قراءة تحليلية نقدية لنظرية مقاصد الشريعة في فكر الغزالي

الملخص

إن نظرية مقاصد الشريعة، التي شقت طريقها مؤخراً إلى الدراسات الفقهية الشيعية بدرجة أو بأخرى، هي من تراث أفكار أبي حامد الغزالي، أحد فقهاء الشافعية في القرن السادس الهجري. استخدم الغزالي لأول مرة مقاصد الشريعة بوصفها نظرية كي يحل بناءً عليها تكليف قسم من مجالات ما لا نص فيه بأسلوب مختلف عن أسلافه، معتمداً على رؤية فقهية شافعية وبما يتفق مع الموازين العقلية. ومن الواضح أن طرح مثل هذه الفكرة بما لها من مبانٍ ولوازم في فقه أهل السنة، لم يكن له سابقة في الفقه الشيعي، ولم تُستشعر ثمة ضرورة له؛ ذلك أن الفقه الشيعي بفضل تعاليم الأئمة المعصومين (ع) في كافة المجالات، يمتلك بالإضافة إلى النصوص الخاصة، أصولاً متميزة يمكنه من خلالها تغطية تكليف جميع مجالات الحياة الإنسانية مع الحفاظ على استقلاله. علاوة على ذلك، فإن النظرية نفسها في سياقها الأصلي تستدعي التأمل، أولاً، من حيث حصر المقاصد وترتيبها في خمسة موضوعات، وثانياً، من حيث انسجامها مع المباني الكلية للمذهب الأشعري، وأخيراً، من حيث أصالتها في مقابل القياس والمصالح المرسلة.

مقدمة

بإذعان أكثرية النحل الإسلامية، تُعد الشريعة سلسلة من الإلزامات العملية التابعة للمصالح والمفاسد الواقعية، وما شُرّع في الفقه حكمٌ لا يرتبط بمصلحة أو مفسدة أو يرتكز عليهما. وهذا الادعاء ليس مجرد مقاربة كلية لتوجه الأحكام الشرعية، بل هو ادعاء بالكشف عنها أيضاً، أي أن العقل البشري ليس محروماً من إدراك تلك المصالح والمفاسد. حتى هذه المرحلة، تتركز جميع المباحث على تفسير الأحكام الموجودة. وتصبح أبعاد هذا الادعاء أكثر تحدياً عندما لا يقتصر الأمر على معرفة علل الأحكام المنصوص عليها، بل يُطرح ادعاء بالكشف عن سلسلة من العلل التي لا يبدو أن لها حكماً في نصوص الكتاب والسنة. وبالطبع، لا يعني هذا القول تجاوز الكتاب والسنة، بل هو حديث عن كشف منظومة من الأهداف التي يرشد إليها التوجه العام للأحكام المستنبطة من الكتاب والسنة. المفهوم الواضح لهذا الكلام هو أن الاجتهاد لا ينبغي أن يقيد نفسه بمحاولة الكشف عن الأحكام من العمومات والإطلاقات وفقاً لقواعد علم اللغة، بل يجب عليه، بالإضافة إلى التأمل في مقتضيات الظواهر والنصوص، أن يلقي نظرة أيضاً على المقاصد التي لا رسالة للأحكام الشرعية في كليتها سوى تأمينها. هذه الرؤية للمقاصد تؤدي في الواقع دوراً مزدوجاً؛ فمن جهة، لا ينبغي للاجتهاد أن يفسح المجال لبعض الفراغات لتهديد انسجام منظومة المقاصد، ومن جهة أخرى، كمعيار، لا يسمح للجمود على الظواهر بأن يؤدي في بعض الحالات إلى تقابل مع المقاصد.

على أي حال، فإن هذا التوجه نحو المقاصد، رغم وجود جذور عميقة له في الفكر الشيعي والسني، إلا أن اهتمام شخصيات مشهورة مثل إمام الحرمين الجويني (474هـ)، والإمام أبي حامد الغزالي (505هـ)، وإبراهيم الشاطبي (790هـ)، وفي العصر الحديث ابن عاشور (1393هـ) بمقاصد الشرع، قد أسهم في دخول المقاصد كـنظرية إلى فلسفة الفقه وعلم الأصول. وبالطبع، فإن العمل العظيم الذي أنجزه الشاطبي لاحقاً في “الموافقات” من حيث توسيع وتعميق المباحث، قد طوى كل تراث السلف في غياهب النسيان، لكن الغزالي، بالإضافة إلى شخصيته البارزة، له فضل السبق على من تتبعوا هذه المباحث لاحقاً (1). وأصلاً، فإن تعريفه وتصنيفه لنظرية المقاصد لم يصبح مرشداً لأمثال الآمدي (631هـ) وحتى الشاطبي فحسب، بل جذب اهتماماً مثيراً للإعجاب من بعض فقهاء الشيعة أيضاً (انظر: تتمة هذا المقال، المقاصد في فكر الفقهاء الإمامية). لذلك، فإن التأمل في مقاصد الشريعة في فكر الغزالي هو في الحقيقة تأمل في أولى ومضات فكر المقاصد في مكانة نظرية قد اجتازت آفاقاً أبعد من فقه أهل السنة.

دراسة المفهوم

1. المقاصد

لغةً: المقاصد من جذر “قصد”، ويعني في الأصل الاستقامة، والإرادة، والتوجه إلى شيء، وكذلك الحركة نحوه (الفراهيدي، كتاب العين، 1409هـ: 5/54؛ الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، 1412هـ: 672). وقد أقر بعض الباحثين المعاصرين، من خلال استقراء نماذج الاستخدام والاستنباطات اللغوية، بأن المعنى الأصلي للقصد هو الميل إلى شيء والإقدام عليه (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، 1360هـ.ش: 9/269). وبناءً على ذلك، فإن “مقاصد” إما جمع للمصدر الميمي من هذا الباب، فيكون معناه الميول نحو شيء، أو جمع لـ “مَقْصَد” اسم المكان، فيكون معناه نقاط الهدف (الفيومي، د.ت: 2/504). ويبدو أنه من بين هذين المعنيين، تستخدم “المقاصد” ومشتقاتها الأخرى غالباً بمعنى الإرادة، وبدرجة ما، مرادفاً للمطلب.

اصطلاحاً: تعبير “مقاصد الشريعة”، على الرغم من أنه يحمل نظرية معروفة بين فقهاء البحث، إلا أن رواده الأوائل مثل الغزالي، وباعتراف بعض الباحثين حتى الشاطبي، لم يقدموا له تعريفاً اصطلاحياً. في المقابل، اعتبر البعض هذا الإسناد إلى الشاطبي سطحياً. فمن وجهة نظرهم، قدم تعريفين للنظرية يكمل أحدهما الآخر. فمثلاً، في موضع، يذكر أن المقصد الكلي من تشريع الأحكام هو إقامة المصالح الأخروية والدنيوية للبشرية، وذلك على نحو لا يلحق بنظام معيشتهم أي ضرر. وفي موضع آخر، اعتبر قصد الشارع من وضع الشريعة هو تحرير الإنسان من قيود الأهواء النفسانية والتوافق مع التكوين في العبودية (الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، 2001م: 2/32 و 138).

