ضرورة تهذيب أصول الفقه من المباحث الزائدة

الملخص

يعدّ علم أصول الفقه، بوصفه علماً آلياً ومقدّمياً للفقه واستنباط الأحكام الشرعية، ضرورة حتمية لا يمكن الاستغناء عنها. إن كل علم، على الرغم من فائدته واشتماله على مباحث ضرورية، قد تعتريه آفات وإشكالات تلقي بظلالها على فوائده. من هنا، تُعتبر الدراسة النقدية للعلوم من أهم متطلبات سلامة الحركة العلمية وديناميكيتها، والتي قد يؤدي إغفالها إلى خسائر فادحة. من بين الإشكالات التي تواجه علم أصول الفقه المبارك منذ القدم، النظرة الاستقلالية إليه وخروجه عن طابعه المقدّمي والآلي للفقه، وما يترتب على ذلك من تضخم وتكاثر للمباحث الزائدة التي لا دور لها في مقام الفقه. يسعى الكاتب في هذا المقال، مع التأكيد على ضرورة علم أصول الفقه وإثبات هذه الحقيقة، إلى تحديد مداخل ورود المباحث الزائدة فيه، ليقدم التضخم بوصفه آفة خطيرة على أصول الفقه، ويثبت ضرورة تهذيب هذا العلم من المباحث الزائدة.

ضرورة علم أصول الفقه وتاريخ تدوينه

ينشأ كل علم بهدف تلبية إحدى الحاجات الواقعية للإنسان. للإنسان حاجات متفاوتة ومتعددة، ولكي يلبي تلك الحاجات، وبتعبير أدق، ليجلب المصالح الحقيقية ويدفع المفاسد عن نفسه، يجد نفسه محتاجاً إلى اكتساب المعارف والعلوم التي تمكّنه من تحقيق تلك المصالح المعروفة وتأمين حاجاته الواقعية، ليصبح أكثر كمالاً أو بتعبير أدق «أكثر إنسانية». تكون المعارف والعلوم الإنسانية في البداية مجرد قضايا قليلة ومتفرقة لا تندرج ضمن علم ونظام معين. ثم تنمو هذه الأفكار المتناثرة تدريجياً. إن تعقيدات حياة الإنسان نتيجة تزايد السكان، ونمو العقول البشرية، والميل إلى تسهيل وتسريع تلبية الحاجات، تؤدي إلى نمو العلوم وتعقيدها، ومع مرور الوقت، تكتسب القضايا العلمية في كل مجال تميزاً ملحوظاً عن المعارف والعلوم المتعلقة بالمجالات الأخرى. بعد هذا التميز والاستقلال النسبي للقضايا العلمية في مختلف المجالات، تتشكل الحوارات العلمية وتتضارب الآراء بين أهل ذلك العلم، ومع مرور الزمن تصبح تلك الأفكار أكثر شفافية وفعالية، وتتخذ شكل «تخصص»، بحيث لا يعود للآخرين القدرة على الحديث وإبداء الرأي في ذلك المجال، إلا بعد التعلم والتلمذة على يد أهله. ولكن، سواء الحوار الداخلي بين أهل العلم حول قضاياه أو تعليمه للتلاميذ والأجيال القادمة، فإنه يتطلب جمع تلك الأفكار في مجموعة واحدة؛ إذ من البديهي أن وجودها بشكل ارتجالي وإجمالي يعيق نموها ونضجها، كما يضع عقبات أمام تعليمها. من هنا، يظهر في كل مجال من مجالات العلوم نوابغ يقومون بجمع الأفكار الموجودة وتنظيمها وتنسيقها، فيشرعون في تأليف وتدوين العلم.

تأسس علم الأصول على يد المعصومين عليهم السلام، وبالأخص الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام، كما دُوّنت بعض المباحث الأصولية بفضل جهود أصحابهم الفقهاء. والرواية المشهورة عن «إلقاء الأصول» من جانب الأئمة لبعض أصحابهم وأمرهم بـ«تفريع الفروع» من جانبهم، هي دليل قاطع على وجود الفكر الأصولي والابتعاد عن الظاهرية الصرفة لدى أهل البيت عليهم السلام.

هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: «إِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُلْقِيَ إِلَيْكُمُ الْأُصُولَ وَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُفَرِّعُوا» (ابن إدريس، ١٤١٠: ٣/ ٥٧٥)؛ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ: «عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الأصول إِلَيْكُمْ وَ عَلَيْكُمُ التَّفَرُّعُ» (نفسه).

بناءً على ذلك، كان التفكير الأصولي، أي القدرة على الفهم العميق للدين وتفريع الفروع من أصول محددة وتجنب الاكتفاء بالظواهر، شائعاً منذ زمن أهل البيت عليهم السلام، حتى إن بعض أصحابهم المتمكنين والفقهاء قد ألفوا رسائل منفردة في بعض الموضوعات الأصولية. على سبيل المثال، لهشام بن الحكم رسالتان في أصول الفقه: إحداهما كتاب «الألفاظ ومباحثها» والأخرى كتاب «الأخبار وكيف تصح» (الحسني وعلي بور، ١٣٨٥: ٢/ ٥١١). كما أن يونس بن عبد الرحمن، من تلاميذ الإمام الرضا عليه السلام، ألّف كتاب «اختلاف الحديث»، ودارم بن قبيصة، وهو أيضاً من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام، ألّف كتابي «الوجوه والنظائر» و«الناسخ والمنسوخ» (النجاشي، د.ت: ١٦٤).

حتى زمن حضور المعصومين عليهم السلام بين الناس، كان ذلك القدر من الأصول الذي يلقونه على أصحابهم كافياً لعملية الاستنباط. ولكن الحقيقة هي أن عملية الاستنباط كانت تتبع سلسلة أخرى من الأصول والقواعد التي كانت في معظمها ارتجالية، ومع غيبة أهل البيت عليهم السلام، ظهرت الحاجة إلى تفصيلها. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت في عصر الغيبة مسائل مستحدثة لم يكن استنباط حكمها الشرعي بالسهولة التي كانت عليها المسائل السابقة، وكانت تتطلب أدوات أكثر. هذه الفروقات تبرز ضرورة تطوير أصول الفقه وإضافة مباحث جديدة إلى المباحث السابقة وتدوين دورات أصولية شاملة. لهذا السبب، نرى أن فقهاء الشيعة العظام، الذين لم يشعروا بمثل هذه الضرورة حتى زمن الحضور، قد شرعوا مع بداية عصر الغيبة في تدوين دورات أصولية شاملة، حيث يعتبر كتاب «الذريعة إلى أصول الشريعة» للسيد المرتضى و«العدة في أصول الفقه» للشيخ الطوسي من أوائل هذه المصنفات.1 يصرح الشهيد الصدر بأن الحاجة إلى علم أصول الفقه هي حاجة تاريخية، بمعنى أنه كلما ابتعدنا عن زمن صدور الروايات، زادت الحاجة إلى علم الأصول. ويقول إن علم الأصول لم ينشأ كلعبة فكرية، بل نشأ استجابة للحاجة الماسة في عملية الاستنباط إلى قواعد لازمة لها (الصدر، ١٣٩٥: ٥١).

تأثر أصول الفقه الشيعي بأصول فقه أهل السنة

ذكرنا أن الحاجة إلى تدوين دورات أصولية كاملة وتوسيع مباحثها كعلم مستقل، نشأت بشكل أساسي من البعد عن عصر المعصوم والفاصل الزمني عن صدور النص. وقد حدثت هذه المشكلة في فقه أهل السنة في وقت أبكر بسبب عدم قبولهم للمرجعية العلمية لأهل البيت، ولذلك فإن تدوين الدورات الأصولية الكاملة من قبلهم يسبقنا؛ إذ إن زمن فقدان النص بالنسبة لأهل السنة بدأ بوفاة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أما بالنسبة للشيعة فقد بدأ بعد غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه. ولهذا السبب، بدأ أهل السنة منذ أواخر القرن الثاني الهجري بتصنيف الكتب الأصولية من خلال آثار ابن إدريس الشافعي ومحمد بن الحسن الشيباني، بينما بدأ تصنيف علم الأصول لدى الشيعة بشكل واسع وشامل لمباحث متعددة، منذ أوائل القرن الرابع الهجري (نفسه: ٥٤).

