مستند ونطاق قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد

الملخص: أحيانًا يكون الأمر المكروه هو السبيل الوحيد لدفع أمر أشد كراهة. في هذه الحالات، يحكم العقل بأن الإنسان، لدفع الأمر الأشد كراهة، يرضخ للأمر المكروه. يُعبَّر عن هذا المنهج العقلائي في الفقه بقاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد”. هذه القاعدة كثيرة الاستعمال، قلّما خضعت لبحث مستقل، ومن الجدير أن يُجرى تحقيق منفصل حول مستندها ونطاقها. حصيلة هذا البحث، الذي أُجري بالمنهج الوصفي التحليلي وبالاعتماد على المصادر المكتبية، هي أن الأدلة النقلية لإثبات القاعدة غير تامة، وأن أهم دليل عليها هو سيرة العقلاء. فالعقلاء، سواء في مقام التشريع أو في مقام تنفيذ القانون، إذا لم يجدوا لدفع الأفسد بدًا من الرضوخ للفاسد، فإنهم يفعلون ذلك. هذا المنهج العقلائي كان جاريًا في زمن الشارع أيضًا، ولم يَرِدْ عنه منع، بل طبّقه الشارع أحيانًا. نتيجة البحث في الصلة بين هذه القاعدة والقواعد الأخرى هي أن التشريع بناءً على التعاليم الشرعية هو من قبيل التزاحم الامتثالي. بناءً على ذلك، لتطبيق هذه القاعدة، يجب توفر شرطي التزاحم، وهما: فعلية التكليفين، وكذلك انحصار امتثال “الأهم” في عدم امتثال “المهم”. والقاعدة العقلائية “الغاية لا تبرر الوسيلة” تُبيّن أمرين أيضًا: أولًا، إذا كان الهدف واجبًا ومقدمته حرامًا، ففي صورة عدم انحصار المقدمة الواجبة في الفعل الحرام، لا ينبغي ارتكاب الحرام. ثانيًا، في صورة انحصار المقدمة الواجبة في الفعل الحرام، فإن ذا المقدمة يفقد مطلوبيته. على هذا الأساس، لا تتعارض هذه القاعدة مع وجوب دفع الأفسد بالفاسد. النتيجة الأخرى هي أن مرجع تشخيص الأفسد من الفاسد هو الفقيه وحده، فهو الذي يستطيع أن يشخّص في الأحكام الشرعية مقدار المفسدة وأهمية الحكم. بالطبع، في الأحكام المترتبة على الموضوعات العرفية، يضطر إلى استشارة أهل الخبرة.

مقدمة

يواجه الإنسان طوال حياته في كثير من الأحيان أمرًا بغيضًا جدًا، والسبيل الوحيد للفرار منه هو الرضوخ لأمر آخر بغيض. في هذه الحالات، ومن أجل اجتناب الأمر الأشد بغضًا، يرتكب الأمر البغيض. وبتعبير آخر، يرتكب السيئ لدفع الأسوأ. يُعبَّر عن هذه العملية في الفقه بـ “وجوب دفع الأفسد بالفاسد”. وقد استعان أصحاب النظر في الفقه والأصول بهذه القاعدة في مباحث شتى. ومن التأمل في الاستدلالات يتضح أن كبرى هذه القاعدة مسلَّمة في أذهان أصحاب النظر؛ وإن وُجد اختلاف في تطبيقها على المصاديق المختلفة. وعلى هذا الأساس، عدّ بعض العلماء المعاصرين قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد” من موارد جريان قاعدة “تقديم الأهم على المهم” من المشهورات بين الفقهاء والأصوليين (السيفي المازندراني، ۱۴۲۵، ص ۲۰۸). وفي المباحث الأصولية، تمسّك بهذه القاعدة الشيخ الأنصاري في بحث الانسداد (الأنصاري، ۱۴۲۸، ج ۱، ص ۳۷۱؛ التبريزي، ۱۳۸۸، ج ۲، ص ۳۰۹)، والمحقق الأصفهاني في مبحث الطلب والإرادة (الأصفهاني، ۱۴۱۶ق، ج ۲، ص ۶۰)، وآية الله الخوئي والشهيد الصدر في بحث الحركات الخروجية للتخلص من الغصب (الخوئي، ۱۴۲۲ق، ج ۲، ص ۲۲۹؛ الصدر، ۱۴۲۳ق، ص ۲۰).

في الفروع الفقهية، أخذ آية الله الخوانساري هذه القاعدة بنظر الاعتبار في مبحث قبول الولاية من الحاكم الجائر، وآية الله السبزواري في مبحث الاستعانة بالكافر أو الجائر للدفاع عن النفس والمال والعرض (السبزواري، بلا تا، ج ۱۵، ص ۱۰۳؛ الخوانساري، ۱۴۲۰ ق، ج ۳، ص ۶۰).

كما استُفتي عن بعض مصاديق هذه القاعدة. على سبيل المثال، استُفتي مراجع التقليد عن حكم مسألة إرسال التشويش على أمواج الأقمار الصناعية بهدف منع تحقق الأهداف المعادية للإسلام.

مع أن هذه القاعدة يُستند إليها في مواضع شتى من المباحث الفقهية؛ إلا أنها قلما حظيت بالتدقيق والنظر بشكل مستقل. ومن تبعات عدم التأمل هذا، أن يُستند أحيانًا إلى القواعد المذكورة بشكل غير واعٍ وتُطبّق على موارد مختلفة. حتى أولئك الذين اهتموا بدقة بإحصاء العناوين والقواعد الفقهية وتوضيحها، لم يبحثوا هذه القاعدة. (راجع: البجنوردي، ۱۴۱۱؛ مكارم الشيرازي، ۱۴۱۱). ويجب البحث عن المباحث المتعلقة بهذه القاعدة ضمن عناوين أخرى. المباحث المطروحة في المصادر الفقهية والأصولية تحت عنوان “التزاحم” يمكن أن تساعدنا في معرفة قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد، ولكن لسببين على الأقل، يعتبر البحث المستقل حول قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد ضروريًا: ۱. في مبحث التزاحم، ما هو موضوع البحث هو تنافي حكمين لهما ملاك بشكل عام. أما في قاعدة وجوب الدفع بالفاسد، فيتركز البحث على منع وقوع الأفسد بواسطة الفاسد. لذلك، تُبحث صور المنع المختلفة من وقوع الأفسد بواسطة الفاسد بتفصيل ودقة أكبر، ولكن هذه النقاط لم تُبحث تفصيليًا في بحث التزاحم. ۲. في مبحث التزاحم، لم تُطرح بعض المباحث أو حظيت باهتمام أقل، مثل مرجع تشخيص أهمية الملاك، وكذلك الارتباط ببعض القواعد الأخرى.

سابقا البحث

في المصادر الفقهية والأصولية، لم يُبحث وجوب دفع الأفسد بالفاسد بشكل خاص. وفقط في كتاب “أسس النظام السياسي عند الإمامية” خُصصت صفحات قليلة لهذا البحث. (السند، ۱۴۲۶ق، ص ۲۸۷).

من بين المقالات المنشورة، تناولت مقالتان موضوع “وجوب الأفسد بالفاسد”: ۱. علي آبادي، عبد الصمد؛ إسلامي، رضا. “دراسة تحليلية لقاعدة دفع الأفسد بالفاسد من وجهة نظر المذاهب الفقهية”. مجلة دراسات المذاهب الإسلامية، السنة الثانية، العدد الثالث، ربيع وصيف ۱۳۹۴ش، ص ۳۲-۹. في هذه المقالة، تم بحث أدلة قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد والإشارة إلى بعض تطبيقاتها. ۲. گل محمدي، هوشنگ؛ آيتي، محمد رضا؛ رحمان ستايش، محمد كاظم. “دراسة تحليلية لدفع الأفسد بالفاسد وتجليه في القانون الجنائي مع مراعاة حقوق المواطنة”. فصلية الحقوق الطبية، عدد خاص بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة، ۱۳۹۷ش، ص ۲۴۵-۲۵۷. في هذا البحث، أُشير إلى أدلة القاعدة وبُحثت بعض تطبيقاتها الفقهية والقانونية. ولكن في هذا البحث، ولأول مرة، طُرحت مسائل مثل جواز تهيئة الأرضية لعمل حرام (فاسد) للآخر بهدف منع ارتكاب حرام أشد (أفسد)، وجواز دفع الأفسد من جانبه. كما بُحثت من وجهة نظر أصولية العلاقة بين قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد وقاعدة “الغاية لا تبرر الوسيلة”، وكذلك تم تحليل مرجع تشخيص الأفسد والفاسد. في هذه المقالة، حُللت أولاً معاني المفردات الرئيسية للبحث: الأفسد، الفاسد، والتزاحم. ثم أُجيب عن الأسئلة المطروحة حول نطاق القاعدة. في الخطوة التالية، بُحثت أدلة قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد، وفي النهاية، بُحث مرجع تشخيص الأفسد من الفاسد.

