نظرة في ماهية التغنّي في تلاوة القرآن

ملخص

من أهم مقومات التأثير ونقل مفاهيم القرآن، البيان الجميل والصوت واللحن الحسن لكلماته. وفي هذا السياق، يُعدّ التغني من العناصر الهامة في التلاوة، والذي يجب البحث عن منبعه الأصلي في أولى الأنغام التي ظهرت في فجر الإسلام. بالرجوع إلى سيرة النبي الأكرم (ص)، نجد أنه مع نزول القرآن الكريم، اهتم هو نفسه بقراءة القرآن بصوت جميل ونغم حسن، كما أن الأئمة المعصومين (ع) كالإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الكاظم (ع) قد استعانوا في تلاوة القرآن بالصوت الجميل والتلاوة العذبة. وفي العصر الحاضر، اكتسبت التلاوة التنغيمية مكانة خاصة بين القراء كتلاوة مقبولة. في هذا النوع من التلاوة، بالإضافة إلى استخدام مختلف النغمات الموسيقية والألحان، يُولى اهتمام خاص لأداء الحروف والكلمات، والوقف والابتداء، وكذلك لمختلف شروط وأصول التلاوة. للفقهاء آراء مختلفة حول حلية أو حرمة التغني؛ فالكثيرون قد فسّروا التغني بمعنى قراءة القرآن بصوت عذب مصحوب بالصوت واللحن، بما يتناسب مع أسس القرآن وقيمه. وهو ما قبله ابن عباس وابن مسعود وبعض الصحابة والتابعين، وأصبح في العصر الحاضر أمراً مسلّماً به لدى القراء. يسعى هذا البحث، بالمنهج الوصفي التحليلي، بالإضافة إلى المقاربة التاريخية للتغني، إلى دراسة أصل ماهية التغني ومكانته وأهميته ومشروعيته.

مقدمة

من أبرز وجوه الإعجاز البياني للقرآن الكريم، السمة النغمية لهذا الكتاب السماوي. والتوصيات الكثيرة بتلاوة القرآن بشكل جميل والتغني به من قِبل القادة الإلهيين، نظراً لهذه السمة الإعجازية، هي خير دليل على هذا الأمر. من ذلك قول النبي الأكرم (ص): «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وَ أَصْوَاتِهَا…، واجتنبوا ألحان أهل الفسق وأهل الكبائر» (الكليني الرازي، الكافي، 1390: 4/502)؛ أو ما ورد في حديث آخر: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»؛ أي «من لم يقرأ القرآن بالغناء (الألحان والمقامات المناسبة للقرآن) فليس منا» (نفس المصدر، 504).

في هذين الحديثين الشريفين للنبي (ص)، يؤكد على قراءة القرآن بلحن عربي والتغني به، ويوصي بقيمة تلاوة القرآن كعمل مستحب. هذا التأكيد وهذه التوصية أوجدا موسيقى خاصة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، موسيقى كانت إلى جانب كلمات القرآن الجميلة، أكثر الوسائل تأثيراً وبلاغةً في إظهار وانعكاس عواطف وأحاسيس الإنسان الداخلية (عزتي، نغمات آسماني، 1384: 5). إن تأثير الصوت واللحن الجميل كأداة توجه المخاطب نحو المعنى قد استُخدم مراراً على مر التاريخ، لأنه عندما يصبح الصوت جميلاً، يزداد تأثيره على الروح وتعلو قدرته على استمالة القلوب (نلسون، هنر قرائت قرآن، 1390: 57). ويعتقد الأطباء أيضاً أن الصوت الجميل يحرك الجسد وجريان الأوردة، مما يؤدي إلى تنقية الدم (نفس المصدر، 164).

عادةً ما يبدأ هذا التأثير على مشاعر الفرد، وهو في الواقع تأثير فني؛ ولكن إذا تم توجيهه وإدارته بشكل جيد، يمكن أن يؤدي إلى تأثير معرفي وروحي. كان حضرة داود (ع)، عند تلاوة المزامير، يستخدم ألحاناً جميلة بأوزان محددة. كما كان النصارى في معابدهم والمسلمون في مساجدهم، وفي قراءة الصلاة والكتب السماوية، يستخدمون ألحاناً رقيقة لترقّ القلوب وتلطف العواطف، فتخضع القلوب وتخشع النفوس وتطيع أوامر الله، وتتوب عن ذنوبها وتعود إلى الله (أحمد آبادي، طنين إعجاز، 1378: 72).

بالنظر إلى الموضوعات المتنوعة والتعابير المختلفة المطروحة في القرآن، فإن نقل المفاهيم دون الانتباه إلى المحتوى والاستفادة المناسبة من طبقات الصوت والتأكيد على المقاطع الصوتية اللازمة، يؤدي إلى رتابة في الأداء البياني، وبالتالي يقلل من التأثير المطلوب على المخاطب.

تاريخ التغني في تلاوة القرآن

إن دراسة منهج وسيرة رسول الله (ص) تظهر أنه كان يولي هذا الأمر أهمية خاصة، وكان هو نفسه يتلو القرآن بصوت حسن. وقد نُقل عنه حديث يقول فيه: «حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْناً» (الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، 1385: 6/212)، وفي موضع آخر قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»؛ أي «من لم يتغنَّ بالقرآن فليس منا» (الكليني الرازي، الكافي، 1390: 4/502). كما كان الإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الكاظم (ع) يتمتعون بصوت جميل وتلاوة نغمية؛ لدرجة أنه عند قراءة الإمام السجاد (ع)، كان كثير من المارة يتسمّرون عند باب بيته ليستمعوا إلى صوته الجميل (الحر العاملي، وسائل الشيعة، 1385: 6/211 و 212).

