الملخص: إنَّ تحديد مقادير دية أعضاء البدن من الأمور التوقيفية التي تحتاج إلى نص شرعي. وفيما يتعلق بالأعضاء الخارجية للبدن، وردت نصوص وفيرة، ولهذا السبب فإن تشخيص مقدار الدية فيها أسهل منه في الأعضاء الداخلية؛ ذلك لأن البحث عن دية الأعضاء الداخلية يواجه من جهة فقدان النصوص الشرعية الخاصة، ومن جهة أخرى عدم وجود سابقة بحثية في آثار الفقهاء. يهدف البحث الراهن إلى استنباط الحكم الفقهي لدية أو أرش الأعضاء الداخلية بالاستعانة بالمنهج الوصفي التحليلي، وذلك من خلال البحث في الأدلة والمستندات، وسعى من خلال تقييم الأدلة المذكورة إلى التوصل إلى ضابطة شرعية حول حكم الجناية على الأعضاء الداخلية. وبناءً على ذلك، فإن الأعضاء الداخلية، شأنها شأن الأعضاء الخارجية، مشمولة بقاعدة دية الأعضاء المفردة والمزدوجة. وعليه، كلما أدت جناية إلى الإتلاف الكامل للأعضاء الداخلية، فإنها توجب الدية الكاملة في الأعضاء المفردة، وفي كل واحد من الأعضاء المزدوجة توجب نصف الدية. كما أنه في الإتلاف الجزئي، يكون الجاني مسؤولاً عن دفع الدية بحسب مقدار الجناية ومع الأخذ في الاعتبار سائر قواعد الديات، مثل قاعدة المساحة وقاعدة الشلل وما شابه ذلك.
مقدمة
إن كون مقادير ديات الأعضاء توقيفياً جعل تحديد مقدار ديتها يعتمد اعتماداً عميقاً على النصوص الشرعية. فحول دية أعضاء البدن الخارجية كاليد والرجل والعين والأذن والأنف وغيرها، وردت روايات عديدة. بالإضافة إلى ذلك، بيّنت بعض الروايات أيضاً بشكل كلي وقاعدي مقدار دية بعض الجنايات. وقاعدة دية أعضاء البدن المفردة والمزدوجة هي إحدى هذه القواعد. وهذه القاعدة من القواعد الفقهية المسلمة لدى فقهاء المذهب الإمامي، والتي بموجبها يترتب على إتلاف الأعضاء المفردة في البدن دية النفس كاملة، وعلى إتلاف عضو واحد من الأعضاء المزدوجة نصف الدية الكاملة. ولا شك أن أعضاء البدن الخارجية مشمولة بنطاق هذه القاعدة. ولهذا السبب، قلّما وقع الخلاف في تحديد الدية في هذا المجال.
أما مقدار الدية في الأعضاء الداخلية للبدن، فإنه محفوف بالإبهام ومصحوب بتعقيد أكبر نظراً لفقدان النص الشرعي الخاص. وحل المسألة الأساسية المتعلقة بمقدار الدية في الأعضاء الداخلية رهين بالإجابة عن عدة تساؤلات:
أولاً؛ هل يمكن الاستعانة بإطلاق النصوص التي تبين القواعد العامة لدية بعض الأعضاء – مثل روايات دية الأعضاء المفردة والمزدوجة – لتحديد الدية المقدرة شرعاً بالنسبة للأعضاء الداخلية؟ ثانياً؛ على فرض شمولية إطلاق بعض النصوص، أي نوع من الجنايات يشمل؟ تعطيل العضو عن العمل أم خصوص فصله عن البدن؟ ثالثاً؛ نظراً لتفاوت أهمية ووظيفة الأعضاء الداخلية، ما هو مدى هذه الشمولية؟ هل لجميع الأعضاء الداخلية حكم واحد أم أن هناك فرقاً بين الأعضاء الحيوية وغير الحيوية؟ على سبيل المثال، هل يمكن القول بأن الكليتين والطحال متساويان من حيث مقدار الدية؟
الخلفية
لم يُطرح هذا البحث في أدبيات الفقهاء المتقدمين، وإنما تم التطرق إليه في العصر الحاضر باختصار، وعادة ما يكون في حدود الإجابة على الاستفتاءات. وبشكل عام، تُلاحظ ثلاث وجهات نظر بين الفقهاء المعاصرين في هذا البحث. فترى مجموعة منهم أن الأعضاء الداخلية مشمولة بقاعدة الأعضاء المفردة والمزدوجة. وترى مجموعة أخرى أن الأعضاء الداخلية غير مشمولة بالقاعدة، وأن الجناية عليها توجب الأرش. وفصّل فريق ثالث، فذهبوا إلى أن القاعدة تشمل فقط الأعضاء الداخلية الحيوية التي يؤدي فقدانها إلى الموت. كما كُتب حتى الآن مقالتان في هذا الموضوع. المقالة الأولى بعنوان “دية الطحال؛ مع نقد لقرار توحيد الإجراءات للمحكمة العليا” من تأليف روح الله أكرمي، والتي انتقدت المستندات الفقهية والسوابق القضائية وقرار المحكمة العليا بخصوص الطحال. وتجدر الإشارة إلى أن الطحال من الأعضاء الداخلية القليلة التي أشير في عبارات المتقدمين إلى دية بعض الجنايات الواقعة عليه (جناية الجائفة). أما المقالة الثانية، فعنوانها “بحث في باب الجناية العمدية على الأعضاء الداخلية: إعادة قراءة نقدية لنظرية الدية المعينة” من تأليف كامران محموديان أصفهاني وعلي يوسف زاده وأميد شيرزاد، وهي بالإضافة إلى اختصاصها بالجناية العمدية، تعاني من إشكالات عديدة من حيث عملية ومنهجية الاستنباط والنتيجة المستخلصة، والتي سيشار إلى بعضها في سياق هذه المقالة. ويتميز المقال الحالي عن المقال الأول، بالإضافة إلى التوجه الفقهي في هذا التحقيق، باختلاف الموضوع من حيث كونه عاماً وشاملاً للأعضاء غير المنصوص عليها، ويتميز عن المقال الثاني، بالإضافة إلى اختلاف زاوية التحقيق (العمد والخطأ)، باختلاف جدي في منهجية الاستنباط والنتيجة النهائية.
تحديد المفاهيم
لقد ورد تركيب “الأعضاء الداخلية” و”الأعضاء الخارجية” في هذا البحث بشكل متكرر. ولم يُقصد بأي من هذين المصطلحين معنى جديد، وإنما يُقصد بهما نفس المعنى المركب من مفهومين عرفيين. تُستخدم كلمة “عضو” بهذا العنوان أو بعناوين مشابهة مثل “أندام” (طرف) في اللغة الفارسية أيضاً. ويُشترط في العضو سمتان: الأولى؛ أن يكون ذا نسيج رخو، وبتعبير الأزدي (مؤلف أول كتاب لغة في موضوع الطب، ت ٤٦٦ هـ) أن يكون كله أو جزء كبير منه لحمياً؛ والمقصود به النسيج الرخو مقابل النسيج العظمي الصلب. الثانية؛ أن يؤدي بنفسه وظيفة محددة وخاصة ويكون له استقلال نسبي، مع كونه مرتبطاً ومتعاوناً مع سائر أجزاء البدن؛ كالقلب والرئة والمعدة. من هنا، فإن العرف لا يعبّر عن أجزاء مثل الأظافر، وشعر الوجه، وعظم الرضفة في الركبة، والأضلاع، وما شابهها، بالعضو المستقل. المقصود بالأعضاء الخارجية في هذا البحث هو الأعضاء التي تُرى دون تشريح الجثة؛ مثل العين، والأذن، والأنف، والشفتين، والعنق، واليد، والقدم. والمقصود بالأعضاء الداخلية أيضاً هو الأعضاء التي يلزم ل رؤيتها شق جثة البدن؛ ومن مصاديقها: القلب، والدماغ، والرئة، والكلية، والطحال، والمعدة، والأمعاء، والكبد، والرحم، والمثانة. أحد التقسيمات الأخرى ذات الأهمية في البحث هو تقسيم أعضاء البدن إلى أعضاء حيوية وغير حيوية. والمقصود بالأعضاء الحيوية هو الأعضاء التي لا تمكن الحياة بدونها؛ إلا إذا استمرت الحياة أحياناً بزرع عضو أو تركيب جهاز بديل. ويندرج القلب، والدماغ، والرئتان، والكليتان في هذا القسم. وفي المقابل، هناك أعضاء أخرى، مع أن لها وظيفة خاصة، إلا أنها لا تؤدي دوراً حيوياً في البدن؛ بمعنى أن الإنسان قادر على مواصلة الحياة بدونها وإن كان بصعوبة؛ مثل الطحال وكيس الصفراء والرحم.
