الملخص
بناءً على العقل ورؤية الفقهاء، فإن وجود الحاكم الإسلامي ضرورة وواجب شرعي لإقامة النظام والأمن، وصيانة الحكومة الإسلامية، وتنفيذ أحكامها وقوانينها. إن مشروعية أولي الأمر نابعة من شأن النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام)، والتي تمتد بدورها إلى الحاكم الإسلامي. ومن جملة صلاحياتهم الإذن بإصدار الأحكام الحكومية التي تكون في إطار الشريعة رافعة للمشكلات ومواكبة لمستجدات المجتمع الإسلامي، أو تسير في اتجاه المصلحة العامة للمجتمع. تُعد هذه الأحكـام من الأدلة الاجتهادية والمبتنية على النصوص، وتعتبر من حيث اختصاص الولاية بالفقيه (ولي الفقيه) نوعاً من التأسيس. وبناءً على ذلك، يصدر والي الحكومة، مع الأخذ في الاعتبار مقتضيات العصر للمجتمع الإسلامي والمصلحة العامة، حكماً قد يتعارض أحياناً مع النصوص الشرعية. يتناول البحث الحالي، الذي أُجري بأسلوب وصفي-تحليلي، هذا السؤال: كيف يمكن حل تحدي تعارض الأحكام الحكومية مع النصوص الشرعية؟ تظهر نتائج البحث أن ولي الأمر يتمتع بصلاحية واسعة في إصدار الحكم الحكومي وفقاً للمصالح الإسلامية أو المصالح العامة التي تنسجم مع روح الشريعة، وذلك في جميع الأمور، سواء كانت عبادية أو غير عبادية، المرتبطة بالقضايا الاجتماعية، مع مراعاة المعايير الشرعية. لذا، من الضروري لتبيين ورفع التعارض بين الأحكام الحكومية والنصوص الشرعية، من خلال تقييم الأدلة والمستندات، الخوض في هذا النوع من الأحكام.
طرح الإشكالية
إن وجود حاكم، ولو كان ظالماً أو فاجراً (الشريف الرضي، د.ت، 757)، ضرورة عقلية ونقلية في المجتمع الإنساني، فأبسط وظيفة عقلية للوالي هي منع الفوضى والاضطراب وإقامة الأمن. وفي ظل وجود الحاكم الإسلامي، تترتب آثار على الأفراد الخاضعين لحكمه، منها تطبيق التعاليم الإلهية، وإقامة العدل الاجتماعي، وحفظ حدود وثغور الإسلام، وغير ذلك. الأحكام التي يصدرها الفقيه (ولي الفقيه) بحسب الظروف والمصالح الاجتماعية أو مصالح النظام الإسلامي هي أحكام حكومية، تستمد مشروعيتها إجمالاً من الشرع (القرآن والسنة القولية والفعلية) والعقل. وأفراد المجتمع، أياً كانت ديانتهم أو مذهبهم، ممن يسكنون تحت لواء الحكومة الإسلامية وفي أرض الإسلام، ملزمون بقبول أوامر الحاكم الإسلامي. إن شأن الحاكم الإسلامي، وفقاً لآية الطاعة (النساء: 59)، هو مرتبة متنزلة من ولاية النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام)، ويمتد نطاق صلاحياته ليشمل التصرفات التشريعية للنبي (ص) والأئمة (عليهم السلام) على المستوى الاجتماعي، مثل قيادة الحكومة، وزعامة الناس، وإقامة العدل بجميع أبعاده، وحفظ الحدود في وجه الأجانب، وسد طريق الاختلال، ووحدة الكلمة. يجب أن يكون حكم حاكم الإسلام، بمصداقه الأعم (النبي (ص)، الأئمة (عليهم السلام)، والفقيه)، متوافقاً مع حكم الشارع وفي إطار الشريعة. لذا، فإن الحكم الذي يجعل الموضوعات المباحة (المسكوت عنها شرعاً) في منطقة الفراغ محمولة على الطلب، لا يتعارض مع الشرع. ولكن إذا كان العنوان الشرعي المنسوب إلى الإلزام بالأمر والنهي أو الوجوب والحرمة، هو نفسه موضوع خطاب حكمي من الحاكم، فإن الحساسية تتضاعف. إن نمو المجتمع الإنساني ومسائله يؤدي إلى ظهور احتياجات ومعضلات خاصة، يتسبب حلها أحياناً في مواجهة الإنسان بتحديات. وعليه، فإن منزلة الحكم الحكومي كحكم أعلى في الأمور العبادية تتسم بقيمة وحساسية خاصة، لا سيما عندما يصدر حكم ولي الفقيه متعارضاً مع حكم الشارع، حيث يصبح محط اهتمام من بعدين يتطلبان البحث وحل التعارض. فمن جهة، يجب رفع تعارض حكم الحاكم مع النص، ومن جهة أخرى، يجب ألا يتزعزع اعتقاد الناس ورؤيتهم. ورغم إجراء دراسات في باب الحكم الحكومي لأهميته وأبعاده الواسعة، لم يُعثر على بحث يتناول هذا الجانب تحديداً. يتكون هيكل البحث من قسمين: القسم الأول يتناول مباني الحكم الحكومي من منظور الفريقين، ويُبين في ذيله نماذج من الأحكام الحكومية المبنية على المصالح العامة في منطقة الفراغ. أما القسم الثاني والختامي، وهو الأهم، فيتناول ذكر مصاديق وتحليل الأحكام الحكومية المتعارضة مع النصوص الشرعية في الموضوعات غير العبادية والعبادية، لتوضيح الوجه المميز للحكم الحكومي في كل من العناوين. ويسعى هذا البحث لتحقيق أهدافه وإثباتها قدر المستطاع من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: 1- ما هي أنواع المصالح التي تشملها موضوعات الأحكام الحكومية؟ 2- في أي الحالات يجوز لممثلي الحاكم الإسلامي تنفيذ أحكام حكومية تتعارض مع النصوص؟ 3- ما هو السبيل للخروج من تعارض الأحكام الحكومية مع النصوص الشرعية؟
1. الدراسة المفهومية للبحث
1-1. الحكم الأولي والحكم الثانوي
تنقسم الأحكام من حيث المصالح والمفاسد الكامنة في الموضوع، أو بالنسبة لظروف المكلف، إلى قسمين: أولي وثانوي. الحكم مصدر يعني القضاء وإصدار الأمر (الجوهري، 1404هـ: ج4، 1901؛ وابن منظور، د.ت: ج3، 270)، ويفيد معنى “المنع” (ابن فارس، د.ت: ج2، 91؛ وسانو، 1427هـ: 183؛ وابن الأثير، 1367: ج1، 420). والحكمة تعني المانعية والمصلحة والإصلاح. الحكم هو إنشاء مطلق من غير قيد أو شرط، يلازم إلزام المكلفين، ويكون فعالاً في حل نزاعات الناس في نظام معاشهم (العاملي، د.هـ: ج1، 320). إذا أصدر الشارع حكماً بناءً على المصالح والمفاسد الموجودة في الموضوع، يُسمى حكماً واقعياً أولياً، وإن أصدر حكماً يناسب الحالة الاستثنائية العارضة على المكلف، فهو حكم واقعي ثانوي (المشكيني، 1374، 124). ويُعبّر عنه بعناوين ثانوية مثل الضرر والاضطرار والعسر والحرج وغيرها (مكارم الشيرازي، د.ت: 1/541). التأكيد على قيد “الواقعي” هو لتمييزه عن الحكم الظاهري، لأن كلا الحكمين من الأدلة الاجتهادية التي يستنبطها الفقيه من مصادرها. ودليل الحكم الثانوي حاكم على دليل الحكم الأولي، وفي حال عدم الوصول إلى الحكم الأولي، يجوز العمل بالحكم الثانوي.