بعد ذلك، يمكن اعتبار عبد الله بن أبي بكرة أول من اهتم بالقراءة والصوت واللحن، واستمر عبيد الله بن عمر على نهج جده، وتواصل هذا الأسلوب حتى استخدم محمد بن سعد المقامات والألحان في قراءته (ابن قتيبة، المعارف، 1119: 533). ثم بلغت القراءة بالصوت واللحن ذروتها في زمن علم الدين السخاوي؛ حيث ذكر في كتابه وانتقد بعض بدع القراء مثل الترعيد والترقيص والتطريب والتحريف (السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، 1408: 528).

ربما يمكن القول إن الغناء في بلاد العرب قد نما وتطور في مسار طبيعي، وتجلى هذا الأمر بشكل أكبر في الترتيل؛ لأن الغناء العربي في ذلك الوقت لم يكن قد وصل إلى مكانته الحالية، وكان الذين يتغنون بالقرآن في صدر الإسلام لا يملكون معرفة واسعة بالموسيقى، وكانوا في قراءتهم يعتمدون أكثر على أساليب مثل مد الصوت، والترقيق، ورفع طبقة الصوت، وما إلى ذلك (ميرزايي، الزمن الجميل، 1388: 31).

وصلت التلاوة بمعناها المعاصر إلى مرحلة النضج والتطور والكمال بعد أن مرت بتغيرات وتحولات مختلفة، على الرغم من أنها لم تكن موجودة بهذا الأسلوب والطراز المعاصر حتى قرنين من الزمان. وكما ذُكر، يجب البحث عن أصل وجذور التغني في بداية الإسلام، فبدأ التغني والنغم بأداء الواجبات مثل الصلوات اليومية وقراءة القرآن الكريم بشكل نغمي، لدرجة أن اهتمام الناس بقراءة القرآن والتغني به أدى حتى إلى تخصيص مكان خاص للتلاوة عند بناء المساجد. وهكذا، خُصص مكان مرتفع أمام المنبر لقراء القرآن ذوي الأصوات الحسنة (يوسف ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك المصر والقاهرة، 1383: 157).

بعد أن نمت المقامات العربية وتطورت، أولى قراء القرآن اهتماماً خاصاً بالتغني في القرآن، وبفضل إتقانهم لفنون القراءة والتلاوة وتناولهم لمختلف أنواع النغمات، زادوا من أهمية الاهتمام بالقرآن في مجال التلاوة. ومن المسلم به اليوم أن لحن التلاوة، أي النغم والإنشاد المستخدم في قراءة القرآن، متأثر بالموسيقى العربية، حيث استخدمه قراء القرآن مع مراعاة الأصول الشرعية والعرفية للتلاوة كمنصة للإبداع (التلاوة التنغيمية). وبناءً على ذلك، فإن اللحن في تلاوة القرآن هو كيفية مرغوبة تتحقق من خلال الاستخدام الصحيح والمطلوب للمقامات والنغمات العربية لتقديم آيات القرآن الكريم وفقاً لأسس ومبادئ خاصة (شاه ميوه أصفهاني، هنر تلاوت، 1382: 130).

ماهية التغني في نظر العلماء

مع نمو وتطور علوم القرآن، خاصة في مجال التلاوة بين المسلمين وكبار علماء الأمم الإسلامية، شهدنا نوعاً من الموسيقى التي، على الرغم من أنها كانت تستند إلى الموسيقى العربية وأصولها، كانت لها خصائص فريدة تميزها عن الموسيقى العربية. هذا النوع من التلاوة يسمى موسيقى التلاوة أو التغني، وهو مستمد من أصل وجذور الموسيقى العربية، وبالإضافة إلى الاستفادة من تجارب القراء المشهورين والقدامى، فقد تأثر بمجالات مختلفة مثل التجويد والوقف والابتداء، والاهتمام بالدلالات اللغوية للكلمات، وكذلك الدقة في المسائل الشرعية والدينية.

علاوة على ذلك، أدى هذا النمط من قراءة القرآن (التلاوة التنغيمية) إلى تأثر العديد من غير المسلمين بجمال أصوات القراء البارزين، واعتنق بعضهم الإسلام بعد سماع الصوت الجميل للقراء. إن إقبال الناس على الاستماع للتلاوة التنغيمية، خاصة في مصر، كان من أهم أسباب وعلامات تأثير هذا النهج في نفوس المؤمنين.

وفي هذا الصدد، تحدث العديد من العلماء والباحثين عن التغني وأهميته ومكانته. يعتقد الشيخ علي حجاج السويسي أن القراءة بالنغم تشبه الشرح؛ فالقارئ الذي يتلو بنغم صحيح ويتقن هذا الفن، يقرّب المستمع إلى القرآن (نفس المصدر، 154). كما يقول الشيخ أحمد الرزيقي عن التغني وتأثيره في التلاوة إن القارئ الماهر في التوفيق بين التقنية وفهمه للآيات يمكنه نقل معنى النص إلى من لا يعرف العربية.

وتعتقد الدكتورة «كريستينا نلسون»، الباحثة الأمريكية التي كتبت رسالة الدكتوراه حول موضوع «تلاوة القرآن في مصر»، أن فهم الناس للقرآن عند التعامل مع النص المكتوب والنص المسموع مختلف، وأن القدرة على فهم الآيات عن طريق السماع تفوق فهمها من خلال القراءة العادية للنص. وهذه مسألة مهمة؛ لأن هناك الكثير من الناس الذين يألفون آيات القرآن فقط من خلال سماعها، وذلك بشكل تنغيمي (ميرزايي، الزمن الجميل، 1388: 242).

