خلاصة البحث:
إن كيفية الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري تُعَدُّ من المسائل المعقدة التي طالما سعى الأصوليون إلى حلٍ لها. يؤدي الوجود المتزامن لهذين الحكمين إلى مشكلات متعددة كالتضاد، ونقض الغرض، وغير ذلك، وقد اقترح علماء علم الأصول طرقًا مختلفة للتغلب على هذه المشكلات؛ لكن هذه الطرق تواجه إشكالات. في هذا المقال، وبعد الإشارة إلى نظرية جديدة في باب الحكم الظاهري والواقعي، وتقديم ثلاثة حلول معتبرة للإجابة على إشكالات نظرية “التزاحم الحفظي” للشهيد الصدر في هذا المجال، يتم دراسة ونقد هذه النظرية.
مقدمة
يرى معظم الأصوليين أن الأحكام الظاهرية، بمعنى ما يُستفاد من الأمارات والأصول، ليست من سنخ الحكم الواقعي، وتتشكل عند الشك في الحكم الواقعي؛ ودون أن يزول الحكم الواقعي (الأنصاري، 1419هـ ق، ج 1، ص 117-122). ويستند هذا الرأي بشكل أساسي إلى أمرين:
- قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل (الأنصاري، 1419هـ ق، ج 1، ص 113).
- بطلان نظرية التصويب وصحة رأي التخطئة (الكاظمي، 1376هـ ش، ﺹ 100).
إن بقاء الحكم الواقعي في ظرف وجود الحكم الظاهري يستتبع إشكالات متعددة، وقد أجاب كل من الأصوليين عليها بطريقة مختلفة. يتناول هذا المقال في البداية نظرية جديدة حول العلاقة بين الحكم الواقعي والظاهري، ثم يذكر باختصار الإشكالات المطروحة حول الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، والإجابة التي تبدو أصح، وبعد ذلك يتناول الجزء الأكبر من البحث توضيح ودراسة ونقد نظرية التزاحم الحفظي للشهيد الصدر في الإجابة على هذه الإشكالات.
جدير بالذكر أن هذا البحث بهذا التفصيل كان مطروحًا بشكل أكبر بين الأصوليين المتأخرين بدءًا من الوحيد البهبهاني وما بعده؛ أما بين المتقدمين فيمكن البحث عن خيوط هذا النقاش في باب إمكان التعبد بالظن. ولعل ابن قبة الرازي (المتوفى قبل 319هـ ق) من أوائل من نفى إمكان التعبد بالظن – الذي هو من مصاديق الحكم الظاهري – بسبب إشكالاته، وبعض هذه الإشكالات قريبة من بحثنا المقصود (المحقق الحلي، 1423هـ ق، ص 203).
الحكم الظاهري والواقعي
يسمى الحكم الذي يُجعل للأفعال والذوات في فرض فقدان الشك “الحكم الواقعي”؛ مثل وجوب صلاة الصبح. ويُسمى الحكم الذي يُجعل للشيء عند الجهل بالواقع والشك فيه “الحكم الظاهري”؛ مثل الحكم الحاصل من الأمارات والأصول العملية (المشكيني، 1374هـ ش، ص 124). من وجهة نظر مشهور الأصوليين، الحكم الواقعي لا يزال موجودًا في ظرف الحكم الظاهري؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لكان حكم العالم والجاهل مختلفًا، وهذا لا يتوافق مع الأدلة والإجماعات. ومن جهة أخرى، يؤدي عدم وجود الحكم الواقعي في ظرف الحكم الظاهري إلى التصويب الباطل.
أما من وجهة نظر الكاتب، فإن هذه الاستدلالات لا تكفي لإثبات بقاء الحكم الواقعي في ظرف الحكم الظاهري؛ وذلك لأن أدلة الأحكام لا يمكنها إثبات اشتراك الحكم بين العالم والجاهل بصورة موجبة كلية، وحتى لو استطاعت إثبات هذا الاشتراك بصورة موجبة جزئية، فإنها تُخصَّص بأدلة الأمارات والأصول، وتختص بالعالمين والجاهلين الذين لا يتمكنون من الوصول إلى الأمارة والأصل.
من وجهة نظر هذا البحث، الأحكام الظاهرية هي نوع من الأحكام الواقعية الثانوية التي تحل محل الحكم الواقعي عند الشك فيه؛ تمامًا كما أن العناوين الثانوية الأخرى مثل الاضطرار والإكراه والنسيان تجعل الحكم الثانوي يحل محل الحكم الواقعي الأولي. وتكتسب هذه الأحكام الثانوية عناوين مختلفة في حالات متنوعة؛ فمثلاً، في بعض الحالات يكون عنوان “ما لا يعلم ملاكه” هو ملاك الحكم، وفي بعض الحالات يكون الحكم الذي أخبر به الثقة ونشك في صحته، وهكذا.
وكما في العناوين الثانوية كالاضطرار، لا يبقى الحكم الأولي، فكذلك في هذه العناوين الثانوية، يزول الحكم الأولي، وبخلاف رأي المشهور، لا يبقى هذا الحكم بعد الآن. بالطبع، ملاك الحكم الواقعي في مثل هذه الحالات لا يزال قائمًا، وهذا يؤدي إلى ورود الإشكالات التي ترد على نظرية المشهور من جهة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، علينا أيضًا من جهة الملاكات، ويجب علينا الإجابة على هذه الشبهات.
إشكالات الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي
إن الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي، سواء من وجهة نظر المشهور أو من وجهة نظر البحث الحالي، يواجه في عالم الملاكات ثلاث إشكالات رئيسية:
- اجتماع الضدين أو المثلين: في حال كون الحكم الواقعي والظاهري متعارضين، فإن جعل الله تعالى أو حب الله وبغضه يتعلق بأمرين متضادين؛ بينما جعل الضدين أو الحب للضدين أمر مستحيل. وإن كانا متشابهين، فسيكون جعل المثلين في موضوع واحد، وهو غير ممكن.
- نقض الغرض: في حال كون الحكم الظاهري مخالفًا للحكم الواقعي، فإن جعله يؤدي إلى دفع المكلف للتحرك في مسار مخالف للحكم الواقعي المطلوب، وهذا نقض للغرض، وهو إما محال من الناحية النظرية أو قبيح من منظور العقل العملي، ولا يمكن أن يصدر من الباري تعالى.
- الوقوع في المفسدة أو الحرمان من المصلحة: الحكم الظاهري المخالف للحكم الواقعي إما أن يؤدي إلى وقوع المكلف في مفسدة مخالفة الواقع، أو على الأقل يحرمه من مصلحة الحكم الواقعي، وكلاهما قبيح، والأمر القبيح لا يصدر أبدًا عن الله.
الجواب على الإشكالات
هذه الإشكالات الثلاثة ترد على نظرية المشهور وعلى رأي الكاتب؛ ولكن يمكن تقديم حلول للتخلص من هذه الإشكالات. تجدر الإشارة إلى أن الكاتب قد بيّن هذه الإجابات بالتفصيل في مقال آخر (انظر: الحائري، 1438هـ ق، القسم الأول، ص 2414).
