عدم حجيّة الأصل المثبت والدراسة التطبيقية للمادة 874 من القانون المدني

ملخص

في المادة ٨٧٤ من القانون المدني، يتمسك المشرّع بالاستصحاب ليقرر أن مجهول تاريخ الوفاة يرث من غيره. تختلف آراء الفقهاء والأصوليين في هذه المسألة، وقد اعتبرها البعض مخالفةً للرأي المشهور. ولكن في الحقيقة، هذه المادة لا تخالف الرأي المشهور فحسب، بل هي مطابقة للموازين الفقهية والأصولية. فإذا اعتبرنا الاستصحاب من الأصول العملية، فبناءً على مبنى الشيخ الأنصاري، والمرحوم الآخوند، والعلامة الحائري، وأكثر الأصوليين القائلين بعدم حجية مثبتات الأصول العملية، تكون المادة ٨٧٤ من القانون المدني خارجة عن مدلول عدم حجية الأصل المثبت. بالإضافة إلى ذلك، فإن للقاعدة المذكورة استثناءات تشمل بموجبها حجة الأصل هذا النوع من اللوازم، والمادة ٨٧٤ تنطبق على بعض هذه الاستثناءات. أما إذا اعتبرنا الاستصحاب أمارة ظنية عقلية بناءً على رأي المتقدمين، فالمشهور بين العلماء هو أن لوازم الأمارات حجة، وبالتالي فإن التمسك بالاستصحاب والأصل المثبت في المادة ٨٧٤ من القانون المدني لا معارض له. وقد استند بعض الفقهاء، مثل الإمام الخميني (قده)، الذين يعتمد رأيهم على عدم الالتفات إلى الدقائق العقلية في الأحكام الشرعية، بغض النظر عما إذا كان الاستصحاب أمارة أم لا، إلى أصل تأخر الحادث، ووفقاً لهذا المبنى أيضاً، ستكون المادة ٨٧٤ متوافقة مع الموازين الفقهية.

مقدمة

موضوع علم الأصول، وفقاً لرأي المحققين، هو “الدليل”، أي كل ما يمكن أن يكون دليلاً وحجة على الحكم الشرعي في مسير استنباطه. عند التعامل مع الأدلة، يمكن القول إن لكل دليل أثراً شرعياً مباشراً وأثراً غير مباشر. يُطلق على ترتب الآثار الشرعية غير المباشرة على المستصحب، التي تثبت بواسطة لازم عقلي أو عادي، “الأصل المثبت”. لا شك في أنه بعد إثبات حجية دليل ما، فإن جميع آثاره الشرعية المباشرة تعتبر حجة. ولكن، هل الآثار الشرعية غير المباشرة للدليل التي تترتب عليه بواسطة لازم عقلي أو عادي حجة أيضاً؟ تُعد مسألة حجية لوازم الأدلة من المسائل الأساسية والتطبيقية في علم الأصول، حيث تتغير فتوى المجتهد في كثير من الحالات بناءً على اعتبار أو عدم اعتبار مثبتات الأدلة. بالنظر إلى أن الأدلة في علم الأصول تنقسم إلى أمارات وأصول عملية، يمكن طرح الموضوع على النحو التالي: هل مثبتات الأمارات والأصول العملية معتبرة أم لا؟ وكما أن هذه المسألة مؤثرة في سائر مباحث علم الأصول، فإنها تؤثر بشكل مباشر في مقام استنباط الأحكام الشرعية، بحيث إن قوام واعتبار بعض القوانين المدنية يرتبط ارتباطاً وثيقاً باعتبار مثبتات الأدلة. في هذا المقال، تم تقييم المادة ٨٧٤ من القانون المدني، التي تُعد من مصاديق الأصل المثبت وموضع خلاف بين الفقهاء. ونظراً لأن الشيخ الأنصاري وجمع من علماء الأصول قد فرقوا بين حجية مثبتات الأمارات والأصول العملية، واعتبروا مثبتات الأمارات حجة بينما مثبتات الأصول العملية غير معتبرة، فإن تحليل المادة ٨٧٤ يتفرع على ما إذا كنا نعتبر دليل حجية الاستصحاب هو أخبار “لا تنقض” وفقاً لرأي الشيخ الأنصاري والمتأخرين، ونقول إن الاستصحاب أصل عملي تعبدي، أم نعتبر الاستصحاب أمارة ظنية عقلية بناءً على رأي المتقدمين. الآن، إذا قلنا إن الاستصحاب أصل عملي، فإن تعارض المادة ٨٧٤ مع القول المشهور المبني على عدم حجية مثبتات الأصول، كيف يمكن توجيهه وفقاً للموازين الفقهية والأصولية؟ وقد استند بعض الفقهاء الآخرين، بغض النظر عن كون الاستصحاب أمارة أو أصلاً عملياً، في حل تعارض المادة ٨٧٤ مع القول المشهور إلى معايير أخرى منها أصل تأخر الحادث.

مثبتات الأدلة

الشيخ الأنصاري هو أول فقيه بحث في الأصل المثبت كمسألة مستقلة. بعده، أصبح هذا البحث من المباحث المهمة في أصول الفقه، وخصوصاً الاستصحاب، واكتسب قيمة تطبيقية كبيرة في كثير من المسائل الفقهية والأصولية. تناول الشيخ الأنصاري هذا الموضوع في التنبيه السادس من تنبيهات الاستصحاب (الأنصاري، 1415: 2/659). ووفقاً لما ذكره الشيخ نفسه، فإنه ليس مبتدع هذا العنوان والبحث، بل إن الشيخ جعفر كاشف الغطاء هو أول فقيه عنون هذا الموضوع (الآشتياني، 1403: 3/129؛ المروج، 1415: 5/117). يبدو أن أصل هذا البحث يرجع إلى تقسيم الأدلة إلى أمارة وأصل عملي. لا يوجد دليل قاطع حول مبتكر هذا التقسيم. ينسب البعض أصل هذا التقسيم إلى أفكار الوحيد البهبهاني (الوحيد البهبهاني، 1415: 48-54). ويعتبر الشهيد الصدر أن الوحيد البهبهاني هو مبتدع المرحلة الثالثة من علم الفقه وتاريخه، لأن الأصل العملي أسسه هو وتلامذته، ومنهم محمد تقي صاحب الحاشية (الصدر، 1408: 3/21). بالنظر إلى النظريات المطروحة حول مثبتات الأدلة، يمكن القول إن منشأ بحث حجية مثبتات الأدلة هو تقسيم الأدلة إلى أمارة وأصل عملي، وتقديم ماهيتين مختلفتين للأدلة. ونظراً لعدم وجود مصطلح الأمارة والأصل العملي في الروايات وآيات القرآن، فإن هذا التقسيم يستند إلى نتائج لم تكن محل اهتمام في علم أصول الفقه في الماضي. إن التعاريف المتداولة للأمارة والأصل العملي تشير بنفسها إلى هذا الاختلاف. فبناءً على ما يُستفاد من كلمات علماء الأصول، الأمارة هي دليل له كاشفية عن متعلقه ويحكي عن الواقع، أما الأصل العملي فلا يثبت الواقع، وهدفه تعيين وظيفة المكلف في مقام العمل (النائيني، 1417: 81/4؛ الفيروزآبادي، 1400: 5/310). ولهذا السبب، لا يرى بعض علماء الأصول أن الفرق بين الأمارة والأصل العملي جوهري، وفي خصوص اعتبار مثبتات الأدلة، يلتفتون إلى مفاد أدلة حجية الأمارة والأصول العملية نفسها (اللنكرودي، 1415: 2/300؛ الخوئي، 1419: 231). لتوضيح لوازم الأمارات، يمكن الإشارة إلى لوازم “أصل عدم التخصيص” كمثال، وهو أصل لفظي وجزء من الأمارات: إذا قال دليل “أكرم كل عالم”، فإن هذا الدليل بمقتضى أصل عدم التخصيص العام يشمل العلماء الفاسقين أيضاً، وهو المفاد المباشر لهذا الدليل. الآن، لو افترضنا وجود شخص يحرم إكرامه شرعاً، فهل يمكن القول، بمساعدة أصل عدم التخصيص، إن هذا الشخص ليس بعالم، وتجري عليه جميع أحكام غير العالم؟ وذلك بالاستدلال بأنه لو كان عالماً لوجب إكرامه؛ لأن الأصل هو عدم تخصيص العام، وحرمة الإكرام تستلزم عدم كونه عالماً. في الحقيقة، هذا المعنى هو مفاد غير مباشر ولازم لأصل عدم التخصيص، وبعبارة أخرى، هو أصل مثبت (الحلي، 1407: 129). في الأصول العملية، على الرغم من أن حجية أو عدم حجية الأصل المثبت عنوان عام يتعلق بجميع الأصول العملية، إلا أنه يُطرح بشكل خاص في بحث الاستصحاب. بشكل عام، الأمر الخارجي بالنسبة للمستصحب له ثلاث حالات: 1. أحياناً يكون الأمر الخارجي لازماً للمستصحب، مثل استصحاب حياة زيد واستنتاج نمو شعر لحيته؛ 2. أحياناً يكون الأمر الخارجي ملزوماً للمستصحب، مثل استصحاب النار واستنتاج وجود الدخان؛ 3. أحياناً يكون الأمر الخارجي ملازماً للمستصحب، مثل استصحاب حياة زيد واستنتاج نبض قلبه.

جميع الأقسام المذكورة أعلاه تدخل في بحث الأصل المثبت. إذا استُصحب موضوع له أثر شرعي مباشر، فيجب ترتيب ذلك الأثر الشرعي على المستصحب؛ كاستصحاب عدالة زيد الذي أثره الشرعي جواز الاقتداء به في الصلاة (الأنصاري، 1415: 3/224). أما إذا كان الموضوع المستصحب ليس له أثر شرعي مباشر، بل له لازمٌ إذا ثبت ذلك اللازم العادي، ترتب عليه الأثر الشرعي، أي أن الأثر الشرعي يترتب على المستصحب بواسطة أمر عادي. على سبيل المثال، نمو الشعر على الوجه هو لازم عادي لحياة طفل غاب لمدة عشرين عاماً. فإذا شُك في حياته بعد انقضاء هذه المدة وجُري استصحاب حياته واستُنتج أن له لحية، فإذا كان أبوه قد نذر أن يتصدق بمئة درهم إذا نبت الشعر على وجه ابنه، فبناءً على إثبات اللازم العادي، يجب عليه أن يفي بنذره. إذن، الأثر الشرعي (الوفاء بالنذر) يثبت بواسطة اللازم العادي للمستصحب، وهو نمو الشعر على وجه الشخص الحي (فاضل اللنكراني، 1421: 5/448). أحياناً يثبت المستصحب بواسطة لازم عقلي له أثر شرعي. إذا شك شخص أثناء الغسل في وجود حاجب أو مانع على بدنه، وكان متيقناً في السابق بعدم وجود مانع في ذلك الجزء، يمكنه الاستناد إلى استصحاب عدم وجود المانع. المفاد المباشر لهذا الاستصحاب هو عدم المانع. لكن ما يهم المكلف هو إحراز غسل بدنه، وغسل البدن لازم عقلي وعادي لعدم وجود الحاجب، وبعبارة أخرى، هو المفاد غير المباشر للاستصحاب (الأنصاري، 1415: 2/354). الآن، بالنظر إلى أن الأدلة في علم الأصول تنقسم إلى أمارات وأصول عملية، يمكن طرح الموضوع على النحو التالي: هل مثبتات الأمارة والأصول العملية معتبرة أم لا؟ ثمرة هذا البحث هي أنه إذا أمكن إثبات حجية مثبتات الأصول العملية، فإن التمسك بالاستصحاب في المادة 874 من القانون المدني يكون صحيحاً، ويكون الأثر الشرعي المترتب عليه بواسطة، وهو إرث مجهول التاريخ من معلوم التاريخ، صحيحاً. حتى لو لم نعتبر الأصل المثبت في الأصول العملية حجة، إذا أمكن إثبات أن الأصل المثبت في الأمارات حجة، فبناءً على مباني تلك الفئة من علماء الأصول الذين يعتبرون الاستصحاب مدلول حكم العقل، وبالتالي يعتبرون الاستصحاب من باب الأمارة الظنية، فإن التمسك بالأصل المثبت في المادة 874 من القانون المدني يكون صحيحاً وذا حجية. لتوضيح البحث، سنذكر أولاً مثالاً على الأصل المثبت في الأمارات والأصول العملية، ثم نطرح المادة 874 ونبحث في أدلة حجية أو عدم حجية الأصل المثبت في الأصول والأمارات.

