الملخص
يعد التفسير الصحيح لآيات كلام الله المجيد ضرورة من ضرورات المجتمع الإسلامي على مر التاريخ. ولازمة التفسير الصحيح هي الالتزام والتمكن من العلوم والقواعد المختصة به. ويُعتبر علم قراءة القرآن الكريم أحد هذه العلوم ومستلزمات التفسير. في هذا البحث، تم التطرق بشكل تحليلي إلى دراسة أثر اختلاف القراءات السبع في تفسير بعض آيات سورة النور. تظهر الدراسات أن اختلاف القراءات في هذه السورة لم يكن له تأثير كبير في تفسير الآيات. وبشكل عام، يمكن اعتبار اختلاف القراءات غاية في البلاغة وكمال الإعجاز ودقة القرآن؛ لأن معظم الكلمات محل الاختلاف تندرج ضمن اختلاف في كيفية القراءة من حيث الإمالة، والفتح، والإدغام، والإظهار، والتفخيم، والترقيق، ونحوها… أو يكون الاختلاف في إعراب كلمة لا يخل بالمعنى، ويمكن اعتباره نوعاً من اللطافة والدقة.
المقدمة
علم القراءة هو العلم الذي يبحث في قراءة القرآن الكريم والجوانب المختلفة المتعلقة بها. فائدة علم القراءة هي صيانة القرآن الكريم من أي تحريف مقصود أو غير مقصود، على الرغم من أن له فوائد أخرى مثل تمييز القرآن عن غيره، بالإضافة إلى فوائد قيمة في الاستنباط الفقهي وغيره للفقهاء وعلماء العلوم المختلفة. تلقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بقراءة القرآن على الناس بعد نزول الوحي (الإسراء/ 106) وكان يعلمه لأصحابه. على الرغم من وجود أحاديث تشير إلى أن قراءة القرآن كانت متعددة الأوجه من قبل النبي، إلا أن الباحثين وبعض العلماء، من خلال نقدهم لهذه الروايات، يوضحون أن اختلاف القراءة لا يعود إلى زمن النبي وأن هذه الأحاديث قد صيغت في العصور اللاحقة (معرفة، التمهيد في علوم القرآن، 107-135). في المرحلة التالية، قام الصحابة بدورهم بتعليم القرآن للآخرين بعد تعلمه. وفي الوقت نفسه، كان بعض الصحابة الذين لديهم شغف أكبر بتلاوة القرآن وحفظه ومشهورون بذلك، مرجعاً للآخرين. يمكن القول إن اختلاف القراءة والنواة الأولى لنشأة علم القراءة نتجت عن قيام بعض الصحابة بتشكيل حلقات لتعليم وقراءة القرآن، وقدموا قراءة خاصة للقرآن بناءً على مصاحفهم الخاصة. يذكر الذهبي أسماء أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن زيد، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب [ع]، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن ثابت ضمن أساتذة هذه الحلقات (نفس المصدر). انطلق بعض هؤلاء الأفراد كمعلمين للقرآن إلى بلاد مختلفة. ولهذا السبب، نشأ الاختلاف في قراءة القرآن بين المدن المختلفة. هذا الاختلاف أجبر عثمان على تدوين المصحف الرسمي وحرق المصاحف المختلفة. وهو نفس المصحف الذي اشتهر بمصحف الإمام وأُرسل إلى مختلف البلدان، ولكنه لم يتمكن من حل مشكلة اختلاف القراءة. في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني، تبلور علم القراءة وقدم أساتذة القراءة للناس قراءات خاصة من خلال تسجيل ونقد الروايات المتعلقة بالقراءة واختيار الروايات الصحيحة. وبهذه الطريقة، اشتهر أفراد في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي كأساتذة للقراءة واعتمد الناس قراءاتهم. وبشكل خاص، القراء الذين اختارهم ابن مجاهد كقراء سبعة ينتمون إلى هذه الفترة، أي أواخر القرن الأول وأواسط القرن الثاني.
1. أبو عمرو بن العلاء المازني البصري (ت. 154هـ) قارئ البصرة؛ 2. حمزة بن حبيب الزيات الكوفي (ت. 156هـ) قارئ الكوفة؛ 3. نافع بن أبي نعيم المدني (ت. 169هـ) قارئ المدينة؛ 4. ابن عامر، عبد الله بن عامر اليحصبي (ت. 118هـ) قارئ الشام؛ 5. عبد الله ابن كثير المكي (ت. 120هـ) قارئ مكة؛ 6. عاصم بن أبي النجود (ت. 128هـ) قارئ الكوفة؛ 7. الكسائي، علي بن حمزة (ت. 189هـ) قارئ الكوفة. هؤلاء الأفراد لم يتم اختيارهم في زمانهم كقراء سبعة، بل كانت لهم قراءاتهم إلى جانب قراء آخرين (ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1429: 1/ 300 وما بعدها). من بين القراءات السبع، يعتقد علماء الشيعة أن القرآن نزل بصورة واحدة فقط (الكليني، الكافي، 1365: 2/ 63) وأن تعدد القراءات كان من فعل القراء (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، 1395: 152).
