الملخص
لقد اختلف قُرّاء القرآن الكريم في كيفية قراءة بعض مفرداته. وقد أبدى الباحثون في مجال القرآن والتفسير على الدوام آراءهم تجاه ظاهرة اختلاف القراءات. إن الشيخ الطوسي، بوصفه مفسرًا وفقيهًا شيعيًا عظيمًا من القرن الخامس الهجري، قد حكى في مواضع شتى من تفسيره “التبيان” قراءات القُرّاء وبيّن حجة كلٍّ منها. وعلى الرغم من أن الشيخ الطوسي يجيز القراءة بالقراءات المتداولة، ويقبل أصل تنوع القراءات في القرآن الكريم عن صحابة النبي الأكرم (ص) والقراء السبعة وغيرهم من القراء، إلا أن السؤال يظل قائمًا: ما هي رؤيته في معيار اعتبار القراءة المنسوبة إلى قارئ ما؟ وما هي القواعد التي يعتمدها لتمييز القراءة المعتبرة والجائزة عن غير المعتبرة وغير الجائزة؟ بناءً على البحث الشامل في تفسير “التبيان” للشيخ الطوسي ودراسة أقواله في حكاية اختلاف القراءات والحكم بشأنها، تبيّن أن الشيخ الطوسي يميز القراءة المعتبرة عن غير المعتبرة استنادًا إلى أربعة معايير وقواعد: فالقراءة المخالفة للأصول والقواعد المسلّمة والقطعية للغة العربية في مجالات اللغة والصرف والنحو، والقراءة الشاذة وغير الشائعة، والقراءة التي ورد النهي عنها من المعصوم، والقراءة المخالفة لرسم المصحف المعهود، تُعَدّ قراءات غير معتبرة، وتلاوة القرآن بمثل هذه القراءات غير جائزة.
المقدمة
في هذا القسم، يتم أولاً بيان إشكالية البحث ودراساته السابقة، ثم يُعرَّف المفهومان المحوريان؛ القراءة واختلاف القراءات، ويُسلَّط الضوء باختصار على شخصية الشيخ الطوسي ومكانته في مجال علوم القرآن.
1. إشكالية البحث
يسعى هذا البحث إلى الكشف عن معايير القراءة المعتبرة والراجحة عند المفسر والفقيه والمتكلم الشيعي الكبير، الشيخ الطوسي. وبناءً على ذلك، يجيب البحث عن الأسئلة التالية: ما هي مكانة القراءات السبع، ولا سيما قراءة عاصم برواية حفص، عند الشيخ الطوسي؟ وما هي الخصائص التي يشترطها الشيخ الطوسي في القراءة المعتبرة؟ وما هي سمات القراءة الراجحة في نظره؟ يتميز هذا البحث ويبرز لكونه يتناول بالدراسة والتحليل رؤية واحد من أكبر وأقدم مفسري الشيعة في باب اختلاف القراءات، والقراءة المعتبرة والمختارة. وقد أُنجز هذا البحث على أساس الاستقراء الشامل في آثار الشيخ الطوسي، وخصوصًا تفسير التبيان، وتحليل ودراسة أقوال الشيخ في باب اختلاف القراءات.
2. الدراسات السابقة
لقد أُلِّفت ونُشرت كتب ورسائل جامعية ومقالات عديدة في مجال اختلاف القراءات، وتمييز القراءة المعتبرة والراجحة وخصائصها، وكذلك حول الشيخ الطوسي ومكانته في التفسير والعلوم القرآنية وتفسير التبيان. ويمكن اعتبار هذه الآثار بمثابة دراسات سابقة عامة لهذا البحث. أما الدراسات السابقة الخاصة بهذا البحث، فهي تلك التي أُلِّفت تحديدًا حول وجوه اعتبار القراءة عند المفسرين والفقهاء، وخاصة رؤية الشيخ الطوسي في باب القراءات. وفيما يلي بعض هذه الآثار:
1. مقالة «روش تفسيري شريف لاهيجي در بهره گيري از اختلاف قرائات» (المنهج التفسيري للشريف اللاهيجي في الاستفادة من اختلاف القراءات) في مجلة پژوهش ديني، العدد 19، خريف 1388، بقلم أمير توحيدي. على الرغم من أن هذه المقالة تركز بشكل أكبر على تأثير القراءة في التفسير، إلا أنها جديرة بالاهتمام من حيث تناولها لرؤية مفسر شيعي حول اختلاف القراءات.
2. مقالة «طبقه بندي و تحليل آراء فقيهان شيعه در حوزه اختلاف قرائات» (تصنيف وتحليل آراء فقهاء الشيعة في مجال اختلاف القراءات) في مجلة كتاب قيم، العدد 17، خريف 1396، بقلم السادة صافي الأصفهاني وستوده نيا. تتناول هذه المقالة بشكل خاص رؤية فقهاء الشيعة لمسألة اختلاف القراءات وتأثيرها في استنباط الأحكام الفقهية.
3. مقالة «طبري و اختلاف قرائت در آيات الاحکام» (الطبري واختلاف القراءات في آيات الأحكام) في نشرية رهيافتهايي در علوم قرآن و حديث، العدد 97، خريف 1395، بقلم روح الله نجفي. تتناول هذه المقالة رؤية ابن جرير الطبري حول اختلاف القراءات، خاصة في آيات الأحكام، وتشير بالمناسبة إلى بعض معايير اعتبار أو ترجيح القراءة عند الطبري.
4. مقالة «کارکرد قرائت اُبي بن کعب در ترجيح ميان قرائت هاي هفتگانه» (وظيفة قراءة أُبي بن كعب في الترجيح بين القراءات السبع) في نشرية رهيافتهايي در علوم قرآن و حديث، العدد 94، ربيع 1394، بقلم روح الله نجفي. تناولت هذه المقالة الموافقة مع قراءة الصحابي ومصحفه كأحد معايير ترجيح القراءة.
5. مقالة «بررسي چگونگي تأثير اختلاف قرائات در برداشتهاي تفسيري مجمع البيان» (دراسة كيفية تأثير اختلاف القراءات في الاستنباطات التفسيرية لمجمع البيان) في مجلة مطالعات قرآن و حديث، السنة السابعة، العدد 1، خريف 1392، بقلم مهدي أكبر نجاد وزملاؤه.
6. مقالة «روش علامه طباطبايي در مواجهه با اختلاف قرائات در تفسير الميزان» (منهج العلامة الطباطبائي في التعامل مع اختلاف القراءات في تفسير الميزان) في مجلة تحقيقات علوم قرآن و حديث، العدد 27، ربيع 1394، بقلم السيدين ديمه كار وإيرواني. هاتان المقالتان تناولتا بالدراسة تأثير اختلاف القراءات في تفسيري مجمع البيان والميزان.
7. مقالة «بررسي ترجيح قرائات در تفسير مجمع البيان» (دراسة ترجيح القراءات في تفسير مجمع البيان) في نشرية مطالعات قرائت قرآن، العدد 8، ربيع 1396، بقلم السيد مهدوي راد والسيدة حاجي أكبري. وقد درست هذه المقالة رؤية المرحوم الطبرسي في اختيار وترجيح القراءة بين القراء السبعة.
8. مقالة «اختلاف قرائت يا تحريف قرآن: نگاهي به نقل روايات شيعه در تفسير التبيان» (اختلاف القراءات أم تحريف القرآن: نظرة في نقل روايات الشيعة في تفسير التبيان)، في مجلة علوم حديث، العدد 40، السنة 11، صيف 1385، بقلم السيد مرتضى كريمي نيا. يوضح هذا الأثر بشكل خاص رؤية الشيخ الطوسي حول تلك الروايات الشيعية التي يمكن طرحها في سياق اختلاف القراءات وتحريف القرآن.
9. رسالة ماجستير بعنوان «شيخ طوسي و روش او در تفسير التبيان» (الشيخ الطوسي ومنهجه في تفسير التبيان)، من إعداد إلياس كلانتري بإشراف الدكتور سيد مرتضى آية الله زاده شيرازي، جامعة طهران، 1366 هـ.ش.