الآراء والنظريات الفقهية
إن المباحث المتعلقة بالجناية على الأعضاء في مدونات الفقهاء منذ القدم وحتى الآن، غالباً ما كانت ناظرة إلى الأعضاء الخارجية، ولم تتعرض لدية الأعضاء الداخلية للبدن على الأقل حتى العصر الحاضر. ولعل سبب ذلك هو عدم الابتلاء بهذه المسائل وندرة مواجهتها؛ لأنه وإن كانت الجنايات في الماضي تؤدي أحياناً إلى إلحاق ضرر جزئي أو كلي بالأعضاء الداخلية، إلا أنه في الحالات التي كانت تؤدي فيها الإصابة إلى تلف الأعضاء الحيوية مثل الرئة أو القلب أو الكليتين، كانت تؤدي إلى وفاة المريض، وبالطبع لم يكن يثبت سوى القصاص أو دية النفس. وفي سائر الحالات التي كان الفرد يستمر فيها في حياته، كان تشخيص أي جزء من العضو الداخلي قد تضرر بالضبط وما هو مقدار الضرر (سواء مقدار تمزق ذلك العضو، أو انثقابه، أو اقتطاع جزء منه، وسائر الإصابات التي يمكن تشخيصها بسهولة في الأعضاء الخارجية) أمراً مستحيلاً أو صعباً بسبب عدم وجود الأجهزة المتطورة.
إن التدقيق في الروايات الكثيرة الواردة في باب الديات (حر عاملي، وسائل الشيعة، ج ۲۹، صص ۱۹۳ – ۳۹۰) يُظهر أنه لا أسئلة الرواة ولا إجابات الأئمة وبياناتهم تشير إلى مقدار دية الأعضاء الداخلية؛ باستثناء رواية واحدة وردت بشأن تمزق المثانة. هذا مع أن أسئلة كثيرة تُطرح اليوم من قِبل المراجع القضائية والطب الشرعي حول دية إصابات الأعضاء الداخلية. وفيما يتعلق بكيفية احتساب دية الجناية على الأعضاء الداخلية، تُلاحظ ثلاث آراء بين الفقهاء المعاصرين. يعتقد البعض، مثل السيد بهجت، وفاضل اللنكراني، ومكارم الشيرازي، ونوري الهمداني، أن دية الأعضاء الداخلية المستقلة كالأعضاء الخارجية؛ فالعضو المفرد المستقل ديته كاملة، والأعضاء المزدوجة لكل واحد منها نصف الدية (جمعي از محققان گنجینه استفتائات قضایی که استفتاء ۱۳۰؛ مکارم شیرازی، استفتائات جدید، ج ۳، ص ٤٦٢). ويعتقد البعض الآخر أن الأعضاء الداخلية ليس لها دية مقدرة، وأنها محكومة بالأرش. واختار فريق ثالث، مثل السيد الموسوي الأردبيلي، نظرية التفصيل، ويرون أن الأعضاء الرئيسية الداخلية مثل “الكلية” مشمولة بالقاعدة المعروفة “كُلُّ مَا كَانَ فِي الإِنسَانِ اثنان…”؛ وأما تلك الأعضاء الداخلية التي ليست من الأعضاء الأصلية والرئيسية ولا تؤثر تأثيراً أساسياً في حياة الإنسان وموته، فهي محكومة بالأرش (جمعي از محققان گنجینه استفتائات قضایی که استفتاء ۱۳۰). كما يمكن إضافة رأي رابع هنا، مفاده أنه إذا أدت الجناية على العضو الداخلي إلى انفصال العضو عن البدن، فإنها مشمولة بقاعدة الأعضاء المزدوجة والمفردة، وإلا فيُحكم بالأرش. وفي متون الفقه القديمة أيضاً، تُرى عبارات حول الحكم بالأرش؛ ولكنها ليست بشكل كلي، وتختص ببعض الأعضاء الداخلية. فقد افترض الشيخ الطوسي نوعاً من جناية الجائفة بأن يطعن الجاني بسكينه في جائفة أحدثها آخر من قبل؛ بحيث وإن لم تؤثر هذه الجناية في تلك الجناية الجائفة، إلا أنها تؤدي إلى جرح في أحد الأعضاء المهمة للمجني عليه مثل الكبد أو الطحال (طوسی، المبسوط، ج ۷، ص ١٢٤). ويرى الشيخ أن الأرش يثبت هنا؛ لأنه لم يرد دية مقدرة في هذا الشأن في النصوص. ويُرى نظير هذا الكلام في عبارات العلامة الحلي، والفاضل الهندي، والمحقق العاملي (حلى، قواعد الأحكام، ج ۳، ص ٦٩٣ ؛ فاضل هندی، کشف اللثام، ج ۱۱، ص ٤٥١ ؛ عاملی، مفتاح الكرامة، ج ۱۰، ص ٥٠١).
مسار القوانين الوضعية والنظريات الحقوقية
حتى عام 1392 هـ.ش، لم تشر القوانين الوضعية، سواء قانون الديات المصادق عليه عام 1361 هـ.ش أو قانون العقوبات الإسلامي المصادق عليه عام 1370 هـ.ش، إلى دية الأعضاء الداخلية. كما أن دية الأعضاء الخارجية قد بُيّنت بشكل جزئي وموردي وليس بشكل كلي وضابط. وبما أنه لم يكن هناك إجماع أو شهرة فتوائية بشأن الأعضاء الداخلية، فقد كان يُحكم بالأرش بالطبع. وقد صرحت الإدارة العامة للشؤون القانونية في السلطة القضائية في الرأي الاستشاري رقم ٧/٤٩ المؤرخ في ١٣٦٥/٢/٨ هـ.ش في هذا الصدد بأنه: “للإصابات التي تلحق بالأعضاء الداخلية، يُحدد الأرش”. كما أعلنت في رأي استشاري آخر برقم ۷/۳۷۹۰ المؤرخ في ۱۳۸۹/۶/۲۸ هـ.ش: “أعضاء جسم الإنسان الداخلية مثل الكلية ليس لها دية معينة، وبالتالي فهي خارجة موضوعاً عن قاعدة تمام دية أعضاء الجسم المزدوجة؛ لذا في مثل هذه الحالات يجب تحديد الأرش. وحسب رأي بعض مراجع التقليد العظام، في حالة فقدان الكليتين، بما أنه يؤدي إلى الهلاك، يجب تطبيق حكم الدية الكاملة، وفي حالة كلية واحدة أيضاً، الاحتياط الواجب هو دفع نصف الدية.”
في الرأي الاستشاري الأخير، نقطتان جديرتان بالتأمل: الأولى، أنه استُنتج من عدم وجود دية مقدرة للأعضاء الداخلية أن هذه الأعضاء خارجة موضوعاً عن قاعدة الأعضاء المفردة والمزدوجة، في حين أن شرط شمول القاعدة ليس أن يكون للعضو دية مقدرة من قبل؛ بل إن نفس شمول القاعدة لعضو ما يؤدي إلى تحديد دية مقدرة له. النقطة الثانية هي أن تحديد الدية الكاملة لفقدان الكليتين اعتُبر من جهة الهلاك. وهذا يعني أن الدية المذكورة هي في الحقيقة دية النفس لا دية العضو؛ لأنه كلما أدت الجناية على عضو لا تزيد ديته عن دية النفس إلى الموت، تداخلت دية العضو في دية النفس وثبتت دية النفس (حلى شرائع الإسلام، ج ٤ ، ص ٢٢٠). من ابتكارات قانون العقوبات الإسلامي المصادق عليه عام 1392 هـ.ش المادة ٥٦٣ التي تنص على أن: “إتلاف كل عضو من الأعضاء المفردة وكل عضوين من الأعضاء المزدوجة ديته كاملة، وإتلاف كل عضو من الأعضاء المزدوجة نصف الدية الكاملة، سواء كان العضو المذكور من أعضاء البدن الداخلية أو من الأعضاء الظاهرية؛ إلا إذا نص القانون على ترتيب آخر”. وبناءً على ذيل هذه المادة، فإن الأعضاء الداخلية أيضاً إذا كانت مفردة أو مزدوجة، فهي مشمولة بهذه القاعدة. ومع ذلك، فإن الهيئة العامة للمحكمة العليا، بعد ظهور خلافات حول دية الطحال، في قرار توحيد المبادئ رقم ٧٤٠ المؤرخ في ۱۳۹۴/۰۱/۱۸ هـ.ش، استناداً إلى أنه لم تُحدد للطحال دية مقدرة في فصل الدية المقدرة للأعضاء، وكذلك استناداً إلى بعض الفتاوى، ألزمت بالحكم بالأرش لإتلاف الطحال.
الأدلة والمستندات الفقهية
لتحديد مقدار دية الأعضاء الداخلية، يمكن الاستفادة من فئتين من الروايات. الفئة الأولى هي الروايات التي وردت بشكل عام، والتي يمكن الاستدلال بها على الأعضاء الداخلية من حيث عموميتها أو إطلاقها. الفئة الثانية هي الروايات التي تبين مقدار دية بعض الأعضاء الداخلية.