ويعتقد الدكتور «يوسف شوقي»، أستاذ كلية العلوم ومراقب قانون قياس السلم الموسيقي في الأكاديمية العلمية والتكنولوجية بمصر، حول ماهية التغني، أن الموسيقى العربية تدعم تلاوة القرآن، وهذا الأمر يشبه الحفاظ على اللغة العربية بواسطة القرآن. وفي جزء من تحليله لصوت الشيخ رفعت، يقول إن الشيخ رفعت أثر على موسيقيي عصره، وقد استفاد الملحنون من العديد من مقاماته، بما في ذلك مقام الحجاز والراست.

ويقول كمال النجمي في هذا المجال أيضاً: التغني ليس هو الغناء والموسيقى، على الرغم من أن كليهما له أصل واحد من الموسيقى العربية. والقارئ المتخصص والفاهم هو من يتغنى بالقرآن، مع إتمامه لهذا الأمر بأصوله الكاملة. وبذلك، يميل لحني بالكامل نحو معاني الآيات والألفاظ، ويتناغم صوتي مع لحني، وتنمحي الظلمات من حولي (ابن الجزري، النشر في قراءات العشر، 1345: 231).

كما يعتقد أن من النقاط الهامة وآثار التغني التي يجب على قراء القرآن الكريم مراعاتها هي السكوت والتواضع، حتى يتمكنوا من خلال التلاوة التنغيمية من التدبر في آيات القرآن، وفي هذه الحالة يتسع نطاق التفكر في آيات القرآن. لذلك، فإن التغني والغناء ليسا فناً وتخصصاً واحداً، بل إن التغني بالقرآن على مدى ألف عام أو أكثر، يعتمد على الترنم الحر أو الارتجال غير المقيد بأي وزن أو إيقاع، وحتى أنه كان مؤثراً بشكل كبير في تدوين الألحان الموسيقية المتعارف عليها في مختلف العصور (أنيس، في اللهجات العربية، 2003م: 115).

من الموضوعات الهامة الأخرى التي يجب الانتباه إليها في مجال التغني بالقرآن، أن محبي الموسيقى العربية يعتقدون أن التغني سيحافظ على الموسيقى العربية الأصيلة؛ لأن التغني بالقرآن، بأسلوبه الموروث المصاحب للألحان العربية، سيبقى إلى الأبد. بينما الموسيقى العربية، كانت دائماً عرضة للتغيير والتحول تحت تأثير مدارس مختلفة، بما في ذلك المدارس الغربية (ميرزايي، الزمن الجميل، 1388: 66 و 67).

لذا، فإن تلاوة القرآن الكريم بوجود مقامات الموسيقى العربية كانت من أهم العوامل في الحفاظ على التراث المقامي للموسيقى العربية. وهذا الموضوع يبرر أكثر من خلال ارتباط القراء والمنشدين أو القراء والموسيقيين ببعضهم البعض. بعض مبدعي التلاوة المحترفين في مصر كانوا يمتلكون معلومات واسعة في مجال الموسيقى، خاصة في موضوع المقامات، ومع الحفاظ على الأمانة، استخدموا المقامات العربية في تلاوة القرآن، وحفظوها على مر الزمن من التحولات الطارئة وتأثير بعض المدارس الأجنبية (نفس المصدر، 85 و 86).

مشروعية التلاوة التنغيمية

التغني هو مصدر على وزن تفعل من جذر (غني)، ومعناه إنشاد الشعر والغناء به. وتأتي هذه الكلمة أيضاً بمعنى تحسين الصوت (الفيروزآبادي، القاموس المحيط، 1417: 1729).

هذا المصطلح، الذي يظهر غالباً في النصوص المختلفة بصيغة «التغني بالقرآن»، يعود أصله إلى روايتين يوصي فيهما النبي الأكرم (ص) بالتغني عند تلاوة القرآن (المجلسي، بحار الأنوار، 1403: 191). «التغنين» هو اسم آخر أُطلق على هذا الفن، وقد تُرجم بمعنى جعل الكلام أنفياً. والسبب في ذلك هو الصوت الأنفي (الخيشومي) أو الغنة. وسبب تسميته بـ «خفض» هو خفض أو رفع جزء مهم من شدة الصوت.

لقد قدم العلماء والفقهاء منذ القدم آراء مختلفة في تفسير ومراد التغني، ويعود هذا الاختلاف إلى الفروق في معنى كلمة (غنا). وقد رويت أحاديث مختلفة عن النبي الأكرم (ص) تدعو إلى تلاوة القرآن بصوت حسن وجميل. بالإضافة إلى ذلك، تشير الروايات المختلفة عن الأئمة المعصومين (ع) ودراسة المرويات التاريخية في هذا الشأن إلى اهتمام هؤلاء العظماء والسلف بهذا الموضوع.

لقد فسر الكثيرون التغني من جذر (غناء) بمعنى قراءة القرآن بصوت جميل مصحوب بالألحان والأنغام، ولكن بما يتناسب مع قدسية القرآن (سعيد، التغني بالقرآن، 1970: 36). وقد قبل ابن عباس وابن مسعود وبعض الصحابة والتابعين هذا الرأي وأيدوه. كما تبنى هذا الرأي الطبري وابن العربي وابن قدامة والشافعي وأبو حنيفة وجمع آخر من العلماء. بالإضافة إلى ذلك، فإن جماعة من علماء الإمامية، منهم الطبرسي والسبزواري والآخوند الخراساني وشريعت الأصفهاني والفيض الكاشاني والنراقي وماجد البحراني وجماعة من المعاصرين، قد فهموا التغني بالمعنى المذكور، واستناداً إلى الروايات المنقولة، أجازوا تلاوة القرآن بالنغم (الطبرسي، مجمع البيان، 1406: 46).