- الاحتياط في التشريع: أحيانًا يرى المولى في مقام الجعل والتشريع أن بعض المصاديق العملية ذات مصلحة، لكن العبد لا يملك القدرة على تشخيص تلك المصاديق. ولذلك، يحكم المولى – لأهمية تلك الموارد – بوجوب جميع المصاديق حتى لا تضيع تلك المصلحة؛ وإن دخلت بعض المصاديق التي لا تملك مصلحة في الحكم. وأحيانًا يكون الأمر بالعكس؛ أي يرى المولى أن المصلحة تكمن في إباحة بعض المصاديق العملية. ولأن مصلحة الإباحة أهم من مصلحة الإلزام في المصاديق الأخرى، يحكم بإباحة جميع الموارد. هذا الحكم الواقعي الثانوي من باب الاحتياط في التشريع، وهو قابل للتطبيق على الأحكام الظاهرية. بهذا البيان، يرتفع إشكال التضاد، ونقض الغرض، والوقوع في المفسدة؛ لأن الاحتياط في مقام التشريع يؤدي إلى أن المولى لا يريد الحكم الأولي بعد ذلك؛ وبالتالي لا يوجد تضاد. كما أن نقض الغرض منتف هنا؛ لأن هناك غرضًا أهم، وهذا ما يجعل المفسدة منتفية أيضًا (انظر: الهاشمي الشاهرودي، 1433هـ ق، ج 4، ص 379). هذه الإجابة قريبة من نظرية “التزاحم الحفظي” للشهيد الصدر؛ ولكن لها اختلافات عنها ستُذكر عند دراسة نظرية الشهيد الصدر.
- التزاحم الملاكي: قد يكون للحكم الظاهري الواقعي الثانوي في بعض الحالات، مثل فرض عدم العلم أو وجود خبر الثقة المشكوك، ملاك ومصلحة تتقابل مع مصلحة الحكم الواقعي الأولي، ويرى المولى بمقارنة هذين الملاكين أن الحكم الثانوي أقوى في الموارد المذكورة، فيقدمه. فلا يترتب على ذلك تضاد، ولا نقض غرض، ولا الوقوع في مفسدة؛ لأن في التزاحم في مقام التشريع، الملاك الأقوى هو منشأ الحكم، ويصبح الملاك المرجوح بلا أثر.
- العجز عن تحصيل الملاك: إذا لم يكن المكلف قادرًا على الوصول إلى الواقع – وهو المفروض في موارد الحكم الظاهري – فإنه لا يملك القدرة على تحصيل ملاك الحكم الواقعي؛ سواء أعطى المولى حكمًا آخر أم لا. فجعل حكم جديد من قبل المولى في هذه الموارد لا يؤدي إلى ضياع المصلحة أو الوقوع في المفسدة؛ لأن المكلف بنفسه لم يكن ليتمكن من تحصيل هذه المصلحة أو دفع المفسدة. كما أن التضاد ونقض الغرض ينتفيان في هذه الحالة؛ لأن الملاك الذي لا يمكن تحصيله لا يمكن أن يكون منشأ للحكم الواقعي في حق المكلف.
يبدو أن هذه الإجابات، كل على حدة أو بالدمج بينها، يمكنها دفع الشبهات المذكورة. بالطبع، قدم الأصوليون إجابات متعددة أخرى؛ مثل نفي كون الأحكام الظاهرية أحكامًا (الخراساني، 1422هـ ق، ص 319) أو اختلاف رتبة الحكم الواقعي والظاهري (الأنصاري، 1419هـ ق، ج 1، ص 122)، والتي لا يرى الكاتب أن أيًا منها يمكن أن يجيب على الإشكالات المذكورة، وقد بحثنا هذه المسألة بالتفصيل في مقال آخر (انظر: الحائري، 1348هـ ش، القسم الثاني، ص 97).
تجدر الإشارة إلى أن إجابة الشهيد الصدر بناءً على مبنى التزاحم الحفظي من أهم الإجابات على الإشكالات المذكورة، وسنتناول في الجزء التالي توضيحها ودراستها ونقدها.
نظرية التزاحم الحفظي
تُعرف إجابة الشهيد الصدر على جميع الشبهات الواردة على الأحكام الظاهرية بناءً على القول بطريقية الأحكام الظاهرية للكشف عن الواقع بنظرية التزاحم الحفظي. تجيب هذه النظرية على الإشكالات القائمة على العقل النظري (مثل إشكال التضاد) وعلى الشبهات المطروحة بناءً على العقل العملي (مثل الوقوع في المفسدة).
وقد بيّن (الشهيد الصدر) لشرح هذا الوجه ثلاث مقدمات، وهي كالتالي:
المقدمة الأولى: اتساع دائرة الحركة نحو الهدف
إذا لم يتمكن الإنسان من تشخيص مصداق الهدف – سواء في الأهداف التكوينية أو في الأهداف التشريعية – وتردد بين شيئين أو أكثر، فإن هذا لا يؤدي إلى اتساع دائرة الغرض نفسه؛ بل سيوسع دائرة حركة الإنسان لتحصيل مصداق الهدف. فمثلاً، إذا عرف عطشان أن أحد هذه الأوعية العديدة يحتوي على ماء، فإنه سيسعى لتحصيلها جميعًا للوصول إلى الماء؛ لكن هذا العمل لا يعني أن هدفه قد اتسع؛ بل هدفه هو ذلك الفرد الخاص، وفقط دائرة حركته لتحصيل مصداق الهدف هي التي اتسعت؛ لأنه من الواضح أن جميع الأوعية ليست محبوبة لديه؛ بل هو يريد فقط الوعاء الذي يحتوي على الماء، ولتحصيله يقوم بجمع جميع الأوعية.
يمكن تصور هذه النقطة في الأهداف التشريعية أيضًا؛ لأنه كلما أراد الآمر إصدار أمر لتحصيل هدف ما، ولكن مصداق الهدف كان مرددًا بين عدة أشياء، فإنه سيأمر – لا محالة – بتوفير جميع تلك الأشياء، وهذا ليس بسبب اتساع الهدف التشريعي، بل بسبب اتساع دائرة الحركة التشريعية لتحصيل الهدف؛ تمامًا كما كان الحال في الأهداف التكوينية.
الخلاصة: إن عدم تشخيص مصداق الهدف يؤدي إلى اتساع دائرة الحركة نحو ذلك الهدف، ولا يحدث تغيير في الهدف نفسه؛ سواء في الأهداف التكوينية التي يتحرك فيها الشخص بنفسه نحو الهدف، أو في الأهداف التشريعية التي يحرك فيها الآخرين نحو ذلك الهدف (الهاشمي الشاهرودي، 1433هـ ق، ج 4، ص 201).
المقدمة الثانية: ثلاثة أنواع من التزاحم
أحيانًا يحدث تزاحم بين هدفين في مصداق واحد؛ كما في حالة اجتماع مصلحة ومفسدة في عمل واحد. وأحيانًا يحدث تزاحم بين هدفين في مصداقين؛ كما في حالة كون كل من العملين ذا مصلحة، ولكن المكلف لا يستطيع الجمع بينهما.