أ) الروايات العامة الرواية الأولى؛ صحيحة هشام: روى ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله، قَالَ: «كُلُّ مَا كَانَ فِي الإِنسَانِ اثنَينِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَ فِي إِحْدَاهُمَا نِصفُ الدِّيَةِ وَ مَا كَانَ وَاحِداً فَفِيهِ الدِّيَةُ» (ابن بابويه قمي، من لا يحضره الفقيه، ج ٤ ، ص ١٣٣). قال الإمام الصادق: “كل ما كان في الإنسان اثنان ففيهما الدية كاملة، وفي أحدهما نصف الدية، وما كان واحداً ففيه الدية كاملة”. بيّن الشيخ الصدوق في المشيخة طريقه إلى محمد بن أبي عمير على هذا النحو: “عن أبي؛ ومحمد بن الحسن عن سعد بن عبد الله؛ والحميري جميعاً عن أيوب بن نوح؛ وإبراهيم بن هاشم ويعقوب بن يزيد؛ ومحمد بن عبد الجبار جميعاً عن محمد بن أبي عمير” (همان، ج ١٠، ص ٤٦٠). جميع الأفراد المذكورين ثقات. ولرعاية الاختصار، أشير هنا إلى الاسم الكامل لكل واحد منهم، وبالنسبة لأحد أفراد كل طبقة حسب ترتيب الأسماء في الحاشية إلى مصادر التوثيق: علي بن الحسين بن بابويه، والد الشيخ الصدوق، من كبار فقهاء الإمامية. محمد بن الحسن بن الوليد من مشايخ الصدوق، وكلاهما ينقل عن سعد بن عبد الله القمي وعبد الله بن جعفر الحميري، وهذان أيضاً من كبار الإمامية. وهذان أيضاً راويان عن أربعة أشخاص: أيوب بن نوح بن دراج، إبراهيم بن هاشم القمي، يعقوب بن يزيد الأنباري، ومحمد بن عبد الجبار القمي. والأربعة الأخيرون أيضاً راوون عن ابن أبي عمير، وهو من أصحاب الإجماع، وابن أبي عمير أيضاً روى عن هشام بن سالم، وهو من أصحاب الإمام الصادق الأجلاء (ابن غضائری، رجال، ص ۱۱٦؛ طوسی فهرست ص ۲۱٦؛ طوسی، رجال، ص ۳۹۱؛ همان، ص ٣٦٥؛ نجاشی، رجال، ص ٤٣٤). إذاً الرواية صحيحة.
الرواية الثانية؛ صحيحة عبد الله بن سنان: علي بن إبراهيم عن أبيه عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: «مَا كَانَ في الجَسَدِ مِنهُ اثنَانِ فَفِي الوَاحِدِ نِصفُ الدِّيَةِ مِثلُ اليَدَينِ وَ العَينَينِ قَالَ فَقُلتُ رَجُلٌ فُقِئَت عَينُهُ قَالَ نِصفُ الدِّيَةِ قُلتُ فَرَجُلٌ قُطِعَت يَدُهُ قَالَ فِيهِ نِصفُ الدِّيَةِ، قُلتُ فَرَجُلٌ ذَهَبَت إِحدَى بَيضَتَيهِ قَالَ إِن كَانَتِ اليَسَارَ فَفِيهَا الدِّيَةُ قُلتُ وَ لِمَ أَ لَيسَ قُلتَ مَا كَانَ فِي الجَسَدِ اثنَانِ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ نِصفُ الدِّيَةِ قَالَ لِأَنَّ الوَلَدَ مِنَ البَيضَةِ اليُسرَى» (كليني، الكافي، ج ۷، ص ۳۱۵؛ طوسی، تهذيب الأحكام، ج ١٠، ص ٢٥٠). قال الإمام الصادق: “ما كان في البدن منه اثنان، ففي كل واحد منهما نصف الدية الكاملة؛ مثل اليدين والعينين”. يقول ابن سنان: سألت الإمام عن حكم رجل فُقئت إحدى عينيه؛ فأجاب الإمام: “نصف الدية ثابت فيها”. سألت: رجل قُطعت إحدى يديه. فأجاب الإمام: “نصف الدية الكاملة ثابت فيها”. سألت: رجل فُقدت إحدى خصيتيه. فأجاب الإمام: “إن كانت اليسرى ففيها الدية الكاملة”. سألت: ألم تقل إن كل ما كان في الجسد اثنان ففي كل واحد منهما نصف الدية؟ فأجاب الإمام: “لأن الولد يتكون من الخصية اليسرى”. من الناحية السندية، الرواية صحيحة، وجميع الرواة الموجودين في سلسلة السند من رواة الإمامية المعروفين والثقات (وضعیت دقیق هر یک از روات را به ترتیب میتوان در منابع ذیل دنبال کرد نجاشی، رجال، ص ٢٦٠؛ وسائل الشيعة، ج ۳۰ ، ص ۳۰۲؛ نجاشی، رجال، ص ۷۵؛ همان، ص ٧٥؛ همان، ص ٢١٤). ومن الناحية الدلالية، كلا الروايتين ترشدان بصراحة إلى قاعدة كلية حول الأعضاء المزدوجة، وهي أنه كلما تلف أحد أعضاء الزوج، ثبت نصف الدية. والرواية الأولى، بالإضافة إلى ذلك، تدل على أن الأعضاء المفردة أيضاً ديتها كاملة. ورغم أنه لم ترد في هذه الروايات صراحة كلمة “عضو”، إلا أن الاستظهار العرفي من “ما” الموصولة وأفضل معادل لها هو كلمة “عضو”، ويبدو أن القاعدة المذكورة ناظرة إلى أعضاء البدن المستقلة. وعليه، فهي لا تشمل أجزاء البدن التي لا تُعد عضواً مستقلاً وتُعتبر تابعة. من هنا، فإن أجزاءً مثل شحمتي الأذنين، وإبهامي القدمين، وكعبي القدمين، وما شابه ذلك، ليست مشمولة بالقاعدة. وتناسب الحكم والموضوع (الحكم بدية الإنسان الكاملة مقابل الجناية) والأمثلة المذكورة في الرواية الأخيرة (قطع اليدين أو يد واحدة أو قلع العينين) شواهد على هذا الادعاء (إرادة العضو المستقل). (فيما يتعلق بما ورد عن دية الخصية اليسرى، تجدر الإشارة إلى نقطتين: الأولى، أن جمعاً غفيراً من الفقهاء – مثل الشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، وابن زهرة، والكيدري، وابن إدريس، والمحقق الحلي، والعلامة الحلي، والشهيد الأول، وغيرهم – قد عدلوا عن هذه الفقرة ولم يفتوا بموجبها (عکبری بغدادي المقنعة ص ٧٥٥؛ طوسی، المبسوط ج ۷، ص ۱۵۲؛ همو، النهاية، ص ٧٦٩ ، حلبي غنية النزوع، ص ٤١٨ ، كيدرى، إصباح الشيعة، ص ٥٠٧؛ حلى السرائر، ج ۳، ص ۳۹۳؛ حلى، إرشاد الأذهان، ج ۲، ص ۲۴۰؛ شهيد اول، اللمعة الدمشقية ص ١٨٤؛ خویی، موسوعة الامام الخوئي، ج ٤٢ ، ص ۳۹۰). وأضاف الشهيد الثاني أن بعض الأطباء أيضاً أنكروا مضمون هذه الفقرة القائل بأن تولد الولد ناشئ فقط من الخصية اليسرى، واعتبروا كلا الخصيتين مؤثرتين في تولد الولد (شهید ثانی مسالک الأفهام، ج ۱۵، ص ٤٣٦). الثانية، أنه على فرض القبول، فإن الفقرة الأخيرة ستُعد من مستثنيات القاعدة ولا تنافي أصل القاعدة).
ب) الروايات الخاصة
فيما يتعلق بالأعضاء الداخلية، من الصعب العثور على رواية صريحة تدل على تحديد مقدار معين من الدية لعضو داخلي خاص. ورغم ورود روايات بشأن الجناية على بعض أجزاء البدن مثل المثانة، والبكارة، والخصيتين، والعظام؛ إلا أنه بالنظر إلى ما سبق ذكره في تعريف الأعضاء الداخلية، فإن إطلاق مصطلح “عضو داخلي” على معظم هذه الحالات مشكل. فالعظام لا تُعد عضواً مستقلاً، وتُعتبر جزءاً من الأعضاء الظاهرة. والبكارة أيضاً، وإن كانت جزءاً من بنية الأنثى، إلا أنها مجرد غشاء فاصل بين العضو الخارجي والداخلي للجهاز التناسلي، وليس لها وظيفة خاصة؛ لذا لا يمكن اعتبارها – كالمعدة والكلية والطحال وغيرها – عضواً من أعضاء البدن. والخصيتان أيضاً لا تُعدان من أعضاء البدن الداخلية، أو على الأقل الأمر فيه تردد.
