط انتفى الحكم؛ أي لا توجد دلالة لفظية في الجملة، بل هو على أساس أصل الهدفية وعدم العبث في فعل الإنسان. فأفعال الإنسان تصدر لهدف ودافع طبيعي، والهدف من إيراد القيد والشرط والوصف في الجملة هو إدخالها في الحكم (السبحاني، ١٤٣٠، ص١٦٢).
استجلاء حقيقة «مفهوم المخالف» عند الإمامية
في علم الأصول، يُقسّم «اللفظ» إلى «مفرد» و«مركب»، و«اللفظ المركب» إلى «ناقص» و«تام». والمركب التام مثل «زيد عادل» و«أكرم زيداً» يسمى «كلاماً» أيضاً. ومن جهة أخرى، يُقسّم مدلول الكلام في علم الأصول إلى «مدلول منطوقي» و«مدلول مفهومي».
«المنطوق» يعني «ما فُهم مما نُطق وتُلفظ به»، و«المفهوم» يعني «ما فُهم من الكلام لا مما نُطق به». على سبيل المثال، في جملة «إن جاءك زيد فأكرمه»، المدلول المنطوقي هو «وجوب إكرام زيد عند مجيئه»، والمدلول المفهومي هو «عدم وجوب إكرام زيد في حال عدم مجيئه». من الواضح أن «المنطوق» يُفهم من المدلول المطابقي للكلام؛ ولكن السؤال هو: من أين نفهم «المفهوم»؟ [الهامش ٥]
توضيح ذلك أن الدلالة هي انتقال الذهن من إدراك إلى إدراك آخر؛ سواء من تصور إلى تصور آخر، أو من نسبة إلى نسبة أخرى، أو من تصديق إلى تصديق آخر. ما بُحث في المنطق في مباحث الدلالات وأقسامها يتعلق بالدلالة التصورية، ولا علاقة له ببحثنا الذي يدور حول الدلالة التصديقية للكلام. المدلول في الدلالة التصديقية إما أن يكون مطابقياً أو التزامياً، والمدلول الالتزامي إما أن يكون بتلازم عقلي أو تلازم عرفي. السؤال الآن هو: «المفهوم» يندرج تحت أي قسم من المدلولات؟ «المنطوق» هو المدلول المطابقي للكلام؛ أما «المفهوم» فليس هو مضمون الكلام نفسه، وبالتالي لن يكون مدلولاً مطابقياً للكلام. والمدلول الالتزامي هو ما يكون له ملازمة في الصدق في مقام الثبوت مع مضمون الكلام (المنطوق). فإن كان بينهما ملازمة عقلية، كانت «الدلالة الالتزامية العقلية»، وإن كانت ملازمة عرفية، كانت «الدلالة الالتزامية العرفية». ولكن «المفهوم» ليس مدلولاً التزامياً للكلام أيضاً؛ لأنه لا توجد ملازمة عرفية أو عقلية بين «المفهوم» و«المنطوق» (المدلول المطابقي). على سبيل المثال، لا توجد ملازمة بين «وجوب إكرام زيد عند مجيئه» و«عدم وجوب إكرام زيد في حال عدم مجيئه»، ومن الممكن أن يُجعل وجوبان للإكرام، أحدهما مترتب على مجيء زيد والآخر مترتب على عدم مجيئه؛ بينما في المدلولات الالتزامية يجب أن توجد ملازمة عقلية أو عرفية بين المضمون التصديقي الأول والثاني؛ مثل وجود ملازمة عقلية بين التصديق بوجود النار والتصديق بوجود الحرارة، أو تلازم عرفي بين التصديق بحرمة شرب الخمر والتصديق بحرمة إشراب الخمر للغير. لكن لا وجود لأي من هذين (التلازم العقلي والعرفي) في «المفهوم». لهذا السبب، تحول معرفة منشأ «المفهوم» إلى مشكلة معقدة أمام الأصوليين.
أقوال الأصوليين الإمامية في حقيقة «المفهوم»
١. رأي المحقق العراقي
يعرّف المحقق العراقي «المفهوم» بطريقة يمكن اعتبارها أبسط بيان في تعريف المفهوم. وهو ينسب هذا التعريف إلى الأصوليين، ويقول في بداية المقالة الرابعة والعشرين: «في المفهوم والمنطوق وعرفوهما بما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق أو في محلّه» (العراقي، ١٤٢٠، ج١، ص٣٩٥).
هذا التعريف، كما هو واضح، وكما أشار هو نفسه في تتمة كلامه، ليس مانعاً للأغيار، ويشمل جميع المدلولات الالتزامية للكلام، سواء كانت مفهوماً أم غير مفهوم. وربما لهذا السبب، سعى المحقق الخراساني إلى تعريف «المفهوم» وعرّفه بدقة أكبر.