ولكن أحيانًا يحدث تزاحم بين النطاق الحركي الذي نشأ بسبب عدم تشخيص مصداق هدف، وبين النطاق الحركي الذي نشأ نتيجة عدم تشخيص مصداق هدف آخر. ومثال ذلك في الأمور التكوينية هو عندما يريد الإنسان من جهة أن يأكل طعامًا يحتوي على فيتامين C ويتردد بين عدة أطعمة، ومن جهة أخرى يريد أن يأكل طعامًا يحتوي على فيتامين B ويتردد بين عدة أطعمة أخرى، ولا يستطيع الجمع بين بعض الموارد المحتملة لفيتامين C وبعض الأطعمة المحتملة لفيتامين B؛ بالطبع، هو يعلم أن الطعام الذي يحتوي على فيتامين C بالفعل والطعام الذي يحتوي على فيتامين B بالفعل يمكن الجمع بينهما، ولكن جميع الموارد المحتملة للفيتامينين لا يمكن الجمع بينها. في مثل هذا المثال، لا يوجد تزاحم بين هدفين في مصداق واحد، ولا بين هدفين في مصداقين؛ بل التزاحم بين النطاق الحركي الذي أدى إلى عدم وضوح مصداق فيتامين C، وبين النطاق الذي أوجده عدم وضوح مصداق فيتامين B.
يمكن توسيع هذه النظرة لتشمل الحالات التي يكون فيها الهدف هو الابتعاد عن شيء غير واضح المصداق؛ فمثلاً، يعلم الشخص أن أحد هذه الأطعمة يحتوي على شيء ضار، ولكنه لا يعلم أي طعام هو، وهذا يجعله يتجنب جميع الأطعمة. إذن، اتساع دائرة الحركة يشمل حالات عدم تشخيص مصداق المصلحة، ويشمل أيضًا حالات عدم تشخيص مصداق المفسدة. بهذا البيان يمكن إيجاد مثال أوضح لهذا النوع من التزاحم، حيث يريد الشخص من جهة أن يأكل طعامًا يحتوي على فيتامين معين، ومن جهة أخرى يريد أن يتجنب طعامًا يحتوي على مادة ضارة معينة، ومصاديق هذين الهدفين مرددة بين مجموعة واحدة من الأطعمة، وليست مجموعتين كما في المثال السابق. في مثل هذا الفرض، سيؤدي عدم وضوح مصداق المصلحة إلى الإقدام على القيام بجميع أفراد المجموعة، وسيؤدي عدم وضوح مصداق المفسدة إلى الإقدام على اجتناب جميع أفراد المجموعة. ومن الواضح أن الشخص لا يملك القدرة على فعل وترك المجموعة بأكملها؛ وإن كان القيام بما فيه مصلحة حقيقية وترك ما يؤدي إلى مفسدة حقيقية ممكنًا.
مثال تشريعي لهذا النوع من التزاحم هو عندما يريد الآمر أن يلزم شخصًا بفعل له مصلحة خاصة، ولكن مصداق هذا الفعل مردد بين عدة أفعال. ومن جهة أخرى، يريد أن يمنعه من فعل له مفسدة خاصة، ولكن مصداق هذا الفعل أيضًا مردد بين نفس الأفعال. هنا، يؤدي عدم تشخيص مصداق المصلحة إلى اتساع دائرة الأمر ليشمل جميع تلك الأفعال، ويؤدي عدم تشخيص مصداق المفسدة إلى اتساع النهي ليشمل جميع تلك الأفعال. وفي هذه الحالة، ستتزاحم دائرة الحركة التشريعية نحو مصداق المصلحة مع دائرة الاجتناب التشريعية عن مصداق المفسدة (الهاشمي الشاهرودي، 1433هـ ق، ج 4، ص 203).
يختلف هذا النوع من التزاحم اختلافًا جذريًا عن النوعين الأولين اللذين أُشيرا إليهما في بداية هذه المقدمة؛ لأنه في النوع الأول كان التزاحم بين هدفين في مصداق واحد، وهو ما يسمى “التزاحم الملاكي” (التزاحم في عالم الملاك). وفي النوع الثاني، كان التزاحم بين هدفين في مصداقين، حيث لم يتمكن المكلف من تحصيل كليهما، وهو ما يسمى “التزاحم الامتثالي” (التزاحم في عالم الامتثال). أما هذا النوع الثالث الذي أشار إليه الشهيد الصدر، فليس بين هدفين في مصداق واحد، ولا بين هدفين في مصداقين؛ بل هو بين نطاقي حركة، كل منهما نشأ للحفاظ على هدف تكويني أو تشريعي. وقد سمى الشهيد الصدر هذا النوع من التزاحم “التزاحم الحفظي” أو “التزاحم في سبيل حفظ غرضين”.
وقد اهتم الآخوند الخراساني بالنوع الأول من التزاحم (التزاحم الملاكي)، واهتم المحقق النائيني بالنوع الثاني (التزاحم الامتثالي)؛ لكن تأكيد الشهيد الصدر كان على النوع الثالث، أي التزاحم الحفظي.
من الواضح أن قبول استقلالية التزاحم الحفظي عن النوعين الآخرين من التزاحم يعتمد على قبول المقدمة الأولى، وهي عدم اتساع الهدف نفسه عند عدم تشخيص المصداق، واتساع دائرة الحركة نحو الهدف. ولكن إذا لم نقبل هذه المقدمة، وقلنا إن عدم تشخيص المصداق يؤدي إلى اتساع دائرة الهدف نفسه، فإن التزاحم المتشكل بين دائرة الغرضين سيكون نوعًا من التزاحم الامتثالي؛ وذلك في حال كان كلا الطرفين مقتضيًا للامتثال؛ لأنه في الواقع حدث تزاحم بين امتثال عدد من الأغراض وعدد آخر، وكل غرض يطلب امتثاله الخاص، في حين أن الجمع بين الامتثالات غير ممكن؛ وليس مجرد تزاحم دوائر الحركة نحو هدفين.
المقدمة الثالثة: المباحات الاقتضائية في التزاحم الحفظي
المباحات الاقتضائية هي الأحكام التي تنشأ من وجود ملاك في حرية العبد وعدم تكليفه بفعل أو ترك، وعدم إلزامه بذلك. هذه المباحات يمكن أن تكون طرفًا في التزاحم الحفظي؛ ولكن لا يمكن أن تكون طرفًا في التزاحم الامتثالي.
توضيح ذلك أن المباحات، سواء كانت اقتضائية أو غير اقتضائية، لا يمكن أن تكون طرفًا في التزاحم الامتثالي؛ لأن هذا النوع من التزاحم لا يحدث إلا بين طرفين كل منهما يطلب الامتثال، ولكن المكلف لا يملك القدرة على امتثال كليهما؛ في حين أن الإباحة، حتى لو كانت اقتضائية، لا تطلب الامتثال أصلًا. وهذا يعني أن التزاحم الامتثالي بين الحكم الإلزامي والترخيصي غير ممكن؛ حتى لو كان هناك ملاك في طرف الحكم الترخيصي لحرية المكلف وعدم تكليفه.
أما التزاحم الحفظي، وهو التزاحم الذي نشأ فيه الحفظ التشريعي للملاك المطلوب للمولى، فليس كذلك؛ لأن الإباحة إذا تضمنت الملاك المطلوب للمولى، فهذا يكفي لتكون طرفًا في التزاحم؛ حتى لو لم تكن تطلب امتثالًا خارجيًا؛ فمثلاً، إذا كان المولى يلاحظ ملاكًا إلزاميًا لا يستطيع المكلف تمييز مصداقه بين عدة موارد، ومن جهة أخرى، قد لاحظ ملاكًا لحرية العبد في عمل لا يستطيع العبد أيضًا تمييز مصداقه بين تلك الموارد، ونتيجة لذلك، يختلط العمل الواجب أو الحرام بالعمل المباح الاقتضائي بين الموارد المتعددة.