خلفية البحث
من المباحث المهمة في دراسات القرآن التي لها نتيجة علمية وعملية، هو بحث قراءات القرآن الذي حظي باهتمام علماء علوم القرآن والمفسرين منذ القدم؛ حيث تم تأليف أكثر من ستين كتاباً في القراءات في الفترة من 150 إلى 300 هجري فقط. استمرت هذه الحركة مع تقلبات حتى يومنا هذا، سواء في شكل دراسات مستقلة أو ضمن مباحث علوم القرآن وفي مقدمات التفاسير، وتمت الكتابة عن أصل ثبوت القراءات، وحجيتها، ونقدها، ودراستها، ووحدتها وتعددها بشكل عام أو خاص. ولكن ما تم التطرق إليه بشكل أقل في هذا المجال هو دور تعدد القراءات في تفسير القرآن، والذي يمكن القول إن ليس له تاريخ طويل؛ على الرغم من أن آية الله معرفت في موسوعة التمهيد وعبد الحليم قابة في كتاب القراءات القرآنية؛ تاريخها، ثبوتها، حجيتها وأحكامها، قد تناولا المسألة بشكل أفضل وأوسع. أما من بين المقالات التي كتبت في هذا المجال وتناولت بشكل مباشر دور وتأثير اختلاف القراءات في سور القرآن، فيمكن الإشارة إلى المقالات التالية: «اختلاف القراءات ودورها في التفسير من وجهة نظر العلامة الطباطبائي» لمحمد فاكر ميبدي؛ مقالة «تأثير اختلاف القراءات في تفسير وفهم بعض آيات سورة البقرة» لخديجة أحمدي بيغش؛ مقالة «تأثير اختلاف القراءات في التفسير» لحسين آشوري؛ مقالة «اختلاف القراءات السبع في تفسير سورة مريم» لفاطمة سادات أرفع؛ مقالة «اختلاف القراءات ودورها في التفسير» لعباس همامي؛ وكذلك رسالة «مكانة اختلاف القراءات ودورها في الاستنباطات التفسيرية لمجمع البيان» من كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية بجامعة إيلام.
يهدف هذا المقال إلى دراسة بعض حالات اختلاف القراءات في سورة النور وبيان مدى تأثير هذه الاختلافات في تفسير الآيات. لذا، من الضروري للباحثين أن يبحثوا بدقة في تأثير اختلاف القراءات في سور القرآن.
دراسة المفاهيم
من الأعمال الضرورية والأساسية في البحث العلمي وتبادل الأفكار، توضيح الكلمات والمفاهيم الرئيسية المستخدمة في عنوان البحث؛ لأن عدم الانتباه إلى المعاني والاستخدامات المختلفة، وعدم تحديد المعنى والاستخدامات المقصودة قد يؤدي إلى الخطأ والمغالطة.
1. القراءة
القراءة، وجمعها قراءات، هي مصدر للفعل «قرأ». هناك اختلاف في الرأي بين علماء اللغة والأدب حول هذه الكلمة. يعتبرها البعض كلمة عربية أصيلة بمعنى الجمع والضم. الْقَارِئُ: التالي وأصله الجمع (الطريحي، مجمع البحرين، 1375: 1/ 336)، وكذلك بمعنى الرمي والإلقاء والإسقاط: ما قرأت هذه الناقةُ سَلى قط (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 1/ 128). وهناك من فسرها بمعنى التلاوة والقراءة (راغب الأصفهاني، مفردات القرآن، 1374: 3/ 180).
2. الاختلاف
الاختلاف والمخالفة؛ بمعنى أن يختار كل شخص طريقًا وأسلوبًا غير طريق وأسلوب الآخر في العمل أو القول (راغب الأصفهاني، مفردات القرآن، 1374: 1/ 630) واختَلَفَ: ضِدُّ اتَّفَقَ، (الفيروزآبادي، القاموس المحيط، 1415: 3/ 186).
3. القراءة في الاصطلاح
هناك تعريفات مختلفة، يعرفها الزركشي بأنها الاختلاف المتعلق بألفاظ وعبارات الوحي؛ وهذا الاختلاف يتعلق بحروف وكلمات القرآن وكيفيتها المنقولة عن القراء (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1376: 1/ 49). ويعرف آخر القراءة بأنها العلم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلاف هذه الكيفية، وهو اختلاف ينسب إلى الناقل والراوي (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، بيتا: 41). ويعرف الدمياطي القراءة بأنها علم يمكن من خلاله معرفة اتفاق أو اختلاف ناقلي كتاب الله، عن طريق السماع، (دمياطي بناء، إتحاف فضلاء البشر بالقراءات الأربع عشر، 1345: 5). القراءات جمع قراءة، وهي في اللغة مصدر سماعي للفعل قرأ، وفي الاصطلاح تطلق على طريقة قراءة مميزة عن طريقة أخرى، والتي اختارها أحد أئمة القراء في كيفية أداء القرآن بحسب الروايات المتواترة، سواء كان تميز واختلاف طريقته مع أئمة القراء الآخرين في أداء الحروف أو في أداء حركاتها (الزرقاني، مناهل العرفان، 1385: 465). من مجمل هذه التعاريف، يتضح أن «القراءة هي نطق ألفاظ القرآن الكريم بنفس الصورة والكيفية التي نطق بها رسول الله، أو هي قراءة ونطق ألفاظ القرآن الكريم بنفس الصورة والكيفية التي قُرئت بها في حضرة الرسول الأكرم وأقرها». قراءة القرآن الكريم بناءً على النطق المنقول والمروي لا فرق في أن يكون النطق من النبي نفسه أو نطق وقراءة الآخرين التي حظيت بتأييده، سواء كانوا شخصًا واحدًا أو عدة أشخاص (فضلي، تاريخ قراءات القرآن الكريم، 1388: 81).