٢. رأي المحقق الخراساني
ذكر صاحب الكفاية تعريفين لـ«المفهوم»، الأول من العضدي: «إنّ المفهوم كما يظهر من موارد إطلاقه هو عبارة عن حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الذي أريد من اللفظ بتلك الخصوصية ولو بقرينة الحكمة وكان يلزمه لذلك» (الخراساني، ١٤٠٩، ص١٩٣). ثم يقول: «فصح أن يقال: إنّ المفهوم إنما هو حكم غير مذكور؛ لا أنه حكم لغير مذكور» [الهامش ٦] (الخراساني، ١٤٠٩، ص١٩٤).
يقول الشهيد الصدر في توضيح كلام المحقق الخراساني: «بسبب الإشكال الموجود في التعريف السابق، لا يعرّف المفهوم بأنه مستفاد من نفس المعنى ليشمل جميع المدلولات الالتزامية؛ بل يعرفه بأنه مستفاد من خصوصية في المعنى» (الحائري، ١٤٠٨، ج٤، ص١٠). ثم يشكل على هذا الكلام ويقول: أحياناً يُفهم شيء من إطلاق «المنطوق»، وهذا المستفاد ليس من نفس المعنى. فإذا اعتبر الإطلاق داخلاً في «المفهوم»، فإن أمثال وجوب المقدمة ستكون نقضاً على هذا التعريف، وإذا لم يعتبر الإطلاق من قبيل «المفهوم»، فإن تعبير «ولو بقرينة الحكمة» في كلامه سيواجه مشكلة (الحائري، ١٤٠٨، ج٤، ص١٠).
بغض النظر عن ورود أو عدم ورود إشكال السيد الصدر، يبدو أن المشكلة الأساسية في كلام المحقق الخراساني هي أنه في هذا البيان لا يشير إلى حقيقة «المفهوم» ولا يحدد ما هي الخصوصية التي تستتبع مثل هذا المدلول، وما هو منشأ «المفهوم».
٣. رأي المحقق النائيني
ربما يمكن القول إن أول من طرح بياناً فنياً لـ«المفهوم» وحقيقته هو المحقق النائيني. يقول: «المفهوم، كما يكون في الألفاظ الإفرادية، كذلك يكون في الجمل التركيبية… وكما أن للألفاظ المفردة معنى مطابقيًا ومعنى التزاميًا، فكذلك يكون للجمل التركيبية معنى مطابقي ومعنى التزامي وكما أن لازم المعنى الإفرادي تارة يكون بينا أخص، وأخرى يكون أعم، فكذلك لازم المعنى التركيبي ينقسم إلى هذين القسمين… والمراد من المفهوم: هو ما دلت عليه الجملة التركيبية بالدلالة الإلتزامية بالمعنى الأخص» (النائيني، ١٤٢١، ج٢، ص٤٧٦-٤٧٧).
يقبل المحقق الخوئي هذا التعريف مع توسعة فيه. فهو يرى «المفهوم» مدلولاً التزامياً لـ«المنطوق»؛ سواء كان اللازم بالمعنى الأعم أو بالمعنى الأخص، يكفي أن يكون لازماً بيّناً. جميع المدلولات الالتزامية، مثل وجوب المقدمة، هي من قبيل اللازم غير البيّن. ويضيف هذه النقطة أيضاً، أن وجه هذه الدلالة هو وجود خصوصية في «منطوق» القضية. على سبيل المثال، المفهوم في القضية الشرطية مبني على هذه الخصوصية، وهي أن القضية الشرطية بمنطوقها تدل على أن «الشرط» هو العلة المنحصرة للحكم؛ سواء كانت هذه الدلالة بالوضع أو بالإطلاق، بناءً على الاختلاف في المباني (الخوئي، ١٤١٧، ج٥، ص٥٥). ليس من المستبعد أن يكون مراد المحقق الخراساني أيضاً من الخصوصية في المعنى هو هذه النقطة.
٤. رأي الشهيد الصدر
الشهيد الصدر، مع قبوله أن «المفهوم» من قبيل المدلول الالتزامي للكلام، يورد هذا الإشكال أيضاً بأن مفهوم الشرط، وهو أهم مصاديق «المفهوم»، ليس أبداً لازماً بيّناً لمنطوق القضية الشرطية. والشاهد على ذلك أن القائلين بمفهوم الشرط يتمسكون لإثباته ببراهين فلسفية دقيقة جداً، وهذه بالضبط هي الخصوصية التي توجد في اللوازم غير البيّنة، والمحقق الخوئي أيضاً يخرج وجوب المقدمة وما شابهه بهذا البيان من تعريف «المفهوم» (الحائري، ١٤٠٨، ج٤، ص٩).