بعد بدء فترة غيبة ولي العصر عجل الله فرجه، وجد الشيعة أنفسهم في غربة شديدة. فكثرة عدد أهل السنة من جهة، وسيطرتهم على الحكم والسلطة السياسية من جهة أخرى، وكثرة الحوزات العلمية وعلماء الدين لديهم من جهة ثالثة، وضعت علماء الشيعة في ضيق شديد. في ظل تلك الظروف الخانقة ومقتضيات ذلك الزمان، فإن مجرد تمكن الفقهاء وعلماء الشيعة من منع ابتلاع الشيعة من قبل أهل السنة وعلمائهم، يُعد عملاً عظيماً. لقد سعى فقهاؤنا العظام في ذلك العصر والجو غير المساعد، اقتداءً بالنهج الإداري لأهل البيت عليهم السلام، إلى تحقيق هذا الهدف المهم، وكرسوا كل جهودهم للحفاظ على كيان التشيع وبقائه. وكان من بين المجالات التي كان لا بد لهم من دخولها وإبراز وجود التشيع فيها، المجالات العلمية، وخاصة الفقهية. كان الخوض في آراء الأصوليين من العامة وبيان نقاط ضعفها وأخطائها من الضرورات التي لا مفر من الدخول فيها.

نظراً للحاجة والضرورة الآنفة الذكر، وبسبب سبق أهل السنة في تدوين الدورات الأصولية، تأثر فقهاء الشيعة في تدوينهم لأولى الدورات الأصولية بالجو السائد، فطرحوا نفس العناوين النمطية لأصول أهل السنة في كتبهم الأصولية، وسعوا من خلال تشييع تلك المباحث إلى إبراز القوة العلمية للحوزات الشيعية. في الواقع، يمكن القول إن عمل فقهاء مثل السيد المرتضى والشيخ الطوسي كان ضرورة لا مفر منها، وفي ضوء مقتضيات ذلك الزمان، كان عملاً مناسباً وصحيحاً. يصرح السيد المرتضى رحمه الله قائلاً: «ونحن نورد في كتابنا هذا الشبهات التي يعدها خصومنا حجة، ونبينها ونكشف عن معانيها ودقائقها المستورة، ثم ننتقل إلى نقضها وبيان فسادها» (علم الهدى، ١٣٧٦: ١/ ٥). إن ما يبرر عملهم هو مراعاة الجو السائد ومقتضيات زمانهم. لم يكن بإمكانهم، بسبب الهيمنة العلمية لحوزات أهل السنة، تجاهل المناخ العلمي السائد تماماً والشروع في تدوين مستقل في علم الأصول؛ لأن هذا العمل كان سيؤدي إلى نوع من العزلة العلمية للشيعة، وكانوا سيتهمون بالضعف العلمي في مجال الفقه والأصول. من هنا، كانوا مضطرين لطرح المباحث التي يطرحها أولئك وبيان وجهة نظر الشيعة وموقفهم منها.

إن تشابه العناوين المطروحة في كتب الأصول الشيعية والسنية التي أُلفت في عصر واحد، يوضح جيداً مدى تأثر فقهاء الشيعة في تدوين أصول الفقه بآراء العامة. فأساساً، كتاب «أصول السيد المرتضى» و«الشيخ الطوسي» ناظر إلى أصول أهل السنة وفي نفس القالب والهيكل، ومعظم مباحثهما مأخوذة من المسائل الجارية بين أهل السنة. ونتيجة لذلك، دخلت مسائل كثيرة، وإن كانت تجريدية، والتي أدخلها أهل السنة في الأصول بسبب المناقشات العلمية البحتة (التسلية العلمية) ودون النظر إلى فائدتها الخارجية، دخلت أيضاً في أصول الفقه الشيعي. ولهذا السبب، لا نلاحظ في فقه الشيخ أثراً كبيراً لكثير من القواعد التي بحثها في أصول فقهه.

إن الخوض في مباحث وآراء أهل السنة في أصول الفقه وسائر المجالات العلمية كان ضرورة مرتبطة بذلك الزمان. وفي القرون اللاحقة أيضاً، كان على العلماء والفقهاء الكبار أن يراعوا ضرورات ومقتضيات زمانهم، وأن يمتنعوا عن الخوض في المباحث التي تطرق إليها العلماء السابقون لضرورة زمانهم (وربما بالغوا فيها بعض الشيء). ولكن للأسف، لم يحدث هذا، ولم تُحذف تلك المباحث من كتب المتأخرين فحسب، بل زاد حجمها بشكل كبير.

لقد جعل فقهاؤنا المتقدمون أصول فقه أهل السنة محوراً لدروسهم وبحوثهم، وبهذا العمل منحوا الأقلية الشيعية مكانة مرموقة، ومن خلال نقدهم لآراء الأصوليين من العامة، صانوا الحدود الفكرية للتشيع. كان أصل هذا الإجراء حسناً وضرورياً، ولكنه كانت له أيضاً آثار وتبعات، أدى الغفلة عنها إلى فرض آثارها الضارة على جسد الفقه الشيعي. وللأسف الشديد، وبسبب غياب الإشراف الكلي لأهل البيت عليهم السلام في عصر الغيبة، أصبحت الانحرافات المذكورة في أصول الفقه الشيعي أعمق. إن مرور الزمن وزوال ضرورة الخوض في المباحث التي طرحها فقهاء العامة، كان يوجب على علماء القرون التالية عدم طرح تلك المباحث مرة أخرى، وأن يتناولوا بدلاً منها المسائل الضرورية واللازمة التي لم يتطرق إليها العلماء السابقون. ولكن للأسف، ما حدث هو أن الأجيال اللاحقة، دون الالتفات إلى ضرورات العصر السابق، اتبعوا نفس نهج أسلافهم، بل وأضافوا على بعض الأخطاء الموجودة.

من التوسع إلى تضخم أصول الفقه

كل علم، بالنظر إلى الغايات والأهداف التي خُطط لها، يحتاج إلى التطور والنماء على مر الزمن وبما يتناسب مع نمو البشرية واتساع حاجاتها في أبعاد الحياة الأخرى. وعلم أصول الفقه، بوصفه علماً يتكفل ببيان القواعد اللازمة لفهم الدين والاستنباط الفقهي، ليس مستثنى من هذه القاعدة. فالمسائل الفقهية تتزايد تعقيداً وتكاثراً بمرور الزمن ومع التطور العلمي والسكاني للبشر. ويجب على أصول الفقه أيضاً أن يولي اهتماماً للفقه في نموه وتطوره، وأن يضع ضوابط لتمكين الفقيه من صحة وقوة الاستنباط. بناءً على ذلك، نحن لا نعارض مبدأ تطوير العلوم، وخاصة علم الأصول، بل نعتقد أنه إذا مرت مئة عام ولم يحدث تطور في أصول الفقه، فإن ذلك علامة على الركود والتخلف في الفقه وجمود أصول الفقه عن مواكبة قافلة العلوم البشرية، ولا يمكن اعتبار مثل هذا الفقه حيوياً. وتزداد أهمية هذا الأمر بشكل خاص عندما يكون الفقه، الذي كان في وقت من الأوقات يجيب فقط على أسئلة الأفراد، مضطراً فجأة للإجابة على حاجات حكومية متعددة في مختلف المجالات. هنا، تصبح إضافة ضوابط لتمكين أصول الفقه وتقوية الفقيه في مقام الاستنباط ضرورة حتمية؛ قواعد وضوابط يمكنها أن تضخ دماً جديداً في شريان الدليلين الفقهيين الكليين (العقل والنقل)، وتُظهر قدرة الفقه على الإجابة في كل زمان ومكان وفي جميع المجالات الفردية والحكومية. على سبيل المثال، الخوض في بعض القواعد الكلامية المؤثرة في مقام الاستنباط، وتفصيل قواعد التفسير مثل نظام القرائن، وغير ذلك، هي من أمثلة تطوير أصول الفقه.

