نظرية حق الطاعة

مقدمة

نظرية حق الطاعة، في مقابل قاعدة قبح العقاب بلا بيان، هي نظرية أصولية ارتبطت باسم الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الصدر (قدس سره). ورغم ما يُسمع في الأوساط العلمية الحوزوية من أن ثمة أعيانًا قد تبنّوا هذه النظرية والتزموا بها سابقًا، إلا أن الفضل في تبيينها الدقيق والدفاع الكامل عنها في مقابل النظرية المخالفة، أي «قبح العقاب بلا بيان»، يعود إلى بركات وآثار الشهيد الصدر. فقد طرح الشهيد الصدر هذه النظرية وبيّنها على أحسن وجه، سواء في كتابه «حلقات الأصول» أم في أبحاثه العالية في الخارج التي انعكست في تقريراته. كما سعى بعض تلامذته إلى تعميق هذا البحث. إن تاريخ هذا الأصل أو بديله «قبح العقاب بلا بيان» يتطلب مجالاً آخر، إذ إن فهم ما ورد في كتب المتقدمين تحت هذا العنوان أو عناوين مشابهة ليس بالأمر الهين. وقد طُرحت مسائل مختلفة يتطلب العثور على الصلة بينها وإمكانية إرجاع بعضها إلى بعض تأملاً كبيرًا، وسنتناول ذلك في مقال آخر إن شاء الله. والمقصود حاليًا في هذا المقال هو طرح نظرية حق الطاعة ونقدها ودراستها. ويبدو لنا أن نظرية حق الطاعة قابلة للنقد من ثلاثة مناظير: من المنظور الوجداني والشهودي، ومن منظور الاتساق الداخلي، ومن منظور لوازمها الخارجية. ولكن قبل كل شيء، يجب طرح أصل النظرية.

بيان النظرية

المسألة الأساسية هي: في موارد احتمال التكليف غير المقترن بعلم إجمالي، أو بعبارة أخرى في الشبهات البدوية، وقبل ملاحظة الترخيص أو الاحتياط الشرعي، ما هو مقتضى حكم العقل؟ هل هو الاحتياط أم البراءة؟ وهل يحكم العقل بوجوب الاحتياط في موارد احتمال التكليف من باب رعاية الاحتمال، أم أن الإنسان حرٌّ طليق لعدم قيام البيان على الواقع، فلا يترتب عقاب (استحقاق عقابي) على ارتكاب محتمل الحرمة أو اجتناب محتمل الوجوب؟

يعتقد الشهيد الصدر أن جذور هذا البحث، كالكثير من المباحث الأصولية الأخرى كحجية القطع وتوابعه، تعود إلى مدى تحديدنا لدائرة شمول حق طاعة المولى الحقيقي؛ فهل تشمل التكاليف المقطوع بها فقط، أم تشمل التكاليف المظنونة والمحتملة أيضًا؟

يرى الشهيد الصدر أن دائرة حق المولى متسعة وتشمل التكاليف المحتملة أيضًا. وسرّ هذه المسألة هو أن «المولوية» مقولة مشككة يدركها العقل بواسطة ملاكات مثل «شكر المنعم» أو «الخالقية» أو «المالكية»، وحيثما تحقق ملاك المولوية بشكل أكبر، كان حق الطاعة أوسع نطاقًا، بحيث إنه قد يقتصر سعة حق الطاعة في بعض مراتب الملاك على الأوامر والنواهي المعلومة للمولى فقط، ولكن بالنسبة لله تعالى، وحيث إن ملاك الخالقية والمنعمية والمالكية في أقصى درجاته، فإن حق الطاعة له أوسع دائرة شمول، بحيث يشمل التكاليف الاحتمالية أيضًا. ودليلهم على هذا المدعى هو شهادة الوجدان.

وتجدر الإشارة إلى أن الشهيد الصدر يرى البراءة الشرعية في الشبهات البدوية، لذا فهو لا يقول بالاحتياط عملًا في الشبهات البدوية. وإنما البحث الفعلي هو في مقتضى حكم العقل قبل ورود الشرع والبراءة أو الاحتياط الشرعي.

في تقديرنا، إن نظرية حق الطاعة بالشكل الذي قررها الشهيد الصدر غير قابلة للقبول، والحق مع القائلين بقبح العقاب بلا بيان في الشبهات البدوية. وكما ذكرنا، يمكن نقد هذه النظرية من ثلاثة مناظير.

النقد الأول: من المنظور الوجداني

يعترف الشهيد الصدر نفسه بأنه لا يمكن إقامة أي دليل على نظرية حق الطاعة، وإنما يعدّها من بديهيات العقل العملي. وكما أن أصل حق الطاعة للمنعم والخالق والمالك هو من بديهيات العقل العملي ولا يقبل البرهان، فكذلك حدود هذا الحق وسعته أمر بديهي محض ولا يحتاج إلى برهان. وعباراته في «دروس في علم الأصول» هي كالتالي: «… ونحن نؤمن في هذا المسلك بأن المولوية الذاتية الثابتة له سبحانه وتعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة بل تشمل مطلق التكاليف الواصلة ولو احتمالاً، وهذا من مدركات العقل العملي، وهي غير مبرهنة، فكما أن أصل حق الطاعة للمنعم والخالق ملاك أولي للعقل العملي غير مبرهن كذلك حدوده وسعته». (انظر: دروس في الأصول، ج 2، ص 320).