على أية حال، كما يلاحظ، فإن “المقاصد” في هذا الاصطلاح لم تبتعد عن معناها اللغوي. ولهذا السبب، فإن الغزالي عند حديثه عن اعتبار حجية المصالح المرسلة، يبدأ بتعريف هذا الأصل نفسه، وكل جهده ينصب على تقييد المصلحة في دائرة مقاصد الشرع. من المعلوم أنه لو كانت المقاصد تتسم بالغموض والإجمال، لكان توضيح أصل مثل المصالح المرسلة بها يجعل القضية أكثر غموضاً:

الأصل الرابع الموهوم إلى جانب الكتاب والسنة والإجماع والعقل هو المصالح المرسلة… والمصلحة في الأصل عبارة عن جلب فائدة ودفع ضرر، وهذا ليس مقصودنا، لأن دفع الضرر وجلب المنفعة من مقاصد الخلق… المصلحة في نظرنا هي المحافظة على الأهداف الخمسة التي طلبها الشرع من الناس، أي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فالمصلحة هي كل ما يحفظ هذه الأصول الخمسة، وكل ما يزيل هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعه مصلحة… وهذه الأصول الخمسة، لكونها من أقوى مراتب المصلحة، فإن حفظها يقع في رتبة الضروريات (الغزالي، المستصفى في علم الأصول، 1417هـ: 173).

كما يُلاحظ، يرى الغزالي أنه لا ينبغي فهم المصالح المرسلة بالمعنى اللغوي المطلق لجلب المنافع ودفع المفاسد الإنسانية، بل المراد بها المصالح التي تحافظ على مقاصد الشرع، وهذا بالطبع يشمل أقساماً تُصنف بناءً على أهميتها ومدى تدخلها في تأمين نوع المقاصد. فمثلاً، تُشكل الفئة الأولى المقاصد الضرورية (شلبي، المرجع نفسه: 282-283).

لذلك، وكما سيفصل الغزالي لاحقاً، فإن المقاصد غير الضرورية ستكون أيضاً جزءاً من المصالح وبالتالي جزءاً من المقاصد؛ على الرغم من أن المصالح التي تُؤمَّن بهذه الفئة ليست في مستوى الحاجة كتلك المقاصد الخمسة، وبالطبع من حيث الفوائد الأخرى مثل تمهيد آلية الاستنباط، سيكون لها دور مختلف.

إذن، الخطوة الأولى للغزالي في دراسة مفهوم المصلحة هي قراءتها على أساس مقاصد الشريعة. وهو، بانتقاده لكون المصالح المرسلة وفقاً للفهم التقليدي لا مكان لها في استنباط الأحكام، يحدد مؤشرات لقراءة جديدة لها حتى لا يجد أي نوع من حسابات الربح والخسارة السطحية طريقه إلى حريم الشريعة: 1. التطابق مع المقاصد الضرورية أو المقاصد الخمسة؛ 2. السكوت عن اعتبارها في النصوص الشرعية (الغزالي، المرجع نفسه).

“المقاصد” حتى الآن هي تفسير للاستصلاح على الأكثر، لكن التحول الذي أحدثه ابتكار الغزالي هو إدخال عنصر المقاصد في متن هذا المفهوم. هذا التحول سيجد لاحقاً في علم أصول أهل السنة دوراً استراتيجياً لدرجة أن الشاطبي لم يعتبر أساس علم الأصول سوى أمرين: الأول، قواعد علوم اللغة العربية لنستكشف من خلالها معاني ودلالات خطابات الشارع، والآخر، المقاصد لنحلل من خلالها التوجهات الأساسية للفقه والحكم المندرجة فيه بشكل عقلاني (مقدمة عبد الله دراز على الموافقات، 1417هـ: 1/5-14). وبهذه النظرة، يوضح الشاطبي كيفية الحفاظ على مقصود الشارع، ويرسم الخطوط العريضة لأبواب الفقه، حيث يتكفل قسم من الفقه مثل العبادات بتحقيق وتثبيت أصول المقاصد، وقسم آخر مثل القصاص والديات والحدود والضمانات والعقوبات المالية يتكفل بمنع إبطالها واختلالها وتلافيها (الشاطبي، المرجع نفسه: 2/10-11) (2).

2. الشريعة

الشريعة من جذر “شرع”، وهي في الأصل تعني الطريق الذي يُستخدم للشرب من الماء. وقد استُخدمت بمعنى الدين نفسه، وغالباً الأحكام الفقهية المبينة، وكذلك الطريق الواضح (الفراهيدي، المرجع نفسه: 1/252). وقد عرّف البعض الشريعة مباشرة بالدين وأحكامه (الجوهري، تاج اللغة وصحاح العربية، 1987م: 3/1236). وبالطبع، ليس من المستبعد أن تكون الشريعة في الأصل تعني الطريق إلى الماء، ثم استُخدمت لاحقاً في الدين والفقه لإرواء عطش الحقيقة من ينابيع الوحي الصافية. كما أنه ليس من المستبعد أن تكون كلمة “شرع” قد عنت الدين أولاً، ثم أُطلقت لاحقاً على كل طريق صحيح أو يؤدي إلى البحر بسبب فائدته في تلبية الاحتياجات الحيوية. وقال بعض المعاصرين إن الدين والممر المائي كلاهما من مصاديق هذه الكلمة، لأن الشريعة في الأصل تعني الطريق الواضح مطلقاً (المصطفوي، المرجع نفسه: 6/41).

اصطلاحاً: أياً كان معنى الشريعة في اللغة، فقد فسرها البعض في تركيبها مع المقاصد بما يعادل “الدين”:

الشريعة هي ما شرعه الله تعالى على لسان نبيه والأنبياء الآخرين من قبله (رفيق العجم، موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين، 1988م: 1/825؛ حسيني، فرهنگ لغات واصطلاحات فقهي، 1385هـ.ش: 277).

وقد أشار آخرون، من خلال التأمل في استخدامات هذه الكلمة، إلى الفرق بين معنى الشرع والدين، معترفين بأن الشريعة في الاصطلاح لا تعادل كل تعاليم الدين، بل تشمل فقط مجموعة الأحكام الفقهية (قيّاتي، مقاصد الشريعة عند الإمام مالك، 2009م: 1/69). هذه الحركة ذهاباً وإياباً تُلاحظ في نتائج معظم الباحثين الذين تناولوا دراسة مفهوم هذه الكلمة، كما أشار البعض من زاوية أخرى إلى كون مفهوم الشريعة أخص من الدين (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 166/18: 417)، ولكن النماذج الواردة في “المستصفى” و”الموافقات” وأبحاث مقاصد الشريعة، تتعلق بالأحكام الفقهية. لذلك، يبدو أن الشريعة في خطاب المقاصد كانت موجهة إلى الفقه أكثر من جميع تعاليم الدين. من هذا المنظور، ليس من المستبعد أن نفهم الشريعة في تركيبها مع المقاصد بما يعادل الفقه. ربما ما أورده لغوي من القرن الرابع حول الفرق بين الدين والشرع من زاوية الاشتراك في الشريعة، يعد قرينة على اختصاص الشرع بالفقه (العسكري، معجم الفروق اللغوية، 1412هـ: 300). وهذه الميزة تنبع بالضبط من طبيعة الفقه التي تتيح إمكانية العمل به بشكل جماعي ومنظم؛ على عكس المجالات الأخرى مثل العقائد والأخلاق التي قد تكتسب أبعاداً خاصة تتناسب مع قدرات بعض الأفراد. إذن، مقاصد الشريعة هي الأهداف الاستراتيجية التي تُتبع في إطار تعاليم الفقه لتحقيق مصالح البشر. هذا المفهوم كان معروفاً بين الفقهاء قبل الغزالي تحت عنوان مباني أو ملاكات الأحكام.