الدراسة التطبيقية للمادة 874 من القانون المدني

لبيان دور وأثر بحث اعتبار مثبتات الأدلة، سنبحث في هذا القسم فرعاً فقهياً مهماً من مصاديق بحث الأصل المثبت، والذي تجلى في المادة ٨٧٤ من القانون المدني. من مسائل الإرث، حكم إرث شخصين يمكن أن يرث أحدهما الآخر، ولكن تقدم وتأخر موتهما مشتبه. إذا افترضنا أن أباً وابناً توفيا في حادث تصادم، فبشكل عام، هناك ثلاث صور محتملة: 1. العلم بتأخر وفاة أحدهما. 2. العلم بتقارن وفاتهما. 3. اشتباه تقدم وتأخر وفاتهما، وهذا ينقسم إلى قسمين: الأول أن نجهل تاريخ وزمان وفاة كليهما، والثاني أن نعلم بزمان وفاة أحدهما ونجهل زمان وفاة الآخر.

لكل من هذه الفروض حكمه الخاص ويُبحث في علم الفقه، والمقصود هو القسم الأخير. في هذا الفرض، مع عدم العلم بالتقدم والتأخر، يكون تاريخ وفاة أحدهما معلوماً. اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة؛ فالبعض كالإمام الخميني (قده) يستند إلى أصل تأخر الحادث أو استصحاب عدم الموت، وبالتالي، تكون وفاة من تاريخه مجهول (مجهول التاريخ)، متأخرة عن وفاة معلوم التاريخ، ونتيجة لذلك، يرث مجهول التاريخ من معلوم التاريخ (الخميني، 1415: 266؛ فاضل لنكراني، 1421: 494؛ السبزواري، 1413: 30 / 2). وفي المادة 874 من القانون المدني، تم تبني هذا الرأي أيضاً. ولكن في المقابل، يعتقد بعض الفقهاء أن هذه الفتوى من مصاديق الأصل المثبت، وبما أن مثبتات الاستصحاب ليست حجة، فلا يثبت تأخر موت مجهول التاريخ، ويكون الأمر كما لو لم يُعلم تاريخ موت أي منهما (الكلبايكاني، 1410: 2/259؛ الخوئي، 1419: 74). وفقاً لهذا الرأي، لا يمكن لاستصحاب عدم موت مجهول التاريخ حتى زمان موت معلوم التاريخ أن يثبت تأخر موته؛ لأن عنوان التأخر من اللوازم العقلية للمستصحب، وليس من آثاره الشرعية. لذا، يُطرح السؤال: لماذا تم تبني مثل هذا الحكم في القانون المدني مع عدم اعتبار مثبتات الاستصحاب؟ في الإجابة على هذا السؤال، توجد عدة احتمالات سيتم بحثها لاحقاً لتحديد على أي أساس يستند حكم المادة 874 من القانون المدني. الاحتمال الأول هو أنه إذا كان الاستصحاب من الأصول العملية، ووفقاً للرأي المشهور، فإن الأصل المثبت في الأصول العملية ليس حجة، فما هو التوجيه بخصوص المادة 874 من القانون المدني؟

عدم حجية الأصل المثبت في الأصول العملية

أُقيمت خمسة أدلة على عدم حجية الأصل المثبت: “ما الدليل على عدم حجية الأصول المثبتة”.

الدليل الأول: “إن الاستصحاب عبارة عن ترتيب الأثر الشرعي للمستصحب الذي هو قابل للجعل دون ما لا يكون قابلاً للجعل”. يقول الشيخ الأنصاري: معنى “لا تنقض اليقين بالشك” هو أننا نرتب آثار المجعول، أي الآثار الشرعية للمستصحب، بواسطة اليقين. الآثار الشرعية قابلة للجعل؛ مثلاً، يمكن للشارع المقدس أن يرتب سلسلة من الآثار الشرعية بواسطة استصحاب الحياة، ويقول: استصحب حياة زيد، فنتيجة لذلك زوجته ملك له، ولا يحق لها الزواج، ولا ينبغي تقسيم أمواله بين الورثة، وهكذا. إذن معنى “لا تنقض” هو أننا في ضوء اليقين وجلبه إلى زمان الشك، نرتب الآثار الشرعية التي هي مجعول الشارع (يمكن للشارع أن يجعلها). ولكن الآثار التكوينية مثل نمو اللحية ونبض القلب ليست قابلة للجعل حتى يجعلها الشارع؛ مثلاً، لا يستطيع الشارع أن يقول: إذا استصحبتم حياة زيد وقلتم الآن زيد حي، فأنا أجعل له نبض القلب، ونتيجة لذلك يجب عليكم التصدق (الأنصاري، 1412: 4/125). يُستفاد من كلام الشيخ أن بحثه في مقام الثبوت لا الإثبات، أي أن الشيخ يرى استحالة الأصل المثبت؛ لأن “لا تنقض” لا يمكنها إلا أن ترتب الآثار القابلة للجعل على المستصحب، وليس من المعقول أصلاً أن تترتب الآثار غير القابلة للجعل على المستصحب، بينما لا يرى سائر الأصوليين البحث ثبوتياً بل يعتبرونه إثباتياً ويقولون: يمكن أن يقع الأصل المثبت ولكن ليس له حجية شرعية (السبحاني، 1426: 183/4). في المادة 874 من القانون المدني حيث يُستصحب عدم الموت، ليس من الضروري أن يجعل الشارع الواسطة، بل الواسطة (تأخر موت مجهول التاريخ) باقية في مكانها، والشارع يقول فقط: اعتبر تلك الواسطة الموجودة التي هي في هذا البحث عقلية، ورتب عليها الأثر الشرعي (الإرث من المتوفى معلوم التاريخ). بعبارة أخرى: البحث إثباتي لا ثبوتي؛ لأن جميع العلماء يقبلون إمكانية وقوع الأصل المثبت، ولكنهم يبحثون فقط في الإثبات، هل هو حجة أم لا. وبالتالي، فإن كلام الشيخ الذي يشكل في مقام الثبوت ويستحيل وقوع الأصل المثبت، غير مقبول في مقامنا.

الدليل الثاني: يقول المحقق الخراساني إن القدر المتيقن من “لا تنقض” هو الآثار بلا واسطة، أما الآثار الشرعية التي يتوسطها أمر عقلي أو عرفي فلا تترتب على المستصحب. برأيه، مسألة القدر المتيقن تُطرح في بحث الإطلاق؛ فالإطلاق يكون حيث لا يوجد قدر متيقن، وإذا وجد قدر متيقن فلا إطلاق. ولهذا يقول صاحب الكفاية: في مقامنا يوجد قدر متيقن، وبالتالي فإن “لا تنقض اليقين بالشك” ليس له إطلاق، والقدر المتيقن هو حيث يكون بلا واسطة. إذن “لا تنقض” ليس له إطلاق حتى نتمكن من ترتيب الأثر الشرعي بواسطة على المستصحب (الخراساني، 1409: 2/143). القدر المتيقن يضر حيث يكون في مقام التخاطب. أي عندما كان الإمام الصادق (ع) يتحدث مع زرارة، كان هذا القدر المتيقن موجوداً في ذهن زرارة، وهو أن الأثر الشرعي بلا واسطة فقط يترتب على المستصحب، بينما ليس لدينا دليل على ذلك، والقدر المتيقن خارج مقام التخاطب لا يمنع الإطلاق أبداً؛ لأنه لو كان مثل هذا القدر المتيقن مضراً، لما وجد مطلق في الدنيا أبداً؛ لأن كل مطلق له قدر متيقن. إذن، بناءً على مبنى المرحوم الآخوند، لا يمكن القول بوجود تنافٍ بين المادة 874 من القانون المدني وعدم حجية الأصل المثبت.

الدليل الثالث: يقول العلامة الحائري في “درر”: “لا تنقض” منصرف إلى الآثار بلا واسطة، لا الآثار مع الواسطة. هذا هو نفس دليل صاحب الكفاية، الذي عبر عنه بالقدر المتيقن، وعبر عنه الشيخ الحائري بالانصراف (الحائري، 1296: 213). دليل الانصراف هو كثرة الاستعمال لا كثرة الوجود؛ مثلاً، كلمة “دابة” تستعمل غالباً في الفرس (لا أن الفرس أكثر من غيرها بين الدواب). على هذا الأساس، نرى أن “لا تنقض” تكررت ثلاث مرات في كلام الإمام الصادق (ع)، وهذه المرات الثلاث لا توجب كثرة الاستعمال حتى نقول بالانصراف. إذن، دليل العلامة الحائري أيضاً لا يثبت أن الأصل المثبت في الأصول العملية ليس بحجة، ووفقاً لهذا الاستدلال، فإن استصحاب عدم موت مجهول التاريخ وإرثه من الآخر الذي تاريخ وفاته مجهول، بواسطة إثبات تأخر الموت، صحيح ولا مانع منه.

الدليل الرابع: يقول المحقق الخراساني: “لأن تنقض يدل عليه ترتيب آثار المتيقن لا آثار غير المتيقن” (الخراساني، 1409: 231). توضيح: “لا تنقض” تقول يجب ترتيب آثار المتيقن؛ مثلاً في استصحاب عدم موت مجهول التاريخ، آثار المتيقن هي حياة مجهول التاريخ، ولكن تأخر موته ليس بمتيقن حتى نرتب أثره الشرعي (الإرث). بعبارة أخرى: اليقين الذي يكون بواسطة العقل أو العرف لا يترتب عليه أثر.

جواب نقضي: لو كان لهذا الأثر الشرعي أثر شرعي آخر، بناءً على مبنى المحقق الخراساني، لما كان ينبغي أن نرتب أثره؛ مثلاً، نحن نستصحب أن ماء الإبريق طاهر ونتوضأ به. الآن، أثر طهارة الماء هو صحة الوضوء، وصحة الوضوء أثرها أننا نستطيع أن نصلي، وأثر الدخول في الصلاة أننا لا نستطيع أن نقطعها إذا كنا في وسط الصلاة. الأثر الشرعي المتيقن هو طهارة ماء الإبريق، بينما نحن نرتب عليه عدة آثار شرعية متسلسلة. إذا كان كلام المحقق الخراساني صحيحاً، فيجب فقط ترتيب آثار المستصحب (آثار المتيقن)، بينما الأمر ليس كذلك.