ولكن من الواضح أن مثل هذا الادعاء قابل للطرح أيضًا من قبل القائلين بقبح العقاب بلا بيان، وهو ما سنتناوله بالتفصيل عند استعراض نقود الشهيد الصدر على البيانات المختلفة للقاعدة. فهؤلاء أيضًا، بالإضافة إلى الأدلة التي طرحوها لإثبات قاعدة قبح العقاب بلا بيان، يدّعون الوجدان، وهو ادعاء قابل للدفاع. يطرح الشهيد الصدر، في معرض الإشكال على وجدانية قبح العقاب بلا بيان، هذا السؤال: إذا كانت هذه القاعدة وجدانية، فلماذا لم يُشر إليها حتى زمن الوحيد البهبهاني؟ «وكيف تكون هذه القاعدة من بديهيات العقل السليم مع أنها لم تدرك ولم تذكر من قبل أحد من العلماء العقلاء إلى أيام الأستاذ الوحيد…». (انظر: مباحث الأصول، الجزء الثالث من القسم الثاني، ص 69).

وهذا السؤال نفسه يُطرح بشأن ادعائهم، إذ على فرض بداهة ووجدانية قاعدة حق الطاعة، كيف يمكن أن يكون عدد كبير من الأصوليين منذ زمن الوحيد وحتى الآن قائلين بقبح العقاب بلا بيان؟ بالإضافة إلى ذلك، لم يقم أحد قبل زمن الوحيد ببيان حق الطاعة بهذا النحو. بالطبع، في بحث الحظر والإباحة وارتباطه بقبح العقاب بلا بيان وحق الطاعة، تُطرح دعاوى متعددة لسنا في صدد بيانها الآن. وأصل هذا الادعاء بأن أحدًا لم يكن قائلًا بقبح العقاب بلا بيان قبل الوحيد البهبهاني هو بحث تاريخي يتطلب فحصًا وتتبعًا وفهمًا وتعمقًا كبيرًا، ويجب التطرق إليه في مقام آخر. على أي حال، إن اعتقاد الشهيد الصدر بأن حق الطاعة والاحتياط العقلي في موارد الشبهات البدوية أمر وجداني، وأن تشكيك المخالفين في الاحتياط والقول بوجدانية قبح العقاب بلا بيان ناشئ عن بعض البراهين الخيالية في باب البراءة العقلية التي قد تحدث خللًا في وجدان العقل العملي، هو مجرد ادعاء. وبطبيعة الحال، فإن القائلين بقبح العقاب بلا بيان سيقولون نفس الشيء تجاههم وتجاه ادعاء البداهة والوجدان في باب حق الطاعة. ويبدو أن الوجدان والعقل العملي يتوافقان مع قبح العقاب بلا بيان، ولعل بعض المباحث الآتية في باب هذه القاعدة تساعد في تقوية هذا الادعاء.

النقد الثاني: من منظور الاتساق الداخلي

في تقديرنا، تعاني نظرية حق الطاعة من نوع من عدم الاتساق الداخلي، وهذه هي المشكلة الأساسية لهذه النظرية. ومقصودنا من عدم الاتساق الداخلي ليس التناقض المنطقي، بل هو الانجرار إلى نوع من التزاحم أو التنافي في مقتضيات أحكام العقل العملي، وبما أن التنافي أو التزاحم في أحكام العقل العملي بالفعل غير معقول، يتضح أن نظرية حق الطاعة بالشكل المطروح في كلمات الشهيد الصدر غير قابلة للتأييد والقبول.

كما قلنا، تقول نظرية حق الطاعة: إن دائرة مولوية المولى الحقيقي، أي الله، متسعة، بحيث تشمل بالإضافة إلى التكاليف المقطوعة، التكاليف المظنونة والمحتملة أيضًا. فبمجرد أن نحتمل وجود تكليف في الواقع، يقتضي حق الطاعة، الذي هو حكم من العقل العملي، الاحتياط والعمل بمقتضى ذلك التكليف. النقطة التي أُغفلت في نظرية حق الطاعة وغابت تمامًا عن أنظار مؤسس هذه النظرية العظيم وتلامذته، هي أننا في موارد الشبهات البدوية، كما نحتمل التكليف، سواء كان وجوبيًا أو تحريميًا، نحتمل أيضًا الإباحة الواقعية؛ والحكم العقلي بحق طاعة المولى، بقدر ما هو مطروح في التكاليف الوجوبية والتحريمية، هو مطروح أيضًا في الإباحة الواقعية.