10. كتاب «طوسي پژوهي: مجموعه مقالات در بررسي آراء احوال و آثار شيخ طوسي» (دراسات حول الطوسي: مجموعة مقالات في دراسة آراء وأحوال وآثار الشيخ الطوسي)، بجهود مهدي كمباني زارع، دار الكتاب، طهران، 1392 هـ.ش. يضم هذا الكتاب 35 مقالة، بما في ذلك مقالات للسيدين كريمي نيا وسالاري. بعض المقالات المدرجة في هذا الكتاب، والتي تتعلق بمجال التفسير وعلوم القرآن، تتناول بشكل ضمني مسألة اختلاف القراءات من وجهة نظر الشيخ.
من بين الآثار المذكورة، فإن أقربها إلى بحثنا الحالي هو مقال الدكتور مهدوي راد والسيدة حاجي أكبري، الذي يتناول في الغالب مسألة ترجيح قراءات القراء الآخرين على قراءة حفص. بالرجوع إلى الآثار المذكورة، يتضح أن رؤية الشيخ الطوسي في اعتبار وترجيح القراءة لم تُبحث بالتفصيل، وقد انبثق هذا البحث من خلال استقراء شامل لتحقيق هذا الموضوع بالذات.
3. القراءة واختلاف القراءات
تُطلق القراءة في الاصطلاح على كيفية نطق القرآن الكريم، وتشمل نطق الحروف وحركاتها وصفاتها. ويُسمى العلم الذي يبحث في كيفية قراءة القرآن من حيث الحروف والحركات والصفات بـ “التجويد”، أما العلم الذي يروي اختلاف قراء القرآن، ويبحث في أدلتهم على قراءاتهم، ويميز القراءة المعتبرة والراجحة، فيُسمى “علم القراءات”. بناءً على ذلك، يمكن القول إن علم القراءات يتناول خمسة أنواع من الاختلاف في تلاوة القرآن الكريم:
1. اختلاف القراء في نطق الحروف في آيات القرآن، على سبيل المثال، في آية ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (التكوير/ 24)، قرأ بعض القراء “ضنين” وبعضهم الآخر “ظنين”. (راجع: ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1400: 1/ 673؛ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، د.ت: 2/ 398).
2. اختلاف القراء في نطق حركات الحروف في آيات القرآن، على سبيل المثال، في الآية 37 من سورة البقرة، قرأ معظم القراء ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾، وقرأ بعضهم “فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ”، فاختلف إعراب كلمتي “آدم” و”كلمات”. (راجع: ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1400: 1/ 154؛ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، د.ت: 2/ 211).
3. اختلاف القراء في صفات الحروف في آيات القرآن، على سبيل المثال، في آية ﴿دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ (آل عمران/ 37)، قرأ معظم القراء “زكريا” بألف ممدودة، وبعضهم بألف مقصورة. (راجع: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، د.ت: 2/ 239؛ القاضي، البدور الزاهرة، د.ت: 1/ 62).
4. في بعض الموارد، حدث اختلاف في تقديم وتأخير كلمة في آية من القرآن الكريم؛ كما في آية ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (ق/ 50) حيث رُوي أن بعضهم قرأها “وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ”. (القرطبي، الإبانة، 1379: 1/ 77؛ الباقلاني، الانتصار للقرآن، 1422: 1/ 386).
5. في بعض الموارد، حدث اختلاف في نقص أو زيادة كلمة في آية من القرآن الكريم؛ كما في آية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الممتحنة/ 6) حيث قرأها بعضهم “فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ”. (ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1400: 1/ 627؛ القرطبي، الإبانة، 1379: 1/ 78). وقد بيّن الشيخ الطوسي أيضًا أنواع اختلاف القراءات في مقدمة تفسيره. (راجع: الطوسي، التبيان، 1405: 1/ 8). بدأ اختلاف قراءات القرآن منذ زمن النبي الأكرم (ص) بسبب اختلاف لهجات العرب المسلمين، واتسع في القرون الثلاثة الأولى للإسلام، وتبعًا لرسم المصحف وبعض الأفكار الكلامية أو التنافسات الاجتماعية والسياسية. اختلاف القراءات أمر يواجهه كل مفسر للقرآن الكريم، فالقراءات المختلفة تؤثر أحيانًا في معنى الآية، بل إن بعض المفسرين اعتبروا علم القراءات الركيزة الأولى وشرطًا أساسيًا للتفسير. (أبو حيان، البحر المحيط، 1412: 1/ 26؛ ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1984: 1/ 53). من هنا، تُعد حكاية اختلاف القراءات، وبيان سببها وحجتها، وترجيح إحداها، قسمًا من أقسام كتب التفسير، وقد اهتم المفسرون في مختلف المدارس والمذاهب ببيان هذا القسم. قام ابن مجاهد (أحمد بن موسى التميمي، ت. 324هـ)، العالم الكبير في مجال القراءات، باختيار سبعة من قراء القرآن، وحظي هذا الاختيار باهتمام الباحثين في مجال القرآن. هؤلاء القراء السبعة هم:
1. عبد الله بن عامر الدمشقي (ت. 118هـ) برواية هشام بن عمار (ت. 245هـ) وعبد الله بن ذكوان (ت. 242هـ).
2. عبد الله بن كثير المكي (ت. 120هـ) برواية محمد بن عبد الرحمن (المعروف بقنبل، ت. 291هـ) وأحمد بن محمد البزي (ت. 250هـ).
3. عاصم بن أبي النجود (ت. 128هـ) برواية أبي بكر شعبة بن عياش (ت. 193هـ) وحفص بن سليمان (ت. 180هـ).
4. أبو عمرو البصري (زَبّان بن العلاء، ت. 154هـ) برواية حفص بن عمر الدوري (ت. 245هـ) وأبي شعيب صالح بن زياد السوسي (ت. 261هـ).
5. حمزة بن حبيب الكوفي (ت. 156هـ) برواية خلف بن هشام (ت. 229هـ) وأبي عيسى خلاد بن خالد الشيباني (ت. 220هـ).
6. نافع بن عبد الله المدني (ت. 169هـ) برواية أبي موسى عيسى بن مينا (المعروف بقالون، ت. 220هـ) وعثمان بن سعيد المصري (المعروف بورش، ت. 197هـ).
7. علي بن حمزة الكسائي (ت. 189هـ) برواية الليث بن خالد المروزي (ت. 240هـ) وحفص بن عمر الدوري (ت. 246هـ). بعد هذا الاختيار، أُضيف ثلاثة قراء آخرين، فأصبح ترتيب القراء العشرة كما يلي:
8. أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي، قارئ المدينة (ت. 130هـ).
9. يعقوب بن إسحاق الحضرمي، قارئ البصرة (ت. 205هـ).
10. خلف بن هشام، راوي حمزة، قارئ بغداد. ثم أُضيف أربعة قراء آخرين إلى هذا العدد، ليصل عدد القراء إلى أربعة عشر:
11. الحسن بن يسار البصري (ت. 110هـ).
12. محمد بن عبد الرحمن (المعروف بابن محيصن)، قارئ مكة (ت. 123هـ).
13. سليمان بن مهران الأسدي (المعروف بالأعمش)، قارئ الكوفة (ت. 148هـ).
14. يحيى بن المبارك (ت. 202هـ). لمزيد من الاطلاع على المكانة العلمية للقراء الأربعة عشر، يمكن مراجعة كتاب «إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر» تأليف أحمد بن محمد الدمياطي.
4. الشيخ الطوسي واختلاف القراءات
أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، بعد الشيخ المفيد والسيد المرتضى، هو الزعيم الشيعي الثالث الذي تولى مرجعية وملجأ الشيعة الإمامية في بداية عصر الغيبة الكبرى، منذ وفاة السيد المرتضى في ربيع الأول عام 436هـ حتى نهاية حياته في محرم عام 460هـ. كانت آثاره في جميع مجالات العلوم الإسلامية؛ الفقه (المبسوط والخلاف)، أصول الفقه (العدة)، الكلام (الاقتصاد)، وخاصة تفسير القرآن (التبيان)، دائمًا رائدة وشهيرة. (للاطلاع أكثر على الشيخ الطوسي وآثاره، راجع: سلطاني، مباني كلامي تفسير قرآن كريم، 1394: 16-22).