أنواع المقاصد

مقاصد الشريعة، بالمعنى الذي مر، من حيث وظيفتها الأصولية، ليست على درجة متساوية، وهذا التنوع الوظيفي هو ما دفع الغزالي إلى تطوير أصل التصنيف الثلاثي للمقاصد، الذي استقاه من الجويني، على النحو التالي:

الفئة الأولى من المقاصد هي الأصول الخمسة التي تعد من أقوى مراتب المصلحة، ونسميها الضروريات؛ مثل أحكام: (1) قتل الكفار والمبتدعين لحفظ الدين؛ (2) القصاص لحفظ النفس؛ (3) تحريم الخمر لحفظ العقل؛ (4) تحريم الزنا لحفظ النسل والنسب؛ و(5) تحريم الغصب والسرقة لحفظ الأموال وجريان معيشة الناس (الغزالي، المرجع نفسه: 174).

الفئة الثانية هي الحاجيات، التي تؤمن حاجة معيشة الخلق؛ مثل: ولاية الأولياء في أمر تزويج الصغير والصغيرة ومراعاة الكفاءة في النكاح. من الواضح أن النكاح مع الصغيرة لا يفيد في إطفاء ثورة الشهوة ولا في حفظ النسل والنسب، بل به تتيسر معاملات الناس. كما أن الكفاءة ليست خياراً لا مفر منه لاستمرارية النسل وحمايته، بل تترتب عليه مصالح أخرى متوقعة من الزواج.

الفئة الثالثة هي المصالح التي توجب التحسين والتزيين والتسهيل في المنافع والامتيازات. كما توجب اتخاذ أفضل الطرق في أمور العادات والمعاملات؛ مثال ذلك: سلب أهلية العبد في الشهادات مع أن فتواه وروايته مقبولة. دليل هذا السلب هو انخفاض المنزلة الاجتماعية للعبيد نتيجة لكونهم مملوكين ومسخرين (المرجع نفسه: 175).

كما أوضح الغزالي، فإن كل هذه المراتب، وإن كانت متساوية من حيث انطباق مفهوم المصالح عليها، إلا أنها ليست ذات أهمية متساوية. كما أن هناك مبحثاً معقداً في هذا الباب، كما تابعه الشاطبي بتفصيل تبعاً للغزالي، وهو معرفة بعض المصاديق المرتبطة بكل من هذه الأصول؛ مثلاً، الأمور التي لا تقوي أحد الأصول الخمسة مباشرة، ولكنها تمهد لتهديدها. مثال واضح: شرب مقدار قليل من المسكر لا يزيل العقل، ولكنه حُرّم في الشرع لحماية عقول الناس. هذا النوع من الحالات يمكن تصوره لكل رتبة، وعلى الفقيه أن يسعى لئلا يقع في فخ الخلط بينها. على أية حال، نود هنا فقط أن نشير إلى أن الغزالي بهذه التقسيمات، مع كشفه عن تنوع وظائف المقاصد بكل شفافية، كان دافعه هو تمييز مجالات المصالح المرسلة الموهومة عن المعتبرة، وكذلك الحفاظ على مسافة بينه وبينها وفقاً للرؤية المالكية.

الوظيفة الفقهية للمقاصد

كما أُشير، كانت نقطة انطلاق الغزالي في تحليل مقاصد الشريعة هي المصالح المرسلة؛ وهو مفهوم لم يكن مجهولاً بالطبع في فكر أهل السنة، خاصة في علم الأصول، ولكن كان هناك خلاف كبير في حجيته كمصدر للاستنباط بين فرق أهل السنة، ولهذا السبب، فإن الشاطبي، مع وفائه للرؤية المالكية، لا يذكر المصالح المرسلة بالاسم. والغزالي أيضاً، باعتباره اعتبار هذا الأصل موهوماً، والذي كان في الغالب ابتكاراً أو من خصائص فقه الإمام مالك (93-179هـ)، طرح مقاصد الشريعة. لذلك، من المهم الإجابة على هذا السؤال: ما هو التوقع الخاص الذي كان لدى الغزالي من المقاصد في عملية الاجتهاد؟

لقد أشرنا سابقاً إلى أن نظرية المقاصد تتكون من عنصرين: وصفي وتوصوي. أي أنها من جهة، تصف ملاكات الأحكام الفقهية التي تتجه جميعها نحو سلسلة من الأهداف المشروعة، ومن جهة أخرى، تتضمن هذه الاستراتيجية التي يستعين بها الفقيه في بعض المجالات غير المنصوص عليها بالمقاصد الضرورية كمصدر للاستنباط. وقد وضع الغزالي بهذه الشروط التي لا يمكن أن يكون للمقاصد الضرورية إلا مثل هذا الموقع، فئتين من المقاصد صراحة خارج دائرة الاستنباط:

ليس من المستبعد أن يجتهد المجتهد دون دليل خاص استناداً إلى مقصد ضروري. مثلاً، عندما يجعل الكفار مجموعة من الأسرى المسلمين دروعاً بشرية، إذا امتنعنا عن قتلهم، فسيغلبون على دار الإسلام ويقتلون جميع المسلمين. ومن ناحية أخرى، إذا أطلقنا النار على هذه الدروع البشرية، فقد ارتكبنا قتل مسلمين أبرياء. ومع ذلك، بامتناعنا عن قتل هؤلاء، يسيطر الكفار على جميع المسلمين ويقتلون المسلمين ثم أولئك الأسرى. لذلك، يجوز أن يقول قائل: الأسير سيُقتل في كلتا الحالتين، إذن، الحفاظ على جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأننا نعلم يقيناً أن مقصود الشرع هو تقليل القتل، كما أن مقصوده، إن أمكن، هو استئصال جميع جذور المسلمين. فعندما لا نكون قادرين على استئصال هذا الجذر، فإننا قادرون على تقليله. هذا الإجراء هو أخذ بمصلحة، وقد عُلم كونها مقصودة للشرع ضرورة من أدلة متعددة، بمعزل عن طريقة القياس… (الغزالي، المرجع نفسه).

كما يُلاحظ، أجاز الغزالي في هذه الكلمات، بناءً على أحد المقاصد الخمسة، وهو حفظ النفوس، قتل المسلمين دون جرم في ظروف معينة، مع أنه لا يوجد نص شرعي في هذه المسألة حسب قوله. لكن اليقين بقطعية حفظ جميع نفوس المسلمين من مقاصد الشريعة يدفعنا إلى هذا الاستنباط الذي يجيز قتل المسلمين الأبرياء في هذه الظروف؛ لأنه إذا لم يكن الحفاظ على جميع المسلمين ممكناً، فيجب علينا تقليل الخطر إلى الحد الأدنى قدر الإمكان. ما لا ينبغي إغفاله هو أن ارتكاب الشر القليل، مثل قتل الأبرياء لتقليل المخاطر، وإن كان من جنس تهديد النفوس، ليس جائزاً في كل مكان، بل يجب أن تتوافر في المصلحة المرتبطة به ثلاث خصائص لتُعتبر من مقاصد الشرع الضرورية:

1. الضرورة: أن تكون تلك المصلحة لا غنى عنها (مثل حفظ نفوس المسلمين)؛

2. القطعية: اليقين بإمكانية تأمينها (مثل أن نعلم يقيناً أنه بقتل عدد أقل من الناس، نمنع مقتل عدد أكبر)؛

3. الكلية: ألا يكون نفعها جزئياً بل يستفيد منه جميع المسلمين (مثل قتل المسلمين الذين جُعلوا دروعاً بشرية، ويستفيد من هذا الإجراء جميع المسلمين) (المرجع نفسه: 179).