1-2. الحكم الحكومي
لا يتوفر تعريف واضح ومحدد للحكم الحكومي في آثار فقهاء الشيعة المتقدمين، وفي المصادر يُشار إلى الأحكام الحكومية بتعابير مثل الأحكام الولائية، والأحكام السلطانية، وأحكام منطقة الفراغ (صرامي، 1373: 97). ورغم أن عبارة صاحب الجواهر1 جاءت في مقام تعريف الحكم القضائي، إلا أن إطلاق مقبولة عمر بن حنظلة2 يصرح بشمولها للحكم الحكومي أيضاً. ويذكر دركاهي وعنديليبي (1393: 24) أن لفظ “إنشاء” الذي يدل على الإيجاد، جاء إلى جانب “إنفاذ”3 الذي يعني تنفيذ الأمر، مما يضعف التوافق بين الإنشاء والإنفاذ في رأيهما. يبدو من المناسب تعريف الحكم الحكومي على النحو التالي: هو حكم إنشائي يصدره ولي الأمر أو المأذونون من قبله في موضوع جزئي، بحسب ظروف المجتمع الإسلامي، وبناءً على مصلحة النظام أو المصلحة العامة. قد يتبادر إلى الذهن من “الإنشاء” معنى التشريع، ولكن التشريع من شأن الله وحده، ويقوم ولي الفقيه بالتقنين الاجتماعي من خلال تطبيق الموضوعات. هذا التعريف ينسجم مع التعريف المذكور للحكم الحكومي؛ فإذا رأى الحاكم الإسلامي، بمفرده أو بمساعدة الخبراء، ضرورة فعل شيء أو تركه لمصلحة الإسلام أو المجتمع الإسلامي، فإنه يأمر الناس به أو ينهاهم عنه (مشكاني سبزواري وآخرون، 1393: ج8، 199). ونتيجة لذلك، لا يجوز للحاكم إصدار حكم يتعارض مع الشرع دون وجود عنصر مصلحة النظام أو المصلحة العامة. الأمر والنهي الصادران من الحاكم المسلم بناءً على الشريعة ومع مراعاة مصلحة الوقت، هو الحكم الحكومي (شاهرودي، د.ت: ج1، 362؛ وطباطبائي، 1388: ج1، 187). ويُستفاد من التعريف ما يلي: أ) إنشاء الحكم يجب أن يكون موافقاً للشريعة. ب) مصلحة الوقت تشير إلى أن الحكم مؤقت وقابل للتغيير. ج) المصلحة هي محور إصدار الحكم الحكومي والأساس لشؤون وأمور المجتمع. الأحكام لها معنيان: 1- الأحكام والقوانين الصادرة عن الشارع المقدس، الموجودة في القرآن والسنة والسيرة العملية للمعصومين (عليهم السلام)، والمتعلقة بإدارة المجتمع وشؤون الحكم. ويقوم الفقيه بكشفها واستنباطها وتنفيذها (الخميني، د.ت: 36). 2- الأحكام التي يضعها ويصدرها النبي (ص) والأئمة (ع) والفقهاء في الأمور المتعلقة بالحكم، بصفتهم حكاماً، لتنفيذ أحكام الشرع وإدارة المجتمع (الخميني، د.ت: 18). مع هذا التوضيح، فإن المعنى المقصود في هذا البحث هو المعنى الثاني، الذي يتناسب أكثر مع أبعاد الحكم الحكومي. وهذا المعنى هو: المقررات والقوانين التي يضعها حاكم المجتمع الإسلامي على أساس المصلحة في مجال القضايا الاجتماعية، بهدف تنفيذ أحكام الشرع أو إدارة المجتمع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر (كلانتري، 1378: 109). وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار استنباط الحكم الشرعي من المصادر من قبل الفقيه حكماً حكومياً، لأن استنباط الحكم وإبلاغه هو وظيفة المجتهد، ومنفذوه هم مقلدوه، ومن غير المقلد يُحتمل المخالفة. إن دائرة شمول هذه الأحكام ضيقة، وهي من نوع الأحكام الاجتهادية لا الفقهية. والنقطة المهمة هي أن جعل الحكم الاجتهادي يكون على نحو القضية الحقيقية المنطقية، وخلق الحكم الحكومي يكون بصورة القضية الخارجية التي محورها المصلحة العامة.
1-3. التعارض
في اللغة، هو مصدر من باب تفاعل، مشتق من العرض، الذي يفيد أحياناً معنى الإظهار والتقديم، وأحياناً يكون العرض في مقابل الطول. ويمكن وضع دليلين متعارضين عرض أحدهما للآخر، أو ذكر دليلين يُعرضان أمام بعضهما البعض (علوي، 1385: دفتر 80، 101). وفي الاصطلاح، هو تنافي دليلين أو أكثر، بحيث يتحير العرف في العمل بهما وكيفية الجمع بينهما4 (مشكيني، 1374: 112). وقد ورد في تعريف التعارض أحياناً: أن يكون هناك دليلان في وضع يقتضي أحدهما ثبوت أمر، بينما يقتضي الآخر انتفاءه، بشرط أن يشير كلاهما إلى أمر في محل واحد وزمان واحد، وأن يكونا متساويين في القوة (مركز دائرة المعارف بزرگ إسلامي، د.ت: ج15، 5975). تنافي دليلين في مقام الثبوت والتشريع هو التعارض (ضميري، 1387: 373). مجموع التعاريف يفيد معنى مغايرة الأدلة أو الأحكام.
2. مباني الأحكام الحكومية في فقه الفريقين
الحكم الحكومي، مثله مثل حكم الشارع، يستند إلى مستندات شرعية، وهي كالتالي:
2-1. الآيات القرآنية
لإثبات الحكم الحكومي، تم التمسك بآيات متعددة5، أوثقها آية: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (النساء: 59). كلمة “أولي الأمر” في تفاسير الشيعة والسنة هم خلفاء النبي (ص) الذين يُعتبرون في زمن غيبة المعصوم (ع) حكاماً وولاة خلفاء له (الطوسي، د.ت: ج3، 236؛ والقرطبي، 1384: ج5، 259؛ والفيض الكاشاني، 1418: ج1، 217؛ والمجلسي، د.ت: ج23، 284؛ والبيضاوي، 1418: ج2، 206؛ والزحيلي، 1418: ج5، 126؛ وطنطاوي، 1997: ج3، 191؛ والزحيلي، 1422: ج1، 336؛ والخطيب الشربيني، 1285: ج1، 312). أولو الأمر بالأصالة هم الأئمة المعصومون (عليهم السلام) الذين يتولون زعامة الأمة عند توفر الشروط. وأولو الأمر بالتبع هم الفقهاء العدول الجامعون للشرائط، الذين لا تشترط فيهم العصمة، وتتوافق صلاحياتهم في تعبئة الجيش، وتعيين الولاة، وجباية الضرائب، وغيرها، في سبيل مصالح المسلمين، مع صلاحيات الأئمة (عليهم السلام) (جوادي آملي، 1378: 370؛ وخميني، د.ت: 50-51). لفظ “الأمر” مفهوم له مأمور به ومصاديقه أمور اجتماعية. ولفظ “الأمر” بدلالته الالتزامية6 يشير بوضوح بالمعنى الأعم إلى الجوانب الاجتماعية والعامة للأمة، ويؤيد ذلك قول الشيخ الأعظم: «فإن الظاهر من هذا العنوان عرفاً من يجب الرجوع إليه في الأمور العامة التي لم تحمل في الشرع على شخص خاص» (الأنصاري، 1410: ج3، 549).
