القسم الأول
من أهم مسائل علم الأصول، مسألة حجية خبر الواحد التي كانت على مر تاريخ هذا العلم محط جدل ونقاش واسع. ففريق من الأصوليين عزفوا على وتر عدم الحجية، وفريق آخر صدحوا بنغمة الحجية؛ وقد استعان كل فريق بالأدلة الأربعة لإثبات وجهة نظره.
من الجدير بالذكر أن الجهة التي تحظى بالأهمية في بحث “حجية خبر الواحد” وتشكل محور هذا البحث الأصولي هي “إحراز صدور الخبر عن المعصوم”، أما المباحث المتعلقة بإحراز ظواهر الخبر وحجيتها، فهي بحث عام يشمل حجية ظواهر آيات القرآن وحجية ظاهر الخبر المتواتر. من هنا، فإن لمسألة حجية خبر الواحد بحثاً اختصاصياً هو إحراز صدوره عن المعصوم، وبحثاً مشتركاً مع آيات القرآن والأخبار المتواترة هو بحث الدلالة وجهة وحجية الظاهر.
لا ريب في أن حجية خبر الواحد متقومة بركن أساسي هو “وجود أثر شرعي” لمدلول الخبر؛ إذ من الواضح الجلي أنه إذا لم يكن لمدلوله أثر عملي، فإن التعبد به وجعل الحجية له لن يكون له معنى، وسيكون لغواً محضاً. إن التعبد بحجية خبر الواحد متوقف على أن يكون “المُخبَر به” نفسه – بقطع النظر عن الحجية – حكماً شرعياً أو ذا أثر شرعي، حتى يصح التعبد بالحجية بالنظر إلى ذلك الأثر الشرعي. بناءً على هذا، فإن حجية خبر الواحد في علم الأصول لا تجد لها معنى إلا في الموارد التي يكون لمدلول الخبر فيها أثر شرعي عملي. ونتيجة لذلك، فإن ثمرة هذا البحث في الفروع الفقهية جلية تماماً.
هنا يُطرح بحث جديد بعنوان: هل حجية خبر الواحد تقتصر على دائرة الفروع الفقهية أم تتعداها إلى الأمور الاعتقادية أيضاً؟ أي، هل حجية خبر الواحد محصورة بالأخبار الواردة في الفروع العملية الفقهية، أم أنها عامة تشمل أنواع الأخبار الأخرى؟ كالأخبار المتعلقة بالروايات الاعتقادية، والروايات التفسيرية – التي وردت في تفسير آيات قرآنية غير فقهية – والأحاديث التاريخية، والروايات التي تتناول الوقائع التكوينية، مثل ما ورد في كيفية خلق السماء والأرض وسائر المخلوقات.
إن الشائع والراجح اليوم هو أن الخبر المتواتر أو المحفوف بقرينة قطعية حجة بلا تردد وصدوره محرز، ولكن ما عدا ذلك فليس بحجة، إلا الأخبار التي تكون بصدد بيان الأحكام الشرعية الفرعية، بشرط أن يكون الخبر من الثقة أو موثوق الصدور – بناءً على اختلاف المباني -. هذا النوع من الأخبار هو الحجة فقط، لأن الحجية الشرعية هي من الاعتبارات العقلائية، ولا معنى لها إلا حيث يوجد لها أثر شرعي. أما الأخبار عن الوقائع التاريخية والتكوينية والأمور الاعتقادية، فبما أنه لا أثر شرعي لها، فإن جعل الحجية لها لا معنى له إطلاقاً.
بعبارة أخرى، الحجية التي تثبت لخبر الواحد أو لأي دليل ظني آخر معناها “وجوب ترتيب الأثر العملي على مدلول الخبر” في حال الجهل بالواقع، تماماً كما يترتب الأثر على نفس المدلول الواقعي في حال اليقين بالواقع. وهذا المعنى لا يُفرض إلا في الموارد التي يكون فيها مؤدى الخبر حكماً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، وهذا الشرط لا يتوفر في خبر الواحد الوارد في تفسير آيات القرآن غير الفقهية.
لقد أورد المرحوم الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) الأقوال الموجودة في هذه المسألة على النحو التالي:
- المعروف والمشهور بين العلماء أن العلم الحاصل من النظر والاستدلال معتبر.
- العلم معتبر، وإن حصل عن طريق التقليد.
- الظن – مطلقاً – كافٍ.
- الظن الذي يحصل من النظر والاستدلال – لا من التقليد – يكفي.
- الظن المستفاد من أخبار الآحاد كافٍ.
- الجزم – وحتى الظن – الحاصل من التقليد يكفينا؛ وإن كان البحث عن الاستدلال مستقلاً واجباً، ولكن يُعفى عنه في صورة المخالفة.
إن جميع الأصوليين الذين فتحوا ملف هذا البحث قد قسموا المسائل الاعتقادية – التي يكون المطلوب الأول فيها هو الاعتقاد القلبي والتدين الظاهري – إلى قسمين:
- أصول الدين وبعض العقائد الأساسية والمهمة.
- سائر تفاصيل المعارف.
الفرق بينهما هو أن الاعتقاد والتدين بذلك الأصل من أصول الدين في القسم الأول واجب، ويجب تحصيل العلم به، أي أنه ليس مشروطاً بحصول العلم، بل تحصيل العلم من مقدمات الواجب المطلق.
أما في القسم الثاني، فالاعتقاد والتدين بذلك الأمر مشروط بحصول العلم. أي إذا حصل لك علم بتلك العقيدة، وجب عليك الالتزام القلبي بها (طبعاً بناءً على التقرير المشهور).
وبعبارة أخرى، في القسم الأول، الاعتقاد والتدين بالمعتقد واجب مطلقاً. ولهذا، فإن البحث والتحقيق والتفحص لاكتساب تلك العقيدة يكون من باب مقدمة الواجب. ولكن في القسم الثاني، يكون التدين مشروطاً بحصول الاعتقاد. أي إذا لم يحصل الاعتقاد، فإن الالتزام التفصيلي به ليس لازماً. كما أنه ليس واجباً السعي لاكتساب ذلك الاعتقاد وتحصيله والتنقيب عنه ليكون مقدمة للاعتقاد والالتزام القلبي.
