الملخص
يستعرض هذا البحث أحد الفروع الأساسية في علم اللغة، وهما علم الدلالة وعلم الأصوات، اللذان يتمتعان بأهمية وحساسية بالغة. وقد جرت محاولة للتركيز على دراسة علاقة علم الدلالة الكلامي بالظواهر اللغوية الأخرى بشكل موجز، وتوجيه اهتمام المهتمين، ولا سيما قراء القرآن الكريم، إلى نقطة بالغة الأهمية، وهي أن معاني الألفاظ لا تختلف في النصوص المختلفة أو في السياقات المتنوعة فحسب، بل إن طريقة نطقها أو أدائها يمكن أن تغير تلك المعاني أيضاً. في هذا البحث، تم تناول مباحث مثل الصوت الكلامي، والصرف، والنحو، واختيار المفردات وتأثيرها المباشر في علم الدلالة، وكذلك علم الدلالة الصوتي والصواتي وأجزائه المختلفة مثل الفونيم، والمقطع، والنبر، والتنغيم، والوقف، مع التركيز على علم لغة اللغة العربية. كما تمت محاولة إيضاح تأثير مبحث علم الأصوات في علم الدلالة وتفسير النصوص؛ وبعبارة أخرى، كما أن فهم المعنى وإدراكه يمكن أن يساعدنا في قراءة النص وأدائه بشكل أفضل، فإن أساليب التعبير وأداء العبارات يمكنها أيضاً أن تعيننا على فهم المعنى وإدراكه بشكل أعمق.
المقدمة
علم الدلالة (Semantics) هو العلم الذي يتناول المعنى من خلال شرح وتفسير المفردات والجمل، ويستفيد من مختلف الأساليب الدالة على المعنى، سواء كانت لغوية أم غير لغوية، مثل: الحركات، والإشارات، والحالات، والألوان، والأصوات غير اللغوية، وأي إشارة تسهم في التواصل الاجتماعي (عكاشة، 2011: 11)؛ وبعبارة أخرى، يمكن القول إن علم الدلالة من أهم فروع علم اللغة؛ إذ إن من أبرز المباحث الأساسية في جميع فروع علم اللغة هو دراسة مدى تعبير المضامين ووصولها إلى المخاطب بغرض الفهم والإدراك. ومن هذا المنطلق، ترتبط جميع فروع علم اللغة بعلم الدلالة بشكل أو بآخر؛ وبناءً عليه، فإن علم الدلالة يضطلع بالوظيفة الرئيسية والأساسية للغة. في الدراسات اللغوية للغة العربية، التي هي لغة القرآن الكريم، يكون لمقاطع وأجزاء مثل الصوت الكلامي، والصرف، والنحو، واختيار المفردات تأثير مباشر في الدراسات الدلالية. ويمكن تقسيم هذا التأثير وبيانه على النحو التالي:
أ) تأثير الصوت وعلم الأصوات (Phonetics) في علم الدلالة
علم الصوت (Phonology) وعلم الأصوات (Phonetics)1 هما قسمان من بنية الكلمات عند النطق والتعبير الصوتي، ويمكن للصوت أن يميز مضمون الكلمات المتماثلة عن بعضها البعض بواسطة المقطع والنبر والتنغيم وسائر العناصر الصوتية، ليُنشئ معنى آخر؛ على سبيل المثال، يمكن نطق الكلمة الفارسية «قرار داد» كفعل وكاسم، أو يمكن نطق الكلمة القرآنية «ساءَلَهُم» بحيث يُعبَّر عن معناها الأصلي؛ أي «ساءَ» فعل ماض و«لَهُم» جار ومجرور. كما يمكن نطقها بواسطة الصوت على هيئة كلمة واحدة «ساءَلَ» فعل ماضٍ على وزن فاعَل و«هُم» ضمير مفعول به في محل نصب، مما يوحي بمفهوم مختلف تمامًا.
ب) تأثير علم الصرف (Morphology) في علم الدلالة
من البديهي أن معاني الكلمات تعتمد على صيغها الصرفية، وتتغير باختلاف البنية الصرفية. فكلمتا «ضارب» و«مضروب» تعبران بوضوح عن تأثير الصيغ الصرفية في المعنى. في هذا المثال، الجذر الثلاثي «ضرب» مشترك في كلتا الكلمتين، لكن الكلمة الأولى تدل على فاعل الفعل، والثانية تدل على من وقع عليه الفعل «مفعول». وتجدر الإشارة إلى أن ما يُبحث ويُدرس في هذا القسم غالبًا هو اللواحق الصرفية (inflectional endings) مثل «ونَ» و«ينَ» في جمع المذكر السالم و«ات» في جمع المؤنث السالم وياء النسبة، والسوابق الصرفية (Prefixes) مثل حروف المضارعة، وهمزة التعدية، وميم اسم المفعول (كمضروب)، وكذلك التغييرات الداخلية في الكلمات مثل تشديد عين الفعل لتعديته نحو «نزّل»، وإضافة «الألف» لإفادة المشاركة والمقاومة (نحو قاتَل)، ولتعدية الفعل (نحو كاثَر)، ولبيان اسم الفاعل (نحو قائم). كل هذه التغييرات في بنية الكلمات تؤدي إلى تحول في المعاني، وبالتالي في علم الدلالة.
ج) تأثير علم النحو (Syntax) في علم الدلالة
للنحو، أي القواعد اللغوية، دورٌ بالغ الأهمية في تبيين المعنى ومعرفته؛ إذ يمكن القول إن تأثر علم الدلالة يتجلى دائمًا في التركيب النحوي من جهتين: الأولى تغيير موقع الكلمة في تركيبين متماثلين، والثانية تغيير الكلمة نفسها في تركيبين متماثلين. على سبيل المثال، في الجملتين «ضَرَبَ عمروٌ زيدًا» و«ضَرَبَ زيدٌ عمرًا»، من الواضح أن أي كلمة تقع في موقع الفاعل تكون فاعلاً، وأي كلمة تقع في موقع المفعول تكون مفعولاً. وبالطبع، يُسهم إعراب الكلمات في توضيح المعنى، ولكن عند الالتباس أو عدم تمييز الكلمات إعرابًا، يكون موقع الكلمة ومكانتها هو ما يحدد المعنى فقط؛ مثلاً، في جملة «ضرب موسى عيسى»، يُستعان بقانون الترتيب في النحو، حيث يأتي الفعل أولاً، ثم الفاعل، ثم المفعول. أما في حالة تغيير الكلمة وليس موقعها في تركيبين أو أكثر، فنرى كيف تتولد معانٍ مختلفة. حين يُقال «دَخَلَ عليٌّ المنزلَ» و«دَخَلَ عليٌّ القبرَ» و«دَخَلَ عليٌّ عُشَّ الزوجيةِ»، نرى أن الجملة الأولى لا تحتاج إلى توضيح لوضوح معناها «دخل عليٌّ المنزل»، لكن الجملة الثانية، رغم أن تركيبها النحوي يماثل الأولى، إلا أن مضمونها يعني «عليٌّ مات»، والجملة الثالثة «عليٌّ تزوج». وهذا يدل على أن تغيير الكلمات أحيانًا يوجه المعنى إلى دلالات أبعد.