إذا كانت منعمية المولى أو خالقيته أو مالكيته تستدعي أن نلتزم بتكاليفه ونعمل بمقتضاها، فإن هذه المنعمية والخالقية والمالكية نفسها تستدعي أيضًا أن نلتزم بـ«إباحته» كحكم من الأحكام الخمسة ونعمل بمقتضاها. لتسهيل البحث، نفترض حاليًا أن الإباحة المبحوث عنها هي إباحة اقتضائية، لها جعل مستقل إلى جانب جعل الحرمة والوجوب، ولذا تُعدّ من الأحكام الخمسة. والقول بخلو الإباحة من أي جعل هو قول غير صحيح سنقوم بتنقيحه في بحث الإباحة الاقتضائية واللااقتضائية. إشكالنا على نظرية حق الطاعة هو أن هذه النظرية تقتضي في الشبهات البدوية أن يحكم العقل برعاية التكليف الواقعي الذي يستلزم الاحتياط، وأن يحكم أيضًا برعاية الإباحة الواقعية التي تستلزم الإطلاق والترخيص. وبما أن هذين الحكمين العقليين لا يمكن أن يوجدا بالفعل معًا، ولا يوجد أي دليل على ترجيح أحدهما على الآخر، يتضح أن أصل نظرية حق الطاعة ليس صحيحًا. أما القائلون بقبح العقاب بلا بيان، فمن المؤكد أنهم لا يواجهون هذه المشكلة، وهذا الترجيح والتقوية للنظرية هو ما سيتبع بديلها.

قد يبدو الإشكال المذكور بسيطًا، ولكن في تقديرنا، هو يهدم أساس نظرية حق الطاعة. يمكن أن يُعترض على هذا النقد من عدة وجوه، وسنطرح بعضها مع الرد المناسب.

الإيراد الأول: الإباحة الاقتضائية، وإن كانت حكمًا من الأحكام الخمسة ومجعولة من قبل المولى، إلا أنها تختلف اختلافًا جوهريًا عن بقية الأحكام. في الأحكام الأخرى كالوجوب والتحريم، يُطلب من العبد فعل أو ترك عملي، ولذا فإن إنجاز هذا الفعل أو تركه أو عدم إنجازه يحقق الطاعة والعصيان. «الطاعة» عنوان لفعل أو ترك يتم وفقًا لأمر المولى أو نهيه، والعصيان عنوان لترك المطلوب أو إتيان المنهي عنه. أما في باب «الإباحة»، ولو كانت اقتضائية، فلا يمكن تصور مثل هذه الطاعة والعصيان. الإباحة في الواقع هي جعل للترخيص وإرخاء العنان للعبد. هذه «الحرية» التي تتحقق في ظرف التشريع قائمة بنفس الجعل، وفعل العبد وتركه لا ينافيان هذه الحرية. لذا، فإن ترخيص المولى لا يُمتثل بالفعل أو الترك، ولا يُعصى. ما يتحقق من جعل المولى هو «الحرية» في ظرف التشريع، وهذه الحرية لا تطلب شيئًا من العبد ليُحسب إنجازه أو عدم إنجازه طاعة أو عصيانًا. بناءً على ذلك، ليس لدينا في باب الإباحة الاقتضائية «حق طاعة» ليتزاحم أو يتنافى مع حق الطاعة في جهة احتمال الوجوب والحرمة.