ويواصل الغزالي تحليل فروع قد يصاب البعض بالارتباك في تحديد موقعها. إن دراسة مدى دقة الغزالي في تحليل مثل هذه المسائل ليست حالياً هدف هذا المقال. ما نسعى إليه هو وظيفة المقاصد في استنباط الأحكام الفقهية من وجهة نظر الغزالي الذي قبلها بطريقة ما. وبالطبع، فإن لهجة اختياره هنا لا تبدو قاطعة، ولكنه في حالة أخرى، مع تأكيده على اختلافها عن المصالح المرسلة، يصرح بقطعية بحجية المقاصد:

وعندما فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، لم يبق وجه لمخالفة اتباع مقتضياتها، بل إن هذا التفسير يوجب القطع بحجيتها (الغزالي، المرجع نفسه: 179).

لذلك، أعطى الغزالي لأول مرة مقاصد الشريعة دور المصدر الفقهي؛ وهو دور سبق أن أعطته بعض نحل أهل السنة للمصالح المرسلة بشكل أكثر مرونة، لكنه بطرح مسألة المقاصد، قدم قراءة جديدة للمصلحة حافظت على سياقها الأصلي، أي اختصاصها بمجالات ما لا نص فيه وعدم الدخول في العبادات، ومنعت غموض نطاقها.

الأدلة

لقد نجت. (3) إن الاهتمام بالوظيفة الاستنباطية للمقاصد من هذه الزاوية هو أهم وجه يميز الغزالي عن الشاطبي؛ فمراد الشاطبي من طرح المقاصد كان في الغالب الفهم العقلي للفروع المنصوص عليها، وهذا يقف على النقيض تماماً من الغزالي الذي هو شافعي ومعارض للاستصلاح، ولكنه في الوقت نفسه ينظّر للمقاصد لحل المسائل غير المنصوص عليها. ويبدو من هذه الزاوية أن المقاصد التي يسعى إليها الغزالي تتقدم عدة خطوات على مقاصد الشاطبي، وهذه النقطة نفسها تزيد من صعوبة عمل الغزالي، لأننا لكشف دلالات الخطابات الشرعية، بالإضافة إلى حصولنا على مضامينها الظنية، لا نحتاج إليها، ولكن لكشف العلة منها، نحتاج إلى استكشاف يقيني.

تحمل مقاصد الشريعة ادعاءين متداخلين: الأول، انحصار مقاصد الشريعة الضرورية في تلك الأمور الخمسة، وهي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. والثاني، الدور الذي يمكن أن تؤديه المقاصد في عملية الاجتهاد كمصدر فقهي، بحيث يمكن من خلاله تجنب انحرافات الفهم من النصوص، وكذلك عدم تعطيل مقاصد الشرع في مجال غير المنصوص عليه.

لم يتكبد الغزالي عناء لإثبات شمولية ومانعية هذا الحصر والترتيب. وفي هذا الصدد، اكتفى بالإشارة إلى أنه بحسب الاستقراء في الشرائع الماضية وأحكام الدين، فإن حفظ هذه الأهداف الخمسة من البديهيات:

من المحال أن تأتي شريعة بين الشرائع وأمة بين الأمم بقصد إصلاح أمور الخلق، ولا تشتمل على تحريم إزالة هذه الأصول الخمسة؛ ولهذا السبب، لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتال والزنا والسرقة وشرب المسكر (الغزالي، المرجع نفسه: 174).

هذا النحو من الاستدلال توبع لاحقاً أيضاً، عندما توسعت وتعمقت معرفة المقاصد على يد أمثال الشاطبي، بالتركيز على توجه دين الإسلام. ووفقاً لبيانه، فإن كل من كان من أهل الشرع وله نسبة من الاجتهاد، لا يشك في أن روح الشريعة، كلياً وجزئياً، تتجه نحو تأمين مصالح قسّمناها إلى ثلاثة أقسام (الشاطبي، المرجع نفسه: 228).(4)

نتيجة هذا الأسلوب من الاستدلال هي أنه لن يوجد في الفقه حكم لا يندرج تحت أحد هذه العناوين. وأبعد من هذه الموضوعات، لا يتصور حاجة أيضاً لم يغطها الشرع بالقدر اللازم. أما لماذا يجب إدخال المقاصد في عملية الاجتهاد كمصدر في مجال ما لا نص فيه، فإن الغزالي لم ير ضرورة لتقديم استدلال مستقل. وبالطبع، هو في هذا القسم نفسه الذي يتحدث فيه عن استقراء أحكام جميع الشرائع وإدراك وانحصار المقاصد الضرورية في تلك الموارد، يشير ضمناً إلى أن الحكم الموردي الذي تُستشعر مصلحته الضرورية بمعزل عن نص خاص أو عام، قد تم تحديده ليحظى بالاعتبار المناسب. وقد طرح الغزالي هذه المسألة بوضوح أكبر في “شفاء الغليل”. وهناك أيضاً، بمعزل عن الاهتمام بتفاصيل المسألة، تناول افتراضات مسبقة مثل كون أحكام الله ذات مصلحة، والتي لا منشأ لها جميعاً سوى الرحمة الإلهية:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 107)؛ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.

مضمون مثل هذه الآيات هو في الحقيقة تعبير آخر عن أن الرحمة الإلهية تقتضي تأمين مصالح العباد من خلال نزول الشرائع، لأنه في غير هذه الحالة، سيكون فهم الرحمة من إرسال الرسل صعباً (الغزالي، شفاء الغليل، 1999م: 81).

على حد علمنا، فإن مجال الاستدلال على اعتبار المقاصد في كشف الأحكام الشرعية، حتى في “الموافقات”، خالٍ. فالشاطبي، على الرغم من أنه مشهور بنظرته المبتكرة في طرح مسألة المقاصد بشكل شامل في الفقه المالكي، إلا أنه كرس معظم اهتمامه لتفسير الفروع الخلافية نسبياً بناءً على هذا العلم، لفتح باب الاجتهاد على أساس المقاصد، كما كان هم الغزالي. (5) فالشاطبي في كل ذلك الجزء المعروف بكتاب المقاصد، سعى في تحليل الفروع الفقهية إلى تجاوز إطار قواعد الألفاظ والنصوص، والاعتماد على المقاصد كمقياس عقلي. الاستدلال الوحيد الذي قدمه في هذا القسم هو نفس نموذج الغزالي – الاستقراء – الذي يرتبط بشكل أوضح باعتبار المقاصد نفسها، لئلا يشك أحد في وجود مقاصد للشريعة؛ وهو استدلال يتضمن بالطبع حصر المقاصد في تلك الأنواع الثلاثة، أي الضروريات والحاجيات والتحسينيات (الشاطبي، المرجع نفسه: 2/42).