عدم تشخيص مصداق الملاك الإلزامي يؤدي إلى اتساع الحكم الإلزامي ليشمل جميع تلك الأفعال حتى لا يضيع الغرض التشريعي. ومن جهة أخرى، فإن عدم تشخيص مصداق ملاك الإباحة الاقتضائية يقتضي إباحة الكل حتى يبقى الغرض منه. في مثل هذه الحالة، يحدث تزاحم حفظي بين هذين الحكمين؛ مع أن الأول يطلب الامتثال والثاني لا يطلب امتثالًا خارجيًا. لذلك، فإن إحدى خصائص التزاحم الحفظي هي أن الإباحة الاقتضائية يمكن أن تكون أحد طرفيه؛ بخلاف التزاحم الامتثالي (الهاشمي الشاهرودي، 1433هـ ق، ج 4، ص 204).
الآن، وبالنظر إلى هذه المقدمات الثلاث، يمكن بيان حل الشهيد الصدر لشبهات الحكم الظاهري.
الحكم الظاهري علاج التزاحم الحفظي
يرى الشهيد الصدر بشأن الأحكام الظاهرية أن الله تعالى جعل هذه الأحكام علاجًا للتزاحم الحفظي الذي يحدث بين ملاك الأحكام الواقعية عند الشك، وأن كل حكم ظاهري، سواء كان من الأمارات أو الأصول العملية، يزيل التزاحم الحفظي الموجود في إحدى دوائر الشك في الحكم الواقعي. فمثلاً، جعل الله حجية خبر الثقة لإزالة التزاحم الحفظي في دائرة الأحكام الواقعية الموجودة في أخبار الثقاة؛ وذلك عندما تختلط الملاكات الواقعية الموافقة لخبر الثقة بالملاكات الواقعية المخالفة له، بسبب احتمال وجود كذب قليل في خبر الثقة أو احتمال الخطأ فيه.
في مثل هذه الحالة، يدفع عدم وضوح الملاكات الموافقة لخبر الثقة المولى إلى إلزام العمل بخبر الثقة في جميع دائرة اختلاط الملاكين، في حكم شامل، وذلك للحفاظ على الفئة الأولى من الملاكات. ومع أن مثل هذا الحكم سيؤدي إلى التضحية بالفئة الثانية من الملاكات المختلطة، إلا أن المولى يرى الحفظ التشريعي لملاكات الفئة الأولى أكثر أهمية، فيجعل خبر الثقة حجة في جميع دائرة الشك، ويقبل ضياع ملاكات الفئة الثانية من الأخبار المخالفة للواقع، وبهذه الطريقة يعالج التزاحم الحفظي بين هذين الملاكين الواقعيين.
مثال آخر يمكن ذكره في باب البراءة. فقد جعل الله البراءة الشرعية لإزالة التزاحم الحفظي بين الملاكات الملزمة والملاكات المرخصة في موارد الشك في الحكم الواقعي؛ وهي الموارد التي تختلط فيها الملاكات الملزمة بالملاكات المرخصة الموجودة في المباحات الاقتضائية؛ وذلك – بالطبع – في غير النفوس والأعراض وموارد الاستصحاب وخبر الثقة، وبشكل عام في موارد وجود شروط جريان البراءة. فعدم تشخيص مصاديق الملاكات الملزمة من قبل المكلفين يدفع الشارع إلى تعميم الحكم الإلزامي على جميع الدائرة المقصودة للحفاظ على هذا الملاك تشريعيًا؛ وإن أدى ذلك إلى ضياع ملاكات الفئة الثانية. وفي المقابل، فإن عدم وضوح مصاديق ملاكات الإباحة الاقتضائية يؤدي إلى تعميم حكم الترخيص على جميع الدائرة حتى يبقى هذا الملاك؛ وإن أدى ذلك إلى ضياع ملاكات الفئة الأولى. ولكن بالنظر إلى أن ملاكات الفئة الثانية أهم عند المولى، تُجعل البراءة الشرعية من قبله في جميع دائرة الشك، ويُقبل ضياع ملاكات الفئة الأولى، وهكذا يزول التزاحم الحفظي في هذه الموارد (وقد أشرنا سابقًا إلى أن الإباحة الاقتضائية يمكن أن تكون طرفًا في التزاحم الحفظي).
ويمكن تفسير سائر الأحكام الظاهرية مثل حجية الاستصحاب، وأصل الطهارة، وقاعدة الحل، وقاعدة اليد، وسائر الأمارات والأصول العملية على هذا النحو، واعتبار جعلها لرفع التزاحم الحفظي في موارد الشك.
التزاحم الحفظي يوجب سقوط الحكم الواقعي؟
إن معالجة التزاحم الحفظي بالطريقة التي بيناها لا تؤدي إلى تغيير الحكم الواقعي إلى حكم يفضله المولى من بين المتزاحمين؛ لأنه، كما ذكرنا في المقدمة الأولى، فإن عدم تشخيص مصداق الغرض لا يؤدي إلى اتساع دائرة الغرض نفسه ليقال إن مبادئ الحكم الواقعي قد تغيرت. وبناءً على أن الغرض، أي الحب والبغض، من مبادئ الأحكام الواقعية، فإن هذا الأمر (عدم وضوح مصداق الغرض) يؤدي إلى اتساع مسار الحركة التكوينية والتشريعية لتحصيل مصداق الغرض، وهذا يعني عدم تغير مبادئ الحكم الواقعي في ظرف وجود الحكم الظاهري، مما يبرر اجتماع الحكم الظاهري والواقعي حتى لو كانا متعارضين، وهذا يتوافق مع رأي مشهور المتأخرين بمن فيهم الشهيد الصدر.
أما إذا اعتبرنا التزاحم بين ملاك الأحكام الواقعية تزاحمًا امتثاليًا، فسيؤدي ذلك إلى سقوط أحد طرفي التزاحم؛ كما هو الحال في جميع موارد التزاحم الامتثالي.
حل شبهات الحكم الظاهري
لقد أجاب الشهيد الصدر بهذه النظرية على جميع إشكالات الحكم الظاهري من وجهة نظره؛ بما في ذلك شبهة التضاد التي منشأها العقل النظري، وشبهة إيقاع المكلف في المفسدة أو حرمانه من المصلحة التي جذورها في العقل العملي.
في باب شبهات العقل النظري، إجابته هي أن هذه الشبهات تقوم على أساس اختلاف مبادئ الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي؛ بينما اتضح من الكلام السابق أن الحكم الظاهري لا يملك مبادئ مختلفة، وقد جعل الشارع ذلك فقط للحفاظ على الملاك الأهم عند التزاحم الحفظي بين الأحكام الواقعية.
وفي باب شبهات العقل العملي، يجب القول إن العقل العملي لا يعتبر التخلي عن المهم للحفاظ على الأهم قبيحًا؛ حتى لو وقع المكلف في مفسدة أقل أهمية في هذا السبيل.
يمكن اعتبار هذه النظرية من أهم ابتكارات الشهيد الصدر في علم الأصول، وهي تستحق الإشادة والتقدير. ومع ذلك، هناك بعض النقاط الصغيرة حول النظرية المذكورة، والتي يجب ذكرها للحفاظ على الأمانة العلمية.
نقود على نظرية التزاحم الحفظي
يمكن تقديم النقاط التي تبدو حول هذا الرأي في ثلاثة مطالب.