الجواب: أولاً، صحيح أن جعل الإباحة يختلف عن جعل الحرمة والوجوب، ولكن يجب أن نرى هل هناك فرق بينهما من حيث بحثنا الحالي، وهو مسألة رعاية حق المولى، أم لا؟ وهل هذا القول صحيح بأن الغرض في جعل الإباحة قائم بنفس الجعل لا بفعل العبد؟ الواقع هو أنه في جعل الإباحة والترخيص والحرية للعبد، لا بد من وجود غرض كالتسهيل وغيره، وهذا الغرض قائم بفعل العبد أو كيفية فعله، وإلا فإن الغرض (إذا كان يتحقق بمجرد الجعل) أمر غير معقول. ومن هنا نفهم أنه في جعل الترخيص والحرية، يوجد غرض أبعد من نفس الجعل، وهو استفادة العبد من هذه الحرية والترخيص. صحيح أن الحرية التشريعية تتحقق بمجرد جعل المولى، ولكن هذا يشبه الإلزام (التشريعي) الذي يتحقق بمجرد جعل المولى. لا يمكن أن يكون الغرض من جعل الوجوب مجرد تحقق الإلزام، بل الغرض هو حصول ذلك الفعل أو الترك المتعلق بالإلزام. وهكذا في باب جعل الإباحة والترخيص والحرية، لا يقوم الغرض بمجرد الحرية وإرخاء العنان الحاصل تشريعًا، بل الغرض قائم باستفادة العبد من هذه الحرية. استفادة العبد من الحرية تعود في الواقع إلى فعله وتركه بشكل خاص. فإذا أتى شخص بفعل «لا عن لزوم»، يقال إنه تصرف بحرية. إن استيفاء الحرية المجعولة هو أن يقوم الإنسان بفعله أو تركه لا عن وجوب وإلزام. فأي إلزام، حتى لو كان من عقل الإنسان في مورد قد رخّص فيه الله، هو عدم رعاية لحق المولى. غاية الأمر أن «عدم الرعاية» هذا يكون تارة في مقام العمل، كأن يقوم بفعله أو تركه عن لزوم، وتارة في مقام النظر، كأن يقرّ بإلزام أو لزوم في مقابل ترخيص المولى. على أي حال، فإن عدم رعاية جعل الإباحة أو الترخيص أمر قابل للتصور. من جهة أخرى، بحث «حق الطاعة» ليس مرتبطًا بالألفاظ والظواهر لنقول أين يصدق لفظ «الطاعة» وأين لا يصدق. فهل «الطاعة» متصورة في مورد الترخيص وجعل الإباحة أم لا؟ بل البحث في حق الطاعة هو بحث عقلي يتعلق بدائرة مولوية المولى ولزوم رعاية هذه المولوية. ومن المسلم به أن مولوية المولى لا تنحصر بالأحكام اللزومية، ولا مسألة لزوم رعاية هذه المولوية كذلك. وكما رأينا، فإن الرعاية من قبل العبد متصورة تمامًا في موارد الحريات التشريعية. فلا دليل لدينا على انحصار حق الطاعة بالأحكام اللزومية، بل هو يشمل الإباحة والترخيص أيضًا. مما قلناه، يتضح أن امتثال الإباحة أو الترخيص لا يقوم على «بناء المكلف على الترخيص» أو «بناء المكلف على إطلاق العنان»، ليُشكل بأن مسألة «بناء المكلف على الترخيص» ليست من مقتضيات الترخيص والإباحة، وأنه لو كانت واجبة لوجبت بأمر آخر. إن بناءً كهذا هو على الأكثر نوع من التشريع، وبهذا الاعتبار يكون حرامًا؛ إذ بناءً على التصوير المتقدم، فإن امتثال الإباحة أو الترخيص هو بنفس الفعل والترك الخارجي، ولكن عندما يحصل بكيفية خاصة، وهي أن يكون الفعل والترك «لا عن لزوم»، في مقابل الفعل والترك الذي يتم عن لزوم. ففي موارد ترخيص الشارع أو إباحته، إذا شرّع شخص وأتى بالفعل عن لزوم، فقد ارتكب خطأين: أولاً، ارتكب تشريعًا محرمًا، وثانيًا، لم يمتثل لحرية المولى وترخيصه المجعول، لأنه أتى بالفعل عن لزوم. وشاهدنا في موارد التشريع هو هذه الجهة الثانية لا الأولى. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تصور حالات يأتي فيها الشخص بالفعل عن لزوم، ولكن لا يكون ذلك تشريعًا. لنفترض أن فتوى مجتهد في مسألة ما هي الإباحة؛ مثلاً، لا يرى حرمة في صوت المرجع بذاته، ويسأله مقلد عن حكم صوت المرجع، فيجيبه خطأً بأنه حرام، ظنًا منه أن الغناء المحرم هو مطلق صوت المرجع، بينما طبقًا لفتواه ليس كذلك. المقلد الذي يأخذ بهذا الجواب سيترك بطبيعة الحال «صوت المرجع» عن لزوم (تغنيًا أو سماع غناء)، ولكنه في الوقت نفسه لا يشرّع. وهنا تكون فتوى المقلد العملية هي الإباحة (للدقة في الاستدلال، يمكن افتراض أن الحكم الواقعي مطابق لفتوى المجتهد)، بينما ما يقوم به هو ترك عن لزوم. في هذه الحالة، ورغم أن مخالفة المقلد للترخيص الواقعي لا تستلزم العقاب، لأنه مسبب عن خطأ المجتهد، إلا أنه يثبت أن «مخالفة الترخيص» أو «الحرية التشريعية» قابلة للتصور، وذلك بصورة لا تستلزم التشريع. ثانيًا، لنفترض أن الإباحة والترخيص، مع كونهما حكمين من الأحكام الخمسة، لا امتثال لهما ولا عصيان بسبب طبيعتهما الخاصة، وبتعبير البعض، الإباحة والترخيص هما نوع من سلب المسؤولية والمحاسبة؛ أي أن العبد مهما فعل أو ترك، لا مسؤولية عليه ولا شيء أكثر من ذلك. مع هذا، فإن إيرادنا على نظرية حق الطاعة لا يتوقف على هذا البحث. فكما أوردنا في تقريب الإيراد، المشكلة هي التنافي في مقتضيات العقل العملي. فإذا صحت نظرية حق الطاعة، يجب أن يقع تنافٍ وتزاحم بين الأحكام العقلية، وبما أن هذا محال، فإن أصل نظرية حق الطاعة ليس صحيحًا. أما حصول التنافي في أحكام العقل العملي، فذلك لأن الترخيصات الواقعية والإباحات المجعولة، عندما تصل إلى العبد، تصبح موضوعًا لحكم العقل بالترخيص وإرخاء العنان (بمجرد أن يباح للمولى الحقيقي فعل على العبد، فإن العقل بالضرورة يباحه ويرخصه)، وهذا من مقتضيات احترام المولى ومولويته. وبناءً على نظرية حق الطاعة، فإن دائرة هذا الاحترام والمولوية لا تنحصر في موارد الوصول القطعي للحكم، وفي موارد الشك في الإباحة أيضًا، يرى العقل أن الفعل والترك «مرخص فيه»، وكل هذا من باب رعاية مولوية المولى، التي لا تفرق بطبيعتها بين الأحكام اللزومية والترخيصية. فكما قلنا، البحث في حق الطاعة ليس عن لفظ «الطاعة»، بل النقطة المهمة والأساسية في حق الطاعة هي رعاية مولوية المولى واحترامه. ومن الواضح أن احترام المولى لا يختص بجعل خاص، بل يجب رعاية احترام المولى في جميع جعلياته، ومنها جعل الإباحة والترخيص. نتيجة ذلك، أن أصل الإيراد على نظرية حق الطاعة لا يتوقف على تصور «الامتثال في الإباحة»، بل هو مبني على تنافي أحكام العقل العملي، وهذا التنافي هو من لوازم نظرية حق الطاعة.