يُظهر الشيخ الطوسي رأيه تجاه تنوع القراءات من خلال موقفين. فبصفته فقيهًا شيعيًا، يجب عليه أن يحدد بأي قراءة أو قراءات تجوز تلاوة القرآن في الصلاة وغيرها. وهذه مسألة تُطرح بشكل خاص في علم قراءات القرآن وتتعلق بكيفية تلاوة آياته، وبالطبع تمتد نتائجها إلى الفقه أيضًا. في الموقف الثاني، وبصفته مفسرًا شيعيًا رفيع المقام، يختار الشيخ الطوسي قراءات معينة ويفسر الآية بناءً عليها. المسألة الثانية تتعلق بترجيح إحدى القراءات باعتبارها القرآن المنزل وتفسيره والاستدلال به. تُطرح هذه المسألة وتُبحث في المجال البيني للقراءات والكلام والتفسير. (للاطلاع أكثر على رؤية الشيخ الطوسي تجاه القراءات القرآنية، راجع: نفس المصدر، 123-132). يتناول هذا البحث بشكل محدد المسألة الأولى، ويبين رؤية الشيخ الطوسي حول القراءة المعتبرة وشروطها. وقد تشكّل هذا البحث على أساس جمع ودراسة كلام الشيخ الطوسي في ذيل الآيات التي فيها اختلاف في القراءة وتصنيفها، ونتيجته هي الوصول إلى الأصول والقواعد التي يعتمدها الشيخ الطوسي، بصفته مفسرًا وفقيهًا عظيمًا، لتحديد القراءة المعتبرة للقرآن. وبالنظر إلى الأسبقية الزمنية للشيخ الطوسي ومكانته العلمية، ستكون رؤيته مؤثرة ومهمة للغاية. يطرح الشيخ الطوسي في خطوته الأولى اختلاف القراءات ووحدانية القرآن الكريم كمسألة كلامية. ويرى أن القرآن واحد، كما نزل على نبي واحد. دليل الشيخ على وحدانية القرآن هو أولاً اتفاق وإجماع الشيعة، وثانيًا الأخبار المنقولة في هذا الباب. ويكتب في مقدمة التبيان: إن المعروف من مذهب الشيعة وما تحكيه الروايات والأخبار هو أن القرآن نزل بلفظ واحد على نبي واحد. من هذا المنطلق، على الرغم من أن الشيخ الطوسي يفسر آيات القرآن وفقًا لعدة قراءات ويبين مختلف وجوه المعاني بناءً على القراءات المختلفة، إلا أنه في العلوم اللاحقة مثل الكلام والفقه والأخلاق وغيرها، لا يستند ولا يستدل بالقراءات المختلفة. في الخطوة الثانية، يقبل الشيخ الطوسي تعدد القراءات في مرحلة التلاوة، ويعتبر القراءات المختلفة بمثابة حكايات ونقول لنص القرآن. وهو من جهة يرى أن هذا الأمر أيضًا نتيجة إجماع واتفاق علماء الشيعة، ويكتب: اتفق علماء الشيعة على جواز قراءة القرآن بما هو متداول بين القراء، وكل شخص مخير في أن يقرأ بأي قراءة شاء. وعلماء الشيعة لا يستحسنون تفضيل إحدى القراءات على الأخرى بشكل معين؛ بل يجيزون كل قراءة أجازها القراء. فضلًا عن إجماع الشيعة، يعدّ الشيخ الطوسي قبول القراءات المختلفة هو المعنى الأكثر قبولًا للحديث النبوي المعروف: “أُنزِلَ القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ”. ورغم أنه ينسب هذا الحديث إلى أهل السنة (العامة) ويعتبره خبرًا واحدًا لا يمكن أن يكون أساسًا للعمل، فإنه يرى أن أرجح وجه في معنى الحديث هو جواز تلاوة القرآن الكريم بلهجات وقراءات متنوعة. (الطوسي، التبيان، 1405: 1/ 19). يعتبر الشيخ الطوسي قراءة القرآن بمثابة رواية لنصه، ومن هذا المنطلق لا يعتبر قراءة القرآن خارجة عما هو متداول بين القراء. ويكتب: لا يجوز لقارئ القرآن أن يتجاوز ما قرأ به القراء؛ لأن القراءة سنة (جزء من الشريعة)، فلا يجوز أن يُقرأ القرآن بكل ما هو جائز في اللغة العربية إلا إذا وردت به رواية (عن القراء). (نفس المصدر، 6/ 20). هذا هو الموقف العام للشيخ الطوسي تجاه اختلاف القرآن الكريم؛ فهو يقبل قراءات القراء كحكايات وسنن شفهية في نص القرآن، ويجيز تلاوة القرآن بناءً على هذه القراءات. وبناءً على ذلك، ينقل قبل تفسير كل آية، في قسم بعنوان “القراءات”، قراءات القراء المختلفين. ينقل الشيخ الطوسي الكثير عن القراء السبعة، وفي هذه النقول يهتم أيضًا براوي القراءة، كما في قراءة كلمة “هؤلاء”، ينقل رواية ورش (عثمان بن سعيد المصري، ت. 197هـ) عن نافع، ورواية قنبل (محمد بن عبد الرحمن، ت. 291هـ) عن ابن كثير. (نفس المصدر، 1/ 139). بالإضافة إلى القراء السبعة، ينقل الشيخ الطوسي أيضًا عن القراء العشرة والأربعة عشر. على سبيل المثال، يحكي قراءة عن يزيد بن قعقاع، ومحمد بن محيصن، والأعمش، ويعقوب الحضرمي. (نفس المصدر، 1/ 295، 4/ 433 و 7/ 429). لا يكتفي الشيخ الطوسي في نقل القراءات بالتقسيمات والقراء المتأخرين، بل ينقل أيضًا عن صحابة النبي الأكرم ﷺ مثل أُبي بن كعب (ت. 30هـ)، وعبد الله بن مسعود (ت. 32هـ)، وعبد الله بن عباس (ت. 86هـ)، والتابعين مثل يحيى بن وثاب (ت. 103هـ)، وعاصم الجحدري (ت. 128هـ). (راجع: نفس المصدر، 1405: 1/ 36 و 139 و 387، 3/ 423 و 9/ 334). يشير الشيخ الطوسي في حالات نادرة في كتبه الفقهية إلى قراءات غير شائعة، مثل قراءة عبد الله بن مسعود، ولكنه لم يستند إليها. (راجع: الطوسي، المبسوط، 1387: 4/ 68 و 8/ 33).
5. الشيخ الطوسي وقراءة عاصم
تحتل قراءة عاصم برواية حفص مكانة الصدارة في القراءات، وقد حظيت باهتمام علماء القراءة والمفسرين وعموم المسلمين منذ القدم. يحكي الشيخ الطوسي في مواضع اختلاف القراءات دائمًا قراءة عاصم بكل من روايتي أبي بكر وحفص. وفي بعض الأحيان، بالإضافة إلى حكاية اختلاف وجوه كل من القراءتين، يوضحها، وبالطبع لا يميز قراءة عاصم في هذا الصدد عن غيرها من القراءات. لاحظوا الأمثلة الثلاثة التالية:
1. في قراءة كلمة “يُضَاعِفَهُ” في آية ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ (البقرة/ 245)، يروي الشيخ الطوسي اختلاف القراء السبعة كالتالي: نافع، أبو عمرو، حمزة، والكسائي قرأوا “يُضَاعِفُهُ” بالرفع، وعاصم قرأ “يُضَاعِفَهُ” بالنصب، وابن كثير قرأ “يُضَعِّفُهُ” بالنصب، وابن عامر قرأ “يُضَعِّفْهُ” بالجزم. بعد هذا العرض، يوضح الشيخ الطوسي وجه (حجة) كل قارئ. وبحسب بيانه، فإن قراءة الرفع “يُضَاعِفُهُ، يُضَعِّفُهُ” مبنية على العطف على “يُقْرِضُ”، وفي هذه الحالة تدل فاء العطف على الجزاء أيضًا. أما قراءة النصب “يُضَاعِفَهُ، يُضَعِّفَهُ” فمبنية على كون الفاء جوابًا للاستفهام. والقراءة بالألف “يُضَاعِفُهُ، يُضَاعِفَهُ” أكثر استخدامًا في اللغة العربية. والقراءة بدون ألف وبالتشديد “يُضَعِّفُهُ، يُضَعِّفُهُ” من جهة أن “يضاعف” يدل على زيادة محدودة، بينما “يضعف” يدل على زيادة غير محدودة، وهذه الآية في مقام بيان جزاء العمل الصالح، والله يجزي على العمل الصالح جزاءً غير محدود. (الطوسي، التبيان، 1405: 2/ 284-285). في هذا المثال، يذكر الشيخ الطوسي وجه امتياز لكل قراءة دون أن يرجح قراءة عاصم.