إن البحث المتعلق بحجية واعتبار خبر الواحد الاعتقادي أو التفسيري، له وجود من زاوية أخرى حتى في الآيات القرآنية التي يكون الظاهر فيها هو المقصود، ذلك أن دلالة آيات القرآن على المقصود إما أن تكون بنحو “النص” أو بنحو “الظاهر”. فإذا كان النص هو المراد، فهو مندرج في القطع واليقين، وإذا كان الظاهر هو المراد، فإنه لا يتجاوز دائرة الظن. ودليل اعتبار وحجية هذا الظن الخاص [ظواهر الآيات القرآنية] يصحح التعبد بمفاد الآية فقط وفقط في الموضع الذي يكون له أثر عملي، حتى يكتسب البناء على ذلك المفاد معنىً بلحاظ ذلك الأثر العملي ويخرج عن اللغوية. إن بناء العقلاء قائم على ترتيب الأثر على الظواهر والتعامل معها كواقع. إذن لا بد من وجود أثر في المقام حتى يمكن بعد البناء ترتيب ذلك الأثر.
بالنظر إلى هذه النقطة، في الآيات الاعتقادية القرآنية، أي أثر عملي موجود حتى يمكن ترتيبه بالتعبد والبناء؟ فالعلم والاعتقاد لا يترتبان بالتعبد والبناء؛ لأنهما أمران تكوينيان، فإن حصلا فلا حاجة للبناء، وإن لم يحصلا، فإنهما لا يحصلان بمجرد البناء.
الأحاديث المتواترة المعرفية، وإن كان صدورها عن المعصومين (عليهم السلام) قطعياً، إلا أن دلالتها ظنية كدلالة ظواهر الآيات القرآنية، وتكون مشمولة لأدلة حجية الظواهر عندما يُفرض فيها أثر عملي. ووفقاً للتقرير المشهور، الفرض هو أن الأحاديث المتواترة المعرفية ليس لها أثر عملي، وهي مبتلاة بنفس داء ظواهر الآيات المعرفية.
إضافة إلى ما ذكرناه في الفرض السابق، نتقدم خطوة أبعد فيبرز هذا الإشكال؛ فإنك لو كنت في محضر الإمام (عليه السلام) وسمعت من شفتيه المباركتين كلاماً اعتقادياً كان ظاهراً في المراد، فإنه أيضاً من باب عدم تصور أثر عملي له، لا اعتبار له ولا يكون مشمولاً لأدلة حجية الظواهر! بنفس التقرير الذي مضى.
خبر الواحد المحفوف بالقرائن القطعية هو أيضاً لا يسلم من هذه المشكلة. وهذه المشكلة تظهر بقوة في خبر الواحد الاعتقادي غير المحفوف بالقرائن القطعية؛ لأن خبر الواحد، بالإضافة إلى أن دلالته ظنية وتحتاج إلى أدلة حجية الظواهر، فإن صدوره أيضاً لا يخرج من دائرة الظن وهو مدين لأدلة حجية خبر الواحد من حيث الصدور. أي أن المشكلة تظهر في موضعين.
من كلمات الشيخ الأنصاري (قدس سره) في الرسائل، ربما يمكن استنباط أن النواة المركزية لاختلاف العلماء في مسألة اعتبار الظن في أصول الدين هي الظن الحاصل من التقليد في الاعتقاديات، وليس كل ظن. فخصوص طريقية التقليد في باب العقائد هي ميدان النقض والإبرام. أي أن التقليد يقع في مقابل التدبر والتعقل.
إن الأنس بالآيات القرآنية يمكن أن يمهد لمثل هذا التقسيم. ففي القرآن الكريم طُرح طريقان ومنهجان: طريقة تقليد الآباء، وطريقة التدبر والتعقل والتفكر، فالأولى مذمومة والثانية مورد ترغيب وتحريض.
في هذه الآيات إشارة إلى الطريقة والمنهج الأول:
- قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا
- قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا
- قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا
- قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا
- قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ
- قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا
- بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ
- إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ
- إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ
- أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا
وهذه الآيات تبين الطريقة والمنهج الثاني:
- كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ
- أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ
- أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
- إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
- أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ
- أَفَلَا تَعْقِلُونَ
- قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
- أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
المراد بالتقليد المذموم في هذه الآيات الشريفة هو كل تبعية لغير حجة ودون دليل، أما التعقل والتدبر الذي اعتباره ذاتي، والتبعية للغير المستندة إلى دليل يأخذ اعتباره من ذلك الدليل، فهما في مقابل التقليد المذموم. إذن، عدا منهج التعقل الفردي، توجد تبعية ممدوحة، وهي التقليد والتبعية للحجة، التي تكون معتبرة لاستنادها إلى الدليل والحجة، وهي في الحقيقة نوع من الدليل الإجمالي. وقد أُيد هذا المنهج في آيات القرآن أيضاً:
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ.