4. فرش الحروف
منذ القدم، أُطلق على فروع القراءات اسم «فرش الحروف»؛ نظرًا لانتشارها وتفرقها عبر القرون، وربما لأن المقرئين والمصنفين كانوا يبسطونها في كتبهم ورسائلهم ومنظوماتهم وحلقاتهم الدراسية (لساني فشاركي، قراء سبعة وقراءات سبع، 1391: 299-309). والمراد بها الحالات الجزئية من اختلاف القراءات في كلمات القرآن التي ليست لها قاعدة؛ أي أن هناك كلمات في القرآن الكريم، بالإضافة إلى تفرقها في سور مختلفة، لا يخضع نطقها لقاعدة معينة ومحددة. «الفرش» يعني النشر والبسط، وكلمة «حروف» جمع «حرف» وتعني هنا القراءة، فعندما يقال: «حرف عاصم، حرف حمزة، حرف نافع» فالمصطلح يعني قراءة عاصم، قراءة حمزة… وقد قال البعض إن سبب تسمية الاختلافات الجزئية والموضعية للقراءات بـ«الفرش» هو أنها، على عكس أصول القراءة مثل الإدغام أو الإمالة التي تبحث في مكان واحد، فإن القراءات التي لا تخضع لقواعد وأصول تقع كل منها بشكل متفرق في موضعها في كل سورة مورد البحث، ولذلك سميت بـ«فرش الحروف» (الشافعي الحفيان، أشهر المصطلحات في فن الأداء وعلم القراءات، 1422: 164).
المباحث النظرية
1. أنواع اختلاف القراءات في تفسير القرآن
أولاً – الاختلاف القرائي الذي لا دور له في التفسير: مثل الاختلاف في كيفية أداء الحروف والحركات، ومقدار المد والإمالة، والتخفيف، والتسهيل، والتحقيق، والجهر، والهمس، والغنة، والإخفاء.
ثانياً – الاختلاف القرائي الذي له دور في التفسير أيضاً: مثل الاختلاف في الكلمات، وهو على قسمين:
أ) الاختلاف في اللفظ والمعنى مع إمكانية الجمع في كلمة واحدة؛
ب) الاختلاف في اللفظ والمعنى مع عدم إمكانية الجمع في كلمة واحدة.
للقسمين الأخيرين دور كبير في التفسير، لأن ثبوت أحد الألفاظ في قراءة ما، يوضح المراد من ذلك اللفظ في قراءة أخرى أو يكشف عن معنى غيره. كذلك، فإن اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يولد معاني كثيرة في كلمة واحدة، مما يؤدي إلى طرح تفاسير متنوعة لتلك الآية.
يقول ابن عاشور في هذا الصدد:
أ) الاختلاف القرائي الذي لا تأثير له في التفسير؛ مثل الاختلاف في وجوه النطق بالحروف؛
ب) اختلاف القراءة في حروف الكلمات مثل مالك يوم الدين.
وكذلك اختلاف الحركات الذي يغير معنى الكلمة. بالطبع، تجدر الإشارة إلى أن الاختلافات القرائية التي تؤدي إلى اختلاف المعنى، في معظم الحالات، لا تؤثر على الأحكام الإلهية (ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 1420: 51-56).
2. دراسة أثر اختلاف القراءات السبع في تفسير سورة النور
سورة النور هي السورة الرابعة والعشرون من القرآن وتحتوي على 64 آية. هذه السورة مدنية، وغرضها هو ما افتتحت به، وهو بيان جزء من الأحكام الشرعية، ثم جزء من المعارف الإلهية المناسبة لتلك الأحكام، وهي معارف تكون بمثابة تذكير للمؤمنين (الطباطبائي، تفسير الميزان، 1374: 15/ 111). يعتقد علماء علوم القرآن أنه يوجد في هذه السورة حوالي عشرين كلمة محل اختلاف في القراءة بين القراء السبعة (الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1426: 131).
1. (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النور/ 1)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «فرّضناها» بالتشديد، والآخرون بتخفيف الراء (الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1426: 130).
قراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): فَرَضْنَاهَا
نافع المدني: فَرَضْنَاهَا
ابن كثير المكي: فَرَّضْنَاهَا
أبو عمرو البصري: فَرَّضْنَاهَا
ابن عامر الشامي: فَرَضْنَاهَا
عاصم الكوفي (أبو بكر): فَرَضْنَاهَا
حمزة الكوفي: فَرَضْنَاهَا
كسائي الكوفي: فَرَضْنَاهَا
(المصدر نفسه، 131).
دراسة معنى (فرض)
«فرض» بتخفيف الراء تعني «أوجب»، أي جعل الشيء واجباً، و«قطع» و«عيّن». قال الراغب: «قطع الشيء المحكم والتأثير فيه»، أما «فرّض» بتشديد الراء فتعني «فصّلناه» (الطريحي، مجمع البحرين، 1375: 4/ 220). كذلك، «فرّض» بتشديد الراء قد تعني التكثير، وبتخفيف الراء تعني «ألزمناكم» (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 7/ 202).
دراسة تفاسير كلمة (فرض)
يقول الطبرسي: «وَفَرَضْنَاهَا» أي جعلنا الأحكام التي في السورة واجبة قطعية، و«الفرض» في الأصل يعني القطع. البعض قرأ «فَرَّضْنَاهَا» بتشديد الراء، مما يفيد التأكيد والمبالغة في الإيجاب، أو لأن فيها أحكاماً متفرقة، مثل «فرضت الفريضة وفرضت الفرائض» (الطبرسي، جوامع الجامع، 1375: 4/ 285). أي أوجبنا عليكم وعلى من بعدكم إلى يوم القيامة العمل بمضمونها. يقول مجاهد: أي أبحنا الحلال ومنعنا الحرام في هذه السورة. ومآل هذا المعنى هو أن إباحة الحلال والامتناع عن الحرام واجب في هذه السورة. يقول عكرمة: أي عيّنا الحدود في هذه السورة، كما يقول: «فنصف ما فرضتم». يقول أبو عمرو: بناءً على التشديد، فالمعنى هو أننا فصلنا هذه السورة وبيّنا فيها الواجبات المختلفة (الطبرسي، جوامع الجامع، بيتا: 17/ 95).