خلاصة القول هي أنه فيما يتعلق بأصول الفقه، يجب أن نقول إن حاجات الزمان تستدعي استنباط الإجابات، وحاجات الاستنباط تستدعي أصول الفقه؛ لذا، كما أنه لا مفر من تطوير الاستنباط لمواجهة حاجات الزمان المتزايدة، فإنه لا سبيل لتطوير الاستنباط سوى تطوير أصول الفقه.

النقطة التي يجب أن نوليها اهتماماً جاداً هنا هي عدم الخلط بين مفهومي «التوسع» و«التضخم». بنظرة إلى مفهوم «الورم»، يتضح الاختلاف المعنوي بين «التضخم» و«التوسع». يُطلق الورم على الحالة التي يزداد فيها حجم الشيء دون زيادة في وزنه. يجب أن نبحث عن معيار ومؤشر يميز حدود «التضخم» عن «التوسع». تضخم العلم هو مرض ينشأ من توسع المباحث الزائدة في ذلك العلم، أما التوسع فهو زيادة تتناسب مع حاجات الزمان وتهدف إلى تمكين العلم من تحقيق أهدافه.

تضخم المباحث الزائدة

برأينا، يجب أن يكون هذا الهاجس حاضراً دائماً في ذهن طالب العلم، وأن يسأل نفسه: ما فائدة هذا العلم أو هذه المسألة في عالم الواقع؟ هل هي مؤمّنة لهدف هذا العلم؟ بعبارة أخرى، خارج فضاء الذهن وصفحات الورق، ما هي وظيفة هذه المسألة، وماذا يضيف لي علمها، وماذا ينقص مني؟ بهذا السؤال البسيط النابع من فطرة الإنسان، يقع قسم كبير من المسائل المتداولة في العلوم في شبهة هوية ويخرج من التصنيف.

إن معيار تشخيص كون مبحث ما زائداً من عدمه هو «الغرض من تدوين ذلك العلم»؛ بحيث إذا كانت المسألة المطروحة تقع في إطار غرض وهدف ذلك العلم وتم تناولها بالقدر اللازم، فهي لازمة ومفيدة. أما إذا طُرحت مسألة في علم ما، وكانت غريبة عن غاياته وأغراضه ولا تؤدي دوراً في الوصول إلى غرض ذلك العلم، أو أنها أُطيلت بلا طائل وتم تناولها أكثر من اللازم، فإنها تُعتبر مبحثاً زائداً يجب تحديده وحذفه من دائرة مسائل ذلك العلم أو تقليل حجم البحث فيه.

المباحث الزائدة، التي دخلت أصولنا في الغالب من أصول فقه العامة حسب ضرورات الزمان، قد أدت إلى تضخم أصول فقهنا. كان ينبغي حذف هذه المباحث بعد زوال الضرورة واستقلال الحوزات العلمية الشيعية من قبل فقهاء العصور اللاحقة، وأن تُطرح بدلاً منها المباحث الضرورية والمؤثرة في الاستنباط التي كان مكانها خالياً في الأصول. للأسف، لم يحدث هذا، وظلت تلك المباحث العقيمة باقية في أصولنا، ولكن حجمها الضئيل كان سبباً في أن يبقى الضرر العلمي الناشئ عنها في حده الأدنى. لكن منذ زمن «الشيخ الأنصاري رحمه الله»، وقعت حادثة مؤسفة في أصول فقهنا، وهي أن هذه المباحث الزائدة، بدلاً من حذفها وتهذيب الأصول منها، أصبحت موضع دراسات دقيقة وزاد حجمها بشكل كبير. على سبيل المثال، بحث المرحوم الشيخ في كتاب «مطارح الأنظار»، وهو تقريرات درس خارج الأصول له بقلم المرحوم أبي القاسم الكلانتري، بحث «الصحيح والأعم» في ثمانين صفحة، وبحث «مقدمة الواجب» في ثلاثمئة صفحة، وبحث «هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده أم لا» في ست وتسعين صفحة، وبحث «جواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد» في مئة وأربع وثلاثين صفحة (الأنصاري، ١٣٨٣: ١). يجب أن نسأل: هذه البحوث التي استغرقت تقريراتها كل هذا الطول، كم سنة استمرت وكم من عمر العديد من التلاميذ أُنفق على هذه الدروس؟ للأسف، استمر هذا المسار بعد الشيخ أيضاً، وتحول التدقيق في المسائل عديمة القيمة والزائدة إلى فخر كبير في الحوزات العلمية!

يقولون إن المرحوم الميرزا حبيب الله الرشتي، الذي كان من تلاميذ الشيخ الأنصاري البارزين والكبار وله حاشية على «الرسائل»، قد استغرق في بحث «مقدمة الواجب» ثماني سنوات. وقد استنتج البعض من خلال ملاحظة هذا الوقت وحجم البحث، بالتناسب، أنه إذا أراد شخص أن يبحث دورة كاملة في علم الأصول بهذا الأسلوب، فإن دورة بحثه ستستغرق ٢٥٠ عاماً (الحسني وعلي بور، نفس المرجع: ٤٣٧).

من هنا، يجب أن نقول بصراحة إن «فاجعة علمية» قد وقعت في فقه الشيعة، وأُبعدت أذهان الفقهاء عن المسائل الفقهية الملموسة للمجتمع، وانشغلوا بمباحث معقدة وعقيمة حوّلت الاجتهاد إلى قمة بعيدة المنال، لدرجة أن البعض قال إن الاجتهاد يعني تحريك جبل بإبرة (البهبهاني، ١٤١٩: ٤).

دراسة نقدية للمباحث الزائدة

أولاً: هدر العمر والتخلف عن الأمور المهمة

من بديهيات كل إنسان أن مجرد تعلم العلم ليس فضيلة، بل يجب تعلم العلم الذي يعد تعلمه فضيلة، وهو العلم الذي يهدف إلى رشد الإنسان وهدايته وكماله. إن مجرد تكديس المعلومات في الذهن، إذا لم يؤدِّ إلى حركة وتكامل الإنسان، هو عمل لغو وعبثي يُعد خسارة في الدنيا والآخرة. كل الآيات والروايات التي وردت في فضل طلب العلم وطلاب العلم، ناظرة إلى العلوم المفيدة والمعارف التي تخلق حركة إيجابية، وتجلب كمالاً للإنسان، أو تحل مشكلة من مشاكل طالب العلم نفسه أو المجتمع البشري. لهذا السبب، عندما تشرف النبي موسى عليه السلام بلقاء الخضر عليه السلام، طلب منه الإذن ليتبعه ليتعلم منه علماً فيه رشد وهداية: «قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا» (الكهف: ٦٦). وفي رواية عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ورد أن العلم أكثر من أن يُحصى كله، فخذ من كل شيء أحسنه: «الْعِلْمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَخُذْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَهُ» (العميدي، ١٤١٦: ٢/ ٣١). بناءً على ذلك، حتى تعلم جميع العلوم المفيدة ليس في مقدور الإنسان، لذا يجب الاكتفاء بأفضل العلوم وأنفعها، وعدم إضاعة العمر الثمين في العلوم غير المفيدة والضارة فحسب، بل إن كل علم مفيد لا يستحق التعلم أيضاً، بل يجب تعلم الأنفع والأفضل، وصرف العمر في تعلم ما له قيمة.

من أبرز مصاديق إضاعة العمر في المباحث العلمية، صرف العمر في تعلم مباحث أصول الفقه العقيمة، وهي مباحث لها أقل تأثير في مقام الاستنباط الفقهي، وأصبحت عائقاً كبيراً أمام اجتهاد الطلاب الأعزاء. الإمام الخميني رحمه الله، الذي كان حساساً حقاً تجاه إضاعة العمر في المباحث الأصولية الزائدة، يقول في ذيل أحد المباحث العقيمة: «على الطلاب وعلماء الفقه والأصول أن يعرفوا قدر أعمارهم، وأن يتركوا المباحث التي لا فائدة فقهية فيها، وأن يصرفوا هممهم في المباحث المفيدة والمثمرة». ثم يقول: «لا يتوهم أحد أن في هذه المباحث فائدة علمية؛ لأن علم الأصول أساساً هو علم آلي وأداة للاستنباط الفقهي. فإذا لم يترتب على مبحث أصولي مثل هذه الفائدة، فأي فائدة علمية تُرجى منه؟» (الإمام الخميني، ١٤١٥: ١/ ٣١٧).