جواب حلي: إذا كان اللازم الخارجي لازماً بيناً بحيث يكون تصور الملزوم ملازماً لتصور اللازم، ولا يمكن فصلهما، فمن الواضح أنه يجب القول بأن أثر اللازم البين يترتب أيضاً؛ لأن المولى الذي يقول رتب أثر “ما تعلق به اليقين”، فالمستصحب ليس فقط الملزوم بل هو الملزوم واللازم معاً. ولهذا يجب القول بالتفصيل في الأصل المثبت، والقول: إذا كان اللازم بيناً بحيث يقول العرف إن اليقين تعلق بالملزوم واللازم معاً، فهنا نرتب أثر اللازم، ولكن إذا كان اللازم غير بين، بحيث يمكن تصور الملزوم دون أن يخطر اللازم ببالنا، فهنا لا نرتب أثره (السبحاني، 1426: 4/189). للتعرف على المستصحب وتمييز ما إذا كان اللازم بيناً أم لا، يجب الرجوع إلى العرف (الخميني، 1415: 241). على سبيل المثال: في المادة 874 من القانون المدني، متعلق اليقين بالدقة العقلية هو عدم موت مجهول التاريخ، ولكن بالمسامحة العرفية، “ما تعلق به اليقين” شيئان: الملزوم واللازم، أي متعلق اليقين هو عدم الموت، وتبعه تأخر الموت. إذن، وفقاً لهذا الاستدلال والمبنى، يجب ترتيب أثر الملزوم وأثر اللازم معاً، إلا إذا أمكن إثبات أن المسامحة العرفية تفرق بين عدم موت مجهول التاريخ وتأخر موته بالنسبة للمورث الذي كان تاريخ وفاته معلوماً. ولكن الحق هو أنه عندما تتقرر حياة مجهول التاريخ حتى زمان وفاة المورث بواسطة الاستصحاب، فإن ما يتبادر إلى ذهن العرف والعقلاء هو أنه عندما كان مجهول التاريخ على قيد الحياة حتى وفاة الآخر، فإن وفاته وقعت بعد وفاة معلوم التاريخ، وبالتالي يرث منه.

الدليل الخامس: هذا الدليل ذكره العلماء المعاصرون؛ منهم آية الله السبحاني الذي يقول: تصور العلماء أن الاستصحاب شامل لكل شيء، بينما هذا الحكم ليس كلياً، بمعنى أن الاستصحاب في الأحكام الكلية الشرعية شامل لكل شيء، ولكن الاستصحاب في الموضوعات يثبت الموضوع فقط؛ مثلاً، إذا استصحبنا وجوب الجمعة، فهذا الاستصحاب شامل، ولكن إذا استصحبنا طهارة ماء الإبريق، فهذا يثبت لنا الموضوع فقط ويقول إن ماء الإبريق طاهر. بعبارة أخرى، تتشكل لنا الصغرى فقط، ولكن العمدة هي الكبرى. بمعنى أن الشارع قال في مورد الماء الطاهر: “كل نجس غسل بماء طاهر فهو طاهر”. خلاصة القول، في الموضوعات، الاستصحاب في خدمة الكبرى ويخلق الموضوع للحكم الكلي للكبرى. مثال آخر: شخصان مستصحبا العدالة، شهدا بأنهما رأيا هلال الشهر الليلة الماضية. في هذه الحالة، يقول الاستصحاب فقط إن هذين الشخصين عادلان، ولكن كون اليوم عيد الفطر لا يثبت بهذا الاستصحاب. الحكم بكونه عيد الفطر مرهون بالدليل الاجتهادي الذي يقول: إذا شهد عادلان برؤية الهلال، ثبت أول الشهر. نتيجة لذلك، لا ينبغي الصوم في يوم العيد، وهكذا (السبحاني، 1426: 4/190). إذن، معنى عدم اعتبار لوازم الاستصحاب هو أن الاستصحاب لا يمكنه إثبات شيء في الخارج حتى يترتب عليه حكم شرعي، وهذا المعنى يُقال في علم الأصول عدم حجية الأصل المثبت (الكلبايكاني، 1410: 2/259؛ العراقي، 1414: 407/2). ظاهراً، بناءً على هذا الاستدلال، فإن استصحاب عدم موت مجهول التاريخ هو من قبيل استصحاب الموضوع، والحكم بإرثه من معلوم التاريخ بواسطة إثبات تأخر الموت يكون مشكلاً؛ لأنه إذا استصحبنا حياة مجهول التاريخ، تترتب عليه سلسلة من الأحكام الشرعية؛ مثلاً، لا ينبغي تقسيم أمواله، ويجب دفع نفقة زوجته، ولا يجوز لزوجته أن تتزوج. ولكن إذا ثبت بعد استصحاب حياته أن موته تأخر عن وفاة معلوم التاريخ، ففي هذه الحالة لا وجود للكبرى؛ لأنه لم يرد في الشرع: “كل ما موته متأخر عن الآخر فهذا أثره”. نعم، تأخر الموت له ملازم، وهو أنه إذا كان موته متأخراً عن الآخر بينما بينهما علاقة توارث، فإنه يرث منه. هذا الملازم هو الإرث، لا حكم الشارع، ولهذا السبب فإن الأصل المثبت ليس حجة؛ لأن الصغرى التي تثبت بالاستصحاب يجب أن تكون لها كبرى، ولكن إذا كانت لها واسطة عقلية أو عرفية، فإن تلك الكبرى ليس لها أثر شرعي حتى يترتب عليها حكم شرعي. مثلاً، يقولون إذا استصحبتم أنكم تناولتم الغداء، فلا يثبت أن صلاتكم أداء؛ لأن استصحاب الغداء ملازم لكون صلاتك كانت في الصباح، وعندما تكون الصلاة في النهار فهي أداء. هنا نقول لا وجود لكبرى تقول: “كل ما كان صلاتك في النهار فصلاتك أداء”. إذن، وفقاً لمبنى الشيخ الأنصاري، والمرحوم الآخوند، والعلامة الحائري، وكذلك أكثر الأصوليين الذين تدور آراؤهم حول هذه المباني، فإن المادة 874 من القانون المدني خارجة عن مدلول عدم حجية الأصل المثبت، والمبنى الوحيد الذي يمكن أن يجعل الأصل المثبت في الأصول العملية، وخصوصاً الاستصحاب، منافياً لحكم المادة 874 من القانون المدني ويخدشه، هو قول بعض الفقهاء المعاصرين بأن الأصل المثبت ليس حجة إلا في الاستصحاب الموضوعي الذي يكون فيه المستصحب موضوعاً ويشكل في طريق استنباط الحكم الشرعي صغرى القياس المنطقي – ولكن الكبرى واسطة عقلية أو عرفية ليس لها حكم شرعي. لكن هذا البحث مبني على أننا نعتبر دليل حجية الاستصحاب هو أخبار “لا تنقض” وفقاً لرأي الشيخ الأنصاري والمتأخرين، ونقول إن الاستصحاب أصل عملي تعبدي. أما إذا اعتبرنا حجية الاستصحاب من باب حكم العقل وفقاً لرأي المتقدمين من الأصوليين، واعتبرنا الاستصحاب أمارة ظنية عقلية، فالمشهور بين العلماء أن لوازم الأمارات حجة، وبالتالي فإن الاستصحاب الموجود في حكم المادة 874 من القانون المدني والتمسك بالأصل المثبت حجة وبلا إشكال. ولكن “ما الفرق بين الأمارات والأصول العملية” الذي يجعل لوازم الأمارات حجة ولوازم الأصول العملية ليست حجة. في ما يلي، سيتم بيان بعض استثناءات عدم حجية الأصل المثبت في الأصول العملية. ربما تكون المادة 874 من القانون المدني قابلة للتطبيق مع استثناءات هذا الأصل. بعد بحث الاستثناءات، سنتناول حجية الأصل المثبت في الأمارات.

الاستثناء

كانت المشكلة في الأصل المثبت أن دليل الحجية قاصر عن شمول لوازم المستصحب، لا أن حجية مثبتات الأصول غير معقولة. هنا، ذكر المرحوم الآخوند استثناءً وقال: في هذه الموارد، يشمل دليل حجية الأصل هذا النوع من اللوازم. كما أن بعض الأساتذة لم يقبلوا استثناءات عدم حجية الأصل المثبت بشكل عام، وقالوا: لا فرق في الأصل المثبت بين الموارد المستثناة وسائر الموارد. هذا الاستثناء ناتج عن الخلط بين التعبد بالشيء مع خصوصيته والتعبد بالجامع المنطبق على المورد. إذا تعبد الشارع المكلف بالشيء مع خصوصيته، فإن خصوصية مورد التعبد تستتبع تعبداً آخر في كلام الشارع. على سبيل المثال: إذا تعبد الشارع بالنار بخصوصية كونها ناراً، فإن لازمه البين هو التعبد بالحرارة أيضاً. الآن، إذا تعبد الشارع بالجامع فقط ولم يتعبد بالخصوصية، فإن لازم تلك الخصوصية ليس مورد تعبد الشارع، ولو كان المكلف في ذلك المورد الخاص متيقناً بوجود خصوصيات. في الواقع، من خلال القول بالفرق بين رفض القيود وجمع القيود، لم يعتبروا هذه الاستثناءات قابلة للقبول وقالوا: في مورد دليل الاستصحاب الذي ورد بشكل مطلق، بما أن الإطلاق هو رفض القيود لا جمع القيود، فإن الشارع قد تعبد بنفس الجامع (المتيقن)، بحيث لو كان من الممكن أن يتحقق هذا الجامع مجرداً من الخصوصيات، لكان ذلك الجامع المجرد هو مورد تعبد الشارع (النائيني، 1389: 1/25). يقول الآخوند: الأصل المثبت حجة في ثلاثة موارد فقط: 1. المورد الذي تكون فيه الواسطة خفية. 2. الواسطة والمستصحب يكونان لازماً وملزوماً معاً. 3. الواسطة والمستصحب متلازمان لأمر ثالث (الخراساني، 1409: 2/325).