يقول العلامة الطباطبائي: «سورة أنزلناها وفرضناها»، معناها أننا أنزلنا هذه السورة وأوجبنا العمل بالأحكام التي فيها، فإن كان الحكم إيجابياً، فالعمل به هو الإتيان به، وإن كان تحريمياً، فالعمل به هو تركه واجتنابه. (الطباطبائي، تفسير الميزان، 1374: 15/ 112). البيضاوي ذكر المعنى نفسه، ومثل المرحوم الطبرسي، أورد أقوال القائلين بالتشديد وفسرها بأن هذا التشديد للمبالغة في الإيجاب أو لكثرة الفرائض (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1418: 4/ 98). وابن عاشور يرى الرأي نفسه (ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 1420: 18/ 115). يقول الميبدي: «فرض» أي أوجبنا العمل بالأحكام، أما بالتشديد فلها وجهان: الوجه الأول؛ بمعنى التكثير، أي أوجبنا عليكم لكثرة الفرائض. الوجه الثاني؛ بمعنى التفصيل والتبيين، أي بيّنا وفصلنا ما هو حلال وحرام. ولكنه في النهاية يتبنى القراءة بالتخفيف (الميبدي، كشف الأسرار وعدة الأبرار، 1371: 6/ 482).
خلاصة واستنتاج: تشير الدراسات إلى أن استخدام كلمة «فرض» وتأثيرها في التفسير، سواء بالتخفيف أو التشديد، يحمل معنى واحداً. حتى الذين استخدموا «فرض» بالتشديد، فإنهم في الواقع عبروا عن معنى الوجوب والقطع مع المبالغة والتكثير. لكن نتائج الدراسات تظهر أن معظم المفسرين قد قبلوا القراءة بالتخفيف، وأن قراءة أبي عمرو وابن كثير نادراً ما استُخدمت في التفاسير.
2. (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النور/ 24)
قراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): تَشْهَدُ
نافع المدني: تشهد
ابن كثير المكي: تشهد
أبو عمرو البصري: تشهد
ابن عامر الشامي: تشهد
عاصم الكوفي (أبو بكر): تشهد
حمزة الكوفي: يشهد
كسائي الكوفي: يشهد
(الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1426: 131).
دراسة تفاسير كلمة (تشهد)
يقول الطبرسي: «يوم تشهد» قُرئت أيضاً بالياء (الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، 1375: 4/ 299). والسبب في ذلك أن تأنيث الفاعل ليس حقيقياً (الطبرسي، تفسير مجمع البيان، بيتا: 17/ 116). يقول ابن عاشور: لأنه لما كان الفاعل اسماً ظاهراً وجمع تكسير، جاز إلحاق التاء وتركها (ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 1420: 18/ 153). الزمخشري أيضاً يذكر القراءة غير المشهورة دون الإشارة إلى السبب (الزمخشري، الكشاف عن حقائق وغوامض التنزيل، 1407: 3/ 223).
خلاصة واستنتاج: تشير دراسة غالبية التفاسير إلى أن هذه المسألة واختلاف القراءة لم يكن لهما تأثير على معنى ومحتوى الآية، لأن معظم التفاسير لم تشر إليها، والتفاسير القليلة التي ذكرت السبب النحوي لذلك. والحق هو ما قيل في قواعد النحو، أنه إذا كان الفاعل اسماً ظاهراً ومؤنثاً مجازياً، يجوز تذكير وتأنيث الفعل، لذا فإن الاختلاف لا يوجب تغييراً في المعنى (السمين، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون معجم القراءات، 1414: 4/ 90؛ الخطيب، معجم القراءات، بيتا: 5/ 19).
3. (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور / 35)
قراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): دُرِّيٌّ / يُوقَدُ
نافع المدني: دُرِّيٌّ / يُوقَدُ
ابن كثير المكي: دُرِّيٌّ / تُوقَدُ
أبو عمرو البصري: دُرِّيءٌ / تُوقَدُ
ابن عامر الشامي: دُرِّيٌّ / يُوقَدُ
عاصم الكوفي (أبو بكر): دُرِّيءٌ / تُوقَدُ
حمزة الكوفي: دُرِّيءٌ / تُوقَدُ
كسائي الكوفي: دُرِّيٌّ / تُوقَدُ
(الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1426: 131).
دراسة تفاسير (دري يوقد)
يقول ابن عاشور: بناءً على قراءة الكسائي وأبي عمرو، فإن «دريء» تعني الدفع، أي أنها تدفع الظلام بنورها وأشعتها. وهو يعتبر قراءة حمزة وأبي بكر نادرة (ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 1420: 18/ 191). يقول الطبرسي: «دري» منسوبة إلى «الدر»، أي أبيض، مشرق، متلألئ. قرأ البعض بكسر الأول وهمزة في الآخر: «دِرِّيء» على وزن «سِكِّيت»، وكأن هذا النجم يطرد الظلام بضيائه، و«دري» على وزن «مريق» يعني أصفر أو أحمر (الطبرسي، تفسير مجمع البيان، بيتا: 4/ 314). «يوقد» هذا المصباح من شجرة، أي أن مصدر إضاءته من شجرة الزيتون، والمادة الأساسية له من زيت تلك الشجرة. يقول الطبرسي: من قرأ هذا الفعل «توقد» بالتاء، فقد نسب الفعل إلى «الزجاجة»، وتقديره: «مصباح الزجاجة» حيث حذف المضاف. وقد قرئ «يوقد» بالياء أيضاً (الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، 1375: 4/ 314). يقدم الطبرسي تفسيره بناءً على التعريف الذي قدمه لـ«دري» وفقاً للقراءة العامة، ثم يطرح الآراء الأخرى، مما يدل على قبوله للقراءة العامة. ويوضح ابن عاشور هذين النوعين من القراءة كالتالي: في صيغة المضارع، حسب قراءة الأكثرية، فإنها تفيد تجدد الإيقاد، أي أنها لا تنطفئ (توقد حال أو صفة للمشكاة أو المصباح). أما بناءً على قراءة ابن كثير والآخرين، فهي تفيد أيضاً أن وقودها ثابت ومتحقق (توقد حال أو صفة للمصباح) (ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 1420: 18/ 192).