ومع ذلك، قد تكون بعض الروايات الواردة بشأن الجناية على المثانة ونظائرها مفيدة هنا. ففي صحيحة ظريف، ورد بشأن إصابة المثانة: “… وَ قَضَى فِي رَجُلٍ اقْتَضَ جَارِيَةً بِإِصْبُعِهِ فَخَرَقَ مَثَانَتَهَا فَلَا تَمْلِكُ بَولَهَا فَجَعَلَ لَهَا ثُلُثَ نصف الدية مِائَةً وَسِتَّةً وَسِتِّينَ دِينَاراً وَ ثُلُثَيِ دِينَارٍ وَ قَضَى لَهَا عَلَيْهِ صَدَاقَهَا مِثْلَ نِسَاءِ قَومِهَا” (ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه، ج ٤ ، ص ۹۲؛ طوسی، تهذيب الأحكام، ج ١٠، صص ٢٦٢ و ٣٠٨). قضى الإمام (عليه السلام) في رجل فضّ بكارة جارية بإصبعه فخرق مثانتها، فلم تعد تستطيع حبس بولها، فجعل لها ثلث دية المرأة – أي مئة وستة وستين ديناراً وثلثي دينار – وقضى لها عليه أيضاً بمهر مثلها على أساس مهر نساء قومها. وهذه الصحيحة من أهم المصادر الروائية في باب دية الأعضاء والمنافع، وقد نُقلت بأسانيد متعددة في الكتب الأربعة. وذكر الشيخ الطوسي في كتاب التهذيب سبعة أسانيد لها، بعضها معتبر، مثل: “علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضال عن الرضا (عليه السلام)…”، و”علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن الرضا (عليه السلام)…” (طوسى، تهذيب الأحكام، ج ۱۰، ص ٢٩٥). وعليه، لا إشكال من الناحية السندية.
من الناحية الدلالية، قد يُشكل بأن من غير الواضح ما إذا كانت الدية المحددة هي دية الإصابة التي لحقت بالمثانة – باعتبارها أحد أعضاء البدن الداخلية – أم أنها مقابل منفعة حبس البول التي فُقدت بسبب الجناية. ومع وجود هذا الاحتمال، لا يمكن اعتبار الرواية ناظرة إلى تحديد دية لإصابة عضو داخلي. ولكن بالنظر إلى صحيحة معاوية بن عمار بشأن الفتق وتمزق الأعضاء، يمكن اعتبار هذه الرواية أيضاً مرتبطة بالبحث. علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن صالح بن عقبة عن معاوية بن عمار قال: «تَزَوَّجَ جَارٌ لِي امْرَأَةً فَلَمَّا أَرَادَ مُوَاقَعَتَهَا رَفَسَتهُ بِرِجْلِهَا فَفَتَقَت بَيضَتَهُ فَصَارَ آدَرَ فَكَانَ بَعدَ ذَلِكَ يَنكِحُ وَ لَا يُولَدُ لَهُ فَسَأَلتُ أَبَا عَبد اللَّهِ عَن ذَلِكَ وَ عَن رَجُلٍ أَصَابَ سُرَّةَ رَجُلٍ فَفَتَقَهَا فَقَالَ فِي كُلِّ فَتَقٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ» (كليني، الكافي، ج ١٤، ص ۳۸۷؛ طوسی، تهذيب الأحكام، ج ۱۰، ص ٢٤٨. في نقل الشيخ الطوسي في التهذيب وكذلك بعض نسخ الكافي حسب حاشية كتاب الكافي، نُقل “لا يولد”، وفي بعض النسخ الأخرى من الكافي نُقل “يولد”). قال معاوية بن عمار: تزوج جار لي امرأة، فلما أراد مواقعتها، ركلته برجلها ففتقت خصيته وأصيب بالأدرة (انتفاخ الخصية). فكان بعد ذلك يجامع وينجب أولاداً (أي أن المشكلة كانت فقط من ناحية فتق الخصية وليس من جهة فقدان القدرة على الإنجاب). فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك، وعن رجل أصاب سرة رجل ففتقها. فقال (عليه السلام): “في كل فتق ثلث الدية”. جميع رواة سند الرواية المتقدمة لهم توثيق صريح (مصادر توثيق الرواة حسب ترتيب الأسماء باستثناء صالح بن عقبة هي: نجاشی، رجال النجاشی ص ٢٦٠؛ شوشتری، قاموس الرجال، ج ۹، ص ٤٩٩؛ نجاشی، رجال النجاشي، صص ٤٤٦ و ٤١١). أما صالح بن عقبة، فرغم عدم وجود توثيق صريح له، إلا أنه يمكن اعتباره من الثقات استناداً إلى بعض القرائن. فكتاب صالح بن عقبة مشهور، وقد نقله جماعة، كما روى عنه بعض الأجلاء مثل يونس بن عبد الرحمن ومحمد بن إسماعيل. وقد نقل عنه محمد بن إسماعيل بن بزيع وحده، وهو من أصحاب الأئمة الأجلاء، أكثر من مئة حديث (همان، ص ۲۰۰؛ زنجانی کتاب نکاح، ج ٢٤ ، ص ٧٥٩٤). كما أنه من رجال تفسير القمي (قمی، تفسير القمي، ج ۲، صص ٢١٦، ٢١٩). وفي الرواية الأخيرة أيضاً، روى عنه يونس بن عبد الرحمن، وهو فقيه ومن أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم والإمام الرضا والإمام الجواد (عليهم السلام) الأجلاء. بناءً على هذه الرواية، فإن كل جناية تؤدي إلى فتق وتمزق العضو، توجب ثلث الدية. وبالنظر إلى موافقة مضمون هذا الحديث مع الحديث السابق، يتعزز الادعاء بأن اعتبار ثلث دية المرأة في رواية ظريف كان مقابل خرق المثانة. وعليه، فإن الرواية السابقة هي إحدى صغريات القاعدة الكلية التي أشير إليها في هذه الرواية الأخيرة. كما يُستفاد من المقارنة بين هذين الحديثين أن للمثانة دية كاملة؛ ولهذا السبب اعتُبر في تمزقها ثلث الدية الكاملة؛ وإن كان لا يمكن إثبات هذا الادعاء بشكل جازم بسبب التردد في سند رواية ابن عمار. وحتى على فرض صحة هذا الاستنباط، فإن هذا الكلام يختص بالمثانة ولا يمكن تعميمه على جميع الأعضاء الداخلية.
المقصود بالجناية الموجبة للدية
وفقاً للروايات السابقة، فإن الأعضاء المفردة ديتها كاملة، والأعضاء المزدوجة لكل واحد منها نصف الدية. ولكن لم يُشر إلى أن الدية مقابل أي جناية: هل هي قطع العضو من البدن، أم شلّه، أم إفساده؟ يُستفاد من عبارات بعض الفقهاء أن المقصود بهذه القاعدة هو كل جناية تؤدي إلى إتلاف العضو، ولا فرق في ذلك بين أن يكون العضو لا يزال باقياً في البدن أو قد انفصل عنه. يكتب المحقق السبزواري بشأن دية إصابة الأنف: “إذا كُسر الأنف أو أُحرق بحيث فسد، ثبتت الدية الكاملة. ودليل ذلك هذه القاعدة: كل شيء مفرد في البدن ففيه الدية الكاملة، وكل ما كان مزدوجاً في البدن ففي كل واحد منهما نصف الدية الكاملة (سبزواری، مهذب الأحكام، ج ۲۹، ص ١٧٦). وهذه القاعدة عامة وتشمل الكسر والإفساد والقطع من الأصل”. وفي الجناية على النخاع الشوكي أيضاً، قال جمع من الفقهاء إن قطع النخاع يوجب الدية الكاملة (حلى، نزهة الناظر، ص ١٤٣؛ مكى عاملى غاية المراد، ج ۲، ص ٢٤٠؛ حلى، إرشاد الأذهان، ج ۲، ص ٢٤٠؛ خمینی، تحرير الوسيلة، ج ۲، ص ۵۸۱؛ و دیگران). ويبدو أن التعبير بـ “قطع النخاع” في عبارات الفقهاء يشير إلى نفس القطع المتعارف في النخاع، لا إلى قلعه وإخراجه من البدن. يقول المحقق السبزواري في هذا الشأن: “قاعدة ‘كُلُّ مَا كَانَ فِي الْإِنسَانِ وَاحِدٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ كاملة’ تشمل قطع النخاع أيضاً. قد يُدَّعى أن القاعدة المذكورة منصرفة إلى أعضاء الإنسان الخارجية، لأنه يُفهم من أدلة هذه القاعدة قطع العضو وفصله عن البدن، بينما في الأعضاء الداخلية كالنخاع والمعدة وما شابههما، لا يقع القطع والفصل. ولكن هذا الادعاء غير صحيح، لأن هذه القاعدة عامة. فقطع النخاع، وإن بقي في مكانه، مصداق لقطع النخاع. بل حتى لو غيّر النخاع عن مكانه بحيث يقع الإنسان في ضرر ومشقة كبيرة، وإن لم يمت، فإنه يُعد قطعاً عند الخبراء وأهل الخبرة (سبزواری، مهذب الأحكام، ج ۲۹، ص۲۲۱)؛ لأن كل إتلاف للمجاري الطبيعية يُعد قطعاً أو بمنزلة القطع.” في المقابل، يعتقد بعض الفقهاء الآخرين أن القاعدة ناظرة إلى قطع العضو وفصله عن البدن. يقول المحقق الخوئي في نقد ثبوت الدية الكاملة في قطع النخاع: “مستند رأي المشهور القائل بالدية الكاملة في قطع النخاع فيه إشكال؛ لأنه بالإضافة إلى أن النخاع ليس عضواً مستقلاً وتابع للعمود الفقري، فإن مستند المشهور هو قاعدة ‘كُلُّ مَا كَانَ فِي الْإِنسَانِ وَاحِدٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ كاملةً’ (خوبی، موسوعة الإمام الخوئي، ج ٤٢ ، ص ٣٨٤)؛ والحال أن ظهور هذه القاعدة في الموضع الذي يُقطع فيه العضو ويُفصل عن البدن، ولا يشمل الموضع الذي يُقطع فيه العضو ولكنه يبقى في البدن.” في مقام الاستظهار من الروايات المذكورة، يبدو أن الدية الكاملة أو نصف الدية في هذه الروايات قد جُعلت مقابل أصل العضو. أي كلما تسببت الجناية في إتلاف عضو، ثبتت مقابله الدية الكاملة أو نصف الدية – حسب الحالة. ورغم أن أبرز مصداق لإتلاف العضو هو فصله عن البدن، إلا أن موضوع الرواية لا ينحصر في هذه الصورة؛ بل كل جناية تؤدي إلى إتلاف العضو، سواء كان ذلك بالإحراق الكامل، أو الإفساد الكامل للعضو، أو سحق العضو وهرسه بحيث يستوي وجوده وعدمه، فهي مشمولة بهذه القاعدة.