كل هذا الإصرار من القرآن على ذم طريقة التقليد الأعمى هو لأن هذا الأمر مغروس في طبيعة الإنسان وغريزته. يريد القرآن الكريم أن يضبط هذه الغريزة ويهديها. فالإنسان، كما أن تتبع الدليل وعلة الأمور في الموارد التي يتمكن فيها من المعرفة التفصيلية مغروس في فطرته، فإنه في المواضع التي لا قدرة له فيها على المعرفة التفصيلية للعلل، يلجأ إلى الدليل الإجمالي، وهو الرجوع إلى أهل الخبرة. إن رجوع الجاهل إلى العالم هو أحد موارد هذا الركون إلى الدليل الإجمالي. وبناء العقلاء على هذا النوع من التبعية والتقليد هو في الحقيقة من هذا الباب. لا يستطيع الإنسان أن يفعل شيئاً أو يقبل شيئاً دون دليل. غاية الأمر أنه حيث يمتلك القدرة على معرفة الدليل، يجب عليه أن يجتهد ويكتشف الدليل التفصيلي بنفسه، وحيث لا يمتلك إمكانية معرفة الدليل التفصيلي، يجب عليه مراجعة العالم والخبير في ذلك الأمر واتباعه. وبما أن قدرة الإنسان على المعرفة المباشرة والتفصيلية لجميع شؤون الحياة محدودة، ويستحيل على أي إنسان أن يتمكن بنفسه من الاجتهاد في جميع أموره، فإنه مضطر إلى التقليد والتبعية للخبراء، وكل من يظن أنه بريء من التقليد، فقد خدع نفسه.
على كل حال، يبدو أن محل النزاع في مسألتنا هو الاعتقادات الحاصلة من التقليد المذموم في مقابل الاعتقادات الحاصلة من الدليل والاستدلال وذات السند المعتبر حتى لو كان على نحو الدليل الإجمالي. بل يُستفاد من بعض الآيات القرآنية أنه ليس من الضروري أن يحصل العلم واليقين من الدليل المعتبر، بل يكفي ترتيب الأثر على الدليل المعتبر حتى لو كان في حد الظن أو الاحتمال:
- الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ
- مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ
- فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
- وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ
- إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا
في علم الأصول يُطرح أيضاً أنه أحياناً وبسبب درجة أهمية المحتمل، يكون نفس الاحتمال منجزاً.
يظهر من الكلمات المنقولة عن الشيخ الأنصاري (قدس سره) مرة أخرى أن البحث يدور حول درجة الإذعان والتسليم، لا حول منشئها والدليل الذي أوجب الإذعان والتسليم القلبي. فالمقصود من التقابل بين اليقين والظن، هو التقابل بين درجتين من الجزم المستحصل من دليل ما. هذا المحقق بنفيه اعتبار الظن في الاعتقاديات لا يريد نفي اعتبار الدليل النقلي وفتح الميدان للدليل العقلي وحده؛ بل مراده لزوم تحصيل درجة قوية من الجزم والإذعان، وإن كان مستندها خبر واحد محفوف بالقرائن. فبحث هذا المحقق ليس في كون الدليل نقلياً أو عقلياً، بل في درجة الجزم الحاصلة من الدليل.
من جهة أخرى، نعلم أن الجزم في الاصطلاح هو علمٌ خرج من حالة الشك والتردد واقترب من الثبوت والاستقرار. بعبارة أخرى، هو ذلك العلم الذي مال من حالة التردد والحياد إلى أحد طرفي القضية. وفي اللغة أيضاً، فُسّر الجزم بـ”العقد بالقلب بلا تردد واستقرار”.
بناءً على هذا، في الجزم، يكون احتمال الخلاف ضئيلاً جداً، ولكن اليقين هو الجزم المضاعف، أي جزم بطرف “الإثبات” في القضية وجزم آخر بطرف “النفي” فيها. ولهذا السبب يكون احتمال الخلاف في الجزم ضئيلاً جداً. وبهذه التوضيحات يتضح معنى مصطلح “الجزم الظني” الذي يرد في كلمات المناطقة والفلاسفة.
إذن، كما قلنا، يظهر من الكلمات أن البحث ليس في كون الدليل نقلياً أو عقلياً؛ بل في مدى الجزم الذي يحصل من الدليل. وقلنا أيضاً إن النواة المركزية لاختلاف العلماء هي الظن الحاصل من التقليد في الاعتقاديات. وإليك بعض الشواهد على هذا المدعى:
- أورد الشيخ الأنصاري (قدس سره) القول الثاني في هذه المسألة بعنوان “اعتبار العلم ولو من التقليد”. محور البحث هنا هو درجة الإذعان والجزم التي تحصل عن طريق التقليد.
- القول الرابع من الأقوال المنقولة في تقرير الشيخ يأتي تحت عنوان “كفاية الظن المستفاد من النظر والاستدلال دون التقليد”. في البحث تحت هذا القول، يتضح التقابل بين الاستدلال والتقليد تماماً.
- أورد “كفاية الجزم بل الظن من التقليد” كقول سادس.
- قال العلامة الحلي في الباب الحادي عشر: أجمع العلماء على وجوب معرفة الله، وصفاته الثبوتية، وما يصح عليه، وما يمتنع عليه، والنبوة، والإمامة، والمعاد بالدليل، لا بالتقليد.
- استدلال المحقق في معارج الأصول على بطلان التقليد في أصول الدين عبر عنه بالقول: «أنه جزم في غير محله».
- استدل العضدي على منع التقليد في أصول الدين بإجماع العلماء على وجوب معرفة الله، ثم أورد أن هذه المعرفة لا تحصل عن طريق التقليد. وقد استفاد الشيخ الأنصاري (قدس سره) من هذا الكلام أن البحث يدور حول التقليد الذي لا ينتج معرفة.
- تناول الشهيد في قواعده البحث من زاوية التقليد فقال: عدم جواز التقليد في العقليات، ولا في الأصول الضرورية من السمعيات، ولا في غيرها مما لا يتعلق به عمل ويكون المطلوب فيها العلم، كالتفاضل بين الأنبياء السابقة.
- قال الشيخ البهائي في الزبدة: إن النزاع في جواز التقليد وعدمه يرجع إلى النزاع في كفاية الظن وعدمها.
أيد الشيخ (قدس سره) أولاً اقتران التقليد في الأصول بالتقليد في الفروع في كلمات العلماء، ثم أجاب بأن: بين هذين التقليدين، لا يوجد تقابل كامل؛ لأن في التقليد في الفروع، لا يعتبر حصول الظن. فالمقلد يعمل وهو لا يزال في شك، وهذا غير معقول في أصول الدين حيث الاعتقاد هو المطلوب.