أ. الواسطة الخفية

إذا كانت الواسطة العادية أو العقلية خفية جداً بحيث لا يحسبها العرف، فإن أثر الواسطة يُعرف بأنه أثر المستصحب نفسه؛ على سبيل المثال، في الوضوء أو الغسل، إذا شك الإنسان في وجود مانع على بدنه يمنع وصول ماء الوضوء أو الغسل إلى الجلد، في هذه الحالة يجري استصحاب عدم المانع، ورغم أن عدم المانع ليس موضوع حكم شرعي وموضوع الحكم الشرعي هو إيصال الماء إلى جميع أعضاء الوضوء أو الغسل، إلا أن وصول الماء إلى جميع الأعضاء هو لازم عقلي لعدم المانع، ولكن العرف لا يعتني بهذه الواسطة الخفية (مكارم الشيرازي، 1428: 3/424 – 420؛ المشكيني، 1412: 60 – 61). المثال الذي يذكرونه للواسطة الخفية هو أنه إذا كان شيء نجس ورطب ولاقى شيئاً آخر، فإنه يوجب النجاسة، وسريان النجاسة وتكون أحد الطرفين رطباً ملازم للسريان. الآن، إذا استصحبنا بقاء الرطوبة لنحكم بنجاسة الملاقي، فهو أصل مثبت لأن النجاسة أثر اللازم وهو الرطوبة (السريان). هنا قيل: هذا المورد من موارد الواسطة الخفية، والعرف في الحقيقة يتجاهل الواسطة، وإذا ثبتت الرطوبة، تثبت نجاسة الملاقي أيضاً. في الحقيقة، العرف هنا لا يراها من قبيل الملازم، بل يحسبها من موارد الأثر بدون واسطة ويتجاهل الواسطة؛ على الرغم من أنه بنظرة مسامحة. قيل: في هذه الموارد، مثبتات الأصول حجة. دافع المرحوم الآخوند عن هذا الكلام للشيخ وأجاب على الإشكالات التالية (الخراساني، 1409: 2/330): إشكال: إذا كان العرف يعلم أن الأثر مترتب على الواسطة، وبنظرة مسامحة يتجاهل الواسطة، فإن مسامحات العرف في التطبيقات ليست حجة؛ لأن جميع موارد المجاز والعناية هي مسامحة العرف في التطبيق. الأصل في الألفاظ هو الاستعمال في المعاني الحقيقية، ويجب إثبات شمولها لغيرها. هنا ليس لدينا دليل على حمل اللفظ على شيء آخر. جواب: يقول المرحوم الآخوند: في هذه الموارد، أثر الواسطة هو حقيقةً أثر ذي الواسطة، وهذا إطلاق حقيقي. أي أن العرف في موارد الوضع والاستعمال لا يعتبر الواسطة، ومفهوم الأثر بدون واسطة أعم من آثار الشيء نفسه والآثار المترتبة عليه بواسطة وسائط خفية. هنا ليست مسامحة في التطبيق، ومن نظر العرف، عدم ترتب آثار الوسائط الخفية هو حقيقةً نقض لليقين. ولكن ما هو معيار تمييز موارد المسامحة في التطبيق وغيرها من وجهة نظر العرف؟ التساهل في التطبيق يكون حيث لا يرى العرف حقيقة الأمر، ولو رآها وعرفها، لما انطبق عليه المفهوم؛ مثلاً، يقول العرف لـ 990 جراماً كيلوغراماً، بينما الكيلوغرام من وجهة نظر العرف هو ألف جرام بالضبط، فهنا إطلاق كيلوغرام على 990 جراماً هو تساهل في التطبيق، بخلاف كيلوغرام من القمح مع كمية معتادة من التراب والقش، حيث يعتبره حقيقةً كيلوغراماً. الضابط هو أنه إذا تراجع العرف عن رأيه عند التنبيه، فهناك خطأ في التطبيق وتساهل فيه، أما في الموارد التي لا يتراجع فيها حتى مع التنبيه، فليس هناك تساهل في التطبيق بل سعة في المفهوم. المسامحات في التطبيق ليست حجة، وما ورد في كلمات بعض العلماء من أن مسامحات العرف في التطبيق حجة، فمقصودهم الموارد التي ليست فيها مسامحة في التطبيق بل سعة في المفهوم (السبحاني التبريزي، 1426: 4/173-156).

ب. الواسطة الجلية جداً (الآشكار)

حيث يكون الاتصال والارتباط بين الواسطة وذي الواسطة قوياً جداً بحيث يحكم العرف بأنه كما لا يمكن تفكيك الواسطة وذي الواسطة في عالم التكوين والواقع، فإنه لا يمكن فصلهما في عالم الاعتبار أيضاً، سواء كان منشأ هذا الاتصال الشديد هو كونهما لازماً وملزوماً أو شيئاً آخر. في هذه الحالة، يقول العرف: معنى التعبد بالموضوع هو التعبد باللازم والملازم له أيضاً. إذن، شدة الاتصال تؤدي إلى أن يُعتبر أثر الواسطة أثر ذي الواسطة؛ مثل استصحاب شهر رمضان في “يوم الشك” (إذا كان اليوم الثلاثين) الذي يترتب عليه أن يكون اليوم المشكوك فيه غداً عيداً، وتترتب عليه أحكام العيد. وبهذا الترتيب، فإن اعتبار “يوم الشك” عيداً هو من اللوازم العقلية لاستصحاب شهر رمضان في يوم الشك، ولكن العرف، لأنه يراهما لازماً وملزوماً، لا يلتفت إلى الواسطة (نفس المصدر: 173-156). الاستثناء الثاني الذي ورد في كلام الآخوند هو الموارد التي يفهم فيها العرف الملازمة، وتكون الملازمة جلية وواضحة جداً، ولكن من وجهة نظر العرف، لا يمكن التفكيك بين المتلازمين؛ أي بحيث يقول العرف: إذا قبل الشارع الملزوم، فقد قبل اللازم حتماً. الموارد التي لا يمكن فيها التفكيك بين هذين المتلازمين من وجهة نظر العرف، لا يوجد فيها قابلية للتفكيك بينهما في التعبد؛ مثل الأمور المتضايفة (الأب والابن) حيث لا معنى من وجهة نظر العرف أن يحكم الشارع بأبوة شخص لفرد، ولكن لا يحكم بكون ذلك الفرد ابناً لذلك الشخص. إذا شمل دليل أحدهما، فإنه من وجهة نظر العرف يشمل الآخر حتماً، وقبول أحدهما مساوٍ لقبول الآخر. بمعنى أنه على الرغم من أن اللازم والملزوم شيئان، وكونهما شيئين واضح وجلي، إلا أن التعبد بأحدهما لا ينفك عن التعبد بالآخر، بل هو من لوازم التعبد باللازم، والتعبد بالملزوم أيضاً. لهذا المورد من الاستثناء المذكور في كلام المرحوم الآخوند، يمكن ذكر أمثلة تكون فيها علية المستصحب مقتصرة على البقاء لا الحدوث. في مثل هذه الموارد، يستلزم التعبد بذات الشيء الذي هو تمام العلة، التعبد بالمعلول، ويُستثنى من عدم حجية الأصل المثبت. أما الموارد التي تكون فيها العلية موجودة في الحدوث أيضاً، فمن الواضح أن الاستصحاب يجري في المعلول نفسه، ولا حاجة لاستخدام استصحاب بقاء العلة. بعبارة أخرى، المادة 874 من القانون المدني في بحث إرث مجهول التاريخ من معلوم التاريخ قابلة للتطبيق تماماً مع هذا الاستثناء؛ لأنه في المادة 874 من القانون المدني، يُستصحب بقاء الحياة، بحيث نعلم أن مجرد حياة مجهول التاريخ ليست علة تامة للإرث، بل بقاء الحياة وتأخرها عن وفاة معلوم التاريخ هو علة الإرث. الآن، إذا كان تاريخ وفاة ذلك الشخص غير معلوم، بحيث كان هناك إمكانية لبقاء حياته إلى ما بعد وفاة معلوم التاريخ، وبعد مرور مدة شككنا فيما إذا كانت وفاته متأخرة عن وفاة معلوم التاريخ أم لا، يجري استصحاب بقاء الحياة، وبالتالي يثبت معلوله (الإرث). كلام صاحب الكفاية هو أنه في مثل هذا الفرض، لازم التعبد ببقاء حياة مجهول التاريخ هو التعبد بالإرث، وبين هذين الأمرين يوجد تلازم. الاستصحاب هنا أعطى التعبد بتمام السبب لا بجزء السبب. يجب الانتباه إلى أنه أولاً: سببية بقاء الحياة بالنسبة لتأخر الموت هي سببية عقلية لا شرعية، وبسبب الملازمة بينهما، يفهم العرف من التعبد بأحدهما التعبد بالآخر. ثانياً: هذا السبب له علية في بقائه لا في حدوثه. هذا المثال يشبه قيام بينة على مجرد بقاء حياة مجهول التاريخ (بدون خبر عن الموت)، حيث يُفهم هنا من التعبد بالبقاء، التعبد بالتأخر أيضاً.