مع ذلك، ربما يكون هذا هو الامتياز الوحيد للشاطبي، أنه خصص فصلاً للاستدلال، وإن كان مجملاً، على اعتبار المقاصد نفسها، وأتم الطريق الذي تركه الغزالي في هذا القسم غير مكتمل نسبياً. (6) من الواضح أن كلام الشاطبي في هذا القسم موجه في الغالب إلى النحل التي لا تقبل بالتعليل الذاتي للأحكام أو على الأقل إدراكها بالعقول البشرية. ومن يدرك تيارات الفكر الديني يعلم جيداً أن إنكار الحسن والقبح الذاتيين كان له نطاق واسع ومثير للجدل بين أهل السنة، وفي فترة كان فيها الفكر الأشعري يتمتع بنفوذ قوي في الفضاء الكلامي، وكان هو نفسه متأثراً بشدة بهذه الأفكار، واجه هذا السؤال: هل يمكن للشريعة أن يكون لها مقاصد؟ (7)

لذلك، ما نسعى إليه هو مشروعية استنباط الحكم من مصلحة يصنفها أمثال الغزالي في مرتبة الضروريات، وكما أشرنا، فإن الغزالي نفسه وحتى الشاطبي لم يستدلوا على ذلك لوضوحه، ولكن البعض قرروا هذا الكلام الموجز للغزالي على النحو التالي:

1. إن الأحكام الشرعية شُرعت فقط لتحقيق مصالح العباد؛

2. مصالح الأحكام أمور معقولة، أي أن العقل يمكنه إدراك حسن وقبح ملاكاتها؛

3. لذلك، إذا أقدم المجتهد على إصدار حكم بناءً على إدراك عقلي لمصلحة حادثة لا نص خاص لها، فإن حكمه صحيح على المبنى ومعتبر شرعاً، ولذا فإن باب الاستصلاح لم يفتح إلا في المعاملات وما شابهها حيث تكون ملاكات أحكامها قابلة للإدراك، ونتيجة لذلك، فإن الاستصلاح في مجال العبادات بدعة. (8)

النقاط المذكورة أعلاه، ظاهرياً، تتجاوز مجرد ادعاء الغزالي في هذا الباب، وتظهر مسار استدلال موجه نحو المصلحة العامة، التي يكون قدرها المتيقن هو المقاصد. ولكن كما أُشير، فإن كل هذا أيضاً قد نُظم بالنظر إلى افتراضات الغزالي المسبقة حول كون الأحكام ذات مصلحة وقابليتها للإدراك بالعقل الإنساني. وقد مهد الغزالي، بالاعتماد على هذه الافتراضات، بشكل صريح في “شفاء الغليل” الذي ذكرناه سابقاً، الطريق لمسار من التفكير العقلي في فقه أهل السنة لم تكن جماعته الفكرية قد تنبهت بعد إلى وجوهه العقلية الأخرى.

خلاصة: يرى الغزالي، بالاعتماد على الاستقراء، أن انحصار مقاصد الدرجة الأولى للشريعة في تلك الموضوعات الخمسة من البديهيات، ولهذا السبب تجنب الإطناب. أما بخصوص اعتبار المقاصد كأحد مصادر التشريع، فقد تناول بشكل رئيسي شرح المقاصد وتثبيت اعتبارها كأهداف لا مفر منها للشرع. واللازم الصريح لكلامه هو أن الفقيه أيضاً، في حالة يشعر فيها بضرورة مصلحية، مضطر إلى إصدار فتوى تتناسب معها، لأن أي حركة نحو جانب يتعارض مع مقاصد الشرع أو يتجاهل تلك الضرورة، ستكون فاقدة لطبيعة التفسير والبيان الحافظ لأحكام الدين المقاصدية.

نقد ودراسة

يُسعى في هذا القسم إلى دراسة الادعاءين اللذين طرحهما الغزالي في باب المقاصد، وهما أولاً انحصار المقاصد الضرورية في الموضوعات الخمسة، وثانياً حجيتها كمصدر فقهي:

انحصار المقاصد الضرورية

بغض النظر عن المباني، وباتفاق جميع الفرق الإسلامية، فإن الشريعة، لا في كليتها ولا في جزئياتها، لا تخلو من سلسلة من المصالح:

بالاستقراء والتتبع في الأحكام الثابتة، لا يخلو أي حكم من مصلحة للعباد أو دفع مفسدة عنهم؛ وقد شرع الله سبحانه هذه الأحكام على مذهب الأشاعرة من باب التفضل والإحسان، لا على سبيل الحتمية والوجوب كما يقول المعتزلة (الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، 2010م: 1/647).

ولكن ما هي مقاصدها المهمة، وهل تنحصر في تلك الموضوعات الخمسة التي اجتهد فيها الغزالي والشاطبي أم أكثر، يُعتقد أن المسألة ليست بهذه البساطة. صحيح أن هذا الحصر والتقسيم قد استقر الآن في مصادر المقاصد على مستوى المسلمات، وقُبل إلى حد ما من قبل فقهاء الإمامية، (8) لكن هذه ليست كل القصة، لأن المستند الوحيد الذي قُدم كان الاستقراء، ونتيجة هذه الآلية، منطقياً، كما اعترف الغزالي نفسه (الغزالي، المستصفى في علم الأصول: 41)، ليست يقينية (الريسوني، نظرية المقاصد عند الشاطبي، 2007م: 301). ولهذا السبب، شكك الشوكاني (1255هـ) في تمامية استقراء الغزالي، حيث إنه وفقاً لاكتشافاته، فإن حرمة الخمر في شريعة اليهود والمسيحية ليست مسلمة، بل صُرح بإباحتها في التوراة والإنجيل (الشاطبي، المرجع نفسه: 2/11). ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار حفظ العقل من الأهداف الضرورية للشرع، ونسب حرمة الخمر إلى جميع الشرائع السماوية. كما شكك البعض في شمولية هذا التقسيم، بأنه لا يمكن في تنقيح مقاصد الشرع إغفال العدالة والحرية والمساواة وحفظ سلطة النظام السياسي الإسلامي (قيّاتي، المرجع نفسه: 98-105). كما يمكن اعتبار مقتضيات الثقافة الدينية، التي تُؤمَّن غالباً من خلال تعظيم الشعائر، من المقاصد الضرورية، لأنه كما أن الوصول إلى المقاصد غير ممكن دون التزام واهتمام فردي بتوقعات الشرع، فإن جريان وتنمية التدين غير ممكن دون تشكيل فضاء معنوي.

على أية حال، بالنظر إلى كل هذه الانتقادات، اعترف عموم باحثي المقاصد من أهل السنة وبعض فقهاء الإمامية، كما أُشير، بنجاح سجل الغزالي في هذا الصدد. وبتعبير الريسوني، فإن هذا التقسيم الذي نظّم الشاطبي أيضاً “الموافقات” في إطاره، قد اكتسب الآن هيبة (الريسوني، المرجع نفسه: 374). وقد أجابت هذه المجموعة من المؤلفين أيضاً على التوجهات النقدية لشمولية حصر وترتيب المقاصد الخمسة، بأن المقاصد الخمسة، بسبب شمولها لجميع أبعاد الحياة الإنسانية، لديها القدرة على تغطية جميع الموضوعات. وبناءً على ذلك، فإن تشكيك الشوكاني أيضاً في حفظ العقل ضمن المقاصد الضرورية، يفتقر إلى الأهمية، لأنه على فرض أن حفظ العقل لم يكن له مكانة في بعض الشرائع السابقة، فإن منزلة العقل الرفيعة في الإسلام ليست مسألة تخفى على العارفين. فالتفكر والتعقل والاعتبار والتأمل في الآيات والآفاق، هي مسؤوليات طُلبت من المؤمنين في القرآن بتكرار وتأكيد. وفي آية واحدة، ذُكر أن هدف بعثة النبي الإسلام (ص) هو، إلى جانب تزكية وتهذيب النفوس، تعليم الكتاب والحكمة:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (الجمعة: 2)؛ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

وفيما جُمع من كلام الإمام علي (ع) حول فلسفة بعثة الأنبياء، ذُكر أن تفعيل طاقات العقول البشرية من أهداف جميع الأنبياء:

وَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ (نهج البلاغة، 1380هـ.ش: 39)؛ وتابع إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول.