2-2. الأوامر الولائية للنبي (ص)
من نماذج الأحكام الحكومية للنبي (ص): الحكم بإحراق مسجد ضرار (الطبرسي، 1408: ج5، 110؛ والآلوسي، 1415: 6، 18)، والحكم بهدر دم أربعة نفر في فتح مكة (الطبرسي، 1408: ج10، 848)، وتعيين مكان السوق ومساحته (ابن ماجه، د.ت: ج2، 751).
2-3. أوامر المعصومين (عليهم السلام)
حكم الإمام علي (ع) بإجبار المُولي على الطلاق (الحر العاملي، د.ت: ج15، 545)، وحكم الإمام علي (ع) بهدم الأبنية غير المرخصة (البيهقي، 1424: ج6، 249). قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى عدم قبول أهل السنة للحكم الحكومي، إلا أنهم يرون خلافة النبي (ص) في إطار عقد الإمامة (من منظور أهل السنة) لحراسة الدين وتدبير الدنيا. ومن وجهة نظرهم، فإن النيابة عن الرسول (ص) استناداً إلى آية (59: النساء) شرعية وليست عقلية، لأن الشرع هو من قرر تفويض زمام الحكم إلى أصحابه (الماوردي، 1383: 25). ومن خلال تتبع المطالب، اتضح أن أهل السنة يفرقون بين منصب الإمامة والوزارة، ويفصلون بينهما بشكل جزئي ودقيق. الإمامة في رؤيتهم تأتي في سلسلة طولية بعد النبي (ص)، ثم وزارة التفويض7، وبعدها وزارة التنفيذ8. نقطة الالتقاء بين فقه الحكم الحكومي الشيعي والسني هي في قبول كون منصب نواب النبي (ص) والأئمة (عليهم السلام) تفويضياً. أما القول بأن أهل السنة ليس لديهم في فقههم السياسي مكان للحاكمية السياسية والسلوكيات المنبثقة عنها، فهو محل شك، لأن النظام الإسلامي الوليد تزامن مع رحيل الرسول (ص)، ومن جهة أخرى، فإن ظهور احتياجات متعددة ومتنوعة اجتماعية وغيرها، قد ضاعف من ضرورة وحاجة الاستجابة للأسئلة الجديدة. لذا، يمكن القول إن تعريف الحكم الحكومي في الفقه الإمامي قريب من معنى وزارة التفويض في فقه أهل السنة. ومن أبرز مميزات الحاكم الحكومي من وجهة نظر علماء أهل السنة، مثل إمام الحرمين الجويني (د.ت: 426-427)، والغزالي (1997: 237)، والماوردي (د.ت: 4-5)، والإيجي (د.ت: 605)، والباقلاني (1957: 181-182)، مراعاة مصالح المجتمع وتدبير أمور الحرب. وفي كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، الذي يُعد مرجعاً سياسياً-حكومياً، لم يُعثر على تعريف للحكم السلطاني، بل تناول أفعال ووظائف السلطان (الحاكم) بمحورية المصلحة العامة.
3. تبيين مصاديق الأحكام الحكومية المبنية على المصالح العامة في منطقة الفراغ
إن إصدار الأحكام الحكومية في الموضوعات المباحة والخالية من النص الشرعي لا يثير تداخلاً، إذ إن حكم الحاكم الإسلامي أو الأفراد العاملين تحت إشرافه يقع على الموضوع، ومن جهة أخرى، فإن الهدف من إصدار أو إجازة مثل هذه المسائل هو تحقيق المصالح العامة، وهو ما سنتناوله في الأمثلة التالية.
3-1. حكم الطلاق الثلاث في مجلس واحد
في زمن النبي الأكرم (ص)، كان الطلاق الثلاث في مجلس واحد بلفظ واحد يُحسب طلقة واحدة. وكذلك في كتب حديث أهل السنة، يُعتبر الطلاق الثلاث طلقة واحدة (السجستاني، د.ت: ج2، 261؛ والنسائي، د.ت: ج6، 145). وبعده، أجمع الصحابة على ذلك، لكن الخليفة الثاني غير هذا الحكم إلى ثلاث طلقات (الجوزي، د.ت: 299). صدر حكم الخليفة بصفته والياً بشكل مؤقت ومقطعي وبناءً على المصلحة الاجتماعية، حيث كان الهدف من هذا الإجراء، من وجهة نظر ابن القيم الجوزي، تأديب ومعاقبة المطلّقين (1394: 18-25)، وهو ما يتضح من كلام الخليفة الثاني: «إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم» (القشيري، د.ت: ج2، 1099). وبناءً عليه، صدر حكم الوالي في موضوع خالٍ من النص، وبناءً على تقدير الحاكم ووفقاً للمصلحة العامة، عن طريق إلقاء الخوف في قلب الزوج وحفظ كيان الأسرة.
3-2. تسعير السلع
في الفقه الإسلامي، الملكية هي علاقة اعتبارية بين المال من جهة والشخص (حقيقي أو اعتباري) من جهة أخرى. وبناءً على ذلك، يمكن للمالك أن يقوم بأي تصرف معقول يريده في ماله ويبيعه بأي ثمن يشاء. ولكن الإمام علي (ع) استخدم صلاحياته الحكومية وفقاً للمصلحة العامة (للبائع والناس) وأصدر حكم تسعير السلع لمالك الأشتر (الشريف الرضي، د.ت: ج1، 438). هذا في حين أن جماعة من فقهاء الشيعة اعتبروا تسعير السلع غير جائز مطلقاً (الطوسي، د.ت: 374؛ وهو، 1387: ج2، 195؛ والمحقق الحلي، 1408: 2/21؛ والعلامة الحلي، د.ت: ج1، 132؛ والعاملي، د.ت: 120). ورأي أغلبية فقهاء الشافعية (باستثناء النووي) وأكثر الحنابلة والمالكية (بناءً على المشهور) هو عدم جواز تسعير السلع، بل إن البعض ذهب إلى حرمة هذا الفعل. يقول البهوتي: يحرم على الحاكم أن يقول لبائع لم يحتكر: بع للناس (بسعر السوق)، لأن هذا أمر بما ليس بواجب (شمس الدين، 1989: 239-240). الشيخ المفيد يرى أن تسعير السلع المحتكرة فقط هو واجب الحاكم (المفيد، د.ت: 616). ومن الفقهاء المعاصرين، الإمام الخميني (ره) قبِل في البداية عدم جواز التسعير، لكن إذا استغل البائع، يُجبر على خفض السعر، وإلا فإن الحاكم الشرعي يجبره على البيع بسعر تلك المنطقة أو بما يراه مناسباً9 (الخميني، د.ت: ج3، 417). لذا، من صلاحيات الإمام (ع) وولي المسلمين أن يتخذوا إجراءات بشأن تثبيت الأسعار، وتقييد التجارة، وكل ما يتعلق بمصلحة المجتمع والنظام الاجتماعي بناءً على مصالح المسلمين (الخميني، د.ت: 4، 5). ويكتب محقق معاصر من أهل السنة: الأصل الأساسي في سياسة الدولة هو عدم التسعير، ولكن يجب على الدولة مراقبة جميع السلع التي يحتاجها الناس لدفع المشقة (حسيني، 1384: 99). الشريعة صامتة تجاه تسعير السلع، ومن هذا الباب يندرج موضوع التسعير في منطقة الفراغ. ولكن والي الحكومة بالمعنى الأعم، بحسب الظروف والمصلحة العامة، مثل استقرار وتنظيم السوق، والمساعدة في الوضع الاقتصادي للناس، ومنع الفوضى المالية والسعرية، يصدر حكماً أو إذناً بتسعير البضائع.