تقييم الأدلة والآراء حول قاعدة دية الأعضاء
أُبديت آراء مختلفة من قبل الفقهاء حول نطاق قاعدة دية الأعضاء المفردة والمزدوجة. فالبعض اعتبرها شاملة لجميع الأعضاء الداخلية والخارجية، والبعض الآخر اعتبر الأعضاء الداخلية أساساً أجنبية عن هذه القاعدة. كما قبل البعض شموليتها بشروط معينة.
أولاً: جريان قاعدة الأعضاء المفردة والمزدوجة في الأعضاء الداخلية
يعتقد الكثير من المعاصرين أن قاعدة دية الأعضاء المفردة والمزدوجة تشمل الأعضاء الداخلية أيضاً (بهجت صافی گلپایگانی فاضل لنکرانی مکارم شیرازی نوری همدانی .ن.ک جمعی از محققان گنجینه استفتائات قضایی، که استفتاء ۱۳۰؛ سبزواری، مهذب الأحكام، ج۲۹، ص۲۷۱). وعليه، ففي كل من الأعضاء الداخلية المزدوجة، مثل الكليتين والرئتين، يثبت نصف الدية الكاملة، كما أن الأعضاء الداخلية المفردة، مثل المعدة والمثانة، ديتها كاملة. وكما مرّ، فإن الروايات العامة أيضاً دلت بشكل كلي على هذه القاعدة. ولم يُلاحظ في هذه الروايات تقييد بنوع أعضاء البدن، وبالمصطلح، لم تُقيَّد بالأعضاء الخارجية. من هنا، فإن عموم صحيحة هشام وإطلاق صحيحة عبد الله بن سنان يدلان على تساوي طريقة احتساب الدية في الأعضاء الخارجية والداخلية. وقد استدل المحقق السبزواري أيضاً على الشمولية بالنسبة للأعضاء الداخلية والخارجية بعموم صحيحة هشام. ويؤكد على أن لفظ “كل” في الرواية من ألفاظ العموم، ويشمل جميع أجزاء البدن، سواء الأجزاء الداخلية أو الخارجية، وكذلك المنافع وغيرها. واعتبر ادعاء اختصاص الروايات المذكورة بأعضاء البدن الخارجية غير صحيح ومنافياً لظهور لفظ “كل” في العمومية وكذلك إطلاق كلمات الفقهاء. ويرى أن الأحوط في المنافع هو المصالحة (همان).
كما يُلاحظ، فإن أساس هذا الاستدلال هو عمومية القاعدة؛ لأن لفظ “كل” من أدوات العموم، ومدخول “كل” أيضاً غير مقيد بقيد. وعليه، فهو يشمل جميع أعضاء البدن، سواء الأعضاء الداخلية أو الخارجية. ولو كان هدف الرواية خصوص الأعضاء الداخلية، لكان من اللازم تقييد مدخول “كل” بالأعضاء الخارجية وإخراج الأعضاء الداخلية.
ثانياً: عدم جريان القاعدة بالنسبة للأعضاء الداخلية
يعتقد البعض أن هذه الروايات لا علاقة لها بالأعضاء الداخلية؛ لأنه في زمن صدور الروايات، كان إتلاف أعضاء البدن الداخلية غالباً ما يؤدي إلى وفاة المجني عليه (معاونت آموزش و تحقیقات قوه قضائیه مجموعه نظریات مشورتی در امور کیفری، نظر مشورتی مرعشی شوشتری، ج ۱، ص ۲۰۸). وعليه، كانت الجناية على الأعضاء الداخلية ملازمة للموت. ومن جهة أخرى، كلما أدت الجناية على عضو إلى وفاة المجني عليه، تداخلت دية الجناية على العضو في دية النفس، ولم تثبت سوى دية واحدة بعنوان دية النفس. أما الجناية على الأعضاء الخارجية، فلم تكن ملازمة لوفاة المجني عليه، وفي كثير من الحالات، كان المجني عليه يستمر في حياته رغم إتلاف عضو خارجي مثل اليد والرجل والأذن. وعليه، فإن الروايات المتعلقة بقاعدة “كُلُّ مَا كَانَ فِي الْإِنْسَانِ وَاحِدٌ…” تختص بالأعضاء الخارجية، والأعضاء الداخلية خارجة تخصصاً عن هذه الروايات.
هذا الرأي لا يبدو صحيحاً؛ لأنه كما يعترف صاحب هذا الرأي، فإن الإصابة التي تلحق بالأعضاء الداخلية لم تكن دائماً تؤدي إلى وفاة المجني عليه؛ وإن كانت غالباً ما تؤدي إلى الموت. وعليه، لا يزال هناك مجال لتحديد الدية لهذه الأعضاء أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأضرار التي تلحق بالعضو لا تؤدي دائماً إلى إتلافه بالكامل، حتى يُقال إن إتلاف العضو الداخلي غالباً ما يؤدي إلى الموت. فأحياناً تؤدي الإصابة التي تلحق بالعضو إلى إلحاق ضرر جزئي به. وكون الدية الكاملة لذلك العضو محددة يساعد على تحديد مقدار الدية في الإصابات الجزئية بما يتناسب مع مقدار الجناية. من هنا، صرح الفقهاء في بعض الأعضاء بأنه إذا قُطع جزء منها، حُدد مقدار ديتها بالقياس إلى دية العضو بأكمله؛ مثلاً، بما أن قطع اللسان يوجب الدية الكاملة، فإذا قُطع ثلث اللسان، ثبت ثلث الدية (نجفی، جواهر الکلام، ج ٤٣ ، ص ٢٦٣؛ خوبی، موسوعة الإمام الخوئي ، ج ٤٢ ، ص ٣٥٧. البعض يخص الحكم باللسان الأخرس، وفي هذه الحالة بالطبع سيكون القياس بثلث الدية). ويرى السيد مكارم الشيرازي أن دية نقص عضو الطحال تكون بمقدار نقص العضو وبالقياس إلى ديته الكاملة (مکارم شیرازی الفتاوى الجديدة، ج ١، ص ٣٦٥).
كما أن الادعاء بأن هذه الروايات ناظرة فقط إلى زمن صدور الرواية غير مقبول. فالروايات الواردة في باب الأحكام الكلية قد بُيّنت على شكل قضايا حقيقية، وتحقق (فعلية) الحكم فيها تابع لتحقق الموضوع في الخارج؛ في أي زمان ومكان يقع فيه. وعدم إحراز بعض المصاديق، مثل الإصابة التي تلحق بالأعضاء الداخلية، وبالتالي عدم وجود مجال لجريان الحكم على هذه المصاديق، لا يضر بعموم الرواية. فأساساً، كثير من الروايات الصادرة في زمن المعصومين لم يكن لها مجال للتطبيق في زمانهم؛ مثل كثير من أحكام القصاص والحدود والتعزيرات التي بُيّنت في روايات وفيرة؛ لأن هذه الفئة من الأحكام ناظرة إلى الحكام والولاة، والحكام الجائرون في زمن المعصومين لم يكونوا يعملون بمقتضى أحكام الإمامية. فهذه الأنواع من الأحكام كان لها مجال للتطبيق في الأزمنة اللاحقة أكثر من معاصري الأئمة. من هنا، فإن كلام الأئمة في بيان الأحكام لم يكن ناظراً فقط إلى زمانهم. وعليه، لا إشكال في بيان مقدار دية الأعضاء الداخلية حتى بشكل خاص مثل دية الطحال والمثانة والمعدة وما شابه ذلك في كلام الإمام؛ وإن كانت دية الأعضاء الداخلية هنا قد بُيّنت ضمن قاعدة كلية تشمل جميع الأعضاء. ويرى بعض الكتاب الآخرين أن الشمول الموجود في صحيحة هشام بن سالم وصحيحة عبد الله بن سنان، وإن كان يشمل جميع الأعضاء الداخلية والخارجية بقطع النظر عن سائر الأدلة، إلا أنه استناداً إلى الأدلة التالية، هاتان الروايتان تختصان بالأعضاء الخارجية ولا تشملان الأعضاء الداخلية (کامران محمودیان اصفهانی و دیگران جستاری در باب جنایت عمدی بر اعضای داخلی»، مجله پژوهش های حقوق کیفری ش ۱۹، صص ١٦-١٨).