ج. الواسطة والمستصحب متلازمان لأمر ثالث

أما الاستثناء الثالث، فهو حيث تكون الملازمة واضحة، والتفكيك بين التعبد بهما ممكن من وجهة نظر العرف، ولكن بحيث إذا تعبد الشارع المكلف بأحدهما، يفهم العرف التعبد بالآخر أيضاً. الفرق بين المورد الثالث والثاني هو أنه في المورد الثاني لم يكن التفكيك بين التعبد بهما ممكناً من وجهة نظر العرف، أما في المورد الثالث فالتفكيك ممكن من وجهة نظر العرف. ولكن من الناحية الإثباتية، يفهم العرف من التعبد بأحدهما التعبد بالآخر، وإذا لم يقبل الشارع ذلك، فعليه أن يستثني (الآخوند الخراساني، 1409: 337/2). ربما يمكن تطبيق المادة 874 من القانون المدني على هذا الاستثناء أيضاً، إذا قلنا إن العرف يرى نوعاً من التلازم والملازمة الواضحة بين بقاء حياة مجهول التاريخ وتأخر وفاته عن وفاة معلوم التاريخ. ربما يكون مثل هذا التلازم حاصلاً عرفاً. عندما يكون تاريخ وفاة كلا الشخصين اللذين بينهما علاقة توارث متزامناً، ويكون تاريخ أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً، فإن التعبد ببقاء حياة مجهول التاريخ حتى زمان وفاة معلوم التاريخ هو تعبد بتأخر وفاته أيضاً؛ لأن تزامن وفاتهما بالضبط في لحظة واحدة نادر من وجهة نظر العرف. بالطبع، يرى العرف أن التفكيك بينهما في التعبد ممكن، ولكن من دليل التعبد بالملزوم يفهم التعبد باللازم أيضاً. أي أنه على الرغم من أنهما قابلان للانفكاك ثبوتاً، إلا أنه من الناحية الإثباتية، يرى أن دليل التعبد بأحدهما دال على التعبد بالآخر. هذا في الموارد التي بسبب وضوح التلازم أو الملازمة عند العرف، يُحسب الأثر أثراً، بحيث لو أراد الشارع أن يتعبد المكلف بأحدهما فقط، لكان عليه أن يبين ذلك، وحيث إنه لم يبين، فالتعبد بكليهما مقبول، ونتيجة لذلك، يفهم العرف من دليل التعبد بعدم الموت وبقاء الحياة، التعبد بتأخر وفاة مجهول التاريخ عن معلوم التاريخ، وبالتالي يحكم بإرثه. على الرغم من أن هذه الاستثناءات الثلاثة محل إشكال من وجهة نظر بعض الفقهاء، إلا أنه بشكل عام وبدقة عقلية، يمكن قبولها. من بين هذه الإشكالات، إشكال المرحوم الخوئي. بعد تقرير كلام الآخوند، قال: كل من استثناء المرحوم الشيخ وهذا الاستثناء خاطئ. استثناء المرحوم الشيخ خطأ، لأنه من موارد تسامح العرف في التطبيق (الخوئي، 1419: 191/48). أي نفس الإشكال الذي أورده المرحوم الآخوند نفسه على الشيخ، ثم أجاب عليه، وحيث إن المرحوم الآخوند نفسه التفت إلى هذا الإشكال وقال: هذا ليس من موارد التسامح في التطبيق بل تسامح في المفهوم، وهو تسامح هو حد الوضع، فإن إيراد هذا الإشكال عليه لا وجه له. كما أورد المرحوم النائيني إشكالاً على المرحوم الآخوند: إذا كان أثر اللازم الخفي، من باب التوسعة في المفهوم، مستنداً حقيقة إلى ذي الواسطة، ففي هذه الحالة لا يكون المورد المذكور استثناءً، بل يكون مثل سائر آثار ذي الواسطة التي هي حجة (النائيني، 1417: 154/2). الاستثناءان الثاني والثالث اعتبراهما خاطئين وقالا: بحث الأصل المثبت يكون حيث يكون التلازم بلحاظ البقاء، وموارد المتضايفين والعلة والمعلول، التلازم بلحاظ الحدوث أيضاً، وفي مثل هذا الفرض لا نحتاج إلى الأصل المثبت، بل نستصحب اللازم نفسه. الآن إذا كان المقصود حيث تصح العلية أو التضايف بلحاظ البقاء، فهو من موارد الأصل المثبت ولا فرق بينه وبين سائر موارد الأصل المثبت (الخوئي، نفس المصدر: 192). في الواقع، أورد المرحوم الخوئي إشكالاً على صغرى كلام المرحوم الآخوند، ولكن مثل هذا الإشكال غير وارد؛ لأنه من المستبعد أن نقول إن كلام المرحوم الآخوند غير مدروس إلى هذا الحد بحيث لم يُنظر له في أي صغرى. قال الآخوند نفسه: إذا كان اللازم له حالة سابقة، نلجأ إلى الاستصحاب في اللازم، ولا حاجة بعد ذلك إلى الاستصحاب في الملزوم لإثبات اللازم. لقد ذكر هذه الاستثناءات مع علمه بذلك. إذن، لقد بيّن في هذا الاستثناء مطلباً مدروساً. الاستصحاب في العلة ليس استصحاباً بوصف العلية حتى يرد المرحوم الخوئي هذا الإشكال، بل هو متعلق بموارد تكون فيها تلك العلة علة في بقائها لا في حدوثها؛ أي باستصحاب البقاء، يثبت تمام العلة، لا جزء العلة. البقاء هو العلة التامة. كما أورد المرحوم الأصفهاني نفس إشكال المرحوم الخوئي على أستاذه (المرحوم الآخوند). الإشكال هو أنه إذا أجريتم الاستصحاب في عنوان العلة أو المتضايف لتثبتوا المعلول أو المتضايف الآخر، يمكنكم مباشرة إجراء الاستصحاب في اللازم نفسه؛ لأن وجود العلة والمعلول، وكذلك وجود المتضايفين، متلازمان في الحدوث أيضاً. إذا أجريتم الاستصحاب في ذات العلة أو المتضايف، يُشكل بأن ذات العلة مع ذات المعلول، وكذلك ذات المتضايف مع ذات المتضايف الآخر، لا تلازم بينهما (الأصفهاني، 1416: 3/225). لقد تسامح المرحوم الأصفهاني في بيان استثناءات كلام المرحوم الآخوند، وبيّن العنوانين المذكورين في كلام صاحب الكفاية بطريقة أخرى. في الكفاية، استُثني عنوانان، وقد وردا على النحو التالي: 1. الموارد التي تكون فيها شدة التلازم إلى حد لا يوجد فيه انفكاك في ذهن العرف. 2. الموارد التي يمكن فيها الانفكاك في ذهن العرف، ولكن بسبب الملازمة، يحتاج إلى بيان. بيّن المرحوم الأصفهاني العنوانين المستثنين في الكفاية على النحو التالي: 1. التلازم بين العلة والمعلول. 2. التلازم بين المتضايفين. كما نرى، في كلام صاحب الكفاية، الموضوعية لوجود الملازمة، والعلية والتضايف من باب المثال، بينما في تقريب المرحوم الأصفهاني لكلام صاحب الكفاية، الموضوعية للعلية والتضايف، وهما مختلفان. إذن، في النهاية، مع وجود جميع المناقشات الواردة في مستثنيات عدم حجية الأصل المثبت، يجب القول إن مثل هذه الإشكالات غير مقبولة، وفي هذه الموارد يشمل دليل حجية الأصل هذا النوع من اللوازم. إذن، وفقاً لهذه الاستثناءات، إذا تمسكنا في بحث الإرث في المادة 874 من القانون المدني باستصحاب حياة مجهول التاريخ والحكم بإرثه كأصل مثبت، فأولاً: أثبتنا أنه إذا كان الاستصحاب أصلاً عملياً تعبدياً، فإن صحة الاستصحاب والأصل المثبت في المادة 874 من القانون المدني خارجة عن مدلول عدم حجية الأصل المثبت في الأصول العملية، إلا إذا قبلنا أن الأصل المثبت ليس حجة فقط في الاستصحاب الموضوعي الذي يشكل صغرى القياس المنطقي في طريق استنباط الحكم الشرعي، وتكون الكبرى واسطة عقلية أو عرفية ليس لها حكم شرعي. ثانياً: إذا كان الفقيه قائلاً بمثل هذا المبنى، فلا يمكن أيضاً القول إن المادة 874 في تعارض مع عدم حجية الأصل المثبت؛ لأنه كما تم بيانه، فإن عدم حجية الأصل المثبت له استثناءات، وهذه المادة القانونية قابلة للتطبيق مع الاستثناءات الموجودة (الاستثناء الثاني والثالث للمرحوم الآخوند)، وبالتالي لا يرد إشكال على قاعدة عدم حجية الأصل المثبت ولا على الاستصحاب وحكم المادة 874. ثالثاً: هذه المطالب في حالة اعتبارنا الاستصحاب – كما تم بيانه – من الأصول العملية، أما إذا اعتبرنا حجية الاستصحاب من باب حكم العقل وفقاً لرأي المتقدمين من الأصوليين، واعتبرناه أمارة ظنية عقلية، فالمشهور بين العلماء أن لوازم الأمارات حجة، ونتيجة لذلك، فإن الاستصحاب الموجود في حكم المادة 874 من القانون المدني والتمسك بالأصل المثبت حجة وبلا إشكال. وما هو الفرق بين الأمارات والأصول العملية الذي يجعل لوازم الأمارات حجة ولوازم الأصول العملية ليست حجة؛ في ما يلي، سيتم بيان دليل حجية مثبتات الأمارات وكذلك الأدلة التي تدل على كون الاستصحاب أمارة.

أدلة حجية مثبتات الأمارات

الدليل الأول: إن الأمارة تخبر عن الواقع. الأمارة تخبر عن الواقع. من هنا، إذا ثبت الموضوع، يثبت لازمه، وملزومه، وملازمه؛ مثلاً، عندما يثبت وجود النار في الخارج، يثبت لازمها (الإحراق) وملازمها (الدخان) أيضاً. بعبارة أخرى، الأمارة ترينا الواقع، ووفقاً للأمارة، نعلم بالخارج، بخلاف الأصل؛ لأن الأصل يخرجنا من الحيرة فقط. من هنا، فإن لوازمه الأخرى ليست حجة (الأنصاري، 1415: 2/659؛ هو نفسه، بدون تاريخ: 24).

الدليل الثاني: يعتمد بعض الأصوليين في الأمارات على لسان الحجية ويقولون إن لسان حجية الأمارة هو الكاشفية والطريقية. نعم، بما أن كاشفية وطريقية الأمارة ناقصة، فقد أكمل الشارع المقدس هذا النقص وجعله بمنزلة الكشف والطريق التام. إذن، لسان الأمارة يكشف لنا الواقع، وهو طريق يوصلنا إلى الواقع. الآن وقد وصلنا إلى الواقع، يجب أن نرتب اللازم والملزوم والملازم (الخراساني، 1409: 277). يعتقد المحقق الخراساني أن مثبتات الأمارات حكاية معتبرة. في إثبات هذا الرأي، يقول: كما أن الأمارة حاكية عن مؤداها وتشير إليه، فهي حاكية عن أطرافه (الملزوم، اللازم، والملازم) أيضاً. إذن، لازم إطلاق دليل الاعتبار وحجية الأمارة هو لزوم تصديق الأمارة في هذه الحكاية، ومقتضى ذلك حجية مثبتات الأمارات (نفس المصدر: 416). بناءً على هذا الاستدلال، اعتبر المحقق الخراساني بحث حجية لوازم الأمارات إثباتياً لا ثبوتياً. بمعنى أنه لا يرى مجرد الاختلاف الماهوي بين الأمارات والأصول كافياً لإثبات حجية أو عدم حجية لوازمها، بل يعتقد أنه يجب الرجوع إلى أدلة الحجية وبحث وجود الإطلاق والعموم أو عدمه فيها، وبما أن دليل حجية الأمارة مطلق، يمكن القول إن لوازم الأمارات حجة مطلقاً، ولكن في الأصول العملية لا يوجد مثل هذا الإطلاق (الخميني، 1385: 1/177). اعترض الميرزا النائيني على استدلال المحقق الخراساني قائلاً: الحكاية عن شيء فرع الالتفات والتوجه إليه، وأحياناً لا يلتفت الشاهد إلى لوازم وملزومات خبره (النائيني، 1417: 4/402). في تكميل هذا الإشكال، يكتب المحقق الخوئي: على الرغم من أن الأدلة تدل بشكل مطلق على حجية الخبر، إلا أن الخبر والحكاية عن عناوين قصدية؛ فالإخبار عن شيء ليس إخباراً عن لوازمه إلا إذا كانت الملازمة بالشكل البين بالمعنى الأخص، أو بالمعنى الأعم، بشرط أن يكون المخبر نفسه ملتفتاً. إذن، في حالة عدم التوجه أو إنكار الملازمة من قبل المخبر، فإن الخبر عن شيء لا يعني الخبر عن لازمه. لذا، الإخبار عن شيء لازمه تكذيب النبي لا يوجب الكفر إلا في حالة التفات المخبر إلى وجود مثل هذه الملازمة (الخوئي، 1419: 2/153). غالباً ما يأخذ علماء الأصول الحكاية في عبارة الآخوند الخراساني بمعنى الإخبار، ولكن من المحتمل أن يكون مرادهم من تعبير الحكاية عن المؤدى هو الكاشفية عن المؤدى، وفي هذه الحالة يعتقد الآخوند أنه بناءً على إطلاق أدلة الأمارات، كما أن الأمارة كاشفة عن مؤداها، فهي كاشفة عن لوازمها ومثبتاتها أيضاً. قام الآقا ضياء العراقي بالدفاع عن أستاذه وقال: أولاً، بعد تحقق الحكاية التصديقية بالنسبة للمدلول المطابقي، يمكننا العمل بلوازم وملزومات الخبر، على الرغم من علمنا بأن المخبر لم يكن ملتفتاً إليها ومتوجهاً؛ لأن الخبر حاكٍ عنها؛ وإن كان بشكل حكاية تصورية، وفي الحكاية التصورية لا يشترط الالتفات، وسيرة العقلاء في المحاورات وفي باب الإقرار وسائر الموارد تؤيد هذا القول. ثانياً: على فرض أن الحكاية التصديقية هي الملاك بالنسبة للوازم أيضاً، فإن الالتفات موجود؛ لأنه في الحكاية التصديقية لا يلزم الالتفات التفصيلي؛ بل يكفي الالتفات الإجمالي، وبالنسبة للوازم أيضاً يعلم المخبر إجمالاً أن كلامه له لوازم (العراقي، 1414: 4/185). على كل حال، بالنظر إلى استدلال المحقق الخراساني، يمكن القول: إذا لم تكن للأمارة جهة حكائية، فإن مثبتاتها (مثل الأصول العملية) لن تكون حجة.