2. في آية ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة/ 282)، يروي الشيخ الطوسي أن عاصمًا قرأ بنصب “تِجَارَةً حَاضِرَةً”، بينما قرأ باقي القراء السبعة برفع “تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ”. بناءً على قراءة الرفع، يكون التحليل النحوي أن “تكون” تامة و”تجارةٌ” فاعلها، أو أن “تكون” ناقصة و”تجارةٌ” اسمها و”تديرونها” خبرها. وبناءً على قراءة النصب “تِجَارَةً حَاضِرَةً”، تكون “تكون” ناقصة واسمها محذوف و”تجارةً” خبرها. (نفس المصدر، 2/ 353). في هذا المثال، يوضح الشيخ الطوسي إعراب الكلمات في الآية بناءً على كل من القراءتين دون أن يرجح قراءة عاصم.
3. بناءً على رواية الشيخ الطوسي في آية ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ (الكهف/ 59)، قرأ عاصم برواية حفص “لِمَهْلِكِهِمْ”، وبرواية أبي بكر “لِمَهْلَكِهِمْ”. وقرأ القراء الآخرون “لِمُهْلَكِهِمْ”. “مَهْلِك” مصدر ثلاثي مجرد من (هَلَكَ يَهْلِك)، و”مَهْلَك” اسم زمان من الثلاثي المجرد، و”مُهْلَك” اسم مفعول من باب الإفعال (أَهْلَكَ يُهْلِك). (نفس المصدر، 7/ 63). في هذا المثال، يوضح الشيخ الطوسي الوجه الصرفي لكل من القراءات دون أن يرجح رواية حفص عن عاصم. إن وجوه الاعتبار والترجيح التي يبينها الشيخ الطوسي بشأن قراءة على أخرى ستأتي لاحقًا، ولكن ما يتضح من خلال دراسة وتفحص تفسير التبيان هو أنه لم يعتبر في أي موضع نقل حفص عن عاصم ميزة أو فضيلة للقراءة؛ بل في مواضع كثيرة رجح الشيخ الطوسي قراءة غير قراءة حفص عن عاصم. انظر إلى هذه الأمثلة الثلاثة:
1. في آية ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال/ 19)، قرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بفتح الألف (أَنَّ)، وقرأ باقي القراء بكسر الألف (إِنَّ). يبين الشيخ الطوسي وجه كلتا القراءتين، ولكنه يرجح القراءة بالكسر. (نفس المصدر، 5/ 90).
2. في آية ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الكهف/ 94)، قرأ عاصم كلمتي “يَأْجُوجَ، مَأْجُوجَ” بالهمز، وقرأ باقي القراء بالألف “يَاجُوجَ، مَاجُوجَ”. يختار الشيخ الطوسي القراءة بالألف. (نفس المصدر، 7/ 89).
3. يروي الشيخ الطوسي اختلاف القراءات في آية ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد/ 4) كالتالي: قرأ قراء البصرة وعاصم برواية حفص “قُتِلُوا”، وقرأ باقي القراء “قَاتَلُوا”، وفي قراءة شاذة حُكيت “قُتِّلُوا”. يرجح الشيخ الطوسي قراءة “قَاتَلُوا” بناءً على شواهد. (نفس المصدر، 9/ 280).
القراءة المعتبرة عند الشيخ الطوسي
على الرغم من أن الشيخ الطوسي قد قبل في مقدمة تفسيره إجمالًا اختلاف القراء في حكاية نص القرآن الكريم، فإنه يذكر في مواضع متفرقة من تفسيره خصائص القراءة المعتبرة. من خلال دراسة تفسير التبيان القيم، يمكن الوصول إلى قواعد وأصول يعتبرها الشيخ الطوسي في الحكم على القراءات المنقولة، فيعتبر بعضها معتبرًا وبعضها الآخر غير معتبر، أو يرجح قراءة على أخرى.
1. موافقة القراءة لقواعد اللغة العربية
لا يقبل الشيخ الطوسي في مواضع اختلاف القراءات إلا القراءة التي تتوافق مع القواعد والأصول القطعية والمسلّمة في اللغة والصرف والنحو العربي، ويردّ القراءة التي تخالف هذه القواعد.
1. في آية ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (الكهف/94)، قرأ عاصم كلمتي “يأْجُوجَ، مَأْجُوجَ” بالهمز وقرأ باقي القراء بالألف “ياجوج، ماجوج”. يرى الشيخ الطوسي أن “يأْجُوجَ، مَأْجُوجَ” اسم غير عربي (أعجمي)، والهمزة لا توجد في اللغات غير العربية، لذا لا يقبل القراءة بالهمز “يأْجُوجَ، مَأْجُوجَ”. (نفس المصدر، 7/ 89). في هذا المثال، يرد الشيخ الطوسي قراءة حفص عن عاصم بناءً على مسائل في علم اللغة.
2. في آية ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (البقرة/119)، قرأ عامة القراء “لَا تُسْأَلُ” (لا النافية والفعل المجهول للمخاطب المفرد المرفوع)، ومن القراء السبعة قرأ نافع وحده “لَا تَسْأَلْ” (لا الناهية والفعل المعلوم للمخاطب المفرد المجزوم). (ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1400: 1/ 169). وقد نُقلت قراءة نافع عن الإمام الباقر (ع) وابن عباس أيضًا. (الفراء، معاني القرآن، 1400: 1/ 75). ينقل الشيخ الطوسي في هذه الآية قراءتين لأُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود؛ فأُبي قرأ “وَمَا تُسْأَلُ”، وابن مسعود قرأ “وَلَنْ تُسْأَلَ”. يعتبر الشيخ الطوسي جملة “لَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ” حالًا، ويكون معنى الآية: أرسلناك مبشرًا ونذيرًا، في حال لا يُسأل عنك أهل النار. الحروف والأدوات العربية ليست متماثلة في الاستخدام والموقع؛ فـ”لا” و”ما” و”لن” وإن كانت كلها تدل على النفي، إلا أن الجملة الحالية لا تبدأ بـ”لن” و”ما”، وبناءً على ذلك، يعتبر الشيخ الطوسي قراءة أُبي وابن مسعود غير صحيحة. (الطوسي، التبيان، 1405: 1/ 435).
3. ينقل الشيخ الطوسي في آية ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (فصلت/17) قراءة الحسن البصري (ت. 110هـ) الذي قرأ “ثمود” بالنصب. (نفس المصدر، 9/ 112). وقد نُقلت هذه القراءة عن ابن إسحاق أيضًا. (الطبري، جامع البيان، 1420: 21/ 449). وبناءً على ذلك، تكون “ثمود” مفعولًا به لفعل محذوف، وكانت الآية قبل الحذف: “وَأَمَّا هَدَيْنَا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ”. لا يقبل الشيخ الطوسي قراءة الحسن، لأن كلمة “أما” تدخل دائمًا في بداية الجملة الاسمية ولا تدخل على الفعل. في هذين المثالين، رد الشيخ الطوسي القراءات التي لا تتوافق مع الخصائص اللغوية للأدوات والحروف.