3-3. التعزير المالي
التعزير هو عقوبة غير محددة في الشرع، تُعيّن بتقدير الحاكم10 (النجفي، د.ت: ج41، 422). لدى فقه الشيعة والسنة رأيان حول ما إذا كان التعزير يمكن أن يكون مالياً أم لا. الرأي الأول يرى عدم جواز التعزير المالي (الحلي، د.ت: ج5، 411؛ وصافي الكلبايكاني، 1363: ج1، 26؛ وابن قدامة، 1388: ج9، 178؛ والزحيلي، د.ت: ج7، 5596؛ والعمري، 2003: 383)11، والرأي الآخر يؤيد جواز التعزير المالي (الخميني، 1392: ج10، 596؛ والخوئي، 1416: ج1، 426؛ والموسوي الأردبيلي، د.ت: ج1، 28؛ والطائي، 1381: 41). الحنفية لا يجيزون التعزير المالي، لكن أبا يوسف الحنفي يجيزه في حال المصلحة، والمالكية يقبلونه في بعض الحالات (الزحيلي، د.ت: ج4، 3145). للشافعية رأيان: بعضهم يجيز التعزير المالي وبعضهم لا يجيزه. والحنابلة، من باب أن الحكومة لا تستطيع التصرف في مال المجرم أو إتلافه، يقولون بعدم جوازه. بشكل عام، الرأي الراجح لدى كبار أهل السنة هو عدم جواز التعزير المالي. الإمام الخميني (ره)، بناءً على الاحتياط، يرى عدم تعميم العقوبات التعزيرية، لكنه يجيز العقوبات المالية (الغرامة) من باب الأحكام السلطانية (1392: ج10، 596). والخوئي أيضاً، من أجل الحفاظ المادي والمعنوي للنظام، يقبل جواز التعزير المالي ويتفق مع الإمام الخميني (ره) (الخوئي، د.ت: ج41، 408). وبناءً عليه، فإن التعزير المالي هو موضوع مسكوت عنه شرعاً، ويتم إقراره أو تجويزه كغرامة مالية بتقدير الحاكم من خلال دراسة مقتضيات المجتمع الإسلامي وفقاً للمصالح العامة، والتي تشمل الردع، وإيداع الأموال في حساب الدولة، وتأمين النفقات الجارية للبلاد، وغيرها.
3-4. الزواج المؤقت
المتعة موضوع مباح في الشريعة، لكن النبي (ص) بناءً على المصلحة في غزوة خيبر، أصدر حكم تحريمها (الحر العاملي، د.ت: ج14، 441). ورغم أن الزواج المؤقت عنوان خالٍ من حكم إلزامي (وجوب أو حرمة)، إلا أنه اكتسب شأناً محرماً بموجب الحكم الولائي للنبي (ص). المتعة مسألة مباحة شرعاً، تعلق بها حكم الحرمة من الوالي بموجب حكم مؤقت ومقطعي وفقاً لمصلحة عامة، واكتسبت وجهاً وشأناً خاصاً في وقت حساس، حيث أصدر الحاكم الإسلامي (شخص النبي (ص))، حمايةً للحكومة الإسلامية ومصلحتها، حكم حرمة المتعة بشكل مؤقت (في غزوة خيبر).
3-5. استعمال التبغ والتنباك
لهذا النبات فوائد ومضار من الناحية الطبية. أصدر الميرزا الشيرازي، الذي كان يتمتع بالمرجعية العامة، فتوى بتحريم التبغ والتنباك – والتي تُعرف بالفتوى الخضراء – من أجل مصالح الحكومة والشعب، والتي شملت الحفاظ على النظام من التبعية للدول الأجنبية، والتخلص من الأضرار الاقتصادية، وحفظ الثقافة، واليقظة الاجتماعية، وما إلى ذلك. هناك آراء مختلفة في هذا الشأن (مكارم الشيرازي، 1428: 229-230). بعض الآراء تعتبرها فتوى، والبعض الآخر يعتبرها حكماً حكومياً. يبدو أن مصداق كلا العنوانين (فتوى أو حكم) ينطبق على الموضوع، لأن الحكم الحكومي يصدر فقط من شخص الحاكم ومن أجل صيانة النظام الإسلامي، ولكن الأفراد الخاضعين لإشراف الحاكم في موضوع المصالح العامة لديهم إذن بإصدار حكم أو فتوى، وهذا الأمر مشهور بفتوى الميرزا الشيرازي.
3-6. المادة 28 من الدستور
موضوع العمل والكسب لا يخضع لحكم شرعي بوجوب مراعاة وحفظ المصلحة العامة، بل هو من العناوين المسكوت عنها شرعاً من هذا الباب، لأن معيار الشرع في كسب الرزق هو من جهة تأمين المعيشة وحليته. ولكن المادة 28 من الدستور12 تشترط في الكسب والعمل حماية النظام الإسلامي والمصالح العامة، لذا فهو نموذج للحكم الحكومي حيث يحدد ويصادق الأشخاص الخاضعون لإشراف القيادة على ضوابطه.
3-7. مجمع تشخيص مصلحة النظام
لم يُعثر على نص يلزم بتشكيل هيئة للنظر وحل الخلافات بين مجلس الشورى الإسلامي ومجلس صيانة الدستور. ولكن الإمام الخميني (ره)، بصفته ولي الأمر، في عام 1366، وبأولوية حماية ومصلحة النظام الإسلامي (الخميني، 1429: ج20، 464)، أصدر حكم تشكيل المجمع ليكون رافعاً لمواطن الخلاف. هذا المصداق، الذي صدر من شخصه وفي موضوع مباح، لا يتعارض مع الشرع، وهو نموذج للحكم الحكومي في منطقة الفراغ13.