الدليل الأول على التقييد هو أن الأمثلة المذكورة في صحيحة عبد الله بن سنان تُعتبر نوعاً من البيان لأفراد موضوع “الجسد”، وبالتالي فإن الأعضاء الداخلية تخرج تخصصاً. الدليل الثاني على هذا التقييد هو أن تركيب هاتين الصحيحتين إلى جانب سائر الروايات المنصوصة على الأعضاء الظاهرية يشكل عائلة حديثية تبين قرينة تخصيص وتحديد كلام المعصوم بالأعضاء الخارجية. بعبارة أخرى، في هذه الفرضية، تكون هذه القاعدة محفوفة بروايات خاصة (دليل خاص) موضوعها فقط الأعضاء الخارجية. وبهذه الطريقة، فإن الروايات المذكورة آنفاً لها صلاحية القرينية على التقييد، لذا لا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة؛ لأن الكثرة الوجودية لقاعدة الأعضاء المزدوجة والمفردة في الروايات المنصوصة (الدليل الخاص) على الأعضاء الخارجية توجب القرينية على التقييد المذكور. الدليل الثالث هو أنه بناءً على المباحث الأصولية في بحث الإطلاقات، فإن أحد المقدمات هو فقدان القدر المتيقن في مقام التخاطب… وبهذا، فإن مجرد الالتفات إلى الإطلاق والعموم هو تجاهل لفهم ومقصود الأحاديث. الدليل الرابع هو أن لفظ “الجسد” في صحيحة عبد الله بن سنان يوجب تشكيك الأمر في مطلق الأعضاء أو الأعضاء الخارجية بقرينة الأمثلة المذكورة في تلك الصحيحة، وبحسب الفهم العرفي يُشك فيما إذا كان فرد العضو الداخلي مصداقاً للفظ الكلي أم لا. ونتيجة لذلك، يُنصرف اللفظ إلى غير ذلك الفرد. لذا، بالتمسك بأدلة أخرى مثل أصل البراءة والاحتياط، يجب الحكم بجبران الخسارة عن طريق الأرش. وأخيراً، الدليل الخامس هو أن اقتضاء أصالة الظهور المبنية على بناء العقلاء هو أنه يمكن التمسك بها عندما لا يُعتنى بالاحتمالات المخالفة لها؛ أما في الفرض المطروح، فلأن الظروف الطبية الخاصة في ذلك الزمان أدت إلى كون إصابات الأعضاء الداخلية غير معروفة، لذا بهذه القرينة يمكن القول بأن عنوان الأعضاء الداخلية قد سُلب من خطابات الصحيحين. لذا، فإن القرينة المذكورة مانعة من انعقاد الإطلاق.
الادعاء المذكور والأدلة المذكورة معيبة وغير صائبة من وجوه متعددة. ونقد الأدلة المذكورة بالترتيب الذي بُيّن أعلاه هو كما يلي:
أولاً، في صحيحة عبد الله بن سنان، اكتُفي ببيان مثالين فقط – أي اليد والقدم. نعم، لو كانت الأمثلة المذكورة في كلام الإمام متعددة وكلها ناظرة إلى الأعضاء الخارجية، لتقوى احتمال خصوصية الأعضاء الخارجية. وكذلك لو كان هناك وجه تمييز واضح بين الأعضاء الداخلية والخارجية يؤدي إلى التفصيل بين دية الأعضاء الداخلية والخارجية، لأمكن أن يُعتبر بيان المثالين المذكورين أيضاً من وجهة نظر العرف مصداقاً لـ “ما يصلح للقرينية” ويضر بانعقاد الإطلاق في كلام الإمام. ولكن لا يُرى فارق مهم أيضاً بين الأعضاء الداخلية والخارجية المفردة والمزدوجة. وبالطبع، ليس المقصود أن الرواية ناظرة فقط إلى الأعضاء الداخلية حتى يُقال في مقام الإيراد إن حمل الرواية على معنى لم يكن متعارفاً وموضع سؤال في عصر التشريع غير صحيح؛ بل المقصود أن الرواية لها معنى عام مضمونه أن الأعضاء المفردة في البدن ديتها كاملة وكل واحد من الأعضاء المزدوجة نصف الدية. وعليه، فإن مفهوم الرواية ليس فيه إبهام. نعم، وقوع الجناية على الأعضاء الداخلية بحيث يتلف عضو داخلي مثل المعدة أو الرئة ويبقى الفرد حياً، كان منتفياً أو نادراً جداً في عصر التشريع، وبطبيعة الحال لم يكن المجال مهيأ للعمل بالقاعدة. ولكن هذا لا يعني أن الناس في زمن التشريع لم يكونوا يدركون مفهوم القاعدة. نعم، لو كان الادعاء أن مفاد القاعدة ناظر فقط إلى الجناية على خصوص الأعضاء الداخلية، لكان هناك مجال لهذا الإيراد بأن حمل الرواية على معنى لم يكن متعارفاً ومعمولاً به في عصر التشريع غير صحيح. بالإضافة إلى ذلك، فإن ادعاء شمولية الروايات بالنسبة للأعضاء الداخلية والخارجية في بداية الكلام وادعاء خروج الأعضاء الداخلية تخصصاً من تحت هذه الروايات في أثناء نفس الكلام لا يمكن الجمع بينهما. فإذا كانت الروايات تشمل الأعضاء الداخلية، فإن القرائن المدعاة توجب التخصيص والتقييد لا التخصص، وإذا كانت الأعضاء الداخلية خارجة تخصصاً، فإن ادعاء الشمولية في بداية الكلام غير صحيح (همان، ص ١٦). ثانياً، كما هو مقرر في علم الأصول، فإن شرط التقييد والتخصيص هو وجود التنافي (خراساني، كفاية الأصول، ج ۲، ص ۲۲۰)؛ فإذا لم يكن هناك تنافٍ بين دليلين، فلا دليل على التقييد. على سبيل المثال، إذا قيل في دليل بشكل كلي: “كل من ارتكب أي مخالفة مرورية، حُكم عليه بدفع غرامة مالية”، ثم قيل في دليل آخر بشكل خاص: “إذا ارتكب شخص مخالفة تجاوز السرعة المحددة على طريق خارج المدينة، وجب عليه دفع غرامة”، فهنا لا يوجد تنافٍ بين الدليلين، والدليل الثاني لا يوجب تقييد الدليل الأول. وفي موضوع ديات الأعضاء أيضاً، نواجه فئتين من الأدلة: الفئة الأولى هي الروايات التي حكمت بالدية بشكل عام ومن باب بيان قاعدة كلية في الأعضاء المفردة والمزدوجة. والفئة الثانية هي الروايات التي اعتبرت دية خاصة لبعض الأعضاء الخارجية مثل اليد والرجل والعين. وهنا، لا تتنافى الفئة الثانية مع الفئة الأولى، وليس من الواضح لماذا اعتُبرت روايات الفئة الثانية هنا قرينة على التقييد. وكما مرّ، فإن التمثيل بالأعضاء الخارجية قد يكون بسبب شيوع الابتلاء وكونها أوضح عند المخاطبين، ولكن لا وجه لاعتبار هذا دليلاً على تقييد الروايات التي تبين القاعدة العامة للأعضاء. ثالثاً، أولاً، صحيحة هشام عامة، ووجود القدر المتيقن لا يضر بعموميتها. وعليه، فإن الإشكال بمانعية القدر المتيقن، على فرض صحته، يتوجه فقط إلى صحيحة ابن سنان. ثانياً، مانعية القدر المتيقن في مقام التخاطب من انعقاد الإطلاق ليست رأياً مشهوراً في أصول الفقه، وكثير من الأصوليين لا يعتبرون القدر المتيقن في مقام التخاطب مانعاً من انعقاد الإطلاق (ناييني، فوائد الأصول، ج ۲، ص ٥٧٥؛ خمینی، مناهج الوصول، ج ۲، ص ۳۲۷؛ خوبی، مصباح الأصول، ج ۲، ص ٦٠١ و دیگران). ثالثاً، علاقة بحث القدر المتيقن التخاطبي بهذا الموضع ليست واضحة. فأسئلة الراوي من الإمام، المتأخرة عن بيان القاعدة من قبل الإمام، لا تمنع من انعقاد الإطلاق في كلام الإمام السابق. بالإضافة إلى ذلك، هذه الأسئلة موجودة فقط في رواية ابن سنان، ولا يوجد سؤال في رواية ابن هشام. ورغم أن الكتاب لم يوضحوا من أين فُهم القدر المتيقن في مقام التخاطب، ومن الممكن أن يكون قد حدث خلط هنا بين القدر المتيقن الخارجي والقدر المتيقن في مقام التخاطب.