بحوث أصولية
دراسة ونقد نظرية “التزاحم الحفظي” في الجمع…
- عدم انحصار تفسير الحكم الظاهري بالتزاحم الحفظي
اعتبر الشهيد الصدر أن سبب جعل جميع الأحكام الظاهرية هو علاج التزاحم الحفظي وتفضيل بعض الملاكات على بعضها الآخر، وهذا يعني نفي جميع التفسيرات الأخرى للحكم الظاهري. في حين أنه لم يقم دليلًا على هذا الادعاء، ويبدو أن دليله الوحيد على الرأي المذكور هو أنه لم يجد طريقًا معقولًا آخر لتفسير الحكم الظاهري؛ لأنه بعد أن اعتبر جميع إجابات علماء الأصول على شبهات الحكم الظاهري، بناءً على جميع المباني (السببية، الطريقية، وغيرهما)، باطلة، وحتى بناءً على مصلحة سلوكية – التي كان قد قبلها في الدورة الأولى من دروسه مع بعض التعديلات، ولكنه تراجع عنها في الدورة الثانية – لم يجد سبيلًا للتخلص من إشكالات الحكم الظاهري دون الوقوع في مشكلات مثل التصويب واشتراك الأحكام بين العالم والجاهل؛ إلا طريق التزاحم الحفظي.
لذلك، إذا وجدنا طريقًا آخر للتخلص من الإشكالات، وتخلصنا من مشكلة التصويب واشتراك الأحكام بطريقة ما، يمكننا عدم قبول نظرية التزاحم الحفظي. ويزعم كاتب هذا المقال أنه وجد مثل هذا الطريق، وقدم ثلاثة حلول للإجابة على شبهات الحكم الظاهري، حيث تم تقديم تفسير مختلف للحكم الظاهري. من وجهة نظرنا، الحكم الظاهري هو في الواقع نوع من الأحكام الواقعية الثانوية؛ مثل حكم الاضطرار والإكراه. كما أننا لم نقبل قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل من الأساس، ورددنا أدلتها في كتاب آخر. أما بالنسبة للتصويب، فعلى الرغم من أننا اعتبرنا تفسير التصويب المعتزلي والتصويب الأشعري باطلًا، فقد قبلنا نوعًا من التصويب المعتزلي المخفف.
وبناءً على ذلك، على الرغم من الابتكار الكبير للشهيد الصدر، لا يوجد دليل مقنع لقبول نظريته في التزاحم الحفظي. ولكن مثل هذا الاعتراض لا يرد على رأينا الذي اعتبر الحكم الظاهري نوعًا من الحكم الثانوي؛ لأننا استظهرنا هذا الأمر من أدلة حجية الأمارات والأصول، مثل أدلة حجية خبر الثقة وبعض أدلة البراءة؛ وليس فقط لكونه معقولًا أو لحل الشبهات من هذا الطريق، اخترناه.
بحوث أصولية
السنة الثامنة، العدد 26، ربيع 1400هـ ش
- مقارنة الإرادة الإلهية بالإرادة البشرية
إن مراد الشهيد الصدر من الأغراض الشرعية في نظرية التزاحم الحفظي هو نفسه “الحب والبغض” الذي نعبّر عنه بـ “الإرادة”، ويُعدّ عنده أحد عناصر مبادئ الأحكام الشرعية. وهذا يعني أن نظرية التزاحم الحفظي تقوم على أساس قبول تدخل إرادة (الحب والبغض) الشارع في مبادئ الحكم الشرعي.
والآن، يجدر بنا أن نسأل: على أي أساس تقارنون الإرادة الإلهية بالإرادة البشرية؟ وتقولون إن الإرادة عند عدم وضوح مصاديقها لا تتسع، بل تتسع دائرة الحركة نحو المصاديق، بافتراض أننا نقبل هذا الادعاء بشأن الإرادة البشرية؟
لقد أشرنا مرارًا في أبحاثنا السابقة إلى أننا لا نعرف عن الإرادة الإلهية وحبه وبغضه إلا ثلاثة أمور:
(أ) وجود نوع من الحب والبغض في الله تبارك وتعالى، لوجود إشارات قرآنية واضحة.
(ب) حب الله وبغضه ليس من نوع حبنا وبغضنا؛ بل له ماهية مختلفة تمامًا؛ لأن الحب والبغض البشري نوع من التأثر الروحي الذي يعرض للإنسان، وهذا لا يتناسب مع شأن الله، فهو لا يتأثر. فحب الله وبغضه من نوع آخر لا تتضح لنا حقيقته.
(ج) نعلم أن بعض آثار الحب والبغض تصدق إجمالًا على الباري تعالى؛ مثل التقرب الإلهي والمكانة التي يحصل عليها الإنسان بفعل الأعمال الصالحة عند الله تعالى، أو الابتعاد عن رحمة الله الذي يصيبه بارتكاب الذنوب. وبالطبع، ليس واضحًا لنا ما إذا كانت هذه الآثار هي نفس الحب والبغض، أو مجرد نتائج تترتب عليهما.
لا نعرف أكثر من هذا عن الإرادة الإلهية. ولذلك، لا يحق لنا مقارنة الإرادة الإلهية بإرادتنا في أي مجال. ولهذا السبب، في بحث مقدمة الواجب، وبحث الضد، وغيرهما، قلنا إنه بمقارنة الإرادة الإلهية بالإرادة البشرية، لا يمكن افتراض ملازمة بين الإرادة الإلهية لأمر ما وإرادة مقدمته، أو بين حب الله لشيء وبغضه لضده. نظرية التزاحم الحفظي ليست استثناءً من هذه القاعدة، وليس هناك دليل يدعو للقول بأن في الإرادة الإلهية أيضًا، كما في الإرادة البشرية، في فرض عدم وضوح المصاديق، تتسع دائرة الحركة نحو الغرض، لا دائرة الغرض نفسه.
اتساع الغرض عند عدم تشخيص مصداقه
إذا تجاوزنا الإشكال الكبروي وقارنا الإرادة الإلهية بإرادة البشر، فلا يزال هذا الإشكال الصغروي يظهر في مبنى الشهيد الصدر، وهو: هل توجد بالفعل الخاصية المزعومة، وهي اتساع دائرة الحركة نحو الغرض في حالة عدم تشخيص المصداق، في الإرادة البشرية؟
نعتقد أن وجود هذه الخاصية في إرادة الإنسان لا يمكن إثباته، ويمكن القول إن وجداننا لا يدرك مثل هذه الإرادة؛ بل يجب القول إن الغرض نفسه (الإرادة والحب والبغض) يتسع في حالة عدم تشخيص مصداقه، وبهذا القول تبطل المقدمة الثانية لنظريته أيضًا؛ وهي المقدمة التي كانت تقول: إذا تعذر تشخيص مصداق غرضين، وكان الجمع بين جميع الأفراد المترددة مستحيلًا، فلا يحدث تزاحم بين مجموعة المصاديق التابعة للغرض الأول ومجموعة المصاديق التابعة للغرض الثاني؛ لأنه لا توجد مجموعة أغراض أصلاً حتى تتزاحم فيما بينها؛ بل تتزاحم فقط الحركة لحفظ غرض مع الحركة لحفظ غرض آخر. ولكن إذا لم نقبل المقدمة الأولى وقلنا إن الغرضين نفسيهما يتسعان، فمن الطبيعي أن يحدث التزاحم بين امتثال مجموعة الأغراض التابعة للغرض الأول وامتثال مجموعة الأغراض التابعة للغرض الثاني، وستكون المقدمة الثانية خاطئة أيضًا.