الإيراد الثاني: من الإيرادات الأخرى التي قد تُطرح على النقد المذكور (نقد حق الطاعة) هو أنه لا يوجد أصلاً تنافٍ مستقر بين الحكمين العقليين المذكورين. صحيح أن احتمال التكليف اللزومي يوجب حكم العقل بالاحتياط، واحتمال الإباحة الواقعية يوجب حكم العقل بالترخيص، لكن هذين الحكمين لا يفعليان في آن واحد ليحدث تنافٍ وتزاحم مستقر في الأحكام العقلية. ما يحدث هو فعلية حكم العقل بالاحتياط وعدم فعلية حكم العقل بالترخيص وإطلاق العنان. توضيح ذلك أن المنجزية والاحتياط حق للمولى على العبد، بينما المعذرية والترخيص حق للعبد على المولى. وكلما وقع تزاحم بينهما، يحكم العقل بترجيح جانب حق المولى، وبهذا يسقط حق العبد الذي هو المعذرية. وبالتالي، لا يوجد حكمان فعليان في النهاية ليكون بينهما تنافٍ. توضيح أكثر: في موارد الشك في الحكم الإلزامي والإباحة، إذا كان ملاك الإباحة الاقتضائية يستتبع ترخيصًا وإطلاق عنان مطلق، ففي هذه الصورة سيحدث تنافٍ بين مقتضيات الحكم الإلزامي والإباحة من حيث الأحكام العقلية المترتبة عليهما (واحتمالهما). غاية الأمر أنه إذا أحرزنا أن ملاك مقتضي التنجيز عند المولى أهم من ملاك مقتضي التعذير (حتى لو بمثل أدلة الاحتياط الشرعي ونحوها)، ففي هذه الحالة يثبت التنجيز ويسقط التعذير. وإذا أحرزنا العكس، أي أن ملاك مقتضي الترخيص والتعذير عند المولى أهم من ملاك مقتضي التنجيز (حتى لو بمثل أدلة البراءة الشرعية ونحوها)، ففي هذه الحالة يثبت التعذير ويسقط التنجيز. وإذا لم نحرز أيًا منهما، فإن مقتضى حكم العقل العملي هو ترجيح جانب حق المولى على حق العبد.