د) تأثير اختيار المفردات (Vocabulary) في علم الدلالة
يمكن أن يكون نطاق المعجم واختيار المفردات أحد الأركان المهمة في مبحث علم الدلالة. من المسلم به أن معنى ومفهوم الجملة الهادفة يعتمد على الاختيار الصحيح للكلمات من بين سائر الكلمات المشابهة. هذا الأسلوب يمكنه أن يعبر جيدًا عن المقصد وعمق المفهوم، وأن يكون له تناسب جميل مع سائر الكلمات من حيث المعنى واللفظ. لا شك أن كل كلمة في تركيب جملة ما يمكن أن تحمل معنى خاصًا قد تفقده في موقع أو جملة أخرى. وبعبارة أخرى، يمكن أن يكون لكل كلمة معنى ومفهوم مختلفان بحسب موقعها ومكانها في تركيب الجملة. هذه الظاهرة أو الحدث الدلالي قد يقع في جملة واحدة أيضًا؛ على سبيل المثال، في الآية التالية، تكررت كلمة «ساعة» مرتين؛ المرة الأولى بمعنى «يوم القيامة»، والمرة الثانية بمعنى «لحظة» (جناس تام): ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (الروم: 55). نقطة أخرى هي أنه في مبحث اختيار المفردات، يجب دائمًا مراعاة ألا تكون الكلمات خالية من المعنى، حتى لو كان التركيب النحوي صحيحًا؛ لأن إفادة الكلمات من حيث المعنى والمفهوم شرط لتعريف الكلام. وفي غير هذه الحالة، ستخرج الجملة أو التركيب من دائرة اللغة والكلام؛ على سبيل المثال، جملة «الفَرعَبُ شَرِبَ البِنغَ» صحيحة من حيث البنية النحوية، لكنها تخرج من دائرة اللغة والكلام بسبب خلو كل من كلماتها من المعنى. كذلك، قد تكون الكلمات، كل على حدة، ذات معنى ومفهوم، والبنية القواعدية صحيحة، ولكن في المجموع أو في تركيب الكلمات، تكون الجملة فاقدة للمعنى المفيد؛ مثل: «القمر من الضحكة الحريرية للنملة أكثر دهنًا» أو هذه الجملة «إن أفكارًا خضراء لا لون لها تنام غاضبة» (مختار، 1991: 10). هذه الجملة أيضًا تخرج من دائرة اللغة وتعريفها بسبب خلوها من المعنى.
إذا أردنا تحليل هذا التقسيم من زاوية أخرى، نرى أنه لا يوجد فرق كبير بينها؛ وبعبارة أخرى، هي مترابطة ببعضها البعض بحيث لا يمكن تعريف كل منها على حدة بدقة؛ لأن الأصوات تتأثر بالصيغ الصرفية، والتغييرات الصرفية تتبع التغيير في العناصر الصوتية، وذلك في الوقت الذي تتأثر فيه بالمفهوم والمعنى. ومن جهة أخرى، يؤثر التغيير الصرفي والبنيوي، من إضافة وحذف، بشكل مختلف في النحو، كما يتحكم نوع الصيغة الصرفية في الاستخدام النحوي؛ مثل إضافة الفاعل إلى مصدره، أو عمل الصفة المشبهة وإعرابها الذي يعتمد على نوع الصيغة وموقعها ومكانها في التركيب. ولعل هذا التداخل بين الأصوات والصرف والنحو هو ما دفع المتقدمين إلى السعي لإيجاد تعريف مستقل لكل من الحالات المذكورة وتصنيفها بطريقة خاصة.
توجد علاقة وثيقة بين علم الدلالة والنحو. فالنحو، من خلال استخدام الكلمات ووظائفها في التركيب، يؤدي إلى ظهور المعنى والمفهوم. وفي المقابل، يدل عدم وجود معنى ومفهوم دال على وهن وضعف في التركيب النحوي. وفي هذا الصدد، قيل: «لقد أقر كثير من اللغويين بخطأ التراكيب النحوية التي لا تستطيع أن توصل معنى ومفهومًا صحيحًا من الناحية الدلالية» (عكاشة، 2011: 15). إذن، في الحقيقة، يتجلى علم الدلالة في جميع تقسيمات علم اللغة؛ سواء كان المحور ووظيفة جميع عناصر اللغة هو التعبير عن المعنى والمفهوم أو إيصاله. من هنا، في مثل هذه الأبحاث، يحظى مبحث علم الدلالة الصوتي والصواتي، مصحوبًا بمبحث علم الأصوات، بمزيد من الاهتمام والبحث والدراسة.
علم الدلالة الصوتي والصواتي
من المواضيع المهمة التي لها تأثير مباشر في نطاق علم الدلالة، مبحث الأصوات الكلامية بشكل عام وعلم الأصوات بشكل خاص. «علم الأصوات هو العلم الذي يدرس الأصوات وأصوات اللغة، وميزته بالنسبة لسائر عناصر علم اللغة أنه يقتصر على الجانب الكلامي من اللغة، لا الكتابي، وأنه يتناول أصغر الوحدات الكلامية» (المرجع نفسه، 17). لا شك أن الجانب الكلامي في أي لغة هو قوام اللغة وأساسها، وجانب أولي وأساسي، أما تدوين العلامات أو الكتابة فهو جانب لاحق؛ لأن الكتابة بالأمارات والعلامات هي أداة وُضعت للأصوات. وفيما يلي، نتناول بعض تعريفات علم الصوت وعلم الأصوات من وجهة نظر اللغويين المعاصرين.