4. ينقل الشيخ الطوسي في آية ﴿أَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (البقرة/127) عن عبد الله بن كثير وأبي عمرو قراءة “أَرْنَا مَنَاسِكَنَا”. وقد نُقلت هذه القراءة عن يعقوب الحضرمي أيضًا. (ابن مهران، المبسوط، 1981: 136). مع أن هذه القراءة مروية عن اثنين من القراء السبعة، إلا أن الشيخ الطوسي يعتبرها مخالفة لقواعد علم الصرف ولا يقبلها. “أرِ” فعل أمر للمخاطب المفرد المذكر من “أرى” (يُري). في عملية الإعلال، تُحذف عين الفعل ولامه، وتبقى كسرة عين الفعل (الهمزة) وتنتقل إلى فاء الفعل (الراء). حذف كسرة الراء، فضلًا عن عدم وجود دليل عليه، هو -بتعبير الشيخ الطوسي- إجحاف بالكلمة (إنقاص من الكلمة)، لأن الكسرة تمثل “الهمزة” المحذوفة، وبحذفها لا يبقى ممثل لها. (الطوسي، التبيان، 1405: 1/ 465).
5. ينقل الشيخ الطوسي في آية ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنبياء/88) رواية أبي بكر بن عياش (ت. 193هـ) عن عاصم: “نُجِّي”. وقد نُسبت هذه القراءة إلى ابن عامر أيضًا. (الأزهري، معاني القراءات، 1412: 2/ 170). بناءً على هذه القراءة، تُبدل فاء الفعل (النون) بعين الفعل (الجيم) وتُدغم فيها. لا يقبل الشيخ الطوسي هذه القراءة، لأنه في الأبنية الفعلية لا تُبدل النون جيمًا أبدًا ولا تُدغم فيها. (الطوسي، التبيان، 1405: 6/ 204). وقد اعتبر الطبري أيضًا قراءة “نُجِّي” غير معتبرة لمخالفتها إجماع القراء. (الطبري، جامع البيان، 1420: 18/ 420).
6. ينقل الشيخ الطوسي في آية ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾ (المائدة/47) قراءة الحسن البصري “أَهْلَ الْإِنْجِيلِ”. يرد الشيخ الطوسي هذه القراءة، لأنه لا توجد في اللغة العربية كلمة على وزن “أفعيل”. (الطوسي، التبيان، 1405: 3/ 540). في هذه الأمثلة الثلاثة، رد الشيخ الطوسي قراءات بسبب مخالفتها لقواعد الصرف العربي.
7. ينقل الشيخ الطوسي في آية ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (إبراهيم/47) قراءة “مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلِهِ”. بناءً على هذه القراءة، أُضيفت “وعده” إلى “رسله”، ولهذا السبب جُرّت “رسله”. يرد الشيخ الطوسي هذه القراءة، لأنه لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه، بينما في هذه القراءة فُصل بين المضاف (وعد) والمضاف إليه (رسله) بضمير الغائب. (نفس المصدر، 6/ 304). في هذا المثال، رد الشيخ الطوسي القراءة المنقولة بسبب مخالفتها لقواعد النحو العربي.
2. القراءة الشاذة في مقابل القراءة المشهورة
لا يقبل الشيخ الطوسي القراءة الشاذة. في تعريف القراءة الشاذة، يمكن القول إنها القراءة التي لم تحظَ باهتمام وقبول عامة القراء ووقعت في مقابل القراءة المعروفة والمشهورة. ويعتبر الشيخ الطوسي القراءة الشاذة خاصة تلك التي رُويت عن شخص واحد فقط ولم يكن لها مؤيد أو موافق. يعتبر الشيخ الطوسي القراءة الشاذة غير معتبرة، ونستعرض بعض تصريحاته في هذا الصدد:
1. ينقل الشيخ الطوسي في الآية الأولى من سورة فصلت عن عكرمة بن عبد الله (مولى ابن عباس، ت. 107هـ) أنه قرأ “فَصَلَتْ” بدلًا من “فُصِّلَتْ”. ثم يكتب الشيخ الطوسي: هذه قراءة شاذة لم يقرأ بها أحد. (نفس المصدر، 5/ 439).
2. آية ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (البقرة/161)، قرأها الحسن البصري هكذا: “أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ”. على أساس هذه القراءة، يُقدّر فعل، وتكون “الملائكةُ” فاعلًا له، و”أجمعون” تأكيدًا له. كأن الآية كانت هكذا: “أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالنَّاسِ وَتَلْعَنُهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَجْمَعُونَ”. (البناء، إتحاف فضلاء البشر، 1427: 1/ 196). ينقل الشيخ الطوسي هذه القراءة ويردها لكونها شاذة ولأن عامة القراء قرأوا “الملائكةِ” بالجر. (الطوسي، التبيان، 1405: 2/ 49).
3. في آية ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (النساء/148)، يحكي عن زيد بن أسلم (تابعي مدني، ت. 119هـ) والضحاك بن مزاحم (تابعي كوفي، ت. 106هـ) أنهما قرآ “مَنْ ظَلَمَ”. بناءً على هذه القراءة، يكون معنى الآية: لا يحب الله إظهار السوء إلا فيمن ظلم. على الرغم من أن الشيخ الطوسي يذكر معاني مختلفة لهذه القراءة، فإنه يتركها جانبًا لكونها شاذة. (نفس المصدر، 3/ 371).
4. ينقل الشيخ الطوسي في آية ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ (سبأ/20) قراءة أبي الهجهاج هكذا: “وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسَ ظَنُّهُ”. ينسب النحاس (ت. 338هـ) هذه القراءة إلى الهجهاج. (النحاس، معاني القرآن، 1409: 5/ 413). وفي بعض التفاسير نُسبت هذه القراءة إلى شخص يدعى أبا الجهجاه الأعرابي. على سبيل المثال (راجع: أبو حيان، البحر المحيط، 1412: 8/ 540). في القراءة المشهورة، “إبليسُ” فاعل مرفوع، و”ظنَّ” مفعول به منصوب، ولكن في قراءة أبي الهجهاج العكس؛ “إبليسَ” مفعول به منصوب، و”ظنُّ” فاعل مرفوع. كلا النوعين من الكلام جائز في اللغة العربية، فيقال: “صَدَّقْتُ ظَنِّي وَصَدَّقَنِي ظَنِّي”. مع ذلك، يرد الشيخ الطوسي قراءة أبي الهجهاج لكونها شاذة، ويعتبر تلاوة القرآن بهذه القراءة غير جائزة. (الطوسي، التبيان، 1405: 8/ 378).
5. في آية ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ (الشعراء/19)، ينقل قراءة عامر الشعبي (تابعي كوفي، ت. 109هـ) هكذا: “وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ”. على الرغم من أن هذه القراءة صحيحة من الناحية الصرفية؛ فـ”فَعْلَة” من أوزان اسم المرة، و”فِعْلَة” بمعنى هيئة وحال القيام بالفعل، (النحاس، معاني القرآن، 1409: 5/ 69)، إلا أن الشيخ الطوسي يرد هذه القراءة أيضًا بسبب شذوذها ويعتبر التلاوة بها غير جائزة. (الطوسي، التبيان، 1405: 8/ 10).
6. كذلك، في آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ (البقرة/104)، حكى عن الحسن البصري قراءة “راعِنًا”. (نفس المصدر، 1/ 387). وفي آية ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ (يوسف/31)، حكى بدلًا من “بَشَرًا” قراءة “بُشْرَى”. (نفس المصدر، 6/ 129). ويعتبر هذه القراءات غير معتبرة بسبب شذوذها.
7. في آية ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (الكهف/5)، ينقل الشيخ الطوسي عن بعض قراء مكة أنهم قرأوا “كَلِمَةٌ” بالرفع. لهذه القراءة نظير في لغة العرب، كما يقال: “كَبُرَ قَوْلُكَ وَكَبُرَ شَأْنُكَ”. وقد نُسبت هذه القراءة إلى الحسن البصري وابن محيصن. (البناء، إتحاف فضلاء البشر، 1427: 1/ 363). بناءً على قراءة النصب، تكون “كَلِمَةً” تمييزًا، وفاعل “كَبُرَتْ” محذوف، كأن الآية: “كَبُرَتْ كَلِمَاتٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ كَلِمَةً”. وفي قراءة الرفع لا حاجة لتقدير الفاعل. قراءة النصب أقوى في إفادة التعجب. يعتبر الشيخ الطوسي قراءة النصب قوية لدلالة إجماع القراء عليها، ويعتبر قراءة الرفع شاذة. (الطوسي، التبيان، 1405: 7/ 6).