4. الأحكام الحكومية المتعارضة مع النصوص الشرعية وسبل الخروج من التعارض
في المجالات التي يصدر فيها الحاكم الإسلامي أو نوابه (أئمة الجمعة، القضاة، …) حكماً ملزماً، إذا كان الموضوع في نطاق المباحات، لا ينشأ تعارض. لكن هناك طائفة أخرى من الأحكام الحكومية تصدر في تعارض واضح مع النصوص الشرعية، مما يخلق أرضية للتعارض بين الحكم الحكومي والنص الشرعي ويبرزه. الآن، كيف يمكن حل هذا التعارض؟ ما هو سبيل الخروج من التعارض الذي يكون الحكم الحكومي في طرفه، والنص الشرعي في الطرف الآخر؟
4-1. هدم المسجد أو المنزل
للمسجد في الإسلام مكانة رفيعة ومميزة، فهو بنص القرآن بيت الله (الجن: 18). وبالإضافة إلى القرآن، تضمنت الروايات أيضاً تقديس المساجد. وقد سمى الله العظيم المساجد بيوته في الأرض (المجلسي، د.ت: 84، 14؛ والشيخ الصدوق، 1382: ج1، 28؛ والمحدث النوري، 1408: ج3، 360). إن شعبية المسجد تعود للتوحيد والأعمال الخالصة لله، ومع وجود النصوص، فإن حفظ حرمة المسجد واجب قطعاً، حتى في حالة تزاحم أداء الصلاة وتطهير المسجد، فإن الأولوية للتطهير. السؤال هو: كيف أمر النبي (ص) بإحراق وهدم المسجد؟ ألم يكن هناك طريق آخر غير هدم المسجد لمنع النفاق؟ ألم تكن هناك إمكانية لإحباط المؤامرة؟… بناءً على النصوص، فإن هدم المساجد (باستثناء الحالات التي يكون فيها المسجد قديماً ولا يمكن ترميمه، حفاظاً على أرواح المصلين، فلا مانع من هدمه) مشمول بحكم الحرمة لأهميته ووظائفه المتعددة. وفي حال أن أمر النبي (ص) أوجب حرق وهدم المسجد، يبرز تعارض واضح بين النص الشرعي (حرمة الهدم) وحكم الرسول (ص) (وجوب الهدم). لكن التاريخ شاهد على هدم المساجد والمنازل والأماكن وغيرها في عصر حضور الأئمة (عليهم السلام) وبعدهم، مثلاً حكم الإمام علي (ع) بهدم السقيفة (العاملي، 1367: 42)، وحكم الإمام (ع) بهدم بيت مصقلة وعروة وجرير وعدد آخر (العاملي، 1367: 42)، وحكم ولاة المسلمين بهدم مسجد الشيخ فيض في مشهد وتحويله إلى مساحة خضراء في بهمن 1372، وهدم مسجد جوادية في مدينة بجنورد في آبان 1386، وغيرها. ما هو سبيل الخروج من هذا التعارض؟ بين النص والحكم، أيهما يقدم؟ بعض الأماكن التي تشمل المساجد أو المنازل، بدلاً من أن تكون مكاناً للعبادة أو السكن، تصبح مكاناً للتجسس وضرب الدين والنظام أو إثارة الفتنة بين المسلمين. لذا، استناداً إلى أصل الترجيح، فإن صيانة كيان دين الإسلام مقدمة على وجوب حفظ حرمة المسجد، ووفقاً لحكم الحاكم أو نوابه، يكون هدم تلك الأماكن هو الأولوية. رأي الشيخ الأعظم في باب سعة يد ولي الفقيه لا يقتصر عليه شخصياً، بل يشمل جميع الأمور التي لها في الشرع حكم واجب أو مستحب أو جائز، وترتبط بالحياة المادية والمعنوية للناس، حتى الترفيه والتسلية التي قد تستخدم ضد النظام، يجب أن تكون تحت سيطرة ولي المسلمين، لدرجة أنه إذا اقتضت مصلحة النظام التصرف في الأموال الشخصية مع دفع التعويض، أو تعطيل واجب، أو تحليل حرام، فلا مانع من ذلك، وإلا فإن الحياة الاجتماعية الصحيحة ستعاني من النقص والخلل (آذري قمي، 1373: 7-8). يقبل الآخوند الخراساني الأمور السياسية والاجتماعية والعسكرية المتعلقة بجانب الإمامة والتي ثبتت مشروعيتها، وأن المرجع في تلك المسائل هو ولي الفقيه. ويقسم النائيني الولاية إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول خاص بالأنبياء والأوصياء وغير قابل للتفويض. القسم الثاني يتعلق بالسياسة والنظام وانتظام أمور الأمة، والجهاد مع الأعداء، وتحصين الحدود، وغيرها. القسم الثالث يتعلق بالقضاء والمحاكمة والفتوى، وهو قابل للتفويض (آذري قمي، 1372: 95-98). صاحب الجواهر يعد الشيخ الطوسي من القائلين بجواز إقامة الحدود من قبل الفقهاء العارفين بالأحكام، ويعتبره متفقاً في الرأي مع الإسكافي، والشيخ المفيد، والمقداد، والكركي، والسبزواري، والعلامة. علم الهدى، وسلار الديلمي، وأبو الصلاح الحلبي وغيرهم قبلوا ولاية الفقيه، بالإضافة إلى أنهم أنفسهم تولوا الشؤون المفوضة إليهم، مثل إقامة الأحكام والحدود، ومنصب قاضي القضاة، ونقيب الأشراف، وغيرها (آذري قمي، 1372: 202-299). بناءً على ذلك، ونظراً لتوسع رقعة الحكومة الإسلامية وكثرة الموضوعات والأحداث في المجتمع الإنساني، من المنطقي أن تتم بعض الأمور تحت إشراف ولي الأمر، وبعبارة أخرى، نوابه هم أولو الأمر بالتبع، الذين يجوز لهم بإذن ولي الفقيه إصدار أحكام مبنية على المصالح العامة. ومثال ذلك أن مصوبات مجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس الشورى الإسلامي لا تكون قابلة للتنفيذ ما لم تحظ بتأييد وتوقيع شخص قائد الثورة الإسلامية (دامت افاضاته)، ولها طابع استشاري محض (آذري قمي، 1372: 202-299). لا يوجد فرق كبير بين رؤية الشيخ الأنصاري والإمام الخميني (ره)، فمثلاً كلاهما يريان الدين متلازماً مع السياسة، ويعتبران إقامة النظام واجباً عقلياً وشرعياً، ويعتقدان بضرورة الحكومة وتقدم الأحكام الحكومية على الأحكام الأولية والثانوية (آذري قمي، 1372: 70). يقسم الشيخ الأعظم دائرة نفوذ الفقيه في الموضوعات من منظور المصلحة إلى قسمين: أ) المصلحة العامة، مثل الإرسال الإجباري إلى الجبهة، والتصرف في منزل يقع في مسار شارع، وتعميم حالات الاحتكار من سلعتين إلى ثلاث، وغيرها. هذه الأمور خارجة عن إطار الأحكام الشرعية وحاكمة على الأصول والأحكام الثانوية، سواء كانت موافقة أو مخالفة، مثل الموضوعات التي حكمها الشرعي الإباحة أو الحلية، كتحريم التنباك. ب) مصلحة النظام، كالتصرف في الأموال والأنفس، أو تعطيل الأحكام الشرعية الأولية مثل الصوم والحج، ونقض العقود الداخلية والخارجية، وغيرها. هذه المسائل مقيدة بمصلحة النظام، وبزوالها يُسلب حق التدخل من الفقيه (آذري قمي، 1372: 72-73). كذلك، يجيز الإمام الخميني (ره) للحاكم تعطيل المساجد أو هدم المنازل التي تقع في مسار التخطيط، ويمكن للوالي أن يلغي من جانب واحد العقود الشرعية التي يكون الالتزام بها واجباً، إذا كانت تتعارض مع الإسلام (الخميني، 1429: ج20، 452؛ والخميني، 1365: ج20، 170). بناءً على ذلك، من منظور العقل والمنطق والفقه، فإن تفويض بعض الواجبات إلى أشخاص تحت إشراف القيادة الإسلامية (مد ظله العالي)، بالنظر إلى اتساع رقعة البلاد والدولة والحدود الإسلامية، وتعدد الموضوعات الداخلية والدولية، والأحداث المحتملة، أمر مقبول ومستحسن، وله سابقة فقهية في تاريخ حكومة الأئمة (عليهم السلام)، ولكن جميع الأفراد، بالتنسيق معهم وتأييدهم، لديهم إذن بإصدار الحكم في المسائل والمصالح العامة.
4-2. هدم القبور
إن احترام حقوق الإنسان وسلامته الجسدية لا يقتصر على فترة حياته، فهناك موضوعات مثل الوصية بنقل الجسد إلى المختبر أو الوصية بالتبرع بأعضاء الميت، وغيرها، تؤيد هذا الأمر. فوفقاً للروايات، للميت احترام بعد موته أيضاً (النجفي، د.ت: 4، 354؛ والحر العاملي، د.ت: 18، 573)، ولذلك أُوصي بمراسم خاصة لدفن الميت، والذهاب إلى المقبرة، وغيرها (النجفي، د.ت: ج4، 82 و354 و298؛ والحر العاملي، د.ت: ج18، 510؛ وج2، 734). وقد نص المشرع، استناداً إلى مواد القانون المدني، مثل المادة 956 (الولادة حياً (الأهلية))، و678 (بطلان الوكالة بالوفاة)، و291 (إبراء ذمة الميت من الدين)، و1267 (الإقرار لصالح المتوفى)، والمادة 722 من قانون العقوبات الإسلامي (دية الجناية على الميت)، على حقوق مادية ومعنوية للميت. صحيح أن أهلية التمتع للمتوفى تنتهي بالموت، لكنه يصبح صاحب شخصية حقوقية، وهذه الشخصية تخلق له تكاليف وحقوقاً نشأت من فترة حياته. تشمل الحقوق المعنوية للميت حفظ الحرمة، والكفن والدفن، ومراسم العزاء، وغيرها. ويتمتع المتوفى في القانون بحرمات، وفي حال عدم احترامها، يعاقب المخالف، مثل المادة 634 من قانون العقوبات الإسلامي التي تعاقب على نبش القبر غير المشروع، أو المادة 727 من نفس القانون التي تنص على دية أو أرش وجلد لهتك حرمة الميت عمداً. وكذلك، المادة 13 من لائحة الأمور الخلافية، التي تدين السب والإهانة للموتى بالحبس والغرامة. السؤال هو: كيف تصدر بعض أحكام نبش أو هدم القبر رغم وجود الأوامر الفقهية والقوانين الجزائية التي توجب احترام الميت وامتلاكه حقوقاً (مادية ومعنوية)؟ بناءً على ذلك، ينشأ تعارض بين حكم تحريم نبش أو هدم قبر الميت وحكم الحاكم أو نوابه (القضاة ورؤساء المحاكم أو ديوان العدل الأعلى) بوجوب هدم القبر. وللخروج من تحدي تنافي الأحكام (التحريم والوجوب)، فإن الاهتمام بتقدير الوالي أو السلطات القضائية ومراعاة المصالح العامة، مثل إنشاء مساحات خضراء، وتوسيع الشوارع، وبناء المساجد، وغيرها، له أهمية. إن هدم أو نبش القبر لمسائل مثل التشريح، والتحقيق والوصول إلى نتيجة في الأمور الطبية القانونية، وتحديد الحمض النووي (DNA)، وغيرها، لإصدار حكم في موضوعات جنائية مثل القتل والزنا، له حساسية مضاعفة، حيث إنه استناداً إلى نص: إذا قُتلت نفس بريئة فكأنما قُتل الناس جميعاً (المائدة: 32)14. لذا، في تعارض حكم الحاكم (بمعناه العام الذي يشمل الأفراد المأذونين من القيادة الإسلامية) مع النص الشرعي، ووفقاً لأصل الترجيح والاهتمام بالمصالح الاجتماعية وحفظ النفس المحترمة وغيرها، يتقدم الحكم الولائي.
4-3. إتلاف أموال الآخرين
يُطلق إتلاف الأموال على إفنائها، وتخريبها، وحرقها، وأي فعل يؤدي، في العرف والعادة، إلى نقص عين المال أو زوالها. توجد في المصادر الفقهية مستندات تدل على منع التعرض لأموال الآخرين (البقرة: 194؛ والطوسي، 1387: ج3، 59-60؛ والحلي، د.ت: ج2، 480)15. فبناءً على قول النبي (ص)، حرمة مال المسلم كحرمة دمه (الطوسي، 1387: ج3، 59؛ والصدوق، د.ت: ج4، 93). وقد أوجب الإمام علي (ع) على من يقطع شجرة أو يهدم بيتاً أو غيره، إذا كان الفعل عمدياً، جبران الخسارة ودفع الغرامة (المحدث النوري، 1408: ج18، 199). ووفقاً للمواد من 675 إلى 689 من قانون العقوبات الإسلامي، فإن التخريب والإحراق وإتلاف أموال الآخرين مشمول بالعقوبة. ونتيجة لذلك، فإن المصادر الفقهية والحقوقية والسيرة وبناء العقلاء قد منعت التعدي على أموال وأملاك الغير واعتبرته غير مشروع. الآن، كيف يتم توقيف ومصادرة الأموال؟ أو كيف تُحكم على البضائع المهربة بالإتلاف؟ أليس التصرف في مال الغير ممنوعاً وجريمة؟ رغم أن التعدي على أموال الآخرين محرم شرعاً، إلا أنه بموجب حكم الحاكم أو السلطات القضائية، يصبح واجباً تنفيذه بأشكال التوقيف، والهدم، والإتلاف، وغيرها. لذا، ينشأ تعارض بين حكم التحريم الشرعي وحكم الوجوب من الولاة. ومثال ذلك أمر القيادة (مد ظله) بإحراق البضائع المهربة، الذي صدر رغم كون أصحاب الأموال المكشوفة معروفين وتمتع البضائع بقيمة اقتصادية. ما هو الحل لتجاوز مثل هذه التعارضات؟ يمكن القول أولاً: ليس كل تسلط على مال الغير منهياً عنه ومستوجباً للعقوبة، بل بعض التصرفات اكتسبت مشروعية وهي من ضرورات الحياة الإنسانية والاقتصادية، لأن حرمة الأمور أو الأفعال التي تسبب ضرراً وزياناً للغير، في أي مجال كان، فردياً أو جماعياً، استناداً إلى رواية النبي (ص) التي قال فيها: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»16، قد وُجهت، وبالتالي لها منع شرعي وقانوني. ثانياً: للحكم القضائي أو الحكومي القدرة على إضفاء الشرعية والقانونية على الهدم، أو التوقيف، أو إتلاف أموال الغير، استناداً إلى قاعدة «لا ضرر»، خاصة في الموضوعات الاجتماعية المرتبطة بالنظام الإسلامي، لأن الضرر الواقع لا يسبب فقط ركود الصناعة وبطالة الصناعيين، بل على المستوى الكلي، يؤثر قطعاً على الدورة الاقتصادية الوطنية وعلى سائر قطاعات الحكومة الإسلامية، ويسبب إضعاف وحاجة النظام الإسلامي إلى خارج حدوده. لذا، فإن الهدم بمعناه العام، الذي يشمل الإتلاف وحرق الأموال التي تدخل البلاد من غير المنافذ الرسمية، هو حل لمنع إعادة توزيع البضائع المهربة في السوق المحلية17. ثالثاً: حكم ولاة الحكومة بأنواع الهدم، رغم تعارضه مع قاعدة التسليط، إلا أنه نافذ وله وجاهة شرعية وقانونية وفقاً لمقتضيات المجتمع والمصالح العامة. بناءً على الأدلة المذكورة وأصل ترجيح الأهم على المهم، فإن حكم الحاكم أو الحكام المسلمين بشأن إتلاف أموال الغير، ولو كان متعارضاً مع النص، له الأولوية.
4-4. تعطيل الأمور العبادية
تؤيد المستندات الفقهية والحقوقية السابقة قوة ونطاق نفوذ حكم الحاكم في الأمور غير العبادية، مثل أدلة تقديس المسجد ووجوب حفظ حرمته، والمستندات التي تنهى وتحرم التعدي على الأموال المنقولة وغير المنقولة للآخرين. السؤال هو: هل يتعارض حكم الحاكم مع الأمور العبادية أيضاً، مثل الصلاة والحج والصوم وغيرها، التي هي حق خاص بالشارع؟ وفي حال التعارض، أيهما يقدم؟ للحج مكانة وأهمية خاصة في الأمور العبادية. فأولاً: بناءً على فتاوى فقهاء الشيعة ورواياتهم، إذا ترك الناس الحج، يجب على الحاكم أن يجبر جماعة على الحج لئلا تخلو مكة المكرمة (الطوسي، 1387: ج1، 385؛ والطوسي، النهاية، 285؛ والطوسي، 1365: ج5، 441؛ والنجفي، د.ت: 20، 51؛ والطباطبائي، د.ت: 7، 160؛ ومحقق السبزواري، د.ت: 3، 549؛ والنراقي، 1415: ج13، 331؛ والبحراني، 1426: ج14، 22؛ والحر العاملي، د.ت: ج8، 4؛ والموسوي العاملي، د.ت: ج8، 260). حتى أن بعض الفقهاء أوجبوا الحج وجوباً عينياً على المستطيعين كل عام. ومن جهة أخرى، للحج أبعاد وطنية ودولية واسعة، وله حساسية خاصة على المستوى الدولي. ثانياً: استناداً إلى آية (59: النساء)، فإن طاعة أولي الأمر تشمل جميع الأمور (العبادية وغير العبادية). ونتيجة لذلك، يتعارض وجوب طاعة الحاكم مع ضرورة ووجوب فريضة الحج المؤكدة. فبحسب قول أمير المؤمنين (ع)، يؤدي حكم تعطيل الحج إلى العقوبة وهلاك الإنسان (السيد الرضي، د.ت: ج1، 422؛ والصدوق، د.ت: ج4، 190)18. ولكن من جهة أخرى، يرى الإمام الخميني (ره) أن الحكومة شعبة من ولاية النبي (ص) المطلقة، وهي من أحكام الإسلام الأولية ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية، حتى الصلاة والصوم والحج (1429: ج20، 451). بناءً على ذلك، استناداً إلى نصوص وجوب أداء الحج، يتعارض ذلك مع الحكم الولائي القاضي بتعطيل أو تحريم الحج. فما هو سبيل الخروج من تعارض الأحكام (وجوب الحج الشرعي وحرمته الحكومية)؟ إن أمر الوالي الإسلامي في تعارضه مع النص الشرعي في الموضوعات العبادية يتمتع بحساسية أكبر، لأنه يواجه تعارضاً مزدوجاً: التعارض مع الشرع، والتعارض مع معتقدات المتدينين. ولكن الموضوع الذي يسبب ضربة للإسلام، وإضعاف المسلمين، ونفي المصالح العامة، يفقد مشروعيته. وفيما يتعلق بالفرائض العبادية أيضاً، يمكن للحكومة أن تمنع مؤقتاً الحج، الواجب الإلهي المهم، في الحالات التي تتعارض مع مصلحة البلاد أو لا يكون هناك ضمان لحفظ أرواح وحرمة الزوار، مثل الحكم الولائي للإمام الخميني (ره) بتحريم الحج لثلاث سنوات، عقب مذبحة الحجاج الإيرانيين عام 1366. ولكن المسلمين، بالتزامن مع حراسة الأحكام الإسلامية، مكلفون بحل وفصل التزاحم في تنفيذ الأحكام، حتى يتمكنوا، بناءً على الإشراف الذي لديهم على مجموعة التعاليم الإلهية، واستناداً إلى الترجيح، من تنفيذ الحكم الأهم. الترجيح ليس تخصيصاً أو تقييداً أو تبديلاً أو نسخاً للحكم، لأن جميع هذه العناوين تتعلق بإثبات أصل الحكم في مقام استظهاره من الأدلة، وذلك في الموضوعات الاجتماعية، والاقتصادية، والأمور المتعلقة بالموارد الطبيعية، والغابات، والمناجم، والبحار، والمجالات السياسية مثل تنظيم العلاقات الدولية، والمجالات العسكرية مثل الدفاع عن المعتدين وتجهيز القوات المقاتلة، لتطبيق القوانين الإسلامية وتنفيذ الأحكام الإلهية الثابتة (جوادي آملي، 1368: 89). بناءً على ذلك، في المصداق المذكور، فإن حماية الإسلام والمسلمين توجه حكم ولي الفقيه بتعطيل الأحكام الأولية الشرعية استناداً إلى أصل الترجيح.
4-5. تساوي دية المسلم مع دية غير المسلم
استناداً إلى الروايات وفتاوى جمهور فقهاء الشيعة والسنة (باستثناء أبي حنيفة)، فإن مقدار دية غير المسلم ثمانمائة درهم (المحقق الحلي، 1408: ج4، 1017؛ والنجفي، د.ت: ج43، 38؛ والطوسي، 1387: ج7، 157؛ والحر العاملي، د.ت: ج29، 219؛ والكليني، 1388: ج7، 309؛ والشريف المرتضى، د.ت: ج1، 545؛ والخميني، 1434: ج2، 598؛ والشربيني، 1285: ج4، 57؛ وابن قدامة، 1388: ج7، 796). بناءً على النصوص وإجماع فقهاء الفريقين، فإن مقدار الدية الواجب هو ثمانمائة درهم، أو أن دية غير المسلم، على الأقل، لا تساوي دية المسلم. إن عدم تساوي دية المسلم مع غير المسلم حكم مسلم به وفقاً للنصوص وآراء الفقهاء، وهو يتعارض مع الحكم الحكومي للقيادة (مد ظله العالي) بشأن تساوي دية المسلم مع غير المسلم19. لرفع التعارض بين النصوص الشرعية القاضية بعدم تساوي دية المسلم مع غير المسلم، والحكم الحكومي القاضي بتساوي ديتهما، لا بد من معيار للتقييم، وذلك للأسباب التالية: 1- بالنظر إلى ظروف ومقتضيات المجتمع الإسلامي. 2- خلق الأنس والألفة بين غير المسلمين والمسلمين. 3- تقدير مقام القيادة (مد ظله العالي) ونواياه. بالنظر إلى الأدلة المذكورة وأصل الترجيح، يكتسب حكم الحاكم الإسلامي الصادر في فترة زمنية معينة أولوية. فطاعة أوامر ونواهي أولي الأمر ليست محدودة بأمور ومسائل خاصة (جوادي آملي، 1368: 90-92).
4-6. حذف الخمس من الفيء والغنيمة
بناءً على النص، يتعلق الخمس بالفيء والغنيمة20. ولكن الخليفة الثاني في زمن حكمه، وبسبب الوضع المعيشي السيء للناس، وعدم انتشار السخط، وإحباط المؤامرات، والخوف من انضمام المسلمين إلى الرومان، استخدم شأن الحاكمية وأصدر حكماً بعدم أخذ الخمس من الناس. هذا في حين أن أخذ الخمس من الفيء والغنيمة واجب بنص، فينشأ تعارض بين وجوب أخذ الخمس شرعاً والحكم بعدم أخذه. ولحل هذا التعارض، من الضروري دراسة الملاك والأدلة للتمكن من تحديد أولوية ومشروعية كل من الحكمين. وبناءً على ذلك، فإن أصل الترجيح، وهو سبيل الخروج من هذا التعارض، أدى إلى الحكم بعدم أخذ الخمس (ولو ظاهراً) لمصلحة الإسلام. خلاصة البحث هي أن الحكم الحكومي، حتى في تعارضه مع النصوص الشرعية، ولأسباب يكون أهمها تقدير الحاكم في باب مصالح الإسلام أو مصالح المسلمين، يُقدّم بناءً على أصل الترجيح.
النتيجة
تنقسم الأحكام إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول هو الأحكام الأولية، التي يكون موضوعها وحكمها الشرعي متاحاً، والمجتهد مكلف بكشفها واستنباطها وإبلاغها للمقلدين. القسم الثاني هو الأحكام الثانوية، التي تتسم بالمرونة حسب الظروف الفردية للمقلد الناتجة عن الاضطرار والعسر والحرج وغيرها. هذان القسمان يُعدان من الأحكام الاجتهادية، ويمكن ملاحظة فارق في مجال تنفيذهما من حيث العمومية (الأحكام الأولية) والخصوصية (الأحكام الثانوية). القسم الثالث، الأحكام الحكومية، مثل سائر الأحكام، تستند إلى مستندات شرعية تشمل النص وأقوال وأفعال المعصومين (عليهم السلام)، وهي ليست أحكاماً متجانسة، بل لها أقسام مختلفة تتناسب مع الموضوع. في بعض الحالات تكون تشخيصية فقط، وفي بعضها تنفيذية، وفي بعضها إنشائية. الوجوه المميزة لهذا القسم من الأحكام هي: 1- مرجع صدور هذا القسم من الأحكام، على القاعدة وفي الظاهر، هو الحاكم الإسلامي، ولكن من وجهة نظر معظم الفقهاء المتقدمين والإمام الخميني (ره)، فإن نوابه، تبعاً للحاكم، لديهم صلاحية ممارسة النفوذ. 2- يمكن رسم النطاقات التي يقع فيها موضوع الحكم الحكومي على النحو التالي: أ) الموضوعات غير العبادية التي إما لها نص، مثل المسجد، أو تقع في منطقة الفراغ، مثل التعزير المالي والعمل. ب) الموضوعات العبادية، مثل أداء الحج، وعدم تساوي دية المسلم مع غير المسلم. في باب الموضوعات غير العبادية، سواء كانت منصوصة أو غير منصوصة، لا يثير صدور الحكم الحكومي تعارضاً حساساً، ولكن في حال صدر الأمر الحكومي خلافاً للنص، خاصة في الموضوعات العبادية، تزداد الأهمية، لأنه ينشأ تعارض مزدوج: من جهة مع النص الشرعي، ومن جهة أخرى مع معتقدات الناس. الحكم الحكومي هو حكم أعلى، مرن ومتغير، يصدر من ولي الأمر أو ممثليه المعينين من قبله في مختلف قطاعات الحكومة الإسلامية، مثل ممثل ولي الفقيه في شؤون أهل السنة، وممثل ولي الفقيه في الحرس الثوري، وممثل ولي الفقيه في الجامعة، وممثل ولي الفقيه في المحافظات، وغيرها. في حال إحراز المصالح العامة، يجد ممثلو الحاكم الإسلامي، بعد موافقة وتأييد الوالي، إذناً بإصدار وتنفيذ الحكم. وإذا كانت مصالح النظام الإسلامي مطروحة، فإن الحاكم الإسلامي وحده هو من يأذن بإصدار الحكم، ومع زوال الحالة، يصبح الحكم سالبة بانتفاء الموضوع. الأساس القانوني لحكم الوالي يستند إلى المادة 110 من الدستور، وبناءً على المصلحة، يتم الاستيلاء والتصرف في أمور الأفراد والجماعات. ورغم أن سائر الأحكام ثابتة ودائمة، ونطاق شمولها يشمل المكلفين، إلا أن أمر الحاكم الإسلامي يصدر بحسب الظروف، ويكون مقطعياً ومؤقتاً، وبمجرد رفع الضيق، يصبح الحكم سالبة بانتفاء الموضوع. لذا، فإن أصل الترجيح، من أجل المصلحة العامة وتقدير الحاكم ونواياه، يعطي الأولوية لإنشاء الحكم الحكومي في الأمور غير العبادية والعبادية، ولو كان متعارضاً مع النصوص الشرعية، لأن الحكم الولائي حاكم على جميع الموضوعات وعلى سائر الأحكام.
الهوامش
1. «فهو إنشاء إنفاذ من الحاكم لا منه تعالى- لحكم شرعي أو وضعي أو موضوعهما في شيء مخصوص» (النجفي، د.ت، ج40، 100).
2. الحر العاملي، د.ت، ج27، 300.
3. نفذ: النفاذ: الجواز، وفي المحكم: جواز الشيء والخلوص منه، تقول: نفذت أي جزت، وقد نفذ ينفذ نفاذاً ونفوذاً، ورجل نافذ في أمره، ونفوذ ونفاذ: ماض في جميع أمره، وأمره نافذ أي مطاع. وفي حديث: بر الوالدين الاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما أي إمضاء وصيتهما وما عهدا به قبل موتهما. (ابن منظور، 1414، ج3، 514).
4. «التعارض هو في الاصطلاح عبارة عن تنافي دليلين أو أكثر بحيث يتحير العرف في العمل بهما وكيفية الجمع بينهما» (المشكيني، 1374: 112).
5. النساء: 65 والنور: 51 وغيرها.
6. «يدل اللفظ على معنى خارج معناه الموضوع له لازم له يستتبعه استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته» (المظفر، 1388، 1/44).
7. «أن يولي الإمام وزيراً يفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضائها على اجتهاده» (الماوردي، 1383، 53).
8. «وزارة التنفيذ أضعف رتبة وأقل شروطاً؛ لأنه لا يفتقر إلى الاجتهاد، وإنما يقوم في هذه الوزارة بتنفيذ أوامر الإمام، ويكون هذا الوزير واسطة بين الإمام والرعية والولاة» (الماوردي، 1383، 60).
9. «أما التسعير فلا يجوز ابتداء، نعم لو أجحف ألزم بالتنزل، وإلا ألزمه الحاكم بسعر البلد أو بما يراه مصلحة» (الخميني، د.ت، 3، 417).
10. «التعزير منوط بنظر الحاكم، وليس له بالنسبة إلى كل واحد حد محدود» (النجفي، د.ت: 422، 41).
11. «التعزير يكون بالضرب والحبس والتوبيخ ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه، ولا أخذ ماله» (ابن قدامه، 1388، ج9، 178).
12. لكل شخص الحق في اختيار المهنة التي يرغب فيها ما لم تكن مخالفة للإسلام والمصالح العامة وحقوق الآخرين.
13. مبدأ فصل السلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية) يقتضي استقلال كل منها عن الأخرى، حيث إن أداء هذه الوظائف الثلاث يقع في المقام الأول ضمن صلاحيات الحاكم الإسلامي، ولكن في المجتمع المعاصر الذي يتسم باتساع الرقعة الجغرافية، والتنظيم، والهياكل، وغيرها، فإن تفويضها إلى أشخاص (حقيقيين واعتباريين) يعملون تحت إشراف القائد الإسلامي ويؤدون واجباتهم، أمر لا مفر منه ومنطقي. (منيري، 1376، ج4، 298). وفقاً للفقرة الأولى من المادة 110 من الدستور، فإن السياسات العامة للنظام بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام هي من مصاديق الأحكام الحكومية (عميد زنجاني، 1385، 639؛ وأرسطا، 1380، 395).
14. «من قتل نفساً بغير نفس… فكأنما قتل الناس جميعاً» (المائدة: 32).
15. «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم» (البقرة: 194)؛ و(الطوسي، 1387، ج3، 59-60)؛ و(الحلي، د.ت، ج2، 480).
16. البجنوردي، 1426، ج1، 208.
17. لذا، في اللائحة التنفيذية الجديدة لهيئة مكافحة تهريب السلع والعملة، تم اقتراح حلين لهذا الأمر: تصدير هذه البضائع، وفي غير هذه الحالة، إتلافها. ونتيجة لذلك، طالما أن هناك إمكانية لتصدير هذه السلعة والاستفادة من عائداتها، فإن الأولوية للتصدير. وبناءً عليه، فإن إعادة توزيعها، سواء من قبل الحكومة أو من قبل أفراد آخرين، لا يمكنها بأي حال من الأحوال تحقيق الغاية المرجوة. (نقلاً عن وكالة أنباء تسنيم بتاريخ 95/6/7).
18. «الله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا» (السيد الرضي، د.ت، ج1، 422؛ والصدوق، د.ت، ج4، 190).
19. بناءً على الرأي الحكومي لمقام القيادة، فإن دية الجناية على الأقليات الدينية المعترف بها في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعادل دية المسلم، المادة 554 من قانون العقوبات المصادق عليه عام 1392.
20. «فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» (الحشر: 7).