خلاصة واستنتاج: تشير الدراسات إلى أن اختلاف القراءة في كلمة «دري» يعود إلى اختلاف اللهجات في نطق وأداء الكلمة، ومعنى الكلمة في تفسير الآية لا يسبب أي إخلال (معرفت، 1390: 2/ 32).
4. (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (النور/ 52)
قراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): يَتَّقْهِ (بدون صلة هاء)
نافع المدني: يَتَّقِهِ
ابن كثير المكي: يَتَّقِهِ
أبو عمرو البصري: يَتَّقِهِ
ابن عامر الشامي: يَتَّقِهِ
عاصم الكوفي (أبو بكر): يَتَّقِهِ
حمزة الكوفي: يَتَّقِهِ
كسائي الكوفي: يَتَّقِهِ
(المالكي، شرح كتاب التيسير للداني في القراءات، 1424: 673).
دراسة تفاسير كلمة (يتقه)
لغير حفص قراءات أخرى. بالطبع، من الضروري ذكر أن سكون أو صلة أو عدم صلة الهاء لا يؤثر على معنى الكلمة والتفسير. يقول الطبرسي: هذا الفعل قرئ بعدة طرق: بكسر القاف والهاء في حال الوصل وغيره، وبسكون الهاء وسكون القاف (يتقه)، وبسكون القاف وكسر الهاء، (يَتَّقْهِ) وهي القراءة المشهورة، ووجه هذه القراءة هو تشبيه «يتقه» بـ«كتف» وتخفيفها (البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، 1418: 4/ 112). فكما أن تاء «كتف» تسكن للتخفيف، فيقال: «كتْف»، هنا أيضاً يقال: «يتَّقْه»، مثل قول الشاعر: قالت سليمى اشتر لنا سويقاً (في فعل «اشتر» بسبب الضرورة الشعرية حيث الراء مكسورة، سُكّنت) [قالت سُليما: اشترِ لنا سويقاً. والبيت الذي يليه هو: وهات خبز البر أو دقيقا، أي وآتِ بخبز القمح أو دقيقاً]. (ومن يطع الله ورسوله)؛ قال ابن عباس: من أطاع الله في الفرائض، ورسوله في السنن، وخاف الله فيما مضى من ذنوبه، وكان في المستقبل من أهل التقوى والورع، فسيكون من أهل النجاة والفلاح. (الطبرسي، تفسير جوامع الجامع، 1375: 4/ 326). يقول ابن حموش: الذين كسروا القاف قرأوا على الأصل، لأن حذف الياء بعد القاف كان بسبب الجزم، والذين سكنوها قرأوا على سبيل الاستخفاف (ابن حموش، مشكل إعراب القرآن، 1423: 1/ 481).
خلاصة واستنتاج: تظهر دراسة التفاسير أن هذا الاختلاف لا يحدث تغييراً في معنى وأصل الكلمة، ويمكن اعتباره من القراءات غير المؤثرة.
5. (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور/ 55)
قراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): لَيُبَدِّلَنَّهُمْ / اسْتَخْلَفَ
نافع المدني: لَيُبَدِّلَنَّهُمْ / اسْتَخْلَفَ
ابن كثير المكي: بدون تشديد / اسْتَخْلَفَ
أبو عمرو البصري: لَيُبَدِّلَنَّهُمْ / اسْتَخْلَفَ
ابن عامر الشامي: لَيُبَدِّلَنَّهُمْ / اسْتَخْلَفَ
عاصم الكوفي (أبو بكر): بدون تشديد / اسْتُخْلِفَ
حمزة الكوفي: لَيُبَدِّلَنَّهُمْ / اسْتَخْلَفَ
كسائي الكوفي: لَيُبَدِّلَنَّهُمْ / اسْتَخْلَفَ
(الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1426: 131).
دراسة معنى كلمة (بدل)
«بدل» بالتخفيف (باب إفعال) في اللغة يعني إحلال شيء محل شيء آخر، أما في باب تفعيل وبالتشديد فيعني التغيير. (الفراهيدي، 1409: 8/ 45؛ ابن منظور، لسان العرب، 1414: 11/ 48). يقول الراغب: التبديل؛ هو تغيير الشيء بشكل مطلق حتى لو لم نضع بدله أو شيئاً آخر مكانه، واكتفينا بتغييره فقط (راغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1374: 1/ 111).