۱. تحليل المفردات

۱-۱. الفاسد والأفسد

(أ) المعنى اللغوي

اكتفى اللغويون في بيان المعنى اللغوي لـ “الفساد” بهذه العبارة: “الفساد: نقيض الصلاح”. وتابعوا قائلين: “فسد يفسد فسادًا وفسودًا، فهو فاسد” (الفراهيدي، ۱۴۰۹ق، ج ۷، ص ۲۳۱؛ ابن منظور، ۱۴۰۹ق، ج ۳، ص ۲۳۵). وبما أن “الأفسد” اسم تفضيل، فلم يذكروا له معنى منفصلاً. وقاعدةً، سيكون المعنى اللغوي لـ “الأفسد” هو: ما فيه فساد أكثر.

(ب) المعنى الاصطلاحي

في المصادر الأصولية، لم يُبيَّن معنى “الفاسد” و”الأفسد” بشكل منفصل. ولكن التأمل في موارد استعمال هاتين المفردتين يدل على أن المراد بـ “الفاسد” في قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد” هو العمل الذي فيه مفسدة، والمقصود بـ “الأفسد” هو العمل الذي مفسدته أكثر بالنسبة لعمل آخر. وبالطبع، يُعدّ أحيانًا ترك الواجب، أي العمل الذي له مصلحة ملزمة، فاسدًا أيضًا. وعلى هذا الأساس، إذا كان لعمل واجب مصلحة أقوى من حكم آخر، فإن تركه يُعدّ أفسد (السبزواري، ۱۴۱۳ ق، ج ۱۵، ص ۱۰۳؛ الخوانساري، ۱۴۲۰ق، ج ۳، ص ۶۰). أما هذا المبحث، وهو أن المقصود بالمفسدة في هذا البحث هل هي المفسدة الأخروية أم الدنيوية، فسيُبحث في تتمة المقالة.

۱-۲. التزاحم

بما أن قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد لها ارتباط وثيق ببحث التزاحم، فإن التأمل في معنى وأقسام التزاحم ضروري.

(أ) المعنى اللغوي

جاءت هذه المفردة في اللغة بمعنى اجتماع القوم على شيء وتلاطم الأمواج (ابن منظور، ۱۴۰۸ق، ج ۱۲، ص ۲۶۲).

(ب) المعنى الاصطلاحي

حصر بعضهم استعمال مفردة “التزاحم” في علم الأصول بمقام الامتثال فقط (المشكيني، ۱۴۲۸ق، ص ۱۰۸). ولكن استعمال “التزاحم” في المتون الأصولية له نطاق أوسع. بالنظر إلى الاستعمالات المختلفة لهذه المفردة، يمكن تعريف التزاحم كالتالي: كلما تحقق تنافٍ بين حكمين لهما ملاك، ولم يكن منشأ هذا التنافي تكاذب الدليلين، فهذان الحكمان متزاحمان. وهذا التنافي يكون أحيانًا في مقام الجعل وأحيانًا في مقام الامتثال (الصدر، ج ۴، ص ۱۵۱؛ السبحاني، ۱۴۱۴ ق، ج ۴، ص ۴۰۸).

(ج) أنواع التزاحم

النوع الأول: التزاحم الملاكي

الأفعال التي أُوجبت أو حُرّمت في الشريعة الإسلامية؛ تكون أحيانًا ذات مصلحة أو مفسدة محضة، وأحيانًا ذات مصلحة ومفسدة غالبة. توضيح ذلك: أن الفعل الواحد يكون أحيانًا ذا مصلحة وذا مفسدة معًا؛ في هذه الصورة، يقع التزاحم بين مفسدة الفعل ومصلحته. وفي هذه الحالة، قد تكون مفسدته أكثر من مصلحته أو العكس. فإذا كانت مصلحته أكثر من مفسدته؛ صار الفعل راجحًا شرعًا، وإذا كانت مفسدته أكثر؛ صار مرجوحًا شرعًا. الأمر الراجح شرعًا إذا كان ذا مصلحة ملزمة، صار واجبًا، والأمر المرجوح إذا كان ذا مفسدة ملزمة، صار حرامًا. إذا وُجد تزاحم بين مصلحة فعل ومفسدته، وقام الشارع في مرحلة التشريع بإيجاب ذلك الفعل أو تحريمه بسبب غلبة مصلحته أو مفسدته، يُسمّى ذلك تزاحمًا ملاكيًا. المثال المشهور للتزاحم الملاكي في الشريعة هو حرمة الخمر والميسر؛ فبناءً على الآية الشريفة، مع وجود منافع فيهما، إلا أنه لمّا كانت مفسدتهما أكبر من منافعهما، حرّمهما الشارع. يقول الله تعالى: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا…” (البقرة/ ۲۱۹).

النوع الثاني: التزاحم الحفظي

الفرق بين هذا النوع من التزاحم والنوع السابق هو أن الضرر والمنفعة في النوع السابق كانا في فعل واحد، أما في هذا النوع فالضرر في شيء والمنفعة في شيء آخر. المثال المشهور لهذا النوع من التزاحم في الشريعة هو حجية الأمارات في فرض انفتاح باب العلم. بما أن مصلحة تسهيل الأمر للمكلفين لها أهمية أساسية لدى الشارع، ولأن تكليفهم بتحصيل الحكم الواقعي اليقيني يؤدي إلى فوات مصلحة التسهيل، فقد اكتفى الشارع المقدس بالظنون المعتبرة لتحصيل الحكم الواقعي (المظفر، ۱۴۳۰، ج ۳، ص ۴۱).

في هذا المثال، الضرر يكمن في عدم الوصول إلى الحكم الواقعي وتقوية الملاك الملزم – مع التمكن من العلم. أما المنفعة فتكمن في جعل الأمارة حجة.

النوع الثالث: التزاحم الامتثالي

في مقام امتثال الأحكام الشرعية، يقع التزاحم أحيانًا بين تكليفين. في هذه الحالة، وظيفة المكلف هي امتثال التكليف الأهم وترك التكليف المهم (الصدر، ۱۴۱۷، ج ۴، ص ۲۰۳).

على سبيل المثال، إذا توقف إنقاذ شخص من النار على إتلاف أمواله؛ فمع أن هذا العمل حرام، إلا أنه لمّا كان إنقاذ حياته “أهم”، يجب امتثال هذا التكليف “الأهم” بارتكاب هذا العمل.

۲. نطاق القاعدة

لبحث نطاق جريان القاعدة، تُبحث عدة موضوعات:

۲-۱. الصور المختلفة لمنع وقوع الأفسد بواسطة الفاسد

يمكن تصور تطبيق قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد في عدة حالات: الحالة الأولى: أن يكون عملٌ ما حرامًا على المكلف، فيدفع به عن نفسه حرامًا أشد منه. يبدو أن هذه الحالة هي المصداق الواضح والقدر المتيقن لجريان هذه القاعدة. إذا وقع التزاحم بين ارتكاب حرام وحرام أفسد منه، يجب على المكلف أن يدفع عن نفسه الحرام الأفسد بارتكاب الحرام الفاسد. الحالة الثانية: أن يدفع المكلف الأفسد عن غيره بارتكاب الفعل الفاسد. الحالة الثالثة: أن يدفع المكلف الأفسد عن شخص آخر بتهيئة الظروف له لارتكاب الفعل الفاسد. جريان القاعدة في هاتين الحالتين محل تأمل. لجريان قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد، يمكن الاستدلال بأدلة وجوب النهي عن المنكر. الاستدلال بهذا الدليل له مرحلتان:

المرحلة الأولى: إثبات وجوب منع وقوع المنكر بارتكاب عمل ما. تتضمن هذه المرحلة مقدمتين: المقدمة الأولى: القدر المتيقن من أدلة النهي عن المنكر هو أنه إذا ارتكب شخص حرامًا بالفعل، وجب على المكلفين نهيه عن ارتكابه (الحر العاملي، ۱۴۰۹، ج ۱۶، ص ۱۳۶). ولكن ربما يُستفاد من أدلة وجوب النهي عن المنكر أن الشارع غير راضٍ بوقوع المنكر، وبالتالي فإن وجوب النهي عن المنكر لا يقتصر على وقت وجود منكر بالفعل؛ بل بتنقيح المناط يثبت أنه حتى لو وُجد علم أو احتمال بوجود منكر في المستقبل، فإنه يجب بحكم هذه الأدلة نهي من ينوي ارتكابه في المستقبل عن هذا الفعل. كما أُشير إلى ذلك في بعض كتب الفقه الفتوائي في مقام بيان شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (السيستاني، ۱۴۲۷ق، ج ۱، ص ۴۱۸). المقدمة الثانية: النهي عن فعل الشيء لا يقتصر على النهي اللساني، بل يجب على المكلف منع وقوعه – ولو بالإجراء العملي.