هذا الإشكال مبني على أن نعتبر «المفهوم» مدلولاً التزامياً غير بيّن. يبدو أن الإشكال الأساسي للمحقق النائيني والمحقق الخوئي في هذا الموطن هو الخلط بين المدلول الالتزامي في اصطلاح علم المنطق والمدلول الالتزامي في اصطلاح علم الأصول. دلالة الألفاظ في المنطق هي من موارد الدلالة الوضعية. عندما نسمع كلمة، ينتقل ذهننا إلى تصور يسمى «المدلول»، وهذا المدلول إما «مطابقي» أو «تضمني» أو «التزامي». المدلول المطابقي هو نفس التصور الموضوع له. المدلول التضمني هو تصور تحليلي ولا وجود له واقعاً، والمدلول الالتزامي هو معنى يتصور مع تصور بعض المعاني. إذن، المدلول الالتزامي في المنطق هو مدلول تصوري، وهذه الدلالة هي التي تُقسم إلى لازم بيّن وغير بيّن. ولكن بحث «المفهوم» يدور حول المدلول التصديقي، والمدلول الالتزامي في علم الأصول هو بمعنى قضية لها ملازمة في الصدق مع القضية الأصلية، ملازمة عقلية أو عرفية، ولا يُقسم إلى بيّن وغير بيّن. من المستبعد جداً أن يكون المحقق النائيني قد وضع اصطلاحاً في هذا الباب يشابه تماماً الاصطلاح المنطقي، ولم يقدم تعريفاً لتوضيح مراده من البيّن بالمعنى الأخص وغيره.
يرى الشهيد الصدر أن المدلولات الالتزامية تنشأ أحياناً من الموضوع، وأحياناً من المفهوم، وأحياناً من النسبة بين الأجزاء، ويقول: ذلك القسم من المدلولات الالتزامية الذي ينشأ من النسبة ولا يزول بتغيير طرفي النسبة يسمى «المفهوم»؛ مثل مفهوم الشرط الذي يُفهم من النسبة التوقفية والالتصاقية بين طرفي القضية الشرطية (الشرط والجزاء) (الهاشمي الشاهرودي، ١٤٣١، ج٣، ص١٤١).
حسب رأي الشهيد الصدر، ضابطة مفهوم الشرط شيئان: الأول، وجود علاقة خاصة بين الشرط والجزاء ملاكها توقف الجزاء على وجود الشرط، وليس من الضروري أن يكون هذا الربط من نوع اللزوم، والثاني، انتفاء طبيعي وأصل الحكم بانتفاء الشرط. ويثبت المطلب الأول عن طريق الوضع، والمطلب الثاني عن طريق إطلاق جملة الجزاء (انظر: الصدر، ١٤١٨، ج٢، ص١١٣ و١١٤).
كلام الشهيد الصدر فيه إشكالات ستتضح لاحقاً، ولكن هنا نكتفي بطرح إشكال نقضي. أمثال العكس المستوي والعكس النقيض هي أيضاً قضايا لها ملازمة مع «المنطوق» بملاحظة النسبة الحملية القائمة على الكلام، ولا تزول أيضاً بتغيير طرفي النسبة. فمع أنها ليست «مفهوماً» مصطلحاً، إلا أن تعريف الشهيد الصدر يصدق عليها.
٥. رأي الأستاذ المددي
يدعي الأستاذ المددي نظرية دلالة الفعل القولي على «المفهوم»، وفي تبيين نظريته يقول: من الواضح جداً أن «المفهوم» ليس جزءاً من «المنطوق»؛ لأنه لم يُنطق به. ولكن المشكلة هي أن «المفهوم» ليس من المدلولات الالتزامية أيضاً؛ لأنه لا توجد ملازمة عقلية بين «وجوب إكرام زيد عند مجيئه» و«عدم وجوب إكرام زيد في حال عدم مجيئه»، ولا عرفية. بينما في المدلولات الالتزامية يجب أن تكون هناك ملازمة عقلية أو عرفية بين المضمون التصديقي الأول والثاني؛ مثل وجود ملازمة عقلية بين التصديق بوجود النار والتصديق بوجود الحرارة، أو ملازمة عرفية بين التصديق بحرمة شرب الخمر والتصديق بحرمة إشراب الخمر للغير. لذا، يرد نقد مشترك على جميع هذه الآراء من المحقق الخراساني حتى الآن، وهو أن جميع هؤلاء الأعلام كانوا يبحثون دائماً عن مدلول للكلام، ويعتبرون «المفهوم» ناشئاً من مدلول الكلام؛ بينما يبدو أن «المفهوم» يُفهم من التلفظ والتكلم، لا من الكلام واللفظ. في الواقع، الإشكال هو أنه يُدعى أننا فهمنا شيئاً من الكلام ليس هو المدلول المطابقي للكلام ولا المدلول الالتزامي له. كيف يكون هذا ممكناً ومتصوراً؟! المشهور كانوا يبحثون عن مدلول للكلام نفسه؛ ولكن «المفهوم» ليس له ملازمة مع الكلام نفسه، بل يُستفاد من التكلم والتلفظ الذي هو فعل قولي (المددي، ١٣٩٤، درس خارج الأصول).
لتوضيح المقصود، يجب أولاً أن نوضح الفرق بين «اللفظ والكلام» و«التلفظ والتكلم». في الحكمة القديمة، كانوا يعتقدون أن «اللفظ»، أي الصوت المعتمد على مخارج الحروف، هو كيف محسوس يعرض على الهواء، وإذا كانت القوة السامعة في جوار هذا الهواء، فإنها تدركه.