رابعاً، هذا الادعاء من الكتاب بأن استعمال لفظ “الجسد” يوجب احتمال اختصاص القاعدة بالأعضاء الخارجية والتشكيك في عمومية القاعدة، وبما أنه بحسب الفهم العرفي يُشك فيما إذا كانت الأعضاء الداخلية داخلة في الإطلاق أم لا، لذا يُنصرف إلى غيرها، هو كلام غير صحيح. لم يوضح الكتاب لماذا أدى لفظ “الجسد” إلى التشكيك في عمومية القاعدة بالنسبة للأعضاء الداخلية. هل الأعضاء الداخلية لا تُعتبر من أعضاء الجسد؟ بالإضافة إلى ذلك، فإن مجرد تشكيك العرف لا يوجب العدول عن عموم صحيحة ابن سنان وكذلك انصراف إطلاق صحيحة هشام إلى معنى خاص. الادعاء الآخر الذي بُيّن بعد ادعاء انصراف الرواية عن الأعضاء الخارجية هو أنه هنا، استناداً إلى أصل البراءة والاحتياط، يجب الحكم بجبران الخسارة عن طريق الأرش. هذا الكلام أيضاً غير صحيح؛ لأنه بصرف النظر عن عدم وضوح كيفية استنباط لزوم دفع الأرش من أصل البراءة والاحتياط، فإن قاعدة الأرش (كُلُّ مَا لَا تَقْدِيرَ فِيهِ، فَفِيهِ الْأَرْشُ) من القواعد المتفق عليها بين الفريقين، ومستند هذه القاعدة هو الروايات العامة والخاصة والإجماع، لا الأصول العملية (حاجی ده آبادی، قواعد فقه ديات صص ۲۰۱ – ۲۲۸؛ مصطفوى مائة قاعدة فقهية، صص ١٩٤-١٩٥). خامساً، ليس من الواضح كيف اعتُبر عدم معرفة الأضرار التي تلحق بالأعضاء الداخلية قرينة على عدم شمولية الرواية للأعضاء الداخلية؟ لا ينبغي إغفال هذه النقطة وهي أن الأعضاء الداخلية – مثل المعدة والقلب والرئتين وغيرها – كانت معروفة في زمن صدور الروايات. وإن كان تشخيص أن الضربة التي أصابت العضو الداخلي قد أضرت بأي عضو داخلي بالضبط وما هو مقدار الضرر، أمراً صعباً (نائیینی، فوائد الأصول، ج ۱، ص ١٤٨؛ صدر، بحوث في علم الأصول، ج ٥، ص ٣٥٦ و دیگران). لا ينبغي الخلط بين عدم فهم كلام ما وعدم القدرة على تشخيص مصداقه. وقد أُشير سابقاً إلى أن الروايات التي تبين الأحكام غالباً ما صدرت على شكل قضايا حقيقية ولا تختص بمعاصري الأئمة. فكيف يمنع عدم إمكانية تشخيص بعض الجنايات في فترة من الزمن أو في منطقة خاصة من انعقاد إطلاق دليل لم ينظر إلى مخاطب أو زمان خاص، وشُرّع على شكل قضية حقيقية وقانون كلي لجميع الأزمنة والأمكنة؟
ثالثاً: التفصيل بين الجناية الموجبة لانفصال العضو عن البدن وغيرها
يُستفاد من بعض عبارات المحقق الخوئي أن القاعدة تختص بالجنايات التي تؤدي إلى انفصال العضو عن البدن (خوبی، موسوعة الإمام الخوئي، ج ٤٢ ، ص ٣٨٤). فقد قال في نقد رأي المشهور القائل بثبوت الدية الكاملة في قطع النخاع: “مستند الحكم المشهور هو قاعدة ‘كُلُّ مَا كَانَ فِي الْإِنْسَانِ وَاحِدٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ كاملةً’؛ والحال أن دليل هذه القاعدة ظاهر في الموضع الذي يُقطع فيه العضو ويُفصل عن البدن. وعليه، لا يشمل الموضع الذي يُقطع فيه العضو ولكنه يبقى في البدن.” وقد اتضح إشكال هذا الكلام سابقاً وبُيّن أن موضوع الحكم بالدية في الروايات هو إتلاف العضو وإفساده، ولا يختص بفصله عن البدن. وعليه، حتى لو بقي العضو في البدن ولكن كان الضرر بحيث يستوي وجوده وعدمه في البدن، فإنه سيكون مشمولاً بالروايات السابقة.
رابعاً: التفصيل بين الأعضاء الرئيسة وغير الرئيسة يعتقد البعض أيضاً أن قاعدة الأعضاء المفردة والمزدوجة تشمل فقط تلك الأعضاء الداخلية التي تُعتبر من أعضاء البدن الرئيسة. فقد أجاب السيد الموسوي الأردبيلي على سؤال حول ما إذا كانت قاعدة الأعضاء المفردة والمزدوجة تشمل أعضاء البدن الداخلية مثل الكلية أم أنها تختص فقط بأعضاء البدن الظاهرية، قائلاً: “في رأيي، القاعدة تشمل الأعضاء الرئيسة الداخلية مثل الكلية، كما أنها لا تشمل بعض الأمور الظاهرية مثل الحاجب. أما الأعضاء الداخلية التي لا تشملها هذه القاعدة ولا تؤدي إلى الموت، فهي محكومة بالأرش.” (جمعی از محققان گنجینه استفتائات قضایی، کد استفتاء ۱۳۰). ويبدو أن المقصود بالأعضاء الرئيسة هو الأعضاء التي يُعتبر وجودها حيوياً لبقاء حياة الإنسان ويؤدي فقدانها إلى الموت؛ مثل القلب والكليتين والرئتين. كما أنه لم يتعرض لدليل هذه الفتوى.
الرأي المختار
أُشير سابقاً إلى أنه لا يوجد لدينا دليل في المصادر النقلية، سواء الآيات أو الروايات، بشأن خصوص الأعضاء الداخلية يوضح مقدار دية الجنايات الواقعة عليها. والدليل الرئيسي الذي يمكن أن يوضح حكم دية الأعضاء الداخلية هنا هو الصحيحتان لهشام بن سالم وعبد الله بن سنان، اللتان تبينان قاعدة الأعضاء المفردة والمزدوجة (حاجی ده آبادی، قواعد فقه دیات، ص ۹۸). كما قيل إن المعيار في الشمولية بالنسبة للأعضاء الداخلية في كلام الإمام هو وجود الإطلاق أو العموم (ناييني، أجود التقریرات، ج ۱، صص ۳ و ۸۱؛ همان، صص ۱۲۵ و ۱۲۷). أما كون جميع مصاديق العموم أو الإطلاق كانت موضع ابتلاء الناس في ذلك العصر أم لا، فلا تأثير له في الاستظهار من الرواية. فعمومية هاتين الصحيحتين كافية لإثبات الدية المقدرة ومقدارها في الأعضاء الداخلية، وبيان القاعدة الكلية يُغني المتكلم عن بيان الجزئيات والمصاديق؛ خصوصاً إذا لم يكن ذلك المصداق مبتلى به للمخاطب في زمن الكلام. من هنا، فإن عدم العثور على تمثيل بإتلاف المعدة أو الرئة أو ما شابه ذلك، لا يضر بعمومية القاعدة في كلام الإمام. وبالطبع، فإن كلام بعض الكتاب في رد رأي المخالفين لشمولية القاعدة بالنسبة للأعضاء الداخلية، والذين استدلوا بكون الروايات قضايا حقيقية، ليس صحيحاً بحد ذاته؛ لأن اختصاص الرواية بالأعضاء الخارجية أو شموليتها لجميع الأعضاء الداخلية والخارجية لا يؤثر في كون القضية حقيقية أو خارجية. بعبارة أخرى، كون القضية حقيقية لا ينافي اختصاص شموليتها بأعضاء البدن الخارجية. والمقصود بالقضية الحقيقية هو أن الحكم قد تعلق بموضوع مقدر الوجود، بحيث تكون فعلية الحكم بفعلية الموضوع، وفي أي زمان ومكان يتحقق فيه الموضوع، يفعّل الحكم تبعاً لذلك. وفي المقابل، القضايا الخارجية هي التي يكون الموضوع فيها أمراً أو أموراً خارجية، ولا يمكن تطبيقها على غير تلك الأمور الخارجية؛ مثل هذه الجملة: “جميع أفراد الجيش قُتلوا”. وهنا، حتى لو اختصت الصحيحتان السابقتان بالأعضاء الخارجية، فإنها تظل قضية حقيقية موضوعها الجناية على الأعضاء الخارجية؛ في أي زمان ومكان تقع فيه. وعليه، ورغم أن الاستدلال بكونها قضية حقيقية ليس خاطئاً، إلا أنه يجب قبل ذلك إثبات أن القضايا المذكورة لها عموم وإطلاق وقابلية للشمول بالنسبة للأعضاء الداخلية. خلاصة القول هي أن الصحيحتين المذكورتين، استناداً إلى أداة العموم في صحيحة هشام وكذلك إطلاق صحيحة عبد الله بن سنان، تشملان كلاً من الأعضاء الداخلية والخارجية. وبما أنه لم يُعثر لا في هذه الروايات ولا في روايات أخرى على قرينة معتبرة على تقييدها بخصوص الأعضاء الخارجية، يمكن الادعاء بأن هاتين الصحيحتين تبينان قاعدة عامة في الجنايات الواقعة على جميع أعضاء البدن، سواء الداخلية أو الخارجية. واختصاص القاعدة بالأعضاء الحيوية أيضاً لا وجه له، كما أنه لم يُعتبر مثل هذا الشرط في تحديد الدية الكاملة للأعضاء الخارجية. على سبيل المثال، قطع كلتا اليدين من الرسغ أو قطع شحمة كلتا الأذنين، الذي يؤدي فقط إلى ضعف السمع، وإن لم يؤد إلى الموت، إلا أنه يترتب عليه الدية الكاملة.