8. اختلف القراء في قراءة آية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ (آل عمران/180). يروي الطبري هذا الاختلاف هكذا: قرأ بعض قراء الحجاز والعراق “تَحْسَبَنَّ”، وقرأ آخرون “يَحْسَبَنَّ”. (الطبري، جامع البيان، 1420: 7/ 438). يحكي الشيخ الطوسي اختلاف القراءة هكذا: حمزة قرأ “لَا تَحْسَبَنَّ” وباقي القراء قرأوا “لَا يَحْسَبَنَّ”. (الطوسي، التبيان، 1405: 3/ 63). يتوافق كلام الشيخ الطوسي مع رواية ابن مجاهد التميمي (ت. 324هـ) وابن مهران النيسابوري (ت. 381هـ). (ابن مجاهد، السبعة في القراءات، 1400: 1/ 202؛ ابن مهران، المبسوط، 1981: 1/ 172). بناءً على ذلك، يبدو أن رواية الشيخ الطوسي لهذا الاختلاف أدق. بعد نقل هذا الاختلاف، يعتبر الشيخ الطوسي قراءة “لَا يَحْسَبَنَّ” أقوى؛ لأن معظم القراء قرأوا بها. (الطوسي، التبيان، 1405: 3/ 63).
3. القراءة المعتبرة ورسم المصحف
المصحف الذي جُمع ودُوِّن في زمن الخليفة الثالث وبإشراف صحابة النبي الأكرم ﷺ، وحظي بعد ذلك بموافقة الأئمة المعصومين (ع)، يُعتبر الرسم المعتبر للقرآن الكريم. وعامة الباحثين في مجال القراءات يردّون القراءة التي لا تتوافق مع رسم المصحف. (على سبيل المثال، راجع: الطبري، جامع البيان، 1420: 4/ 262؛ أبو شامة، إبراز المعاني، د.ت: 2/ 200). يختار الشيخ الطوسي دائمًا القراءة الموافقة لرسم المصحف ولا يقبل القراءة المخالفة له. انظر إلى الأمثلة:
1. في آية ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (البقرة/70)، ينقل الشيخ الطوسي قراءة الأعمش (سليمان بن مهران، ت. 148هـ) هكذا: “إِنَّ الْبَقَرَ مُتَشَابِهٌ”. ولكنه لا يقبلها لمخالفتها للمصحف الرسمي والمعروف. (الطوسي، التبيان، 1405: 1/ 295).
2. في آية ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (البقرة/211)، ينقل ثلاث قراءات: “سَلْ”، “اسْأَلْ”، “اسَلْ”. ولكنه لا يقبل إلا القراءة الأولى ويرد القراءتين التاليتين لمخالفتهما لرسم المصحف. (نفس المصدر، 2/ 189).
3. في آية ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة/124)، ينقل قراءة عبد الله بن مسعود هكذا: “لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمُونَ”. على الرغم من أن هذه القراءة موجهة في اللغة العربية، كما يقال: “نِلْتُ الْمَطْلُوبَ وَنَالَنِي الْمَطْلُوبُ”، إلا أن الشيخ الطوسي يرد القراءة المروية عن ابن مسعود لمخالفتها لرسم المصحف. (نفس المصدر، 2/ 448).
ينقل الشيخ الطوسي أيضًا اعتبار رسم المصحف في كيفية القراءة عن الإمام الباقر (ع). حيث ينقل عن الإمام محمد بن علي (ع) وعروة بن الزبير أنهما كانا يقرآن آية ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ (هود/42) هكذا: “وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهَا”. وكانوا يعتقدون أن ذلك الشخص الخاطئ والمتمرد لم يكن ابن نوح النبي، بل ابن زوجته. وبناءً على ذلك، كانت الجملة هكذا: “وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهَا”. ولأنها سُجلت في رسم المصحف “ابنه” وليس “ابنها”، فقد قرأوها “ابْنَه” ابتعادًا عن مخالفة رسم المصحف. (نفس المصدر، 5/ 488). النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا القسم هي أن المراد برسم المصحف هو الرسم الذي كُتبت به المصاحف الأم في زمن عثمان؛ وبناءً على ذلك، يجب مراعاة خصائص ذلك الرسم (عدم وجود نقاط، علامات الترقيم، والألف الوسطى في الكلمة)، وليس الرسم الحالي للمصحف الشريف. على سبيل المثال، انتبه إلى كلمة “خطايا” و”خطِيئَات”. حسب رواية الشيخ الطوسي، لا يختلف القراء في قراءة كلمة “خطاياكم” في الآية 58 من سورة البقرة، ولكن في كلمة “خَطِيئَاتِكُمْ” في الآية 161 من سورة الأعراف، وقع خلاف؛ فقد قرأ قراء المدينة ويعقوب “خَطِيئَاتُكُمْ”، وابن عامر “خَطِيئَتُكُمْ”، وأبو عمرو “خطاياكم”، وباقي القراء “خَطِيئَاتِكُمْ”. (نفس المصدر، 5/ 6). وكذلك في الآية 25 من سورة نوح، قرأ أبو عمرو “خَطَايَاهُمْ” وباقي القراء “خَطِيئَاتِهِمْ”. (نفس المصدر، 10/ 35). يعزو الشيخ الطوسي اتفاق واختلاف القراء في هذه المواضع الثلاثة إلى رسم المصحف الأم. فهذه الكلمة كُتبت في سورة البقرة بألفين قبل وبعد الياء، وفي سورتي الأعراف ونوح بألف واحدة (قبل حرف التاء)، لذا فالكلمة المكتوبة في سورة البقرة تُقرأ فقط بصورة “خطاياكم”، ولكن في سورة الأعراف ونوح، بسبب خصائص رسم المصحف، تظهر وجوه أخرى أيضًا في القراءة. (نفس المصدر، 1/ 264). رسم المصحف قرينة حاسمة في اعتبار القراءة، ولكن توجد حالات نادرة تختلف فيها رسوم المصاحف الأم عن بعضها، وفي هذه الحالة تكون كل من القراءتين موافقة لرسم أحد المصحفين، وفي هذه الحالة لا يمكن الحكم والترجيح بناءً على رسم المصحف. يروي الشيخ الطوسي حالة من هذا القبيل. في آية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (الحديد/24)، قرأ قراء المدينة والشام “فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ”؛ لأن كلمة “هُوَ” لم تُثبت في مصحفهم، وقرأ باقي القراء كما في مصحفهم حيث وردت “هُوَ”. (نفس المصدر، 9/ 518).