نستلهم البيان الفني لرفض المقدمة الأولى من حاشية تقريرات السيد كاظم الحائري على دروس الشهيد الصدر. ولكن توضيح هذا البيان يتطلب ذكر مقدمة. أحيانًا يتعلق “الحب” بصورة ذهنية كلية بذات، وأحيانًا بصورة كلية بفعل.
في النوع الأول، من المؤكد أن هذا الحب ينتشر من الصورة الكلية إلى الصورة الجزئية للذات؛ فمثلاً، إذا كان شخص ما يحب كل إنسان كريم (بشكل كلي) ويعرف زيدًا كريمًا، فلا بد أن حبه ينتشر إلى زيد. وفي النوع الثاني، الصحيح أيضًا أن الحب ينتشر من الصورة الذهنية الكلية إلى الصورة الذهنية الجزئية لذلك الفعل؛ فمثلاً، من يحب إكرام الإنسان الكريم ويعرف زيدًا كريمًا، ينتشر حبه إلى إكرام زيد أيضًا، ولا ينبغي القول بأن حب الفعل لا ينتشر إلى الأفراد؛ بل حب الكلي يجذبه نحو الفرد دون أن يكون الفرد محبوبًا بذاته. وقد قبل الشهيد الصدر هذه النقطة في باب اجتماع الأمر والنهي، وصرح بأن الحب ينتشر من الجامع (الكلي) إلى الحصة (الفرد) (الهاشمي الشاهرودي، 1433هـ ق، ج 4، ص 39).
من الواضح أن هذا الانتقال – سواء في باب الذات أو في باب الفعل – يحدث في حال تحديد أن هذا الفرد هو من أفراد الكلي، ولهذا السبب، إذا اعتقد شخص أن زيدًا ليس كريمًا، فلن ينتقل حبه من الكلي (إكرام الكريم) إلى زيد؛ حتى لو كان زيد كريمًا في الواقع.
بناءً على هذه المقدمة، يجب القول بأنه إذا انتشر الحب حتى في باب الأفعال من الكلي إلى الفرد، في حالة تشخيص كونه فردًا، فحينئذٍ في الحالة التي يكون فيها مصداق الحب مرددًا بين عدة أفراد، يجب أن ينتشر هذا الحب إلى جميع تلك الأفراد؛ لأنه في جميعها احتمال الفردية موجود.
إن ادعاء عدم سريان الحب إلى الأفراد ينشأ من أحد هذين المبنيين الخاطئين:
- يسري الحب من الكلي إلى الفرد عندما يكون تشخيص الفردية مطابقًا للواقع. ونظرًا لأن الفردية في جميع الأفراد المترددة هنا ليست مطابقة للواقع، وواحد فقط من هذه الأفراد هو في الواقع فرد كلي، فإن الحب يسري فقط إلى ذلك الفرد ولا يحدث توسع في الحب.
إن بطلان هذا الادعاء واضح تمامًا؛ لأن من يرى محبوبه الكلي في قالب فرد، سيحبه؛ حتى لو كان رأيه خاطئًا ومخالفًا للواقع. ولم يكتف السيد الحائري هنا بالوجدان، بل أقام برهانًا لإثبات هذا الأمر، خلاصته: دليل سريان الحب هو ذلك الاعتبار التصوري الأولي الذي يجعل الفرد يظن أن المتعلق الذاتي للحب في الذهن يتحد وجوديًا بالمتعلق العرضي الخارجي، وهذه العلة موجودة في جميع الانكشافات؛ سواء كانت مطابقة للواقع أم لا.
- إن التشخيص الاحتمالي للفرد لا يكفي لانتشار الحب من الكلي؛ بل يجب أن يكون التشخيص قطعيًا، والتردد في الفرد المحبوب بين عدة أفراد يمنع انتشار الحب إلى الأفراد الأخرى؛ لأن التشخيص احتمالي، وفي هذه الحالة، تتسع فقط دائرة الحركة التكوينية أو التشريعية نحو الغرض، لا الحب نفسه (الغرض).
هذا الادعاء أيضًا باطل، وبتعبير السيد الحائري، بطلانه وجداني؛ وإن لم يكن له برهان. الإنسان في وجدانه يشعر بالحب للأفراد المحتملة أيضًا؛ وإن كان درجة هذا الحب أقل من الأفراد القطعية. ومؤيد هذا الوجدان هو أنه لو قبلنا انتشار الحب في الفرد القطعي فقط، في حالة التردد في الأفراد، فلن ينتشر الحب حتى إلى الفرد الحقيقي، وسيبقى دائمًا في الجامع، وربما لا يقبل الشهيد الصدر نفسه هذه النتيجة.
النتيجة: بناءً على حكم الوجدان، فإن محبة الأفراد المترددة تؤدي إلى الحركة نحو كل منها، لا محبة الكلي. ولو بقي الحب في الجامع ولم ينتشر، لما تشكلت حركة نحو الأفراد أبدًا.
والآن، وبعد أن بطل هذان الادعاءان، يجب التسليم بأن الحب ينتشر من الكلي إلى جميع الأفراد التي يكون فيها الفرد الواقعي مرددًا بينها؛ وذلك لأن احتمال الفردية موجود في جميعها، وهذا يعني اتساع الحب في حال عدم وضوح المصداق، وليس فقط اتساع دائرة الحركة لتحصيل الفرد الواقعي. نتيجة هذا القول هي بطلان المقدمة الأولى لنظرية الشهيد الصدر، وبالتالي بطلان نظريته بأكملها (الحائري، 1408هـ ق، ج 2، ص 54-56).
دفاع السيد الحائري عن الشهيد الصدر
لقد سعى السيد الحائري إلى الدفاع عن الشهيد الصدر برفض هذا الإشكال، وقال:
حتى لو كان هذا الإشكال صحيحًا، فإنه لا يضر بوجه جمع الأستاذ الشهيد بين الحكم الظاهري والواقعي؛ لأن هذا الكلام في الأفعال المباشرة والأحكام المولوية يكون صحيحًا عندما يكون الحكم بصيغة قضية خارجية، وتحديد المصداق بيد المولى نفسه، ويأمر المولى بالمصاديق بناءً على تشخيصه. أما في الأحكام المولوية التي تكون بصيغة قضية حقيقية، والحب والبغض يتعلق بالجامع، ففي حال انتقال الحب من جانب المولى إلى الصور الخارجية – لأنه يعتبرها مصداقًا للجامع أو يتردد في صدق الجامع عليها – لا يتحمل العبد مسؤولية في هذا الشأن. ولهذا السبب، إذا أخطأ المولى في تطبيق الغرض على مصداقه الخارجي، وفهم العبد هذا الخطأ، فعليه أن يعمل بناءً على علمه. هذا بخلاف الأحكام التي تكون بصيغة قضية خارجية، ويأمر المولى بالمصاديق بناءً على تشخيصه، ففي هذه الحالة يجب على العبد أن يعمل وفقًا لتشخيصه؛ حتى لو علم أنه خاطئ…. بالطبع، التردد محل بحثنا هو تردد العبد في المصاديق، لا تردد المولى، ومن الواضح أن تردد العبد لا يؤثر في اتساع مصاديق حب المولى، بل يرتبط بإظهار شدة اهتمام المولى بالغرض بحيث لا يرضى بضياعه حتى في هذه الحالة، وهذا هو روح وحقيقة جعل الاحتياط (الحائري، 1408هـ ق، ج 2، ص 56).
ليس واضحًا ما إذا كان هذان الجزءان من كلام السيد الحائري جوابين مستقلين على الإشكال، أم أن الجزء الثاني مكمل للجزء الأول.
على أي حال، لنفترض في البداية، مع غض الطرف عن الجزء الثاني من كلام السيد الحائري، أن المولى ليس عالمًا بالغيب وقد شك في مصداق محبوبه، ونسأل: ما هو الفرق الذي يقصده بين حكم المولى في القضية الحقيقية وبين القضية الخارجية؟
أحد الافتراضات للفرق الذي يقصده هو أن حب المولى في القضايا الحقيقية لا يسري إلى الأفراد المترددة، ولكن في القضايا الخارجية يسري. والافتراض الآخر هو أنه يقبل سريان حب المولى إلى الأفراد المترددة في كلتا الحالتين، ويكمن الفرق في أن في الحالة الأولى، مع وجود سريان الحب إلى الأفراد، يتشكل تزاحم حفظي، أما في الحالة الثانية فلا. وذلك لأن تحديد المصداق في الحالة الأولى بيد العبد، وفي الحالة الثانية بيد المولى.
إشكال الفرض الأول هو أن سريان أو عدم سريان حب المولى يتعلق بمرحلة مبادئ الحكم لا بمرحلة الجعل والإنشاء، وأن شكل الحكم الإنشائي كقضية حقيقية أو قضية خارجية لا يؤثر في هذه المسألة.
أما الفرض الثاني، فيتضمن بديلًا للمقدمة الأولى للشهيد الصدر في التزاحم الحفظي؛ أي إصدار الحكم بصيغة قضية خارجية، مما يجعل تحديد المصاديق بيد العبد لا بيد المولى، وهذا يكفي لتصحيح نظرية التزاحم الحفظي؛ حتى لو سرى حب المولى إلى جميع الأفراد المترددة، على عكس قول الشهيد الصدر الذي لم يعتبر عدم تشخيص مصداق الحب سببًا لسريانه إلى الأفراد المترددة، وهذا يعني الاستغناء عن المقدمة الأولى للشهيد؛ لأن هذا البديل موجود في معظم الأحكام الشرعية، ومعظم الأحكام صدرت بصيغة قضية حقيقية.
وبطبيعة الحال، فإن مثل هذا الكلام غريب جدًا ويخرج عن مراد الشهيد الصدر في نظرية التزاحم الحفظي. بالإضافة إلى ذلك، إذا سلمنا بأن الحكم المولوي الصادر بصيغة قضية حقيقية يجعل تحديد المصاديق بيد العبد، ولكن الفرض هو أن حب المولى قد سرى إلى جميع الأفراد المترددة. هنا، يمكن للسيد الحائري أن يقول إن قيام العبد بجميع أطراف التردد ليس بدافع حب المولى؛ لأنه في القضية الخارجية، لا اعتبار لتحديد المولى لمصاديق حبه بشكل تعييني أو مردد، ولا تأثير له في عمل العبد. وما جعل العبد يقوم بجميع الأفراد هو اتساع دائرة حركته نحو الغرض، دون الالتفات إلى اتساع حب المولى. وبناءً على هذا البيان، فإنه مع سريان حب المولى إلى جميع الأفراد، تتحقق النتيجة التي كان الشهيد الصدر يهدف إليها من المقدمة الأولى؛ وذلك لأن تحديد المصاديق قد وُكل إلى العبد، وهو أيضًا قد قام بجميع الأفراد بسبب اتساع دائرة حركته نحو الغرض؛ لا بسبب حب المولى لجميع الأفراد. ولكن هذا القول خاطئ؛ لأنه عندما يوكل المولى تحديد المصاديق إلى العبد، فلا يؤثر عندها لا تحديد المولى وحبه في هذا الشأن، بل إن اتساع دائرة حركته لا يؤثر هنا أيضًا.
بشكل أدق، المولى، كما وكل تحديد المصداق للعبد، فقد وكّل إليه أيضًا الحركة نحو المصداق الحقيقي، وهو لا يلعب دورًا في هذه الحركة. فدافع العبد للقيام بجميع الأفراد المترددة ليس اتساع دائرة الحركة التشريعية للمولى نحو الغرض؛ بل هو بسبب تشخيصه للمصداق بنفسه، وهذا النوع من الاتساع في الفعل المباشر تكويني، ولا علاقة له بالحكم المولوي. وقد أشار السيد الحائري نفسه في الجزء الأول من كلامه إلى أن إشكالنا على نظرية الشهيد الصدر وارد في الأفعال المباشرة والأحكام المولوية التي تكون بصيغة قضية خارجية، ودفاعه لا يصح إلا في القضايا الحقيقية.
ولكن الآن، حيث أن الفعل المباشر للعبد مع تشخيصه الخاص مطروح في القضية الحقيقية أيضًا، فإن الإشكال المذكور يسري هنا أيضًا، ويصبح هذا الدفاع عديم الأثر.
في فرض القضية الحقيقية، حتى لو سلمنا بأن العبد يقوم بجميع الأفراد المترددة بسبب اتساع دائرة الحركة التشريعية نحو غرض المولى، لا بسبب حب المولى لها، فإن النتيجة المرجوة من المقدمة الأولى لن تتحقق؛ لأن هذه النتيجة يجب أن تظهر في حالة حدوث تزاحم وجعل حكم جديد باسم الحكم الظاهري من قبل المولى، لا قبل التزاحم وصدور الحكم الظاهري. في حين أنه في العديد من الحالات، بعد حدوث التزاحم بين دائرة حركة العبد نحو حكم ودائرة حركته نحو حكم آخر، يتدخل المولى ويستعيد حق تحديد المصداق الذي كان قد أوكله للعبد، بجعل حكم ظاهري، ويطلب منه عنوانًا جديدًا يختلف عن عنواني الحكم الواقعي. فمثلاً، إذا كان الحكم الواقعي بالحرمة قد تعلق بعنوان “الخمر” والحكم الواقعي بالإباحة (الاقتضائية) قد تعلق بعنوان “الخل”، ووفقًا لطبيعة القضية الحقيقية، تم توكيل تحديد المصاديق إلى العبد، فعندما يحدث اختلاط بين مصاديق الحكمين وتتزاحم دائرتا عمل العبد لتحصيل المصداق بين الأفراد المترددة، يتدخل المولى، ويجعل خبر الثقة حجة مثلاً، ويعرف بعض المصاديق بأنها “خمر” وبعضها الآخر بأنها “خل”. وهذا يعني سحب حق تحديد المصداق من العبد وإلزامه باتباع خبر الثقة في موارد التردد، وهذا يؤدي إلى إزالة الفرق بين القضية الحقيقية والخارجية، وباعتراف السيد الحائري، فإن الإشكال المذكور يسري في القضية الخارجية.