بعد هاتين المرحلتين، يثبت أن المستفاد من أدلة وجوب النهي عن المنكر هو أن الإنسان بعد علمه بأن شخصًا ما قرر ارتكاب حرام، يجب عليه – ولو بارتكاب عمل ما – منعه من ذلك.

المرحلة الثانية: إثبات جريان القاعدة في الحالة الثانية والثالثة. أحيانًا، ينحصر طريق منع وقوع منكر ما في ارتكاب عمل حرام. في هذه الحالة، يجب المقارنة بين مفسدة ذلك المنكر ومفسدة هذا العمل الحرام، وإذا كانت مفسدة ذلك المنكر أكبر من مفسدة العمل الحرام؛ فبحكم أدلة وجوب النهي عن المنكر، يجب منع وقوع المنكر الأفسد بارتكاب هذا الحرام الفاسد. باجتياز هاتين المرحلتين من الاستدلال، يتضح جريان قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد في الحالة الثانية أيضًا. ولكن أحيانًا، لا يمكن منع وقوع منكر من قبل آخر إلا بتهيئة الظروف لارتكاب عمل حرام من جانبه. وكما ثبت في الفقه، فإن تهيئة الظروف لارتكاب الحرام مصداق للإعانة على الإثم، وهو بحد ذاته عمل حرام (الكرباسي، ۱۴۳۱ق، ج ۲، ص ۱۴۴). بناءً على ذلك، يجب المقارنة بين مفسدة الإعانة على الإثم – وبالطبع يختلف مقدار هذه المفسدة باختلاف الذنوب – وارتكاب الحرام. وإذا كانت مفسدة ارتكاب المنكر من قبل آخر أكبر من مفسدة الإعانة على الإثم، أي تهيئة الظروف لارتكاب الحرام من جانبه؛ فيجب بتهيئة الظروف لارتكاب الفاسد من قبل الآخر (الحرام الفاسد)، منع وقوع الأفسد (ارتكاب المنكر). النتيجة هي أنه في حالة انحصار طريق دفع الحرام الأفسد في الفاسد، يجب ارتكاب الفاسد. ولا فرق في أن يكون الأفسد متعلقًا بفعل المكلف نفسه أو بشخص آخر.

۲-۲. جريان القاعدة في فرض اليقين أو احتمال وقوع الأفسد في المستقبل

توضيح: القدر المتيقن من مورد تطبيق القاعدة هو أن يكون الابتلاء بالأفسد فعليًا. ولكن السؤال هنا: إذا لم يكن الابتلاء بالأفسد فعليًا، بل وُجد يقين أو احتمال بوقوع الأفسد في المستقبل فقط، فهل تجري هذه القاعدة أيضًا؟ الجواب عن هذين السؤالين رهين بحل هذه المسألة: إذا كان المستفاد من أدلة النهي عن المنكر أن وجوب النهي عن المنكر لا يختص بوقوع المنكر فعليًا؛ فيمكن القول بأن مجرد وجود يقين أو احتمال بوقوع ذلك المنكر – الذي هو أفسد – مع التوضيح الذي مر، كافٍ لأن يرتكب الإنسان الفاسد لمنع الأفسد. وإذا استُفيد من أدلة النهي عن المنكر أن الشارع غير راضٍ بوقوع المنكر؛ سواء من المكلف نفسه أو من الآخرين، فيمكن للمكلف أن يرتكب الفعل الفاسد لمنع وقوع الأفسد، ولو كان من قبل آخر. أما أن وجوب دفع الأفسد بالفاسد هل يُعتبر فيه العلم بالوقوع أم يكفي الاحتمال؛ فهذا يعتمد على نوع الأفسد. فقد تكون شدة حرمة عمل ما إلى حد يكفي معه احتمال وقوعه لوجوب دفعه بواسطة حرام آخر. ولكن أحيانًا تكون حرمة فعل ما في حد لا يترتب معه هذا الوجوب على الإنسان إلا في صورة العلم بوقوعه. في الأمور اليومية، إذا وُجد احتمال وقوع أمر غير مرغوب فيه في المستقبل، تُجرى معادلة بين عدم الرغبة فيه واحتمال وقوعه، بحيث إذا كانت درجة كراهية ذلك الأمر أكبر من درجة احتمال الوقوع، كفى احتمال وقوعه لمنع وقوعه من الوقت الحالي. أما إذا كانت درجة الكراهية أقل، فلا يجب السعي لمنع وقوعه إلا في صورة اليقين بوقوعه. الأمور التي تُعدّ فاسدة من وجهة نظر الشرع هي على هذا المنوال أيضًا.

۲-۳. المقصود بـ “الفساد” في “الفاسد” و “الأفسد”

السؤال الآخر هو: هل المقصود بالفساد هو المفسدة الأخروية، بحيث يكون المراد بـ “الأفسد” هو الحرام الذي له مفسدة أخروية أكبر، أم المفسدة الدنيوية، أم الأعم منهما؟ يبدو أن المفسدة الدنيوية المحضة خارجة عن محل البحث. لأنه ربما يمكن القول بأن أوامر الشارع غالبًا لا تدور مدار المصالح والمفاسد الدنيوية المحضة. المقصود بالمفسدة الدنيوية في هذا البحث هو أن يترتب على امتثال تكليف ما تكلفة جسدية وروحية ومالية باهظة على المكلف. لإثبات أن تحميل التكاليف الدنيوية الباهظة مصداق للمفسدة في البحث الحالي، قد تُطرح أدلة مختلفة يجب تناول كل منها على حدة:

الدليل الأول: أدلة النهي عن المنكر

كيفية الاستدلال للاستدلال بهذا الدليل عدة مقدمات: المقدمة الأولى: كما اتضح مما سبق، فإن وجوب منع المنكر لا ينحصر في فرض وقوع المنكر، بل يجب منع المنكر أيضًا في حالة العلم أو احتمال وقوع الحرام في المستقبل. المقدمة الثانية: كما مرّ، يجب أحيانًا منع وقوع المنكر من خلال الإجراء العملي. المقدمة الثالثة: في هذه المرحلة، يدور الحديث حول ما هو المقصود بـ “المنكر”؟ هل هو مجرد المحرمات الشرعية، مثل شرب الخمر والزنا والقتل وغيرها، أم أن كل أمر يعتبره الشارع قبيحًا يشمله أيضًا عنوان “المنكر”؟ للإجابة على هذا السؤال، من الضروري البحث في المعنى اللغوي لـ “المنكر”. يتضح من معاجم اللغة أن مادة “نكر” التي هي جذر كلمة “منكر” وُضعت لثلاثة معانٍ: الأول: الدهاء والفطنة: “النُّكْر والنَّكْرَاء: الدهاء والفطنة”. الثاني: الشدة: “النُّكْر والنُّكُر: الأمر الشديد”. الثالث: عدم المعرفة: “النَّكِرَة: إنكارك الشيء، وهو نقيض المعرفة” (ابن منظور، ۱۴۰۸، ج ۱۴، ص ۲۸۱). يبدو أن كلمة “منكر” مشتقة من “نكر” بالمعنى الثالث. جاء في لسان العرب: “والمنكر من الأمر خلاف المعروف، وقد تكرر في الحديث الإنكار والمنكر، وهو ضد المعروف، وكل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه فهو المنكر”. يعني: بما أن القبيح هو الشيء غير المعروف لدى جماعة، ويرون رد فعل سلبي عند رؤيته، يُقال للأمور القبيحة “منكر”. بناءً على ذلك، كل أمر يُعتبر قبيحًا من وجهة نظر الشارع يُطلق عليه اسم “منكر”. المقدمة الرابعة: الوقوع في المشاكل الروحية والجسدية أمر غير مرغوب فيه أيضًا من وجهة نظر الشارع. وبتعبير عامي “سيء” ومشمول لعنوان “المنكر”. لأن هذه المشاكل تؤدي أحيانًا إلى ترك واجب أو فعل حرام. على سبيل المثال، الاكتئاب مرض عاطفي يصاحبه شعور باليأس وعدم الكفاءة والذنب والخوف وعدم القيمة. هذه الحالة تؤدي إلى انخفاض عميق في الرغبة في الأنشطة اليومية الممتعة مثل التفاعل مع الآخرين والترفيه والرياضة والعلاقات الجنسية. هذا المرض له مراحل بسيطة وحادة وعميقة ومزمنة (الماليخوليا) (برمن، ۱۳۹۸ش، ص ۱۰۵؛ هالجين وويتبورن، ۱۴۰۱ش، ص ۳۰۱؛ فرمهيني فراهاني، ۱۳۷۸ش، ص ۱۵۲). بناءً على ذلك، قد يتسبب الاكتئاب في بعض مراحله الحادة في ترك الواجبات مثل: الصلوات اليومية أو ترك الواجبات الزوجية. ينطبق هذا الأمر أيضًا على إدمان المخدرات. النتيجة هي أنه بحكم أدلة النهي عن المنكر، يجب منع وقوع المشاكل الروحية والجسدية؛ حتى لو كان طريق منع وقوع هذه المشاكل هو ارتكاب عمل حرام. بالطبع، بشرط أن تكون مفسدة ارتكاب هذا الحرام أقل من مفسدة تلك المشاكل.