من أهم الأسباب التي جعلت التغني أصلاً مقبولاً لدى أهل الشيعة وأهل السنة هو الاهتمام بسيرة ومنهج النبي الأكرم (ص). فقد رُوي عن النبي (ص) في شأن التغني قوله: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» (النراقي، مستند الشيعة، 1415: 147)، أي ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت يجهر بالقرآن متغنياً به، وقد اعتبروا ذلك دليلاً أو مؤيداً لرأيهم. كما وردت روايات أخرى عن النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) تؤيد ماهية وأصل التغني. من ذلك أن النبي (ص) أوصى الناس بالصوت الحسن فقال: «لِكُلِّ شَيْءٍ حِلْيَةٌ وَ حِلْيَةُ الْقُرْآنِ الصَّوْتُ الْحَسَنُ». أو رواية عنه تأمر بقراءة القرآن بلحن وأداء الحروف العربية، حيث قال: «اقْرَأُوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا». كما استلهم الإمام الصادق (ع) من آية قرآنية الحديث عن الصوت الجميل، وفي شرحه لكلمة «ترتيل» في آية «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً»، فسرها بالتلاوة الهادئة والصوت الحسن. وكذلك رُوي عن الإمام الباقر (ع) أنه أوصى الناس بالترجيع في القرآن، فقال: اقرأوا القرآن بصوت، فإن الله يحب أن يُقرأ القرآن بصوت حسن ومصحوب بالنغم (الكليني، الكافي، 1375: 615-616).

واليوم أيضاً، بعد مرور قرن من الزمان وتقديم آراء واختلافات في وجهات النظر، اكتسبت التلاوة التنغيمية مكانة خاصة بين القراء كتلاوة مقبولة، ويهتم متخصصو التلاوة بشكل احترافي في مختلف البلدان بهذا النوع من التلاوة. وبالتالي، فإن التلاوة التنغيمية هي في الحقيقة نفس التلاوة التي تُعرف اليوم خطأً باسم «تلاوة التحقيق». في هذا النوع من التلاوة، بالإضافة إلى استخدام الألحان والنغمات الموسيقية كأداة ووسيلة لإلقاء المفاهيم، يتم أداء حق الحروف والكلمات بشكل كامل، وتُستخدم قواعد التجويد والوقف والابتداء وسائر مستلزمات التلاوة. ونظراً لأن هذا الأسلوب ابتكره المصريون، فإنه يُطلق عليه أيضاً «التلاوة المصرية» (قاسم أحمد، نگاهي به زندگاني قاريان مشهور قرآن كريم، 1374: 135).

بما أن دين الإسلام هو دين الفطرة، فإنه لا يعارضه ما دام موافقاً للفطرة ولم يخرج عن مساره، ولا يدينه. وعندما يخرج عن مسار الفطرة ويسلك طريق الهوى والشهوات، فبمقتضى الحكمة وحماية الحرمة الإنسانية، يُبطله ويُعلنه ممنوعاً (أحمد آبادي، طنين إعجاز، 1378: 71). لذلك، فإن موسيقى قرآننا تختلف عن أنواع الموسيقى الأخرى؛ يقول الأستاذ مصطفى إسماعيل في هذا الصدد إنها تتجاوز حتى مقامات الموسيقى، وهذا يثبت أن القرآن ليس محصوراً في الموسيقى بل هو أسمى منها بكثير، ولا يليق بالقرآن أصلاً أن يُحصر في الموسيقى (نفس المصدر، 23). إذاً، فإن تعلم علم الموسيقى وتوظيفه مع مراعاة مفاهيم القرآن العظيم في تلاوته لا يتعارض مع القرآن بأي شكل من الأشكال، بل هو أمر مستحسن ومطلوب للغاية.

كان معظم كبار علماء الإسلام على دراية تامة بعلم الموسيقى وفن توظيفه، وربما كان بعضهم من نوابغ هذا الفن في عصرهم. كما كُتب: «كان مولانا جلال الدين البلخي ضليعاً في فن الشعر، وكاملاً ونادراً في علم الأدوار والموسيقى…». وفي سيرة أبي نصر الفارابي، قيل: «كان له باع طويل في الموسيقى، لدرجة أنه تُروى عن مهارته وبراعته قصص عجيبة؛ منها أنه قيل إنه استأجر جملاً ذات مرة لئلا يقع في أيدي رجال السلطان، وربط أجراس عنق الجمل بطريقة جعلت الجمل يطرب لسماع نغمها ويقطع مئات الكيلومترات دفعة واحدة. وقيل أيضاً إن الفارابي دخل مجلساً لسيف الدولة متخفياً، وانتقد العازفين والمغنين. فسأله سيف الدولة: هل لك علم بالموسيقى؟ فأخرج الفارابي آلته المشهورة من جرابه وركبها وعزف لحناً أضحك الجميع. ثم فكك الآلة وركبها بطريقة أخرى أبكت الجميع. ثم ركبها بشكل ثالث وعزف لحناً جديداً نام الجميع، حتى الحجاب، فغادر الفارابي المجلس وذهب» (نفس المصدر، 73). فالموسيقى ظاهرة يمكن أن تكون وسيلة مناسبة في خدمة البشر، ويمكن أن تكون سلاحاً مدمراً يسبب الفساد والطغيان.

ويعتقد سماحة القائد المعظم أيضاً في هذا الشأن أن ما هو حرام في الإسلام هو «الغناء»، وليس الموسيقى. الموسيقى هي أي لحن وصوت يخرج من حنجرة أو آلة بشكل محسوب، أما ما هو حرام فهو نوع خاص من الموسيقى وهو «الغناء» (نفس المصدر، 73 و 74). بناءً على ذلك، فإن مسألة تحريم الغناء واستحباب تحسين الصوت في قراءة القرآن هما مقولتان منفصلتان؛ وتعلم فن القراءة، بناءً على بعض الروايات، واجب كفائي (أي لا يلزم جميع المسلمين تعلمه) أو على الأقل مستحب مؤكد. (أي مستحب يُفضل فعله ويُؤكد عليه). وقد قال علماؤنا المحدثون العظام، في توجيه بعض الروايات، إنه يجب قراءة القرآن بصوت جميل إلى الحد الذي لا يصل إلى الغناء.