للسيد صدر (قدس سره) في شرح الوافية كلام مفصل حول أقسام المقلد في أصول الدين، وقد أورده الشيخ الأنصاري (قدس سره) بكامله في الرسائل.
قال الشيخ الطوسي (قدس سره) في العدة: إن على بطلان التقليد في الأصول أدلة عقلية وشرعية من كتاب وسنة وغير ذلك، وهذا كاف في النكير؛ ولكن المقلد للحق في أصول الديانات وإن كان مخطئاً في تقليده، غير مؤاخذ به وأنه معفو عنه، لأني لم أجد أحداً من الطائفة ولا من الأئمة (عليهم السلام) قطع موالاة من يسمع قولهم واعتقد مثل اعتقادهم، وإن لم يستند ذلك إلى حجة من عقل أو شرع.
الشيخ الأنصاري (قدس سره) مع أنه لا يرى الظن حجة في تفاصيل المعارف، إلا أنه يرى الجزم الحاصل من التقليد كافياً؛ لعدم الدليل على اعتبار الزائد على المعرفة والتصديق والاعتقاد وتقييدها بطريق خاص لا دليل عليه. وفي تتمة هذا التعليل يقول: إن الإنصاف أن النظر والاستدلال بالبراهين العقلية للشخص المتفطن لوجوب النظر في الأصول لا يفيد بنفسه الجزم لكثرة الشبه الحادثة في النفس والمدونة في الكتب، حتى ذكروا شبهاً يصعب الجواب عنها للمحققين الصارفين لأعمارهم في فن الكلام، فكيف حال المشتغل به مقداراً من الزمان لأجل تصحيح عقائده ليشتغل بعد ذلك بأمور معاشه ومعاده، خصوصاً والشيطان يغتنم الفرصة لإلقاء الشبهات والتشكيك في البديهيات وقد شاهدنا جماعة صرفوا أعمارهم ولم يحصلوا منها شيئاً إلا القليل.
هذه كانت شواهد نقلناها على سبيل المثال من بين كلمات الأعلام.
ومرة أخرى يظهر من رسائل الشيخ (قدس سره) أن محل النزاع في مسألة حجية واعتبار الظن الشرعي في المسائل الاعتقادية هو تلك المسائل التي يوجد فيها دليل عقلي أو طبيعتها تقتضي أن تكون مبتنية على دليل عقلي. أما في تفاصيل المعارف، فلا مجال للدليل العقلي أصلاً؛ لأن عقل أي بشر لا يصل إلى هناك، ولذا لا يوجد تردد في اعتبار الدليل النقلي الظني.
بتبيين محل النزاع في هذه المقاطع الثلاثة الأخيرة، نريد أن نكسر هيمنة البحث الناشئة عن إبهامه وإجماله، حتى لا تبدو المخالفة لظاهر عبارات القوم غريبة.
تقريرات مختلفة للإشكال الموجود في المسألة:
قلنا إن المشهور ذهبوا إلى عدم اعتبار خبر الواحد الظني في المسائل الاعتقادية، وتقريرهم للإشكال الموجود في المسألة هو نفسه عدم وجود الأثر العملي في المقام. وفي هذا السياق، توجد تقريرات أو إشكالات أخرى مفاد بعضها استحالة العمل بهذا الظن، ومفاد البعض الآخر عدم وقوع التعبد بهذا الظن، والطائفة الثالثة تبين عدم الحاجة إلى هذا الظن.
يمكن عد الموارد التالية من الطائفة الأولى:
- الظن – من أي مصدر حصل – ليس مصداقاً لـ”المعرفة” الواجبة في بعض أصول الاعتقاد؛ لأن المعرفة – عرفاً – هي العلم، ولا تصدق على غيره. فإذا كان الإنسان قادراً على تحصيل العلم، فهو مأمور به ولا يجوز غيره، وإذا لم يكن قادراً على تحصيل العلم، فهو معذور في حال القصور – لأي سبب كان.
- وجوب تصديق الخبر أو أي ظن آخر – كالظواهر – في باب المسائل الاعتقادية لا معنى له؛ لأنه يأمر إما بالتصديق من الظن الموجود، أو بتحصيل العلم، أو بتحصيل الظن. والأول أمر بغير المقدور، والثاني أمر بتحصيل الحاصل، وكلاهما محال. وكما أن عدم حصول العلم من الظن قهري، فإن حصول الظن من الظن أيضاً قهري، ولا يمكن أن يتصف بالوجوب في أي حال. نعم، إذا فسرنا وجوب التصديق بمعنى وجوب الإظهار والتعبير القولي، فإن الأمر به له معنى؛ ولكن هذا من آثار أو شرائط الاعتقاد، وليس الاعتقاد نفسه.
- وجوب تصديق الخبر الوارد في الاعتقاديات كحكم شرعي وفريضة تشريعية لا معنى له في هذه المسألة؛ لأن التشريع يتضمن التعبد، والاعتقاد مبني على العلم والمعرفة. كما أن دائرة التشريع هي الفعل والترك، ودائرة الاعتقاد هي إدراك وجود الشيء أو عدمه.
- الفريضة التشريعية في أصول الاعتقاد تستلزم الدور؛ لأن الفريضة والتكليف مبنيان على الإقرار بمولوية المولى، وهذا مبني على معرفة المولى. كما أن قوام التكليف هو اقتضاؤه للتحريك والبعث، ومن الواضح أن هذا الأمر مبني على الإيمان بالمعاد والعدل الإلهي. بالإضافة إلى أن الفريضة الإلهية يجب أن تصدر عن ناطق إلهي [= الإمام]، وهذا أيضاً متوقف على معرفة الإمام والإيمان به.
لأجل دراسة الشبهة الأصلية في المقام وسائر الشبهات المطروحة، نقدم بحثنا بالتقسيم التالي:
الحكم الشرعي على نوعين: فقهي وأصولي.