بحث الاستدلال

في حال قبول هذه المقدمات الأربع، تكون هذه النتيجة صحيحة. ولكن المقدمتين الثالثة والرابعة قابلتان للنقاش. توضيح ذلك: أن المقصود بالمنكر في أدلة النهي عن المنكر هو القبيح، والقبيح في هذا البحث هو نفسه الذي يُبحث في بحث الحسن والقبح العقليين بين المتكلمين والأصوليين. المقصود بالقبيح في بحث الحسن والقبح العقليين هو “الفعل القبيح” فقط؛ وليس كل ما هو غير مرغوب فيه ومكروه في نظر الشارع. وفي كلام الفقهاء أيضًا، عُرّف “المنكر” بأنه الفعل القبيح، وليس كل أمر قبيح. يقول المحقق الحلي في الشرائع: “والمنكر كل فعل قبيح عرف فاعله قبحه أو دل عليه” (الحلي، ۱۴۰۸ ق، ۳۱۰/۱). وما ورد في النصوص الدينية يؤيد أيضًا أن المقصود بالمنكر هو “الفعل القبيح”. جاء في زيارة آل ياسين: “والمعروف ما أمرتم به والمنكر ما نهيتم عنه”. بناءً على هذه العبارة، المنكر هو ما وقع النهي عنه، وواضح أن ما يقع النهي عنه هو الفعل الاختياري فقط. بناءً على ذلك، فإن مجرد كون المشاكل الروحية والجسدية غير مرغوب فيها لا يجعل هذه الأمور ضمن “المنكر” بمعناه الاصطلاحي. أما في حال تسببت هذه المسائل بشكل يقيني أو احتمالي في وقوع منكر، فستندرج تحت المباحث التي طُرحت في القسم (۲-۱).

الدليل الثاني: أدلة نفي الحرج

كيفية الاستدلال: يُستفاد من أدلة نفي الحرج أن وقوع الحرج من الأمور التي لا يرضاها الشارع المقدس، وإذا أدى ترك حرام إلى حرج، ففي حال كان عدم رضا الشارع بوقوع ذلك الحرج أكبر من عدم رضاه بارتكاب الحرام، فإن ارتكاب هذا الحرام لدفع ذلك الحرج جائز بل واجب (البجنوردي، ۱۴۱۹، ج ۱، ص ۲۴۹). في هذه الحالة، وقوع الحرج مفسدة موجودة في ترك الحرام. ومع أنها مفسدة دنيوية محضة، إلا أنها أدت إلى اعتبار ترك الحرام مصداقًا للأفسد. ونتيجة لذلك، من باب وجوب دفع الأفسد (ترك الحرام) بالفاسد (ارتكاب الحرام)، يجوز أو يجب ارتكاب ذلك العمل الحرام. بحث الاستدلال: الاستدلال بقاعدة نفي الحرج لإثبات رفع التكليف هو دليل مستقل؛ وليس من باب تطبيق قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد”.

الدليل الثالث: أدلة حرمة إيذاء المؤمنين

كيفية الاستدلال

إذا استُفيد من أدلة حرمة إيذاء المؤمن أن ما له أهمية عند الشارع هو “تأذي” المؤمنين، وإذا نُهي عن إيذائهم فذلك بهدف منع تحقق “التأذي”. بناءً على ذلك، فإن كل عمل يؤدي إلى أذيتهم هو مفسدة من وجهة نظر الشارع المقدس؛ بل من أعظم المفاسد. وبالتالي، إذا كان السبيل الوحيد لمنع وقوع “التأذي” هو ارتكاب عمل حرام له مفسدة أقل من مفسدة “التأذي”، فيجب الرضوخ له، ويكون ارتكابه جائزًا بل واجبًا (الفيض الكاشاني، ۱۴۲۵، ج ۱، ص ۷۱۶).

في هذه الحالة، مع أن “التأذي” مفسدة دنيوية محضة، فمن باب تطبيق قاعدة وجوب دفع الأفسد (التأذي) بالفاسد (فعل الحرام)، يجوز أو يجب ارتكاب ذلك العمل الحرام.

بحث الاستدلال:

هذا الاستدلال ليس تامًا؛ لأنه إذا نُهي عن إيذاء المؤمنين، فربما يكون جزء من مفسدة هذا العمل متعلقًا بصدور الأذى من إنسان تجاه مؤمن آخر. مع الأخذ في الاعتبار أن تعرض مؤمن للأذى من قبل مؤمن آخر سيؤدي إلى حدوث كدورة بينهما.

مفسدة “الإيذاء” ليست مفسدة دنيوية محضة؛
ووجود الكدورة بين المؤمنين ليس مجرد مفسدة دنيوية محضة، بل له أيضًا مفسدة أخروية.
بناءً على ذلك، فإن مفسدة “الإيذاء” لا تنحصر في مفسدة دنيوية محضة، وبالتالي لا تندرج ضمن قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد”.
نتيجة ذلك هي أن المفسدة الدنيوية المحضة لا تندرج ضمن قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد.

۲-۴. العلاقة بين قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد و “الغاية لا تبرر الوسيلة”

التوسل إلى نتيجة مطلوبة ومستحسنة بالطرق غير المستحسنة مرفوض من وجهة نظر العقل والفطرة، ويؤكد الحكماء وأصحاب الفطرة السليمة دائمًا أن الغاية لا تبرر الوسيلة. يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الخطبة ۱۲۶: “أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وُلّيتُ عليه؟ والله ما أطور به ما سمر سمير، وما أمّ نجم في السماء نجمًا! لو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله!” (دشتي، ۱۳۷۹، ص ۲۳۹). ولكن بما أن هدف بعض السياسيين هو بقاء السلطة السياسية وتعزيز موقعهم، فإنهم يتوسلون بكل أنواع الظلم والجريمة في هذا السبيل، مستندين إلى عبارة “الغاية تبرر الوسيلة”. وقد نُظِّر لتبرير الوسيلة عن طريق الهدف في أقوال بعض فلاسفة السياسة (مكيافيلي، ۱۳۹۹، ص ۶۴). للوهلة الأولى، يبدو أن هناك تعارضًا بين قاعدتي “وجوب دفع الأفسد بالفاسد” و “الغاية لا تبرر الوسيلة”؛ فمن جهة، يمكن بهدف دفع الأفسد اللجوء إلى الأمر الفاسد، ويكون دفع الأفسد مبررًا لارتكاب الفاسد، ومن جهة أخرى، فإن الوصول إلى الهدف لا يبرر استخدام الوسيلة غير الصحيحة. ولكن بالدقة يتضح أن مفاد القاعدتين محتوى مختلف، وهما متوافقتان تمامًا. باستخدام المصطلحات الأصولية، يمكن القول بأن المراد بقاعدة “الغاية لا تبرر الوسيلة” أحد هذين الأمرين: أ. مجرد كون أمر ما مطلوبًا أو حتى واجبًا لا يمكن أن يكون مبررًا لاستخدام أي وسيلة حرام، بل ربما يكون التوصل إلى ذلك الواجب ممكنًا بالطرق المباحة بل والمستحبة أيضًا. وبتعبير آخر، إذا لم يكن طريق الوصول إلى ذي المقدمة الواجب منحصرًا في استخدام المقدمة الحرام، فلا يجوز استخدام مثل هذه المقدمة. ب. كلما كان الوصول إلى أمر هو بذاته مطلوب، ممكنًا فقط عن طريق ارتكاب عمل حرام، فربما يفقد ذلك ذو المقدمة مطلوبيته. ويحدث هذا الأمر في حالتين: الأولى: أحيانًا لا يكون دليل مطلوبية ذلك ذي المقدمة مطلقًا، بمعنى أن مطلوبية هذا ذي المقدمة لا تشمل الحالة التي يكون فيها التوصل إليه ممكنًا فقط عن طريق الحرام. مثلًا، الإنفاق على العيال واجب، ولكن إذا لم يكن بإمكان شخص أداء هذا الواجب إلا عن طريق السرقة أو المعاملات الحرام، ففي هذه الحالة لا يكون للإنفاق مطلوبية. وكذلك، إدخال السرور على المؤمن أمر مطلوب ومؤكد عليه من الشارع المقدس. ولكن إذا توقف هذا العمل على السخرية من الآخرين، فإنه يفقد مطلوبيته في هذه الحالة. الثانية: أحيانًا، وإن كان دليل ذلك الواجب مطلقًا؛ ولكن إذا انحصرت مقدمته في الحرام، فسيحدث تزاحم بين ذلك الواجب والحرام، وإذا كانت أهمية الحرام أكبر، فلن يكون لذلك الواجب مطلوبية في هذه الحالة.