دراسة تفاسير كلمة (ليبدلنهم)
يقول العلامة الطباطبائي: جملة «وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً» معطوفة على جملة «ليمكنن لهم» وهي معطوفة على جملة «ليستخلفنهم». وأصل المعنى «ليبدلن خوفهم أمناً»، وبشكل أبسط، كان ينبغي أن يقول: «بدّلنا خوفهم أمناً»، ولكنه قال: «بدّلهم من بعد خوفهم أمناً» ونسب التبديل إليهم أنفسهم، إما على سبيل المجاز العقلي، أو لأن المضاف قد حذف لكونه معلوماً، حيث إن جملة «من بعد خوفهم» تفيد بأن المحذوف هو الخوف، والتقدير «ليبدلن خوفهم»، أو ليس من هذا الباب، بل كلمة «أمناً» بمعنى آمنين، وفي هذه الحالة يكون المعنى: أن الله بدّلهم بعد خوفهم إلى آمنين. وعلى أي حال، المراد بالخوف هو الخوف الذي كان لدى مؤمني صدر الإسلام من الكفار والمنافقين. (الطباطبائي، تفسير الميزان، 1374: 15/ 212). لم يشر العلامة إلى أقوال أخرى واختار القول بالتشديد. المرحوم الطبرسي أشار إلى كلا النوعين من القراءات، لكن في تفسير كلمة «ليبدلنهم»، اختار القراءة العامة وقال: مكنهم في الأرض وبدل خوفهم إلى أمن. ويقول: التبديل هو تغيير الحال، أما الإبدال فهو إحلال شيء محل شيء آخر (الطبرسي، جوامع الجامع، 1375: 17/ 163). في تفسير كلمة «استخلف»، أشار ابن عاشور إلى كلتا القراءتين وقال: الجمهور قرأوها بصيغة المعلوم وجعلوا فاعلها «الله»، لكن الآخرين جعلوا «الذين» نائب فاعل (ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 1420: 18/ 191). وكذلك في كلمة «ليبدلنهم»، ذكر كلتا القراءتين لكن في التفسير بيّن معنى التبديل إلى الأمن (نفس المصدر، 230). لم يرد ذكر اختلاف قراءة هذه الكلمة في التفاسير أكثر من هذا، ومعظم المفسرين النحويين تناولوا تركيب هذه الكلمة ودورها في الجملة بناءً على القراءة العامة (الزمخشري، الكشاف، 1403: 3/ 251 وآخرون). والطبرسي أشار فقط إلى هذا الاختلاف (الطبرسي، مجمع البيان، بيتا: 161)، وهذا يدل على أن اختلاف قراءة هذه الكلمة لا دور له في تفسير هذه الآية.
خلاصة واستنتاج: تظهر الدراسات أن استخدام الفعل في بابي إفعال وتفعيل له فروقات، واستعمال الكلمة في باب تفعيل يفيد المبالغة. ومن هذا المنطلق، حيث إن كيفية هذا الإبدال ذات أهمية، فإن كلمة «بدل» بالتشديد هي القراءة العامة والمقبولة لدى المفسرين. لأنه في التبديل يحدث الإحلال أيضاً، لكن كيفيته مختلفة، فهو نحو تغيير الحال، وهذا الرأي يتطابق مع رأي جماعة القراء، لذا تم اختياره.
6. (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (النور/ 57)
قراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): تَحْسَبَنَّ
نافع المدني: تَحْسَبَنَّ
ابن كثير المكي: تَحْسَبَنَّ
أبو عمرو البصري: تَحْسَبَنَّ
ابن عامر الشامي: يَحْسَبَنَّ
عاصم الكوفي (أبو بكر): تَحْسَبَنَّ
حمزة الكوفي: يَحْسَبَنَّ
كسائي الكوفي: تَحْسَبَنَّ
(الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1426: 132).
دراسة تفاسير (تحسبن)
اختلاف القراءة في هذه الكلمة هو من باب المخاطب أو الغائب. يقول الطبرسي: هذا الفعل قرئ بالياء بصيغة الغائب، ونقل وجهان لهذه القراءة: أ) فاعله ضمير غائب يعود على كلمة «رسول» المذكورة سابقاً. ب) فاعله «الذين كفروا» وحذف أحد مفعوليه، وتقديره: «لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين»؛ أي الذين كفروا لا يظنون أنفسهم قادرين على الفرار من العقاب الإلهي (الطبرسي، جوامع الجامع، 1375: 4/ 332؛ الطبرسي، مجمع البيان، بيتا: 17/ 165). يقول أبو الفتوح الرازي: «لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين في الأرض»؛ وهذا نهي للغائب، أي لا ينبغي لمحمد أن يظن الكافرين معجزين، ويظن أنهم يستطيعون الفرار من عقاب الله في الأرض (أبو الفتوح الرازي، روض الجنان وروح الجنان، 1408: 14/ 175). يقول العلامة الطباطبائي، دون الإشارة إلى اختلاف القراءات، ويتبنى القراءة المشهورة ويفسر الآية هكذا: النبي يخاطب نفسه بخطاب مؤكد، أنه إياك أن تظن أن الكفار يعجزون الله في الأرض، ويمنعون الله بقوتهم وشوكتهم عن إنجاز وعده. وهذا البيان والحقيقة بشارة لرسول الله بالكرامة التي ستحظى بها أمته، وأن أعداءه سيهزمون ويغلبون. ولما كانت البشارة موجهة إليه، خاطبه واستخدم هذا الالتفات. ولأن النهي المذكور (لا تظن) هو بمعنى أن الكفار سيكفون قريباً عن معارضة الدين وأهله بحكم الإجبار، عطف عليه جملة «ومأواهم النار…»، وكأنه قال: هم في الدنيا مهزومون، وفي الآخرة منزلهم النار، فبئس المصير. (الطباطبائي، تفسير الميزان، 1374: 15/ 218). «لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض» أي أيها الرسول لا تظنن الكافرين يجدون مهرباً في الأرض إذا أردنا إهلاكهم، بل نحن قادرون على أخذهم والبطش بهم متى أردنا، والكلام من وادي قولهم: (اسمعي يا جارة) (المراغي، تفسير المراغي، بيتا: 18/ 128). ابن عاشور أيضاً اختار قراءة الجمهور لأنه في التفسير يوضح هذه الآية بـ«تحسبن الذين»، ثم يذكر كلا النوعين من القراءة. ومن قول أبي حاتم والنحاس والفراء، يعتبر القول الثاني مقابل القراءة المتواترة خطأ وقولاً ضعيفاً، لأنه إذا كان فاعل «يحسبن» هو «الذين كفروا»، فسيكون له مفعول واحد (معجزين)، بينما «حسب» يتعدى لمفعولين، والنحويون يعتبرون هذا القول خطأ (ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 1420: 18/ 232). الزمخشري أيضاً يتبنى قراءة «تحسبن» لأن الفاعل في هذه الحالة سيكون له مفعولان، ويعتبر هذا المعنى جيداً وقوياً (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 251).