لذلك، فإن البحث في ادعاء الغزالي بانحصار المقاصد في تلك الموضوعات، ليس هو التحدي الأساسي لنظرية المقاصد، لأنه ربما لم يصر هو نفسه على أنه خاتم المجتهدين في مجال كشف المقاصد، وفرضاً أنه كان يعتقد اعتقاداً جازماً بهذا التصنيف، فإن هذا لا يمنع من التدخل في جدول المقاصد لاجتهاد يثريه:

لا يليق أن نحرم بعض المصالح الضرورية الأخرى التي وجه الدين إليها الاهتمام من مثل هذا الموقع، خاصة أن أهميتها وشمولها أحياناً لا تقل عن بعض هذه الضروريات الخمس، ونحن نعلم أن حصر الحالات الخمس أمر اجتهادي… والاهتمام بحالات أخرى غير هذه الخمس، كان مألوفاً منذ القدم. ومؤخراً، أضاف الأستاذ الخمليشي العدالة وحقوق وحرية الأفراد إلى الضروريات الخمس. الآن لا أريد أن أطرح شيئاً قبل أوانه وفي غير محله، بل أعتقد أنه يجب علينا فتح هذا الموضوع بمعايير علمية. (الريسوني، 1376هـ.ش: 471)

نتيجة لذلك، فإن التدخل في حصر وترتيب المقاصد لا يزال مبكراً، وإلى أن تتضح ثغراته وتُعلن أنها غير قابلة للترميم، فإن فكر الغزالي يعكس حداً أدنى من مقاصد الشرع في مجال الضروريات.

الوظائف الاستنباطية للمقاصد

الهدف الأساسي للغزالي من طرح المقاصد هو الارتقاء بمكانتها كمصدر استنباطي. والتحدي المهم للغزالي هو أن أسسه الفكرية تنتمي إلى المذهب الأشعري، وكما يعترف هو نفسه بذلك دون تردد، فإن الأشاعرة ينكرون الحسن والقبح الذاتيين للأفعال (الغزالي، شفاء الغليل، 1999م: 81؛ رمضان البوطي، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، 2005م: 102). وبناءً على ذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يجيب عليه أمثال الغزالي هو: إذا كانت الأفعال الإنسانية في ذاتها فاقدة للملاك، فبأي آلية يمكن تشخيص مصالحها على مستوى الضروريات؟ والمفروض أيضاً أن المسألة غير منصوص عليها شرعاً. وبالطبع، صحيح أن الغزالي يُعتبر نقطة تحول بين الأشاعرة، حيث استخدم القواعد العقلية لتعزيز مواقفه حيثما لزم الأمر (ديناني، ماجراي فكر فلسفي در جهان إسلام، 1376هـ.ش: 2/417، 1/282)، ولكنه بخصوص الحسن والقبح الذاتيين للأفعال، بقي في موقف الإنكار إلى الأبد. وهذا هو الفخ نفسه الذي وقع فيه خلفه الشاطبي أيضاً بسبب تأثره بالأشعرية:

قد بُيّن في علم الكلام أن العقل غير قادر على إدراك الحسن والقبح. فإذا أدخلنا العقل أكثر من هذا في مجال يتعلق بالشرع، فسيصبح بالتأكيد محسِّناً ومقبِّحاً، وهذا خلاف الفرض (الشاطبي، المرجع نفسه: 1/66؛ الريسوني، المرجع نفسه: 254).

ولهذا السبب، فإن الشاطبي، مع أنه طرح علم المقاصد لأول مرة كتمام الاجتهاد (المرجع نفسه: 85)، لم يتحدث عن المقاصد أكثر من كونها معياراً للتفسير العقلي للنصوص؛ مع أن الغزالي قبله كان قد فتح أفقاً يحدد على أساس أهداف الشرع تكليف مجالات ما لا نص فيه، ولكن اتخاذ مثل هذا التوجه يتناقض مع بعض مبانيه الكلامية في هذا الباب. وهذه المشكلة تمتد حتى إلى “القياس”، لأنه هناك أيضاً، الحديث يدور حول العلة ومعرفتها في الفرع بالعقل بمعزل عن النص. وكما أُشير، فإن مبنى الغزالي وعموم الأشاعرة هو أن المصلحة والمفسدة كلاهما من نتاج الأحكام الشرعية، وقبل تعلق الحكم الشرعي، يكون الحديث عن المصلحة والمفسدة عبثاً. لذلك، في القياس أيضاً الذي لم يرد فيه حكم للفرع، كيف يمكن الوصول إلى نتيجة أن العلة الفلانية الموجودة في الفرع مساوية لتلك العلة المصرح بها في الأصل، وبالتالي، تستلزم اندراجها تحت حكم الأصل؟

لقد حاول بعض المؤلفين المعاصرين، من خلال التأمل في كلام الغزالي، توضيح مفهوم العلة بما يتوافق مع مبانيه. فمثلاً، يعتقد رمضان البوطي أن الأشاعرة في باب القياس لم يتخلوا عن مواقفهم الكلامية، وأن مرادهم بالعلة هو تلك المصلحة التي أُنشئت بالحكم الشرعي، والعلة مجرد علامة للحكم، أما كونها موجبة حقاً لصدور الحكم، فليس هو ما يقصده الأشاعرة. وبهذا النموذج، حلوا أيضاً هذا التناقض القائل بأنه على الرغم من اعتراف الأشاعرة بعدم الحسن والقبح الذاتيين، فإن صدور الأحكام بهدف تأمين مصالح البشر ليس غير معقول، لأن مرادهم بالمصالح ليس المصالح قبل الحكم، بل المصالح الناشئة عن الحكم، والتي يبدو أن أكثر أهل السنة يتفقون عليها:

مراد أهل السنة من العلة التي يثبتونها للأحكام في علم الأصول هو العلة الجعلية التي يُتظاهر بها هكذا، لأن الله تعالى بجعله تلك العلة، قد أوجب حكماً معيناً، وربط حكمه بثبوت تلك العلة. وبلا شك، فإن مثل هذه الخصائص لا يمكن أن تكون علة حقيقية أبداً، وإن أطلقوا عليها أحياناً اسم التأثير أو ربطوا هذا الحكم والعلة بـ “لام” التعليل (رمضان البوطي، المرجع نفسه: 110؛ شلبي، المرجع نفسه: 115).