الجواب: أولاً، حكم العقل بالترخيص تبعًا لحكم المولى بالترخيص هو مجرد حكم وليس حقًا. فالعقل، إثر ترخيص المولى في الفعل، يجد الفعل مرخصًا فيه، وهذا «الإيجاد» ليس سوى حكم عقلي بالترخيص، كما أن ترخيص المولى ليس أكثر من حكم. بناءً على ذلك، فإن اعتبار هذه الأنواع من الترخيصات «حقًا» لا أساس له من الصحة. كما أن حكم العقل بلزوم الاحتياط هو غير حكم العقل بوجود حق الطاعة وحق المولوية (والثاني موضوع للأول)، لأنه لما كان للمولى حق المولوية وحق الطاعة، حكم العقل بلزوم الاحتياط. إذن، لا ينبغي طرح التنافي في الحكم العقلي باللزوم والترخيص على أساس حق المولوية وترخيص المولى في قالب تنافي حق المولى وحق العبد. فالتنافي هو بين الحكم العقلي بلزوم الاحتياط الناشئ من حق الطاعة، والحكم العقلي بالترخيص المستفاد من ترخيص المولى. وبالتالي، فإن اعتبار حق المولى أهم من حق العبد خارج عن محل البحث. ثانيًا، على فرض أن الترخيص الذي يثبته العقل للعبد يعود إلى حق العبد على المولى، بحيث تؤدي المسألة المذكورة إلى تنافي حقين (حق المولى وحق العبد)، فمن قال إن حق المولى مقدم دائمًا على حق العبد؟ من أين أتينا بهذه الكبرى؟ إنصافًا، لا يصدر العقل حكمًا مطلقًا وكليًا كهذا. ومن العجيب أن المستدل نفسه يذعن بأنه إذا أحرزنا أن ملاك مقتضي التعذير عند الله أهم، فإن التعذير يثبت عقلاً ويسقط التنجيز. أليس هذا رجوعًا إلى أهمية حق العبد بالنسبة لحق المولى؟ أي أنه يمكن أن يُقدَّم التعذير الذي هو حق العبد على التنجيز الذي هو حق المولى؟ بالطبع، ليس مهمًا في بحثنا الفعلي أن يكون هذا الإحراز من أي جهة: من جهة البراءة الشرعية أو غيرها، لأن بحثنا ثبوتي. يكفي أن نقبل بأن كبرى «تقديم حق المولى على حق العبد» غير صحيحة. ففي موارد الشك، نحتمل أن التعذير الذي هو حق العبد أهم، ولذا لا يمكن تقديم حق الطاعة في مورد الحكم اللزومي عليه. ثالثًا، إن طرح المسألة بصورة دوران الأمر بين حق طاعة المولى وحق العبد هو طرح خاطئ من الأساس، لأن إشكالنا على حق الطاعة قائم على تنافٍ يحدث في الأحكام العقلية في باب حق الطاعة، بحيث يكون كلا الحقين مرتبطًا بـ«حق المولى على العبد» ولا علاقة له بحق العبد على المولى، وإن كان موجودًا. توضيح المطلب هو أن ترخيص المولى للعبد، وإن سُمي حقًا، فهو في النهاية في طول حق المولى على العبد. فلو لم يكن للمولى حق المولوية على العبد، فبأي دليل يصبح ترخيصه للعبد موضوعًا لحكم العقل بالتعذير والترخيص؟ بعبارة أوضح، يحكم العقل بتحقق الحق للعبد عندما يثبت الشارع له ترخيصًا. لكن مجرد تحقق الترخيص من الشارع لا يكفي لثبوت الحق للعبد، إلا إذا قبلنا في مرتبة سابقة أن هذا الحق للمولى يمكنه أن يمنح العبد ترخيصًا أو إلزامًا. وإلا، فلو قال شخص في الشارع لآخر «أنت حر»، فإن هذا الترخيص والحرية لا يترتب عليهما أثر. فالترخيص يأتي أثره ممن له حق الترخيص. وهذه المسألة واضحة ولا تختص بحق الترخيص (الذي لا نعترف به أصلاً كحق وأوردناه تسليمًا)، بل هي موجودة في حق خيار الفسخ وحق الحضانة وغيرها أيضًا. فهذه الحقوق تثبت بإنشائها عندما يكون لله حق جعلها للعباد. إذن، نقول في موارد الشك البدوي التي يدور فيها الأمر بين احتمال التكليف الإلزامي واحتمال الإباحة الاقتضائية، فكما أن مقتضى المولوية للمولى في الأحكام الإلزامية هو أن نراعي احتمال التكليف ونحتاط، فإن مقتضى مولوية المولى في أحكام الإباحة والترخيص هو أن نراعي احتمال الإباحة ونقول بالترخيص في كلا الطرفين. إذن، هذا الحق في الطاعة لله يتنافى مع ذلك الحق في الطاعة، لا أن حق طاعة المولى يتنافى مع حق طاعة العبد ليأتي دور ترجيح حق المولى على حق العبد. والرجوع بالكلام إلى المسألة السابقة، وهي هل يمكن تصور نوع من الامتثال في الإباحة والترخيص أم لا (وإن كان جوابنا هناك بالإيجاب)، فإن البحث المذكور يتم مع التسليم بأن الإباحة أو الترخيص لا يستلزم نوعًا من الامتثال في مقام العمل. فمع التسليم بهذه النقطة نقول: في موارد الشك البدوي، إذا كانت الإباحة مجعولة في الواقع، فإن مقتضى حق مولوية المولى هو أن يحكم العقل أيضًا بالترخيص، واحتمال هذا الجعل يستلزم ترخيصًا عقليًا تحفظًا على الترخيص الواقعي المحتمل. وهذا الحق المولوي الذي يستلزم الترخيص العقلي في ظرف الشك، يتنافى مع الحق المولوي الذي يقتضي الإلزام العقلي في ظرف الشك. فالتنافي هو بين حقي طاعة المولى، لا بين حق طاعة المولى وحق معذرية العبد. رابعًا، يمكن القول إن مسألة التنافي بين حكمين عقليين تتفرع عن مسألة أساسية أخرى، وهي رعاية «اهتمامات المولى». فإذا كان المولى، الذي هو في مقام رعاية مصالح العباد، يرى أن ترخيص العبد وحريته أهم من تقييده وتحديده، ولذا، ومع رعاية جوانب المصالح، يحكم بالترخيص، فهل يمكن للعبد أن يتجاهل اهتمام المولى هذا ويأخذ بجانب التحديد والتقييد؟ وفي الموضع الذي يشتبه فيه الإباحة الواقعية والإلزام الواقعي ولا ندري أصلاً هل هناك إباحة أم إلزام، تُطرح مسألة «اهتمام المولى» مجددًا، لأننا نحتمل أن تكون هناك إباحة في الواقع، ومعناها أن المولى، بملاحظة جميع الجوانب، اهتمامه بحرية العبد. بناءً على ذلك، إذا كان يجب رعاية اهتمامات المولى، ففي موارد الشك البدوي، يجب على العقل أن يحكم بالترخيص لرعاية اهتمام المولى بالترخيص، وأن يحكم بالاحتياط لرعاية اهتمام المولى بالحكم اللزومي، وهذا هو نفس عدم الاتساق الداخلي الذي نعتقد بوجوده في حق الطاعة. إن نقل البحث إلى باب تزاحم حق المولى وحق العبد هو غفلة عن التنافي في حكم العقل بالنظر إلى عالم اهتمامات المولى. وقد اعتقد الشهيد الصدر نفسه في بحث العلم الإجمالي وإمكان الترخيص في طرفي العلم الإجمالي بأن الأصول الجارية في أطراف العلم الإجمالي تابعة للتزاحمات الحفظية، والمقصود من التزاحم الحفظي هو التزاحم الذي يقع بين مقتضيات الأحكام اللزومية والترخيص في مرحلة الجهل. فمقتضى التحفظ على الأحكام اللزومية في مرحلة الشك هو الاحتياط والإتيان بجميع الأطراف للحفاظ على الواقع (أو تركها، حسب ما إذا كان العلم الإجمالي بالوجوب أو الحرمة)، ومقتضى الترخيص الواقعي هو التحفظ عليه عن طريق الترخيص في جميع الأطراف. وهناك قبل الشهيد الصدر بإمكانية أن يرخص الشارع في جميع الأطراف تحفظًا على ملاك الترخيص الواقعي، إذا كان ملاك الترخيص الواقعي أقوى من ملاك التحريمي، بحيث يكون التحفظ عليه في ظرف الجهل مقدمًا على التحفظ على الحكم اللزومي في ظرف الجهل. كلامنا هو: من يعتقد بأنه في عالم التزاحم الحفظي يمكن ترجيح ملاكات الترخيص على ملاكات اللزوم، وبالتالي يرخص الشارع في جميع أطراف العلم الإجمالي، كيف يعقل أن يقول إن العبد لا يلحظ هذه الترجيحات؟! وهل للعبد شيء سوى رعاية اهتمام المولى؟ فإذا كان المولى نفسه يرجح الإباحة، فكيف يمكن للعبد أن يقول: بما أن الإباحة تعود إلى حق العبد على المولى، فأنا لا أرجحها؟!