المراد بالحكم الفقهي، الحكم الشرعي الواقعي المجعول بالجعل الأولي، مثل وجوب الصلاة والخمس وغيرهما، الذي يكون ملاكه في نفس العمل. هذا الحكم الأولي يترتب على واقع الأفعال، أي أنه ناظر إلى الواقع ومتعلق بالعناوين والموضوعات الواقعية.
والمراد بالحكم الأصولي، حكم طريقي هدفه إحراز الحكم الواقعي، وملاكه ليس في متعلقه؛ مثل الحكم الشرعي بتبعية الظن الخاص ووجوب تصديقه.
سنتحدث عن هذين الحكمين في مقامي الثبوت والإثبات.
- أ) ثبوت الحكم الشرعي الفقهي، أي إمكان التعبد بالحكم الواقعي الأولي في العقائد.
- ب) ثبوت الحكم الشرعي الأصولي، أي إمكان طريقية الحكم الأصولي في العقائد أو إمكان التعبد بالظن في المسائل الاعتقادية.
- ج) الحكم الفقهي في مقام الإثبات.
- د) الحكم الأصولي في مقام الإثبات.
المرحلة الأولى: إمكان وجود حكم شرعي فقهي في باب العقائد
أو إمكان التعبد بالحكم الواقعي الأولي في العقائد. مثلاً، هل يمكن للشارع أن ينشئ حكماً شرعياً ويكلفنا بالإيمان بالرجعة – مثلاً – أم لا؟ هل يمكنه أن يجعل وجوب الإيمان بالرجعة؟ المراد بهذا الحكم الفقهي ليس التشريع في الفروع؛ بل المقصود تشريع فريضة وإعمال المولوية الشرعية بالنسبة لفعل الإيمان. يقولون: من الفرائض الإلهية الإيمان بالله، أو الإيمان برسالة الأنبياء أو إمامة الأئمة أو المعاد. هذه فرائض إلهية والأمر واضح في تفاصيل المعارف أيضاً.
لتبيين المدعى، يلزم ذكر وتوضيح مقدمتين:
- حقيقة الإيمان.
- حقيقة المولوية.
في المقدمة الأولى، يلزم بيان نقطتين:
أ) حقيقة التصديق.
ب) منزلة الإيمان والإذعان.
وفي المقدمة الثانية سنبحث أيضاً حول إرادة المولى في الحكم المولوي.
1. حقيقة الإيمان
أ) حقيقة التصديق:
تعلمون أن العلم الحصولي أو العلم الصوري هو أن تُدرَك الأشياء بواسطة حضور صورتها في الذهن، دون أن يكون لقوانا المدركة وصول مباشر إلى الأشياء والمعلومات الخارجية. بعبارة أخرى، ماهيات الممكنات، أي حدود الكائنات الإمكانية، لها نوعان من الوجود: وجود خارجي، ووجود ذهني وتبعي. وقد أطلق الحكماء على الوجود الذهني للماهيات اسم الإدراك أو العلم الحصولي أو الصوري.
بعض المناطقة شبهوا ذهن الإنسان بالمرآة. فكما تنعكس صور الأشياء المحسوسة في المرآة، تظهر في ذهن الإنسان أيضاً صورة للأشياء تسمى تصور الشيء. طبعاً، المقصود هنا من “ظهور صورة الأشياء في الذهن” ليس مجرد ظهور الصورة المحسوسة أو الشكل الهندسي لها، بل المقصود هو معرفة حقيقتها وصورتها المعقولة أيضاً.
اختلف الفلاسفة حول ماهية الإدراك والعلم الحصولي. المهم هو وجود أربع عقائد:
- أنه من مقولة الكيف النفساني.
- أنه من مقولة الانفعال.
- أنه من مقولة الإضافة.
- وبناءً على عقيدة الملا صدرا، فإن العلم الحصولي والإدراك لا يدخلان في أي من المقولات العشر، الجوهر والعرض، بل هو نوع من الوجود. أي أن العلم عبارة عن الوجود الذهني للأشياء، ومثل هذا الوجود ليس جوهراً ولا عرضاً؛ لأن مقسم الجواهر والأعراض هو الماهية، بينما الوجود في مقابل الماهية ولا يمكن أن يكون من أقسامها.
العلم الذي يُبحث عنه في المنطق وسائر العلوم ويُقسم إلى تصور وتصديق، هو العلم والإدراك الحصولي. في تعريف “التصور” لا خلاف. فالجميع اعتبروه مجرد حصول صورة الشيء في الذهن؛ ولكن حول ماهية التصديق يوجد اختلاف في وجهات النظر. طبعاً، بما أن التصديق قسم من العلوم الحصولية، فإنه متفق على أن “الصورة الذهنية” مأخوذة في تعريفه بهذا المقدار؛ ولكن هل “التصديق” هو تصور مصحوب بحكم، أم تصور يستلزم الحكم، أم تصور الحكم، أم هو الحكم نفسه؟ في هذه الموارد يوجد اختلاف.
من المسلم به أن التصديق لا يمكن أن يكون هو “الحكم” نفسه، لأن الحكم من العلوم الحضورية لا الحصولية، التي هي قسيم التصور.
يطرح الملا صدرا في رسالة “التصور والتصديق” أربع نظريات مختلفة حول ماهية التصديق:
- نظرية الحكماء: وهي أن التصديق هو الحكم نفسه.
- نظرية فخر الرازي: وهي أن التصديق عبارة عن مجموع تصورات المحكوم عليه والمحكوم به والحكم.
- نظرية صاحب المطالع: وهي أن التصديق هو تصور مصحوب بالحكم.
- نظرية تقول إن التصديق عبارة عن إقرار وإذعان النفس بمعنى القضية.