العلم الحديث ينكر وجود الصوت واللفظ في الخارج، ويرى أن ما يوجد في الخارج هو تموج وحركة الهواء، وعندما تصطدم هذه الأمواج بطبلة أذن الشخص، تخلق فيه إحساساً وحالة نفسانية هي كيف نفساني. ولكن في دلالة الألفاظ، يكون اللفظ الدال دائماً كيفاً نفسانياً، وهو نفس الإحساس الذي يصل إلى السامع، وحتى بناءً على مبنى الحكماء القدماء، الدال ليس هو الكيف المحسوس، بل هو هذا الكيف النفساني.
أما «التلفظ» فهو فعل المتكلم والافظ، وهو من مقولة «أن يفعل» وعرض، ومعروضه هو الفاعل نفسه، ويسمى الفعل القولي «تلفظاً». عندما يتلفظ شخص، فإنه يكون مشغولاً بالفعل القولي باستمرار.
المراد من الدلالة في الألفاظ هو انتقال الذهن من إدراك اللفظ إلى إدراك آخر يسمى «المدلول». المدلول أحياناً يكون تصوراً وأحياناً نسبة، وفي علم الأصول تسمى الدلالة على هذين النوعين من المدلول «الدلالة التصورية». وأحياناً يكون المدلول «تصديقاً»، وتسمى الدلالة عليه «الدلالة التصديقية». الدلالة اللفظية وضعية وتستند إلى العرف والاتفاق.
أحياناً، بناءً على العرف وفي طول الوضع، يجد الفعل القولي نفسه مصداقية حقيقية لم تكن له من قبل. لنفترض أنه في مجتمع ما، وُضع رفع القبعة عن الرأس للاحترام. هذا الفعل قبل الوضع كان مجرد مصداق لمفهوم رفع القبعة عن الرأس؛ ولكن بعد أن تم الوضع، أصبح هذا الفعل واقعاً وحقيقةً مصداقاً للاحترام أيضاً. وفي وضع الألفاظ والهيئات بالعلامية، يحدث نفس الشيء. عندما يضعون لفظاً للطلب، فإن التلفظ به يكون نفسه حقيقةً مصداقاً للطلب؛ لأن هذا الطلب هو المبادرة إلى المطلوب. وكذلك عندما يوضع لفظ مثل «هل» للاستفهام، فإن التلفظ به (قول «هل») يكون مصداقاً للاستفهام وطلب الفهم. وكذلك الحال في الترجي والتمني وغيرهما من الألفاظ التي وضعها بالعلامية. الآن إذا أردنا أن نحكم على دلالات اللفظ والكلام – سواء ما وضع بالعلامية أو بالتسمية – يجب أن نقول إن مدلول اللفظ والكلام هو فقط هذه الدلالات التصورية؛ أما إذعان السامع لمضمون الخبر وأن المخبر قد أخبر بهذا الكلام، فليس مدلولاً للكلام.
في كل تصديق توجد أربع مراحل: ١. المدلول التصوري؛ ٢. تمييز الفعل القولي؛ ٣. إذعان وتصديق السامع بأن المخبر قد أخبر؛ ٤. تصديق مضمون الخبر بضميمة وثاقة المخبر وأشياء من هذا القبيل. بناءً على هذا المسار، فإن المرحلة الأخيرة، أي تصديق وإذعان السامع بمضمون الخبر، هي في الواقع استنتاج ذهني للسامع، وليست مدلولاً للكلام. مدلول الكلام هو فقط الدلالة التصورية؛ بينما «المفهوم» هو دائماً مدلول تصديقي. عندما يقول شخص: «جاء زيد»، فإن هذا الإخبار بـ«مجيء زيد» ليس مدلولاً؛ بل هو فعل قولي للمتكلم ومصداق للإخبار؛ أي أن المتكلم يوجد هذا الإخبار، وذهن السامع يميزه. تصور السامع هو مدلول «جاء زيد». هذه الأمور تنطبق أيضاً على الجملة الاسمية «زيد عادل». في هذه الجملة توجد ثلاثة أجزاء: ١. تصور هذه القضية؛ ٢. تصديق مضمونها (الإذعان بعدالة زيد)؛ ٣. التصديق بإخبار المتكلم. هنا، المدلول هو فقط تصور قضية «زيد عادل»؛ أما التصديق بأن «المتكلم قال هذا الكلام» و«تصديق عدالة زيد» فليسا مدلولين؛ لأنه كثيراً ما نسمع خبراً ولا ينشأ في أنفسنا تصديق. هذا الفعل القولي هو حقيقةً إخبار؛ بعبارة أخرى، «أخبرني بعدالة زيد» ليس مدلول جملة «زيد عادل»؛ بل تصديق «أخبرني بعدالة زيد» هو نتيجة مواجهة السامع مع هذا الفعل القولي. يبدو أن هذا التصديق ينشأ بناءً على عوامل أخرى، مثل أن المخبر ثقة، ويوجد ظن أيضاً بأنه لا يخطئ في نقله. هذا التصديق استنتاج ولا علاقة له بالكلام والإخبار. فإذا كان التصديق بوثاقة المخبر ظنياً، كان الإذعان ظنياً أيضاً، وإذا كانت تلك التصديقات قطعية، كان الإذعان قطعياً أيضاً.