الخلاصة والاستنتاج
إن صحيحة هشام بن سالم وصحيحة عبد الله بن سنان قد بُيّنتا كقانون كلي لتحديد مقدار الدية في جميع الجنايات الموجبة لإتلاف أعضاء البدن، ولا تختصان بالجنايات المتعارفة والمعروفة في زمن الأئمة. الجناية المستوجبة للدية الكاملة في قاعدة دية الأعضاء المفردة والمزدوجة لا تنحصر في قطع العضو وفصله عن البدن. فالمقصود بالجناية الموجبة للدية في هذه القاعدة هو كل جناية تؤدي إلى إتلاف العضو وإفساده؛ سواء انفصل ذلك العضو عن البدن أو استوى وجوده وعدمه في حال بقائه. من بين الأعضاء الداخلية، المثانة هي العضو الداخلي الوحيد الذي يمكن أن يُستفاد مقدار ديته من المقارنة بين رواية ظريف ومعتبرة معاوية بن عمار. قاعدة الأعضاء المفردة والمزدوجة تشمل جميع أعضاء البدن، سواء الأعضاء الخارجية أو الداخلية. والمقصود بالأعضاء في هذه القاعدة هو الأعضاء التي تُعتبر عرفاً مستقلة ولا تُعد تابعة لعضو آخر. في عمومية القاعدة بالنسبة للأعضاء الداخلية، لا فرق بين الأعضاء الداخلية الحيوية وغير الحيوية، وجميع الأعضاء الداخلية، شأنها شأن الأعضاء الخارجية، مشمولة بهذه القاعدة.
المصادر والمراجع
- الأزدي، عبد الله بن محمد، كتاب الماء، طهران: جامعة العلوم الطبية، ج1، 1387 هـ.ش.
- أكرمي، روح الله، “دية الطحال مع نقد على قرار توحيد المبادئ للمحكمة العليا”، فصلية بحوث القانون الجنائي، السنة الرابعة، العدد 13، شتاء 1394 هـ.ش.
- ابن بابويه القمي، محمد بن علي، كتاب من لا يحضره الفقيه، قم: مكتب النشر الإسلامي، ج2، 1413 هـ.ق.
- حاجي ده آبادي، أحمد، قواعد فقه الديات، قم: معهد الثقافة والفكر الإسلامي، ط2، 1387 هـ.ش.
- الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت، ط1، 1409 هـ.ق.
- الحلبي، حمزة بن علي، غنية النزوع، قم: مؤسسة الإمام الصادق، ج1، 1417 هـ.ق.
- الحلي (العلامة الحلي)، الحسن بن يوسف، إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، قم: مكتب النشر الإسلامي، ط1، 1410 هـ.ق.
- الحلي (العلامة الحلي)، الحسن بن يوسف، قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، قم: مكتب النشر الإسلامي، ط1، 1413 هـ.ق.
- الحلي، المحقق، جعفر بن حسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، قم: نشر إسماعيليان، ج2، 1408 هـ.ق.
- الحلي، محمد بن إدريس، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، قم: مكتب النشر الإسلامي، ج2، 1410 هـ.ق.
- الحلي، يحيى بن سعيد، نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر، قم: منشورات رضي، ج1، 1394 هـ.ق.
- الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم: مكتب النشر الإسلامي، ج10، 1439 هـ.ق.
- الخميني، روح الله الموسوي، مناهج الوصول إلى علم الأصول، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، ط1، 1415 هـ.ق.
- الخميني، روح الله الموسوي، تحرير الوسيلة، قم: مؤسسة دار العلم للطباعة، ج1، بدون تاريخ.
- الخوئي، أبو القاسم الموسوي، مصباح الأصول، قم: مكتبة الداوري، ج1، 1422 هـ.ق.
- الخوئي، أبو القاسم الموسوي، موسوعة الإمام الخوئي، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، بدون تاريخ.
- دهخدا، علي أكبر وآخرون، لغت نامه دهخدا، طهران: جامعة طهران، ج1، 1373 هـ.ش.
- الزنجاني، موسى الشبيري، كتاب النكاح، قم: مؤسسة راي پرداز للأبحاث، ج1، 1419 هـ.ق.
- السبزواري، عبد الأعلى، مهذب الأحكام، قم: مؤسسة المنار، ج4، 1413 هـ.ق.
- الشوشتري، محمد تقي، قاموس الرجال، قم: مكتب النشر الإسلامي، ج2، 1410 هـ.ق.
- الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، قم: مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، 1417 هـ.ق.
- الطوسي، محمد بن حسن، فهرست كتب الشيعة، قم: نشر ستارة، ط1، 1420 هـ.ق.
- الطوسي، محمد بن حسن، رجال الطوسي، قم: مكتب النشر الإسلامي، 1373 هـ.ش.
- الطوسي، محمد بن حسن، المبسوط في فقه الإمامية، قم: المكتبة المرتضوية، ج3، 1387 هـ.ق.
- الطوسي، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، طهران: دار الكتب الإسلامية، ج4، 1407 هـ.ق.
- الطوسي، محمد بن حسن، النهاية في مجرد الفقه والفتاوى، بيروت: دار الكتاب العربي، ج2، 1400 هـ.ق.
- العاملي، جواد، مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ج1، بدون تاريخ.
- العاملي، الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، قم: مؤسسة المعارف الإسلامية، ج1، بدون تاريخ هـ.ق.
- العاملي، الشهيد الأول، محمد بن محمد، اللمعة الدمشقية، بيروت: دار التراث، ط1، 1410 هـ.ق.
- العكبري البغدادي، الشيخ المفيد، محمد بن نعمان، المقنعة، قم: مؤتمر ألفية الشيخ المفيد، ط1، 1413 هـ.ق.
- الفاضل الهندي، محمد بن حسن، كشف اللثام، قم: مكتب النشر الإسلامي، ط1، 1416 هـ.ق.
- القمي، علي ابن إبراهيم، تفسير القمي، قم: دار الكتاب، ط3، 1404 هـ.ق.
- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق وتصحيح باحثي مركز تحقيقات دار الحديث، قم: دار الحديث، ج1، 1429 هـ.ق.
- الكيدري، قطب الدين، إصباح الشيعة، قم: مؤسسة الإمام الصادق، ج1، 1416 هـ.ق.
- محموديان أصفهاني، كامران وآخرون، “بحث في جناية العمد على الأعضاء الداخلية: إعادة قراءة نقدية لنظرية الدية المعينة”، مجلة بحوث القانون الجنائي، السنة الخامسة، العدد 19، صيف 1396 هـ.ش.
- معاونية التعليم والبحوث بالسلطة القضائية، مجموعة الآراء الاستشارية الفقهية في الأمور الجنائية، قم: مركز البحوث الفقهية بالسلطة القضائية، ج2، 1382 هـ.ش.
- المصطفوي، محمد كاظم، القواعد، مائة قاعدة فقهية، قم: مكتب النشر الإسلامي، ط4، 1421 هـ.ق.
- مكارم الشيرازي، ناصر، استفتاءات جديد، قم: مدرسة الإمام أمير المؤمنين، ج2، 1427 هـ.ق.
- مكارم الشيرازي، ناصر، الفتاوى الجديدة، قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، ج2، 1427 هـ.ق.
- المكي العاملي، محمد، غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، قم: مكتب النشر الإسلامي، ط1، 1414 هـ.ق.
- النائيني، محمد حسين، أجود التقريرات، قم: مطبعة العرفان، ط1، 1352 هـ.ش.
- النائيني، محمد حسين، فوائد الأصول، قم: مكتب النشر الإسلامي، ج1، بدون تاريخ هـ.ش.
- النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، قم: مكتب النشر الإسلامي، ط6، 1365 هـ.ش.
- برنامج كنز الاستفتاءات القضائية، قم: مركز البحوث الفقهية بالسلطة القضائية.
- الواسطي البغدادي، ابن الغضائري، أحمد بن حسين، رجال ابن الغضائري، قم: دار الحديث، ط1، 1364 هـ.ش.