وبعد ذلك يبطل كل هذه النظريات ويقدم أدق تحقيق حول التصديق، فيقول: فالحق أن يقال في تقسيم العلم إلى التصور والتصديق كما يستفاد من كلام المحققين أن حصول صورة الشيء في العقل – الذي هو العلم – إما تصور ليس بحكم، وأما تصور هو بعينه حكم، أو مستلزم للحكم بمعنى آخر، والتصور الثاني يسمى باسم التصديق، والأول لا يسمى باسم غير التصور. فالذي هو مأخوذ في تعريف التصديق هو التصور لا بشرط شيء لا ما يصدق عليه التصور من الأفراد، والذي هو مقابل للتصديق هو مفهوم التصور المقيد بعدم الحكم، أو بالإطلاق، لا المطلق. التصور الذي لا ينفك عن الحكم بل يستلزمه وهذا هو التصديق المقابل للتصور القسيم له.
ويوضح بنفسه أن هنا ثلاثة أشياء:
- نفس الحكم الذي هو الإيقاع والانتزاع، وهو فعل النفس وليس من قبيل العلم الحصولي والصورة الذهنية.
- تصور هذا الحكم، وهو نوع من العلم الحصولي ولكنه ليس تصديقاً؛ بل هو قسيم التصديق.
- تصور لا ينفك عن الحكم بل يستلزمه، وهذا هو التصديق المقابل للتصور.
توضيحه هو أن لـ”الحكم” اصطلاحين:
- الإذعان والباور وعزم القلب الذي يحصل بعد التردد والحيرة والشك. الإذعان هو أحد الأفعال الذهنية للإنسان. وهناك أفعال ذهنية أخرى كثيرة من قبيل التكذيب والترديد والاحتمال، يستطيع الذهن إدراكها بنوع من الشهود الداخلي. فمثلاً، بدل أن يذعن شخص بأن أحمد كاتب، يمكنه أن يتردد في ذلك أو يكذبه. تكذيب كون أحمد كاتباً يعني سلب الكتابة عنه. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تمني كون أحمد كاتباً أو انتظاره.
- الخاصية المميزة للإذعان والباور بين سائر الأفعال الذهنية هي أنه وفقاً لقواعد استخدام اللغة، إذا صرح شخص ببساطة بأن «أحمد كاتب»، فإن هذه العبارة تدل على إذعانه وباوره بكون أحمد كاتباً. أما إذا كان الفعل الذهني شيئاً غير الباور والإذعان، فمن الضروري التصريح به – مثلاً – فيقول: «أكذب أن أحمد كاتب» أو «أحتمل أن يكون أحمد كاتباً». هنا لا يمكن حذف الألفاظ الدالة على هذه الأفعال. وللملا صدرا أيضاً قول: «الحكم وهو فعل نفساني ليس من قبيل العلم الحصولي».
- إدراك وقوع أو عدم وقوع النسبة. المراد من “الحكم” في تفسير “التصديق” هو الاصطلاح الأول. بناءً على هذا، فإن “التصديق” هو نفس “التصور” المستتبع للحكم – أي الإذعان وقناعة النفس. هذا الإذعان والحكم والباور يسمى في اللغة تصديقاً أيضاً، وبسبب هذا اللزوم اللغوي، سُمي هذا القسم من التصور تصديقاً للتمييز بين نوعي التصور. فلدينا تصور مجرد غير مستتبع للحكم والإذعان، وتصور مستتبع للحكم والإذعان. الأول يسمى “تصوراً” والثاني “تصديقاً”.
لأن حصول صورة الشيء في الذهن هو، غاية الأمر أنه غير مستتبع للحكم. والثاني يسمى تصديقاً، لأنه مستلزم ومستتبع للتصديق والحكم والباور والإذعان. حينئذٍ يُطلق على الملزوم – أي هذا النوع من التصور – اسم لازمه. التصور المطلق أو اللا بشرط هو نفس العلم الحصولي والإدراك الذي هو مقسمنا في هذا التقسيم. وأما كلام الملا صدرا في هذا الباب فهو: هو – أي التصور الذي لا ينفك عن الحكم – نفس الحكم باعتبار وملزوم له باعتبار.
معناه أنه إذا فسرنا الحكم بأنه إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها، فهذا القسم هو نفسه الحكم، وإذا فسرناه بأنه الإذعان والباور، فهذا القسم ملزوم له. على كل حال، يرى الملا صدرا هذا التفسير للتصديق موافقاً لعبارات القوم، وخصوصاً ابن سينا. العلامة الطباطبائي أيضاً يرى “الحكم” فعلاً للنفس. في بداية الحكمة يقول: أن الحكم فعل من النفس في ظرف الإدراك الذهني … فالحكم فعل للنفس. وفي نهاية الحكمة يقول أيضاً: وإما كون الحكم فعلاً نفسانياً في ظرف الإدراك الذهني فحقيقته…
الحكم فعل للنفس يقع في ظرف الإدراك والذهن. أي أن هذا الفعل ليس فعل جوارح خارجية مشاهدة؛ بل هو فعل غير مشاهد يتحقق في ظرف الذهن. حقيقة الحكم هي أننا عندما نرى زيداً واقفاً ثم نرى سعيداً واقفاً وفي المرة الثالثة نجد زيداً جالساً، نستنتج من مجموع هذه الظواهر أن زيداً شيء غير القيام. فالقيام يمكن أن يتحقق في ضمن زيد أو سعيد أو غيرهما. وكما أن شخصاً غير زيد يمكن أن يتصف بصفة القيام. بتحليل هذين المفهومين وأرشفتهما في الذهن، وفي الوقت المناسب، نضع أحدهما موضوعاً والآخر محمولاً ونحكم بالوحدة بينهما، وهذا العمل هو ما نعبر عنه بالحكم أو فعل النفس. طبعاً، في نفس الوقت الذي يكون فيه الحكم فعل النفس، فإن تصور الحكم هو من الصور الذهنية التي تحكي عن خارج النفس. فنفس الحكم ليس من الصور الذهنية، بل تصور الحكم هو من الصور الذهنية، والحكم – الذي هو عبارة عن الإذعان والاعتراف بثبوت واتحاد المحمول بالموضوع – ليس من سنخ التصور؛ بل من سنخ التصديق. لو كان الحكم من سنخ التصور – سواء حكى عن الخارج أم لا – لما كان مجدياً؛ لأنه إذا كان الحكم مجرد تصور ويحكي عن الخارج، فبسبب كونه تصوراً بسيطاً فإنه لا يفيد سكوت السامع؛ لأن الجمل التامة الخبرية أو الإنشائية تفيد سكوت المخاطب. وإذا كان الحكم تصورياً مأخوذاً من غير الخارج ومنشأ بإيجاد النفس دون التفات إلى الخارج، فإنه لا يجدي نفعاً أيضاً؛ لأنه عندما لا يكون للكلام محكي في الخارج ولا يكون ناظراً إلى مصداق، فإنه لن يكون له واقع نمائية – التي هي شأن الجمل التامة. فيتضح أن الحكم من سنخ التصديق ناظر إلى وجود خارجي لمفاده. عندما يقال: زيد قائم، فإن قيمة هذه الجملة تكمن في كونها واقع نمائية عن الخارج. وبعبارة أخرى، لها ارتباط واتصال بالخارج وتحكي عنه.