بالنظر إلى الشروط التي ذُكرت لتطبيق قاعدة دفع الأفسد بالفاسد، لا يرى العقلاء أبدًا تعارضًا بين هاتين القاعدتين؛ بل في الواقع، هاتان القاعدتان تفسران بعضهما البعض. ونتيجة الجمع بين هاتين القاعدتين هي أنه إذا كان الهدف واجبًا ومقدمته حرامًا، ففي حال لم تكن المقدمة منحصرة في الحرام، فلا يجوز ارتكاب المقدمة الحرام للوصول إلى ذي المقدمة الواجب. وبتعبير آخر، الغاية لا تبرر الوسيلة. وإذا انحصرت المقدمة في الحرام، ففي حال كانت مفسدة ترك الهدف أكبر من مفسدة ارتكاب الوسيلة الحرام، فيجب للتخلص من المفسدة الأكبر ارتكاب المقدمة التي مفسدتها أقل. وبعبارة أخرى، دفع الأفسد بالفاسد واجب. بناءً على ذلك، لا يوجد تنافٍ بين قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد وقاعدة الغاية لا تبرر الوسيلة.

۲-۵. علاقة قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد وقاعدة “التزاحم”

قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد هي في الواقع إحدى فروع قاعدة التزاحم، والقاعدة المذكورة تبين في الواقع كيفية التزاحم. بناءً على ذلك، فإن أحد الأسئلة المطروحة هو: ما هي العلاقة بين وجوب دفع الأفسد بالفاسد والتزاحم؟ بالنظر إلى ما مرّ حول أقسام التزاحم، يجب الإجابة على هذا السؤال في ساحتين:

۱-۵-۲. دفع الأفسد بالفاسد في مقام الامتثال

إذا واجه المكلف في مقام امتثال التكليف تكليفين، أحدهما فاسد والآخر أفسد، بحيث لا يمكن امتثال الأفسد دون ترك امتثال الفاسد، يطرأ التزاحم الامتثالي، وهو مكلف بدفع الأفسد بارتكاب الفاسد.

۲-۵-۲. دفع الأفسد بالفاسد في مقام التشريع

في هذا القسم، يختلف تقنين الأحكام الشرعية، وهو شأن الشارع المقدس، عن التشريع الذي يقوم به البشر، فلهما وضعان مختلفان.

(أ) تقنين الأحكام الشرعية

في هذا النوع من التقنين، يجعل الشارع المقدس الحكم أحيانًا من باب التزاحم الملاكي، وأحيانًا من باب التزاحم الحفظي.

(ب) تقنين القوانين البشرية

في هذه المرحلة، يختلف التشريع القائم على القوانين الشرعية عن الأنواع الأخرى من التشريع. في الدول التي لا تسعى إلى تدوين القانون بناءً على تعاليم الدين، وتنظر في التشريع فقط إلى المصالح والمفاسد الدنيوية لبلادها، فإن دفع الأفسد بالفاسد يشبه من جهة تقنين القوانين الإلهية. بمعنى أن التقنين في هذا النوع من الأنظمة يكون أحيانًا من قبيل التزاحم الملاكي، وأحيانًا من قبيل التزاحم الحفظي. على سبيل المثال، عبور سيارة الإسعاف للإشارة الحمراء يؤدي أحيانًا إلى حدوث ازدحام مروري واضطراب في حركة السيارات، وهو أمر فاسد. ولكن بما أن الحفاظ على أرواح المواطنين له أهمية أكبر، فإن منع عبور سيارة الإسعاف للإشارة الحمراء مصداق للأفسد. وبناءً على ذلك، يُجوَّز هذا العمل في القانون. أما إذا كان يُراعى في التشريع القوانين الشرعية، فإن المشرّع مكلّف من جهة بتدوين قوانين متوافقة مع الأوامر الشرعية، ومن جهة أخرى مكلّف بمراعاة مصلحة البلاد. بناءً على ذلك، إذا حدث تزاحم في مقام تدوين القانون بين تدوين القانون بناءً على الحكم الشرعي ومراعاة مصلحة البلاد، فسيكون من قبيل التزاحم الامتثالي. بناءً على ذلك، لبحث شروط وجود قانون وجوب دفع الأفسد بالفاسد، يجب الانتباه إلى أن نفس شروط تطبيق قاعدة التزاحم موجودة أيضًا في قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد”. الشرط الأول للتزاحم هو أن يكون كلا التكليفين فعليين. بناءً على ذلك، لا معنى للتزاحم بين تكليف هو فعلي في الوقت الحاضر وتكليف آخر سيصبح فعليًا في المستقبل. والشرط الثاني هو أنه إذا كان عدم امتثال التكليف المهم مقدمة لامتثال التكليف الأهم، فلا يتحقق التزاحم بينهما إلا إذا انحصرت مقدمة امتثال الأهم في عدم امتثال المهم. النتيجة هي أن وجوب دفع الأفسد بالفاسد في مقام الامتثال يندرج تحت التزاحم الامتثالي. أما في مقام تقنين القانون الإلهي، وكذلك في مقام تقنين القوانين البشرية غير المستندة إلى الأحكام الشرعية، فهو من نوع التزاحم الحفظي أو التزاحم الملاكي. وأما في مقام تقنين القوانين البشرية المستندة إلى الأحكام الشرعية، فهو من قبيل التزاحم الامتثالي.

۳. أدلة القاعدة

لإثبات وجوب دفع الأفسد بالفاسد، استُند إلى الأدلة الأربعة. (راجع: علي آبادي وإسلامي، ۱۳۹۴، ص ۲۳-۱۳)

۳-۱. المستندات القرآنية

في هذا المجال، استُدل بآيات. من بين الآيات المذكورة، الاستدلال ببضع آيات أقوى:

۳-۱-۱. الآية ۷۸ من سورة هود

“وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ” جاء قومه إليه مسرعين يقصدون مضايقة ضيوفه – وكانوا من قبل يفعلون السيئات – قال: يا قوم، هؤلاء بناتي هن أطهر لكم! تزوجوهن وغضوا الطرف عن الفاحشة. اتقوا الله ولا تفضحوني في ضيوفي! أليس فيكم رجل عاقل واعٍ؟! مفاد الآية أن سيدنا لوطًا عندما علم أن قومه قرروا ممارسة الجنس مع الرجال حسني المظهر الذين جاءوا لضيافته – وكانوا في الواقع ملائكة الله – لمنع ارتكاب فعل اللواط الشنيع، عرض بناته على قومه ودعاهم إلى أنهم إذا كانوا يقصدون إشباع رغبتهم الجنسية، فليفعلوا ذلك مع بناته.

توضيح أكثر: بشأن هذه الواقعة، يُطرح احتمالان: الاحتمال الأول: لمّا وقع سيدنا لوط في هذا المأزق، ولمنع ارتكاب اللواط، عرض بناته على قومه دون قصد النكاح، وقرر بهذا العمل، بتهيئة الظروف لممارسة جنسية غير مشروعة بين قومه وبناته، أن يمنع ارتكاب الحرام الأشنع، أي اللواط. هذا الاحتمال مردود لأنه لا ينسجم مع جملة “هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ” (الطباطبائي، ۱۳۹۱، ج ۱۰، ص ۳۳۹). الاحتمال الثاني: دعا سيدنا لوط قومه إلى أن ينكحوا بناته نكاحًا مشروعًا، وبهذا العمل يحققون رغبتهم ويأمنون من ارتكاب الحرام. ولكن هذا العمل منه كان أيضًا دعوة إلى أمر فاسد؛ لأن سيدنا لوطًا، الذي كان على علم بالوضع الأخلاقي والعقائدي لقومه، بارتكابه هذا العمل بتقديم بناته للزواج منهم، ارتكب عملًا فاسدًا. في الرد على هذا الاستدلال، يجب القول بأن سيدنا لوطًا بهذا العمل ارتكب في النهاية عملًا مرجوحًا عقلائيًا، وليس عملًا حرامًا.

۳-۱-۲. الآية ۷۰ من سورة يوسف

“فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ” وعندما أعدّ مأمور يوسف أحمالهم، وضع إناء الشراب الخاص بالملك في حمل أخيه، ثم نادى منادٍ: يا أهل القافلة، إنكم لسارقون!

كيفية الاستدلال

مع أن اتهام الأبرياء وسجنهم عمل حرام وفاسد؛ إلا أن سيدنا يوسف، لمنع فساد أكبر، أي موت يعقوب (عليه السلام) واستمرار ضلال إخوته، اتهم إخوته بالسرقة وحبس أخاه بنيامين عنده.

بحث الاستدلال

هذا الاستدلال لا يمكن أن يكون مستندًا لتطبيق هذه القاعدة في جميع الحالات؛ فربما كان لإنقاذ حياة يعقوب وهداية إخوة يوسف خصوصية أجازت هذا العمل لسيدنا يوسف في هذه الحالة الخاصة.

