حجية الظواهر القرآنية من منظور العدلية والجبرية

الملخص

حجية ظاهر الكلام هي اتفاق عقلائي. ويتشكل تعميم هذا الاتفاق البشري على كلام الله تعالى بناءً على أسس كلامية. يعتقد العدلية أن الله لا يفعل ما يستقبحه العقل. والكلام خارج اتفاق المتكلمين العقلاء قبيح بحكم العقل، والله لن يتكلم بمثل هذا الكلام. أما الجبرية فيفهمون عدالة الله في إطار الحسن والقبح الشرعيين، مما يعني أنه لا يوجد أي إلزام أو تقبيح فيما يتعلق بالله وصفاته وأفعاله. وبناءً على هذا التصور، فإن الله غير ملزم بأن يتكلم ضمن إطار خاص وأن يراعي في كلامه أصولاً وقواعد معينة. وقد استدل الجبرية لإثبات حجية ظاهر كلام الله بـ«عادة الله». ومن خلال دراسة وتحليل رؤية العدلية والجبرية في الاستناد إلى حجية ظواهر القرآن، يُستنتج أنه لا يمكن اعتبار ظاهر كلام الله حجة وقابلاً للاستناد إلا على أساس أصل العدل، وأنه في إطار فكر الجبر، لا أساس للاستناد إلى ظواهر القرآن.

المقدمة

القرآن الكريم هو أسمى نص مقدس لدى المسلمين، وأتباع كل فرقة ومذهب إسلامي سعوا ويسعون إلى إسناد معتقداتهم إلى آيات القرآن. إن للاستناد إلى آيات القرآن الكريم وفقراته في جميع مجالات العلوم الإسلامية مكانة رفيعة جداً. لا شك أن الاستدلال بكلام الله لا يمكن أن يكون بلا أساس وغير متين، ويجب ألا يخرج هذا الاستناد عن إطار وأصول الاستدلال الصحيحة. إن الاستناد إلى آيات الوحي بلا أساس وخارج الأصول سيكون خطيراً ومضللاً للغاية. ما يتم التركيز عليه في هذا المقال هو إيضاح هذه النقطة: أن الاستدلال بظواهر القرآن واعتبار هذه الظواهر لا يكون متيناً إلا على أساس المباني الكلامية، وبدون مراعاة المباني الكلامية، يكون أي نوع من الاستدلال والاستناد بآيات القرآن غير متين وغير معتبر.

خلفية البحث

لطالما كانت حجية واعتبار ظواهر القرآن محط اهتمام الباحثين في علم أصول الفقه، كما أكد الشيخ المفيد والسيد المرتضى على هذه المسألة في آثارهما (المفيد، ١٤١٣هـ، ص ٦٥؛ السيد المرتضى، ١٤٠٥هـ، ج ٣، ص ١١٨). بالإضافة إلى كتب الأصول التي تتناول هذه المسألة في فصل بعنوان «حجية ظواهر القرآن»، فقد تم بحث هذا الموضوع أيضاً في كتب تفسير القرآن ومنهجية التفسير (على سبيل المثال، انظر: الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ج ٥، ص ١٥٩؛ الفاضل اللنكراني، ١٣٨٦، ج ١: ص ١٨٦). يمكن اعتبار هذه الأعمال خلفية عامة للبحث الحالي، وبالطبع يمكن ذكر الكتب والمقالات التي تحدثت عن تأثير أصل العدل؛ مثل كتاب «مفهوم العدل في تفسير المعتزلة» لمحمود كامل، ومقالات «المباني الكلامية للشيعة في تفسير الميزان» لمنوجهر خليلي، «آراء ونظريات كلامية في تفسير مجمع البيان» لعبد الحميد صفوي، «المباني الكلامية للتفسير الموضوعي ودور الفرضيات المسبقة والمباني الكلامية في فهم وتفسير القرآن» لعلي نصيري، و«مدخل إلى المباني الكلامية للاستنباط من القرآن» لأحمد مبلغي. لم أجد كتاباً أو مقالاً تم تدوينه في موضوع الفرق بين العدلية والجبرية في حجية ظواهر القرآن، على الرغم من أنه، كما سيأتي، قد تمت الإشارة إلى هذا الفرق في أعمال المتقدمين، خاصة الشيخ الطوسي.

اعتبار ظاهر الكلام

بما أن العلوم الدينية عموماً تقوم على أساس النص (القرآن والسنة وكلام العلماء السابقين)، فإن الاهتمام بأصول وقواعد الكلام وفهمه كان محط اهتمام جميع الباحثين في مجال الدين.

في العلوم الإسلامية، تم بحث هذه المسألة بشكل أكبر في كتب أصول الفقه، واتفق علماء الدين من مختلف المذاهب والفرق على هذا المعنى: ما يدل عليه الكلام هو المعتبر والقابل للاستناد والاستدلال.

ولنقل هذا المعنى، استعانوا بمصطلح الظاهر (ظاهر الكلام، ظاهر الخطاب). يقول أبو الحسن الآمدي في تعريف ظهور الكلام: «الكلام الظاهر هو ما يدل بواسطة المعنى الوضعي للكلمات أو المعنى العرفي (المتداول) على مفهوم، وتكون دلالته على معنى آخر غير ذلك المفهوم احتمالية ضئيلة.» (الآمدي، د.ت، ج٣: ص ٥٢).

وينقل محمد الزركشي تعريفاً أوجز وأجمل للكلام الظاهر عن القاضي أبي بكر الباقلاني: «لفظة يغني عن تفسيره» (الزركشي، ١٤١٤هـ، ج٣: ص ٢٥)؛ «الكلام الظاهر هو ما تغني ألفاظه المخاطب عن تفسيره».