هذا الحكم والإذعان هو نفس الإيمان والباور والتسليم الذي يأتي أحياناً في أعقاب التصورات. حتى البراهين وصغرى وكبرى القياس ليست بمفردها علة فاعلة في حصول الحكم والإذعان. إنها مقدمات إعدادية لا تنتج الجزم والإذعان والباور مباشرة؛ بل تمهد لفعل النفس. لذا قيل إن الأدلة ليست موجبة لليقين، بل هي مقدمة لحصول اليقين. ومن هنا نرى أن الإذعان لا يحصل لأصحاب النفوس المريضة حتى لو كانت تصوراتهم مبنية على أدلة حقيقية؛ لأن أمراضاً نفسية حالت بين تصوراتهم وباورهم وتصديقهم.
ب) منزلة الإيمان:
الإيمان والإذعان هما وظيفة القوة العاقلة العملية، لا النظرية؛ لأن الإيمان هو عقد القلب على شيء والإذعان والتسليم له، وهذا فعل نفساني. أما القوة العاقلة النظرية فوظيفتها الإدراك المحض، والإدراك – بعد حصول مقدماته – أمر غير اختياري؛ ولكن ليس كل إدراك يستلزم الإذعان ونشاط القوى العملية. أحياناً يحصل الإدراك ولكن النفس تأبى التسليم له. الخطابات الشرعية والأحكام المجعولة من الشارع ليس متعلقها هو الإدراك وفحص مقدمات الإدراك؛ بل متعلقها هو الفعل القلبي المتمثل في التسليم والإذعان والباور. إن تصور البعض أن متعلق الحكم الشرعي هو الإدراك وأن الشارع قال: «أدرك ربك» يا «اعرف ربك» هو منشأ بروز إشكال الدور. أما إذا اعتبرنا الإيمان وظيفة العقل العملي، فإن الترغيب أو الترهيب بالنسبة له يؤثر في النفس. فالعقل النظري يدرك شيئاً بالأدلة والبراهين، والأوامر الشرعية تروض العقل العملي والنفس لكي تؤمن به. ومن هنا يتضح أثر تهذيب النفس في الباور والإيمان.
2. حقيقة المولوية:
بعد أن اتضح أن للنفس نوعين من الأفعال: أحدهما الإدراك وهو وظيفة العقل النظري والقوى الدراكة، والآخر التسليم والإذعان والإخبات والحكم وهو نفس الإيمان – وهو وظيفة العقل العملي، يتضح أنه يجب أن يكون هناك نوع من الترغيب والترهيب من قبل “قادر قاهر مسلط” لكي تقوم النفس بالفعل الثاني بسهولة؛ لأنه بالإنذار والترهيب والتخويف، تُزال الموانع والعوامل التي تمنع النفس من الإيمان والتسليم، وبالترغيب والتبشير والثواب، تزداد سرعة النفس نحو التسليم والإيمان.
إن استعلاء قدرة قاهرة تعد بالثواب والعقاب وتتوعد بهما هو حقيقة المولوية التكوينية، وإرادة التأثير في النفس الإنسانية من قبل ذات قادرة قاهرة مستعلية هي حقيقة الحكم الشرعي. الحكم الشرعي ليس إلا أن يريد المولى فعلاً من شخص مقهور ويرتب الثواب والعقاب عليه.
الآن يتضح أن الإيمان بالتوحيد، الذي هو أحد أفعال النفس وعبارة عن نفس التسليم والإخبات والإذعان للنفس بالنسبة لما أدركته عن التوحيد، هذا الفعل النفساني يمكن أن يكون متعلقاً لإرادة الذات البارئة ومتعلقاً للثواب والعقاب، وهذا هو معنى تعلق الحكم المولوي بالإيمان بالتوحيد.
فائدة هذا الإعمال للمولوية والفريضة الإلهية بالنسبة للإيمان هي أنها تمنع تمرد النفس في مقابل التسليم والباور. إن رياضة النفس وتربيتها بواسطة الزاجر والراغب ليست دخيلة في استنتاج القوى العقلية؛ بل هي دخيلة في سد المانع. تعلمون أن الحجية النظرية لا تتكفل إلا بترتيب مقدمات الاستدلال العقلي ونتيجتها هي الإدراك الصحيح ولو على نحو التصور، ولكن الحجية العملية تتكفل بفعل الإذعان والتسليم بالنتيجة. بمعنى أن عملها ليس إلا “الحكم”، فالحكم والتصديق في القضايا – وهو دمج صورة المحمول في صورة الموضوع بشكل صورة واحدة – هو من عمل القوة العقلية العملية. فالحجية النظرية دائماً في اتجاه ترتيب الإدراكات – ولو على نحو التصور – والحجية العملية دائماً قلقة بشأن التصديق والإذعان والباور بالنتائج. إن ما لا معنى للتعبد فيه هو المعرفة بمعنى الإدراك التصوري؛ ولكن المعرفة بمعنى الإذعان والإيمان والتسليم هي محل الفريضة وإعمال المولوية، والخلط بين هذين المقامين هو سبب بروز الإشكال.