خلاصة واستنتاج: قراءة حمزة والكوفي، إذا قبلنا وجهها الثاني، فيها إشكال، ورواية حفص وبقية القراء مقبولة لأنها قراءة صحيحة ومطابقة لأصول وقواعد الأدب العربي وعلم النحو.
7. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النور/ 58)
قراءة العامة (رواية حفص عن عاصم): ثَلاثَ مَرَّاتٍ / ثَلاثُ عَوْرَاتٍ
نافع المدني: ثَلاثُ مَرَّاتٍ / ثَلاثُ عَوْرَاتٍ
ابن كثير المكي: ثَلاثُ مَرَّاتٍ / ثَلاثُ عَوْرَاتٍ
أبو عمرو البصري: ثَلاثُ مَرَّاتٍ / ثَلاثُ عَوْرَاتٍ
ابن عامر الشامي: ثَلاثُ مَرَّاتٍ / ثَلاثُ عَوْرَاتٍ
عاصم الكوفي (أبو بكر): ثَلاثَ مَرَّاتٍ / ثَلاثَ عَوْرَاتٍ
حمزة الكوفي: ثَلاثُ مَرَّاتٍ / ثَلاثَ عَوْرَاتٍ
كسائي الكوفي: ثَلاثُ مَرَّاتٍ / ثَلاثَ عَوْرَاتٍ
(الداني، كتاب التيسير في القراءات السبع، 1426: 132؛ ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1429: 2/ 332).
دراسة تفاسير كلمة (ثلاث عورات)
يفسر الطبرسي هذه الآية مع الأخذ في الاعتبار أنواع القراءات المختلفة: «ثلاث عورات لكم»؛ قُرئت بنصب «ثلاث» لتكون بدلاً من «ثلاث مرات»، أي: أوقات ثلاث عورات: أي الأوقات الثلاثة التي لا يكون فيها اللباس ساتراً. إذا رفعنا «ثلاث»، فإن عبارة «ليس عليكم» ستكون صفة لها في محل رفع، وسيكون معنى الجملة: «هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان»؛ أي أن هذه الأوقات هي أوقات عورة ويجب الاستئذان فيها. أما إذا كانت منصوبة، فإن عبارة «ليس عليكم» ستكون كلاماً مستأنفاً يبين الأمر بالاستئذان في هذه الأحوال الخاصة، و«بعضكم» مبتدأ؛ أي «بعضكم طائف على بعض»، وكلمة «طائف» حذفت لأن «طوافون» تدل عليها (الطبرسي، جوامع الجامع، 1375: 4/ 333). يقول الشيخ الطوسي: قرأ أهل الكوفة ما عدا حفص «ثلاثَ عورات» بفتح الثاء، والبقية قرأوها بالرفع. ثم بعد تفصيل القول بالرفع وبيان أسبابه النحوية المذكورة أعلاه، يقول: «هذه ثلاثُ عورات» بهذا المعنى تكون خبراً لمبتدأ محذوف، وبالنظر إلى سياق الآيات التي تقول: «الذين ملكت أيمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات»، وتفصيل الثلاث هكذا: «من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء»، يكون هذا التفصيل جميلاً. ويذكر أيضاً القول بالنصب ويقول: القائلون بالنصب جعلوها بدلاً من «ثلاث مرات»، أي أوقات ثلاث مرات (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، بيتا: 7/ 460). يقول أبو حيان: يعتقد ابن عطية أن نصب «ثلاث» على البدلية صحيح بتقدير «أوقات عورات»، حيث حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 8/ 69). لكن الزمخشري لا يقبل هذا القول ويقول: قُرئت «ثلاث عورات» بالنصب على البدلية من «ثلاث مرات»، أي أوقات ثلاث عورات. لكنه يستطرد ويوضح القول بالرفع ويقول: في حالة الرفع، تكون «ثلاث عورات» و«ليس عليكم» أيضاً مرفوعة على أنها صفة لهذه العبارة، أي «هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان»، أي هذه ثلاثة أوقات انكشاف خاصة بالاستئذان. أما إذا كانت منصوبة، فلن يكون لهذه العبارة محل من الإعراب، بل ستكون كلاماً لبيان الأمر بالاستئذان في هذه الأوقات الخاصة (الزمخشري، الكشاف، 1407: 3/ 253)، والفرق بين هاتين العبارتين واضح تماماً، والزمخشري أيضاً يتبنى القول بالرفع. العلامة الطباطبائي، دون الإشارة إلى الآراء والأقوال المذكورة، يفسر الآية بناءً على القراءة العامة وعلى أساس رفع «ثلاث عورات» بمعنى أن هذه المواقع الثلاثة هي ثلاث عورات لكم، ومن الطبيعي ألا يطلع عليها غيركم (الطباطبائي، تفسير الميزان، 1374: 15/ 227).
خلاصة واستنتاج: القول برفع «ثلاث»، بناءً على مطابقته لأفصح وأشهر أصول وقواعد اللغة العربية والانتباه إلى سياق الآية، هو القول المقبول.
الخاتمة
1. علم القراءة من العلوم المهمة في علوم القرآن وله دور مهم في ترجمة وتفسير القرآن.
2. أكبر تطابق في التفاسير كان مع رواية حفص عن عاصم، مما أدى إلى تقديم أفضل تفسير مطابق للقواعد والأصول العربية الأصيلة.