الدليل الثالث: نظرية الميرزا النائيني مبنية على رأيه الخاص بحقيقة وماهية الأمارات والأصول العملية. يعتقد: أن الشارع جعل للأمارات صفة الكاشفية، وفي الأصول العملية، ألزمنا الشارع من حيث التحريك والإقدام العملي بتنفيذ مفاد الأصول العملية. برأيه، لوازم الأمارات معتبرة وحجة؛ لأن جعل الطريقية والعلمية في مورد الأمارات بمعنى تكميل الكاشفية، وقطعاً الكاشفية التي للأمارات بالنسبة لمدلولها المطابقي، موجودة بالنسبة لملازماتها أيضاً. إذن، بهذا الجعل، ستكون لوازم الأمارات معلومة لنا بالاعتبار أيضاً. بعبارة أخرى، الأمارات تحرز لنا مفادها ومؤداها، وبهذه الوسيلة تحرز لنا لوازمها أيضاً. فكما أن اللوازم والملزومات المعلومة حجة في العلم الوجداني، فهي كذلك في العلم التعبدي (النائيني، 1417: 482). كما هو واضح، استنتاج النائيني مبني على عدة مقدمات. إحدى هذه المقدمات، قبول وجود جعل مستقل من ناحية الشارع للأمارات والأصول العملية. المقدمة الأخرى، فرض جعل العلمية والكاشفية للأمارات وجعل الإقدام والتطبيق العملي في الأصول العملية. يشير الإمام الخميني (قده) إلى هذه النظرية ويكتب: بعض الأكابر يعتبرون دليل اعتبار مثبتات الأمارة، بخلاف الأصول العملية، اختلاف المجعول في مورد الأمارات والأصول؛ لأن المجعول في الأمارات هو الطريقية والكاشفية، ولازم ذلك حجية لوازم الأمارة. أما في مورد الأصول، فالمجعول هو فقط تطبيق العمل على أساس مؤدى ومفاد الأصل، وهذا المعنى لا يستلزم حجية لوازم الأصل (الخميني، 1385: 1/177). في النظريات الثلاث، يُفترض وجود جعل للأمارات؛ على الرغم من أن المجعول يختلف من وجهة نظرهم. يعتقد الشيخ الأنصاري بجعل الحكم (الأنصاري، 1419: 2/659). ويعتقد الآخوند الخراساني بجعل مماثل الحجية (وترتب المنجزية والمعذرية عليه) (الآخراساني، 1409: 277)، وكما تم بيانه، يطرح الميرزا النائيني جعل العلمية والكاشفية (النائيني، نفس المصدر: 4/484). هذه الأدلة الثلاثة تشكل جوهر أدلة حجية مثبتات الأمارة، ولكنها قابلة للخدش؛ خصوصاً طبقاً لمباني الإمام الخميني (قده) والمعاصرين الذين لا يعتبرون الطريقية والكاشفية قابلة للجعل، بل يقولون إن هذين الأمرين من الأمور التكوينية، وجعل الكاشفية، وجعل الطريقية، وتكميل الكاشفية، وتكميل الطريقية غير صحيح (الخميني، 1415: 1/106). ضمن أن بعض هذه الأدلة سالبة بانتفاء الموضوع؛ لأننا لا نملك في القرآن والحديث دليلاً على حجية خبر الواحد (أحد الأمارات). إذن، لا يوجد لسان في مورد الأمارة حتى نقول إن لسان جعل الحجية في الأمارة يوصلنا إلى الواقع. الواقع هو أنه ليس لدينا دليل لفظي على حجية الأمارة، وفقط بناء العقلاء هو الذي يجعل الأمارة حجة؛ لأن الشارع لم يردع هذا البناء بل لم يمضه أيضاً. بناء العقلاء دليل لبي وليس له لسان. يكتب المحقق الخوئي: جميع الأمارات طرق عقلائية أيدها الشارع كما كانت عند العقلاء (الخوئي، 1415: 1/239). يعتبر المرحوم البروجردي أيضاً، بالاعتماد على كون الأمارات عقلائية، وجود أي جعل للأمارات غير معقول (البروجردي، 1415: 458). ويقول سائر الفقهاء المعاصرين – ومنهم آية الله السبحاني -: حجية خبر الواحد المحفوف بالقرينة بسبب بناء العقلاء. من هنا، يجب أن نرى كيف يتعامل العقلاء مع خبر الواحد؛ وسواء كان تعاملهم واسعاً أو ضيقاً، نحن نعمل وفقه. كل ما هو بناء العقلاء، يتضح من خلاله إمضاء الشارع. ظاهراً، بناء العقلاء على كون خبر الثقة موجباً للاطمئنان، والناس يعملون بخبر الواحد العادل لأنه يورث الاطمئنان نوعاً (الاطمئنان الشخصي ليس الملاك؛ لأنه ربما خبر لا يفيدني اطمئناناً وهذا ليس مضراً؛ لأن الاطمئنان النوعي هو الملاك، والناس غالباً ما يطمئنون بخبر الواحد). بهذه المقدمة نقول: “الاطمئنان عرفاً هو العلم عرفاً”. لدينا نوعان من العلم: 1. العلم الفلسفي والمنطقي الذي هو عبارة عن: “الاعتقاد الجازم المطابق للواقع”. هذا النوع من العلم قليل ما يصيب أحداً. 2. الاطمئنان الذي هو العلم العرفي، وإذا قال القرآن إنه يجب السعي لتحصيل العلم، فإنه يعني السعي وراء الاطمئنان. إذن، خبر الواحد يوجب أن نطمئن بالواقع، وفي هذه الحالة تكون جميع حواشيه مورد اطمئنان؛ لازمه، وملزومه، وملازمه، بخلاف الأصل العملي؛ لأن الأصل العملي فقط لرفع الحيرة ولا يرينا الواقع (السبحاني، 1426: 4/195). من الإشكالات المهمة الأخرى في النظريات الثلاث السابقة المتعلقة بمسألة اعتبار مثبتات الأدلة، النظرة التعبدية إلى الأمارات. إذا اعتبرت الأمارات سلسلة من الطرق التعبدية، فسيترتب عليها تالٍ فاسد. في حالة كون الأمارات تعبدية، يجب الاكتفاء بمقدار التعبد وهو آثار الأمارة نفسها، ولا يمكن إثبات اعتبار اللوازم الشرعية للأمارات في حالة وجود واسطة، حتى لو كانت واسطة شرعية. بعبارة أخرى، لأن التعبد لم يثبت بالنسبة لمثبتات الأدلة، فلن تكون معتبرة. يقول الإمام الخميني منتبهاً إلى هذه النقطة: إذا أثبتنا حجية الأمارات بمساعدة الأدلة النقلية مثل الكتاب والسنة، وهي أدلة تعبدية، فإمكانية إثبات حجية مثبتاتها، وحتى أبعد من ذلك، إمكانية إثبات اعتبار اللوازم الشرعية للأمارات مع وجود وسائط شرعية، غير ممكن (الخميني، 1382: 1/177). أخيراً، على الرغم من تفاوت المباني الأصولية في أدلة حجية مثبتات الأمارات، يجب الانتباه في مقام الجمع بينها إلى أن نوع الاستدلال وتحليل مسألة ما يمكن أن يكون مؤثراً ومحدداً في حالات متعددة. لذا، على الرغم من أن نتيجة آراء المعاصرين وكثير من علماء الأصول متماثلة إلى حد ما، إلا أن هذا اشتراك ظاهري، والتحليلات مختلفة ولها آثار متباينة. في الواقع، مثبتات الأمارات حجة، بشرط أن تكون تلك الأمارة مستندة إلى سيرة العقلاء، فكلما ثبت الواقع بواسطة الأمارة، يثبت اللازم والملزوم والملازم له أيضاً بنفس الملاك والمعيار الذي يثبت به مفاد الأمارة نفسها؛ فكما أن العلم بشيء يسبب العلم بلوازمه وملزوماته وملازماته، فإن الوثوق والاطمئنان بشيء له نفس الخاصية (الخميني، نفس المصدر: 193). إذن، يمكن القول إنه كما أن دليل اعتبار الأمارات هو سيرة العقلاء، فإن دليل اعتبار اللوازم والمثبتات لها هو نفس السيرة، ومن يتمسك في الاستصحاب بالمثبتات واللوازم العقلية والعادية، فربما يعتبر الاستصحاب من باب الأمارة.

الاستصحاب، أمارة ظنية عقلية

إذا كان الاستصحاب أمارة ظنية – كما أن لهذه النظرية أدلة ومؤيدين، وعلى الأقل يعتبر الاستصحاب “فرش الأمارات” – فإن لوازم الاستصحاب أيضاً حجة بحكم العقل وبناء العقلاء. بناءً على رأي من يعتبرون الاستصحاب أمارة، فإن دليل حجية الاستصحاب هو جانبه الكشفي. دلالة حكم العقل، وسيرة العقلاء، والروايات، تؤكد أن تعيين الوظيفة العملية ليس هو دليل حجية واعتبار الاستصحاب، بل الدليل الأصلي لاعتبار وحجية الاستصحاب هو كاشفية الحالة السابقة عن بقاء تلك الحالة السابقة إذا كان هناك مقتضٍ للبقاء. إذن، الاستصحاب من الأمارات. ملاك التمايز بين الأصل والأمارة هو مفاهيم ومدلولات الدليل لا الدليل نفسه. فربما نجد فقيهًا يعتبر الروايات هي المستند الأصلي للاستصحاب ولكنه يعتقد بأمارية الاستصحاب (الخوئي، 1419: 3/19؛ الفيروزآبادي، 1400: 5/14؛ الخميني، 1370: 6/147). سيرة العقلاء التي يقوم عليها جريان الاستصحاب والرجوع إلى هذه السيرة في الروايات لا تتوافق مع كونها تعبدية؛ لأن في الاستدلالات العقلية، لا معنى للتعبد، بل استدلالهم يقوم على حقائق موجودة في عالم الواقع لا على تعيين تكليف ووظيفة شرعية للمكلف. كما أن روايات مثل صحيحة معاوية بن وهب (الحر العاملي، 1409: 27/336) وفتاوى بعض الفقهاء مثل الشهيد الأول، والشيخ الأنصاري، والميرزا القمي (الشهيد الأول، 1413: 1/37؛ الميرزا القمي، 1421: 2/779؛ الأنصاري، بدون تاريخ: 261) التي تجيز الشهادة في المحكمة على أساس أصل الاستصحاب، بينما الاستناد إلى الاستصحاب للشهود مع تصور أن الاستصحاب يُطرح فقط في الجانب العملي ولا يوجب إحراز وإثبات متعلقه غير صحيح؛ لأن الشهادة يجب أن تحكي عن علم وواقع، وإذا اعتبرنا الاستصحاب من الأصول العملية، فهو لا يحكي عن علم وواقع. إذن، ثلاثة أدلة تدل على أمارية الاستصحاب: 1. العقل: في الحالات التي يكون فيها الأمر الحادث والواقع في الزمن القديم له مقتضٍ للبقاء. 2. سيرة العقلاء: بناءً على طريقة وسيرة العقلاء، فإن حكمنا ببقاء الحالة السابقة ليس على أساس التعبد، بل بسبب الحالة الكشفية التي تقتضي استمرار أثرها. 3. الروايات: روايات أصل الاستصحاب أولاً، تبين قوة احتمال البقاء، وثانياً، هي مورد تأييد وإمضاء سيرة وطريقة العقلاء. إذن، الاستصحاب حكم تأسيسي وليس من باب التعبد، بل هو طريقة عقلائية أمضاها وأيدها الشارع المقدس، وإذا كان الاستصحاب من الأمارات، فإن الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية والعادية في مورد الاستصحاب أو ما يسمى بالمثبتات، تكون ذات حجية واعتبار. وفي مبحث الإرث في المادة 874 من القانون المدني، تكون اللوازم العقلية والعادية لاستصحاب عدم الوفاة ذات اعتبار، ويحكم بتأخر وفاة مجهول التاريخ، ويرث مجهول التاريخ من معلوم التاريخ. ولكن بعض الفقهاء الآخرين، بمعزل عن كون الاستصحاب أصلاً عملياً أو أمارة، استندوا في خصوص هذا الفرع الفقهي (إرث مجهول التاريخ) إلى أصل تأخر الحادث. الإمام الخميني يستند إلى أصل تأخر الحادث، لا إلى استصحاب عدم الموت. في هذه الحالة، يكون التأخر هو المفاد المباشر والأولي للأصل نفسه، لا لازمه، ونتيجة لذلك تثبت الآثار الشرعية لتأخر الموت (الإرث) (النراقي، 1415: 19/452). ولكن أُوردت إشكالات على هذا الأصل، وقال البعض إن هذا الاستدلال ليس تاماً؛ لأن أصل تأخر الحادث، إذا كان أصلاً مستقلاً، فإنه يثبت فقط التأخر في الحدوث، لا تأخر حادث بالنسبة لحادث آخر (النجفي، بدون تاريخ: 25/269؛ المراغي، 1417: 1/97). إذن، هذا الأصل لا يمكنه إثبات تأخر موت مجهول التاريخ بالنسبة لمعلوم التاريخ. في ما يلي، سيتم بحث أصل تأخر الحادث وكيفية الاستناد إليه ورأي الأصوليين في هذا المجال.