في مبحث المفاهيم، البحث يدور حول ما إذا كان الطلب، الذي هو فعل قولي، إذا كان معلقاً أو مقيداً، فهل يدل على «المفهوم»؟ عندما يطلب المولى شيئاً من العبد بواسطة الفعل القولي، فإن هذا الطلب يُتصور على ثلاثة أنحاء:
١. طلب مطلق: أي يطلب بدون أي قيد؛ مثل «أكرم زيداً».
٢. طلب تنجيزي: أي طلب مشروط، ولكن القيد للطلب لا للمطلوب؛ مثل «أكرم زيداً عند مجيئه». بعبارة أخرى، «الوجوب» له قيد، لا «الواجب»؛ أي «إكرام زيد يجب عند المجيء».
٣. طلب تعليقي: أي طلب مشروط، ولكن الفعل اللافظ هو المقيد؛ مثل «أكرم زيداً إن جاءك». الطلب المعلق هو عنوان للفعل القولي؛ أي «تعليق» الفعل اللافظ.
إذا كان قول المولى بمعنى إيجاد اللفظ المقيد (مثل الطلب التنجيزي)، فهو فعل قولي فقط؛ أما إذا كان بمعنى تقييد الطلب (مثل الطلب التعليقي)، فبالإضافة إلى الفعل القولي، يوجد فعل تقييدي أيضاً. من الواضح أن القول في الطلب المطلق والتنجيزي لا يدل على «المفهوم». كل الكلام يدور حول ما إذا كان الطلب يُعلّق بعنوان ما، فهل يدل على «المفهوم»؟ هذا التوضيح حول الجملة الشرطية يسري أيضاً على الجمل الأخرى التي قد تدل على «المفهوم». لذا، يمكن التساؤل عن التوصيف والاستثناء اللذين هما من أفعال المتكلم القولية، وكذلك التحديد والحصر اللذين هما بمعنى حدثي وفعل قولي، هل يُفهم منها «المفهوم»؟ إذا قبلنا «المفهوم» فيها، فهو ناشئ من التلفظ والتكلم، لا أنه مدلول من مدلولات الكلام واللفظ. إذن، تعليق «التلفظ» بالقيد يدل على «المفهوم» (المددي، ١٣٩٤، درس خارج الأصول).
في تأييد ورفع استبعاد هذه النظرية، يجب القول إن الشيخ الأنصاري في تعريف «التورية» قد صور نوعاً من المدلول للتكلم: «التورية وهو أن يريد بلفظ معنى مطابقاً للواقع وقصد من إلقائه أن يفهم المخاطب منه خلاف ذلك مما هو ظاهر فيه عند مطلق المخاطب أو المخاطب الخاص» (الأنصاري، ١٤١١، ج١، ص١٩٧). يبدو أن أوضح تقريب لكلام الشيخ الأعظم هذا هو تصور مشابه لهذا البيان، وهو أن قصد المتكلم من إلقاء الكلام أحياناً يكون أن يفهم المخاطب نفس مدلول اللفظ، وأحياناً يكون مقصوده أن يفهم خلاف المعنى الظاهري.
بناءً على ذلك، يسعى الأستاذ المددي في نظرية دلالة الفعل القولي على «المفهوم» إلى تحليل جميع أفراد «مفهوم المخالف» وحقيقة الانتفاء عند الانتفاء؛ ولكن كما قال المشهور، الانتفاء عند الانتفاء يكون أحياناً جزءاً من المدلولات الالتزامية للكلام. في مثال «إن جاءك زيد يجب إكرامه»، فإن «عدم وجوب الإكرام عند عدم المجيء» هو «مفهوم»؛ ولكن في مثال «وجوب إكرام زيد موقوف على مجيء زيد»، فإن «عدم وجوب الإكرام عند عدم المجيء» هو مدلول التزامي. فإذا غيرنا السياق ولكن حافظنا على المضمون بهذا النحو، يتحول «المفهوم» إلى مدلول التزامي.
النتيجة
١. لا يمكن إنكار دور «المفهوم» في فقه الفريقين؛ ولكن يجب إجراء دراسة شاملة حول منشئه وحقيقته وملاك تحققه وجنس دلالته. يرى الفريقان «المفهوم» معنى مستفاداً من غير محل النطق؛ مع فارق أن الأصوليين الإمامية يعتبرون «المنطوق» دلالة مطابقية، و«المفهوم» في نظر المشهور هو بمعنى الدلالة الالتزامية؛ بينما يعتبر بعض الأصوليين العامة كالنملة «المنطوق» أعم من الدلالة المطابقية والالتزامية، ويضعونه مقابل «المنطوق».
