مناسبات الحكم والموضوع ودورها في فهم الأدلة

الملخص

حمزة فخر الدين عليزاده[1]

كل حكم ورَد في لسان الشارع المقدس على موضوعٍ ما، يُكتَشَف بالتدقيق فيه مناسبة أو مناسبات بين الحكم والموضوع، وهذه المناسبات هي التي تتسبب أحيانًا في ظهورٍ جديد للكلام. وبعبارة أخرى، يُفهم من الدليل عرفًا معنى أعم أو أخص من المعنى المذكور في الكلام. إن الهدف والضرورة من هذا البحث يكمن في كثرة تطبيقاته في الفقه، وقد يفتح بابًا جديدًا لاستنباط الأحكام؛ لأن الفهم الصحيح والدقيق لكل قضية وجملة يعتمد على أمور عدة، منها كشف مناسبة الحكم والموضوع وتمييز الصحيح والسقيم منها. إن مناسبات الحكم والموضوع تُعد قرائن متصلة أو منفصلة بالكلام؛ فتكون إما مانعة من ظهور الكلام أو كاشفة عن المراد الجدي. لا يمكن بيان ضابطة واحدة لهذه المناسبات – سوى أنها يجب أن تكون وفق الفهم العرفي – بل توجد طرق متعددة لكشفها بحسب اختلاف الموارد. كما تترتب ثمرات متعددة على مناسبات الحكم والموضوع، أهمها التوسعة أو التضييق في الحكم أو الموضوع.

المقدمة

مناسبات الحكم والموضوع هي عبارة عن ارتباط خاص بين الحكم والموضوع الوارد في لسان الدليل، والذي قد يؤدي أحيانًا إلى تكوّن ظهور جديد للجملة. هذا الاصطلاح وإن لم يكن مطروحًا بهذا العنوان في لسان القدماء، إلا أنهم في موارد كثيرة، لوجود مناسبات – سواء كانت مناسبة بين الحكم والموضوع، أو بين حكمين، أو بين موضوعين – قد خصصوا حكمًا بموضوع معين أو عدّوه من موضوع إلى موضوعات أخرى.[2] وبناءً عليه، فإن الاستناد إلى بعض المناسبات كان معمولًا به عمليًا في لسان المتقدمين أيضًا، ولكن هذا الاصطلاح بصورته الخاصة (مناسبة الحكم والموضوع) قد تبلور وتقوّى في لسان المعاصرين من أمثال المرحومين الحكيم والخوئي والإمام الخميني[3] في الفقه والشهيد الصدر في الأصول، واستُعمل في موارد متعددة. هذه المقالة، خلافًا لسائر الكتابات التي اقتصرت على التمسك بمناسبات الحكم والموضوع في بعض موارد الفقه، تتناول بعد بيان ضوابط الأخذ بالمناسبات وتبيين حدود البحث، استقصاء الطرق المتعددة لكشفها، كما تذكر عددًا من الثمرات المترتبة على هذا البحث.

مناسبات الحكم والموضوع

«النسبة» في اللغة هي الاتصال وارتباط شيء بشيء آخر (أحمد بن فارس، ج5، ص423). أما مناسبات الحكم والموضوع في اصطلاح علم الأصول: فالأحكام الواردة في لسان الشارع قد حُملت على موضوعات، وفي بعض الموارد تكون هذه الموضوعات ذات معنى عام، إلا أن الفهم العرفي يثبت ذلك الحكم لبعض أفراد الموضوع فقط دون جميعهم؛ مثلًا عندما يقال: (اغسل ثوبك إذا أصابه البول)، فمع أن للغسل مفهومًا عامًا يشمل الغسل بأي مائع، فإن العرف يفهم من هذا الدليل الغسل بالماء. وأحيانًا تكون الأحكام واردة على موضوع خاص أو حالة خاصة، ولكن العرف يتعدى بذلك الموضوع أو تلك الحالة إلى غيرها، ويعتبر المثال المذكور مجرد مثال، ويتعدى بالحكم إلى موارد أخرى؛ مثلًا عندما يقال: لا يجوز الوضوء من إبريق أصابته نجاسة، فإن العرف يعتبر الموضوع أعم من الإبريق، فيشمل كل إناء، وهذا الفهم بالتعميم أو التخصيص غالبًا ما يترتب على أمور يعبّر عنها بمناسبات الحكم والموضوع؛ وذلك أن للأحكام مناسبات ومناطات مرتكزة في الأذهان، وبسببها ينتقل الذهن إلى جهة أو جهات خاصة (الصدر، [د.ت]، ج1، ص257). البيان المذكور هو في الواقع ثمرة للمناسبات، ولا يقدم صورة دقيقة للتعريف؛ إضافة إلى أن له ثمرات متعددة أخرى غير التخصيص والتعميم، مثل فهم متعلق الحكم، والكشف عن معنى بعض الألفاظ، وغير ذلك. بناءً عليه، فإن ذكر هذين الموردين هو من باب ذكر أهم آثار مناسبات الحكم والموضوع، ويمكن بيان التعريف الجامع على النحو التالي: مناسبات الحكم والموضوع هي عبارة عن ارتباط بين الحكم والموضوع يؤدي إلى تكوّن ظهور جديد للجملة؛ سواء كان الظهور الجديد تغييرًا في معنى الموضوع أو معنى الحكم أو جهات أخرى. وهذه المناسبات تُدرك عقلًا أو شرعًا بحسب الارتكازات الخاصة بكل منهما؛ فالارتكازات هي السبب والأساس لمناسبات الحكم والموضوع. بناءً على التعريف المذكور، تتضح أمور عدة: 1. لا توجد قاعدة خاصة وواحدة لمناسبات الحكم والموضوع حتى تسري تلك القاعدة الكلية في كل مكان، بل إنها تختلف في الموضوع الواحد باختلاف المحمولات؛ فمثلًا كلمة «يد» تُستعمل لأجزاء مختلفة من اليد، كأطراف الأصابع إلى الذراع، وكذلك إلى المرفق أو إلى الرسغ، وحتى للكف فقط. ولكن عندما يقال: أكلت بيدي أو مسحت، فإنها تنصرف إلى خصوص الأصابع حتى الرسغ (الخوئي، [د.ت]، ج5، ص159). أما إذا استُعمل هذا الموضوع نفسه مع محمول آخر، مثل «قُطعت يد شخص»، فإنه ينصرف إلى ما فوق الرسغ، أو على الأقل يكون مجملًا. 2. مناسبات الحكم والموضوع لا اعتبار لها ما دامت أمرًا تخمينيًا ولا توجب ظهورًا. 3. كون المناسبة غير تخمينية لا يعني بالضرورة أن تكون أمرًا قطعيًا ويقينيًا، بل يكفي أن يفهم العرف منها بنحو ظني مناسبة بين الحكم والموضوع وتؤدي إلى ظهور؛ وإن لم تصل إلى حد اليقين، كما تنبه إلى ذلك المرحوم الشيخ فضل الله النوري (فضل الله النوري، [د.ت]، ص29). 4. في بحث حذف متعلق الحكم، استقرّ الرأي في ألسنة الأعلام على أن حذف المتعلق يفيد العموم، ولكن بالنظر إلى أن مناسبات الحكم والموضوع تعد من الظواهر، يتضح أنه في المرحلة الأولى يجب تحديد متعلق الحكم بالنظر إلى القرائن، ومن جملتها المناسبات (المظفر، ج1، ص256).

كون مناسبات الحكم والموضوع متصلة أو منفصلة

قيل إن مناسبات الحكم والموضوع من القرائن المتصلة بالكلام – أي القرائن غير اللفظية – التي تحسب مانعة من انعقاد الكلام على معناه الظاهري (الحكيم، ج10، ص205). مناقشة: كما سيأتي، تنشأ مناسبات الحكم والموضوع من عوامل عديدة، تكون في بعض الموارد من القرائن الحافة بالكلام، وتكون بمثابة المقيد المتصل؛ كالموارد التي تكون فيها المناسبة من البديهيات، وأحيانًا تُكتشف بإعمال النظر والتأمل. في هذه الحالة، لا يمكن اعتبارها من القرائن المتصلة بالكلام. ولكن، في نظر بعض الأعلام، فإن المخصصات اللبية، حتى لو كانت نظرية، تعمل عمل المخصص المتصل؛ أي أن إجمالها يسري إلى العام أيضًا؛ كما يرى الإمام الخميني ذلك.[4]

بيان المراد من الموضوع

طُرحت في كلمات الأصوليين ثلاثة معانٍ مختلفة لهذه الكلمة. (صحيفة ‘ذکری’ الدورية لمدرسة الإمام محمد الباقر الفقهية، العدد 40، مقتبس من كتاب الإجارة لآية الله الزنجاني، الجلسة 75، غير مطبوع). قبل المرحوم الأصفهاني: في كلمات الفقهاء قبل المرحوم الأصفهاني، «الموضوع» هو ما يقع مسندًا إليه في الجملة؛ فمثلًا في جملة «العالم يجب إكرامه» و«إكرام العالم واجب»، تكون كلمة «العالم» و«إكرام العالم» هما الموضوع على الترتيب، ولا يوجد مصطلح «متعلق» في هذا السياق. في كلام المرحوم الأصفهاني: موضوع الحكم هو الأفعال التي تعرض للوجود الذهني؛ فمثلًا في «الصلاة واجبة»، تكون «الصلاة» هي الموضوع. أما المتعلق فيكون حيثما كان الفعل متعديًا، مثل «أكرم العالم»، حيث يكون «الإكرام» هو الموضوع و«العالم» هو متعلق الموضوع. في كلام المرحوم النائيني (النائيني، [د.ت]، ج1، ص145): «موضوع الحكم» هو ما فُرض وجوده لتحقق الحكم؛ بحيث لو لم يوجد هذا الموضوع خارجيًا، لما تحقق الحكم. وبعبارة أخرى، الحكم مترتب على وجوده الخارجي؛ مثل «البلوغ» و«القدرة» اللذين يكون لوجودهما الخارجي دخل في فعلية الإرادة والحكم، ويحتاج إلى فرض تحققهما لتحقق الحكم. «متعلق الحكم» يعني ما يعرض له الحكم في الوجود الذهني. وبعبارة أخرى، الوجوب والحرمة يتعلقان بوجودهما الذهني؛ فمثلًا في جملة «الصلاة واجبة»، فإن وجود الصلاة الخارجي لا يتصف بالوجوب، بل إن ما تعلق به الوجوب هو وجوب الصلاة ذهنيًا، والوجوب الخارجي مسقط للتكليف، لا متعلقًا للوجوب؛ فبناءً عليه، «الصلاة» هي متعلق الحكم. أو في «أكرم العالم»، فإن «العالم» الذي فُرض وجوده يسمى موضوعًا، والمتعلق هو «الإكرام».[5] مقصودنا من الموضوع في هذا المبحث أعم من جميع هذه الاصطلاحات، وحتى على فرض أن المناسبة تكون بين غير الموضوع أو الحكم، فإنها تكون منشأ للانصراف؛ لذا من الأفضل أن نعبّر بـ«المناسبات الحكمية»، لا «مناسبات الحكم والموضوع»؛ كما عبر بذلك المرحوم الشيخ فضل الله (فضل الله النوري، [د.ت]، ص29).

دليلية أو قرينية مناسبات الحكم والموضوع

يقول المرحوم النائيني: «والحاصل: أن مناسبة الحكم والموضوع إنما نقول بها فيما إذا كان هناك دليل توجب المناسبة انعقاد ظهوره في مورد المناسبة، وإلا هي بنفسها ليست من الأدلة. وفي المقام بعد ما كان دليل نفي السهو مختصًا بالشك في عدد الركعات، فلا دليل في الشك في الأفعال حتى يتشبث بمناسبة الحكم والموضوع، فالتمسك بها في المقام يكون أشبه شيء بالقياس» (النائيني، [د.ت]، ج2، ص326). إن مناسبات الحكم والموضوع هي مجرد قرينة لتعيين المراد من الدليل وموجبة لانعقاد الظهور، لا أنها دليل مستقل على مطلوب ما؛ وبناءً عليه، لا يمكن التمسك بها إلا إذا ورد حكم في موضوع معين، ثم نعمم الموضوع أو نخصصه بالتمسك بالمناسبة؛ مثلًا في باب شُكوك الصلاة، لدينا دليل على عدم اعتبار الشك في عدد الركعات في النوافل، لكن الدليل ساكت عن الشك في أفعال الصلاة؛ لذا لا يمكن في حال الشك في الأفعال، بالاستعانة بالرواية الواردة في ركعات الصلاة والتمسك بمناسبة الحكم والموضوع، القول بعدم الاعتناء بالشك في الأفعال أيضًا. بناءً على هذه المسألة، يتضح أن مناسبات الحكم والموضوع لا تُستخدم إلا في الأدلة اللفظية وتؤدي إلى إيجاد ظهور؛ لذا في الموارد التي يكون فيها الدليل من الأدلة اللبية، كالإجماع، لا يمكن التمسك بهذه المناسبة لتوسعة الموضوع أو تضييقه. نعم، لو كان هناك قطع بعدم الفرق، فيمكن التعدي عن الموضوع (حسيني محمد، [د.ت]، ص175)، ولكن هذا اليقين لا علاقة له بمحل البحث.

الفرق بين مناسبات الحكم والموضوع والقياس واليقين بعدم الفرق

من خلال التعريف المتقدم، يتضح أن من الفروق بين مناسبات الحكم والموضوع والقياس هو أن المناسبة خاصة بالأدلة اللفظية، أما القياس فهو أعم. كما أن القياس من الأمور التخمينية والظنية، أما مناسبات الحكم والموضوع فتُحسب من الظهورات؛ لذا لا اعتبار لها ما دامت لا تؤدي إلى تكوّن ظهور وتكون تخمينية (الخميني، ج2، ص239). ووجه كونها خاصة بالأدلة اللفظية هو أنه في غير هذه الحالة لا دليل لدينا على اعتبارها ولا تشملها أدلة حجية الظواهر. والفرق بين المناسبة واليقين بعدم الفرق هو أنه، بناءً على أن المناسبة من الظواهر، فإن مستندها حجية الظواهر، أما حجية اليقين بعدم الفرق فهي ذاتية ولا تحتاج إلى دليل على اعتبارها. إشكال: حيث يكون الموضوع في لسان الدليل مشخصًا ومبينًا، لا يمكن بالتمسك بالعرف أن نجعل الموضوع أمرًا غير ما ورد في لسان الدليل، وإلا لزم أن يكون العرف مشرّعًا وجاعلًا. كما أنه ليس من الصحيح أن نعتبر شيئًا ما مصداقًا من مصاديق الموضوع استنادًا إلى العرف؛ لأن نظر العرف معتبر في تشخيص المفاهيم، لا في التطبيقات (الخوئي، [د.ت]، ج3، ص154). جواب: كما بُيّن، فإن مناسبات الحكم والموضوع تتعلق بالظواهر وفهم العرف في المفاهيم، لا في بحث التطبيقات أو التشريع، والمرحوم الخوئي نفسه قد استند في موارد متعددة إلى مناسبات الحكم والموضوع؛ وبناءً عليه، يتضح أن إشكاله ليس على كبرى مناسبات الحكم والموضوع، بل إشكاله صغروي، أي على وجود مثل هذه المناسبة في خصوص محل البحث.

عوامل نشأة مناسبات الحكم والموضوع[6]

تتعلق مناسبات الحكم والموضوع بفهم العرف وتتبع عوامل صُرّح ببعضها في بعض الكلمات، ويمكن استنباط بعضها الآخر بالنظر إلى المصاديق المذكورة للمناسبات. 1. عدم إمكان ثبوت الحكم للموضوع من جهة أو جهات خاصة: المستفاد من هذه الرواية: «محمد بن علي عن كلثم بنت مسلم قالت: ذكر الطين عند أبي الحسن (ع) فقال: أترين أنه ليس من مصائد الشيطان؟ ألا إنه لمن مصائده الكبار وأبوابه العظام» (الحر العاملي، [د.ت]، ج24، ص223). حُرمة الطين ثابتة، لكن جهة الحرمة غير محددة؛ لذا نكتشف بمناسبة الحكم والموضوع أن محط الحرمة هو الأكل، وأن جهة مثل المباشرة بالطين خارجة قطعًا عن مدلول الرواية؛ لأنها محال عرفًا (صنقور، [د.ت]، ج2، ص529). 2. القرائن الموجودة في نفس الكلام، أي المناسبة مع صدر وذيل الكلام: على سبيل المثال، عندما يقال: «حُرّمت الخمر لإسكارها»، لم تُبيّن جهة حرمة الخمر، وقد يُراد بها البيع والشراء أو الشرب أو أي تصرف آخر. لكن التعليل الموجود في الخطاب يتناسب مع حمل الحكم على الشرب؛ لأن الشرب هو الذي يوجب الإسكار (نفس المصدر).[7] 3. العلم بالملاكات والمناطات التي يعتمد عليها الشارع في صدور الأحكام: مثل الآية الشريفة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} (النساء، آية 23)، يمكن أن يتعلق الحرمة بالنظر أو اللمس أو التكلم أو أي فعل آخر. ولكن بالنظر إلى أن محبة النظر والتكلم وخدمة الأم… واضحة، وأن الشارع يلتفت قطعًا إلى هذه المصالح، فإننا نكتشف من خلال المناسبة بين الحكم والموضوع في الآية الشريفة أن الحرمة في الآية متوجهة إلى النكاح (صنقور، [د.ت]، ج2، ص530). 4. العلم بملاك وهدف الحكم نفسه: في حديث الرفع، البيع الاضطراري صحيح وغير مشمول بحديث الرفع؛ لأن غرض «الرفع» في الرواية هو تسهيل الأمر على المكلفين والامتنان عليهم؛ وبناءً عليه، فإن النظر إلى مصلحة هذا الحكم يقتضي ألا يشمل «المضطر» موارد مثل المضطر إلى البيع ونظائرها من الأمور التي تخالف الامتنان. يقول الإمام الخميني في بحث المحمول المتنجس في الصلاة: «يمكن الاستدلال على مانعية المحمول المتنجس بصحيحة زرارة: لا صلاة إلا بطهور»، لأن هذه الرواية بمناسبة الحكم والموضوع تشمل المحمول المتنجس أيضًا؛ ببيان أن الشخص المصلي والمناجي لربه يجب أن يكون بعيدًا عن كل قذارة ونجاسة سواء في لباسه أو بدنه أو ما يصاحبه».[8] أي بالنظر إلى أننا نعلم أن هدف الشارع من هذا الحكم هو الاجتناب من النجاسات، فإن مقتضى حكمة هذا الهدف هو لزوم الاجتناب من كل نجاسة وبأي شكل كان. مثال آخر: عندما يقال إن الصائم يجب أن يمتنع عن الأكل والشرب، فإن العرف، بالنظر إلى فهمه أن ملاك هذا الحكم هو إدراك العطش والجوع، يفهم أن استعمال الحقن المقوية حرام أيضًا؛ وإن لم يصدق عليه الأكل والشرب (آية الله الزنجاني، مجلة ‘تا اجتهاد’، العدد قبل الرابع عشر، [د.ت]). 4. غلبة جهة خاصة: في بعض الموارد، وإن كان الحكم قد ورد بصورة مطلقة وشاملًا لجهات مختلفة ومتعددة، إلا أن ما يغلب في الخارج هو جهة خاصة. ونتيجة لهذه الغلبة، ينصرف اللفظ إلى تلك الجهة الخاصة؛ مثل الآية الشريفة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (المائدة، آية 3)، فمع أن الحرمة المذكورة يمكن أن تتجه إلى أمور أخرى، إلا أنه لما كانت الفائدة الغالبة المتصورة للميتة هي الأكل، فإن مناسبة الحكم والموضوع وظهور اللفظ تؤدي إلى انصراف الحرمة إلى الأكل (صنقور، ج2، ص531). مثال آخر: في بحث المسح، يطرح سؤال: هل يجب على الماسح أن يستخدم خصوص أصابع اليد أم كف اليد، أو حتى الذراع يجزئ؟ يقول المرحوم الخوئي: مع أن «اليد» تطلق على جميع هذه الموارد، إلا أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون المراد كف اليد والأصابع؛ لأن المسح غالبًا ما يتم بكف اليد والأصابع، لا بالذراع؛ كما في قولك: أكلت بيدي، شربت، ضربت، فكل هذه الموارد تنصرف إلى كف اليد والأصابع بسبب القرينة المذكورة (الخوئي، [د.ت]، ج4، ص159). إشكال: إن غلبة فرد أو جهة خاصة أو فائدة خاصة لا يمكن أن تؤدي إلى تكوّن مناسبة بين الحكم والموضوع، وبالتالي ظهور الكلام في معنى جديد؛ لأن الالتزام بمثل هذا الأمر محال ويؤدي إلى تكوّن فقه جديد ورفع اليد عن جميع الإطلاقات والعمومات؛ إذ لا يوجد مورد إلا وله أفراد غالبة وكثيرة. 5. استحالة التقارن بين الحكم والموضوع: في بعض الموارد، يكون التزامن والتقارن بين الحكم والموضوع محالًا. على سبيل المثال، في الآية الشريفة {السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (المائدة، آية 38)، مع أن ظاهر تعليق الحكم على الوصف هو أن دوران الحكم مدار الوصف، إلا أننا نرفع اليد عن هذا الظاهر بقرينة مناسبة الحكم والموضوع؛ لأنه في الآية الشريفة، مقارنة الحكم – أي قطع اليد – مع الوصف – أي السرقة – محال عادةً؛ لذا فإن هذه الاستحالة تؤدي إلى إيجاد مناسبة خاصة تقتضي رفع اليد عن اعتبار المقارنة (السيستاني، [د.ت]، ص260). 6. التناسب مع بقية الأحكام: يطرح المرحوم العلامة في بحث استحباب الأذان هذه الرواية: «عنه عن محمد بن الحسين عن جعفر بن بشير عن حماد بن عثمان عن عبيد بن زرارة عن أبيه قال: سألت أبا جعفر (ع) عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة، قال: فليمض في صلاته فإنما الأذان سنة» (الحر العاملي، [د.ت]، ج5، ص434). ثم يستدل بها فيقول: الحكم المذكور في الرواية «فليمض على صلاته» يتناسب مع أن المراد من السنة هو الاستحباب.[9] 7. التناسب أو عدم التناسب مع الأمور العقلية: في بحث عدم جواز أخذ الأجرة على الواجبات، وبالتالي عدم جواز أخذ الأجرة على الصناعات التي يتوقف عليها النظام، أُشكل بأن حفظ النظام متوقف على أصل العمل، لا على العمل التبرعي. يجيب المرحوم الأصفهاني على هذا الإشكال بقوله: مع أن حفظ النظام لا يتوقف على العمل التبرعي، إلا أن العقل يرى تنافيًا بين وجوب العمل وأخذ الأجرة؛ لذا بمناسبة الحكم والموضوع، يحكم بعدم جواز أخذ الأجرة على الصناعات التي يتوقف عليها معاش الناس (الأصفهاني، [د.ت]، ص213). 8. المنافاة مع الطبع (ولو لم يكن هناك تنافٍ عقلي أو شرعي): يقول المرحوم الأصفهاني: في حال ترك شخص في الصلاة عملًا غير ركني، سواء كان تركه عمديًا أم سهويًا، لا يوجد مانع عقلي من جريان حديث «لا تعاد»، ولكن في حال الترك العمدي، يرى الطبع السليم منافاةً، بمناسبة الحكم والموضوع، بين وجوب مجموعة وعدم وجوب الإعادة في حال الإخلال ببعض أفراد هذه المجموعة (الأصفهاني، [د.ت]، ص53). 9. مقارنة حكم بنظائره العرفية: في باب تطهير المتنجس، تنصرف أدلة التطهير، بمناسبة الحكم والموضوع، عن صورة ورود المتنجس على الماء (الحائري المرتضى، [د.ت]، ج2، ص197). تُستفاد هذه المناسبة بين الحكم والموضوع من مقارنة القذارات الشرعية بالقذارات العرفية وتطهير الشرعي بالتطهير العرفي؛ فبناءً عليه، كما أنه في تطهير القذارات العرفية يلزم ورود الماء على الشيء المتسخ، فكذلك في النجاسات الشرعية. مثال آخر: في بحث تعدد الإصابة بالنجاسة وكفاية التطهير مرة واحدة، قيل: المستفاد من أدلة التطهير بحسب مقارنة القذارات العرفية بالشرعية هو كفاية التطهير مرة واحدة؛ لأن أدلة التطهير تُحمل على معنى يدركه العرف بمناسبة الحكم والموضوع (نفس المصدر، [د.ت]، ص247). 10. توقف صدق أو صحة الكلام على إرادة معنى خاص: في بعض الموارد، يكون الكلام كذبًا بدون إرادة معنى خاص، أو لا يكون صحيحًا عرفًا أو شرعًا أو عقلًا، وفي المنطق يعبر عن هذا المطلب بدلالة الاقتضاء. مثل هذه الرواية «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»؛ لأننا نجد بالوجدان أن الضرر والضرار كثيران في الدنيا؛ وبناءً عليه، للحفاظ على الكلام من الكذب، ينصرف إلى الأحكام والآثار الشرعية؛ أي أن الأحكام التي توجب الضرر منتفية. وكذلك في حديث الرفع. ومثال آخر الآية الشريفة {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}؛ لأن صحة هذه الآية عقلًا متوقفة على أن يكون المراد من القرية أهل القرية.

الثمرات المترتبة على مناسبات الحكم والموضوع

كما أشير إليه، تترتب آثار مختلفة على المناسبات المذكورة، وهي كالتالي: 1. الانصراف: يمكن اعتبار الانصراف من أهم الثمرات المترتبة على مناسبات الحكم والموضوع، والذي يظهر بالأنحاء التالية (التوسعة أو التضييق):

أ) تضييق دائرة الموضوع

يقول المرحوم الأصفهاني في بحث حديث «لا تعاد»: مع أن هذه الرواية عامة ولا يوجد مانع عقلي من شمولها حتى لموارد التخلف العمدي، إلا أنها بمناسبة الحكم والموضوع تختص بغير صورة العلم والعمد (الأصفهاني، [د.ت]، ص53). وكذلك الروايات الواردة في وجوب تأخير الصلاة لفاقد الماء (وسائل الشيعة، 3/384)، قُيّدت وحُملت، بمناسبة الحكم والموضوع، على صورة تحقق احتمال وجود الماء في آخر الوقت (آقا ضياء، [د.ت]، ج1، ص314). بعض الأكابر في بحث عدم وجوب السورة للمريض، بعد طرح هذه الرواية: «عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع): يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها، ويجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوع بالليل والنهار»، يقول: مع أن إطلاق هذه الرواية يشمل المريض الذي لا يجد مشقة في تلاوة السورة، إلا أنه ليس من البعيد أن تنصرف، بمناسبة الحكم والموضوع، إلى خصوص مورد المشقة (الحكيم، [د.ت]، ج6، ص154). يقول المرحوم الميلاني في توضيح رواية: «عن أبي عبد الله الحسين (ع): إن مجاري الأمور والأحكام بيد العلماء بالله تعالى، الأمناء على حلاله وحرامه» (تحف العقول، [د.ت]، ص238): بمناسبة الحكم والموضوع، تُقيّد الرواية بالأمور التي لها جهة شرعية وشأنها أن تتم بتدبير ونظر الشارع (الميلاني، [د.ت]، ص273). من المصاديق الأخرى للتضييق: رواية «المؤمنون عند شروطهم»، وآيتا {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} و {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}، حيث تنصرف كل منها على الترتيب وتُقيّد بشروط غير مخالفة للشرع، والمحافظة على الفرج من الزنا لا من البرد والحر مثلًا، وغض البصر عن النظر إلى غير المحرم لا عن كل نظر (آية الله الزنجاني، مجلة ‘تا اجتهاد’، العدد قبل الرابع عشر، [د.ت]).

ب) التوسعة في الموضوع وإلغاء الخصوصية

من الآثار المهمة الأخرى لمناسبة الحكم والموضوع، إلغاء خصوصية الموضوع والتعدي إلى موارد أخرى؛ مثل جريان حكم كثير الشك في غير الصلاة بالتمسك بالروايات الخاصة بباب الصلاة (الصدر، [د.ت]، ج4، ص94)، وكذلك الحكم بكيفية لباس المرأة في الصلاة بالتمسك بالروايات الواردة في لباس الرجل (الداماد، [د.ت]، ج2، ص171)، وأيضًا التعدي من الرجال إلى النساء في مسألة الشاك في الصلاة بالتمسك بالروايات الواردة في حق الرجال. مثال آخر: من الأدلة المطروحة لمانعية الحائل في صلاة الجماعة هذه الرواية: «علي بن إبراهيم عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: إن صلى قوم وبينهم وبين الإمام ما لا يتخطى فليس ذلك الإمام لهم بإمام، وأي صف كان أهله يصلون بصلاة إمام وبينهم وبين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم، فإن كان بينهم سترة أو جدار فليست تلك لهم بصلاة…» (الكليني، [د.ت]، ج3، ص385). يقول المرحوم الحكيم في ذيل هذه الرواية: يُحتمل أن يكون المراد من الساتر هو الحائل المطلق، ولو لم يمنع من المشاهدة، وشاهد هذا المطلب هو مناسبة الحكم والموضوع؛ لأن الظاهر من الرواية أن مانع تحقق صلاة الجماعة هو الانفصال وعدم اجتماع المصلين، ولو لم يمنع من المشاهدة (الحكيم، [د.ت]، ج7، ص236).

ج) الكشف عن متعلق الحكم

في جميع الموارد التي يكون فيها متعلق الحكم محذوفًا (الآيات والروايات التي تعلقت فيها الحرمة والوجوب بالذات لا بالفعل)، إذا وجدت مناسبة بين الحكم والموضوع، يمكن الكشف عن متعلق الحكم؛ لأنه بوجود بعض المناسبات، تنصرف الحرمة أو الوجوب إلى بعض الأفراد الخاصة مثل الأكل أو الشرب أو النكاح.

د) تقييد الحكم بزمان خاص

يقول المرحوم الشهيد مصطفى الخميني في مبحث التصوير، بعد بيان الإجماع على حرمة تجسيم ذوات الأرواح وأن التجسيم هو القدر المتيقن من الأخبار: يُحتمل أن تكون أدلة النهي ناظرة إلى الزمن الذي كانت فيه المجسمات تُعبد كأصنام، لا في كل زمان. أما في سائر الأزمنة، فليس من البعيد أن تُحمل هذه الأدلة، بمناسبة الحكم والموضوع، على الكراهة (الخميني مصطفى، [د.ت]، ج1، ص374). وبناءً عليه، فإن الحرمة الواردة في الأدلة منصرفة إلى زمان خاص.

2. إيجاد الاعتبار والمفهوم للوصف

كما هو مطروح في الأصول، فإن المشهور بين العلماء قائلون بعدم حجية الوصف.[10] ونتيجة لذلك، طُرحت تقريبات لتوجيه دلالة الآية على حجية خبر العادل. أحد هذه التقريبات هو التمسك بمفهوم الوصف، ببيان أنه إذا لم نقل بحجية مفهوم الوصف مطلقًا، فإنه في هذا المقام يكون حجة بمناسبة الحكم والموضوع، ويدل على عدم وجوب التبيّن في خبر العادل، كما أن هذه المناسبة موجودة أيضًا في مثل «أكرم العالم» و«أهن الفاسق» (الأصفهاني سيد أبو الحسن، [د.ت]، ج1، ص504).

4. معرفة معاني الألفاظ

يقول المرحوم الشيخ الطوسي في دلالة هذه الرواية «عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (ع) عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة، قال: فليمض في صلاته فإنما الأذان سنة» على استحباب الأذان والإقامة: مع أن «السنة» تُستعمل بمعنى السنة الواجبة أيضًا، إلا أن ما يتناسب مع الحكم المذكور في الرواية «فليمض على صلاته» هو أن تكون السنة بمعنى الاستحباب (الطوسي، [د.ت]، ج2، ص122).[11]

5. إحراز المناط

في بعض الموارد، يكشف العرف، بالنظر إلى مناسبات الحكم والموضوع، أن ملاك الحكم موجود في فرض العجز كما هو في فرض القدرة؛ وبناءً عليه، حتى لو أخذ الشارع القدرة شرطًا في التكليف، فإن العرف يدرك الملاك حتى في موارد العجز. ونتيجة لذلك، لا مجال لجريان البراءة في حال الشك في القدرة، وتجري قاعدة الاشتغال (الزنجاني، [د.ت]، ج2، ص711).

6. تعيين نوع دخالة العنوان في الحكم

العناوين الواردة في موضوع الأحكام على ثلاثة أقسام: أ) مجرد عنوان مشير ولا دخالة له في ثبوت الحكم؛ مثل: اسأل هذا الجالس. ب) تحقق العنوان سبب لتحقق الحكم واستمراره، وإن زال العنوان يبقى الحكم؛ مثل الآية الشريفة {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. ج) العنوان علة لحدوث وبقاء الحكم؛ بمعنى أنه بزوال العنوان يزول الحكم أيضًا؛ مثل: «المسافر يقصر». يمكن لمناسبة الحكم والموضوع أن تكون كاشفة عن نوع دخالة الموضوع في الحكم، وفي بعض الموارد، بدون وجود مثل هذه المناسبة، لا يمكن كشف كيفية دخالة العنوان (آية الله الزنجاني، مجلة ‘تا اجتهاد’، العدد قبل الرابع عشر).

المناقشات الصغروية في التمسك بمناسبات الحكم والموضوع

في بداية البحث، طُرحت المناسبات كقرائن توجب تكوّن ظهور للكلام، ونُسبت حجيتها إلى حجة الظواهر؛ وبناءً عليه، يجب أن تكون مناسبات الحكم والموضوع بحيث تكون صانعة للظهور ومفهومة للجميع، لا أن يُحمّل الكلام عليها بصعوبة وتوجيهات بعيدة. بينما في الموارد التالية، لا يُرى مثل هذا الظهور إلا بتكلف وتوجيه. 1. يطرح المرحوم الهمداني في مبحث مكروهات الجنب والحائض روايتين، في إحداهما ورد النهي عن قراءة أكثر من سبع آيات، وفي الأخرى نهي عن أكثر من سبعين آية.[12] يقول بعد حمل النهي على الكراهة وتوجيه الروايتين على مراتب الكراهة: ليس من البعيد، بمناسبة الحكم والموضوع، أن نقول إن ما زاد على سبعين آية له كراهة أشد.[13] إشكال: من هاتين الروايتين، لا تُستفاد إلا مرحلتان من الكراهة، ولكن لا يُستفاد أن الكراهة تشتد كلما زاد عدد الآيات؛ لذا ورد في إحدى الروايتين «سبع مرات» وفي الأخرى «سبعين مرة»، ولم يقل «أكثر من سبع مرات». نعم، لو كان النهي في الرواية الثانية عن أكثر من سبع مرات (لا خصوص سبعين أو عدد خاص) أو لو كانت هناك روايات متعددة تشتمل على أعداد مختلفة، لأمكن مثل هذا الاستنتاج. 2. في هذه الجملة «حرمت الخمر لإسكارها»، لم تُبيّن جهة حرمة الخمر، وقد يُراد بها البيع والشراء أو الشرب أو أي تصرف آخر. لكن التعليل الموجود في الخطاب يتناسب مع حمل الحكم على الشرب؛ لأن الشرب هو الذي يوجب الإسكار (صنقور، [د.ت]، ج2، ص529). مناقشة: كون الشيء مسكرًا قد يكون سببًا لإلغاء ماليته؛ لذا فإن متعلق الحرمة قد يكون البيع والشراء أو أي نقل وانتقال آخر، أو أعم من النقل والانتقال والشرب. 3. ليس من البعيد أن يُدّعى أن «المسح» في أدلة التيمم، بمناسبة الحكم والموضوع، ينصرف إلى انتقال أثر التراب إلى الأعضاء؛ أي أنه عند المسح يجب أن ينتقل مقدار من التراب إلى ظهر اليدين والوجه (الهمداني، [د.ت]، ج6، ص280). مناقشة: يقول الإمام الخميني في الإشكال على هذا الادعاء: إن المرتكز من قيام التراب مقام الماء هو أن يقوم التراب نفسه مقام الماء، لا أن يقوم أثره مقامه.[14] 4. يقول المرحوم السيد اليزدي: قيل في مثل هذا المثال «أكرم العلماء ولا تكرم العلماء»، بقرينة الحكم والموضوع، نحكم في المورد الأول على العدول من العلماء وفي المورد الثاني على الفساق؛ لأن العدالة تتناسب مع الإكرام والفسق يتناسب مع حرمة الإكرام. ثم يشكل على هذا المطلب فيقول: إن أمثال هذه الأمور من الاستحسانات العقلية التي لا توجب أبدًا تكوين دلالة لفظية تكون مورد فهم العرف (اليزدي، ج3، ص452). 5. في بحث استحباب أو وجوب الأذان، استُشهد بهذه الرواية: «عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (ع) عن رجل نسي الأذان والإقامة حتى دخل في الصلاة، قال: فليمض في صلاته فإنما الأذان سنة». يقول المرحوم الشيخ الطوسي في دلالة هذه الرواية على استحباب الأذان والإقامة: مع أن لفظ «سنة» يُستعمل بمعنى السنة الواجبة أيضًا، إلا أن ما يتناسب مع الحكم المذكور في الرواية «فليمض على صلاته» هو أن تكون السنة بمعنى الاستحباب (الطوسي، [د.ت]، ج2، ص122). مناقشة: من الممكن أن تكون «السنة» في مقابل «الفريضة»، وبمعنى «ما فرضه النبي صلى الله عليه وآله»، وهو ما ورد في روايات أخرى أن السنة لا تبطل الفريضة (الصدوق، [د.ت]، ج1، ص339). بعبارة أخرى، السنة بمعنى الوجوب، ولكن في مقابل الركن؛ وبناءً عليه، بما أن الأذان واجب وليس ركنًا، فلا حاجة إلى إبطال هيئة الصلاة وقراءة الأذان والإقامة. 6. يقول المرحوم الميلاني في مباحث صلاة المسافر: لو ترك المكاري عمله في البلد وقت الإقامة، فمن الممكن، بقرينة الحكم والموضوع، أن نقول بوجوب القصر في سفره اللاحق؛ لأن الصلاة بالنسبة له ذات مشقة (الميلاني، [د.ت]، ص212). إشكال: ظاهر كلامه أن علة قصر الصلاة هي رفع المشقة عن المسافر؛ لذا، بالاستناد إلى هذه العلة وبمناسبة الحكم والموضوع الناشئة من العلم بعلة الحكم، يطرح احتمال وجود القصر. بينما إذا ثبت مثل هذا الدليل على قصر الصلاة، فلا حاجة إلى مناسبة الحكم والموضوع، ويكون المستند هو تلك العلة المذكورة. 7. في مورد مدة حق الحضانة للأم، هناك خلاف حول ما إذا كانت مختصة بأيام الرضاعة أم حتى سن السنتين؛ يقول آية الله الشبيري: بحسب المتفاهم العرفي وكذلك مناسبة الحكم والموضوع، يقتضي أن تكون هناك خصوصية لأيام الرضاع، وأن يكون ميزان الرضاع هو المقياس لا السنتين؛ وبناءً عليه، لو فُطم الطفل قبل السنتين، فلا حضانة بعد ذلك (الزنجاني، [د.ت]، ج25، ص796). مناقشة: الالتزام بهذه المناسبة أمر بعيد، والرواية ظاهرة في غير هذا المعنى؛ لأنه يمكن القول باحتمال قوي: من الممكن أن يكون الشارع قد جعل للسنتين موضوعية، وأخذ في الاعتبار وجوهًا أخرى بالإضافة إلى الرضاعة، مثل الحاجات العاطفية للطفل والحاجة إلى الرعاية الخاصة… ولم يطرح بحث الرضاعة فقط؛ لذا نرى إجماعًا (ابن إدريس، [د.ت]، ج2، ص653) على أن حق حضانة البنت حتى سبع سنوات مع الأم، وهذه قرينة على أن الشارع المقدس قد أخذ في الاعتبار أمورًا أخرى أيضًا.