معنى وماهية أصل تأخر الحادث

يقول المرحوم مير عبد الفتاح المراغي في تبيين معنى أصل تأخر الحادث: كلما علمنا ويقنا بوجود شيء، ولكن شككنا هل كان موجوداً قبل الزمان المعلوم أم لا، نحكم بتأخر الحادث، فتترتب الآثار الشرعية والحقوقية على وجود الحادث من ذلك الزمان القطعي والمعلوم، ولا تثبت آثاره بالنسبة للزمان المشكوك فيه؛ لأن وجوده لم يُحرز؛ ويعبر الفقهاء عن هذا الأصل بأصل تأخر الحادث (المراغي، 1417: 1/97). يعتبر العلامة المجاهد اعتبار أصل تأخر الحادث إجماعياً (المجاهد، 1296: 40). ويقول صاحب العناوين أيضاً: ثبت في الأصول أن هذا الأصل حجة (المراغي، 1417: 1/92). نتيجة بحث المصادر الفقهية والأصولية تشير إلى أن المنشأ الأصلي لهذا التعبير هو القرن الحادي عشر، ويشير السبزواري في “ذخيرة المعاد” بشكل ساخر إلى هذا الأصل ويكتب: “احتمال اعتبار التأخر وارد أيضاً؛ لأن الأصل هو تأخر الحادث عند من يعملون بأمثال هذه الأصول” (السبزواري، 1247: 601/2). ويصرح الفاضل الهندي أيضاً في موضع ما بهذا الأصل (الفاضل الهندي، 1416: 7/258). أخيراً، يخصص مير عبد الفتاح المراغي في كتاب “العناوين الفقهية” عنواناً لهذا الأصل (المراغي، 1417: 91/1). بالطبع، لدى فخر المحققين عبارة قريبة من هذا المصطلح، وقد استخدم أصل عدم الحدوث في الزمان المتقدم (فخر المحققين، 1387: 3/632). ومن المحتمل قوياً أنه اقتبس هذه المسألة من أبيه، أي العلامة الحلي. وما نقله المرحوم الشيخ موسى التبريزي عن صاحب مفتاح الكرامة يؤيد هذا الاستنتاج؛ حيث يكتب: حُكي عن صاحب مفتاح الكرامة أنه قال إن الاستناد والتمسك بأصل تأخر الحادث إنما ظهر في لسان العلامة وجماعة من الفقهاء المتأخرين عنه، ولا أثر له في كلمات الفقهاء المتقدمين عليه، وقد ذكر شواهد لذلك (التبريزي، 1369: 454). على كل حال، من المناسب طرح هذا السؤال: كيف اعتبر العلامة المجاهد اعتبار هذا الأصل إجماعياً، بينما تحصيل هذا الإجماع غير ممكن بسبب عدم قدم المصطلح. يبدو أن هذا الإجماع يستند إلى إجماع فرضي آخر، وهو إجماع على اعتبار أصل العدم أو أصل الاستصحاب. غالبية المتأخرين لا يعتبرون أصل تأخر الحادث مستقلاً، بل يعتبرونه من مصاديق الاستصحاب، والكثيرون استخدموا عنوان “استصحاب تأخر الحادث” بدلاً من “أصل التأخر” (قانصوه، 1418: 2/390؛ مكارم الشيرازي، 1385: 3/392؛ الحسيني الشيرازي، 1427: 1/302). وقد بحث الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني هذا الأصل في تنبيهات الاستصحاب (الخراساني، 1409: 419؛ الأنصاري، 1428: 3/247). إذن، يمكن تصور أصل تأخر الحادث على النحو التالي: نحن نعلم أن أمراً حدث يوم السبت، ولكن لا نعلم هل كان موجوداً يومي الخميس والجمعة أم لا، ولكننا نقطع بأنه لم يكن موجوداً يوم الأربعاء. إذن، بالنسبة ليومي الخميس والجمعة، نحكم ببقاء الحالة السابقة، وهي العدم، وبهذه الطريقة، يكون الحادث متأخراً بالنسبة للأيام الأخرى. ولكن البعض تعامل مع ماهية أصل تأخر الحادث بشك وتردد، ومع احتمال رجوع هذا الأصل إلى أصل الاستصحاب، احتملوا أن هذا الأصل أصل مستقل، وفي هذه الحالة لا يوجد دليل من العقل والشرع على تأييده، بل يوجد دليل على خلافه (الزنجاني، بدون تاريخ: 250). الاحتمال الآخر الذي يُؤخذ بجدية هو إرجاع هذا الأصل إلى أصل العدم أو أصالة العدم. على هذا الأساس أيضاً، لن يكون أصل التأخر أصلاً مستقلاً، بل سيُعد ضمن مجموعة أصل العدم. قد يقال إن هذا هو نفسه استصحاب العدم وليس شيئاً جديداً، ولكن يمكن القول: أصل العدم له استقلاله الخاص، بمعنى أن اعتباره لا يرتبط باعتبار الاستصحاب، وحتى لو لم نعتبر الاستصحاب في الأمور العدمية، فإن هذا الأصل سيكون معتبراً، وعقلاء العالم لا يرتبون أحكام وآثار شيء ما لم يحرزوا حدوثه، وهذا هو معنى تأخر الحادث، أي بالنسبة لما قبل زمان العلم بالحدوث، له أحكام المعدوم، ومن زمان العلم بالحدوث، تثبت أحكامه وآثاره. على كل حال، بالنظر إلى عدم استقلال أصل التأخر، ربما يمكن توجيه دعوى الإجماع المنقولة عن العلامة المجاهد بأن جميع الفقهاء قبلوا أصل الاستصحاب أو أصل العدم، وبالتالي فإن أصل تأخر الحادث معتبر عندهم أيضاً. ولكن النقطة التي تعقد المسألة هي أن اعتبار الاستصحاب أو أصل العدم ليس مسلماً به عند جميع الفقهاء حتى يمكن طرح هذا الإجماع، بل بعض الفقهاء مثل الشيخ الطوسي والسيد المرتضى لا يعتبرون الاستصحاب دليلاً مطلقاً (الشيخ الطوسي، 1417: 2/758؛ السيد المرتضى، 1376: 2/353). بالإضافة إلى ذلك، تعبير “أصالة العدم” قبل بعض عبارات العلامة الحلي ليس له سابقة واضحة (الحلي، 1388: 640). ولكن ربما يمكن القول بخصوص رأي أمثال الشيخ الطوسي: على الرغم من أن الشيخ الطوسي في “عدة الأصول” لم يعتبر الاستصحاب حجة، إلا أن هذا في خصوص إثبات الحكم الشرعي، وإلا فإنه في خصوص موضوعات الأحكام، عمل بالاستصحاب واستخدم عبارة “الأصل بقاء…”. في حالات متعددة من كتبه الفقهية، يشير إلى هذه الحقيقة. إذن، يمكن القول: أصل تأخر الحادث إما يرجع إلى أصل الاستصحاب أو إلى أصل العدم، والقدر المتيقن منه هو أصل الاستصحاب.

تطبيق البحث على المادة 874 من القانون المدني

إحدى مواد القانون المدني التي هي من مصاديق بحث أصل تأخر الحادث هي المادة 874. بناءً على هذه المادة، إذا توفي أشخاص بينهم توارث، وكان تاريخ وفاة أحدهم معلوماً والآخر مجهولاً من حيث التقدم والتأخر، فإن من تاريخ وفاته مجهول يرث من الآخر فقط. يعتبر المرحوم السيد حسن إمامي في شرح القانون المدني، مستند هذه المادة هو أصل تأخر الحادث (إمامي، بدون تاريخ: 2/43). في بيان مثال لهذه المادة، يكتب: مثلاً، أب وابن في فصيلة من العسكريين في جبهة واحدة يقاتلون العدو. كلاهما جُرحا في أوائل الربيع وسيطر العدو عليهما، هرب الأب إلى جبهته وأُسر الابن. بعد فترة، توفي الأب في أول أرديبهشت من نفس العام، ولم تكن هناك معلومات عن الابن حتى وصل خبر بأنه مات في الأسر. بما أنهم يرثون من بعضهم البعض، فإن معرفة تاريخ وفاة الابن ضرورية، وإذا لم يوجد دليل على تاريخ وفاته، يتم حسم القضية المطروحة بواسطة أصل تأخر الحادث. وبهذا الترتيب، يقال إن الابن كان سابقاً على قيد الحياة، ثم يُشك في أنه توفي في زمان وفاة الأب في أول أرديبهشت من نفس العام أم كان لا يزال على قيد الحياة، وبما أنه لا يوجد دليل على وفاة الابن في ذلك التاريخ، يُستصحب حياته إلى ما بعد تاريخ وفاة الأب، ونتيجة لذلك يثبت أن الابن كان على قيد الحياة بعد وفاة الأب ويرث منه (نفس المصدر). مثال آخر يمكن طرحه لهذه المادة القانونية هو وفاة أب وابن في حادث سير. إذا افترضنا أن كليهما فقدا حياتهما في حادث واحد، ونعلم أن الأب توفي الساعة 12، ولكن لا نعلم هل توفي الابن قبل الأب أم مقارناً له أم متأخراً عنه، فهنا الابن مجهول التاريخ والأب معلوم التاريخ، ويبدو أن وفقاً لهذه المادة القانونية، يرث الابن من الأب فقط. في الدراسة التفصيلية والفقهية لهذه المسألة، يجب القول: كما مر، تختلف آراء الفقهاء في هذه المسألة. البعض، بالاستناد إلى أصل تأخر الحادث أو استصحاب عدم موت مجهول التاريخ، يعتقدون أن مجهول التاريخ فقط يرث (الخميني، بدون تاريخ: 401/2؛ السبزواري، 1413: 30/265؛ فاضل لنكراني، 1421: 493). ويعتقد البعض الآخر أن مجهول التاريخ لا يرث هنا أيضاً؛ لأن التأخر لازم عقلي للمستصحب (الخوئي، 1422: 1/88؛ الكلبايكاني، 1413: 2/259). وقال البعض أيضاً لدفع إشكال تحقق المثبت: لإثبات إرث مجهول التاريخ، لا حاجة لإثبات تأخر موته، بل يكفي مجرد استصحاب الحياة لنحكم بالإرث؛ لأن للإرث شيئين لازمين: موت المورث وحياة الوارث. موت المورث محرز بالوجدان واليقين، وحياة الوارث محرزة بواسطة الاستصحاب. إذن، جميع أجزاء هذا الحكم محرزة لنا، ويمكن القول إن مجهول التاريخ يرث من معلوم التاريخ (الأراكي، 1413: 177). وقد نُقل رأي مشابه لهذا من قبل الميرزا النائيني. إذا تم تعزيز رأي الشهيد الثاني (الشهيد الثاني، 1413: 4/78) والمحقق الحلي (الحلي، 1388: 2/152) – سواء كان الاستصحاب أمارة أم لا – فإن هذه المادة القانونية ستكون مطابقة للموازين الفقهية. رأيهم مبني على عدم الالتفات إلى الدقائق العقلية في الأحكام الشرعية. بما أن الأحكام الشرعية أمور اعتبارية، فإن إعمال الدقائق الفلسفية والعقلية في تشخيص موضوعاتها لا محل له. لذا، عندما تمسكنا بالاستصحاب والأصل على بقاء حياة الوارث، فمن وجهة نظر الشرع، وفاة الوارث قبل موت المورث، والوارث يرث، وإطلاق عنوان التأخر يمكن أن يكون على أساس تشخيص العرف من عناوين الأحكام البعيدة عن الدقائق العقلية. إذن، عندما نتعبد شرعاً بأن الوارث كان على قيد الحياة حتى زمان موت المورث، يقول العرف: إذن شرعاً، وفاة الوارث بعد وفاة المورث، وهذا القدر كافٍ لتحقق الحكم الشرعي. ربما يكون تبيين الموضوعات المركبة من قبل بعض الفقهاء لحل مشكلة الأصل المثبت مبنياً على هذا الفهم العرفي. ولكن الكثير من الأصوليين صرحوا بهذا التأخر والمثبتية واعتبروه فاقداً للاعتبار الشرعي. يكتب المرحوم الشيخ الأنصاري: لا يمكن الاعتماد على هذه الأصول؛ لأنه لا يوجد دليل على اعتبارها (الأنصاري، 1383: 4/286). إذن، إذا أصررنا على رأي فقهاء مثل الشيخ الأنصاري، وآية الله الكلبايكاني، والمحقق الخوئي، فإن هذه المادة القانونية تكون من مصاديق الأصل المثبت وتكون فاقدة للاعتبار الشرعي.