مقصود سماحته هو أن علم الأصول قد أُسس وبُني أساساً كعلم آلي، وكل فائدته العلمية تكمن في كونه طريقاً في مسار الاستنباط الفقهي. بناءً على ذلك، إذا لم يكن مبحث ما في هذا الاتجاه، فإنه ليس مسألة أصولية ويُعتبر فاقداً للعلمية في هذا الفرع. الآن، إذا كان له صلة بعلم آخر، فيجب نقله إلى هناك، وإذا لم يكن له صلة بأي علم، أي لا يحل أي عقدة من عقد الحياة، فيجب حذفه من دائرة المباحث العلمية. ومن هنا، كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ بالله تعالى في دعائه من العلوم التي لا تنفع الإنسان.

أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَدْعُو فِي أَثَرِ الصَّلَاةِ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ» (العميدي، نفس المرجع: ١/ ٣٨٥).

ثانياً: تهديد السلامة الذهنية لطلاب العلم

قد يعتقد البعض أن أكبر ضرر للزوائد في المباحث العلمية هو إضاعة وقت طلاب ذلك العلم. ولكن التجربة والروايات المتعددة التي بين أيدينا تظهر أن من أكبر أضرار الخوض في الزوائد هو الضرر الذي يلحق بعقل الإنسان وذهنه. الإنسان الذي يصرف عمره القصير في هذه الدنيا الفانية في أمور لا تأثير لها في سعادته وسلامته، بدلاً من صرفه في الأعمال الأساسية والسعي لسعادة الدنيا والآخرة، يكون قد كشف عن قلة عقله، وبهذا العمل الذي هو كفران لنعمة العقل والحكمة الإلهية، يعرّض فهمه وقوة ذهنه للفساد والضرر الجسيم. في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام، ورد أن تمام عقلك بترك ما لا يعنيك: «بِتَرْكِكَ مَا لَا يَعْنِيكَ يَتِمُّ لَكَ الْعَقْلُ» (التميمي الآمدي، ١٤١٠: ١٠٩٤٠).

إن فساد العقل ونقصانه هو الضرر الذي يجلبه كل عمل زائد أو بحث زائد وعديم الفائدة العملية للإنسان. ولكن الحقيقة هي أن هذا الضرر يتجلى في علم الفقه والأصول بشكل أكثر جدية وخطورة، وهو يتمثل في منع طالب العلم من الوصول إلى درجة الفقاهة. في رواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ورد أن من علامات فقه الرجل قلة كلامه فيما لا يعنيه: «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ قِلَّةُ كَلَامِهِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ» (النوري، ١٤٠٨: ٣٣/٩).

إن المباحث الزائدة في أصول الفقه، بغض النظر عن دورها العام في إضاعة أعمار طلاب العلم وتبديد أفضل أيام عمرهم وشبابهم، وبغض النظر عن دورها المهم في إفساد عقول الخائضين فيها، فإن أكبر ضرر لها هو أنها تشكل سداً عظيماً أمام فقاهة طلاب العلوم الدينية. هذه المباحث اللغوية والعقيمة توجه ذهن طالب العلم في اتجاه منحرف، وتحوّل الذهن الصافي والسليم، الذي هو شرط للاجتهاد الصحيح، إلى ذهن لا صلاحية له لهذا المقام. بعبارة أخرى، هذه المباحث، بسبب طبيعتها، تسلب سعة الأفق من الخائضين فيها، وتيئس طلاب العلوم الدينية من الوصول إلى مقام الفقاهة ودرجة الاجتهاد.

بناءً على ذلك، الفرق بين المباحث الزائدة في أصول الفقه والتضخم الموجود فيه وبين سائر العلوم هو أن هذه المباحث في علم أصول الفقه الشريف تلعب دوراً معاكساً لطبيعتها. أي أن العلم الذي من المفترض أن يمنح عالمه قوة الفقاهة وفهم الدين، يتحول بوجود هذا النوع من المباحث إلى علم مخرّب للذهن، ويجعل قارئه فاقداً للشروط اللازمة للتفقه في الدين. حقاً، من عجائب الدهر أن علماً باسم «أصول الفقه»، تُتعلم فيه قواعد وأصول التفقه، قد أصبح بحيث إن التعمق فيه والتمكن منه نتيجته ضعف الفقاهة! ولآية الله أبو الحسن الشيرازي2 كلام بليغ في هذا المجال:

«إن الخوض المفرط في المباحث غير اللازمة في الأصول يسلب من الفقيه ذلك الذهن الصافي والعرفي الذي يجب أن يمتلكه في استنباط الأحكام. ولهذا السبب، عندما كنا في النجف، لم نكن نعتبر بعض السادة فقهاء؛ لأن التعمق في الأصول قد سلب منهم الذهن اللازم للاستنباط» (آيينة داران حقيقت، ١٣٨٢: ١/ ١٦٦).

قد يقول البعض إن هذه المباحث، وإن لم تكن لها ثمرة عملية في الفقه، فإن طرحها والبحث والنقاش حولها يؤدي إلى نماء الذهن. لهذه الشبهة جوابان: أحدهما هو ما قيل من أن هذه المباحث لا تؤدي إلى نماء الذهن فحسب، بل تسبب تخريب الذهن واعوجاج السليقة، وهو ما يشكل عائقاً كبيراً أمام الاجتهاد. والجواب الثاني هو: إذا كان شخص ما يبحث حقاً عن نماء الذهن، فلماذا يتبعه في مباحث عقيمة بل ومضرة ومفسدة؟ أفضل طريق للوصول إلى هذا المقصد هو أن ينمي ذهنه بعد تعلم القدر اللازم من المباحث الأصولية والوصول إلى درجة الاجتهاد، من خلال التفكير في المسائل الفقهية الصعبة والمستحدثة وحلها. وقد قدم الإمام الخميني رحمه الله هذا الجواب أيضاً لهذه الشبهة. يقول سماحته: «إذا أردتم أن تنمو أذهانكم، فبعد تعلم تلك الفئة من المسائل الأصولية التي لها مدخلية في الفقه، انصرفوا إلى الفقه. كلما استطعتم أن تشغلوا فكركم في الفقه، فإن أذهانكم ستنمو، وسيكون هذا الفكر في مسار له ثمرة عملية» (الإمام الخميني، ١٤١٠: ٢/ ٩٨).

ثالثاً: ظهور تيار الإخبارية الجديدة

من الأضرار والآثار الخطيرة جداً للمباحث الزائدة في أصول الفقه أن بقاء هذه المباحث وعدم حذفها سيؤدي إلى ظهور تيار «الإخبارية الجديدة». توضيح ذلك أن المباحث الزائدة في أصول الفقه تشبه الأعشاب الضارة والشوك، التي إذا تجاوز حجمها في أرض زراعية حداً معيناً، فقد يتخلى صاحب الأرض عن محصوله ويتركها. إن المباحث الزائدة والمعيقة في أصول الفقه تشبه تلك الأعشاب الضارة التي صعّبت عملية الاجتهاد والفقاهة لدرجة أنها -بالإضافة إلى عوامل أخرى- جعلت الكثير من الطلاب الأذكياء والموهوبين في الحوزة ييأسون من الوصول إلى درجة الاجتهاد. إن استمرار هذا التيار ومواصلة هذه الحيرة قد يؤدي في المستقبل القريب إلى الحذف الكلي لأصول الفقه وتقوية التيارات المناهضة للأصول. حقاً، إذا كانت بعض الإفراطات الرجالية (في تضعيف الأحاديث بحجة ضعف السند) والأصولية (الدخول المفرط وغير المنضبط للعقل في مجال الاستنباط) قد أدت إلى ظهور الإخبارية، ووضعت الحوزات العلمية لأكثر من مئة وخمسين عاماً في محاق القشرية، فما هو الضمان أن استمرار الوضع الحالي للأصول بكل الإشكالات التي تعتريه -ومن أهمها كثرة المباحث الزائدة والعقيمة- لن يؤدي إلى ظهور «إخبارية جديدة»؟ والمؤلم أن هذه المباحث الزائدة والمملة تتضخم باستمرار من خلال التدقيقات وتكثير الأقوال من قبل الفقهاء المعاصرين، وهذا هو السبب الذي يجعل خطر ظهور إخبارية جديدة تقف في وجه العقلانية الأصولية أكثر جدية. أحياناً تُسمع همهمات مثل هذه التيارات الخطيرة -وإن كانت ضعيفة جداً- ولذا يجب تنظيم أمور أصول الفقه بأسرع ما يمكن، لا أن نمنح فرصة النمو لمثل هذه الأفكار الخاطئة من خلال زيادة تضخم الأصول الحالية.