۳-۱-۳. آيات سورة الكهف

الآية ۷۴ “فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا” ثم انطلقا حتى إذا لقيا غلامًا فقتله (الخضر). قال (موسى): أقتلت نفسًا طاهرة لم تقتل أحدًا؟! لقد فعلت أمرًا منكرًا!

الآية ۸۰ “وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا” وقال الخضر: وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين، فخشينا أن يحملهما على الطغيان والكفر.

توضيح: من الأحداث التي وقعت في قصة لقاء موسى (عليه السلام) والخضر (عليه السلام) أن الخضر قتل غلامًا دون سبب. وبالطبع، طُرحت نظريتان حول من قتله الخضر: الأولى: كان طفلاً غير بالغ. الثانية: كان شابًا رشيدًا. (الطبرسي، ۱۴۱۷، ج ۶، ص ۴۲۴). ولكن كلتا النظريتين تتفقان على أن هذا الشخص لم يرتكب ما يستحق به القتل، وتعبير الآية الشريفة “بِغَيْرِ نَفْسٍ” يدل بوضوح على هذا الأمر.

كيفية الاستدلال: عندما سأل موسى (عليه السلام) الخضر (عليه السلام) عن سبب قتل ذلك الشخص، أجابه الخضر بأنه قتله لأن أبويه كانا مؤمنين، ولكي لا يتسبب هذا الابن في كفرهما. بناءً على ذلك، مع أن قتل إنسان لم يرتكب ذنبًا يستوجب القتل عمل حرام وفاسد؛ إلا أن قتل إنسان ونقل روحه من هذا العالم إلى عالم الآخرة أقل أهمية من كفر الإنسان وهلاك روحه الأبدي. فلما كان هذا العمل الحرام في هذه الحالة سببًا لدفع أمر أفسد – وهو كفر إنسانين مؤمنين – أقدم الخضر على هذا العمل، وهذا العمل منه يدل على أن وجوب دفع الأفسد بالفاسد قاعدة مسلّمة (علي آبادي وإسلامي، ۱۳۹۴، ص ۱۵، نقلًا عن: طيار، ۱۴۲۷، ص ۱۶۵).

بحث الاستدلال

هذا الاستدلال يواجه إشكالات: ۱. في شأن الآية، كان الخضر (عليه السلام) على علم تام بحقيقة الأمر بسبب اتصاله بعالم الغيب، وكان يعلم ما هي العواقب التي ستترتب على بقاء هذا الابن حيًا. ولكن هذا الأمر لا يمكن تطبيقه على الآخرين الذين نطاق علمهم محدود. نعم، إذا تيقن شخص في حالة ما من مناشئ عقلائية بوقوع الأفسد في المستقبل، فلن يرد هذا الإشكال. ۲. وجوب دفع الأفسد بالفاسد يُطرح أحيانًا في مورد التكوينيات وأحيانًا في مورد التشريعيات؛ في مورد التكوينيات، لا مشكلة في جريان القاعدة؛ ونحن أنفسنا قد منعنا مرارًا بوقوع شيء له ضرر أكبر بارتكاب عمل يضر بنا. وقد أراد الله تعالى أيضًا في هذه الحالة أن يزول المفسدة الأعلى، وهي كفر والديه، بزوال ذلك الابن، وكان الخضر مأمورًا بتنفيذ هذه الإرادة التكوينية لله. الشاهد على هذا الأمر جملتان: إحداهما أن الخضر يقول: “وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي”، ويُعرّف نفسه في هذه الجملة بأنه مجرد منفذ لأمر إلهي. والأخرى تعبير “فَخَشِينَا” الذي جاء بصيغة المتكلم مع الغير؛ وكأنه كان جزءًا من عوامل جريان الإرادة الإلهية (مكارم الشيرازي، ۱۳۸۰، ص ۵۰۶). بناءً على ذلك، فإن عمل الخضر (عليه السلام) لا علاقة له بالبحث الحالي، أي وجوب دفع الأفسد بالفاسد في التشريعيات.

۳-۱-۴. الآية ۱۹۴ من سورة البقرة

“الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ” “الشهر الحرام بالشهر الحرام! إذا انتهك الأعداء حرمته، وقاتلوكم فيه، فلكم الحق في المقابلة بالمثل. وجميع الحرمات (قابلة) للقصاص. وبشكل عام، كل من اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى، واتقوا الله ولا تتجاوزوا الحدود، واعلموا أن الله مع المتقين.”

كيفية الاستدلال: في هذه الآية، يذكر الله تعالى المؤمنين بأن القتال في الأشهر الحرم ممنوع وذنب كبير؛ ولكن إذا أراد المشركون استغلال هذا الأمر ومباغتة المسلمين والهجوم عليهم، فيمكن للمسلمين دفع شر الكفار بالقتال معهم في الأشهر الحرم. بناءً على ذلك، مع أن القتال في الأشهر الحرم عمل حرام وفاسد؛ إلا أنه إذا كان هذا العمل الفاسد هو الوسيلة الوحيدة لدفع الأفسد – أي غلبة الكفار والمشركين التي نتيجتها هيمنة الكفر والضلال، وهي أشد من القتل وفناء جسد الإنسان – فإن ارتكابه جائز (علي آبادي وإسلامي، ۱۳۹۴، ص ۱۴، نقلًا عن: الزحيلي، ۱۴۲۰، ص ۲۱۳).

بحث الاستدلال: الآية ناظرة إلى مقام التقنين الإلهي، لا مقام الامتثال للمكلفين؛ فقد قال الله تعالى: بما أن غلبة المشركين أهم من حرمة الشهر الحرام، فقد أجزنا الجهاد ضدهم في حال هجومهم. بناءً على ذلك، فإن الآية الشريفة إنما هي بصدد تعليم قاعدة دفع الأفسد بالفاسد في مقام التقنين، وهذه الآية الشريفة لا تثبت جواز الاستناد إلى هذه القاعدة في مقام الامتثال.

۲-۳. المستندات الروائية

۱-۲-۳. رواية الإمام الصادق (عليه السلام): “الْكَذِبُ مَذْمُومٌ إِلَّا فِي أَمْرَيْنِ: دَفْعِ شَرِّ الظَّلَمَةِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ” (الشعيري، ۱۴۲۶، ص ۱۴۸). الكذب عمل مذموم إلا في حالتين: دفع شر الظالمين، وإصلاح ذات البين بين شخصين.

كيفية الاستدلال الكذب من الكبائر ومفتاح للدخول إلى الذنوب الأخرى؛ بناءً على ذلك، له مفسدة كبيرة. ولكن هذا الكذب نفسه إذا كان سببًا لدفع مفاسد أكبر، فإن ارتكابه جائز.

بحث الاستدلال في هذه الرواية، أُشير فقط إلى إحدى الحالات التي أجاز فيها الشارع المقدس الفاسد لمنع الأفسد، وطبّق التزاحم الحفظي؛ وليس أنه أجاز بشكل عام ارتكاب الفاسد لدفع الأفسد.

۲-۲-۳. رواية الإمام علي (عليه السلام): “لَيْسَ الْعَاقِلُ مَنْ يَعْرِفُ الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، وَلَكِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ يَعْرِفُ خَيْرَ الشَّرَّيْنِ” (المجلسي، ۱۴۰۳، ج ۷۵، ص ۷۵). ليس العاقل من يميز الخير من الشر، بل العاقل من يستطيع أن يعرف خير الشرين من بين شرين.

بحث الاستدلال نسبة هذه الرواية إلى الإمام علي (عليه السلام) مشكوك فيها بشدة. خاصة وأن ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة اعتبر هذه الجملة من جمل عمرو بن العاص الحكيمة! (ابن أبي الحديد، ۱۴۰۴، ج ۱۸، ص ۳۲۱). وقد اعترض البعض على الاستدلال بهذه الرواية بأنها تشير فقط إلى لازم القاعدة، أي تشخيص الفاسد الذي فساده أقل، ولكنها لم تتطرق إلى ما هي وظيفة المكلف إذا كان شر الفاسد موجبًا لدفع شر الأفسد (حاجي ده آبادي، ۱۳۸۷، ص ۱۷). يبدو أن هذا الاعتراض غير صحيح؛ لأن ظاهر الرواية هو أن معرفة الفاسد من الأفسد مقدمة للعمل وأداء الواجب، وليست موضوعًا بحد ذاتها. وبعبارة أخرى، المقصود من هذه الرواية بيان وظيفة العاقل عند مواجهة شرين. ولكن الاستدلال بهذه الرواية يعاني من إشكال من جهة أخرى؛ لأن البحث الحالي يدور حول الحالة التي يكون فيها ارتكاب الفاسد مقدمة لدفع الأفسد، وفي هذه الرواية أُشير إلى وظيفة العاقل في التعامل مع أمرين فاسدين قد تحققا بالفعل ونحن مضطرون لارتكاب أحدهما؛ وليس أن الفاسد مقدمة لدفع الأفسد.