ويقول الملا محسن الفيض أيضاً عن الغناء وشروط مشروعيته في كتاب «الوافي» في باب كسب المغنية وشرائها: للغناء وجهان: غناء حلال وغناء حرام. الغناء الحرام هو ما يناسب مجالس اللهو واللعب، ويُستخدم فيه الإشارة إلى اللغو والباطل. والغناء الحلال هو ما لا تتوفر فيه شروط الغناء الحرام، بل يرتقي به الإنسان إلى الكمال، ويهتدي من ظلمات عالم الطبع إلى نور عالم الملكوت، ويُرغّب في الخيرات، ويُزهّد في الدنيا، ويُبعد عن المعاصي. بناءً على ذلك، فإن التلاوة التنغيمية مع مراعاة الأصول والشروط، كأصل في موضوع التلاوة، مقبولة لدى كبار أهل الصوت واللحن، ومشروعيتها مؤكدة وموضع اهتمام القراء وأهل الفن.

1. الترجيع الصوتي

مسألة الترجيع الصوتي وحليته وحرمته من الموضوعات الأخرى التي تحظى بالاهتمام في هذا السياق. الترجيع يعني: إعادة الصوت إلى الحلق أو ترديد الصوت في الحلق، وهو ما يسمى بالتحرير. يجب أن تكون تلاوة القرآن الكريم بعيدة عن أي لحن لا يليق بشأنه، ويجب على القارئ أن يتوخى أقصى درجات الحذر ويبتعد عن الموسيقى الحرام والباطلة وحتى المشكوك فيها. بناءً على الدراسات التي أُجريت على أحاديث أهل البيت (ع) في مجال آداب التلاوة، فإن شروط استخدام المقامات والألحان في قراءة القرآن هي كالتالي:

  1. أن لا تتعارض مع الفصاحة والأداء المعتبر لدى علماء التجويد.
  2. أن لا تتعارض مع عظمة التلاوة وخشوعها وخضوعها وأدبها.
  3. أن يكون أصل التحزين (التلاوة بصوت حزين) حاضراً طوال التلاوة.
  4. أن يستخدم المقامات المناسبة لمعاني الآيات، ويستعمل النغمات الملائمة لتحسين الصوت في التلاوة.

في رواية، أمر الإمام محمد الباقر (ع) بالترجيع في قراءة القرآن، قائلاً: «عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع): إِذَا قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فَرَفَعْتُ صَوْتِي جَاءَنِي الشَّيْطَانُ فَقَالَ إِنَّمَا تُرَائِي بِهَذَا أَهْلَكَ وَالنَّاسَ. قَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، اقْرَأْ قِرَاءَةً مَا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ تُسْمِعُ أَهْلَكَ وَرَجِّعْ بِالْقُرْآنِ صَوْتَكَ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُرَجَّعُ فِيهِ تَرْجِيعاً»؛ «قال أبو بصير: قلت للباقر (ع): كلما قرأت القرآن بصوت عالٍ، يأتيني الشيطان ويقول: إنما ترائي بهذا أهلك والناس. فقال: يا أبا محمد، اقرأ بصوت متوسط يسمعه أهلك، ورجّع صوتك في قراءة القرآن، فإن الله عز وجل يحب الصوت الحسن الذي يُرجّع فيه» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، 1385: 6/212). وفي رواية أخرى، يقول النبي الأكرم (ص): «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَأَهْلِ الْكَبَائِرِ؛ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ، لَا يَجُوزُ تَرَاقِيَهُمْ، قُلُوبُهُمْ مَقْلُوبَةٌ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُ شَأْنُهُمْ»؛ «اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتهم، واجتنبوا ألحان أهل الفسق وأهل الكبائر. فسيأتي بعدي أقوام يقرأون القرآن بترجيع وغناء ونواح ورهبانية، لا يتجاوز قرآنهم حناجرهم، قلوبهم مقلوبة، وقلوب من يعجبهم شأنهم كذلك» (الكليني الرازي، أصول الكافي، 1390: 4/502). وهذه الرواية تدل على النهي عن ترجيع الغناء. في الجملة الأولى، بقيد «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا…»، استثنى ونهى عن قراءة القرآن بألحان غير عربية. وفي عبارة «وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَأَهْلِ الْكَبَائِرِ…» (أحذركم من القراءة بلحن أهل الفسق والمتكبرين)، نهى أيضاً عن قراءة القرآن بألحان عربية مأخوذة من غير المؤمنين وأهل المعصية. وفي الجملة الثالثة «…فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ…» تشير أيضاً إلى نفس مفهوم العبارة الأولى، وتحذر من قراءة القرآن بأساليب الأديان الأخرى أو الألحان غير القرآنية. والرواية الشريفة في الجملة الرابعة حتى نهايتها «…لَا يَجُوزُ تَرَاقِيَهُمْ قُلُوبُهُمْ مَقْلُوبَةٌ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُ شَأْنُهُمْ» تذكر صفات القراء الذين يقرأون خلافاً لأمر الجملة الأولى، وتذكر أن سبب اتخاذ مثل هذه القراءات هو أنها تؤدي إلى إظلام القلب الإلهي للإنسان. بناءً على هذه الشروط الدقيقة التي يمكن استخلاصها من الأحاديث والروايات، يمكن تلخيص شروط فن القراءة في النقاط التالية: أ) يجب أن يُقرأ القرآن باللحن العربي؛ ب) لا يجوز استخدام الألحان غير العربية (العجمية) في قراءة القرآن، وكذلك يجب الامتناع عن الأساليب غير العربية مثل النواح والأساليب الصوتية للرهبان؛ ج) يجب تجنب ألحان قراء أهل المعصية؛ د) لا يجوز قراءة القرآن بترجيع الغناء؛ هـ) يجب الاستفادة من القرآن باطنياً بالإضافة إلى قراءته الظاهرية.