النتيجة

في علم الأصول، تنقسم الأدلة إلى أمارات وأصول عملية. الأمارة هي دليل له كاشفية عن متعلقه ويحكي عن الواقع، أما الأصل العملي فلا يثبت الواقع وهدفه تعيين وظيفة المكلف في مقام العمل. حول اعتبار مثبتات الأدلة، توجد آراء وتحليلات مختلفة؛ فالبعض، بالاستناد إلى الاختلاف الجوهري والماهوي للأدلة، يعتقدون بوجود فرق بين مثبتات الأمارات والأصول العملية، وأن مثبتات الأمارات معتبرة، أما مثبتات الأصول العملية ففاقدة للقيمة. مع وجود تفاوت في مباني الأصوليين في أدلة حجية مثبتات الأدلة، يجب الانتباه إلى أن نوع الاستدلال وتحليل مسألة ما يمكن أن يكون مؤثراً ومحدداً في حالات متعددة. في بحث الإرث في المادة 874 من القانون المدني، بعد إجراء الاستصحاب وإثبات الأثر الشرعي للمستصحب، على الرغم من أن التأخر، حسب قول عدد كبير من علماء الأصول، سيكون أثراً عقلياً للاستصحاب، والآثار العقلية للمستصحب لا تثبت على أساس عدم اعتبار الأصل المثبت، ولكن بالنظر إلى فتاوى بعض الفقهاء، يمكن ترتيب الآثار الشرعية للتأخر أيضاً؛ لأنه أولاً، ثبت أن الاستصحاب حجة من باب إفادة الظن، أو أن النسبة بين الموضوعات في الموضوعات تكون بشكل تركيبي، وإمكانية إحراز بعض الأجزاء بأصل الاستصحاب ممكنة، أو أنه في إحراز موضوعات الأحكام الشرعية، بالنظر إلى كونها اعتبارية، يكفي الإحراز العرفي فقط ولا ينبغي أن يكون الإحراز الدقيق والعقلي ملاك العمل. ثانياً، بفرض قبول كون الاستصحاب أصلاً عملياً، فإن الأصل المثبت له استثناءات، وهذه المادة القانونية قابلة للتطبيق مع مستثنيات الأصل المثبت، وبالتالي لا يرد إشكال على المادة 874. إذن، المادة 874 من القانون المدني، على الرغم من أنها ليست صحيحة وفقاً لرأي بعض الفقهاء، إلا أنها صحيحة ومطابقة للموازين الشرعية والفقهية والأصولية وفقاً لرأي المشهور من المتقدمين وجمع من المتأخرين، بشرط أن تكون أركان إجراء الاستصحاب بالنسبة لمجهول التاريخ كاملة.

الهوامش

1. القرآن الكريم.

2. الآشتياني، محمدحسن، بحر الفوائد، قم، کتابخانه آیت الله العظمی مرعشی نجفی، ۱۴۰۳ق.

3. الآملي، میرزا محمدتقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، تهران، مؤلف، چاپ اول، ۱۳۸۰.

4. الأراكي، الشیخ محمدعلي، رسالة في الإرث، قم، مؤسسه در راه حق، چاپ اول، ۱۴۱۳ق.

5. الأصفهاني، فاضل هندي، محمد بن حسن، کشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحکام، قم، دفتر انتشارات، اسلامي وابسته به جامعه مدرسین حوزه علمیه قم، ۱۴۱۶ق.

6. الإمامي، سید حسن، حقوق مدني، تهران، انتشارات اسلامية، بيتا.

7. الأنصاري، الشیخ مرتضى، فرائد الأصول، قم، دفتر انتشارات اسلامی، بي تا.

8. الأنصاري، الشیخ مرتضى، کتاب الطهارة، قم، کنگره جهاني بزرگداشت شیخ اعظم انصاری، چاپ اول، ۱۴۱۵ق.

9. الأنصاري، الشیخ مرتضى، مطارح الأنظار، قم، مؤسسه آل البیت، بي تا.

10. البروجردي، سیدحسین، نهایة الأصول، قم، نشر تفکر، ۱۴۱۵ق.

11. التبريزي، موسى بن جعفر بن احمد، أوثق الوسائل، قم، کتابفروشي کتبی نجفي، ۱۳۶۹ق.

12. الحائري، سید محمد مجاهد الطباطبائي، مفاتیح الأصول، قم، مؤسسه آل البیت، قم، اول، ۱۲۹۶ق.

13. الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشیعة، بیروت، مؤسسة آل البیت لإحیاء التراث، چاپ اول، ۱۴۰۹ق.

14. الحسیني الشيرازي، سید صادق، بیان الأصول، قم، دار الأنصار، ۱۴۲۷ق.

15. الخراساني، محمدکاظم، کفایة الأصول، قم، مؤسسه آل البیت، چاپ اول، ۱۴۰۹ق.

16. الخمیني، سید روح الله، أنوار الهدایة في التعلیقة على الکفایة، تهران، مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمیني، چاپ دوم، ۱۴۱۵ق.

17. الخمیني، سید روح الله، الرسائل، قم، انتشارات اسماعیلیان، بي تا.

18. الخمیني، سید روح الله، تحریر الوسیلة، قم، مؤسسه دارالعلم، چاپ اول، بي تا.

19. الخمیني، سید روح الله، تهذیب الأصول، قم، انتشارات اسماعیلیان، ۱۳۸۲.

20. الخوئي، سید ابوالقاسم، الهدایة في الأصول، قم، مؤسسه صاحب الأمر، چاپ اول، ۱۴۱۷ق.

21. الخوئي، سید ابوالقاسم، دراسات في علم الأصول، قم، مؤسسه دائرة المعارف فقه اسلامي، ۱۴۱۹ق.

22. الخوئي، سید ابوالقاسم، مباني تکملة المنهاج، قم، العلمیه، چاپ دوم، ۱۳۹۶.

23. الخوئي، سید ابوالقاسم، مصباح الأصول، قم، کتاب فروشي داوري، چاپ پنجم، ۱۴۱۷ق.

24. السبحاني التبريزي، الشیخ جعفر، إرشاد العقول الى مباحث الأصول، قم، مؤسسه امام صادق، ۱۴۲۶ق.

25. السبزواري، سید عبدالأعلى، مهذب الأحکام في بیان الحلال و الحرام، قم، دفتر آیت الله سبزواري، چاپ چهارم، ۱۴۱۳ق.

26. السبزواري، محمدباقر بن محمد مؤمن، ذخیرة المعاد في شرح الإرشاد، قم، مؤسسه آل البیت، ۱۲۴۸.

27. الشهید الثاني، زین الدین بن علي، مسالک الأفهام إلى تنقیح شرائع الإسلام، قم، مؤسسة المعارف الإسلامیة، ۱۴۱۳ق.

28. الشیخ الطوسي، محمد بن الحسن، العدة، قم، چاپخانه ستاره، ۱۴۱۷ق.

29. الصدر، سید محمدباقر، بحوث في علم الأصول (تقریر سید محمود هاشمي)، قم، مؤسسه دائرة المعارف فقه اسلامي، چاپ سوم، ۱۴۱۷ق.

30. الصدر، سید محمدباقر، مباحث الأصول (تقریر سید کاظم حائري)، قم، مقرر، چاپ اول، ۱۴۰۸ق.

31. العراقي، آقا ضیاء، مقالات الأصول، قم، مجمع الفکر الإسلامي، چاپ اول، ۱۴۱۴ق.

32. العراقي، آقا ضیاء، نهایة الأفکار، قم، دفتر انتشارات اسلامي، چاپ سوم، ۱۴۱۷ق.

33. الفاضل اللنکراني، محمد موحدي، الطلاق المواریث، قم، مرکز فقهي ائمه اطهار، چاپ اول، ۱۴۲۱ق.

34. فخرالمحققین، محمد بن حسن بن یوسف، إیضاح الفوائد في شرح مشکلات القواعد، قم، مؤسسه اسماعیلیان، ۱۳۸۷.

35. الفيروزآبادي، سید مرتضى، عنایة الأصول، قم، انتشارات فیروزآبادي، چاپ چهارم، ۱۴۰۰ق.

36. قانصوه، محمود، المقدمات و التنبیهات في شرح أصول الفقه، بیروت، دار المورخ العربي، ۱۴۱۸ق.

37. قانون مدني.

38. الگلپایگاني، سید محمدرضا موسوي، إفاضة العوائد، قم، دارالقرآن الکریم، چاپ اول، ۱۴۱۰ق.

39. الگلپایگاني، سید محمدرضا موسوي، کتاب القضاء، قم، دارالقرآن الکریم، چاپ اول، ۱۴۱۳ق.

40. اللنگرودي، سید محمدحسن مرتضوى، الدر النضید في الاجتهاد و الاحتیاط و التقلید، قم، مؤسسه انصاریان، چاپ اول، ۱۴۱۲ق.

41. المراغي، سید میر عبدالفتاح، العناوین الفقهیة، قم، مؤسسه نشر اسلامي، چاپ اول، ۱۴۱۷ق.

42. المروج، سید محمدجعفر، منتهى الدرایة، قم، دارالکتاب جزایري، ۱۴۱۵ق.

43. مکارم الشيرازي، ناصر، أنوار الأصول، قم، مدرسه الإمام علي بن أبي طالب، ۱۴۲۸ق.

44. النائیني، میرزا محمدحسین، فوائد الأصول، قم، دفتر انتشارت اسلامي، چاپ ششم، ۱۴۱۷ق.

45. النجفي، محمدحسن، جواهر الکلام في شرح شرائع الإسلام، بیروت، دار إحیاء التراث العربي، چاپ هفتم، بي تا.

46. النراقي، مولى احمد بن محمد، مستند الشیعة في أحکام الشریعة، قم، مؤسسه آل البیت، چاپ اول، ۱۴۱۵ق.

47. الوحید البهبهاني، محمدباقر، الفوائد الحائریة، قم، مجمع الفکرة الإسلامي، چاپ اول، ۱۴۱۵ق.

Scroll to Top