4. نهي المعصوم عن القراءة
إذا كانت قراءة معينة قد نُهي عنها بناءً على روايات معتبرة عن النبي الأكرم ﷺ أو الأئمة المعصومين (ع)، فلا شك أنها ستكون قراءة غير معتبرة وغير جائزة. نُقل عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: تعلموا القرآن بأصالته العربية وابتعدوا فيه عن “النبر”. (المجلسي، بحار الأنوار، 1403: 89/ 211). وقال أمير المؤمنين (ع): نزل القرآن بلسان قريش وهم لا ينبرون. (نفس المصدر، 75/ 264). النبر هو التشديد في نطق حرف، أو بشكل خاص نوع من نطق الهمزة، مثل أن يُنطق “نبي” “نبيء”. يكتب الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. 170هـ) في تعريف النبر: النبر في الكلام هو إظهار الهمزة، وفي الحديث أن رجلاً قال للنبي: يا نبيء الله. فقال له النبي: لا تنبر باسمي. (الفراهيدي، العين، 1409: 8/ 269). بناءً على الأدلة السمعية، لم تكن قراءة القرآن بالنبر محبذة لدى النبي الأكرم وأمير المؤمنين، ومن هذا المنطلق لا يقبل الشيخ الطوسي في الآية 61 من سورة البقرة قراءة “النبيئين” بدلًا من “النبيين”. (الطوسي، التبيان، 1405: 1/ 269). لا شك أن النهي أو الأمر الوارد في الروايات في باب قراءة القرآن يكون معتبرًا عندما يثبت بناءً على أحاديث معتبرة. وبناءً على ذلك، لن تتغير قراءة القرآن بناءً على أحاديث ضعيفة وغير معتبرة. ينقل الشيخ الطوسي في بعض آيات القرآن الكريم قراءة عن أهل البيت (ع)، وهذه القراءات وصلتنا عن طريق روايات. في بعض هذه الروايات، يرد الإمام القراءة المشهورة والرسمية ويقدم دليلًا على خطئها. انظر إلى الأمثلة التالية: في آية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (الأنفال/1)، نُقل “يَسْأَلُونَكَ الْأَنْفَالَ”. (نفس المصدر، 5/ 67). في آية ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (التوبة/73)، نُقل “جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالْمُنَافِقِينَ”. (نفس المصدر، 5/ 254). في آية ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (التوبة/118)، نُقل “وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خَالَفُوا”. (نفس المصدر، 5/ 310). في آية ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان/74)، نُقل “وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُتَّقِينَ إِمَامًا”. (نفس المصدر، 7/ 504). في آية ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (الرعد/11)، نُقل “يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ”. (نفس المصدر، 6/ 223). لم يبدِ الشيخ الطوسي بعد نقل هذه الروايات رأيًا في ردها أو قبولها. فقط في الحالة الأخيرة (الرعد/11)، اعتبر القراءة المنقولة عن أهل البيت من باب التفسير. ينقل الشيخ الطوسي في آية ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (الواقعة/29) أنه لما قُرئت هذه الآية عند أمير المؤمنين (ع)، سأل القارئ متعجبًا: ما الطلح؟! إن هذه الآية هكذا: “وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ”، ومثلها آية ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (الشعراء/148). سأل القارئ الإمام: هل نغيرها؟! فقال الإمام: “القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول”. أي لا يُمَس القرآن اليوم ولا يُغيّر. (نفس المصدر، 9/ 495). وقد نقل هذا الحديث قبل الشيخ الطوسي، محمد بن جرير الطبري (ت. 310هـ) بسند متصل. (الطبري، جامع البيان، 1420: 23/ 111). على الرغم من أن الشيخ الطوسي لم يقل شيئًا في باب قبول أو رد هذا الحديث، إلا أن سيرة الأئمة المعصومين وعلماء الشيعة، وبالطبع الاعتبار العقلي، توافق هذا الحديث، والعبث وتغيير كلمات القراءة وحتى رسم المصحف سيكونان بلا شك غير جائزين وسيحملان عواقب لا يمكن تداركها. في مجمل الآثار التفسيرية والحديثية والفقهية، قبل الشيخ الطوسي في موضع واحد وبشكل صريح حديثًا من المعصوم كقرينة قاطعة لتحديد قراءة قرآنية. أحد أكثر اختلافات القراءة تأثيرًا وإثارة للجدل هو آية الوضوء: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (المائدة/6). من القراء السبعة، ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم بنقل أبي بكر قرأوا “أَرْجُلِكُمْ” (بالجر)، ونافع وابن عامر والكسائي وعاصم بنقل حفص قرأوا “أَرْجُلَكُمْ” (بالنصب). ينقل الشيخ الطوسي حديثًا مسندًا عن الإمام الباقر (ع). يسأل الراوي، غالب بن هذيل، الإمام: كلمة “أرجلكم” في الآية بالجر أم بالنصب؟ فيجيب الإمام: بالجر. يقبل الشيخ الطوسي هذا الحديث ويختار القراءة بالجر، وبالطبع يوجه مسح الرأس في الوضوء بناءً على قراءة النصب أيضًا. (الطوسي، تهذيب الأحكام، 1417: 1/ 72).
القراءة الراجحة عند الشيخ الطوسي
بعد تعداد شروط اعتبار القراءة من وجهة نظر الشيخ الطوسي، ننتقل إلى دراسة وجوه ترجيح القراءة لديه. في بعض الحالات، يرجح الشيخ الطوسي إحدى القراءات على الأخرى بناءً على شواهد. ونعدد وجوه الترجيح هذه:
1. المناسبة مع آيات القرآن الأخرى
في بعض الحالات، يرجح الشيخ الطوسي قراءة في آية بسبب مناسبتها لآية أخرى. انظر إلى الأمثلة الثلاثة التالية:
1. في آية ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ (آل عمران/37)، رُوي اختلاف القراءة هكذا: قراء الكوفة قرأوا “كَفَّلَهَا” (بالتشديد)، وباقي القراء قرأوا “كَفَلَهَا” (بدون تشديد). يرجح الشيخ الطوسي قراءة “كَفَلَهَا” لأنها أنسب مع آية ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران/44). في كلتا الآيتين، الفعل ثلاثي مجرد. (الطوسي، التبيان، 1405: 2/ 445).
2. في آية ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (يوسف/7)، نُقلت قراءة ابن كثير هكذا: “آيَةٌ لِلسَّائِلِينَ”. يقوي الشيخ الطوسي هذه القراءة لتشابهها مع آية ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ (المؤمنون/50). في كلتا الآيتين، كلمة “آية” مفردة وتدل على أن قصة يوسف وإخوته، كقصة المسيح وأمه، تُعد آية (علامة) واحدة متكاملة. (نفس المصدر، 2/ 445).
3. في آية ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء/11)، نقل الشيخ الطوسي قراءتين: ابن عامر وابن كثير وعاصم برواية أبي بكر قرأوا “يُوصَى” (للمجهول)، وباقي القراء قرأوا “يُوصِي” (للمعلوم). يرى الشيخ الطوسي أن القراءة بالكسر (للمعلوم) أقوى، لأن الحديث في بداية الآية عن المتوفى “إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ، وَوَرِثَهُ”. (نفس المصدر، 3/ 127).
2. الموافقة لقراءة الصحابة
في بعض الحالات، يرجح الشيخ الطوسي قراءة في آية بسبب موافقتها لقراءة منقولة عن أحد الصحابة. الصحابة الذين يقصدهم الشيخ الطوسي هم أولئك الذين كان لهم مصحف مستقل، ويبدو أن القراءة المنقولة عنهم لها أصل في مصاحفهم. انظر إلى الأمثلة الثلاثة التالية:
1. في آية ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال/19)، قرأ نافع وابن عامر وحفص “أَنَّ” (بالفتح)، وباقي القراء قرأوا “إِنَّ” (بالكسر). يرى الشيخ الطوسي أن قراءة الكسر أقوى لموافقتها لقراءة عبد الله بن مسعود. القراءة المنقولة عن ابن مسعود هي: “وَاللَّهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ”. بناءً على قراءة الكسر، تكون الواو في بداية الجملة استئنافية، وفي قراءة ابن مسعود أيضًا الواو استئنافية؛ لذا تتوافق قراءة الكسر مع قراءة ابن مسعود. (نفس المصدر، 5/ 90).
2. في آية ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (مريم/36)، قرأ أبو عمرو ونافع ويعقوب “أَنَّ” (بالفتح)، وباقي القراء قرأوا “إِنَّ” (بالكسر). في هذه الآية أيضًا، يرجح الشيخ الطوسي قراءة الكسر لموافقتها لقراءة أُبي بن كعب. القراءة المروية عن أُبي بدون واو، وكما مر في المثال السابق، تتوافق قراءة الكسر مع القراءة بدون واو. (نفس المصدر، 7/ 124).
3. في آية ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ (الأعراف/170)، قرأ أبو بكر “يُمْسِكُونَ” (باب الإفعال)، وباقي القراء قرأوا “يُمَسِّكُونَ” (باب التفعيل). يرى الشيخ الطوسي أن القراءة بالتشديد (باب التفعيل) أقوى لموافقتها لقراءة أُبي بن كعب. قرأ أُبي “مَسَّكُوا”، و”مَسَّكُوا” و”يُمَسِّكُونَ” كلاهما من باب التفعيل. (نفس المصدر، 5/ 20).
3. المناسبة مع الوجوه البلاغية
في بعض الحالات، يرجح الشيخ الطوسي قراءة في آية بسبب مناسبتها لوجوه بلاغية. انظر إلى الأمثلة الثلاثة التالية:
1. في آية ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (النساء/19)، نُقلت قراءتان: ابن كثير وحفص برواية أبي بكر قرأوا “مُبَيَّنَة”، وباقي القراء قرأوا “مُبَيِّنَة”. “مُبَيَّنَة” اسم مفعول، والقراءة بها تدل على أن فعل الفاحشة يجب أن يُظهَر. “مُبَيِّنَة” اسم فاعل، والقراءة بها تدل على أن فعل الفاحشة نفسه مُظهِر. يرجح الشيخ الطوسي القراءة بالكسر (مُبَيِّنَة)؛ لأن الشريعة لا تهدف إلى إظهار فعل الفاحشة. (نفس المصدر، 3/ 147).