بناءً على ذلك، فإن الترجيع نوعان: حلال وحرام. من البديهي أن الترجيع الجائز والمأمور به في قراءة القرآن هو الترجيع الموجود في اللحن العربي. والترجيع الموجود في الألحان العجمية؛ مثل «الچهچهة» (الزقزقة) المعتادة في الأغاني الفارسية، غير جائز في قراءة القرآن، وبالطبع استخدامه في القرآن حرام. لذا، بناءً على الروايات الشريفة، فإن قراءة القرآن بالصوت واللحن الجميل والترجيع الحلال (فن القراءة) ممدوحة ومرضية عند الله تعالى ورسوله الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع)، بشرط أن تلتزم بشروطها اللازمة (خاصة التدبر في الآيات) ولا تخرج عن حدودها. والقراءة التي لا تُراعى فيها الشروط (خاصة التدبر) مذمومة، وهي صوت لا قيمة له، وإن كان مستحسناً للمستمعين، لأن مثل هذه القراءة لا تعود إلا بحظ ونصيب سمعي. «وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً» (طهراني، مباني موسيقى قرائت قرآن، 1374: 1/17-22).

أدلة توظيف الصوت واللحن في تلاوة القرآن

إن نسبة الصوت واللحن إلى التجويد هي من الموضوعات الهامة الأخرى التي يجب الاهتمام بها والتدقيق فيها. القراءة النغمية للقرآن، المنضبطة والمتوافقة مع مراعاة الأحكام الشرعية والابتعاد عن التلوث بالغناء، والمصحوبة بمراعاة قواعد التجويد، يجب ألا يتفوق فيها اللحن على التجويد ويخرج القراءة عن حدود الأحكام. بل يجب على القارئ أن يضبط اللحن بقواعد التجويد (نلسون، هنر قرائت قرآن، 1390: 325). كما نعلم، فإن معاني ومضامين القرآن الكريم السامية قد عُبر عنها في قوالب الجمل والألفاظ، وكل لفظ وكلمة استُخدمت في موضعها المناسب بحسب حمولتها المعنوية، لتتمكن من نقل رسالة الله ومقصده إلى المخاطب بأفضل وأكثر الطرق تأثيراً.

في الواقع، إن توضيح المعنى والقوة المؤثرة للموسيقى هما سببان لقبول الفن النغمي والصوتي في قراءة القرآن (نفس المصدر، 210). بالإضافة إلى ذلك، فإن أحد أسباب استخدام الصوت واللحن هو دراسة المنهج العملي وسيرة النبي الأكرم (ص)، وكذلك الدراسات التاريخية وفحص تاريخ الأسلاف. أول وأفضل من قرأ القرآن بصوت حسن هو شخص النبي الأكرم (ص). كان النبي نفسه يقرأ القرآن بلحن وصوت يجذب الكثير من الناس لتلاوته، وقد أسلم الكثيرون بسبب ذلك. وغيره، كان أفراد مثل: حضرة علي (ع)، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأُبي بن كعب، يقرأون القرآن بصوت حسن (الكليني، الكافي، 1375: 6/429). ومن بين صحابة النبي (ص)، كان «عبد الله بن مسعود» و«أبو موسى الأشعري» يتمتعان بصوت جميل وتلاوة نغمية.

بالنظر إلى الموضوعات المطروحة والإثبات التاريخي وسيرة النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) في استخدام الصوت واللحن في القرآن، فإن نقل مثل هذه المفاهيم دون الاهتمام بمعانيها والاستخدام المناسب لطبقات الصوت والتأكيدات الصوتية اللازمة، يؤدي إلى رتابة في الأداء الصوتي وبالتالي يقلل من التأثير المطلوب على المخاطب. من التجليات الصوتية التي تلعب دوراً هاماً في تحديد المعنى ونقله إلى المخاطب، هو لحن كلام المتحدث، الذي يُعرف في علم الأصوات باسم «آهنگ» (اللحن).

تنوع ألحان الكلام (intonation tones) هو مبحث صوتي يدور حول ارتفاع الصوت وانخفاضه واستقامته، ويمكنه أن يلعب دوراً نسبياً في التعبير عن المعاني المقصودة. تغيير ارتفاع الصوت وعلوه وانخفاضه في أداء الجملة، يسمى في اللغة العربية «التنغيم» وفي اللغة الإنجليزية «اللحن» (intonation). هذه الارتفاعات والانخفاضات الصوتية وتغيير اللحن التي تحدث تبعاً لموقف الكلام، ليست خالية من الدلالة المعنوية، بل تُؤدى لغرض معين ويمكن أن تكون مؤثرة في تغيير معنى الجمل، لدرجة أنه يمكن فهم معانٍ مختلفة من جملة واحدة. اللحن في الكلام يعني أن تغييرات تحدث بشكل متناوب في الصوت، حيث ينتقل الصوت أحياناً من الطبقة الحادة إلى الغليظة وأحياناً من الغليظة إلى الحادة. هذه الارتفاعات والانخفاضات المتناوبة في الصوت تخلق لحناً في الكلام يجعل المعاني تصل إلى أذن المخاطب بشكل أوضح. كل هذه التقلبات الصوتية تتبع حالات المتحدث، وبأي إحساس يتكلم (شكيب أنصاري، رابطه معناشناسي با آواشناسي، 1392: 93). في الواقع، اللحن هو وسيلة لتجلي أحاسيس ومشاعر المتحدث. ومن خلال هذا اللحن، يمكن بتنظيم مقدار الارتفاع والانخفاض تمييز الكلام المصحوب بالرضا، الاستفهام، الشك، اليقين، النفي، الإثبات، اليأس، الغضب، التمني، الانفعال، عدم الاكتراث، الدهشة، وغيرها (فرشيد ورد، دستور مفصل امروز بر پايه زبان شناسي جديد، 1382: 93).