٢. ملاك وشرط تحقق «المفهوم» في الجملة، وبعبارة أخرى، ضابطة «المفهوم» في المدرسة الأصولية للفريقين، مختلف. شروط أصوليي أهل السنة تختلف عن الضابطة عند أصوليي الشيعة؛ لأن وجود «الضابطة» في جملة ما يستتبع دلالة تلك الجملة على «المفهوم» (كما ورد في تعريف «الضابطة»، وعبارة الشهيد الصدر تصرح بذلك أيضاً)؛ أما شروط أهل السنة فهي شروط كلية للجملة، ومع أن عدم وجودها يدل على عدم وجود «مفهوم» للجملة، إلا أن وجودها لا يستتبع بالضرورة وجود «مفهوم» للجملة.
٣. يبدو أنه لا يمكن تقديم تعريف جامع من منظور الفريقين لما يسمى «مفهوم المخالف»؛ وذلك لأن «مفهوم المخالف» في الحقيقة هو اصطلاح خاص لمفهوم «انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء هذا الموضوع»، الذي يكون أحياناً مدلولاً مطابقياً للكلام، وأحياناً مدلولاً التزامياً له، وأحياناً أساساً من مدلولات التكلم. مثلاً، في باب مفهوم الوصف، ما يسميه المحقق الخوئي والشهيد الصدر مفهوماً على نحو السالبة الجزئية (نفي الموضوعية بشكل مطلق وبدون وجود وصف)، هو من قبيل المدلول الالتزامي للكلام ومقتضى «احترازية القيود» (الخوئي، ١٤١٧، ج٥، ص١٢٨). إذن، ليس الأمر أن المسألة في باب المفاهيم تقتصر على ما إذا كان نوع معين من الفعل القولي له مدلول مفهومي أم لا.
٤. «المنطوق» من وجهة نظر الأصوليين الإمامية هو دائماً مدلول اللفظ المركب (الكلام)؛ أما عن حقيقة «المفهوم» فيوجد اختلاف في الرأي. يرى البعض أن حقيقة «المفهوم» ليست مدلولاً للكلام، بل هي تمييز ذهني لتعليق يوجد في فعل المتكلم القولي. «المفهوم» هو قضية تُستفاد من تعليق الفعل القولي أو استثنائه أو تحديده لفعل قولي خاص. بناءً على هذا الرأي، فإن الإنشاء والإخبار هما من أفعال المتكلم. ومن هذا المنطلق، يُستفاد «المفهوم» من التلفظ والتكلم، لا من اللفظ. «المفهوم» هو تصديق في أفق النفس؛ أما «المنطوق» فهو دائماً من سنخ التصورات؛ لأن مدلول اللفظ لا يمكن أن يكون تصديقاً.
٥. «مفهوم المخالف» من وجهة نظر المدرسة الأصولية الإمامية هو عنوان جامع ومُشير إلى جميع أقسام «مفهوم المخالف»، والمراد منه هو حكم الانتفاء عند الانتفاء؛ ولكن القول بأن هذا الانتفاء عند الانتفاء ينشأ بالضرورة في كل الحالات من سياق مشترك أو يدل عليه لفظ خاص ليس صحيحاً. أوضحت الدراسات أن هذا الحكم ينشأ أحياناً من «منطوق» الكلام، وأحياناً يكون مقتضى للمدلول الالتزامي للكلام، وأحياناً يكون مدلولاً للتكلم. المشهور من الأصوليين الإمامية يرون أن «المفهوم» يُستفاد من اللفظ والكلام، وفي فكر بعض الأصوليين المعاصرين، لا توجد علاقة بين الكلام و«المفهوم»، و«المفهوم» يُدرك من «التلفظ»، لا من «اللفظ». لذا، القول بأن الجملة الشرطية لها «مفهوم» يعني أن التلفظ بالجملة الشرطية له «مفهوم».
٦. يبدو أن أساس نظريات الأصوليين الإمامية قد تشكل بذهنية «مفهوم الشرط»، والكلام يدور حول منشأ مفهوم الشرط؛ أي أينما تحدث الأعلام عن حقيقة «المفهوم»، كان المصداق الذي لديهم في الاعتبار دائماً هو «مفهوم الشرط». وفيما يتعلق بـ«مفهوم الشرط» أيضاً، إذا كنا نسعى لاستفادة «المفهوم» من سياق الجملة الشرطية دون اعتبار القرائن، فإن أقرب النظريات هي ما بيّناه، وإذا كان لا بد من تقديم بيان جامع لجميع أقسام المفهوم، فلا بد من ذكر تعبير مبهم، شبيه بما أورده المحقق الخراساني.
الهوامش
[الهامش ١]: كُتبت في موضوع علم أصول الفقه المقارن كتب كثيرة عند الشيعة وأهل السنة، مثل: الأصول العامة للفقه المقارن، نبراس الأذهان في أصول الفقه المقارن لسيد مير تقي حسيني گرگاني، مدخل إلى دراسة الفقه المقارن لمحمد تقي حكيم، أصول فقه مقارن لعلي أصغر رضواني، أصول الفقه المقارن فيما لا نص فيه لمحمد تقي سبحاني الذي حُرّر في مدرسة أهل البيت، وفي مدرسة أهل السنة كُتب مثل: المهذب في علم أصول الفقه المقارن لعبد الكريم نملة، أصول الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه الإسلامي لمحمد مصطفى الزحيلي، دروس في علم أصول فقه المقارن لمجيد نيسي، أصول الفقه الإسلامي لمحمد مصطفى شلبي.