2. في آية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (الروم/22)، قرأ عاصم برواية حفص “لِلْعَالِمِينَ”، وبالتالي جعل الآيات المذكورة خاصة بالعلماء، لكن باقي القراء قرأوا “لِلْعَالَمِينَ”، وبناءً على ذلك تكون الآيات لكل العالمين؛ لكل المكلفين الذين يمكنهم الاستدلال بهذه الآيات والاعتبار بها. يرى الشيخ الطوسي أن هذه القراءة أفضل وأكثر فائدة. (نفس المصدر، 8/ 229).
3. في آية ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة/40)، قرأ يعقوب الحضرمي “كَلِمَةَ اللَّهِ” (بنصب كلمة)، وباقي القراء قرأوا “كَلِمَةُ اللَّهِ” (بالرفع). بناءً على قراءة يعقوب، تكون الواو عاطفة لكلمة على كلمة، و”كَلِمَةَ اللَّهِ” معطوفة على مفعول “جَعَلَ”. ولكن بناءً على قراءة الرفع، تكون الواو استئنافية (أو عطف جملة على جملة)، و”كَلِمَةُ اللَّهِ” مبتدأ مرفوع. يرجح الشيخ الطوسي القراءة بالرفع؛ لأنه بناءً على قراءة النصب، كأن كلمة الله لم تكن أعلى وأسمى، وأصبحت أعلى في زمن وحدث معين، ولكن قراءة الرفع تدل على أن كلمة الله دائمًا وأبدًا عالية وسامية. (نفس المصدر، 5/ 215).
4. القراءة الأفصح
في بعض الحالات، يرجح الشيخ الطوسي قراءة في آية لكون كلمتها أفصح. انظر إلى الأمثلة الثلاثة التالية:
1. في آية ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ (المائدة/2)، قرأ عامة القراء “لَا يَجْرِمَنَّكُمْ” (ثلاثي مجرد)، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش “لَا يُجْرِمَنَّكُمْ” (باب الإفعال). يرى الشيخ الطوسي أن كلتا القراءتين صحيحة، ولكنه يرجح القراءة الأولى لكونها أفصح وأكثر شهرة. (نفس المصدر، 3/ 423).
2. في آية ﴿آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ (القصص/29)، قرأ عاصم “جَذْوَة”، وحمزة وخلف بن هشام “جُذْوَة”، وباقي القراء “جِذْوَة”. يرى الشيخ الطوسي أن الثلاثة كلمة واحدة، ولكنه يعتبر القراءة بالكسر أفصح وأكثر استخدامًا. (نفس المصدر، 8/ 135).
3. وفي آية ﴿فَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة/283)، قرأ أبو عمرو وابن كثير “فَرُهُنٌ” وباقي القراء “فَرِهَانٌ”. “رَهْن” مصدر ثلاثي مجرد، و”رِهَان” مصدر باب الإفعال. يرجح الشيخ الطوسي قراءة “فَرُهُنٌ” لكونها أفصح وأفضل. ولأن الألف الوسطى للكلمة لم تُكتب في رسم المصحف، فإن قراءة “فَرُهُنٌ” أكثر توافقًا مع رسم المصحف أيضًا. (نفس المصدر، 2/ 376). في هذين المثالين، يرجح الشيخ الطوسي قراءة القراء الآخرين على قراءة عاصم.
الخاتمة
يقبل الشيخ الطوسي، بصفته مفسرًا وفقيهًا شيعيًا بارزًا، تلاوة القرآن الكريم بالقراءات الشائعة، ويعتبرها المعنى الأكثر قبولًا لأحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف. بناءً على الشواهد والمستندات التي تم جمعها، يوضح الشيخ الطوسي أربع قواعد بشأن اعتبار القراءات المنقولة عن القرآن الكريم:
1. كل قراءة تخالف القواعد والأصول المسلم بها في اللغة العربية في فروع اللغة أو الصرف أو النحو أو البلاغة، فهي غير معتبرة.
2. كل قراءة شاذة لم تُنقل عن القراء المشهورين، بل حُكيت فقط عن قارئ أو قارئين غير مشهورين، فهي غير معتبرة.
3. كل قراءة ورد النهي عنها من النبي الأكرم أو الأئمة المعصومين بواسطة روايات معتبرة، فهي غير معتبرة.
4. كل قراءة تخالف رسم المصحف، فهي غير معتبرة. تلاوة القرآن الكريم بأي من هذه الأنواع الأربعة من القراءات غير جائزة، وبالطبع لا يمكن الاستدلال بمضمون مثل هذه القراءات. ولدى الشيخ الطوسي أربع قواعد أيضًا في باب ترجيح القراءة:
1. القراءة التي تكون أكثر انسجامًا مع آيات القرآن الأخرى، لها رجحان.
2. القراءة التي تتوافق مع القراءة المنقولة عن صحابة النبي الأكرم، خاصة الصحابة الذين لهم مصاحف مثل عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب، لها رجحان.
3. القراءة التي تتضمن وجوهًا بلاغية وأدبية، لها رجحان.
4. القراءة التي تتضمن كلمات أفصح وأكثر شيوعًا، لها رجحان. لا يمنح الشيخ الطوسي في وجوه الاعتبار أو الترجيح أي امتياز للقراءات السبع، أو خاصة لقراءة عاصم برواية حفص؛ بل أحيانًا يرجح قراءة أخرى على قراءة عاصم. يمكن للمعايير الأربعة للاعتبار والمعايير الأربعة للترجيح عند الشيخ الطوسي أن تكون خارطة طريق مناسبة للباحثين في مجال القرآن في اختيار القراءة والتفسير والفهم في مواضع اختلاف القراءة.
المصادر والمراجع
1. ابن الجزري، محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
2. ابن عاشور، محمد طاهر التونسي، التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية، 1974م.
3. ابن مجاهد، أحمد بن موسى التميمي البغدادي، السبعة في القراءات، مصر: دار المعارف، 1400هـ.
4. ابن مهران، أحمد بن حسين النيسابوري، المبسوط في القراءات العشر، دمشق: مجمع اللغة العربية، 1981م.
5. أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف، البحر المحيط في تفسير القرآن، بيروت: دار الفكر، 1412هـ.
6. أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل، شرح الشاطبية (إبراز المعاني من حرز الأماني)، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
7. الأزهري، محمد بن أحمد الهروي، معاني القراءات، الرياض: جامعة الملك سعود، 1412هـ.
8. الباقلاني، محمد بن الطيب، الانتصار للقرآن، بيروت: دار الحزم، 1422هـ.
9. البناء، أحمد بن محمد الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، بيروت: دار الكتب العلمية، 1427هـ.
10. السلطاني الرناني، محمد، المباني الكلامية لتفسير القرآن الكريم بالاعتماد على آثار الشيخ الطوسي، قم: معهد الحوزة والجامعة للبحوث، 1394هـ.ش.
11. الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1420هـ.
12. الطوسي (الشيخ)، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1405هـ.
13. الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط في الفقه، طهران: مكتبة مرتضوي، 1387هـ.
14. الطوسي، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام، طهران: مكتبة الصدوق، 1417هـ.
15. الفراء، يحيى بن زياد الديلمي، معاني القرآن، مصر: الدار المصرية، 1400هـ.
16. الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين، قم: دار الهجرة، 1409هـ.
17. القاضي، عبد الفتاح بن عبد الغني، البدور الزاهرة في القراءات العشر، بيروت: دار الكتب العربي، د.ت.
18. القرطبي، مكي بن أبي طالب، الإبانة عن معاني القراءات، القاهرة: دار النهضة، 1379هـ.
19. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: مؤسسة الوفاء، 1403هـ.
20. النحاس، أبو جعفر أحمد بن محمد، معاني القرآن، مكة: جامعة أم القرى، 1409هـ.