وبهذه الطريقة، فإن لحن الجمل الخبرية والاستفهامية والعاطفية والتعجبية والأمرية التي تظهر مشاعر مختلفة، يختلف بعضها عن بعض، ويتم تمييزها بواسطة التنغيم ولحن الكلام. النقطة الجديرة بالاهتمام في بحث لحن الكلام هي أن حركات الجسد وتعابير الوجه عند نطق الجمل يمكن أن ترافق لحن الكلام وتساعد المخاطب في فهم مقصوده؛ مثلما يساعد فتح ملامح الوجه أو تقطيبها، بمساعدة لحن الكلام، المخاطب على فهم أن المتحدث يقصد التعبير عن سخائه أو إظهار غضبه واستيائه (زركوب وخاقاني، كاركرد واحدهاي زنجيري و زبر زنجيري در زبان عربي، 1392: 83). لأن كل موضوع من الموضوعات المتنوعة والتعابير المختلفة المطروحة في القرآن يتناسب مع مقام ونغمة خاصة، فإن لحن مشهد الفراق يختلف عن الوصال، والحزن عن الفرح، والحرب عن السلم، وكما هو ضروري في صناعة الأفلام مراعاة تطابق الموسيقى مع المشاهد المتنوعة للفيلم، فإن تلاوة القرآن تتطلب أيضاً تصميم صوت ولحن يتناسب مع الآيات.

يجب أن تنبع موسيقى التلاوة من داخل النص نفسه. إذا لم تستمد موسيقى التلاوة روحها من النص نفسه، فقد تصبح ألعوبة للتباهي في نقل المعلومات أو أداة لكسب القيمة. على سبيل المثال، اهتم العديد من القراء بهذا الموضوع، ومنهم يمكن الإشارة إلى الشيخ محمد رفعت. كان اهتمامه بالمفهوم والمعنى في التلاوة دقيقاً، وكان يصور مفاهيم الآيات من خلال ربط اللفظ بالمعنى، وللتأثير وفهم المعنى كان ينسق صوته مع فضاء الآيات، بحيث يجمع بين الخشوع والقوة والتأثير على المستمع في آن واحد. لذلك، نلاحظ تناغم صوته القوي مع صوته الخاشع والحزين مع معنى الآيات.

الخاتمة

1. في صدر الإسلام وزمن النبي (ص)، كان تأكيده على التلاوة بالصوت الجميل ومنهجه العملي، أهم دافع لتلاوة القرآن، بالإضافة إلى الإعجاز البياني والخاصية النغمية لهذا الكتاب السماوي. وعلاوة على ذلك، فإن التوصيات المؤكدة بتلاوة القرآن بشكل جميل والتغني به من قبل القادة الإلهيين هي أيضاً دليل على اهتمام العظماء بالتلاوة.

2. بناءً على الروايات، فإن قراءة القرآن بصوت ولحن جميل وترجيع حلال، بشرط توفر الشروط اللازمة (خاصة التدبر في الآيات)، ممدوحة ومرضية عند الله تعالى ورسوله الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع). وهذا النوع من التغني في القرآن يتوافق مع الأصول الشرعية التي نُقلت إلينا عن القراء القدامى.

3. التلاوة التنغيمية هي أحد أنواع التلاوة المقبولة بين القراء، حيث يوليها القراء اهتماماً في تلاواتهم. في هذا النوع من التلاوة، بالإضافة إلى الاستفادة من مختلف النغمات الموسيقية والألحان، يُولى اهتمام لأداء الحروف والوقف والابتداء، وكذلك مراعاة سائر الشروط وأصول التلاوة. والمصريون هم رواد هذا النوع من التلاوة، وبما أن هذا الأسلوب ابتكره المصريون، فإنه يُطلق عليه أيضاً «التلاوة المصرية».

4. في تلاوة الغناء، يوجد وجهان: غناء حلال وغناء حرام. الغناء الحرام هو ما يناسب مجالس اللهو واللعب، ويُستخدم فيه الإشارة إلى اللغو والباطل. والغناء الحلال هو ما لا تتوفر فيه شروط الغناء الحرام، بل يرتقي به الإنسان إلى الكمال. لذلك، فإن التلاوة التنغيمية مع مراعاة الأصول والشروط، كأصل في موضوع التلاوة، مقبولة لدى كبار أهل الصوت واللحن، ومشروعيتها مؤكدة وموضع اهتمام القراء وأهل الفن. وما هو حرام في الإسلام هو نوع خاص من الموسيقى وهو «الغناء».

5. الترجيع الصوتي هو أحد الموضوعات التي تُبحث في التلاوة، وهو في الواقع إعادة الصوت إلى الحلق أو ترديده فيه، ويصطلح عليه بالتحرير. بناءً على الأحاديث والروايات، يمكن تلخيص أهم شروط الترجيع الصوتي في النقاط التالية: يجب قراءة القرآن باللحن العربي، ولا يجوز استخدام الألحان غير العربية (العجمية) في القراءة، وكذلك يجب الامتناع عن الأساليب غير العربية مثل النواح والأساليب الصوتية للرهبان. ويجب تجنب ألحان قراء أهل المعصية. ويجب على القارئ ألا يقرأ القرآن بترجيع الغناء. وفي النهاية، يجب على القارئ أن يستفيد من القرآن باطنياً بالإضافة إلى قراءته الظاهرية.