۳-۳. سيرة العقلاء

يبدو أن أقوى مستند لهذه القاعدة هو سيرة العقلاء. نحن البشر نواجه في كثير من الأحيان أمورًا لها مفسدة. فإذا كان السبيل الوحيد للخلاص من هذه الأمور هو الرضوخ لعمل له مفسدة أقل، فإننا نقوم بهذا العمل وندفع الأفسد بالفاسد. على سبيل المثال، إذا لم يكن إنقاذ مريض من الموت ممكنًا دون قطع يده، فإنه يجب قطع يده في نظر كل عاقل؛ وإن كان هذا العمل صعبًا جدًا وشاقًا على المريض. ولم يمنع الشارع المقدس من هذه السيرة في الأمور الشرعية أيضًا، بل طبّق هذا المنهج بنفسه في تقنين الأحكام. وقد عمل الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أنفسهم في كثير من الحالات بناءً على هذا المنهج. وفي هذا الباب، يمكن ذكر صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية؛ فعندما سُئل (عليه السلام) عن سبب مصالحته لمعاوية؟ قال: “تأمل في الخضر (عليه السلام)؛ عندما خرق السفينة وقتل ذلك الغلام وأقام الجدار، ثار موسى (عليه السلام) لأنه لم يكن يعلم وجه الحكمة في عمل الخضر، وعندما أوضح له الخضر الأمر، هدأ. وأنا كذلك! أنتم الذين لا تعلمون وجه الحكمة في عملي، غضبتم عليّ! لو لم أفعل هذا، لو لم أصالح معاوية، لما بقي شيعي واحد على وجه الأرض إلا وقُتل” (ابن بابويه، ۱۳۸۵، ص ۲۱۱). وكذلك الإمام الصادق (عليه السلام) في الحالات التي كان يشخّص فيها أن طريق نجاة الأصحاب والشيعة منحصر في ذمّهم، كان يقوم بذلك. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى قصة جناب زرارة، وهو من أجلاء أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) (الطوسي، ۱۳۴۸، ص ۱۴۷).

٤-٣. الإجماع

كما مرّ سابقًا، لم تُبحث هذه القاعدة بشكل مستقل في كتب الفقه والأصول؛ بناءً على ذلك، فإن ادعاء الإجماع القولي في هذه المسألة مشكل. ولكن كبار الفقهاء والأصوليين قد استعانوا بهذه القاعدة في مباحث مختلفة، وسياق الاستدلالات يوحي بوضوح بأن هذه القاعدة من المسلّمات لديهم. بناءً على ذلك، فإن ادعاء الإجماع العملي في المسألة ليس بعيدًا عن الواقع.

خلاصة القول: إن أهم دليل على قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد” هو سيرة العقلاء، والأدلة النقلية غير كافية لإثباتها. وقد مرّ ذكر بعض هذه الاستنادات في مقدمة هذه المقالة.

٤. طريق تشخيص الأفسد من الفاسد

أحيانًا يكون تشخيص الأهم والمهم سهلًا. على سبيل المثال، لنفرض أن جماعة إرهابية تخطط لعملية مسلحة والسيطرة على أجهزة الحكم في النظام الإسلامي، وأن إحباط هذه المؤامرة يتوقف على تسلل شخص إلى داخل هذه الجماعة والحصول على معلومات. في هذه الحالة، إذا توقف هذا العمل على أن يجعل هذا الشخص نفسه مشابهًا لأعضاء الجماعة من حيث المظهر الخارجي، واضطر في هذا السياق إلى حلق لحيته، فلا يبدو أن أي فقيه – حتى لو كان يعتقد بحرمة حلق اللحية – يتردد في جواز حلق اللحية لمثل هذا الشخص. وواضح أن قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد” تجري. وفي بعض الحالات أيضًا يكون عدم جواز تطبيق هذه القاعدة واضحًا. مثلًا، لإنقاذ مال قليل لشخص ما، لا يمكن هدم منزله بالكامل، حتى لو لم يكن هناك طريق آخر. ولكن أحيانًا لا يكون الأمر واضحًا من أي جهة. بناءً على ذلك، من الضروري الإجابة على هذا السؤال: ما هو طريق تشخيص الأفسد من الفاسد؟ أولًا، يجب الانتباه إلى أن الموضوع في الأحكام الشرعية على نوعين: أ- الموضوع الشرعي: وهذا النوع بدوره على قسمين: المركب الاعتباري، مثل الصلاة والصوم، والموضوع المستنبط شرعًا، مثل الحجاب الشرعي. ب- الموضوع العرفي: المقصود بالعرف أيضًا هو العرف العام، مثل: مانعية شيء من وصول الماء إلى أعضاء البدن في مبحث الوضوء والغسل، وأحيانًا العرف الخاص، مثل: علاقة النظام الإسلامي بدولة أجنبية. بالنظر إلى هذه النقطة، يمكن تقسيم الأحكام الشرعية أيضًا إلى: أحكام مترتبة على موضوعات شرعية، وأحكام مترتبة على موضوعات عرفية.

۱-۴. تشخيص الأفسد من الفاسد في الأحكام المترتبة على الموضوعات الشرعية

تشخيص الأفسد من الفاسد في هذا النوع يقع على عاتق الفقيه، ولتشخيص شدة الفساد في عمل ما، توجد علامات مختلفة، منها: شدة الجزاء على ارتكاب عمل، تعيين حد شرعي أو قصاص على ارتكاب عمل، عدم ترخيص الشارع في ارتكاب حرام في حالة الاضطرار والعسر والحرج (الصفار، ۱۴۲۹، ص ۲۲۹). كذلك، عندما يُصرح في الأدلة الشرعية بحرمة عمل ما بشكل متكرر، فإن ذلك يكشف عن أهميته البالغة لدى الشارع. بالطبع، شريطة أن نعلم أن كثرة التنصيص ليست ناشئة عن علل أخرى، مثل كونه محل ابتلاء، أو كونه موضع غفلة، أو كونه موضع سؤال متكرر من الرواة (الصدر، ۱۴۱۷، ج ۷، ص ۹۹). وفي بعض المحرمات أيضًا، مع أنه قد لا يكون أي من الحالات السابقة موجودًا، إلا أنه يتضح من مذاق الشارع أن هذا العمل له مفسدة أشد من حرام ذُكر له عقاب أشد. كما أن ذكر ثواب أكبر لعمل ما لا يدل أحيانًا على أهميته الأكبر من عمل آخر. على سبيل المثال، السلام له سبعون حسنة؛ تسع وستون حسنة لمن يبدأ بالسلام، وواحدة لمن يرد السلام (ابن شعبة الحراني، ۱۴۰۴، ص ۲۴۵). ولكن السبق بالسلام عمل مستحب، ورد السلام عمل واجب. بناءً على ذلك، ليس الأمر بحيث يكون ذكر ثواب أو عقاب أكبر دائمًا علامة على الأهمية الشرعية لعمل ما بالنسبة لعمل آخر، بل أحيانًا يحكم ارتكاز المتشرعة بعدم أهمية عمل ما. وفي مثل هذه الحالات، إذا ذُكر لذلك العمل ثواب أو عقاب أكبر بالنسبة لعمل آخر، فإن هذا الذكر للثواب أو العقاب الأكبر يُحمل على الترغيب أو التخويف (الصفار، ۱۴۲۹، ص ۲۲۹).

۲-۴. تشخيص الأفسد والفاسد في الأحكام المترتبة على الموضوعات العرفية

في هذا النوع من الأحكام، يُتبع أيضًا رأي الفقيه؛ بالطبع مع استشارة أهل الخبرة، وهي نفس النقطة التي أكد عليها الإمام الخميني في بحث ولاية الفقيه ردًا على المحقق الأصفهاني (الأصفهاني، ۱۴۲۷، ج ۲، ص ۳۹۰؛ الموسوي الخميني، ۱۳۷۹، ج ۲، ص ۳۷۱). بناءً على هذه المطالب، فإن المرجع الوحيد لتشخيص الأفسد من الفاسد هو الفقيه. وبالطبع، يجب عليه في الأحكام المترتبة على الموضوعات العرفية أن يستشير المتخصصين.

۵. الاستنتاج

حصيلة البحث هي أن أقوى دليل على قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد” هو سيرة العقلاء، التي حظيت بتأييد الشارع أيضًا. وهذه القاعدة فرع من التزاحم، ويجب عند تطبيقها الانتباه إلى أقسام وشروط التزاحم. بناءً على ذلك، إذا لم يكن طريق دفع الأفسد منحصرًا في الفاسد، أو لم يكن هذان الحكمان فعليين، فإن القاعدة المذكورة لا تجري. حصيلة أخرى للتحقيق الحالي هي أن تطبيق هذه القاعدة لا ينحصر في وقوع الأفسد بشأن المكلف نفسه، بل تُطبّق أيضًا في مورد ارتكاب الأفسد من قبل الآخرين – في حال وجود الشروط المتقدمة. بالتدقيق في قاعدة “الغاية لا تبرر الوسيلة”، نجد أنها متناسقة مع قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد”. نتيجة أخرى هي أن قاعدة “وجوب دفع الأفسد بالفاسد” تكون أحيانًا من قبيل التزاحم الامتثالي، وأحيانًا من سنخ التزاحم الحفظي أو الملاكي، وأن مرجع تشخيص الأفسد من الفاسد هو الفقيه وحده.