تضخم أصول الفقه من منظور الأكابر

في هذا القسم، سنتناول آراء ووجهات نظر كبار فقهاء العصر لنستطلع آراءهم حول تضخم أصول الفقه والمباحث التي تُعد زائدة في بحثنا. أولاً، يجب أن نعلم أن معظم كبار الفقهاء المعاصرين يقرون بوجود ظاهرة مشؤومة تُسمى «تضخم أصول الفقه» ومباحث تُعرف بـ«المباحث الزائدة»، ويصرحون بضرورة حذفها. وبعضهم يخالف هذا الرأي. سننقل في البداية رأي المجموعة الأولى، ثم ننتقل إلى نقل ونقد رأي المجموعة الثانية. بالطبع، القائلون بوجود المباحث الزائدة وضرورة حذفها كثر، لكننا سنكتفي في هذا المقال بذكر بضعة أمثلة.

المؤيدون لحذف المباحث الزائدة

آية الله البروجردي

المرحوم آية الله البروجردي هو أول من تحدث صراحة عن تضخم أصول الفقه وتراكمه بالمباحث غير التطبيقية، وأكد على ضرورة حذفها من أصول الفقه. كتب أحد الباحثين الذين حققوا في المدرسة الاجتهادية لسماحته، أنه نُسب إلى المرحوم البروجردي قوله: «الأصول قد أصابها الورم» (أخوان صراف، ١٣٨٧: ٤١).

يقول المرحوم السيد حسين بدلا، من تلاميذه البارزين:

«كان المرحوم السيد البروجردي، بما أنه في الأصل تلميذ المرحوم الآخوند الخراساني، يتمتع بتسلط عالٍ في هذا الفرع. في بداية قدومه إلى قم، بدأ بتدريس الفقه والأصول، وكنت أحضر كلا الدرسين. بالطبع، لم يكن المرحوم مرتاحاً للأصول، وبعد فترة ترك تدريسها. وفي هذا الخصوص، قال: «درس الأصول قد تضخم أكثر من اللازم. يجب أن يأتي شخص ويشرطه حتى يزول انتفاخه ويبقى لبه فقط… هذا البسط والتفصيل الحالي للقوانين الأصولية الذي يتطلب عمراً لدراسته وثمرته غير معلومة أين تظهر، ليس ضرورياً». وكان يكرر هذا الكلام مراراً في جلسة الدرس… (بدلا، ١٣٧٩: ١٤٨).»

كذلك، يقول مقرر درس خارج الأصول للمرحوم البروجردي عن طريقة تدريسه: إنه كان يحذف في أثناء تدريسه المباحث الزائدة والحواشي، ويركز فقط على المسائل المهمة التي هي محل ابتلاء:

«فهو (مد ظله) كان يحذف في أثناء تدريسه الزوائد والحواشي، ويهم بالمسائل المهمة التي كثر الابتلاء بها، وكان يسلك في تنقيحها والوصول إلى الحق فيها، الصراط الأقوم، والمنهج الأتم، لا شرقية ولا غربية» (البروجردي، ١٤١٥: ٨).

يقول أحد تلاميذ المرحوم البروجردي عن اهتمامه بضرورة تهذيب الأصول من المباحث الزائدة:

«قبل الإمام، طرح السيد البروجردي هذا البحث، واستخدم بالضبط نفس هذا المصطلح – تضخم الأصول. كان يرغب في تهذيب علم الأصول من الزوائد، وكان بصدد كتابة مصنف تحت عنوان تهذيب الأصول. على هذا الأساس، السيد المنتظري الذي كان يكتب تقريرات درس أصول سماحته، قصد تسميتها بـ«تهذيب الأصول»، ولكن الشيخ جعفر السبحاني الذي كان يحضر درس السيد الخميني، سمى كتابه بـ«تهذيب الأصول»» (الحسني وعلي بور، نفس المرجع: ١٨٠).

الإمام الخميني (قدس سره)

من الفقهاء الكبار الذين أبدوا اعتراضات شديدة ومتكررة ضد المباحث الزائدة في أصول الفقه، وطالبوا بضرورة حذفها من الأصول، وحذروا طلاب العلم بشدة من الخوض فيها، هو الإمام الخميني (قدس سره). يقول:

«أدخل المتأخرون مسائل عدة بأقل مناسبة في الأصول، لا حاجة مباشرة إليها، ولا تعود بفائدة تذكر في هذا الفن. وفعلوا ذلك إما بقصد تمرين أذهان الطلاب، أو لتمتع هذه المسائل بثمرات علمية، أو لدورها غير المباشر والبعيد في استنباط الأحكام» (البروجردي، نفس المرجع: ١/ ٥١).

لا يرى الإمام مثل هذه الأعذار مقبولة، ويقول: «هذا عذر غير مقبول، أن يكون الخوض في تلك المباحث سبباً في تمرين الذهن والأنس بدقائق فن الأصول» (الإمام الخميني، ١٤١٠: ٢/ ٩٨). ويقول في موضع آخر: «لا ينبغي التوهم بأن في هذه المباحث فوائد علمية كامنة. فهذا التوهم خاطئ؛ لأن علم الأصول له طابع مقدمي، وقد تشكل للوصول إلى الفقه. فإذا لم تؤدِّ المباحث المذكورة إلى الوصول إلى الفقه، فأي فائدة علمية يمكن تصورها لها؟» (الإمام الخميني، ١٤١٥: ١/ ٣١٧).

من وجهة نظر الإمام، الخوض في المباحث الزائدة هو إضاعة للعمر. يقول: «المتوقع من طلاب العلم وعلماء الأصول ألا يبذلوا بسخاء في صرف الفرص والأعمار الشريفة، وأن يتركوا المباحث التي لا فائدة فقهية لها، وأن يصرفوا هممهم العالية في المباحث المفيدة والمثمرة» (نفسه).

من هنا، يقول سماحته في بحث مقدمات الاجتهاد: «من أهم مقدمات الاجتهاد مسائل أصول الفقه التي لها دخل في فهم الأحكام الشرعية. أما المسائل التي لا ثمرة لها أو أن العثور على ثمرة لها يتطلب دقة وتفصيلاً، فالأنسب ألا تكون موضع بحث، وأن يُتناول المسائل الأكثر أهمية وإثماراً» (البهبهاني، ١٤١٥: ١٠).

يقول أحد تلاميذ الإمام الخميني (قدس سره) عن اهتمامه بتهذيب أصول الفقه من المباحث الزائدة، والذي قوبل بمعارضة ساخرة من بعض المدعين:

«قال سماحته ذات مرة: «الأصول قد زادت كثيراً. يجب أن نجمعها قليلاً». أحد أصدقائنا، وهو الآن من علماء الحوزة، ذهب إليه في ذلك اليوم وقال: «النجفيون يعتبرونكم واعظاً ونحن قراء مجالس العزاء! إذا أردتم تقليل الأصول أكثر من هذا، فلن يبقى شيء». وفي اليوم التالي، قال سماحته في الدرس: «كان مقصودي ألا تزيد مباحث الأصول عن هذا الحد» (الحسني وعلي بور، نفس المرجع: ١٨٠).»

العلامة الطباطبائي

المرحوم العلامة الطباطبائي (قدس سره)، الذي كتب حاشية قيمة على «كفاية الأصول»، يرى أن تدريس وصرف العمر في مباحث أصولية لا ثمرة لها حرام.