الإيراد الثالث: من الإيرادات الأخرى التي يمكن أن تُطرح على النقد المذكور (نقد حق الطاعة) هو أن الإباحة الاقتضائية من حيث الملاك تقبل تفسيرين: الأول، أن ملاك الإباحة الاقتضائية هو أن لا يكون للعبد إلزام من جهة المولى بالنسبة لخصوص الفعل أو الترك المباح، وبالتالي لا يلزمه عقله بالفعل أو الترك. فمصلحة الإباحة الاقتضائية قائمة على عدم كون العقل ملزمًا بالفعل والترك. غاية ما ينفى هو الإلزام العقلي الناشئ من الإلزام الصادر من المولى بالنسبة لخصوص الفعل، لا مطلق الإلزام العقلي. الثاني، أن ملاك الإباحة الاقتضائية هو أن لا يكون العبد ملزمًا عقلاً بالفعل أو الترك، لا من جهة الأمر الصادر من المولى بالنسبة لخصوص الفعل، ولا من جهة أي سبب آخر. بناءً على ذلك، فإن هذا النوع من ملاك الإباحة الاقتضائية يستدعي الحرية بالنسبة للفعل من جميع الجهات، لا فقط من جهة الإلزامات الصادرة من الله بالنسبة لهذا الفعل الخاص. يظهر الفرق بين هذين التفسيرين عندما يجد العقل نفسه ملزمًا، لا من جهة الإلزام الصادر من الله بالنسبة للفعل الخاص، بل من جهة الإلزام العقلي للاحتياط بالنسبة لحكم متعلق بفعل آخر. فبناءً على التفسير الأول، لا يوجد تنافٍ بين ملاك الإباحة الاقتضائية وبين حكم العقل بالإلزام في هذا الفعل، لأن ملاك الإباحة مقيد من البداية بحرية خاصة؛ وهي الحرية من جهة الأوامر الصادرة من الله بالنسبة للفعل الخاص. وهذا الترخيص والحرية لا ينافيان الضيق الحاصل من الإلزام العقلي الاحتياطي. أما بناءً على التفسير الثاني، فيقع تنافٍ بين الترخيص وعدم الإلزام العقلي وبين الإلزام العقلي الاحتياطي، لأن تفسير ملاك الترخيص مطلق. بعد توضيح هذا التفسير، نقول إن التنافي المدعى في نقد حق الطاعة إنما يجد معناه بناءً على التفسير الثاني فقط، لا التفسير الأول، ولا يوجد أي دليل ينفي التفسير الأول.