3. على الرغم من اختلاف القراءات في بعض الكلمات، فإن بعضها لا يغير المعنى، وبعضها الآخر يصحبه تغيير في المعنى.
4. في الحالات التي يكون فيها الاختلاف مصحوباً بتغيير في المعنى؛ يُستخلص في النهاية مفهوم واحد من الآية، وأحياناً يكون التغيير طفيفاً.
5. ما يهم هو أن اختلاف القراءات يكون أحياناً مؤثراً في الحكم الفقهي. لذا، يجب توخي أقصى درجات الدقة والانتباه عند دراسة آيات الأحكام في مدى تأثير هذا الاختلاف على الاستنباط الفقهي من الآية.
6. بعض التفاسير كانت أقل تطابقاً مع رواية حفص، وأسبابهم قابلة للدراسة، خاصة من قبل المتخصصين في علوم النحو والبلاغة.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم، ترجمة ناصر مكارم الشيرازي، قم: دفتر الدراسات التاريخية والمعارف الإسلامية، 1373 هـ.ش.
- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار صادر، الطبعة الثالثة، 1414 هـ.
- أبو الفتوح الرازي، حسين بن علي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، مشهد: مؤسسة العتبة الرضوية المقدسة للبحوث الإسلامية، 1408 هـ.
- أبو حيان، محمد بن يوسف، البحر المحيط في التفسير، بيروت: دار الفكر، 1420 هـ.
- ابن الجزري، محمد بن محمد، غاية النهاية في طبقات القراء، مصر: دار الصحابة للتراث، 1429 هـ.
- ابن الجزري، أبو الخير محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، بيروت: دار الكتب العلمية، بدون تاريخ.
- ابن خالويه، الحجة في القراءات السبع، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1421 هـ.
- ابن عاشور، محمد طاهر، تفسير التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور، بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، 1420 هـ.
- ابن حموش المكي، مشكل إعراب القرآن، بيروت: دار اليمامة، 1423 هـ.
- البيضاوي، عبد الله بن عمر، أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي)، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1418 هـ.
- الخوئي، السيد أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار الزهراء، 1395 هـ.
- الخطيب، عبد اللطيف، معجم القراءات، بدون مكان: دار سعد الدين للطباعة والنشر، بدون تاريخ.
- الدمياطي البناء، أحمد بن محمد، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر، تصحيح علي محمد ضباع، القاهرة: مطبعة عبد الحميد أحمد حنفي، بدون تاريخ.
- الداني، أبو عمرو عثمان بن سعيد، كتاب التيسير في القراءات السبع، بيروت: دار الكتب العلمية، 1426 هـ / 2005 م.
- الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، ترجمة وتحقيق مفردات ألفاظ القرآن، 4 مجلدات، طهران: مرتضوي، الطبعة الثانية، 1374 هـ.ش.
- الزمخشري، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، 4 مجلدات، بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1407 هـ.
- الزرقاني، محمد عبد العظيم، ترجمة مناهل العرفان في علوم القرآن، ترجمة: محسن آرمين، طهران: معهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية، 1385 هـ.ش.
- الزركشي، محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، بيروت: دار المعرفة، 1410 هـ.
- الزنجاني، أبو عبد الله، تاريخ القرآن (للزنجاني)، طهران: منظمة الإعلام الإسلامي، 1404 هـ.
- السمين، أحمد بن يوسف، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، بيروت: دار الكتب العلمية، 1414 هـ.
- الطباطبائي، محمد حسين، ترجمة تفسير الميزان، قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، الطبعة الخامسة، 1374 هـ.ش.
- الطبرسي، فضل بن حسن، ترجمة تفسير مجمع البيان، طهران: فراهاني، بدون تاريخ.
- الطبرسي، فضل بن حسن، ترجمة تفسير جوامع الجامع، مشهد: مؤسسة العتبة الرضوية المقدسة للبحوث الإسلامية، 1375 هـ.ش.
- الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، طهران: مرتضوي، الطبعة الثالثة، 1375 هـ.ش.
- الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ.
- الفضلي، عبد الهادي، تاريخ قراءات القرآن الكريم، ترجمة: محمد باقر حجتي، طهران: أسوة، 1388 هـ.ش.
- الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، 4 مجلدات، بيروت: دار الكتب العلمية، 1415 هـ.
- لساني فشاركي، محمد علي، قراء سبعة وقراءات سبع، طهران: أسوة، 1391 هـ.ش.
- المراغي، أحمد مصطفى، تفسير المراغي، 30 مجلداً، بيروت: دار الفكر.
- معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، ترجمة جواد إيرواني، قم: ذوي القربى، الطبعة الثالثة، 1392 هـ.ش.
- الشافعي الحفيان، أحمد محمود عبد السميع، أشهر المصطلحات في فن الأداء وعلم القراءات، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 هـ / 2001 م.
- الميبدي، أحمد بن محمد، كشف الأسرار وعدة الأبرار (المعروف بتفسير خواجه عبد الله الأنصاري)، المؤلف: الأنصاري، عبد الله بن محمد، المتوفى 481 هـ، طهران: أمير كبير، 1371 هـ.ش.
- المالكي (المالقي)، عبد الواحد محمد بن علي بن أبي السداد أبي محمد، شرح كتاب التيسير للداني في القراءات، بيروت: دار الكتب العلمية، 1424 هـ.
الهوامش
1. تاريخ استلام البحث: 1398/2/14 هـ.ش، وتاريخ القبول: 1398/4/21 هـ.ش.
2. باحثة في مرحلة السطح الرابع (الدكتوراه) بالحوزة العلمية – الكاتبة المسؤولة (sayadi.kosar@gmail.com).
3. أستاذ مشارك بجامعة الإمام الخميني الدولية بقزوين (sm.mirhosseyni@gmail.com).