الغرض من هذه الأحكام هو التوفيق بين الاعتقاد بعدم تعليل الأحكام الإلهية، الذي يلتزم به الأشاعرة في الكلام، وبين الاعتقاد بالعلل الموجودة في الأحكام، الذي انجروا إليه في الأصول والفقه. نجاح هذه الأحكام مرهون بأن يتجنب المدافعون عن الغزالي الإجابة على هذا السؤال: كيف يمكن معرفة علة لا يدل عليها نص، وكذلك كيف يمكن تصور مصالح ومفاسد مرتبطة بالمقاصد الضرورية للشرع في منطقة غير منصوص عليها؟ الفرض هو أن العلة أو المصلحة لا وجود لها قبل الحكم. إذن، بالإضافة إلى المصالح المصرح بها، من أين نعلم أن شيئاً آخر له مصلحة؟ المفروض أن الأفعال لا تملك حسناً وقبحاً ذاتيين، ولا يوجد نص في ذلك المجال. كل الكلام في الاجتهاد يتعلق بمجال غير منصوص عليه، والذي وفقاً لمبنى الأشاعرة، لا يمكن تصور مصلحة ومفسدة فيه قبل بيان الشرع، ليُفتى به بما يتناسب معه. ويبدو أن الشاطبي أيضاً، بالنظر إلى هذه المناقشة، أراد، مع الحفاظ على فكره الأشعري في باب عدم الحسن والقبح الذاتيين للأفعال، أن يذكر بعض الأصول الكلية، التي تُعد المقاصد من باب أولى منها، ضمن المنصوص عليه بسبب الأدلة المتعددة (الشاطبي، المرجع نفسه: 2/41). مؤسس علم المقاصد، بهذه الطريقة، لا يترك الاستنباط المتناسب مع الأصول معلقاً في الهواء، ولكن الشاطبي أيضاً يجد نفسه أمام خيارين؛ إما أن يعتبر المصالح والمفاسد نتاج تعلق الأحكام أو لا. باختيار الخيار الثاني، فإن نفس السؤال الهيكلي يوجه إلى الشاطبي: كيف تستكشفون هذه الأصول؟ الفعل الذي يفتقر في ذاته إلى الحسن والقبح، إذا كان مندرجاً في حكم منصوص عليه، وإذا لم يكن متعلقاً بالحكم، فبأي طريقة تم استكشاف مصلحته؟

أصالة نظرية المقاصد

مجالات ما لا نص فيه كانت بعض نحل أهل السنة قد ملأتها سابقاً بالمصالح المرسلة. أراد الغزالي حل فراغ هذا المجال بآلية المقاصد. ولهذا الغرض، وإن كان في البداية قد فسر المصالح بالمقاصد، إلا أنه في النهاية حذر من مساواة المقاصد بالمصالح، لئلا يُظن أنني أضع المصالح المرسلة كأصل خامس إلى جانب الكتاب والسنة والعقل والإجماع، بل إن المصالح الحافظة للمقاصد ليست خارجة عن دائرة هذه الأدلة؛ على عكس القياس الذي له دليل معين، والمصالح المرسلة المالكية التي لا دليل لها أصلاً:

من ظن أن المصلحة أصل خامس، فقد أخطأ قطعاً، لأننا نعتبر مرجع المصلحة مقاصد الشرع؛ والمقاصد تُعرف بالكتاب والسنة والإجماع. فكل مصلحة لا تعود إلى المحافظة على مقصود مستفاد من الكتاب والسنة والإجماع، وتكون غريبة عن تصرفات الشرع، فهي باطلة، ومن يتجه إليها يبتدع في الدين، كما يبتدع من يستحسن (الغزالي، المستصفى في علم الأصول: 179).

كما يتضح من هذا النص، لا يزال الغزالي يريد الحفاظ على مسافة بينه وبين المصالح المرسلة، وقد قبل هذا بعض المحققين الآخرين أيضاً، بأن نظرية المقاصد ليست هي نفسها المصالح المرسلة، لأنه كما يدل مفهومها، فإن المصالح المرسلة متحررة من الاندراج تحت أي نص (شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 1986م: 290). ولهذا السبب، يبدو أن استخدام مقاصد الشريعة كأحد ضوابط الاجتهاد المصلحي (عباسي، الاجتهاد الاستصلاحي، 2007م: 279) وفقاً لاصطلاح المالكية، هو أمر غير محنك؛ لأنه أولاً، وفقاً لتحليل الغزالي نفسه، فإن المصالح من جنس المقاصد، منصوص عليها ويقينية، ولكن ما يُبحث عنه في المصلحة هو مصالح مظنونة وغير منصوص عليها. ثانياً، يمكن للمقاصد أن تعمل كضابط للمصالح المرسلة إذا حُفظ أصلها، ولكن في حالة يتحول فيها الموضوع من مرسل – غير منصوص – إلى مقيد – منصوص – لم يعد هناك مجال للحديث عن المصالح.

لذلك، خرجت المقاصد من رحم المصالح المرسلة، ولكن لأنها ليست مرسلة، فهي ليست عينها أيضاً. فهل حقاً مقاصد الشريعة نظرية مستقلة ولا تتداخل مع أصول أخرى مثل القياس أو أصل آخر؟ إجابة الغزالي هي أن العلة المستنبطة من دليل معين، أما المقاصد فهي نتيجة لأدلة وقرائن متعددة. وهذا الادعاء نفسه لدينا من الشاطبي في باب يقينية المقاصد، مع فارق أن مقاربته هنا ليست أدلة متعددة، بل روح الشريعة (الشاطبي، المرجع نفسه: 2/44). على أية حال، يبدو أن الاعتماد على هذا الفارق، وهو أن آلية استنتاج العلة والمقصد من الأدلة الفقهية نوعان، لا يؤثر كثيراً على أصل المسألة؛ خاصة أن القياس أيضاً ليس له تعريف تعبدي، بل هو اصطلاح أو أصل وُضع لآلية استنباط الحكم وفقاً للعلة المنصوص عليها، ومن هذا المنطلق، لا فرق بين استنباط الحكم وفقاً لمقصد منصوص عليه وقياس الفرع على الأصل الذي تكون علته منصوصة أيضاً.

نعم، إذا حولنا معيار الاختلاف من آلية استنتاج العلل والمقاصد إلى قطعيته وظنيته، وهو ما لم يلتفت إليه الغزالي للأسف، فإن إمكانية التمييز بين نظرية المقاصد والقياس موجودة. من هذا المنطلق، يمكن القول إن استنباط الحكم بناءً على المقاصد يختلف عما يُستحصل عليه من القياس، ومقدار إتقان واعتبار المقاصد من هذا الجانب لا يقارن بالقياس، لأن المقاصد، كما صرح الشاطبي، جزء من الأصول، أي أنها تشكل أسس الاعتبار العقلي للشريعة، ولهذا السبب لا يمكن أن تكون ظنية (الشاطبي، المرجع نفسه: 1/23؛ 2/42). بهذا التوضيح، وبغض النظر عن بعض المناقشات المبدئية في باب نظرية المقاصد، يبدو أن أصالة نظرية المقاصد مقابل أصول مثل القياس والمصالح المرسلة قابلة للدفاع.