العالم الزاهد والمخلص المرحوم الأستاذ أحمدي الميانجي، في أحد أيام شهر رمضان المبارك في مسجد صغير مفعم بالصفاء كان يرتقي منبره، قال على المنبر: «ذات يوم، ذهبت مع بعض الأصدقاء إلى محضر المرحوم العلامة الطباطبائي صاحب «الميزان»، وطلبنا منه أن يدرس لنا مبحث انسداد «الكفاية». فقال: «تدريس ذلك وصرف العمر فيه هو تضييع للعمر وحرام، لأنه لا يترتب عليه أي ثمرة»» (المختاري، ١٣٩٠: ١/ ١٦٧).

المعارضون لحذف المباحث الزائدة

آية الله محمد علي كرامي

لا يعترض سماحته على وجود مباحث في أصول الفقه تكون زائدة من الأساس ولا تأثير لها في مقام الاستنباط، بل يرى أن الزوائد تقتصر على كثرة نقل الأقوال والخوض في القيل والقال، والتي يجب تقليلها:

«صحيح أن علم الأصول بحجمه وكميته الحالية، يحتوي على مباحث قليلة الاستخدام مثل مقدمة الواجب. لكن لا ننسى أن نفس المباحث التي تُدرس حتى في مقدمة الواجب، تفتح ذهن الإنسان في تحليل المفاهيم العرفية. برأيي، الأصول التي يقل تدريسها عن سبع سنوات ليست أصولاً. مهما اختصرنا المباحث وتجنبنا قول الزوائد، تبقى مباحث كثيرة يجب أن تُقال، وهذه المباحث تتطلب وقتاً. قد يكون من الضروري في مسألة معينة قول أصل البحث، ولكن الخوض في الحواشي المختلفة والأقوال والإشكالات الصائبة أو الخاطئة التي كُتبت عليها، والجواب ونقدها، قد لا يكون ضرورياً… نحن نمتنع عن الخوض في هذه المباحث. بالطبع، في هذا العمل لا نفرط لدرجة أن نضر بأصل البحث والبنية العلمية للطلاب. قال لي أحد المراجع الحاليين في مجلس فاتحة: هل سمعت أن فلاناً قال إنه يدرس دورة أصول في أربع سنوات؟! هل يمكن قراءة وفهم «الكفاية» في أربع سنوات حتى ندرس خارج الأصول في أربع سنوات؟» (الحسني وعلي بور، نفس المرجع: ١٨٠).

سماحته، مع إقراره بقلة استخدام بعض المباحث مثل مقدمة الواجب، يعارض حذفها، ويعتقد أن هذه المباحث تفتح ذهن الإنسان في تحليل المفاهيم العرفية.

في الرد على كلامه، نقول:

أولاً، أوضحنا في الفصل السابق أن هذه المباحث، بسبب عدم تجانسها مع المسائل الأصولية، لا تعود بفائدة في مجال الفقاهة فحسب، بل تشكل عائقاً كبيراً أمام الفقاهة. وقد أوضحنا هناك أن هذه المباحث تضر بسلامة أذهان الطلاب وتسبب الخلط بين مناهج العلوم.

يدعي حضرة آية الله كرامي أن مبحثاً مثل مقدمة الواجب، رغم قلة استخدامه المباشر في الفقه، يساهم في تقوية الذهن في تحليل المفاهيم العرفية. نطلب منه أن يرينا هذه التقوية للذهن في تحليل العرفيات. ما أظهره الواقع الخارجي حتى الآن هو أنه كلما كان علماؤنا أقوى في المباحث الأصولية، ظهروا أضعف في تحليل المسائل الفقهية والعرفية. كمثال فقط، المرحوم الشيخ الأنصاري، الذي يُعتبر مبتكر إطالة المباحث الزائدة في أصول الفقه، ومنها مقدمة الواجب التي أطالها إلى ثلاثمئة صفحة، يقدم أحياناً في تفسير رواية وردت بلغة العرف ولسان المحاورة، تحليلات فوق عرفية ويكثر من الاحتمالات بشكل يثير الدهشة حقاً. فالمرحوم الشيخ يبلغ في استقصاء المعاني في الروايات إلى حد أنه يطرح أحياناً ثمانية عشر احتمالاً في معنى حديث قصير. على سبيل المثال، بمناسبة بحث قاعدة «السهو في السهو» المستفادة من رواية حفص بن البختري (الكليني، ١٤٠٧: ٣/ ٣٥٩)، يدخل في تحليل الرواية بحيث يكون السهو إما بمعنى النسيان، أو بمعنى الشك، أو أعم من النسيان والشك. وبهذه الاحتمالات يصبح معنى الرواية مجملاً. لذا يجب بحث صور المسألة كل على حدة، وبالتالي تصبح المسألة ثماني عشرة صورة. لأنه بضرب الاحتمالات الثلاثة في معنى السهو المنفي (السهو الأول) في السهو المنفي فيه (السهو الثاني)، نحصل على الرقم تسعة، وفي كل من هذه الاحتمالات التسعة، يكون السهو إما بمعنى السهو نفسه، أو بمعنى موجبات السهو، فيكون المجموع ثمانية عشر احتمالاً. وغالباً ما يبحث الشيخ هذه الاحتمالات الثمانية عشر ويدقق فيها ويرتب عليها أحكاماً مختلفة (الشيخ الأنصاري، ١٤١٣: ١٠٢). كما يلاحظ، يقوم الشيخ، كفيلسوف، ودون الالتفات إلى القرائن والشواهد الموجودة والفضاء الذهني للمخاطب، ببيان كل الاحتمالات الممكنة، وهي طريقة غير متعارفة وغير صائبة لاستظهار الجمل التي أُلقيت للعرف.

ثانياً، لماذا لا تستخدمون، لفتح أذهان الطلاب في تحليل المفاهيم العرفية، أمثلة فقهية كثيرة الاستخدام، ولا تصلون إلى هذا الغرض من خلال تحليل وبحث تلك المسائل؟ في هذه الحالة، تكونون قد حللتم عقدة من مسائل الفقه، وخلصتم أذهان طلاب العلم من المسائل الأصولية التجريدية، وعرّفتموهم بالواقعيات العرفية.

ثالثاً، إذا حذفتم الكثير من المباحث الأصولية الزائدة، مثل مقدمة الواجب، التي تبحثونها وتناقشونها بقصد فتح أذهان الطلاب وأمثال ذلك، من الأصول، فسترون أن تدريس دورة أصول كاملة لا يحتاج أبداً إلى صرف سبع سنوات من العمر.

آية الله السيد حسين شمس

ينفي سماحته صراحة وجود مرض في علم أصول الفقه يسمى التضخم، ويعتبر طرح مثل هذه المباحث ناتجاً عن تذرع الطلاب وتملصهم من عبء تحصيل العلم!

«أنا لا أقبل هذا القول بأن الأصول قد تضخمت، وأعتقد أن طرح هذه المباحث لا ثمرة له سوى إلقاء الخلاف وإضعاف الحوزة. خاصة أن تحصيل العلم عمل شاق وصعب حقاً، والإنسان المتعب ينتظر من يقول له: كفى! هذا المقدار كافٍ. الحوزة الآن تمر بمثل هذه الحالة، وتبحث عن ذرائع وتملص من عبء تحصيل العلم الثقيل. لكنني أقبل أن بعض المباحث تتكرر، وبعضها يأخذ من وقت الحوزة أكثر من فائدته، وأن اتخاذ القرار بشأنها يعود إلى المدرس. في «الرسائل» للمرحوم الشيخ الأعظم، يأتي بحث واحد أحياناً في عدة مواضع، وتكراره ليس ضرورياً. أصل البحث ضروري، لكن لا حاجة لبحثه مرة أخرى. على القائلين بالتضخم أن يبينوا أين تضخمت وأي كتاب فيه تفصيل. بل إن كتباً مثل «الكفاية» و«المعالم» هي في غاية الاختصار والإيجاز. هذه الكتب ليست متضخمة، بل هي موجزة ومختصرة للغاية» (الحسني وعلي بور، نفس المرجع: ٢٨٤).