[الهامش ٢]: يذكر النملة ثمانية موارد كمفهوم مخالف، وهي: مفهوم الوصف، مفهوم الشرط، مفهوم العدد، مفهوم الحصر بـ«إنما»، مفهوم حصر المبتدأ في الخبر، مفهوم الاستثناء، مفهوم الغاية، ومفهوم اللقب. وهو لا يقبل حجية مفهوم اللقب فقط.
[الهامش ٣]: انظر: كتاب شرح صحيح مسلم لحسن أبو الأشبال، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، ص١٨، المكتبة الشاملة الحديثة.
[الهامش ٤]: ذكر النملة هذا المثال ومفهومه هو: «غير زيد لا يأكل». تنطبق شروط «مفهوم المخالف» على هذا المثال كالتالي: أ) حكم المفهوم ليس مبطلاً لحكم المنطوق؛ ب) العلاقة بين «زيد يأكل» و«غير زيد لا يأكل» ليست أولوية (لأن كون زيد يأكل لا يعني أن غيره لا يأكل من باب أولى) ولا تساوياً (أكل زيد ليس مساوياً لعدم أكل الآخرين)؛ ج) لو افترضنا أن في مدرسة عشرين طالباً، ودون أن نعلم ما يفعلون، قال أحدهم: «زيد يأكل»، في هذه الحالة مع عدم وجود دليل على أن بكراً وعمراً لا يأكلان، يُقال إن هذا المثال لا «مفهوم» له؛ د) في الفرض السابق، المخاطب ليس مقصراً في عدم معرفته بما يجري في المدرسة؛ لأنه لم يخرج أي خبر من المدرسة، ومع ذلك لا مفهوم للجملة؛ هـ) الأكل كقيد في الفرض السابق لم يأت لشيء آخر، فليس زيد قيداً غالباً يأكل دائماً، ولا للمبالغة، بل هو مجرد خبر لا يُفهم منه مبالغة في الكثرة، ولا مبالغة في التنفير، ولا للامتنان، ولا للقياس حتى يُقاس سائر الطلاب بزيد ويُحمل عليهم حكم الأكل (النملة، ١٤٢٠، ج٤، ص١٨٠٠).
[الهامش ٥]: سيُشكك في صحة هذا التعبير المجمل لاحقاً في البحث.
[الهامش ٦]: «المفهوم» حكم لم يُذكر في الجملة.
المصادر والمراجع
١. ابن فارس، أحمد بن زكريا (١٤٠٤ق). معجم مقاييس اللغة. الطبعة الأولى. قم: مكتب الأعلام الإسلامي.
٢. ابن منظور، محمد بن مكرم (١٤١٤ق). لسان العرب. الطبعة الثالثة. بيروت: دار صادر.
٣. ابن الملقن، عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي (١٤٣٠ق). البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير. الطبعة الأولى. السعودية: دار العاصمة للنشر والتوزيع.
٤. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
٥. الأنصاري، مرتضى (١٤٢٨ق). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٦. الأنصاري، مرتضى (١٤١١ق). كتاب المكاسب. الطبعة الأولى. قم: منشورات دار الذخائر.
٧. الإحسائي، ابن أبي جمهور (١٤٠٣ق). عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية. الطبعة الأولى. قم: سيد الشهداء.
٨. البروجردي النجفي، محمد تقي (١٤١٧ق). نهاية الأفكار (تقريرات درس خارج أصول المحقق العراقي). الطبعة الثالثة. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
٩. الحائري، سيد كاظم (١٤٠٨ق). مباحث الأصول. الطبعة الأولى. قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
١٠. الحائري اليزدي، عبد الكريم (١٤١٨ق). درر الفوائد. الطبعة السادسة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
١١. الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩ق). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
١٢. الخميني، سيد روح الله (١٣٦٧ق). تهذيب الأصول. مقرر: جعفر سبحاني. الطبعة الأولى. قم: دار الفكر.
١٣. الخميني، سيد مصطفى (١٤١٨ق). تحريرات في الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
١٤. دهخدا، علي أكبر (۱۳۷۲ش). لغت نامه. الطبعة الأولى. طهران: انتشارات دانشگاه تهران.
١٥. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٤١٢ق). المفردات في غريب القرآن. ترجمة: غلام رضا خسروي حسيني. الطبعة الأولى. بيروت: دار العلم.
١٦. الزركشي، محمد بن بهادر (١٤١٤ق). البحر المحيط في أصول الفقه. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتب العلمية.
١٧. السيوطي، جلال الدين (۱۳۸۰ش). الإتقان في علوم قرآن. ترجمة: مهدي حائري قزويني. الطبعة الأولى. طهران: انتشارات أمير كبير.