«أطلقوا على دراسة وبحث ووصف أصوات الكلام اسم علم الصوت أو الفونولوجيا. إن دراسة وبحث ووصف الأصوات وطريقة إنتاجها وتركيبها والقواعد والضوابط الحاكمة لإنتاجها وتركيبها هو موضوع علم الأصوات أو علم الفونوتيك» (ياراحمدي، 1373: 10). وفي تعريف آخر ورد: «علم الأصوات فرع من فروع علم اللغة يبحث في الجانب الكلامي من اللغة، وله هو نفسه فروع مختلفة، منها: علم الأصوات المحض، وعلم الأصوات الأكوستيكي، وعلم الأصوات الوصفي، وعلم الأصوات التاريخي، وعلم الأصوات السمعي، وعلم الأصوات الفيزيولوجي» (الخولي، 1998: 112). كما قيل: «لبحث مخارج الحروف من الناحية الفيزيولوجية، استُخدم مصطلح الفونوتيك. أما البحث حول استخدام الأصوات ونسبة تأثيرها أو تأثرها بمجاورة الأصوات الأخرى فيُسمى الفونولوجيا. وقد سمى البعض الفونوتيك بعلم الصوت العام، والفونولوجيا بعلم الصوت التطبيقي» (قدوري الحمد، 2002: 24). وفي موضع آخر، ورد في تعريف وبيان الفرق بين علم الأصوات وعلم الصوت ما يلي: «إذا قلنا حول حرف السين إنه صوت لثوي وله صفة الهمس والصفير وهو حرف احتكاكي، فإننا في الواقع قد درسناه من الناحية الفيزيولوجية، وهذا هو علم الأصوات. أما إذا قلنا إن حرف السين عند مجاورته لحرف الطاء يتأثر، فيأخذ صفة الإطباق من هذا الحرف ويتحول إلى صاد (يسطو – يصطو)، فإننا في الواقع نتحدث عن علم الصوت أو الفونولوجيا لحرف السين» (خليل، 2010: 158). والآن، نواصل موضوع البحث مع مراعاة التعريفات المذكورة.
تنقسم أصوات اللغة بشكل عام إلى قسمين: الأصوات الصائتة والأصوات الصامتة2.
أ) الأصوات الصائتة (Vowels): تشمل هذه الأصوات الحركات القصيرة: الفتحة، والكسرة، والضمة (Short Vowels)، والحركات الطويلة أو اللينة مثل الألف المدية، والياء المدية، والواو المدية (Long Vowels).
ب) الأصوات الصامتة: هي الأصوات التي ترتبط بكل حرف من الحروف الهجائية؛ أي الحروف التي لها مخرج معين في جهاز النطق؛ فعندما يتعرض عضو معين لهواء الزفير الخارج من القصبة الهوائية، يُسمع صوت الحرف المطلوب؛ وتشمل جميع أصوات اللغة العربية باستثناء الحركات القصيرة وحروف المد الساكنة. «الأصوات الصائتة هي الأصوات التي لا يسبب أي عضو من أعضاء جهاز النطق انقطاعًا لهواء الزفير في إنشائها وامتدادها؛ ولذلك، فإن أصواتها دائمًا حرة وممتدة ولا تصطدم بأي عائق في جهاز النطق. هذا النوع من الأصوات يشمل حروف اللين، أي الواو والياء الساكنتين، وكذلك حروف العلة، أي الألف المدية والياء المدية والواو المدية، أما الحركات القصيرة فيمكن اعتبارها جزءًا من حروف المد» (عكاشة، 2011: 17).
الوَاج (الفونيم) وعلم الدلالة
يتحقق علم الدلالة الكلامي في تناسق مجموع أصوات الكلمة الواحدة، ويُطلق على كل صوت من هذه الأصوات اسم «واج» أو «فونيم» (phoneme)، والتي تعد أصغر الوحدات الكلامية والواجّات الأولية. «يُطلق مصطلح الواج على أصغر قطعة صوتية مميزة وفارقة للمعنى» (ياراحمدي، 1373: 9). وبالطبع، يعتقد البعض أن ترجمة (phoneme) وتقديم تعريف واضح وشامل له ليس بالأمر السهل، ولهذا السبب، توجد اختلافات في وجهات النظر حول تعريفه وترجمته الدقيقة، خاصة بين اللغويين العرب. «الفونيم كلمة لم يتيسر التوصل إلى ترجمة علمية لها ببساطة بسبب تعدد الآراء واختلاف وجهات النظر حولها، ولكنها على أي حال هي تلك الوحدة الصوتية الصغيرة غير القابلة للتجزئة (Sound Unit)، وقد ترجمها العرب إلى: صوت، صوتم، صوتيم، متصوت، صوت مجرد، لافظ، صوتية، وفونيمية» (شعير، 2008: 33). ولحسن الحظ، فإن ترجمة «واج» لمصطلح «فونيم» في اللغة الفارسية هي ترجمة شائعة، ولا يكاد يوجد فيها اختلاف في وجهات النظر بالاتساع الموجود في اللغة العربية. ويعرّف أحد اللغويين الآخرين الواج على النحو التالي: «يطلق اللغويون [الواج] على الصوت الأصلي الذي قد يشترك فيه أكثر من صوت واحد، وما دام لم يحدث تغيير في المعنى، فإنه يُحسب فونيمًا [واجًا] واحدًا لا أكثر» (أبو سكين، 2000: 48). يُلاحظ في التعريف الأخير إشارة إلى حقيقة أن الواج الواحد قد يكون له أصوات متعددة، ولكن طالما أنه لا يغير المعنى، فإنه ينتمي إلى عائلة واج واحد. يقول عصام نور الدين: «إذا قارنا ضَرَبَ بـ ضَرَعَ وضَرَسَ، أدركنا أهمية الفونيم (الواج) في تغيير المعنى؛ لأن كل صوت من الأصوات ب، ع، س هو فونيم (واج) واحد، ولكن قد يكون لكل من هذه الفونيمات ألوان صوتية متعددة؛ مثلاً، صوت «ب» في كلمات بأس، بَرْبَر، ثَرِبَ، ثَبِرَ، جَبَأً، زابِر… مختلف، وهذه الباءات تُسمى «ألوفونات» (Phones)» (نور الدين، 1992: 59-60).
من البديهي أن طريقة نطق كل واج في المواقف المختلفة، وإن كانت متفاوتة قليلاً، إلا أنها لا تؤدي إلى تغيير المعنى. بالنظر إلى التعريفات المطروحة لمفهوم الواج، يتضح أن تغيير المعنى هو معيار تغيير الواج؛ وبناءً عليه، يشمل الواج الأصوات الصائتة أيضًا. نقطة أخرى بالغة الأهمية هي أن للأذن دورًا كبيرًا في التعريف الدقيق للواج، وهنا يجد علم الأصوات الأكوستيكي (Acoustic Phonetics) مكانته. وقد عرّف اللغوي السويسري الشهير فردينان دي سوسير، الذي استخدم مصطلح «فونيم» لأول مرة عام 1873م، هذا المصطلح على النحو التالي: «إن تمييز الأصوات في العملية الكلامية يستلزم حتمًا تدخل العنصر السمعي، ومن البديهي أن العنصر السمعي يترتب على ظاهرة إنتاج الصوت ومصدره، ولا يمكن تحليله بمفرده. ولهذا السبب، نقول إن صوت «ب» ظاهرة سمعية، و«ب1» ظاهرة كلامية (نطقية)، وفي النهاية، ما سنحصل عليه هو مزيج من «ب» و«ب1»، وهذا ما نسميه الفونيم (الواج)» (De Sassere, 1979, P. 36)؛ وبناءً عليه، فإن تعريف الواج يسبب اختلافات صرفية أيضًا؛ مثل: دَرَسْتُ ← ـتُ، دَرَسْتَ ← ـتَ، دَرَسْتِ ← ـتِ. ففي المثال الأول، (التاء) تتضمن معنى المتكلم، (التاء) تتضمن معنى المخاطب المذكر، و(التاء) تتضمن معنى المخاطب المؤنث. يلاحظ أن الشحنة الدلالية للواج تشمل عدة عوامل:
أ: الدلالة على الشخص (متكلم، مخاطب)؛
ب: الدلالة على الجنس (ـتَ، ـتِ)؛
ج: الدلالة على العدد (رأيتُ المُعَلِّمَيْنِ) و(رأيتُ المُعَلِّمِينَ)؛
د: الدلالة على المعنى المعجمي أو (اسم الذات): «جاء ذو علمٍ» ← اسم ذات + مذكر + مرفوع + ملكية، «رأيتُ ذا علمٍ» ← اسم ذات + مذكر + منصوب + ملكية؛ «مررت بذي علمٍ» ← اسم ذات + مذكر + مجرور + ملكية.