ويقول سماحته أيضاً: «كل المباحث المطروحة الآن في علم الأصول، حتى لو كان لها تطبيق في فرع فقهي واحد أو فرعين، يجب أن تُدرس. بل أكثر من ذلك، إذا تيقنا من عدم تطبيقها، فلا ينبغي حذفها من علم الأصول؛ لأن يقين شخص ليس حجة على غيره! بحث أصولي، بكل عمقه واتساعه، إذا كان له تطبيق في مسألة واحدة فقط، فهو مرتبط بالأصول. بعض المسائل الأصولية لها تطبيق في مسألة أو مسألتين، وبعضها في مسائل وموضوعات أكثر… بناءً على ذلك، في علم الأصول، المسائل التي من المسلم به أن لها تطبيقاً، يجب أن تُدرس ولو قل تطبيقها. والمسائل المشكوك في تطبيقها، يجب أن تُدرس حتى يثبت تطبيقها أو عدمه. وفيما يتعلق بالمسائل التي نتيقن من عدم تطبيقها، فهذا حجة لمن تيقن، وليس للآخرين، لذا لا ينبغي استبعادها من علم الأصول» (نفسه: ٢٧٥).

هذا في حين أن:

أولاً، لو كان الحديث عن مرض في علم الأصول يسمى «التضخم» مقتصراً على عدد من الطلاب الشباب الذين بدأوا للتو تحصيل العلوم الدينية، لربما كان بإمكاننا أن نعتبر اعتراضهم ناجماً عن الكسل وبهدف التملص من صعوبة تحصيل العلم. ولكن إذا كان الوضع الحالي لعلم الأصول وتضخمه الشديد وتراكمه بالمباحث الزائدة وغير التطبيقية قد رفع أصوات كبار وفحول هذا العلم مثل آية الله البروجردي (قدس سره) والإمام الخميني (قدس سره)، فلا يبدو من الصحيح أن نعتبر هذه الاعتراضات ناجمة عن رذائل أخلاقية مثل الكسل ونريح أنفسنا من عناء الرد.

ثانياً، يقول سماحته: إن كتباً مثل «الكفاية» هي في غاية الاختصار والإيجاز، بينما حديثنا ليس عن كون الكتاب موجزاً أو مطولاً، بل كل الحديث يدور حول أن أصل وجود مباحث مثل مقدمة الواجب، والصحيح والأعم، والحقيقة الشرعية، والمشتق، وغيرها في كتب الأصول هو أمر غير صحيح وغير تطبيقي، وهو سبب تضخم هذا العلم، حيث إن كل هذه المباحث قد بُحثت ونُقّحت بدقة في كتاب مثل «الكفاية». دعنا نتجاوز أن الإيجاز الموجود في كتاب مثل «الكفاية» ناتج عن إغلاق عباراته الذي لا نظير له، والذي يستغرق حلها والعثور على مراجع ضمائرها وقتاً وجهداً من الطلاب أكثر من قراءة نص طويل!

ثالثاً، إن كون بحث أصولي زائداً من عدمه له معيار، وهو تأثيره الواضح في مقام الاستنباط وحل عدة فروع فقهية. عندما يفتقر بحث أصولي إلى مثل هذا التطبيق، فهو زائد. لذا، لا مجال للشك في كون بحث ما في أصول الفقه زائداً من عدمه؛ لأنه إذا ادعى أحد عدم كونه زائداً، فعليه أن يبين بوضوح ثمرة ذلك البحث في الفقه. وكذلك حيث نتيقن من كون بحث ما زائداً، فإذا كان يقيننا يقينًا نوعيًا، أي توصلنا إليه من خلال التجربة والاستنتاج العلمي الذي يُكتسب بطرق متعارفة ونوعية، فيجب أن نجعله هو الملاك في العمل؛ لأن مثل هذا اليقين حجة لنا وللآخرين، إذ إن كون اليقين نوعياً يعني أن أي شخص آخر لو كان في موقعنا لوصل إلى نفس المعرفة.

خلاصة القول هي أن الطريق الصحيح في تمييز المسار الصحيح من الخاطئ والحق من الباطل، هو الحركة على أساس المحكمات والحجج العقلانية. وضرورة حذف أو عدم حذف مبحث أصولي ليست مستثناة من هذه القاعدة. عندما صرح كبار علم أصول الفقه بشأن بعض المباحث بأن «لا ثمرة لهذا البحث» (مصابيح الأصول، ١/ ٩٤) أو «ليست لهذا البحث ثمرة واضحة، وما ذكر من الثمرة فرضية» (الإمام الخميني، ١٤١٥: ١/ ١٣٨) وغيرها، ثم نحن كلما فكرنا لم نجد ثمرة فقهية واضحة لذلك البحث، فبأي حجة نهدر أعمار الطلاب الشريفة في تعلم ومناقشة ذلك المبحث؟ حقاً، ما هذا المنطق الذي يجعلنا نقول في حذف بحث أصولي لا ثمرة له بشكل شبه بديهي إنه لا حجة لدينا، ولكننا لا نتردد في إتلاف شهور وسنوات من أعمار الآخرين وتخريب أذهانهم بمباحث كهذه؟

بعض أهل النظر

طرح بعض أهل النظر وأساتذة الدروس العليا ملاحظات بشأن تضخم أصول الفقه، وسنتناول عرض ادعاءاتهم ونقدها بإيجاز دون ذكر أسمائهم:

  • لسنا نعتقد بتضخم الأصول، وهذه الكلمة مجحفة. إذا قلنا إن هناك بحثاً لا فائدة منه على الإطلاق وهو مجرد إضاعة للوقت، فمثل هذا الشيء لا وجود له في الأصول. طبيعة تكامل العلوم تقتضي أن تصبح بعض المسائل تدريجياً واضحة لدرجة أنها تصبح من المسلمات، وهذا ليس تضخماً.
  • وظيفة الأستاذ أن يتناول كل سؤال يُطرح. وهذا هو ما يسبب النمو. لا ينبغي القول لأن هذا السؤال يسبب تضخم الأصول، نتغاضى عنه. في الماضي، كان عدد الطلاب والإمكانيات قليلاً، أما اليوم حيث الإمكانيات وعدد الطلاب أكبر، فمن الطبيعي أن تكون الأسئلة أكثر. والسؤال يحتاج إلى جواب.
  • أن نتوقع أن تكون لكل المسائل ثمرة عملية مستقلة هو خطأ. الكثير من المسائل تُطرح لإضفاء الطابع العلمي على مسائل أخرى.

في الرد على هؤلاء الأعلام، نقول:

أولاً، إن معيار كون مبحث أصولي زائداً من عدمه موجود، ونحن نحتج عليكم بنفس المعيار. المعيار هو أن يكون للبحث ثمرة واضحة في مقام الاستنباط وحل عدة فروع فقهية. وإذا لم يكن كذلك، فهو زائد. أنتم الذين تدعون أن استخدام كلمة «تضخم» بشأن أصول الفقه مجحف، بينوا الثمرات الواضحة لمباحث مثل مقدمة الواجب، والمشتق، والصحيح والأعم، وغيرها، التي عُرفت بأنها مباحث زائدة.

ثانياً، صحيح أن طبيعة تكامل العلوم تقتضي أن تصبح بعض المسائل تدريجياً واضحة لدرجة أنها تصبح من المسلمات، ولكن بالضبط لنفس السبب «اقتضاء تكامل العلوم»، يجب أن تُطرح تلك المسائل للجيل الجديد بشكل مختصر وواضح، ويتم تجاوزها بسرعة؛ لا أن يصبح حلها أكثر تعقيداً ويطول زمانه. المعضلة التي نواجهها الآن في أصول الفقه ليست أن مسائل الأصول السابقة أصبحت بديهية، بل أن المسائل التي كانت تُحل وتُفصل في بضع صفحات في السابق، أصبحت أكثر تعقيداً وطولاً، وهذا هو أحد أسباب التضخم. بالإضافة إلى ذلك، يقر جميع الكبار والفقهاء بأن مسائل الأصول هي مسائل عقلانية. وميزة المسائل العقلانية أنها ليست معقدة بطبيعتها، وهي واضحة عند عموم العقلاء، وفي النهاية يجب في المباحث العلمية تفصيل الارتكازات العقلانية بشأنها. وميزة هذا النوع من المسائل أن التوضيحات والبحوث العلمية المعقدة، خاصة إذا كانت ذات طبيعة غير متجانسة، تسبب زيادة تعقيدها وعدم وضوحها، وهو بحد ذاته أحد أسباب التضخم. على سبيل المثال، يمكن اعتبار مباحث حجية خبر الواحد، والظواهر، وغيرها، من هذا النوع من التضخم في الأصول.