١٨. السبحاني، جعفر (١٤٣٠ق). الوسيط في أصول الفقه. الطبعة الرابعة. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
١٩. السبكي، علي بن يحيى (١٤١٦ق). الإبهاج في شرح المنهاج. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتب العلمية.
٢٠. الساعاتي، أحمد بن علي (١٤٠٥ق). بديع النظام (نهاية الوصول إلى علم الأصول). تحقيق: سعد بن غرير بن مهدي السلمي. رسالة دكتوراه. جامعة أم القرى. بإشراف د. محمد عبد الدايم علي سنة النشر.
٢١. الشوكاني، محمد بن عبد الله (١٤١٩ق). إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتاب العربي.
٢٢. صادقي، حسن (١٣٨٦ش). «تعدد معاني واژهها و عبارتهاي قرآن». معرفت. العدد ١٢٢.
٢٣. الصدر، سيد محمد باقر (١٤١٨ق). دروس في علم الأصول. الطبعة الخامسة. قم: جامعة المدرسين.
٢٤. الصدر، سيد محمد باقر (١٣٨٦ش). علم أصول. ترجمة: نصرت الله حكمت. الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة انتشارات دار العلم.
٢٥. عبد الساتر، حسن (١٤٢٣ق). بحوث في علم الأصول (تقريرات درس خارج الشهيد الصدر). الطبعة الأولى. قم: محبين.
٢٦. العراقي، ضياء الدين (١٤٢٠ق). مقالات الأصول. الطبعة الثالثة. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
٢٧. العسقلاني، أحمد بن علي (۱۳۷۹م). فتح الباري شرح صحيح البخاري. الطبعة الأولى. بيروت: دار المعرفة.
٢٨. الفراهيدي، خليل بن أحمد (١٤١٠ق). العين. الطبعة الثانية. قم: انتشارات هجرت.
٢٩. القرافي، شهاب الدين أحمد (١٣٤٥ق). أنوار البروق في أنواء الفروق. الطبعة الأولى. بلا مكان: عالم الكتب.
٣٠. القرشي، علي أكبر (۱۳۷۱ش). تفسير أحسن الحديث. الطبعة الثالثة. طهران: انتشارات بنياد بعثت.
٣١. القمي، أبو القاسم (۱۳۷۸ش). قوانين الأصول. الطبعة الثانية. طهران: المكتبة العلمية الإسلامية.
٣٢. فاضل اللنكراني، محمد (۱۳۷۷ش). سيري كامل در أصول فقه. الطبعة الأولى. قم: نشر فيضيه.
٣٣. الفياض، إسحاق (١٤١٧ق). محاضرات في أصول الفقه. الطبعة الرابعة. قم: أنصاريان.
٣٤. الكاتوزيان، ناصر (۱۳۷۷ش). فلسفه حقوق. الطبعة الأولى. طهران: شركة سهامي انتشار.
٣٥. الكاظمي، محمد علي (١٣٧٦ش). فوائد الأصول (تقريرات درس خارج أصول المحقق النائيني). الطبعة الأولى. قم: جامعة المدرسين.
٣٦. محمدي، أبو الحسن (١٣٩٦ق). مباني استنباط حقوق إسلامي (أصول فقه). الطبعة الأولى. طهران: انتشارات دانشگاه تهران.
٣٧. المددي، سيد محمود (٢٦ و ٢٧ / ١٠ / ١٣٩٤). درس خارج أصول. حوزه علميه قم.
٣٨. المظفر، محمد رضا (١٤٠٥ق). أصول الفقه. الطبعة الرابعة. قم: نشر دانش إسلامي.
٣٩. مغنية، محمد جواد (١٩٧٥م). علم أصول الفقه في ثوبه الجديد. الطبعة الأولى. بيروت: دار الملايين.
٤٠. المقدسي، ابن قدامة (١٤٢٣ق). روضة الناظر وجنة المناظر. الطبعة الثانية. بيروت: مؤسسة الريان.
٤١. النائيني، محمد حسين (١٤٢١ق). فوائد الأصول. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
٤٢. النائيني، محمد حسين (١٣٥٢ش). أجود التقريرات. مقرر: سيد أبو القاسم الخوئي. الطبعة الأولى. قم: مطبعة العرفان.
٤٣. نملة، عبد الكريم (١٤٢٠ق). المهذب في علم الأصول المقارن. الطبعة الأولى. الرياض: مكتبة الرشد.
٤٤. نملة، عبد الكريم (١٤١٧ق). إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر. الطبعة الأولى. الرياض: دار العاصمة.
٤٥. واعظ حسيني البهسودي، محمد سرور (١٤٢٢ق). مصباح الأصول (تقريرات درس خارج المحقق الخوئي). الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
٤٦. الهاشمي الشاهرودي، سيد محمود (١٤٣١ق). بحوث في علم الأصول (تقريرات درس الشهيد الصدر). الطبعة الرابعة. قم: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي.