الملخص
تتناول هذه المقالة بالبحث والدراسة الحجية في باب الأمارات على أساس مباني التنزيل، والتنجيز، والتعذير، وتقسيم الكشف، وتعرض الآثار المترتبة على كل من هذه المباني الثلاثة على أنظار القراء. وقد أشارت إلى وجوه الاختلاف بين مبنى الشيخ الأعظم القائل بكون الأمارة على نحو الطريقية والمرآتية وتنزيلها منزلة العلم، ومبنى المحقق الخراساني القائل بأن المجعول في الأمارات هو المنجزية والمعذرية، ومبنى المحقق النائيني الذي يرى أن المجعول في باب الأمارات هو تقسيم الكشف، وإلقاء احتمال الخلاف، والعلم التعبدي. ومن بين هذه النظريات الثلاث، اختارت المقالة نظرية تقسيم الكشف، معتبرةً دلالة الروايات وسيرة العقلاء تامةً على الرأي المختار، ولم تجد سائر الأنظار خالية من الإشكال.
المقدمة
من بين العلوم التي تُطرح كمقدمة لعلم الفقه، يحتل علم أصول الفقه مكانة خاصة، فهو أساس وقواعد فقه أهل البيت (عليهم السلام). ولا يتيسر لأحد الاجتهاد في علم الفقه دون فهم قواعد الأصول؛ وبالرغم من أن علم الأصول قد تأسس ووضعت أُسسه على يد الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام)(1) وتوسع بشكل كبير حتى يومنا هذا، إلا أنه لا تزال هناك بعض المباحث في علم الأصول لم تحظَ باهتمام كبير أو لم تُكشف بعد.
من المباحث التي لم تحظَ ببحث كافٍ في علم الأصول حتى الآن، بحث المجعول في الأمارات، مع أن هذا البحث يُعد من أهم مباحث علم الأصول. وتكمن أهميته في أن له ثمرات كثيرة في الفقه والأصول، إذ إن كل من يريد أن يكون صاحب رأي ونظر في علم الفقه والأصول، عليه أن يتناول هذا البحث بشكل جذري ويوضح مبناه. فطالما لم يتضح مبنى المجتهد في هذا البحث، سيواجه اضطرابًا في الرأي في عملية استنباط بعض الأحكام، لأن نتيجة المباني المتعددة في مجعول باب الأمارات في استنباط الأحكام من الأدلة الاجتهادية متفاوتة. في بعض الحالات، تكون نتيجة المباني مختلفة؛ فمثلًا، إذا كان شخص ما في مجعول باب الأمارات قائلًا بجعل المؤدى وجعل الحكم الظاهري، فإن رأيه سيختلف مع من يقول بمبنى الطريقية المحضة وإنكار جعل الحكم الظاهري، وذلك لأنه وفقًا للمبنى الأول، كلما انكشف الخلاف وأن مفاد الأمارة لم يكن هو الحكم الواقعي، فإن النتيجة هي الإجزاء وعدم لزوم الإعادة والقضاء، لأنه بناءً على هذا المبنى، في حال أخطأت الأمارة، يُجعل لحكمها الظاهري وفقًا لمؤداها مصلحة؛ فيكفي الإتيان بالحكم الظاهري عن الحكم الواقعي.
أما بناءً على المبنى الثاني، فالنتيجة هي عدم الإجزاء ولزوم الإعادة أو القضاء، لأن ما تم إنجازه لم يكن سوى سراب، فيجب إعادة الحكم الواقعي أو قضاؤه.
وتترتب ثمرات كثيرة أيضًا على الأنظار المختلفة في المجعول في باب الأمارات؛ مثل بحث 1. الإجزاء، 2. قيام الأمارات مقام القطع بأقسامه، 3. حل محذورات التعبد بالظن، 4. التجري في الأمارات، 5. خروج الأمارات من الأصل الأولي في الظنون، 6. تقدم الأمارات على الأصول العملية، 7. استصحاب مفاد الأمارات، 8. حجية المثبتات، 9. القاعدة الأولية في باب التعارض. من الواضح لدى أهل الفن أن اختلاف الأنظار في مجعول باب الأمارات في الموارد المذكورة آنفًا يوجب ثمرات فقهية متعددة. مثلًا، إذا كان شخص ما في المجعولات في باب الأمارات قائلًا بتنزيل مؤدى الأمارة بمنزلة الواقع أو تنزيل الأمارة بمنزلة العلم؛ فإن ثمرته الأصولية هي أن قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي بناءً على هذين المبنيين يواجه محذورًا وإشكالًا، لأنه يستلزم أن يجمع الشارع في تنزيل واحد لحاظين آلي واستقلالي هما ضدان؛ ومثل هذا الأمر يعد من المحالات في نظر العقل؛ وعلى أهل التحقيق والبحث أن يرتبوا فروعًا فقهية كثيرة على هذه الثمرة الأصولية.
2. علة ومنشأ ظهور البحث
إن علة ومنشأ ظهور هذا البحث، أي ما هو المجعول من الشارع في باب الأمارات؟ هي حل المحذورات والإشكالات التي توجد في أصل التعبد بالظن وموارد أخرى.
أما المحذورات الموجودة في أصل التعبد بالظن، فأهمها تفويت المصلحة، والإلقاء في المفسدة، واجتماع الضدين والمثلين وطلب الضدين؛ وهذه المحذورات ليست بجديدة، بل كانت مطروحة في زمن الشيخ المفيد والسيد المرتضى، لأن ابن قبة(2) الذي كان معاصرًا لهذين العلمين، قد طرح إشكال تحليل الحرام وتحريم الحلال في التعبد بالظن (العلامة الحلي، 1381: 243). وهو ما يعني تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة.
ولكن توجد محذورات أخرى أيضًا، من أهمها إجزاء الحكم الظاهري عن الواقعي، واستصحاب مفاد الأمارات، وقيام الأمارات مقام أقسام القطع، وخروج الأمارات المعتبرة من الأصل الأولي في الظنون. وحل جميع هذه المحذورات لا يتأتى إلا عن طريق مجعول باب الأمارات، لأن جميع هذه المحذورات والإشكالات تنشأ من جعل الحجية للأمارات. بناءً على ذلك، يجب أن يدفع مجعول باب الأمارات هذه الإشكالات والمحذورات ويحلها. بعبارة أخرى، يجب على الفقيه أن يختار مبنى في مجعول باب الأمارات يتسم بثلاث خصائص: 1. أن يحل محذورات وإشكالات التعبد بالظن بطريقة لا تؤدي إلى التصويب، لأنه إذا تمكن أي مبنى من حل محذورات التعبد بالظن، ولكنه من جهة أخرى أدى إلى التصويب، مثل نظرية جعل مؤدى الأمارة بمنزلة الواقع (الشيخ الأنصاري، 1428: 1/ 105)، فلا يجدي. 2. أن تدل عليه الأدلة. 3. ألا تواجه نفس النظرية إشكالات علمية وغير قابلة للحل.
محل النزاع في المسألة
مقصودنا من أن مجعول الشارع في باب الأمارات ما هو، هو أن معنى الحجية في باب الأمارات ما هو، لأن جميع المباني والأنظار التي كانت في مجعول باب الأمارات، قد قُدمت في تفسير حجية الأمارات.(3) في أصل حجية الأمارات الذي هو الوجه الجامع بين جميع المباني.(4) لا يوجد أي خلاف بينهم، كل الخلافات تكمن في أن الحجية في باب الأمارات، بأي معنى هي؟
في الإجابة على هذا السؤال وتصحيح جعل الأمارة وحل محذورات التعبد بالظن، طُرحت مبانٍ مختلفة بين الأصوليين.(5) من أهمها أنظار العلماء الثلاثة (الشيخ الأنصاري، والآخوند الخراساني، والميرزا النائيني). في الحقيقة، يجلس معظم الأصوليين على مائدة هؤلاء الأعلام الثلاثة، ويتبنون نظريتهم بشكل أو بآخر؛ ولا تلوح في الأفق نظرية جديدة ذات أهمية كبرى.
المجعول في الأمارات في نظر الشيخ الأنصاري (قده)
بدقة في عبارات الشيخ، يتضح أن مبناه في مجعول باب الأمارات هو الطريقية والمرآتية وتنزيل الأمارة بمنزلة العلم،(6) ولكن على وجه جعل المصلحة في سلوك الأمارة، أي من وجهة نظره، للأمارة بالنسبة لمؤداها طريقية ومرآتية، ولكن متى ما أخطأت وفاتت مصلحة الحكم الواقعي على المكلف، فإن الشارع يجعل مصلحة في السلوك والعمل بالأمارة، لتعويض تفويت مصلحة الواقع وحل سائر محذورات وإشكالات التعبد بالظن (الشيخ الأنصاري، 1428: 1/ 114 – 115).
في الواقع، إن حاصل نظر الشيخ في مجعول باب الأمارات هو هذه المصلحة السلوكية، لأنه أولًا: محذورات التعبد بالظن قابلة للحل بهذا المبنى؛ وثانيًا: ما يرفع الإبهام بالكامل عن حجية الأمارات هو أيضًا جعل المصلحة في سلوك الأمارة؛ والمعيار والضابطة في مجعول باب الأمارات هما هذان الأمران.
هذا المبنى، كما يتضح من اسمه، قائم على طريقية الأمارات، إذ الفرض هو أن سلوك الطريق يتضمن مصلحة، لذا ما لم نقل بطريقية الأمارات، لا يمكننا اختيار هذا المبنى.
حقيقة المصلحة السلوكية، من وجهة نظر الشيخ، هي أنه متى ما عمل المكلف وفقًا للأمارة، فإن أصاب الواقع، فثبت المطلوب، وتنجز عليه الحكم الواقعي نفسه، أما إذا كان مؤدى الأمارة مخالفًا للواقع؛ ففي هذه الحالة، تفوت حتمًا مصلحة الحكم الواقعي على المكلف، ولا يُجعل أي مصلحة في مؤدى الأمارة، لأن مثل هذا المبنى يستلزم التصويب؛ بل في نفس السلوك والعمل بمقتضى الأمارة، تُجعل مصلحة من طرف الشارع، لتعوض مصلحة الواقع بنسبة مئة بالمئة (نفسه، 526 – 527). لأن المكلف في العمل بالأمارة مطيع تمامًا لأمر الشارع؛ فيجب أن تُجعل مصلحة في نفس العمل بالأمارة، لتعويض تفويت مصلحة الواقع، وإلا فإن جعل الأمارات والعمل بمقتضاها كلاهما قبيح.(7)
في الواقع، الشيخ في مورد الأمارات، ليس قائلًا بمصلحة التسهيل والطريقية المحضة بحيث يكون المكلف في حال خطأ الأمارة معذورًا فقط؛ ولا تُجعل أي مصلحة بمقتضاها، بل يعتقد أن الشارع يجعل مصلحة في السلوك والعمل بمقتضى الأمارة، ليعوض فوات مصلحة الواقع ويحل سائر محذورات التعبد بالظن أيضًا.
حقيقة نظرية المصلحة السلوكية
تقوم حقيقة نظرية المصلحة السلوكية على هذا الأمر، وهو أن نفس العمل بالأمارة من وجهة نظر الشيخ مأمور به من الشارع؛ وهذا الأمر ليس للإرشاد، بل يدل على حكم تكليفي (وجوب العمل بمقتضى الأمارة)؛ وبناءً على مذهب الإمامية، فإن جميع الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة في متعلقات الأحكام؛(8) وفي بحثنا، متعلق الحكم هو العمل بمقتضى الأمارة، فيجب أن تُجعل مصلحة في نفس العمل بالأمارة من طرف الشارع. يقول الشيخ في بحث التخطئة والتصويب: إن إعطاء المكلف مصلحة في سلوك الأمارة، هو لأنه في العمل بالأمارة مطيع لأمر الشارع؛ وكل طاعة لها ثواب ومصلحة قطعًا.(9) لذا، فإن نظرية المصلحة السلوكية في مجعول باب الأمارات، مطابقة تمامًا لأصول المخطئة، ولا يوجد أي تناقض معها، كما أشار المحقق النائيني إلى هذا المطلب.(10)
المجعول في الأمارات من نظر الآخوند الخراساني (قده)
يعتقد الآخوند الخراساني أن المجعول في باب الأمارات هو المعذرية والمنجزية؛ أي في حال كانت الأمارة مطابقة للواقع، فإنها تنجز الواقع، أما إذا أخطأت، فهي معذرة فقط، ولا يُجعل شيء بمقتضى الأمارة. وقد طرح الآخوند هذا المبنى في مواضع مختلفة وحل محذورات التعبد بالظن بهذا المبنى. حتى زمن الآخوند، لم يكن أحد قائلًا بهذا المبنى كمجعول لباب الأمارات؛ وهو أول من فسر الحجية في باب الأمارات بالمعذرية والمنجزية، ثم شق طريقه كمبنى مستقل في علم الأصول. في الحقيقة، يقول الآخوند: المنجزية والمعذرية للقطع ذاتيتان؛ أما معذرية ومنجزية الأمارات فتنشآن من جعل واعتبار الشارع؛ فلو لم يجعل الشارع الحجية للأمارات، لما كانت هناك منجزية ومعذرية، كما أن الظنون غير المعتبرة، مثل الشهرة الفتوائية والإجماع المنقول، ليس لها معذرية ومنجزية وهي في حكم الشك، ويجب الرجوع في شأنها إلى الأصول العملية.(11)
حقيقة هذه النظرية هي أن الشارع قد جعل الحجية للأمارات؛ ولكن هذه الحجية بمعنى المعذرية والمنجزية؛ أي متى ما عمل المكلف وفقًا للأمارة؛ ففي حال كان مؤداها مطابقًا للحكم الواقعي؛ فإن نفس الحكم الواقعي يتنجز ويصبح قطعيًا عليه؛ أما إذا كان مخالفًا للحكم الواقعي، فلا تُجعل أي مصلحة وفقًا للمؤدى أو سلوك الأمارة، ولا يتغير الواقع أيضًا؛ الأمارة مجرد معذرة، ومعذرية الأمارة تعني أن المولى لا يعاقبه على تفويت مصلحة الحكم الواقعي؛ لأنه عمل وفقًا لحجة الشارع ولم يصدر منه أي مخالفة ليستحق العقاب.
لا يقبل الآخوند الخراساني شيئًا آخر غير هذه النظرية في مجعول باب الأمارات ويرده؛ وقد أذعن بعبارات مختلفة أنه في مورد الأمارات، لا يوجد حكم آخر غير الحكم الواقعي، لا حكم واقعي ولا ظاهري.(12)
بهذا المبنى، رد الآخوند نظرية المصلحة السلوكية وجعل المؤدى في مجعول باب الأمارات. ونظرية تتميم الكشف وجعل العلم التعبدي التي هي مختار الميرزا النائيني وجماعة من الأكابر، ليست مقبولة من وجهة نظر الآخوند أيضًا، لأنه في مذهبه، لم يُحدث الشارع بجعل الحجية أي تغيير في ماهية ومفاد الأمارة؛ فالأمارات كما كانت قبل جعل الحجية جزءًا من الظنون؛ بعد جعل الحجية هي أيضًا دليل ظني محض، ومفاد الأمارات أيًا كان، يبقى على حاله الأول؛ الشيء الوحيد الذي تناله الأمارة ببركة جعل الحجية هو المعذرية والمنجزية.(13)
ونتيجة لذلك، فإن مبنى الآخوند في مجعول باب الأمارات له عدة خصائص: 1. لم يُحدث الشارع بجعل أي تغيير في ذات الأمارة. بناءً على ذلك، الأمارة بعد جعل الحجية هي دليل ظني محض. 2. لا يوجد حكم آخر باسم الحكم الظاهري في مفاد الأمارة غير الحكم الواقعي. 3. الأمارة بالنسبة لمؤداها طريق محض، لذا في حال خطأ الأمارة، لا تُجعل أي مصلحة في المؤدى أو سلوك الأمارة، ولا يحدث أي تغيير في الحكم الواقعي أو مؤدى الأمارة.
المجعول في الأمارات من نظر الميرزا النائيني (قده)
يتبنى المحقق النائيني نظرية أن المجعول من الشارع في باب الأمارات هو تتميم الكشف، وإلغاء احتمال الخلاف، والعلم التعبدي. من وجهة نظره، متى ما ثبتت لنا حجية الأمارة، فإنها لم تعد جزءًا من الظنون، بل في عالم التشريع والتعبد هي من مصاديق العلم ولها جميع خصائص العلم.(14) وقد طرح المحقق النائيني هذه النظرية في مواضع مختلفة وحل محذورات وإشكالات التعبد بالظن بهذا المبنى.
من وجهة نظر المحقق النائيني، جعل الشارع الحجية للأمارات بشكل مستقل، لأن الحجية من الأحكام الوضعية التي هي من وجهة نظره قابلة للجعل المستقل؛(15) ولكن هذه الحجية بمعنى الوسطية في الإثبات والإحراز عن الواقع والعلم التعبدي؛(16) في الواقع، للأمارات طريقية وكاشفية ناقصة هي جزء من ذاتها؛ ولكن الشارع عن طريق تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف وجعل صفة المحرزية للأمارة، جعل كاشفية وطريقية الأمارات الناقصة تامة في عالم التشريع والتعبد، لتكون من حيث الكاشفية والمحرزية للواقع مثل القطع؛ فكما أن القطع محرز للواقع ذاتًا، كذلك الأمارات بجعل وعناية الشارع تكون محرزة للواقع، دون أن يحدث أي تغيير أو تصرف في الواقع أو مؤدى الأمارة؛ أي سواء كانت الأمارة مطابقة للواقع أو مخالفة له، فإن الحكم الواقعي ومؤدى الأمارة يبقيان على حالهما الأول.(17)
في مذهب المحقق النائيني، الأمارة مثل القطع طريق محض، فلا يوجد حكم آخر في مؤداها سوى الحكم الواقعي؛ فإن كانت مطابقة للواقع، فهي منجزة للحكم الواقعي، ومخالفتها تستوجب المؤاخذة والعقاب عقلًا. أما إذا أخطأت الأمارة، فهي مثل خطأ العلم ولا يُجعل أي حكم بمقتضاها. في هذه الحالة، تكون الأمارة معذرة فقط؛ وتكون سببًا لمعذريتنا، ولا يؤاخذنا الشارع ولا يعاقبنا على ترك الحكم الواقعي،(18) لأن المنجزية والمعذرية أمران عقليان يترتبان على وصول التكليف وعدم وصوله بواسطة الأمارة.(19)
من وجهة نظر الميرزا النائيني، ما جعله الشارع في باب الأمارات هو نفس الطريقية والكاشفية والمحرزية التي يمتلكها القطع ذاتًا، أما الأمارة فتكتسب هذه الصفات بجعل وتعبد الشارع.(20)
يصرح المحقق النائيني في مواضع متعددة بأن معنى جعل الحجية للأمارة هو أن الشارع قد أفاض صفة العلم على الأمارة في عالم التشريع وجعلها محرزة ومثبتة للواقع؛ ونتيجة لذلك، بعد أن جُعلت الحجية للأمارة؛ أصبحت في عالم التشريع مثل العلم، ولا فرق بينهما؛(21) فكأن القطع علم وجداني أما الأمارة فعلم تعبدي. وقد سار في جميع آثاره على هذا المبنى، وحل إشكالات ومحذورات التعبد بالظن في مختلف المباحث بهذه النظرية، وبيّن آثار ونتائج مبناه بوضوح، ونسب هذه النظرية إلى كافة المتأخرين.(22)
من وجهة نظر المحقق النائيني، كون الأمارة بعد جعل الحجية من مصاديق العلم في عالم التشريع والتعبد ليس أمرًا تعبديًا محضًا، بل هي من حيث الإتقان والاستحكام ومقدار الإصابة والخطأ مثل العلم، لا تنقص عن العلم شيئًا، والشارع بجعل الحجية للأمارات، أولًا نفخ فيها صفة الإحراز والعلم، ثم جعلها في عالم التشريع مصداقًا من العلم.(23) وقد بيّن المحقق النائيني هذا المطلب في مواضع متعددة، منها في بحث الأمارات يقول: الملاك في بحث الأمارات هو أن الأمارة من حيث الإتقان والاستحكام والواقعية مثل العلم، كما أن الأمارات لدى العقلاء لها هذه الحيثية. بناءً على ذلك، لا سبيل للقول بأن خطأ الأمارات أكثر من خطأ العلم. وفي التنبيه الثامن من الاستصحاب يقول: الأمارات من حيث إحرازها وكاشفيتها لمؤداها مثل العلم.(24)
المبنى المختار في المجعول في باب الأمارات
المبنى المختار في هذه المقالة هو مختار الميرزا النائيني وجماعة من الأكابر (العراقي، 1370: 24؛ الحجت التبريزي، 1419: 2/ 33 و 460؛ الخوئي، 1417: 3/ 53 و 109؛ الآملي، 1370: 3/ 136؛ البجنوردي، 1421: 2/ 132-329، 573 و 829؛ الروحاني، 1382: 4/ 138 و 242؛ 24؛ الحسيني الميلاني، 1428: 5/ 336). وهو أن المجعول من الشارع في باب الأمارات هو تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف وجعل صفة في باب الأمارات، بمعنى أن الشارع عن طريق تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف وجعل صفة المحرزية للأمارة، جعلها في عالم التشريع والتعبد من مصاديق العلم؛ لذا فإن الأمارة من حيث المحرزية والواقعية في عالم التشريع مثل القطع، ولا فرق بينها وبين القطع في هذا الجانب؛ الفرق الوحيد هو أن القطع محرز للواقع عقلًا وقد ألغى الشارع احتمال الخلاف عنه في عالم التكوين، أما الأمارة فقد أصبحت محرزة للواقع بجعل الشارع وألغى الشارع احتمال الخلاف عنها في عالم التشريع. وهذا التفاوت ليس بذي أهمية كبيرة.
في الواقع، للأمارات طريقية وكاشفية ناقصة هي جزء من ذاتها، ولكن الشارع بإلغاء احتمال الخلاف وتتميم الكشف، جعل كاشفية وطريقية الأمارات الناقصة تامة في عالم التشريع والاعتبار، وتترتب عليها آثار الكشف التام؛ بناءً على ذلك، الأمارات في عالم التشريع والتعبد مثل العلم؛ لها جميع آثار وخواص العلم؛ كل معاملة تُجرى بالعلم الوجداني، تُجرى كذلك بالأمارة التي هي علم تعبدي. لذا، الأمارة مثل العلم بالنسبة للواقع طريقية وكاشفية محضة، فإن طابقت الواقع تنجز الواقع، أما إذا أخطأت وانكشف الخلاف، فهي معذرة فقط، ولا يُجعل أي حكم بمقتضى مؤدى الأمارة؛ بل يبقى مؤدى الأمارة على حاله الأول، وبقيام الأمارة لا يحدث أي تغيير فيه؛ ولا توجد أي مصلحة أو مفسدة في السلوك بمؤدى الأمارة، أما إذا انكشف الخلاف في مفاد الأمارة، فالمكلف ليس بمعذور، ويجب عليه إعادة الحكم الواقعي.
ملاحظة: هذه النظرية في مجعول باب الأمارات قد عُبر عنها بألفاظ مختلفة، مثل الطريقية، الكاشفية، المحرزية، الوسطية في الإثبات، تتميم الكشف، إلغاء احتمال الخلاف، وجعل العلم التعبدي، ولكن المقصود واحد. وهو أن مجعول الشارع في باب الأمارات هو العلم التعبدي؛ ويقول المحقق الخوئي أيضًا: بأي اسم شئت أن تعبر عن هذه النظرية، فالمقصود واحد، وهو أن مجعول الشارع في باب الأمارات هو العلم.(25)
أدلة أقربية الرأي المختار
إن أدلة أقربية المبنى المختار عدة أمور:
1. آيات القرآن الكريم
الآية الأولى: «هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ» (آل عمران: 138). يقول الله تعالى في هذه الآية: القرآن بيان وعلم لجميع الناس. يقول كبار اللغويين العرب في معنى «البيان» ومشتقاته: البيان يعني الوضوح والظهور، مثلما يتبين الصبح وطلوع الفجر للعين البشرية.(26) هذا التعبير يدل بصراحة تامة على أن أدنى معنى لـ «البيان» هو العلم والقطع. ومن المؤكد أن ظواهر ألفاظ القرآن بيان وعلم، لأن ما يفهمه جميع الناس من القرآن هو هذه الظواهر، وباطن القرآن لا يفهمه جميع الناس ليكون لهم بيانًا وعلمًا. ومن الواضح والجلي أن ظواهر ألفاظ القرآن من أبرز مصاديق الأمارات التي يقول الله تعالى عنها: ظاهر القرآن بيان وعلم. الآن، إذا جئنا وخلافًا للنص الصريح للقرآن، اعتبرنا ظاهر ألفاظ وجمل القرآن، التي هي جزء من الأمارات، دليلًا ظنيًا، فإن معجزة نبي الإسلام الخالدة صلى الله عليه وآله التي يقول الله تعالى عنها: بيان وعلم، لا ريب ولا شك فيه؛(27) ستتحول إلى دليل ظني يحتمل الخلاف، واحتمال تفويت المصلحة، والإلقاء في المفسدة، ويستتبع نقض الغرض واجتماع الضدين، لأن هذه الأمور لا تنفك عن الدليل الظني. بناءً على ذلك، لا مناص من أن نعتقد تبعًا لكلام الله: أن ظاهر آيات القرآن في عالم التشريع والتعبد بيان وعلم.
الآية الثانية: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا» (النساء: 174). يخاطب الله تعالى في هذه الآية جميع الناس بصراحة تامة ويقول: كل القرآن، نصه وظاهره، نور مبين. ولو كان شخص ما متشككًا وبطيء التصديق، فلا يمكنه إنكار هذه الحقيقة، وهي أن المراد من النور المبين لا يمكن أن يكون غير العلم والقطع، لأنه في الظنون وما وراء العلم، يوجد احتمال الخلاف، ولا يمكن بأي حال أن يكون نورًا مبينًا؛ في الحقيقة، أدنى معنى للنور المبين هو العلم والقطع.
بناءً على ذلك، لا سبيل إلا أن نعتقد أن الله تعالى قد جعل ظواهر القرآن من الأدلة القطعية في عالم التشريع والتعبد، لأنه إذا اعتبرنا ظواهر القرآن جزءًا من الظنون، فلن تكون نورًا مبينًا.
الآية الثالثة: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ» (النحل: 89). أي يا نبينا، أنزلنا عليك القرآن ليكون تبيانًا(28) وموضحًا لحقيقة كل شيء. للعلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية جملة جميلة ومعبرة جدًا! يقول: «وحاشا أن يكون القرآن تبيانًا لكل شيء ولا يكون تبيانًا لنفسه» (الطباطبائي، 1417: 11/1). من المستبعد جدًا أن يكون القرآن موضحًا لحقيقة كل شيء، ولكنه لا يستطيع توضيح حقيقته، أي لا يمكن أن يكون القرآن موضحًا ودليلًا قطعيًا على كل شيء، ولكنه ليس موضحًا ودليلًا قطعيًا على مفاهيمه السامية. من الواضح جدًا أنه عندما نعتقد أن ظواهر القرآن جزء من الظنون، فهذا يعني أن القرآن ليس موضحًا ودليلًا قطعيًا على مفاهيمه وحقيقته، لأنه لا شك في وجود الظلمة والخطأ في الظنون، وعندما يكون دليل ما مخالفًا للواقع في بعض الحالات؛ لا يمكن اعتباره تبيانًا وموضحًا. بناءً على ذلك، لا سبيل إلا أن نقول تبعًا لكلام الله، إن ظواهر القرآن في عالم التشريع والتعبد من مصاديق العلم.
ونتيجة لذلك، تصرح هذه الآيات الشريفة بأن ظواهر القرآن في عالم التشريع والتعبد من مصاديق العلم، ولا تقبل أي خدش، لأنه في هذه الآيات الثلاث توجد كلمات «هذا بيان، نورًا مبينًا، تبيانًا لكل شيء» لا يُفهم منها سوى العلم والقطع، لذا لا يليق بنا، خلافًا للنص الصريح لهذه الآيات، أن نعتبر ظواهر القرآن التي هي جزء من الأمارات دليلًا ظنيًا يحتمل الخلاف وتفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة ونقض الغرض واجتماع الضدين. من الواضح والجلي أن ظواهر القرآن ليست علمًا تكوينيًا، لأن احتمال الخلاف في مورد ظواهر القرآن موجود وجدانًا، ولا يمكن إنكاره، ولكن في الوقت نفسه، قال الله تعالى: ظاهر القرآن بيان وعلم. ومن هنا يُفهم بوضوح أن الله تعالى قد ألغى تعبدًا أي شك واحتمال خلاف في موارد ظواهر القرآن وجعلها في عالم التشريع من مصاديق العلم، لكي لا يقع المكلفون في استنباط الأحكام من المصادر الأصلية في شك وتردد وحرج، ويكونوا في راحة.
2. روايات المعصومين (عليهم السلام)
من بين أدلة حجية خبر الواحد، توجد ثلاث روايات تدل دلالة تامة على نظرية تتميم الكشف والعلم التعبدي. وبالنظر إلى أن هذه الروايات من طائفة روايات الإرجاع، وباعتراف جمع من الأكابر، فإن هذه الروايات متواترة إجماليًا أو معنويًا (الآخوند الخراساني، 1409: 2/13؛ الحائري اليزدي، 1418: 392؛ العراقي، د.ت: 2/103؛ الأصفهاني، 1422: 1/520؛ الخوئي، 1422: 1/192). أو لها تواتر معنوي (العراقي، 1417: 3/134). لذا، فإن البحث السندي لا فائدة فيه.
الرواية الأولى والثانية: «أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (عليه السلام) قَالَ سَأَلْتُهُ وَ قُلْتُ مَنْ أُعَامِلُ أَوْ عَمَّنْ آخُذُ وَ قَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ فَقَالَ لَهُ – الْعَمْرِيُّ ثِقَتِي فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي وَ مَا قَالَ لَكَ عَنِّي فَعَنِّي يَقُولُ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ فَإِنَّهُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ» (الكليني، 1407: 1/329؛ الشيخ الطوسي، د.ت: 243 و 260).
يقول الإمام الهادي (عليه السلام) في هذه الرواية الصحيحة لأحمد بن إسحاق: كل ما يقوله العمري عني، فهو كأنك سمعته مني. وعندما يسأل أحمد بن إسحاق الإمام العسكري (عليه السلام) عن العمري وابنه (محمد بن عثمان بن سعيد العمري)، يقول الإمام: «الْعَمْرِيُّ وَابْنُهُ ثِقَتَانِ فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ وَمَا قَالا لَكَ فَعَنِّي يَقُولانِ فَاسْمَعْ لَهُمَا وَأَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا الثِّقَتَانِ الْمَأْمُونَانِ» (نفسه). العمري وابنه ثقتان؛ كل حديث يقولانه لك عني، فهو كأنك سمعته مني، بعبارة أخرى، حديث العمري وابنه مثل كلامي.
هاتان الروايتان الصحيحتان المنقولتان عن الإمام الهادي والإمام العسكري (عليهما السلام) تدلان صراحة على نظرية تتميم الكشف والعلم التعبدي، لأن حديث العمري وابنه، الذي هو في الظاهر خبر واحد من ثقة وهو من أبرز مصاديق الأمارات، قد جعله الإمام (عليه السلام) مثل كلامه؛ وكلام الإمام (عليه السلام) عين العلم والقطع، فيجب أن يكون لحديث العمري هذه الخاصية وإلا فلا معنى للتنظير. في الواقع، بعد التنظير، حديث العمري وابنه مثل كلام الإمام (عليه السلام)؛ لا فرق بينهما؛ بينما حديث العمري ذاتًا طريق ظني يحتمل الخلاف، إلا أن الإمام (عليه السلام) عن طريق تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف، جعله عين كلامه؛ وكلام الإمام (عليه السلام) عين العلم والقطع، فيجب أن يكون حديث العمري في عالم التشريع علمًا تعبديًا وإلا لما كان للتنظير معنى. ويقول آية الله وحيد الخراساني أيضًا: في هذه الرواية جعل الإمام كلام الراوي مثل كلامه.(29)
الرواية الثالثة: «عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمَرَاغِيِّ قَالَ: وَرَدَ عَلَى الْقَاسِمِ بْنِ الْعَلَاءِ وَ ذَكَرَ تَوْقِيعاً شَرِيفاً يَقُولُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ مِنْ مَوَالِينَا فِي التَّشْكِيكِ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنَّا ثِقَاتُنَا» (الكشي، 1409: 536؛ الحر العاملي، 1409: 27/38، 150).
في هذا التوقيع الشريف الذي يعتقد بعض الأكابر أن سنده صحيح وعالٍ (النراقي، 1417: 465)، يقول الإمام المهدي (عجل الله فرجه): لا عذر ولا حجة لأحد من شيعتنا في أن يشك ويتردد فيما يرويه الثقة عنا؛ لقد نفى الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في هذا التوقيع المبارك بصراحة تامة أي شك وتردد واحتمال خلاف من مفاد خبر الثقة؛ ومثل هذا التعبير لا يفيد شيئًا سوى تتميم الكشف وجعل العلم تعبدًا، في الواقع، بنفي الإمام المهدي (عجل الله فرجه) للشك واحتمال الخلاف، جعل خبر الواحد في عالم التشريع من مصاديق العلم.
بعض الأكابر، وعلى رأسهم المحقق الخوئي، يذعنون أيضًا بأنه يُستفاد من هذا التوقيع الشريف تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف وجعل العلم التعبدي.(30)
3. سيرة العقلاء
كل من له إلمام بعلم الأصول؛ يعلم جيدًا أن الدليل الرئيسي على حجية الأمارات هو سيرة العقلاء، فهم لا يعملون بخبر الثقة تعبدًا، بل عمل العقلاء بخبر الثقة من جهة الوثوق بالواقع، لأن العقلاء فطريًا عندما يعملون بالأمارات، مثل الظواهر، وخبر العادل، وقاعدة اليد، فإنهم يعتبرونها طرقًا متقنة ومطمئنة مثل العلم والقطع؛ ولا يلتفتون أبدًا إلى احتمال الخلاف؛ بل يفترضون احتمال الخلاف كالعدم، وهم مطمئنون تمامًا بأن مؤدى الأمارات مطابق للواقع مثل القطع؛ هذا المطلب واضح وجلي، ولا يحتاج إلى استدلال وبرهان، لأن طريقة العقلاء في العمل بخبر الثقة دائمًا هي طريق وكاشف تام عن الواقع؛ لا يلتفتون ولا يعتنون باحتمال الخلاف، بل احتمال الخلاف، لدى العقلاء في مورد الأمارات منتفٍ من أصله؛ وقد جعل الشارع الأمارات موردًا للتعبد بنفس هذه الطريقة العقلائية. من هذا المطلب يُستفاد بوضوح أن هذا المسلك العقلائي في مورد الأمارات، هو نفسه مورد التعبد وحجية الشارع في عالم التشريع، وأن الشارع لم يجعل ويعتبر شيئًا آخر في باب الأمارات غير مسلك العقلاء.
الخلاصة والنتيجة
في الختام، تدل الآيات والروايات وسيرة العقلاء دلالة تامة على أن المجعول من الشارع في باب الأمارات هو تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف. وما يتضح من الأدلة المذكورة آنفًا، لا يتبادر إلى الذهن أي مبنى آخر غير هذا، لأن هذه الأدلة صريحة في هذا المبنى، حيث يقول الله تعالى: ظاهر القرآن بيان وعلم، أو يقول الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام) في مورد خبر الواحد الثقة: كل حديث ينقله عنكم العمري وابنه فهو مثل كلامنا، أو يقول الإمام المهدي (عجل الله فرجه) في التوقيع المبارك: لا عذر ولا حجة لأحد من شيعتنا في أن يشك ويتردد في حقانية هذه النظرية.
من الواضح والجلي أن أيًا من الأمارات، مثل ظواهر القرآن، وخبر الواحد، وقاعدة اليد، وسائر الأمارات، لا تفيد علمًا تكوينيًا ووجدانيًا، بل هي ذاتًا أدلة ظنية لها كاشفية ناقصة ويوجد احتمال الخلاف في مؤداها، لأن أقوى الأمارات من حيث الكاشفية والواقعية هي ظواهر القرآن والروايات؛ وأي ظاهر نضع عليه إصبعنا، يوجد فيه احتمال الخلاف؛ ولا يستطيع أحد إنكار ذلك؛ ولكن في الوقت نفسه، قال الله تعالى: ظواهر القرآن بيان ونور وعلم، وقد ألغى أي شك واحتمال خلاف بشأنها بالكامل. من هذا الأمر نفهم قطعًا أن المجعول من الشارع في باب الأمارات هو تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف والعلم التعبدي.
في الواقع، جعل الشارع الأمارات في عالم التشريع والتعبد من مصاديق العلم لراحة المكلفين، فلا يقعون في استنباط الأحكام من المصادر الأصلية في حرج وشك وتردد، ولا يواجهون إشكالًا في موارد تطبيقها؛ فالشريعة السهلة السمحة لا تقتضي شيئًا غير ذلك.
بعض امتيازات نظرية تتميم الكشف على سائر الأنظار
1. من امتيازات مبنى تتميم الكشف والعلم التعبدي أن رؤية هذا المبنى في المباحث الأصولية الأخرى التي تترتب كثمرة على مجعول باب الأمارات؛ إيجابية وواضحة جدًا ولا تترتب أي ثمرة سلبية على هذه النظرية؛ بينما تترتب ثمرات سلبية على سائر الأنظار في مجعول باب الأمارات؛ مثلًا، بناءً على مبنى الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني، يواجه قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الطريقي إشكالًا، لأنه يستلزم أن يجمع الشارع في تنزيل واحد حيثيتين آليتين واستقلاليتين هما ضدان، بينما جمع الضدين عقلًا من المحالات. ولهذا السبب، لا يقول الآخوند بقيام الأمارات مقام القطع الموضوعي والطريقي،(31) لأن مبناه في مجعول باب الأمارات لا يقتضي مثل هذا الأمر؛ ولكن بناءً على مبنى تتميم الكشف والعلم التعبدي، تحل الأمارات محل القطع الموضوعي الطريقي مباشرة ودون أي تكلف.
لا يخفى على أهل التحقيق أن هذا الأمر ثمرة سلبية؛ لأنه في كثير من أدلة الأحكام، أُخذ القطع على نحو الطريقي في موضوع الحكم، فإذا لم نتمكن من إحلال الأمارات محله، سنواجه مشكلة أساسية في استنباط الأحكام. وتفصيل هذه المسألة لا يسعه هذا المقال.
من الثمرات السلبية التي تترتب على مبنى الآخوند؛ أن استصحاب مؤدى الأمارات يواجه إشكالًا بناءً على مبناه. ولكن بناءً على نظرية تتميم الكشف، لا يواجه استصحاب مؤدى الأمارات أي محذور وإشكال ليحتاج إلى جواب.(32)
2. من امتيازات نظرية تتميم الكشف والعلم التعبدي أن خروج الأمارات من الأصل الأولي في الظنون بناءً على هذه النظرية يكون على نحو الحكومة، لا التخصيص؛ أما بناءً على مبنى الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني اللذين يعتقدان أن الأمارات بعد جعل الحجية هي أيضًا دليل ظني محض، فإن خروج الأمارات المعتبرة من الأصل الأولي في الظنون يكون على نحو التخصيص، لا الحكومة؛ فيقع في محذور، والمحذور الموجود في التخصيص هو أن لسان هذه الأدلة الناهية بحيث تأبى التخصيص ولا تقبله بأي حال، لأن التخصيص في مورد الآيات التي تنهانا عن العمل بالظن يعني أن نقول: بعض الظنون تغنينا عن الحق، ومثل هذا الأمر غير معقول.
3. الامتياز الآخر لنظرية تتميم الكشف والعلم التعبدي هو: الإشكالات والمحذورات التي توجد في التعبد بالأمارات؛ بناءً على هذه النظرية، لا تنشأ كثير من تلك المحذورات أصلًا، لأنه عندما تكون الأمارة بعد جعل الحجية مصداقًا من العلم؛ فإن لها جميع آثار وخصائص القطع؛ وكما أن هذه المحذورات في مورد القطع سالبة بانتفاء الموضوع؛ ففي مورد الأمارات التي هي علم تعبدي، ستكون كثير من هذه المحذورات والإشكالات سالبة بانتفاء الموضوع أيضًا؛ فلا ينشأ محذور وإشكال أصلًا ليحتاج إلى حل ودفع. أما سائر الأنظار في مجعول باب الأمارات، فتواجه أنواعًا من الإشكالات يجب حلها علميًا.
الثمرات الأصولية لمجعول باب الأمارات طبقًا لأنظار الأعلام الثلاثة
تترتب على بحث المجعول في الأمارات ثمرات أصولية كثيرة، مثل بحث الإجزاء، وقيام الأمارات مقام القسم بأقسامه، وحل محذورات التعبد بالظن، والتجري في الأمارات، وخروج الأمارات من الأصل الأولي في الظنون، وتقدم الأمارات على الأصول العملية، واستصحاب مؤدى الأمارات، وحجية مثبتات الأمارات. هذه المباحث التي هي من أهم مباحث علم الأصول ولها ثمرات كثيرة في الفقه، ترتبط بشكل أو بآخر ببحث المجعول في الأمارات.
إن نتيجة أنظار العلماء الثلاثة في مجعول باب الأمارات مختلفة في بعض هذه المباحث، أما في مباحث أخرى، فبالرغم من اتفاق جميع الأنظار أو بعضها في النتيجة، إلا أن هناك اختلافًا في التفاصيل أو طريقة الوصول إلى تلك النتيجة، وهو ما يستحق التأمل.
الثمرة الأولى: حل محذورات التعبد بالظن
أهم محذورات التعبد بالظن خمسة: 1. التصويب؛ 2. اجتماع المثلين؛ 3. اجتماع الضدين؛ 4. تفويت المصلحة؛ 5. الإلقاء في المفسدة.
طبقًا لأنظار الأعلام الثلاثة في مجعول باب الأمارات، يمكن دفع وحل جميع هذه المحذورات بسهولة.
أما محذور اجتماع المثلين والضدين، فلا ينشأ أصلًا طبقًا لأنظار الأعلام الثلاثة، لأن هذين المحذورين يتوقفان على أن يكون شخص ما قائلًا بأن الشارع قد جعل حكمًا ظاهريًا له مصلحة ومفسدة بمقتضى مؤدى الأمارة؛ وكما بُيّن، لم يقل أي من الأعلام الثلاثة في مورد الأمارات بالحكم الظاهري، بل يعتقدون أنه لا يوجد حكم آخر في مؤدى الأمارة سوى الحكم الواقعي. بناءً على ذلك، فإن هذين المحذورين منتفيان من أصلهما طبقًا لأنظار الأعلام الثلاثة.
أما محذور التصويب، فلا ينشأ أيضًا طبقًا لأنظار الأعلام الثلاثة، لأن أصل هذا المحذور هو أن يعتقد شخص ما أن الحكم الواقعي تابع لمؤدى الأمارة، أو يعتقد أنه في حال خطأ الأمارة، يُجعل بمقتضى مؤداها حكم ظاهري له مصلحة ومفسدة؛ وكما بُيّن مفصلًا، لم يقل أي من الأعاظم الثلاثة في مجعول باب الأمارات بمثل هذه الأمور، لتستلزم التصويب. بناءً على ذلك، لا مكان لمحذور التصويب في مباني الأعلام الثلاثة.
أما حل محذور تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، فيختلف قليلًا طبقًا لأنظار الأعلام الثلاثة في مجعول باب الأمارات.
بناءً على مبنى الشيخ الأنصاري، يُجبر ويُدفع هذان المحذوران بجعل المصلحة في سلوك الأمارة.(33)
بناءً على مبنى الآخوند، لا يوجد أي محذور وقبح في محذور تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة، بسبب رعاية مصلحة التسهيل التي هي الأهم، ليكون جبرانه لازمًا وضروريًا على المكلف.(34)
أما طبقًا لنظرية المحقق النائيني في مجعول باب الأمارات، فإن محذور تفويت المصلحة والإلقاء في المفسدة منتفٍ من أصله، وفي الواقع لا يلزم وجود مثل هذا المحذور أصلًا ليحتاج إلى حل، لأن هذين المحذورين ينشآن في حال قلنا إن خطأ الأمارات أكثر من العلم وأن الشارع بجعل الحجية للأمارات قد فوّت مصلحة على المكلف أو أوقعه في مفسدة، ولكن عندما نعتقد أن خطأ كليهما متساوٍ بالنسبة لمؤداهما، فإن الشارع بجعل الحجية للأمارات لم يفوّت مصلحة على المكلف ليحتاج إلى جبران وتدارك.(35)
الثمرة الثانية: تقديم الأمارات على الأصول العملية
طبقًا لنظر الشيخ الأنصاري والميرزا النائيني، يكون تقديم الأمارات على الأصول العملية على نحو الحكومة،(36) ولكن في تفاصيل وقوع الحكومة يوجد فارقان رئيسيان بين نظريهما:
1. يقول الشيخ: دليل الأمارات حاكم على دليل الأصول الشرعية، أما المحقق النائيني فيعتقد أن نفس الأمارات حاكمة على الأصول الشرعية؛ وهذا فارق مهم جدًا.
2. يعتقد الشيخ أن أدلة الأمارات غير قادرة على رفع موضوع الأصول الشرعية الذي هو الشك؛ بل ترفع حكمه فقط؛(37) بناءً على ذلك، تكون الحكومة بين أدلة الأصول من نوع نفي الحكم دون التصرف في موضوعه.
أما طبقًا لنظر المحقق النائيني، فحكومة الأمارات على الأصول الشرعية من نوع نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.(38)
أما الآخوند الخراساني، فخلافًا للشيخ والمحقق النائيني، يعتقد أن تقديم الأمارات على الأصول العملية على نحو الورود، وأن الأمارات ترفع موضوع الأصول حقيقةً.(39)
الثمرة الثالثة: خروج الأمارات المعتبرة من الأصل الأولي في الظنون على مبنى جعل الحجية
نظر الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني في خروج الأمارات المعتبرة من الأصل الأولي في الظنون على وجه التخصيص،(40) أما نظر المحقق النائيني فهو أن الخروج على نحو الحكومة، لا التخصيص.(41)
الثمرة الرابعة: بحث الإجزاء
إن نتيجة أنظار الأعلام الثلاثة في مجعول باب الأمارات، في بحث إجزاء الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي، هي عدم الإجزاء بالاتفاق، لأن الأعلام الثلاثة في مورد الأمارات قائلون بالطريقية، لا السببية والموضوعية؛ وثمرة مبنى الطريقية وفروعه هي عدم الإجزاء قطعًا، ولا تنسجم هذه النظرية مع الإجزاء بأي حال؛ لأن ما أُنجز لم يكن سوى سراب، فيجب إعادة الحكم الواقعي أو قضاؤه (الشيخ الأنصاري، 1383: 1/143؛ همو، 1428: 2/435؛ الآخوند الخراساني، 1409: 86؛ النائيني، 1376: 1/255-256).
الثمرة الخامسة: قيام الأمارات مقام أقسام القطع بناءً على الطريقية
في بحث قيام الأمارات مقام أقسام القطع، يعتقد الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني أن الأمارات تحل محل القطع الطريقي المحض والموضوعي الطريقي، ولكنها لا تحل محل القطع الموضوعي الصفتي (الشيخ الأنصاري، 1428: 1/33-34؛ النائيني، همان: 21/3). أما الآخوند الخراساني، فيقول إن الأمارات تحل محل القطع الطريقي المحض فقط، ولا تحل محل سائر أقسام القطع (الآخوند الخراساني، همان: 265).
الثمرة السادسة: التجري والمعصية في الأمارات
طبقًا لأنظار الأعلام الثلاثة، في مجعول باب الأمارات، يوجد تجرٍ في مورد الأمارات مثل القطع، لأن هذه الثمرة تترتب على مبنيي السببية والطريقية. بناءً على مبنى السببية، لا يوجد تجرٍ في مورد الأمارات؛ بل مخالفة الأمارة دائمًا معصية، لأنه بناءً على هذا المبنى، في حال كانت الأمارة مخالفة للحكم الواقعي، يُجعل من طرف الشارع بمقتضى مؤداها حكم ظاهري له مصلحة ومفسدة، ومخالفة الحكم الظاهري معصية، لا تجرٍ.(42)
بالنظر إلى أن الأعلام الثلاثة في مورد الأمارات قائلون بالطريقية، لا السببية والموضوعية؛ لذا بالاتفاق يعتقدون أن مخالفة الأمارة في حال عدم الإصابة تجرٍ، لا معصية (الشيخ الأنصاري، 1383: 1/82؛ الآخوند الخراساني، 1410: 78؛ النائيني، 1352: 2/33).
الثمرة السابعة: علة حجية مثبتات الأمارات
طبقًا لأنظار الأعلام الثلاثة، في مجعول باب الأمارات، تكون مثبتات الأمارات حجة مطلقًا؛ ولكن يوجد اختلاف طفيف في علة الحجية. يعتقد الشيخ أن علة حجية مثبتات الأمارات هي أن للأمارات مدلولًا؛ فهي بالنسبة لمؤداها لها طريقية وكاشفية وتخبر عن مفادها. وإخبار الخبر عن شيء يشمل لوازمه ومثبتاته أيضًا؛ ومعنى حجية واعتبار الأمارات هو أن كل ما يُستفاد من خبر العادل له حجية واعتبار؛ من جهة أخرى، تقتضي أدلة حجية الأمارات أن تكون جميع الآثار واللوازم العقلية والعادية للأمارات مورد تصديق وحجية (الشيخ الأنصاري، 1383: 4/264-265).
بناءً على مبنى الآخوند في درر الفوائد، الأمارة كما أن لها كاشفية عن مؤداها وتحكي عنه؛ فإنها تحكي عن لوازمه وملازماته وجميع آثاره العقلية والعادية لمؤداها أيضًا ولها كاشفية عنها. في الواقع، قضية واحدة تتحول إلى قضايا متعددة؛ وأدلة حجية الأمارات تشملها جميعًا وتكون مورد حجية وتصديق (الآخوند الخراساني، 1410: 353).
من وجهة نظر المحقق النائيني، علة حجية مثبتات الأمارات هي أن المجعول من الشارع في باب الأمارات هو الكاشفية والمحرزية وتتميم الكشف، وأن الشارع عن طريق تتميم الكشف، جعل الأمارة في عالم التشريع مصداقًا من العلم. بناءً على ذلك، كما أن العلم الوجداني يثبت الوجود الواقعي لشيء، وبالتبع تثبت جميع آثاره ومثبتاته أيضًا، فإن الأمارة تثبت حقيقة الوجود الواقعي لمؤداها؛ وعندما يثبت الوجود الواقعي لشيء حقيقةً، فإن جميع الآثار واللوازم المترتبة على الوجود الواقعي لذلك الشيء تثبت أيضًا؛ فلا حاجة لشيء آخر في إثبات مثبتات الأمارات (النائيني، 1352: 2/426؛ همو، 1376: 4/487-488).
الثمرة الثامنة: استصحاب مؤدى الأمارات
من الآثار التي تترتب على مجعول باب الأمارات، جريان استصحاب مؤدى الأمارات وعدم جريانه؛ قد يُشكل بأن كلمة اليقين وردت في أخبار الاستصحاب «لا تنقض اليقين بالشك»، ومن البديهي أن اليقين ظاهر في اليقين الحقيقي والوجداني ولا يشمل الأمارة التي هي ذاتًا دليل ظني. بناءً على ذلك، إذا ثبت حكم أو موضوع بأمارة، ثم شكينا في بقائه، فإنه لا يشمله دليل الاستصحاب.
طريق حل جريان الاستصحاب في مؤدى الأمارات
بناءً على مبنى الشيخ الأنصاري في مجعول باب الأمارات، لا يوجد أي محذور في استصحاب مؤدى الأمارات، مثل مؤدى القطع (الشيخ الأنصاري، 1428: 3/24)، لأنه يعتقد أن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والمرآتية وتنزيل الأمارة منزلة العلم، ولكن على وجه جعل مصلحة سلوك الأمارة.(43) في الواقع، من وجهة نظره، أنزل الشارع الأمارة في عالم التشريع منزلة العلم عن طريق إلغاء احتمال الخلاف؛ لذا فإن للأمارة في عالم التشريع جميع آثار وخصائص العلم؛ ومن خصائص العلم أنه إذا ثبت حكم أو موضوع به قطعًا ويقينًا، ثم شكينا في بقائه، يمكننا إجراء الاستصحاب، لأن الشارع جعل الأمارة في عالم التشريع قائمة مقام القطع. وهذا التنزيل لترتب هذه الثمرات؛ فإذا لم نتمكن في باب الأمارة من إجراء الاستصحاب مثل القطع، فلن يكون للتنزيل معنى، بل سيكون لغوًا وعديم الفائدة.
بناءً على مبنى الآخوند في مجعول باب الأمارات، يواجه استصحاب مؤدى الأمارات محذورًا، لأنه يعتقد أن الأمارة بعد جعل الحجية دليل ظني محض، ولها فقط معذرية ومنجزية، وفي حال الخطأ، لا يُجعل أي حكم ظاهري في مفاد الأمارة.
أحد محذورات هذه النظرية هو أنه إذا قامت الأمارة على ثبوت حكم، ثم شكينا في بقائه، لا يمكننا إجراء الاستصحاب، لأن الآخوند ينكر الحكم الظاهري في مفاد الأمارات من أصله. من جهة أخرى، بناءً على مبناه في مجعول باب الأمارات، ثبوت الحكم الواقعي ليس يقينيًا ومحرزًا، بل ظني، فقد يكون مفاد الأمارة هو الحكم الواقعي، وقد لا يكون؛ خلاصة القول، من وجهة نظر الآخوند، لا يوجد في مفاد الأمارات لا حكم ظاهري ولا حكم واقعي؛ بينما في الاستصحاب، يلزم اليقين السابق بالحكم الواقعي والشك اللاحق؛ وبالنظر إلى أن الشك اللاحق تابع لليقين، فإذا لم يكن اليقين السابق موجودًا، فإن الشك اللاحق سيكون متزلزلًا أيضًا.(44)
يعتقد الميرزا النائيني والمحقق الخوئي أن هذا المحذور من مبنى الآخوند غير قابل للدفع؛ وليس لديه أي طريق، إلا أن يقول بعدم جريان الاستصحاب في مورد الأمارات،(45) كما يقول الإمام الخميني: أصل الإشكال في مبنى الآخوند، وما لم يُصلح المبنى، فالإشكال غير قابل للحل.(46)
بناءً على مبنى المحقق النائيني في مجعول باب الأمارات، لا يوجد أي محذور في استصحاب مؤدى الأمارات، لأنه يرى أن الشارع عن طريق تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف جعل الأمارة في عالم التشريع مصداقًا من العلم.(47) بناءً على ذلك، الأمارات من حيث الإحراز والكاشفية وإثبات المؤدى، مثل العلم،(48) لا فرق بينها، لذا إذا ثبت شيء بأمارة، فهو مثلما ثبت بعلم وجداني ويقين.(49) وحقًا وإنصافًا، بناءً على هذا المبنى، استصحاب مؤدى الأمارات مثل استصحاب مؤدى القطع، لا يوجد فيه أي محذور وإشكال ليحتاج إلى حل ودفع.(50)
النتيجة
تلخص هذه المقالة وتنظم محتواها حول أربع مسائل مهمة مرتبطة ببعضها البعض: تبيين محل النزاع في مسألة المجعول في باب الأمارات. تبيين أنظار وآراء الأعلام الثلاثة بشكل شفاف وبيان تفاوتات أنظارهم في باب مجعول الأمارات والإشارة إلى نقاط الضعف في بعضها، وإثبات الرأي المختار في باب مجعولية الأمارة بآيات القرآن وسنة أئمة أهل البيت (عليهم السلام). وفي الختام، تتناول تبيين الثمرات المترتبة على آراء الأعلام الثلاثة.
الهوامش
1. أول من أسس أصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله، الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام، ثم بعده ابنه الإمام أبو عبد الله الصادق (ع)، وقد أمليا على أصحابهما قواعده (الصدر، د.ت: 310).
2. أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي، كان في البداية من متكلمي المعتزلة، ثم استبصر واعتنق مذهب أهل البيت (ع). كان معاصرًا للشيخ المفيد والسيد المرتضى، ومن فقهاء ومتكلمي الشيعة البارزين في عصره. من مؤلفاته كتاب “الإنصاف في الإمامة” و”المستثبت في الإمامة” (النجاشي، 1365: 375-376).
3. وحيث إن المسالك في معنى الحجية مختلفة، فينبغي التكلم على جميع المسالك (الخوئي، د.ت: 3/313؛ همو، د.ت: 93؛ مكارم الشيرازي، د.ت: 3/330).
4. أصل حجية التي هي الجامع بين المسالك (النائيني، 1380: 2/4132).
5. أول من استخدم عنوان المجعول في الأمارات لهذا البحث هو الآخوند الخراساني؛ وقبله، طرح الشيخ الأنصاري هذا البحث تحت عنوان: تفسير حجية الأمارات والتعبد بالظن.
6. قد عرفت … أن معنى جعل الشيء طريقًا فيما يحتاج إلى الجعل … ليس ما قد يظهر من بعض الأفاضل … بل التحقيق أن معناه جعلها مرآة عن الواقع وطريقًا إليها تنزيلًا لما ليس من العلم منزلة العلم (الشيخ الأنصاري، 1383: 4/415).
7. أن جعل الطرق المفيدة للأحكام الظاهرية باعتبار وجوب العمل بمفادها مع إمكان التخلف عن الواقع بل وقوع التخلف كثيرًا قبيح ما لم يشتمل سلوك ذلك الطريق على مصلحة زائدة أو مساوية لمصلحة الواقع (الشيخ الأنصاري، همان: 1/136).
8. بناء على ما ذهب إليه الإمامية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد إذ الفعل يختلف مصالحه ومفاسده (همان: 266) ما ذهب إليه العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الكامنة في المتعلقات (النائيني، 1376: 1/326؛ الخوئي، 1417: 2/33؛ الإمام الخميني، 1418: 4/15).
9. وإنما يثاب الآتي بذلك الفعل من حيث إنه مطيع في سلوك الطريق المجعول (الشيخ الأنصاري، 1426: 633).
10. السببية بهذا المعنى عين الطريقية التي توافق أصول المخطئة (النائيني، 1376: 3/96).
11. لأن التعبد بطريق غير علمي إنما هو بجعل حجيته والحجية المجعولة غير مستتبعة لإنشاء أحكام تكليفية بحسب ما أدى إليه الطريق بل إنما تكون موجبة لتنجز التكليف به إذا أصاب وصحة الاعتذار به إذا أخطأ [لو أخطأ] ولكون مخالفته وموافقته تجريًا وانقيادًا مع عدم إصابته كما هو شأن الحجة الغير المجعولة (الآخوند الخراساني، 1409: 277).
12. أن قضية حجية الأمارة ليست إلا تنجز التكاليف مع الإصابة والعذر مع المخالفة … لا إنشاء أحكام فعلية شرعية ظاهرية كما هو ظاهر الأصحاب (الآخوند الخراساني، 1409: 405) ضرورة أن نفس الأمارة لا دلالة له إلا على الحكم الواقعي (همان: 438) مضمون هذه العبارات في ص 277 و 469 من كفاية الأصول وص 506 من درر الفوائد قد ذُكر أيضًا.
13. بل ليست قضيته الحجة شرعًا إلا تنجز الواقع في صورة الإصابة، والمعذورية في غيرها (الآخوند الخراساني، 1410: 78).
14. والأمارة بعد جعلها حجة تكون كالعلم (النائيني، 1376: 122) لأن خبر العدل بعد ما صار حجة يخرج عن كونه ظنًا … ويكون علمًا، كما حققناه في محله (همان، 3/559) فكأن الشارع في عالم التشريع جعل الظن علمًا (همان: 17) على ذلك يكون حال الأمارات حال العلم الوجداني بعينه (النائيني، 1352: 2/75).
15. بناءً على ما هو المختار من تأصل الحجية والطريقية في الجعل (النائيني، 1376: 3/108).
16. فإن معنى جعل الأمارة حجة هو كونها وسطًا لإثبات متعلقها وإحراز مؤداها [1] فيكون حالها حال العلم (همان: 3/122).
17. بل المجعول هو الطريقية والوسطية في الإثبات والكاشفية عن الواقع، أي تتميم الكاشفية بعد ما كان في الطرق والأمارات جهة كشف في حد أنفسها، غايته أن كشفها ناقص وليس ككاشفية العلم. ومن هنا اعتبرنا في كون الشيء أمارة من أن يكون له في حد ذاته جهة كشف، والشارع في مقام الشارعية تمم كشفه وجعله محرزًا للواقع ووسطًا لإثباته، فكأن الشارع في عالم التشريع جعل الظن علمًا من حيث الكاشفية والمحرزية بلا تصرف في الواقع ولا في المؤدى، بل المؤدى بعد باق على ما هو عليه من الحكم الواقعي صادفت الأمارة للواقع أو خالفت (همان: 17).
18. بل ليس حال الأمارة المخالفة إلا كحال العلم المخالف، فلا يكون في البين إلا الحكم الواقعي فقط مطلقًا أصاب الطريق الواقع أو أخطأ، فإنه عند الإصابة يكون المؤدى هو الحكم الواقعي كالعلم الموافق ويوجب تنجيز الواقع وصحة المؤاخذة عليه، وعند الخطأ وعدم الإصابة يوجب المعذورية وعدم صحة المؤاخذة عليه كالعلم المخالف من دون أن يكون هناك حكم آخر مجعول (همان: 108).
19. فإن صفتي التنجز والمعذرية من اللوازم العقلية لوصول التكليف وعدمه (الخوئي، همان: 2/387).
20. المجعول هو نفس الطريقية والكاشفية والمحرزية [1] التي كان القطع واجدًا لها بذاته والظن يكون واجدًا لها بالتعبد والجعل الشرعي (النائيني، همان: 18).
21. معنى جعل حجية الطرق ليس إلا إفاضة العلم تشريعًا وجعل ما ليس بمحرز محرزًا (الخوئي، همان: 2/387) فإن معنى جعل الأمارة حجة هو كونها وسطًا لإثبات متعلقها وإحراز مؤداها [1] فيكون حالها حال العلم، … والأمارة بعد جعلها حجة تكون كالعلم (النائيني، همان: 3/122).
22. وعليه قاطبة المتأخرين (همان: 434).
23. كأن الشارع بجعله للطرق والأصول خلق فردًا آخر للعلم في عالم التشريع، ونفخ فيها صفة الإحراز وجعلها علمًا (همان: 1/253).
24. فالأمارات تكون كالعلم من حيث الإحراز والكاشفية وإثبات المؤدى (النائيني، همان: 4/485).
25. فتحصل من جميع ما ذكرنا، أن المجعول في باب الأمارات هو العلم … بأي اسم شئت عبرت (الخوئي، 1417: 3/53).
26. وبان الشيء بيانًا: اتضح فهو بيّن … وفي المثل: «قد بيّن الصبح لذي عينين»، أي تبين (الجوهري، 1376: 5/2083؛ ابن منظور، د.ت: 13/67؛ الفيروزآبادي، 1415: 4/187؛ الزبيدي، 1414: 18/78؛ ابن فارس، 1404: 1/328؛ ابن سيده، د.ت: 13/56)؛ المصطفوي أيضًا يقول: بيان بمعنى الانكشاف والوضوح (المصطفوي، 1430: 1/396).
27. «ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ» (البقرة: 2).
28. التبيان مصدر يدل على المبالغة والشدة أي في كمال انكشاف عن المجهولات (المصطفوي، همان: 1/396).
29. ومقتضى الخبر الثاني هو تنزيل كلام الراوي منزلة كلامه (الحسيني الميلاني، 1428: 1/33).
30. وعليه فلا مناص من الالتزام بكون المجعول في الأمارات هي الطريقية، أي اعتبارها علمًا تأسيسًا أو إمضاء، كما هو ظاهر أدلتها أيضًا، كقوله عليه السلام «لا عذر لأحد في التشكيك فيما يرد به عن ثقاتنا» (الخوئي، 1419: 4/96)؛ فكما أنه يحرم التشكيك العقلي ويجب ترتيب آثار العلم على الخبر عقلًا، وهو كونه طريقًا إلى الواقع كالعلم والقطع فكذلك يحرم التشكيك الشرعي، ويجب ترتيب آثار القطع وعدم الشك عليه شرعًا (الصدر، 1415: 134)؛ وأما بناء على مبنى المصنف الذي هو تتميم الكشف كما هو المستفاد من مثل قوله (ع) في التوقيع الشريف: «لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقات حديثنا» (الشيرازي، 1427: 3/252).
31. ومنه قد انقدح عدم قيامها بذلك الدليل مقام ما أخذ في الموضوع على الكشف (الآخوند الخراساني، 1409: 263-264).
32. لا إشكال هنا حتى نحتاج إلى الذب عنه (النائيني، 1376: 4/409).
33. وتلك المصلحة لا بد أن تكون مما يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع (الشيخ الأنصاري، 1428: 1/115).
34. فتلخص مما ذكرنا أن التفويت اللازم من جعل الأمارات ليس بقبيح حتى يجب تداركه (الآخوند الخراساني، 1410: 507).
35. فإذا كان الحال هذه، فلا يلزم محذور من التعبد بالأمارات الغير العلمية، لعدم تفويت الشارع من التعبد مصلحة على العباد. فتحصل: أنه لا يلزم من التعبد بالأمارات في حال الانفتاح محذور تفويت الملاك فضلًا عن حال الانسداد، فلا ملزم للالتزام بالمصلحة التداركية، كما التزم به بعض الأعلام (النائيني، 1376: 3/91-94).
36. وإن كان مؤداه من المجعولات الشرعية كالاستصحاب ونحوه كان ذلك الدليل حاكمًا على الأصل (الشيخ الأنصاري، 1428: 4/12) وفلا ينبغي التأمل والإشكال في تقدم الأمارات على الأصول العملية … الأقوى: كونها رافعة لموضوعه بالحكومة لا بالورود (النائيني، همان: 4/591).
37. فالدليل العلمي المذكور وإن لم يرفع موضوعه أعني الشك إلا أنه يرفع حكم الشك أعني الاستصحاب (الشيخ الأنصاري، 1428: 4/13).
38. ومن هذا القبيل حكومة الأمارات على الأصول فإن دليل الأمارة يوجب ارتفاع موضوع الأصل الذي هو الشك (النائيني، 1352: 2/507).
39. والتحقيق في وجه التقديم حسبما يقتضيه النظر الدقيق أن يقال: إنما هو لورودها عليها بارتفاع موضوعها حقيقة (الآخوند الخراساني، 1407: 102-103).
40. وإنما الشأن في أنه هل خرج من الأصل المذكور شيء، أو لا؟ والحق هو الأول وهو أمور نذكرها مع ما يقتضي تخصيص الأصل بها (الشيخ الأنصاري، 1383: 78) والجواب أما عن الآيات … ولو سلم عمومها لها فهي مخصصة بالأدلة الآنية على اعتبار الأخبار (الآخوند الخراساني، 1409: 295).
41. بل نسبة تلك الأدلة إلى الآيات ليست نسبة التخصيص بل نسبة الحكومة (النائيني، 1376: 3/161).
42. هذا إذا لم نقل بالسببية في باب الطرق والأصول، وإلا كان المخالف لها عاصيًا حقيقة، وليس من التجري (النائيني، 1376: 3/53).
43. بل التحقيق أن معناه جعلها مرآة عن الواقع وطريقًا إليها تنزيلًا لما ليس من العلم منزلة العلم (الشيخ الأنصاري، 1383: 4/415)؛ لأنك قد عرفت أن معنى اعتبارها هو إلغاء أحكام الاحتمال (همان: 418).
44. في استصحاب الأحكام التي قامت الأمارات المعتبرة على مجرد ثبوتها وقد شك في بقائها على تقدير ثبوتها من الإشكال بأنه لا يقين بالحكم الواقعي ولا يكون هناك حكم آخر فعلي بناء على ما هو التحقيق من أن قضية حجية الأمارة ليست إلا تنجز التكاليف مع الإصابة والعذر مع المخالفة … لا إنشاء أحكام فعلية شرعية ظاهرية كما هو ظاهر الأصحاب (الآخوند الخراساني، 1409: 404-405).
45. ولا يخفى: أنه على هذا لا يمكن الذب عن الإشكال، بل لا محيص عن القول بعدم جريان الاستصحاب (النائيني، 1376: 4/410).
46. لكن قد عرفت الإشكال في مبنا (الإمام الخميني، 1417: 81).
47. فكأن الشارع أوجد في عالم التشريع فردًا من العلم (النائيني، همان: 3/108).
48. فالأمارات تكون كالعلم من حيث الإحراز والكاشفية وإثبات المؤدى (همان: 4/485).
49. لأن ثبوت الشيء بالأمارة كثبوته بالعلم (همان: 406).
50. وعلى ذلك لا يتوجه إشكال على جريان الاستصحاب في تلك الموارد حتى يحتاج إلى هذا التمحل والتكلف (النائيني، 1352: 2/390).
المصادر والمراجع
الآخوند الخراساني، محمد كاظم، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، طهران، مؤسسة الطبع والنشر، الطبعة الأولى، 1410هـ.
ـــــ، فوائد الأصول، طهران، وزارة الإرشاد، الطبعة الأولى، 1407هـ.
ـــــ، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت، الطبعة الأولى، 1409هـ.
الآملي، ميرزا هاشم، بدائع الأفكار في الأصول (تقريرات درس ضياء الدين العراقي)، النجف الأشرف، المطبعة العلمية، الطبعة الأولى، 1370هـ.
ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل، بيروت، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1414هـ.
ابن سيده، علي بن إسماعيل، المخصص، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، د.ت.
ابن فارس، أحمد، المعجم المقاييس اللغة، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1404هـ.
إسماعيل بور، محمد علي، مجمع الأفكار (تقريرات درس ميرزا هاشم الآملي)، قم، المطبعة العلمية، الطبعة الأولى، 1395هـ.
الأصفهاني، سيد أبو الحسن، وسيلة الوصول، قم، مؤسسة آل البيت، الطبعة الأولى، 1422هـ.
الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية في شرح الكفاية، بيروت، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الثانية، 1429هـ.
الإمام الخميني، روح الله، الاستصحاب، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى، 1417هـ.
الأنصاري الأراكي، محمد إبراهيم، جواهر الأصول (تقريرات درس محمد باقر الصدر)، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الأولى، 1415هـ.
البجنوردي، محمد حسن، منتهى الأصول، طهران، مؤسسة العروج، الطبعة الأولى، 1421هـ.
البروجردي، محمد تقي، نهاية الأفكار (تقريرات درس ضياء الدين العراقي)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1417هـ.
الجزائري، محمد جعفر، منتهى الدراية في شرح توضيح الكفاية، قم، مطبعة الغدير، الطبعة الرابعة، 1413هـ.
الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، 1376هـ.
الحائري اليزدي، الشيخ عبد الكريم، درر الفوائد، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة السادسة، 1418هـ.
الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت، الطبعة الأولى، 1409هـ.
الحسيني البهسودي، محمد سرور، مصباح الأصول (تقريرات درس السيد أبو القاسم الخوئي)، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، الطبعة الأولى، 1422هـ.
الحسيني الميلاني، سيد علي، تحقيق الأصول (تقريرات درس آية الله وحيد الخراساني)، قم، انتشارات حقائق، الطبعة الثانية، 1428هـ.
الخوئي، سيد أبو القاسم، أجود التقريرات (تقريرات درس ميرزاي نائيني)، قم، مطبعة العرفان، الطبعة الأولى، 1352هـ.
الروحاني، محمد صادق، زبدة الأصول، طهران، انتشارات حديث دل، الطبعة الثانية، 1382هـ.
الشيخ الأنصاري، مرتضى، الفوائد الأصولية، طهران، مؤسسة نشر شمس تبريزي، الطبعة الأولى، 1426هـ.
ـــــ، فرائد الأصول (رسائل)، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة التاسعة، 1428هـ.
الشيرازي، عبد الله، عمدة الوسائل في الحاشية على الرسائل، مشهد، مؤسسة أمير المؤمنين، الطبعة الرابعة، 1427هـ.
الصافي الأصفهاني، حسن، الهداية في الأصول (تقريرات درس السيد أبو القاسم الخوئي)، قم، مؤسسة صاحب الأمر، الطبعة الأولى، 1417هـ.
الصافي الكلبايكاني، علي، المحجة في تقريرات الحجة (تقريرات درس آية الله حجت التبريزي)، قم، مؤسسة السيدة المعصومة، الطبعة الأولى، 1419هـ.
الصدر، سيد حسن، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، طهران، منشورات الأعلمي، د.ت.
الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1417هـ.
العرفانيان، غلام رضا، الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد (تقريرات درس السيد أبو القاسم الخوئي)، قم، المطبعة العلمية، الطبعة الثانية، 1411هـ.
العلامة الحلي، حسن بن يوسف، خلاصة الأقوال، النجف، مطبعة الحيدرية، الطبعة الثانية، 1381هـ.
الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415هـ.
القدسي، أحمد، أنوار الأصول (تقريرات درس مكارم الشيرازي)، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، الطبعة الثانية، 1428هـ.
الكاظمي الخراساني، محمد علي، فوائد الأصول (تقريرات درس ميرزاي نائيني)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1376هـ.
الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي، مشهد، مؤسسة نشر جامعة مشهد، الطبعة الأولى، 1409هـ.
الكلانتري، ميرزا أبو القاسم، مطارح الأنظار (تقريرات درس الشيخ مرتضى الأنصاري)، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1383هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407هـ.
المرتضوي اللنكرودي، سيد محمد حسن، جواهر الأصول (تقريرات درس الإمام الخميني)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى، 1418هـ.
المرتضى الزبيدي، محمد بن محمد، تاج العروس، بيروت، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1414هـ.
المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، 1430هـ.
النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة السادسة، 1365هـ.
نجم آبادي، أبو الفضل، الأصول (تقريرات درس ميرزاي نائيني ومحقق عراقي)، قم، مؤسسة آية الله العظمى البروجردي، الطبعة الأولى، 1380هـ.
النراقي، أحمد، عوائد الأيام، قم، دفتر تبليغات إسلامي حوزة علمية قم، الطبعة الأولى، 1417هـ.
الهاشمي الشاهرودي، سيد علي، دراسات في علم الأصول (تقريرات درس السيد أبو القاسم الخوئي)، قم، مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، الطبعة الأولى، 1419هـ.