ثالثاً، ليس صحيحاً أن نكلف الأستاذ بالإجابة على كل سؤال، بل الأستاذ الجيد هو من يتولى تربية أذهان الطلاب ويمنعهم من الدخول في مجالات لا فائدة منها أو هي مجرد فرضيات. وتزداد وظيفة الأستاذ هذه ثقلاً عندما يكثر عدد الأسئلة. يجب على الأستاذ أن يتولى إدارة الأسئلة ولا يسمح بأن يتغير اتجاه المباحث العلمية في الدرس بأي سؤال. في رواية، ورد أن زرارة سأل الإمام الصادق (عليه السلام) هل واجبنا أن نسألكم؟ قال الإمام: نعم. قال زرارة: فهل واجبكم أن تجيبوا على أسئلتنا؟ قال الإمام: لا، بل إن اختيار الإجابة أو عدمها يعود إلينا.

عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَىٰ: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ»، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «نَحْنُ هُمْ». قَالَ: قُلْتُ: عَلَيْنَا أَنْ نَسْأَلَكُمْ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَعَلَيْكُمْ أَنْ تُجِيبُونَا؟ قَالَ: «ذَاكَ إِلَيْنَا» (الصفار، ١٤٠٤: ٣٩).

إن السيرة العملية لأهل البيت (عليهم السلام) تبين أيضاً هذا النهج، حيث لم يكونوا يجيبون على الأسئلة غير المفيدة والترفيهية، وكانوا ينهون أصحابهم عن الأسئلة العبثية ويشجعونهم على الأسئلة المفيدة. في رواية، ورد أن أبا بصير سأل الإمام الصادق (عليه السلام) هل الحور العين من خلق الدنيا أم من خلق الجنة؟ فقال الإمام: ما شأنك وهذا! اذهب وصلِّ، فإن آخر وصية للنبي كانت الصلاة.

عَنْ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ: سَأَلَهُ أَبُو بَصِيرٍ – وَأَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ – عَنِ الْحُورِ الْعِينِ، فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الدُّنْيَا، أَوْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ: «مَا أَنْتَ وَذَاكَ! عَلَيْكَ بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ آخِرَ مَا أَوْصَىٰ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ» (الحميري، د.ت: ٣٦).

رابعاً، إذا كانت لدينا مسائل مفيدة وتطبيقية في أصول الفقه، يتوقف فهمها على بعض المباحث الأخرى، وبدونها لا يمكن أن تصبح علمية، فإن طرح تلك المسائل المقدمية لا إشكال فيه، بل هو لازم وضروري. كل حديثنا في بحث تضخم أصول الفقه ووجود المباحث الزائدة، هو عن مباحث ومسائل لا ثمرة مفيدة وتطبيقية لها حقاً، لا بشكل مستقل ولا كمقدمة علمية لفهم مبحث مفيد.

الخاتمة

  1. علم أصول الفقه ضرورة تاريخية وحتمية، وبدون العقلانية الأصولية لا يمكن الوصول إلى فقاهة موثوقة والاكتفاء بالاستنباط من النصوص الدينية.
  2. مع بداية عصر الغيبة، وبسبب الضرورات المتزايدة، أقدم فقهاء الشيعة على الخوض في المباحث الأصولية وتدوين الدورات الأصولية الجامعة. وكان عملهم متأثراً بأصول أهل السنة بسبب تقدمهم في الخوض في الأصول ومقتضيات ذلك الزمان، ومن هنا تأثر أصول فقه الشيعة بأصول العامة.
  3. كان يجب على فقهاء العصور اللاحقة، بعد زوال الضرورة السابقة وتغير المقتضيات، أن يقوموا بحذف تلك المباحث. ولكن لم يحدث ذلك فحسب، بل منذ زمن المرحوم الشيخ الأنصاري، تضخمت هذه المباحث بشكل مذهل، وزادت من تضخم الأصول.
  4. من بين الأضرار الجسيمة للمباحث الزائدة في أصول الفقه، يمكن ذكر التخلف عن الأمور المهمة، وإهدار أعمار طلاب العلوم الدينية، وتخريب أذهان الباحثين، وخطر ظهور تيار الإخبارية الجديدة.
  5. كثير من كبار فقهاء وأصوليي العصر يقرون بوجود مباحث زائدة في أصول الفقه، ويعتقدون بضرورة حذفها من دائرة المباحث الأصولية، خاصة في الكتب الدراسية.
  6. بعض أهل النظر أيضاً يعارضون وجود مثل هذه المباحث أو حذفها، ولم يقدموا دليلاً معتبراً على ادعائهم.

الهوامش

1. بالطبع للشيخ المفيد أيضاً كتاب أصولي صغير في ٤٥ صفحة باسم «مختصر التذكرة بأصول الفقه»، وهو ليس دورة أصولية شاملة ولا يغطي الكثير من المباحث الأصولية.

2. كان آية الله الشيخ أبو الحسن الشيرازي من الأساتذة الكبار في الفقه والأصول، وقد أمضى سنوات طويلة في التحصيل العلمي في حوزات شيراز ومشهد وقم، وبشكل أساسي في النجف، على يد أساتذة كبار. وكان في النجف الأشرف من تلاميذ المرحوم الآقا ضياء الدين العراقي، والسيد عبد الهادي الشيرازي وغيرهم.

قائمة المصادر

القرآن الكريم.

ابن إدريس، محمد بن أحمد، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى (والمستطرفات)، قم، الطبعة الثانية، ١٤١٠ ق.

أخوان صراف، زهرا، مكتب اجتهادي آيت الله بروجردي، قم، مؤسسة بوستان كتاب (مركز چاپ و نشر دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه قم)، الطبعة الأولى، ١٣٨٧.

الإمام الخميني، روح الله، الرسائل، قم، الطبعة الأولى، ١٤١٠ ق.

ــــــ، أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية، طهران، الطبعة الثانية، ١٤١٥ ق.

ــــــ، مناهج الوصول إلى علم الأصول، قم، الطبعة الأولى، ١٤١٥ ق.

الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين، مطارح الأنظار، قم، الطبعة الثانية، ١٣٨٣.

بدلا، سيد حسين، هفتاد سال خاطره، مركز اسناد انقلاب اسلامي، طهران، الطبعة الأولى، ١٣٧٩.

البروجردي، سيد حسين، نهاية الأصول، نشر تفكر، ١٤١٥ ق.

البهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل، الاجتهاد والتقليد (الفوائد الحائرية)، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ ق.

البهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل، الرسائل الفقهية، قم، مؤسسة علامة وحيد بهبهاني، الطبعة الأولى، ١٤١٩ ق.

التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، قم، الطبعة الثانية، ١٤١٠ ق.

الحسني، حميد رضا وعلي بور، مهدي، جايگاه شناسي علم اصول گامي به سوي تحول، قم، انتشارات مركز مديريت حوزه علميه قم، الطبعة الأولى، ١٣٨٥.

الصدر، محمد باقر، المعالم الجديدة للأصول، طهران، الطبعة الثانية، ١٣٩٥ ق.

الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد، إيران، قم، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ ق.

علم الهدى، علي بن حسين، الذريعة إلى أصول الشريعة، طهران، الطبعة الأولى، ١٣٧٦.

الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، الإسلامية، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ ق.

مجتهدان وعلما، آيينة داران حقيقت (مصاحبه هاي مجله حوزه با عالمان و دانشوران حوزوي)، قم، دفتر تبليغات اسلامي حوزه علميه بوستان كتاب قم، الطبعة الأولى، ١٣٨٢.

المختاري، رضا، جمع پريشان، قم، نشر دانش حوزه، الطبعة الثانية، ١٣٩٠.

النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، قم، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ ق.

Scroll to Top