الجواب: بغض النظر عن بعض المسامحات التي وقعت في الإيراد المذكور في موضوع ملاك الإباحة الاقتضائية، يبدو أن الإيراد المذكور يخلط بين التفسير والمحتمل الواقعي؛ فما ذُكر في هذا الإيراد كتفسيرين هو في الواقع نوعان من الإباحة أو محتملان واقعيان، ولذا يمكن أن يقع كلاهما. ففي بعض الموارد، قد يعود ملاك الترخيص فقط إلى الحرية بالنسبة لإلزامات الله، وفي موارد أخرى، قد يكون ملاك الترخيص حرية مطلقة، سواء بالنسبة لإلزامات الله أو من جهة سائر الملزمات. فكلا الاحتمالين يمكن أن يتحققا بالفعل، ولذا فإن ما ذُكر ليس تفسيرين، بل محتملان يمكن أن يوجدا معًا ولو في موردين. وعلى هذا الأساس، نحن لا ننفي التفسير (المحتمل) الأول، ولكن بمجرد أن نحتمل أن الإباحة التي هي طرف الشك من سنخ الإباحة من النوع الثاني، فإن كل النقد السابق يُحيا. فلكي ننتفي من النقد المذكور، يجب أن نثبت أن جميع الإباحات المتصورة من القسم الأول، وهذا ما لا دليل عليه ثبوتًا ولا إثباتًا.

النقد الثالث: من منظور اللوازم الخارجية

النقد الثالث على نظرية حق الطاعة هو من جهة تواليها ولوازمها غير المقبولة. ومن ذلك أنه لو قبلنا بنظرية حق الطاعة، للزم الاحتياط في جميع الموارد التي نحتمل فيها أن للمولى غرضًا لزوميًا وإن لم يأمر قطعًا. بينما هذا اللازم غير مقبول؛ لا ممن يقبل بحق الطاعة ولا بقبح العقاب. أما إثبات هذا اللازم فيتوقف على هذه النقطة، وهي أن مسلك حق الطاعة يعود في لبه إلى «حق احترام المولى»، ولفظ «طاعة» و«إطاعة» الذي له ظهور في تحقق أمر المولى، ليس هو المقصود واقعًا بهذا الظهور. فالغرض من حق الطاعة هو رعاية احترام المولى وعدم توهينه بمعناه التام، ولذا من الواضح أن وجود «أمر» ليس شرطًا في هذا الاحترام. فلا فرق بين الاحترام بلحاظ أوامر المولى والاحترام بلحاظ أغراض المولى، بل إن دائرة الاحترام وعدم التوهين للمولى تتجاوز موارد الغرض الواقعي، وهي ثابتة في مثل الانقياد والتجري، بينما في هذه الموارد لا يوجد حكم ولا غرض في عالم الواقع. بناءً على ذلك، إذا قبلنا بأن للمولى هذا الحق في أن يُحترم في جميع أوامره ونواهيه حتى المشكوكة، فيجب أن يكون الأمر كذلك بطبيعة الحال في الأغراض المحتملة، ولذا يجب الاحتياط. وهذا هو نفس اللازم الذي يُستبعد أن يقبله مسلك حق الطاعة.

وقد أورد بعض تلامذة الشهيد الصدر في الرد على هذا النقد أن عدم التكليف من جهة المولى هو نفسه كاشف عن عدم وجود غرض لزومي، وبالتالي في موارد الشك في الغرض الواقعي، لا يلزم الاحتياط، وحق الطاعة لا يلزم بمثل هذا الاحتياط. ولكن هذا الجواب ليس صحيحًا أيضًا، لأن عدم التكليف من جهة المولى يكون كاشفًا عن فقدان الغرض اللزومي عندما لا يكون هناك احتمال آخر قابل للطرح، ويعود هذا العدم في التكليف إلى فقدان الغرض والمقتضي. أما إذا كان عدم التكليف مستندًا إلى عدم المقتضي (الغرض)، بل كان هناك مانع للتكليف يمنع من صدور التكليف من المولى تجاه العبد، فلن يرد هذا الإشكال، لأنه يمكن افتراض وجود غرض تام الغرضية، ولكن هناك مانع يحول دون التكليف والحكم على وفقه. في هذه الصورة، يستحيل صدور مثل هذا التكليف من جهة المولى، ولكن في الوقت نفسه، فإن احترام المولى بلحاظ إحراز غرضه التام لازم.

Scroll to Top