وبهذا، يتحدد نطاق بحث الواج، الذي هو أحد أدوات التعبير في فرع أو علم الدلالة، والذي يشمل الحروف5 الهجائية (الصامتة) مثل: الألف، الباء، التاء… وكذلك الأصوات الصائتة (الأصوات القصيرة والطويلة) في كلمة واحدة بشرط تغيير المعنى. وتجدر الإشارة إلى هذه النقطة أيضًا: «أطلق اللغويون على الأصوات الصائتة والصامتة اسم الفونيمات المقطعية أو الفونيمات التركيبية (segmental phoneme)» (عكاشة، 2011: 18).
كما مر، يعتبر اللغويون الواج الصوت الأصلي الذي هو أصغر وحدة مغيرة للمعنى، أما الأصوات الثانوية (Secondary) التي سنتحدث عنها لاحقًا، فتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
- السمات فوق المقطعية (Prosodic Features)؛ أو السمات العروضية (Prosody): وتشمل المقطع (syllable)، والنبر (Stress)، ونغمة الكلام (intonation)، والوقفات (Pauses)، والإيقاع (Tempo)، وطبقة الصوت (Pitch)، وقوة وشدة الصوت (Volume).
- الأصوات غير الكلامية (non-Speechsounds) أو الأصوات الإضافية (Vocal segregates): مثل الضحك، والبكاء، والصراخ، والتأوه، والسعال، والأنين، وغيرها، والتي عادة ما تؤدي، إذا امتزجت بالتعبير الكلامي، إلى تأثير مضاعف على المخاطب، وبالتالي إلى بروز ووضوح البحث الدلالي.
- الأصوات غير البشرية (non-human sounds): مثل أصوات الحيوانات وكذلك الأصوات الناشئة من الطبيعة كصوت الرعد والبرق والمطر والريح، وأيضًا أصوات مثل رنين الجرس وصوت البوق وغيرها، والتي تُستخدم عادة لأغراض خاصة (زكي حسام الدين، 1992: 17).
المقطع وعلم الدلالة
«المقطع» هو الاسم العربي و«syllable» هو الاسم الإنجليزي للمقطع. في تعريف المقطع ورد: «يُطلق على جزء من الكلمة أو مجموعة من الأصوات تُؤدى بزفرة واحدة دون فاصل أو انقطاع. وقد كان اليونانيون أول من ميز هذا الجزء من الكلام، أي المقطع، وأسموه «سولابي». واستخدم أبو الريحان البيروني اللفظ اليوناني نفسه بصيغة «سلابي». واستخدم أبو علي سينا مصطلح «مقطع» (ساغروانيان، 1369: 535). وقد سماه البعض أيضًا «سيلاب» أو «بخش» (أي جزء)، لكن مصطلح «هجا» (المقطع) هو أحدث مصطلح لهذا المفهوم. وفي موضع آخر، عُرِّف المقطع (البخش) على النحو التالي: «المقطع (البخش)، هو وحدة صوتية مفردة، ويتكون من صوت طليقي قصير أو طويل وصوت حبيسي أو أكثر. مثل: «قال» التي تتكون من مقطع واحد: حركة فتحة طويلة وهي الألف وحبيسان هما القاف واللام» (أنطاكي، 1372: 25). ربما يمكن ترجمة الصوت الطليقي والحبيسي الواردين في التعريف أعلاه بـ«الصوت الحر» و«الصوت المقيد أو الخفي». ولتوضيح هذا المصطلح أو المفهوم بشكل أفضل، أوردوا أيضًا: «المقطع هو وحدة صوتية مركبة يبدأ بصوت قوي وينتهي بما يسبب فاصلاً عما بعده» (عكاشة، 2011: 41). بعبارة أبسط، يتكون المقطع من صوت صامت (حروف الهجاء) وصوت صائت (صوت قصير أو طويل)؛ مثل: «قالَ» التي تتكون من مقطعين؛ المقطع الأول «قا» وهو حرف + صوت طويل، و«لَ» وهو حرف + صوت قصير. ومن البديهي أنه إذا سكنت اللام بسبب الوقف (قالْ)، فسيصبح مقطعًا واحدًا؛ لأنه بالسكون، يُغلق المقطع؛ وبناءً على الشرح والتعريفات المذكورة، يمكن تقسيم المقاطع من حيث كونها قصيرة أو طويلة، ومفتوحة أو مغلقة إلى ستة أقسام:
- المقطع القصير المفتوح: حرف + صوت قصير؛ مثل: وَ.
- المقطع القصير المغلق: حرف + صوت قصير + حرف؛ مثل: هَلْ، قُلْ.
- المقطع الطويل المفتوح: حرف + صوت طويل؛ مثل: مَا، لَا.
- المقطع الطويل المغلق: حرف + صوت طويل + حرف؛ مثل: فِيل، نُور، نَار.
- المقطع القصير المغلق المشدد: حرف + صوت قصير + حرف + حرف؛ مثل: جَمْعُ، فَصْلُ.
- المقطع الطويل المغلق المشدد: حرف + صوت طويل + حرف + حرف؛ مثل: ضَالّ، فَارّ، حَاجّ.
أما بخصوص تأثير المقطع في علم الدلالة، فيمكن الإشارة إلى النقاط التالية:
أولًا: أهمية وقيمة مقطع واحد في التعبير عن معانٍ مختلفة، مثل مقطع «ت» في نهاية هذه الكلمات: تَكَلَّمْتُ، تَكَلَّمْتَ، تَكَلَّمْتِ. من البديهي أن دلالة هذه المقاطع مختلفة من الناحية الدلالية. ففي الكلمة الأولى، تدل «تُ» على الفاعل المتكلم، وفي الكلمة الثانية، تدل «تَ» على المخاطب المذكر، وفي الكلمة الثالثة، تدل «تِ» على المخاطبة المؤنثة.
ثانيًا: يؤثر طول المقطع أو قصره على معنى الكلمات؛ مثل: كاتِب (مقطع طويل مفتوح + مقطع قصير مغلق) وكَتَبَ (مقطع قصير مفتوح + مقطع قصير مفتوح + مقطع قصير مفتوح). من الواضح أن المقطع الطويل في الكلمة الأولى يدل على الاسم، والمقطع القصير المفتوح يدل على الفعل.
ثالثًا: أحيانًا يدل الطول المفرط للمقطع على نوع من المبالغة؛ مثلاً، في عبارة «هذا الرجُلُ طَوِيلٌ»، إذا مُدَّ المقطع الطويل المغلق «وِيل» أكثر من المعتاد، أي أُدِّيَ بمد، فإنه يدل على معنى «هذا الرجل طويل القامة جدًا».
رابعًا: لتواتر المقاطع الطويلة تأثير أكبر على المخاطب من المقاطع القصيرة. وهذا بسبب تأثير الأصوات الطويلة (آ، إي، أو) التي تتقبلها الأذن بسهولة أكبر من الحروف الصامتة، وربما بسبب الطبيعة الموسيقية لهذه الأصوات، فإن معظم الفواصل القرآنية تكون على هذا النحو: العالمين، الرحيم، الدين، نستعين، المستقيم، الرحمن، القرآن، الإنسان، المؤمنون، والكافرون.
خامسًا: للمقاطع دور في الإشارة إلى القواعد الصرفية والمشتقات أيضًا، أي أن المقطع الطويل في كلمات مثل «قاتِل» و«عامِل» يدل على اسم الفاعل، أما في «مقتول» و«معمول» فيدل على اسم المفعول. وكذلك في كلمات مثل «سميع» و«عليم» التي تدل على الصفة، فإن تسكين الحرف أو تحريكه يؤثر على نوع الاشتقاق؛ مثل: «ضَرَبَ» و«ضَرْبٌ»، وكذلك في «عبَّرَ» و«عَبَرَ»، كلتا الكلمتين ثلاثية المقاطع، ولكن بسبب التضعيف، فإن الكلمة الأولى تتعلق بتعريف الذات: «عبّر عن نفسه»، والثانية بمعنى العبور والمرور.
سادسًا: يدل تواتر وتعدد المقاطع على تواتر وتعدد المعنى، مثل: «تخريب» و«تعمير».
النبر وعلم الدلالة
أبدع الأستاذ علينقي وزيري مصطلح النبر واستخدمه (حدادي، 1376: 128). نَبْر، مِنْبَر، نَبْرَة، ارتكاز، ضغط، ودفع هي مرادفات عربية للنبر، و«accent» و«stress» هما مرادفاه الفرنسي والإنجليزي. وبالطبع، استُخدمت مصطلحات أخرى للنبر في اللغة الفارسية؛ مثل: آكسان (وزيري، علينقي 1378)، تأكيد (اختيار، 1377: 12)، آهنگ لفظي، فراز، وفشار.
وقد عُرِّف النبر على النحو التالي: «النبر هو إبراز صوتي لمقطع بالنسبة لأجزاء أخرى من نفس الكلام في مقابل كلام آخر» (ساغروانيان، 1369: 46). وفي شرح هذا المفهوم وطبيعته ورد: «طبيعة النبر الصوتية يمكن أن تكون من جنس الارتفاع أو الشدة أو امتداد الصوت أو جميعها، وما هو معتبر في النبر هو مكان النبر في الكلمة لا النبر نفسه» (نفس المرجع، 46). وفي بيان النبر أو في السعي لتعريفه بدقة، كما هو الحال في المفاهيم والمصطلحات الأخرى، نشهد مرة أخرى اختلافات في وجهات النظر بين اللغويين والباحثين. وبالطبع، فإن معظم هذه الاختلافات لا تظهر في طبيعة المصطلح نفسه، بل في تعريفه وطريقة بيانه؛ على سبيل المثال، عرّف البعض النبر، مع الأخذ في الاعتبار مراتب الأصوات، على النحو التالي: «النبر هو صوت فوق تركيبي أو صوت ثانوي secondary» (مختار عمر، 1991: 219).
عمومًا، في سياق البحث حول أصول وأسس علم الدلالة، يُعرف النبر كصوت ثانوي أو صوت فوق مقطعي بعد بحث الواج، وهو بالطبع أكثر تطبيقًا من مبحث الواج. المقصود بالنبر هو القوة والجهد النسبي لإظهار مقطع معين بحيث يُسمع بشكل أوضح من المقاطع الأخرى (نفس المرجع، 220). من الواضح جدًا أنه في معظم التعريفات التي قدمها اللغويون لمفهوم النبر، أُشير إلى إبراز مقطع معين بواسطة شدة وقوة الصوت، ومن المؤكد أن هذه الشدة والقوة تعتمدان على النشاط المضاعف لأعضاء النطق. وقد بُيِّن هذا المفهوم على النحو التالي: «النبر هو نشاط جميع أعضاء النطق في زمن واحد» (أنيس، 1995: 170). لا شك أن إبراز المقطع هو العامل المولد للنبر الصوتي، وهو أيضًا العامل المولد للمعاني المختلفة. يتحقق النبر بواسطة المقاطع، ويظهر من خلال الأداء الصوتي للكلمات في الكلام، ولهذا السبب يرتبط بعلم الدلالة (عكاشة، 2011: 43).
عمومًا، يقسم معظم اللغويين النبر إلى قسمين: 1. نبر الكلمة؛ 2. نبر الجملة.
1. نبر الكلمة (word stress)
إبراز أحد مقاطع الكلمة، وهو يختلف في اللغات المختلفة؛ مثلاً، في اللغة العربية، في الكلمة التي تُؤدى على وزن «فاعَلَ»، يقع النبر على المقطع الأول «فا»، وفي اللغة الفارسية، يقع النبر على المقطع الثاني «عَلَ». وفي نبر الكلمة بدوره يوجد قسمان:
أ) ثبوت النبر: يبحث هذا القسم في ثبوت مكان النبر في بعض اللغات؛ على سبيل المثال، «في اللغة الفرنسية، يقع النبر دائمًا على المقطع الأخير» (أبو سكين، 2000: 54).
ب) انتقال النبر: أحيانًا، وبمقتضى القواعد الصرفية، ينتقل مكان النبر من مقطع إلى مقطع آخر؛ مثلاً، في كلمة على وزن «كَتَبَ»، «كَتَبَا»، «كَتَبُوا»، يقع النبر على المقطع الأول «كَـ»، ولكن في كلمة على وزن «يَكْتُبْنَ»، يقع النبر على المقطع الثاني «ـتُبْـ»، وفي كلمة على وزن «يَكْتُبُ»، يقع النبر على المقطع الثاني «ـتُـ».
2. نبر الجملة (Sentence stress)
يُطلق على إبراز كلمة بجميع مقاطعها بالنسبة لسائر الكلمات المجاورة للتأكيد على مفهوم ومعنى تلك الكلمة اسم نبر الجملة؛ مثلاً، في آية ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (يوسف: 30)، من الممكن أن تُقرأ هذه الآية بشكل مباشر ودون نبر، ولكن إذا أُبرزت كلمة «امرأت»، يتجه ذهن السامع نحو امرأة متزوجة ارتكبت مثل هذا الخطأ الفادح، وقد يكون التحليل الذهني على هذا النحو: يا لسوء ما فعلت! لو كانت عذراء، لربما وُجد مبرر! وإذا أُبرزت كلمة «العزيز»، يُطرح في ذهن المخاطب هذا السؤال: وهي زوجة من؟ زوجة عزيز مصر!! ما الذي كان ينقص هذه المرأة؟ وإذا أُبرزت عبارة «تراود»، يتم التأكيد على مفهوم مفاده أن المراودة عادة ما تكون من جانب الذكر، بينما يختص جانب الأنثى بالدلال والغنج والامتناع. ولكن هذه المرأة سمحت لنفسها بأن تهبط بكرامة ومكانة جنسها الأنثوي بخطئها، وتراود هي الجنس المخالف. أما إذا أُبرزت كلمة «فتاها»، فسيتبع ذلك هذا السؤال، الذي هو في الواقع استفهام إنكاري: والمراودة مع من؟ ليس مع نظيرها في الطبقة، بل مع عبد اشترته.
وبخصوص تأثير النبر في علم الدلالة، يمكن الإشارة إلى النقاط التالية:
أولاً: يمكن للنبر أن يخلق معاني مختلفة في ذهن المخاطب. كما يمكنه أن يميز بين كلمتين متماثلتين من حيث عدد ونوع وتوالي الحروف والحركات، مثل كلمة «قرارداد» في الفارسية التي يمكن نطقها كاسم وفعل بتغيير مكان النبر، وفي العربية مثل «أمَرَّ» و«أمَرَ»، على الرغم من أن حرف «الراء» في الكلمة الأولى مشدد وفي الثانية ساكن، فإنهما عند الوقف يسكنان كلاهما؛ الأولى اسم تفضيل (أكثر مرارة) والثانية فعل ماضٍ (أمر). النبر في الأولى يقع على المقطع الثاني «مَرَّ»، أما في الكلمة الثانية فيقع على المقطع الأول «أَ».
ثانيًا: إيجاد فرق بين الكلمة ونقيضها؛ مثل ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ﴾ (آل عمران: 198)، التي يمكن أن تكون جملة منفية، وذلك بوضع النبر على «ما»، فيكون معناها: لا يوجد أي خير عند الله للأبرار – والعياذ بالله -، كما يمكن أداء الجملة بصيغة الإثبات، وذلك بوضع النبر على كلمة «خير» وترك النبر على «ما»، فيكون معناها: وما عند الله خير كثير للأبرار.
ثالثًا: إبراز أدوات الاستفهام والنفي والنهي لإظهار خصوصيتها الوظيفية؛ مثل: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة: 91)، ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ (لقمان: 18)، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (الإخلاص: 3)، حيث يقع النبر على الكلمات: «هل» و«لا» و«لم». وفي الجمل الشرطية أيضًا، يقع النبر على أدوات الشرط: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ (النساء: 78). وكذلك في الجمل الطلبية، يقع النبر على الكلمات التي تتضمن معنى الطلب، سواء كانت أفعالاً أم أسماء: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (النساء: 81)، «حذارِ من السرعة».
رابعًا: الانتباه إلى المعنى المقصود في نوع السؤال. إذا سُئل: «أين محمد؟»، يكون الجواب: «محمد في الدار»؛ أي يجب إبراز الخبر «في الدار». وأحيانًا، يحدث تقديم الخبر على المبتدأ لهذا الغرض نفسه، أي عندما يُذكر «في الدار» في بداية الجواب، يكون المقصود هو أهمية الإخبار وسرعته: «في الدار محمدٌ». والآن، إذا كان السائل يبحث عن المبتدأ وقال: «مَن في الدار؟»، هنا تُبرز كلمة «محمد»: «محمدٌ في الدار».
ما سبق، أي الحديث عن الواج والمقطع والنبر، كانت مباحث تشمل الكلمة وحدها (الكلمة منفردة والكلمة في تركيب جملة). وفيما يلي، نتحدث عن تركيب الكلمات أو الجملة والكلام، والذي يشمل نغمة الكلام، والوقف، وطبقة الصوت، وغيرها من خصائص الصوت في أداء الجملة.
نغمة الكلام وعلم الدلالة
التنغيم، هو الاسم العربي و«Intonation» هو الاسم الإنجليزي لنغمة الكلام. ما يُشار إليه في جميع مراجع علم الأصوات هو أن طبقة الصوت في الكلام تظهر بأشكال متنوعة في اللغات المختلفة، وهذا الصعود والهبوط الصوتي لا يخلو من دلالة معنوية. تنوع نغمات الكلام (intonation tones) هو مبحث صوتي يتناول ارتفاع الصوت وانخفاضه واستقامته، ويمكن أن يكون له دور في التعبير عن المعاني المقصودة بشكل نسبي (عكاشة، 2011: 49). ولبيان مفهوم نغمة الكلام بدقة، والذي يُذكر في معظم المصادر الصوتية العربية تحت عنوان «التنغيم»، ولدى البعض الآخر «موسيقى الكلام» و«نغمة الكلام»، يمكن الإشارة إلى عدة تعريفات: «النغمة هي مصطلح يدل على ارتفاع وانخفاض الصوت في الكلام، ويُطلق عليها أيضًا موسيقى الكلام (نغمة الكلام)، وهي إحدى التجليات الصوتية التي لها دور ملحوظ في تحديد المعنى؛ لأن تغيير النغمة قد يؤثر في تغيير معنى [الجمل]، وهذه الميزة توجد في كثير من اللغات، مما يسبب فرقًا بين الجمل الخبرية أو الاستفهامية» (الجوارنة، بدون تاريخ: 3). باحث آخر، اتخذ الجانب التطبيقي معيارًا لتعريفه، فيقول: «نغمة الكلام مصطلح يستخدمه علماء الأصوات للمنحنى النغمي للجملة أو بعبارة أخرى لارتفاع الصوت في سلسلة الكلام» (نورالدين، 1992: 119). نطاق مفهوم «نغمة الكلام» في هذا التعريف أيضًا كان موضع اهتمام مقدمه الذي أورد: «النغمات والوقفات المناسبة للكلام، سواء كانت في كلمة واحدة أو في عبارة أو في جملة، تشملها مباحث نغمة الكلام» (الخولي، 1998: 47). في الحقيقة، نغمة الكلام من وجهة نظر الكاتب تحدث في الجملة، ولا يوجد أي تعارض بينها وبين مبحث الواج والنبر. وبالطبع، ذكر السيد «الخولي» في التعريف أعلاه كلمة «كلمة» ليكون تعريفه أشمل؛ لأن ایشان في تعريف نغمة الكلام أضاف الوقفات (الدرنكات)، ومبحث الوقف الذي سنتناوله لاحقًا يشمل الكلمة والجملة، ولكن في الواقع، بروز ودور الوقف في الجملة أوضح بكثير منه في الكلمة. على أي حال، تتكون سلسلة الكلام من عبارات قصيرة ومتوسطة وطويلة، تحدث بينها وقفات وتوقفات قصيرة جدًا لتمييزها عن بعضها البعض. هذه العبارات والمقاطع تُؤدى بوزن ونظام خاص لبيان مقصد معين، ولا شك أن الإنسان لديه ميل غريزي أقوى للكلام الموزون والمنغم (قدوري الحمد، 2002: 256)؛ من هنا، فإن الموقف والظروف المختلفة التي يمر بها الإنسان، سواء في مقام المتحدث أو في مقام المخاطب، لها تأثير بالغ في نغمة الكلام، وبالتالي في علم الدلالة؛ فنغمة الكلام ظاهرة تعتمد كليًا على (سياق الحال)؛ أي أن وضع وحال وهوية المتحدث والمستمع لهما دور مباشر في نغمة الكلام. وكذلك وجود المخاطب أو عدم وجوده، وموقعه ومكانته، وظروفه النفسية والاجتماعية، وأوضاعه الثقافية والسياسية، وغيرها… كل هذه الأمور تؤثر قطعًا في نغمة الكلام من حيث علم الدلالة» (نورالدين، 1992: 122).
وبهذا يُلاحظ أن نغمة الكلام، من هذه الناحية، تشبه النبر في أنها تحدث فقط في الكلام المنطوق لا في الكلام المكتوب. وبالطبع، في الكتابة، ولإظهار نغمة الكلام، تُستخدم علامات الترقيم مثل علامة الاستفهام، والفاصلة، وعلامة التعجب، وغيرها. ومن البديهي أن ظاهرة النغمة في الكلام أوضح وأكثر شفافية منها في الكتابة؛ لأن النغمة في الكلام تعني أن تغييرات نغمية متناوبة تحدث في الصوت، حيث ينتقل الصوت أحيانًا من الطبقة المنخفضة إلى الطبقة المرتفعة، وأحيانًا من المرتفعة إلى المنخفضة. هذا الصعود والهبوط المتناوب للصوت يخلق نغمة تجعل المعاني تصل إلى أذن المخاطب بشكل أبلغ. كل هذا الهبوط والصعود الصوتي يتبع حالات المتحدث الذي يتكلم بأي إحساس. ومن هذه النغمة يمكن تشخيص الكلام المصحوب بالرضا، والاعتراض، والغضب، واليأس، والأمل، والشك والتردد، واليقين، والتكبر، والتواضع، والسؤال، والتعجب، والنفي والإثبات، وغيرها. وأحيانًا، تفقد الجمل في نغمة الكلام معناها الظاهري؛ مثلاً، عندما يكون الاستفهام مصحوبًا بالتعجب، فإنه، على الرغم من وجود أدوات استفهام فيه، ينقل معنى الخبر. يقول ابن جني في هذا الصدد: «كلما اقترن لفظ الاستفهام بالتعجب، تحول إلى خبر. عندما تقول: مررتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ؟ فقد مررت برجل، أي رجل هو؟ قطعًا مرادك جملة خبرية لا استفهامية» (ابن جني، 1986: 3، 269). وفي القرآن الكريم أيضًا، نجد هذا المفهوم في هذه الآية، حيث يخاطب الله تعالى حضرة عيسى عليه السلام فيقول: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ…﴾ (المائدة: 116)، حيث الاستفهام فيه صورة ظاهرية، وهو في الواقع تقرير وبمعنى النفي «ما قلت للناس».
الوقف وعلم الدلالة
يبدو أنه بالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين نغمة الكلام والوقف، من الأفضل أن نتناول شرح وتوضيح مصاديق وأمثلة نغمة الكلام ضمن استعراض وتوضيح الوقف. يعد الوقف من الأمور المهمة التي تصاحب دائمًا نغمة الكلام، وهو وقفة قصيرة جدًا تُنشأ بين عبارات الجملة لتحديد نهاية كلمة وبداية الكلمة التالية. تسمى هذه الظاهرة اللغوية في اللغة الفارسية «درنگ» (توقف)، وفي اللغة العربية غالبًا «مفصل» (Juncture)، وأحيانًا «وقفة» (Pause). الوقف هو توقف قصير في سلسلة الكلام، قد يكون لأخذ نفس، أو للتأكيد، أو لتجنب تداخل الكلمات المتتالية. لا يُصنع الوقف من سمات صوتية محددة، بل من تغيير في السمات الصوتية المختلفة مثل المد، والتفخيم، والترقيق، والجهر، والهمس، وغيرها… عند الحد الفاصل بين وحدتين صوتيتين أكبر من الصامت والصائت، ويُشار إليه في الكتابة الصوتية بعلامة [+] (ساغروانيان، 1369: 167). وفي تعريف آخر ورد: «الوقف هو وقفات قصيرة بين الكلمات أو المقاطع في سلسلة الكلام بهدف بيان مكان نهاية كلمة أو مقطع، وكذلك بيان بداية كلمة أو مقطع آخر» (عكاشة، 2011: 52).
يقسم اللغويون الوقف إلى ثلاثة أقسام:
1. الوقف المغلق (Close Juncture):
وهو الوقف الطبيعي والبسيط بين الأصوات في كلمة واحدة، ويعني أن الحروف والحركات تكون قابلة للتمييز بوضوح للمخاطب، ولا توجد له علامة في الكتابة الصوتية.
2. الوقف المفتوح الداخلي (Open internal Juncture):
وهو وقف يحدث بين الكلمات، ويميزها عن بعضها البعض، ويمنع تداخلها، ويشمل علامات الإعراب في التركيب، ويُشار إليه صوتيًا بـ[+]، وهو من المصطلحات الخاصة بعلماء اللغة. في آية: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ [+] لَهَا﴾ (الزلزلة: 5)، إذا وُضع محل الوقف بين كلمة «أوحى»، فسيصبح: «بأن ربك أوحى لها»، وهو خطأ فادح. وفي هذا البيت الشعري لأبي الفتح البستي، يتضح مصداق الوقف تمامًا:
إذا مَلِكٌ لم يكُن ذا [+] هِبَةٍ فَدَعْهُ فَدَوْلَتُهُ ذاهِبَهْ
توجد كلمة «ذاهبة» في كلا شطري البيت، «ذا» في الشطر الأول بمعنى صاحب، و«هبة» بمعنى عطاء، أما «ذاهبة» في الشطر الثاني فهي اسم فاعل مؤنث من الفعل «ذَهَبَ». وهنا يمكن للوقف الصوتي أن يحدد الحد الفاصل بين معنى الكلمتين.
3. الوقف المفتوح الخارجي (Open external Juncture):
وهو وقف يحدث فقط في نهاية العبارات التامة من حيث المعنى، ويفضل أن يكون في نهاية الجمل. هذا القسم له ثلاث علامات في الكتابة الصوتية ترتبط بطبقة الصوت (Pitch):
العلامة الأولى: [↑] تشير إلى الطبقة الصوتية المرتفعة، وتُنفذ عادة في الجمل الإنشائية من أمر ونهي واستفهام وجمل شرطية.
العلامة الثانية: [↓] تشير إلى الطبقة الصوتية المنخفضة، وتُنفذ عادة في الجمل الخبرية.
العلامة الثالثة: [→] تشير إلى الطبقة الصوتية المتوسطة، وتُستخدم عادة للجمل المتصلة والمستمرة.
هذا النوع من الوقف بعلاماته يتجلى في الآية التالية على هذا النحو: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ [↑] قَالَ أَنَا يُوسُفُ [→] وَهَٰذَا أَخِي [→] قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا [→] إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ [↑] فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [↓]﴾ (يوسف: 90).
الخاتمة
في رأي الكاتب، ظاهرة اللغة بشكل عام لا تزال مليئة بالعجائب بالنسبة لكثير من اللغويين. ما قُدِّم في هذا المقال هو في الحقيقة دراسة لجزء صغير ولكنه مهم جدًا من هذه الظاهرة العجيبة. وقد بُيِّن في المقال كيف يمكن للتغيرات الصوتية أن تؤثر في علم الدلالة، وكيف يمكن لهذا الأمر بدوره أن يكون حاسمًا في شرح وتفسير كثير من المفاهيم الكامنة في النصوص المختلفة، خاصة النصوص المقدسة كالقرآن. في دراسة العلاقة الوثيقة بين علم الأصوات وعلم الدلالة، اتضح تمامًا التأثير العميق للأقسام المختلفة من علم الأصوات على علم الدلالة، مع التركيز على اللغة العربية (لغة القرآن)، حتى في المواضع التي تبدو ظاهريًا غير مؤثرة في المعنى، أو ربما لا تستحق التأمل في نظر الكثيرين؛ مثل النبر والوقف وغيرها. بقليل من التأمل في مثل هذه المباحث، ندرك أن البحث المستمر في علم الدلالة وارتباطه وتأثره بسائر المباحث وجوانب اللغة المختلفة، مثل علم الأصوات ودقائقه، يمكن أن يقودنا إلى نتائج علمية قيمة ليس فقط فيما يتعلق بالمعنى وتفسير النصوص، بل أيضًا حول كشف كثير من الحقائق الخفية في صفحات التاريخ البعيد والمظلم للعالم.
كذلك، يرى الكاتب أن هذا النوع من النظر إلى الظواهر اللغوية يمكن أن يخطو خطوة في سبيل معرفة أفضل للخصائص المختلفة للمجتمعات والأمم والثقافات. أليس الإنسان قد استطاع دائمًا، من خلال الدلالات الكتابية والكلامية، أن يكتشف إلى حد كبير العلاقات بين الأقوام المختلفة في العصور البعيدة والقريبة، بل وأن يعرف خصائصهم الأخلاقية والاجتماعية؟
التطبيق الآخر لموضوع المقال من وجهة نظر الكاتب هو أنه بعد التوسع، وفي نفس الوقت، التعمق والنضج في مباحثه المختلفة، يُقدَّم للمجتمع العلمي لقراء القرآن الكريم؛ لأن إحدى الهواجس الموجودة والملموسة بين قراء القرآن الكريم هي مسألة تداخل الكلمات العربية للقرآن مع بعضها البعض، وهذا الأمر لا يروق للأساتذة والقراء البارزين في العالم الإسلامي عند الاستماع إلى القراء الإيرانيين. وقطعًا، سبب هذا الأمر هو عدم إلمام القراء بدقائق علم اللغة، خاصة مباحث علم الأصوات، وارتباطه الوثيق بعلم الدلالة.
الهوامش
- ترجمة المصطلح الفارسي «Phonetics» في جميع المراجع المعتبرة تقريبًا هي «آواشناسی» (علم الأصوات)، على الرغم من أن السيد بابك أحمدي ترجمها إلى «آواییک» (صوتيات). أما ترجمة «Phonology» فتختلف في بعض المراجع. فقد ترجمها الدكتور لطف الله ياراحمدي في كتاب «مدخل إلى علم الأصوات» (ص 10) بـ«صوت شناسی» (علم الصوت)، وترجمها الدكتور محمود شكيب أنصاري في كتاب «دروس في فقه اللغة العربية» (ص 91) بـ«واج شناسی» (علم الفونيمات).
- في كثير من كتب التجويد وعلم الأصوات، سُميت الفئة الأولى بالصوائت والثانية بالصوامت، وقد سمى الدكتور إبراهيم أنيس في كتاب «الأصوات اللغوية» الفئة الأولى بالأصوات اللينة والثانية بالأصوات الساكنة. ولأن هذه التسمية قد تسبب لبسًا وغموضًا للقارئ، فقد ترجمناها إلى الأصوات الصائتة والأصوات الصامتة.
- كلمة «حرف» (Graph) هي علامة كتابية لها استخدام صوتي أو مقطعي؛ مثل الحروف الهجائية في اللغات الحديثة، وكذلك العلامات الهيروغليفية، أي كل علامة مكتوبة تسمى «Graphic Symbol».
- استُخدم مصطلح «آهنگ لفظی» (النغمة اللفظية) لأول مرة في إيران بواسطة حسن فؤادي في مقالته، ومن الأفضل استخدامه للجملة لا للكلمة.
- توضيح هذه النقطة بالغ الأهمية، وهو أن عد المقاطع في كتب اللغويين الغربيين يتناسب مع الخط الكتابي اللاتيني، كما هو الحال في الرياضيات، من اليسار إلى اليمين. وفي كلمة «فاعِل»، يُعتبر مقطع «فا»، وهو المقطع الأول، في حساب الغربيين المقطع الثاني. وفي هذا المقال، ترتيب المقاطع يتبع طريقة الكتابة في اللغتين الفارسية والعربية من اليمين إلى اليسار.