النتيجة

إن مناسبات الحكم والموضوع، مع أنها يمكن أن يكون لها دور كبير في الفهم الدقيق للأدلة واستنباط الأحكام، إلا أنها لم تُبحث إلا نادرًا أو لم تُبحث أصلًا؛ لذا هناك حاجة إلى بحث ودراسة واسعة لتتضح جوانبها الخفية، وكذلك للحفاظ عليها من الخطأ في التمسك بها. توجد طرق متعددة لكشف المناسبات؛ منها القرائن الموجودة في نفس الكلام، والعلم بمناطات الأحكام، ومناسبة حكم معين مع سائر الأحكام، وغيرها. بعض الثمرات المترتبة على المناسبات هي كالتالي: الانصراف، وهو من أهم الآثار، ويتجلى في شكلين: تضييق دائرة الحكم أو توسعته، ومعرفة معنى بعض الألفاظ، وكشف مناط الحكم.

الهوامش

1. حمزة فخر الدين علي زاده، المستوى الرابع، الحوزة العلمية بقم: hamzealizadeh@gmail.com.

2. على سبيل المثال، يراجع المصادر التالية: السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، ج3، ص466، في مبحث الحدود والتعزيرات؛ تذكرة الفقهاء (ط. الحديثة)، ج2، ص6، في مبحث تكفين الميت بجلد حيوان؛ نفس المصدر، ص142، في مبحث إقامة صلاة العيدين في الصحراء لأهل مكة؛ مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، ج1، ص432، في بحث التيمم وضرب اليدين مرة أو مرتين على الأرض؛ منتهى المطلب في تحقيق المذهب، ج1، ص157، في حجية الرواية الضعيفة الموافقة للمذهب.

3. يقول المرحوم الإمام في موضع: «أما مناسبة الحكم والموضوع؛ فلأنها أمر ظني تخميني لبعض الفقهاء، فلا تصير منشأ للانصراف عند العرف». مراد سماحته ليس مناقشة أصل اعتبار مناسبة الحكم والموضوع (كما قيل)، بل هو نفسه يستند في موارد متعددة إلى مناسبة الحكم والموضوع، فمقصوده إشكال صغروي، أي في مناسبة ادُعيت في بعض المقامات.

4. يقول المرحوم الإمام الخميني في مناقشته لكلام المرحوم الشيخ: «ولا يخفى أن في كلامه: أنظاراً نشير إلى مهماتها، منها: أن المخصص اللبي يسري إجماله إلى العام مطلقاً ضرورياً كان أو نظرياً. أما الأول، فلأنه بحكم المتصل اللفظي، يمنع عن انعقاد الظهور إلا في العام المقيد بالعنوان المردد بين الأقل والأكثر كالعلماء العدول، فلا يثبت حجيته إلا في المتيقن لا المشكوك. وأما الثاني، فلأنه بعد الانتقال إلى حكم العقل ولو بعد برهة من الدهر يُستكشف عن أن ما تخيله من العموم كان أمراً غير صحيح، بل كان الكلام من أول الأمر مقيداً بغير عنوان المخصص لوجود حكم العقل في زمن الصدور وإن كان المكلف غير ملتفت» (تهذيب الأصول، ج2، ص345).

5. التوضيحات المذكورة هي من إفادات آية الله الزنجاني، ونص كلام المرحوم النائيني الذي هو أبلغ من هذا التعبير كالتالي: «لا إشكال في أن كل حكم له متعلق وموضوع. والمراد من المتعلق هو ما يطالب به العبد من الفعل أو الترك، كالحج، والصلاة، والصوم، وغير ذلك من الأفعال. والمراد بالموضوع هو ما أخذ مفروض الوجود في متعلق الحكم، كالعاقل البالغ المستطيع مثلاً. وبعبارة أخرى: المراد من الموضوع هو المكلف الذي طولب بالفعل أو الترك بما له من القيود والشرائط: من العقل والبلوغ وغير ذلك».

6. ذكر آية الله الزنجاني موارد متعددة في هذا الصدد. راجع: مجلة ‘تا اجتهاد’، العدد قبل الرابع عشر.

7. هذا المثال محل مناقشة وسيأتي قريبًا.

8. «بدعوى شمولها (صحيحة زرارة) للمحمول (محمول متنجس) بمناسبة الحكم والموضوع بأن يقال: إن المصلي المناجي لربه القائم بين يدي الجبار، لا بد وأن يكون طاهراً نقياً عن الأدناس والأرجاس مطلقاً في بدنه وثوبه ومصاحباته». (الطهارة للإمام الخميني، ط. الحديثة)، ج4، ص55).

9. «ثانيةً: لفظة (السنة) مشترك بين الندب وما استفيد من سنة النبي (ص)، والمراد بها هنا الأول، لأنها المناسبة للحكم دون الثاني». (مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، ج2، ص122).

10. أعم من الوصف المعتمد على موصوف أو الوصف غير المعتمد الذي يعبر عنه بمفهوم اللقب، والمثال المذكور هو للقسم الثاني.

11. هذا المثال محل مناقشة وسيأتي.

12. عن سماعة، قال: سألته عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ قال: «ما بينه وبين سبع آيات»، عن زرعة عن سماعة، قال: «ما بينه وبين سبعين».

13. «ومقتضى الجمع بينها وبين السابقة هو الالتزام بكراهة ما زاد على السبع. (وأشد من ذلك قراءة) ما زاد على الـ(سبعين) بل نفسها على احتمال (و) لا يبعد أن يدعى – لأجل المناسبة الظاهرة بين الحكم والموضوع – أن (ما زاد أغلظ كراهة) والله العالم». (المرحوم الهمداني، مصباح الفقيه، ج3، ص327 و 376).

14. «ودعوى: أن المسح منه على الوجه والكف ولو بمناسبة الحكم والموضوع منصرف إلى انتقال أثر من الأرض إلى الأعضاء، مدفوعة بأن ما هو المرتكز من قيام الصعيد مقام الماء، هو قيام نفسه مقامه، كما فعل عمار، لا قيام أثره، وبعد قيام الدليل على عدم لزوم ذلك، لا مجال لدعوى قيام الأثر، فلا يجوز رفع اليد عن الإطلاق، ولا دعوى الانصراف لأجل الارتكاز» (كتاب الطهارة للإمام الخميني، ط. الحديثة)، ج2، ص267).

Scroll to Top