6. إن قدرة فهم الآيات عن طريق السماع تفوق فهمها من خلال القراءة العادية للنص. وتوضيح المعنى والقوة المؤثرة للموسيقى هما سببان لقبول الفن النغمي والصوتي في قراءة القرآن.

7. تلاوة القرآن بوجود مقامات الموسيقى العربية هي أحد أهم العوامل في الحفاظ على التراث المقامي للموسيقى العربية. وباستخدام لحن كلامي يتناسب مع الموقف الكلامي (البلاغة)، يمكن من جهة نقل الأفكار والعواطف إلى الآخرين، ومن جهة أخرى، يمكن لأسلوب البيان المناسب أن يساعد المخاطب على الفهم والإدراك الأفضل. لذلك، فإن كل موضوع من الموضوعات المتنوعة والتعابير المختلفة المطروحة في القرآن يتناسب مع مقام ونغمة خاصة. وكانت نتيجة ذلك في العصر الحاضر ميل عدد كبير من غير المسلمين إلى دين الإسلام.

المصادر

1. ابن الجزري، شمس الدين محمد بن محمد، «النشر في قراءات العشر» (1)، تحقيق الصباغ، علي محمد، القاهرة: مكتبة التجارة الكبرى، 1345هـ.

2. ابن قتيبة، أبي محمد عبد الله بن مسلم، «المعارف»، القاهرة: دار المعارف، 1119م.

3. ابن سيده، علي بن إسماعيل، «المحكم والمحيط الأعظم»، تحقيق هنداوي، عبد الحميد، بيروت: دار الكتب العلمية، 1421هـ.

4. أحمد آبادي، علي، «طنين إعجاز»، مشهد: آيين تربيت، 1378ش.

5. أنيس، إبراهيم، «في اللهجات العربية»، الطبعة الثالثة، القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 2003م.

6. الحر العاملي، محمد بن حسن، «وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1385ش.

7. زركوب، منصورة؛ خاقاني، محمد؛ جاويدي، مريم، «كاركرد واحدهاي زنجيري و زبر زنجيري در زبان عربي»، دوفصلنامه علمي پژوهشي زبان پژوهي دانشگاه الزهرا، السنة الرابعة، العدد 8، ربيع وصيف 1392ش.

8. السخاوي، أبو الحسن علي بن محمد، «جمال القراء وكمال الإقراء»، الطبعة الأولى، تحقيق الدكتور علي حسين بواب، مكة: مكتبة التراث، 1408هـ.

9. سعيد، لبيب، «التغني بالقرآن»، القاهرة: دار المعارف، 1970م.

10. شاكر، محمد كاظم، «وقف وابتدا در قرائت قرآن كريم»، قم: دفتر تبليغات إسلامي، 1381ش.

11. شاه ميوه أصفهاني، غلامرضا، «هنر تلاوت»، أصفهان: بوستان فدك، 1382ش.

12. شكيب أنصاري، محمود؛ دغاغله، مهدي، «رابطه معناشناسي با آواشناسي»، دوفصلنامه قرائت پژوهي، السنة الأولى، العدد 1، خريف وشتاء 1392ش.

13. الطبرسي، فضل بن حسن، «مجمع البيان»، بيروت: دار المعرفة، 1406هـ.

14. عترتي، علي، «نغمه هاي آسماني»، طهران: عابد، 1384ش.

15. فرشيد ورد، خسرو، «دستور مفصل امروز بر پايه زبان شناسي جديد»، طهران: سخن، 1382ش.

16. الفيروزآبادي، «القاموس المحيط»، تحقيق مرعشلي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1417هـ.

17. قاسم أحمدي، مريم، «نگاهي به زندگاني قاريان مشهور قرآن كريم»، طهران: جهاد دانشگاهي، 1374ش.

18. الكليني، محمد بن يعقوب، «أصول كافي»، ترجمة: عباس حاجياني دشتي، قم: موعود إسلام، 1390ش.

19. الكليني، محمد بن يعقوب، «الكافي»، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1375ش.

20. المجلسي، محمد باقر، «بحار الأنوار»، بيروت: دار المعرفة، 1403هـ.

21. مكارم شيرازي، ناصر، «ترجمه قرآن كريم»، طهران: دفتر مطالعات تاريخ ومعارف إسلامي، 1380ش.

22. مهدي تهراني، إبراهيم ميرزا، «مباني موسيقي قرائت قرآن»، طهران: رازي، 1374ش.

23. ميرزايي، سيد أمين، «الزمن الجميل: تاريخ تحليلي پيدايش فن تلاوت در مصر»، أصفهان: مهر قائم، 1388ش.

24. النراقي، أحمد، «مستند الشيعة»، قم: آل البيت لإحياء التراث، 1415هـ.

25. نلسون، كريستينا، «هنر قرائت قرآن»، ترجمة: ستوده نيا، محمد رضا، جان نثاري، زهرا، بيجا: زمان نو، 1390ش.

26. يوسف ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن، «النجوم الزاهرة في ملوك المصر والقاهرة»، مصر: وزارة الثقافة، 1383هـ.

27. يوسفي مقدم، محمد صادق، «فقه قرائت: فقه أداء وفقه موسيقى»، پژوهشگاه علوم وفرهنگ إسلامي، 1396ش.

الهوامش

1. أستاذ مساعد بجامعة علوم ومعارف القرآن الكريم – الكاتب المسؤول (majid.sm39@yahoo.com).

2. باحث ماجستير بجامعة علوم ومعارف القرآن الكريم (hamid.farahnaky1360@gmail.com).

Scroll to Top