ما ذكرناه كان مع غض الطرف عن الجزء الثاني من كلامه. وبالطبع، ليس واضحًا ما إذا كان قد جعل هذا الجزء مكملًا للجزء الأول أو إجابة جديدة؛ ولكن الجزء الثاني من كلامه يمكن اعتباره إجابة مستقلة على الإشكال، مع توضيح أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشارع عالم بالغيب ولا يتردد في مصاديق حبه وبغضه، واعتبرنا التردد من جانب العبد، فسوف نصل إلى طريق جديد لتحقيق النتيجة المرجوة من المقدمة الأولى؛ لأن تردد العبد حينئذٍ لن يكون له علاقة بحب المولى العالم بالغيب وبغضه؛ بل سيكون مرتبطًا باتساع حركة المولى التشريعية نحو مصداق حبه. إذن، لم يحدث اتساع في محبوب المولى، واتسعت فقط حركته التشريعية، وهذه هي النتيجة المرجوة من المقدمة الأولى، ولا علاقة لها بكون القضية خارجية أو حقيقية.
هذا الكلام، مثل كلامه السابق، غريب جدًا؛ لأنه يؤدي إلى الاستغناء عن المقدمة الأولى للشهيد الصدر، وبالتالي ظهور بيان جديد للجمع بين الحكم الظاهري والواقعي لا علاقة له بنظرية التزاحم الحفظي؛ لأن الشهيد الصدر في المقدمة الأولى يصرح بأنه إذا شك صاحب الحب في مصداق محبوبه، فلا يؤدي ذلك إلى اتساع دائرة المحبوب؛ ولكن هذا البيان يقول إن الله تعالى لا يتردد أصلًا في مصداق محبوبه حتى تتسع دائرة حبه أو لا تتسع؛ بل التردد من جانب العبد.
يبدو أن أساس بناء الشهيد الصدر من البداية كان أن الله تعالى في تشريعاته وأحكامه يتصرف بناءً على تصورات الناس وذوقهم؛ ومن هنا افترض حالة المولى من حيث وقوع الشك والتردد كحال الناس، ولهذا احتاج إلى المقدمة الأولى.
نقطة أخرى هي أن عدم اتساع حب المولى في حالة تردد العبد في تشخيص مصداق الحب ليست مسألة واضحة، بل ربما تكون مخالفة للوجدان؛ لأنه إذا علم المولى أن عبده المطيع لا يستطيع امتثال أمره إلا إذا قام بجميع الأفراد المترددة، فسيصبح مثل هذا العمل محبوبًا لديه. هذا الأمر واضح في الموالي البشرية؛ تمامًا كما أن سريان الحب من ذي المقدمة إلى المقدمة واضح، وقد أشرنا سابقًا إلى أن الشهيد الصدر في بعض المسائل، مثل مقدمة الواجب، افترض الإرادة الإلهية كالإرادة البشرية.
تقييم التزاحم الحفظي في ظل التفسير الجديد للحكم الظاهري
لا تتوافق نظرية التزاحم الحفظي مع أي من الطرق الثلاث التي قدمناها لحل مشكلات الحكم الظاهري. فمن وجهة نظرنا، الحكم الظاهري هو نوع من الحكم الواقعي الثانوي، مثل حكم الاضطرار والإكراه، الذي يزول الحكم الأولي في ظرف حصوله، ولكن ملاكه يبقى، وهذا ما يجعلنا مضطرين لحل مشكلة الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي في عالم الملاكات. لهذه المشكلة ثلاثة حلول، وقد سبق شرحها في بداية هذا المقال:
- حصول التزاحم الملاكي وتقديم الملاك الأقوى.
- عدم إمكان استيفاء ملاك الحكم الأولي.
- الاحتياط في مقام التشريع.
إن عدم توافق نظرية التزاحم الحفظي مع الحل الأول والثاني واضح. ولكن لتوضيح عدم توافقها مع الإجابة الثالثة، يجب بيان الفرق بين الاحتياط في التشريع والتزاحم الحفظي.
الوجه المشترك بين هذين المبنيين هو أنه عندما لا يتمكن العبد من تشخيص مصداق الملاكين المطلوبين للمولى، ولا يستطيع المولى – أو المصلحة تمنعه – من توجيه العبد، فإن المولى يختار الملاك الأهم ويعمم حكمه في جميع دائرة الشك للحفاظ على الملاك الأهم؛ وإن أدى ذلك إلى ضياع الملاك الآخر في هذه الأثناء. أما الفرق بين هذين المبنيين فهو أن في أحد الفرضين، المولى، إلى جانب تعميم الحكم الأهم (الحكم الظاهري) في جميع دائرة الشك، يصدر أيضًا حكمًا للملاك الأقل أهمية (الحكم الواقعي)؛ مع أن العبد لا يعرف مصداقه، وهذا هو نظرية التزاحم الحفظي. أما في الفرض الآخر، فإن المولى يتخلى عن الحكم الأقل أهمية ويصدر حكمًا واقعيًا جديدًا للحفاظ على الملاك الأهم في جميع دائرة التردد، دون وجود حكم آخر بجانبه، وهذه هي نظرية الاحتياط في التشريع، وهي حلنا الثالث، وقد وردت في كلام الشهيد الصدر في بحث حجية خبر الواحد تحت آية النفر (انظر: الهاشمي الشاهرودي، 1433هـ ق، ج 4، ص 379).
بهذا البيان يتضح عدم توافق التزاحم الحفظي مع الحلول الثلاثة؛ بل يجب القول إن هذه النظرية لا تتوافق أصلًا مع تفسيرنا للحكم الظاهري؛ لأنها تحافظ على الحكم الواقعي إلى جانب الحكم الظاهري؛ في حين أن الحكم الواقعي الأولي يسقط ويتحول إلى حكم واقعي ثانوي بناءً على تفسيرنا.
الخاتمة
من خلال دراسة الإشكالات والحلول للتزاحم بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي، نصل إلى نتيجة مفادها أن نظرية التزاحم الحفظي للشهيد الصدر، على الرغم من كونها ابتكارًا وقد حازت على اهتمام تلاميذه، إلا أنه لا يوجد دليل قوي على صحتها؛ بالإضافة إلى أنها لا تتوافق مع تفسير الحكم الظاهري بالحكم الواقعي الثانوي، وهو التفسير الصحيح لهذا الباب من وجهة نظرنا. لذلك، وبالنظر إلى الدراسات التي أجريت، يمكن أن يكون تفسير الحكم الظاهري بالحكم الواقعي الثانوي أحد الحلول البديلة للتزاحم الحفظي للشهيد الصدر.
فهرس المصادر
- الأنصاري، مرتضى (1419هـ ق). فرائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
- الحسيني الحائري، السيد كاظم (1408هـ ق). مباحث الأصول. الطبعة الأولى. قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
- الخراساني، محمد كاظم (1422هـ ق). كفاية الأصول. الطبعة الثانية. قم: انتشارات جامعة المدرسين.
- الحائري، السيد علي أكبر (1438هـ ق). الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. القسم الأول والقسم الثاني. النجف الأشرف: مجمع الفكر الإسلامي.
- الكاظمي الخراساني، محمد علي (1379هـ ش). فوائد الأصول. الطبعة الثالثة. قم: انتشارات جامعة المدرسين.
- المحقق الحلي، جعفر بن الحسن (1423هـ ق). معارج الأصول. الطبعة الأولى. لندن: مؤسسة الإمام علي.
- المشكيني، علي (1374هـ ش). اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها. الطبعة الأولى. قم: الهادي.
- الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود (1433هـ ق). بحوث في علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة فقه ومعارف أهل البيت.