مع تمام البحث الثبوتي الفقهي، اتضح أن الحكم الشرعي الفقهي بالنسبة لجميع المعارف يمكن تصوره ثبوتاً وقابل للتعميم بالنسبة لجميع المعارف.
…يتبع
الهوامش
1. فرائد الأصول، ج 1: ص 553 – 555.
2. الشيخ الطوسي في العدة في الأصول (ج 2: ص 730 – 731) والمحقق في معارج الأصول (ص 199) والعلامة في نهاية الوصول (ص 448 / مخطوط) والشهيد الأول في الألفية (ص 38) والشهيد الثاني في المقاصد العلية (ص 21) والعلامة في الباب الحادي عشر (ص 3 – 4) ادعوا الإجماع عليه أيضاً.
3. صرح السيد صدر في شرح الوافية (ص 480 / مخطوط) بهذا القول، ونقل الشهيد الثاني في المقاصد العلية (ص 26) هذا القول عن جماعة من محققي الخاصة والعامة.
4. ظاهر كلام الشيخ البهائي في الزبدة الفقهية (ص 124) هو هذا، ونسب المحقق القمي في قوانين الأصول (ج 2: ص 180) هذا القول إلى العلامة المجلسي والمحدث الكاشاني.
5. نسبه العلامة في نهاية الوصول (ص 296 / مخطوط) إلى الأخباريين.
6. ظاهر كلام الشيخ الطوسي في العدة في الأصول (ج 1: ص 132 وج 2: ص 731) هو هذا القول.
7. للمثال، راجع: فرائد الأصول (الشيخ الأعظم الأنصاري)، ج 1: ص 555 – 556؛ كفاية الأصول (الآخوند الخراساني)، ص 329، طبعة آل البيت؛ تعليقة على معالم الأصول (العلامة القزويني)، ج 5: ص 384؛ نهاية الدراية (المحقق الأصفهاني)، ج 3: ص 399؛ نهاية الأفكار (المحقق العراقي)، ج 3: ص 187 – 195؛ مصباح الأصول (آية الله الخوئي)، ج 2: ص 238.
8. سورة البقرة (2): 170.
9. سورة المائدة (5): 104.
10. سورة الأعراف (7): 28.
11. سورة يونس (10): 78.
12. سورة الأنبياء (21): 53.
13. سورة لقمان (31): 21.
14. سورة الشعراء (26): 74.
15. سورة الزخرف (43): 22.
16. سورة الزخرف (43): 23.
17. سورة هود (11): 62.
18. سورة ص (38): 29.
19. سورة المؤمنون (23): 68.
20. سورة النساء (4): 82؛ سورة محمد (47): 24.
21. سورة الرعد (13): 4.
22. سورة الأنعام (6): 50.
23. سورة البقرة (2): 44 و 76؛ سورة آل عمران (3): 65؛ سورة الأنعام (6): 32؛ سورة الأعراف (7): 169؛ سورة يونس (10): 16؛ سورة هود (11): 51؛ سورة يوسف (12): 109؛ سورة الأنبياء (21): 10 و 67؛ سورة المؤمنون (23): 80؛ سورة القصص (28): 60؛ سورة الصافات (37): 138.
24. سورة الأنعام (6): 98.
25. سورة الروم (30): 8.
26. سورة يوسف (12): 38.
27. سورة الحج (22): 78.
28. سيأتي شاهد هذا المطلب في الرقم التالي.
29. سورة البقرة (2): 46.
30. سورة العنكبوت (29): 5.
31. سورة الكهف (18): 110.
32. سورة فاطر (35): 29.
33. سورة يونس (10): 7.
34. دهخدا: لغت نامه / واژه “جزم”.
35. الإشارات والتنبيهات، ج 1: ص 224 / القسم الثاني من أقسام القضايا الأربعة وهو المظنونات؛ ج 1: ص 212 / النهج السادس.
36. فرائد الأصول، ج 1: ص 554.
37. نفس المصدر، ج 1: ص 554.
38. نفس المصدر، ج 1: ص 555.
39. الباب الحادي عشر، ص 3-4.
40. معارج الأصول، ص 199، ومثله في رسائل المحقق الكركي (ج 1: ص 80).
41. شرح مختصر الأصول، ص 480.
42. فرائد الأصول، ج 1: ص 573.
43. القواعد والفوائد، ج 1: ص 319 / القاعدة 112.
44. الزبدة، ص 120.
45. فرائد الأصول، ج 1: ص 573.
46. شرح الوافية، ص 482 – 484، مخطوط.
47. فرائد الأصول، ج 1: ص 578 – 581.
48. العدة في الأصول، ج 2: ص 731 – 732.
49. فرائد الأصول، ج 1: ص 574.
50. نفس المصدر، ج 1: ص 574.
51. نفس المصدر، ج 1: ص 574.
52. نفس المصدر، ج 1: ص 574.
53. كفاية الأصول، ص 330، طبعة آل البيت.
54. فرائد الأصول، ج 1: ص 557.
55. شرح شمسية، ص 5.
56. الملا صدرا، رسالة التصور والتصديق، ص 59.
57. ص 61 – 63.
58. رسالة التصور والتصديق، ص 56.
59. نفس المصدر، ص 82.
60. نفس المصدر، ص 60.
61. نفس المصدر، ص 59-60.
62. نفس المصدر، ص 59.
63. المظفر: المنطق، ص 14-15، طبعة جامعة مدرسين.
64. نفس المصدر، ص 15.
65. نفس المصدر، ص 15.
66. رسالة التصور والتصديق، ص 60.
67. نفس المصدر، ص 64.
68. بداية الحكمة، ص 182 – 183.
69. نهاية الحكمة، ص 251.