اقتراح

قاعدة وجوب دفع الأفسد بالفاسد يمكن الاستناد إليها في مباحث مثل التعذيب، والإجهاض، والقتل الرحيم، والانتخابات. ومن الجدير أن تكون صحة وسقم الاستناد إلى هذه القاعدة في كل من هذه الموضوعات موضوعًا لبحث مستقل.

المصادر

  • القرآن الكريم (۱۳۷۶ ش). ترجمة محمد مهدي فولادوند، الطبعة الثالثة، قم: دار القرآن الكريم.
  • ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله (۱۴۰۴ق). شرح نهج البلاغة. الطبعة الأولى، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي.
  • ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين (۱۳۸۵). علل الشرائع، النجف: مكتبة الحيدرية.
  • ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي (۱۴۰۴ق). تحف العقول عن آل الرسول. الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  • ابن منظور، محمد بن مكرم (۱۴۰۸ق). لسان العرب. الطبعة الأولى، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • الأصفهاني، محمد حسين (۱۴۲۷ق). حاشية كتاب المكاسب. الطبعة الثانية، قم: نشر ذوي القربى.
  • الأصفهاني، محمد حسين (۱۴۱۶ق). بحوث في الأصول. الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  • الأنصاري، مرتضى (۱۴۲۸ق). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  • البجنوردي، حسن (۱۴۱۹ق). القواعد الفقهية. الطبعة الثانية، قم: الهادي.
  • برمن، كارول (۱۳۹۸ش). اختلالات الشخصية بناءً على DSM-5 والنموذج البعدي (دليل عملي للأطباء النفسيين وعلماء النفس). ترجمة فتحي آشتياني، علي؛ محولاتي، آزاده، طهران: انتشارات بعثت.
  • التبريزي، موسى بن جعفر (۱۳۸۸). أوثق الوسائل في شرح الرسائل، الطبعة الثانية، قم: سماء قلم.
  • حاجي ده آبادي، محمد علي (۱۳۸۷ش). قاعدة دفع الأفسد بالفاسد ودلالاتها الحقوقية – الجنائية. فقه وحقوق، السنة الخامسة، العدد ۱۸.
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن (۱۴۰۹ق). وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. الطبعة الأولى، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  • الحلي، جعفر بن محمد (۱۴۰۸ق). شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. تصحيح: محمد علي بقال، الطبعة الثانية، قم: مؤسسة اسماعيليان.
  • الحلي، الحسن بن يوسف (۱۳۸۱ق). رجال. الطبعة الثانية، النجف: مطبعة حيدرية.
  • الخوانساري، أحمد (۱۴۲۰ق). جامع المدارك في شرح مختصر النافع، الطبعة الثانية، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  • دشتي، محمد (۱۳۷۹ش). ترجمة نهج البلاغة. الطبعة الأولى، قم: نشر أمير المؤمنين.
  • الزحيلي، محمد (۱۴۲۷ق). القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي. الكويت: مجلس النشر العلمي.
  • السبزواري، السيد عبد الأعلى (۱۴۱۳ق). مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام. الطبعة الرابعة، قم: مؤسسة المنار.
  • السند البحراني، محمد (۱۴۲۶ق). أسس النظام السياسي عند الإمامية، الطبعة الأولى، قم: باقيات.
  • السيستاني، السيد علي (۱۴۲۷ق). منهاج الصالحين. الطبعة الأولى، مشهد: مكتب آية الله السيستاني.
  • السيفي المازندراني، علي أكبر (۱۴۲۵ق). مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية. الطبعة الأولى، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  • الشعيري، محمد بن محمد (۱۴۲۶ق). جامع الأخبار. الطبعة الأولى، النجف: مطبعة حيدرية.
  • الصدر، محمد باقر (۱۴۱۷ق). بحوث في علم الأصول. تقرير السيد محمود هاشمي الشاهرودي، الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.
  • الصدر، محمد باقر (۱۴۲۳ق). دروس في علم الأصول (الحلقة الثالثة). الطبعة الأولى، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  • الصفار، فاضل (۱۴۲۹ق). فقه المصالح والمفاسد. الطبعة الأولى، النجف: مركز الفقاهة للدراسات والبحوث الفقهية.
  • الطباطبائي، محمد حسين (۱۳۹۱ق). الميزان في تفسير القرآن. الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة أعلمي.
  • الطبرسي، الفضل بن الحسن (۱۴۱۷ق). مجمع البيان لعلوم القرآن. الطبعة الأولى، طهران: سازمان فرهنگ و ارتباطات اسلامي.
  • الطوسي، محمد بن الحسن (۱۳۴۸ش). اختيار معرفة الرجال. الطبعة الأولى، مشهد: دانشکده الهيات و معارف اسلامي.
  • الطيار، مساعد بن سليمان بن ناصر (۱۴۲۷ق). مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر. الطبعة الثانية، المملكة العربية السعودية: دار ابن جوزي.
  • علي آبادي، عبد الصمد؛ إسلامي، رضا (۱۳۹۴ش). “دراسة تحليلية لقاعدة دفع الأفسد بالفاسد من وجهة نظر المذاهب الفقهية”. مجلة دراسات المذاهب الإسلامية، السنة الثانية، العدد الثالث.
  • الفراهيدي، خليل بن أحمد (۱۴۰۹ق). كتاب العين. تحقيق مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي. الطبعة الثانية، قم: انتشارات دار الهجرة.
  • فرمهيني فراهاني، محسن (۱۳۷۸ش). فرهنگ توصيفي علوم تربيتي. طهران: أسرار دانش.
  • الفيض الكاشاني، محمد محسن (۱۴۲۵ق). الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام، الطبعة الأولى، طهران: دار اللوح المحفوظ.
  • الكرباسي، محمد إبراهيم (۱۴۳۱ق). الإرث في الفقه الجعفري. بيروت: مؤسسة الأعلمي.
  • الكليني، محمد بن يعقوب (۱۴۰۷ق). الكافي. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • گل محمدي، هوشنگ؛ آيتي، محمد رضا؛ رحمان ستايش، محمد كاظم (۱۳۹۷ش). “دراسة تحليلية لدفع الأفسد بالفاسد وتجليه في القانون الجنائي مع مراعاة حقوق المواطنة”. فصلية الحقوق الطبية، عدد خاص بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة.
  • مكيافيلي، نيكولو (۱۳۹۹ش). الأمير. ترجمة داريوش آشوري، الطبعة الرابعة عشرة، طهران.
  • المجلسي، محمد باقر (۱۴۰۳ق). بحار الأنوار. الطبعة الثالثة عشرة، بيروت: انتشارات أعلمي.
  • المشكيني، علي (۱۴۲۸ق). اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها. الطبعة السادسة، قم: انتشارات الهادي.
  • المظفر، محمد رضا (۱۴۳۰ق). أصول الفقه. الطبعة الخامسة، قم: دفتر انتشارات اسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  • مكارم الشيرازي، ناصر (۱۴۲۷ق). استفتاءات جديدة. الطبعة الثانية، قم: مدرسة أمير المؤمنين.
  • مكارم الشيرازي، ناصر (۱۳۸۰ش). تفسير نمونه. الطبعة التاسعة عشرة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • مكارم الشيرازي، ناصر (۱۴۱۱ق). القواعد الفقهية. الطبعة الثالثة، قم: مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام).
  • الموسوي الخميني، روح الله (۱۳۷۹ش). كتاب البيع. الطبعة الأولى، طهران: مؤسسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني.
  • الموسوي الخوئي، أبو القاسم (۱۴۲۲ق). مصباح الأصول. تقرير واعظ حسيني بهسودي، الطبعة الأولى، قم: مكتبة الداوري.
  • هالجين، ريتشارد ب.؛ ويتبورن، سوزان كراس (۱۴۰۱ش). علم النفس المرضي (وجهات نظر سريرية حول الاضطرابات النفسية). ترجمة سيد محمدي، يحيى. الطبعة الثانية والثلاثون، طهران: نشر روان.

البرامج وقواعد البيانات الافتراضية

  • قاعدة بيانات مكتب قائد الثورة الإسلامية.
  • موقع شفقنا.
  • برنامج نور الفقاهة ۳ (المعجم الموضوعي للفقه الإسلامي). مركز البحوث الحاسوبية للعلوم الإسلامية، ۱۳۸۸ ش.
  • موقع المدرسة الفقهية للإمام محمد الباقر (عليه السلام). تقرير درس الخارج للأستاذ شب زنده دار، ۱۱ آذر ۱۳۹۵.
Scroll to Top