النتيجة

من بين الأبعاد الثلاثة لنظرية مقاصد الشريعة، فإن أهم بعد لنظرية مقاصد الشريعة لدى الغزالي هو وظيفتها الاستنباطية في مجال غير المنصوص عليه. ووفقاً لما اتضح في هذه الدراسة، فإن التحدي الكبير للغزالي في هذا الطرح، الذي ارتقى به الشاطبي إلى مستوى العلم، هو فكره الأشعري في مجال التكليف. بالانتماء إلى هذه النحلة الكلامية، فإن الحديث عن ربط الأفعال التي لا نص فيها بالمقاصد هو أمر يهدد البنية؛ لأن الفعل الذي يفتقر إلى الحسن والقبح دون تعلق نص شرعي، كيف يمكن اجتهاد حكمه المناسب بناءً على مقاصد الشرع؟ هل يمكن فهم فعالية فعل خالٍ من أي ملاك حتى قبل حكم الشرع في تأمين مقاصد الشرع؟ لذلك، فإن التحدي الأول لنظرية المقاصد بهدف تعيين تكليف مجالات ما لا نص فيه هو انقباض المباني الكلامية الأشعرية التي كان الغزالي والشاطبي كلاهما وفيين لها بمحافظة. المفروض في هذا النوع من الدراسات هو أن أصل أصول الأشاعرة في باب عدم تعليل أحكام الله بالمقاصد، لا يقع في تناقض. وفي غير هذه الحالة، فإن الإذعان بعدم تعليل أفعال الله، يهدم مبنى مقاصد الأحكام من الأساس. وبهذا الترتيب، فإن نظرية مقاصد الشريعة في سياق الكلام الأشعري فاقدة للسند المنطقي. فطرح المقاصد إما يكشف عن طبقات من تجديد نظر متسامح تجاه أصول الأشعرية، أو هو جدل مربك داخل خطاب تم فيه غض الطرف بشكل محسوس عن مبانيه الكلية في ساحة الفقه. والخيار الثالث هو أن نعتبر مقاصد الشريعة، باستخدام أفكار الشاطبي، ليست كاشفة عن مجالات غير منصوص عليها، بل فهماً منهجياً للنصوص نفسها، وفي هذه الحالة، مع الحفاظ على فراغ مجالات ما لا نص فيه، تُعلق نظرية المقاصد عن وظيفتها الأصلية.

الهوامش

1. من العجيب أن كتّاباً مثل الريسوني قد غفلوا عن هذا الأمر وصنفوا تصنيف المقاصد ضمن ابتكارات الشاطبي (الريسوني، أهداف الدين من وجهة نظر الشاطبي، 2007: 307؛ ترجمة هذا الأثر إلى الفارسية: أهداف الدين من وجهة نظر الشاطبي، المترجمون: سيد حسن إسلامي – سيد محمد علي أبهري، مركز منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، قم، الطبعة الأولى، 1376: 28). كما ينسب الريسوني في موضع آخر، حيث يوضح ابتكارات الشاطبي في نظرية المقاصد، جذور النظرية إلى الفقه المالكي، وينسب اعتبارها علماً إلى ابن عاشور (ص 314).

2. كما ذكر دراز، فإن الجزء الأخير من كلام الشاطبي في هذا الشأن غير مفهوم (الموافقات، تحقيق: عبد الله دراز: 11/1).

3. في باب تفاوت مسألة العبادات من حيث عدم جواز البحث في عللها ومصالحها، يرجى مراجعة أثر الشاطبي (الغزالي، المرجع نفسه: 244/2).

4. يوضح في موضع آخر أن المقاصد بكل أنواعها الثلاثة، لها جذور في قطعيات القرآن التي فُصّلت بالسنة (الشاطبي، المرجع نفسه: 23/4).

5. مفهوم الطريق غير المكتمل نسبياً هو أن الغزالي قد تحدث على الأقل بشكل متفرق عن اعتبار مقاصده (منها، الغزالي، 1417: 181). ولكن مع ذلك، لم يذكر الشاطبي أبداً في الموافقات اسم الغزالي ودوره في هذا القسم!

6. للاطلاع على تأثر الشاطبي بأفكار الأشاعرة (الريسوني، نظرية المقاصد عند الشاطبي، 2007: 254).

7. الاستدلال المذكور أعلاه، وإن كان السيد محمد تقي الحكيم قد أعاد صياغته بشكل أكبر بالنظر إلى دور المصالح المرسلة، إلا أنه ليس خافياً أن شموله للمصالح المبنية على المقاصد سيكون القدر المتيقن من هذا النوع من المصالح (الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، 1418: 378).

8. انظر: الهامش رقم 2 من هذه المقالة. بين كتّاب المقاصد، يعد ابن عاشور استثناءً وحيداً، حيث قام على عكس الغزالي بتعريف وتفسير المقاصد بهذه السمات الجديدة (ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، 2001: 253).

المصادر والمراجع

القرآن الكريم، ترجمة الأستاذ محمد مهدي فولادوند.

نهج البلاغة، الشريف الرضي، محمد، نهج البلاغة، ترجمة: علي دشتي، مؤسسة أمير المؤمنين (ع) الثقافية للأبحاث، قم، الطبعة الأولى، 1380 هـ.ش.

إبراهيمي، غلام حسين، ماجرای فکر فلسفی در جهان إسلام، طهران، طرح نو، الطبعة الأولى، 1376 هـ.ش.

ابن عاشور، محمد، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد طاهر الميساوي، الأردن، دار النفائس، الطبعة الثانية، 2001 م.

أبو هلال العسكري، الحسن بن عبد الله، معجم الفروق اللغوية، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الأولى، 1412 هـ.ق.

الأصفهاني، حسين، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان داودي، بيروت، دار العلم، الطبعة الأولى، 1412 هـ.ق.

الجوهري، إسماعيل، تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عطار، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الثانية، 1987 م.

حسيني، محمد، فرهنگ لغات واصطلاحات فقهی (معجم المصطلحات والعبارات الفقهية)، طهران، سروش، الطبعة الثانية، 1385 هـ.ش.

الحكيم، السيد محمد تقي، الأصول العامة للفقه المقارن، تحقيق: المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، قم، الطبعة الثانية، 1418 هـ.ق.

رفيق العجم، موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين، بيروت، مكتبة لبنان، الطبعة الأولى، 1988 م.

رمضان البوطي، محمد سعيد، ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، بيروت، دار الفكر، 2005 م.

الريسوني، أحمد، أهداف الدين از ديدگاه شاطبي (أهداف الدين من وجهة نظر الشاطبي)، ترجمة سيد حسن إسلامي وسيد محمد علي أبهري، قم، مركز منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1376 هـ.ش.

نظرية المقاصد عند الشاطبي، فيرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007 م.

الزحيلي، وهبة، أصول الفقه الإسلامي، دمشق، دار الفكر، الطبعة الثامنة، 2010 م.

الشاطبي، إبراهيم، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق: الشيخ عبد الله دراز الدمياطي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 2001 م.

شلبي، محمد مصطفى، أصول الفقه الإسلامي، بيروت، دار النهضة العربية، 1986 م.

الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم، الطبعة الخامسة، 1417 هـ.ق.

العباسي، نور الدين، الاجتهاد الاستصلاحي، بيروت، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، 2007 م.

الغزالي، محمد، المستصفى في علم الأصول، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417 هـ.ق.

شفاء الغليل، تحقيق: زكريا عميرات، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1999 م.

الفراهيدي، خليل، كتاب العين، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، بيروت، دار الهجرة، الطبعة الثانية، 1409 هـ.ق.

القياتي، محمد أحمد، مقاصد الشريعة عند الإمام مالك، القاهرة، دار السلام، الطبعة الأولى، 2009 م.

المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، ترجمة ونشر كتاب، 1360 هـ.ش.

Scroll to Top