كما قام الأصوليون الشيعة بدراسة وتعريف ظاهر الكلام. يقدم السيد محمد الروحاني في تعريف دقيق وشامل لظاهر الكلام ما يلي: «ظاهر الكلام هو المعنى الذي يسبق إلى ذهن السامع عند سماعه، سواء كان هذا المعنى نتيجة للوضع اللغوي أو نتيجة للقرائن.» (الحكيم، ١٤١٦هـ، ج ٥: ص ٢٣٠).

من خلال دراسة وبحث أقوال الأصوليين في تعريف ظاهر الكلام، يمكن القول: لكل كلام، بناءً على معاني الكلمات والقرائن الداخلية والخارجية للنص، ظاهرٌ ومحصل.

وقد جرى بناء العقلاء على أن ظاهر كلام أي شخص يكون معتبراً له وعليه، وإذا كان للمتكلم الحكيم أسلوب خاص ومنهج معين في كلامه، فعليه أن يوضح ذلك الأسلوب والمنهج للجميع، فإذا لم يفعل ذلك، فلن يفهم المخاطبون كلامه ولن يتحقق مقصوده من الكلام وهو التفهيم والتفاهم، وسيكون هذا النوع من الكلام عملاً عبثياً وغير حكيم.

وبناءً على هذا الأساس العقلائي، جرت العادة الآن أن يحدد المؤلفون في بداية مقالاتهم وكتبهم نوعية نصوصهم والمصطلحات المستخدمة في كلامهم.


أصل العدل الإلهي

ينفي القرآن الكريم في ثماني آيات (آل عمران: ١٨٢، النساء: ٤٠، الأنفال: ٥١، يونس: ٤٤، الكهف: ٤٩، الحج: ١٠، فصلت: ٤٦، ق: ٢٩) أي نوع من الظلم عن الله.

ولا توجد فرقة أو مذهب إسلامي يعتبر الله ظالماً. ومع ذلك، اتبع المتكلمون في تفسير وشرح هذا المعتقد طريقين مختلفين.

يكتب الشريف الجرجاني في هذا الصدد: «اتفق المسلمون على أن الله لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب. (يعتقد) الأشاعرة بذلك لأنه لا يصدر منه (شيء) قبيح ولا يجب عليه (شيء)؛ فلا يصدر منه فعل قبيح أو ترك واجب. ولكن المعتزلة (يعتقدون بذلك) لأن الله لا يفعل ما هو قبيح منه، ويفعل ما هو واجب عليه.» (الجرجاني، ١٤١٩هـ، ج ٨، ص ١٩٤).

بناءً على هذا، يعتبر جميع المسلمين الله عادلاً. ولكن هذا الاعتقاد يؤدي لدى كثير من أهل السنة إلى معنى أن ما يقوله الله ويحكم به ويفعله هو الخير والعدل، والعقل البشري لا يستطيع تمييز الخير من الشر والعدل من الظلم.

يكتب محيي الدين النووي في شرح هذا المعتقد: «فإن مذهب أهل السنة أن لا شيء يجب على الله تعالى … فلو عذب المطيعين والصالحين أجمعين وأدخلهم النار كان ذلك منه عدلاً، ولو نعم الكافرين وأدخلهم الجنة كان فضلاً.» (النووي، ١٤٠٧هـ، ج١٧: ص ١٩٤).

عادةً ما يُلقب أتباع هذا القول بـ«الأشاعرة» ويوضعون في مقابل «العدلية»، ولكن الأدق هو تسميتهم بـ«الجبرية» (المجبّرة) اقتداءً بالمتكلمين القدامى (على سبيل المثال، انظر: السيد المرتضى، ١٤٠٥هـ، ج ١، صص ١٠٩، ١١١، ١١٢، ١١٨، ١٨٩ و…؛ الطوسي، د.ت، ج ١، صص ٢٩، ٧٢، ٢٤١، ٢٥٢، ٣١٩، ٣٣٩ و…).

في مقابل الجبرية، يعتقد العدلية (الشيعة والمعتزلة) أن الحسن والقبح والعدل والظلم هي معانٍ تدرك بالعقل وهي عقلانية.

يقول الشيخ الطوسي في بيان العدالة والحكمة الإلهية: «الله عادل حكيم؛ لا يفعل القبيح ولا يخل بواجب؛ لأن فعل القبيح والإخلال بالواجب نقص، والله منزه عن النقص.» (الطوسي، ١٤١٤هـ، ص ٩٦).

ويكتب: «تعريف الحسن في نظر العقل هو الفعل الذي يدعو إليه العقل، وتعريف القبيح هو ما ينهى عنه العقل.» (نفس المصدر، د.ت، ج ١: ص ٢٦٥).

العدل في مفهومه الكلامي يحمل معنى واسعاً ويرتبط في مذهب العدلية بالحسن والقبح العقليين، وينتهي إلى معنى أن الله لا يفعل ما يحكم العقل بقبحه، ولا يخل بما يعتبره العقل واجباً ولازماً (الطوسي، ١٤٠٠هـ، ص ٤٧؛ الحلبي، ١٤٠٣هـ، ص ٤٧؛ الشهيد الثاني، ١٤٠٩هـ، ص ١٤٧؛ الفاضل المقداد، ١٤١٧هـ، ص ٦٣).

أصل العدل وحجية الظواهر القرآنية

يتشكل الاستدلال بالكلام الإلهي من خلال برهان معين: بناءً على الأطر اللغوية، يدل هذا الكلام على معنى معين (صغرى). والله، كغيره من العقلاء، أراد من كل كلام معناه (كبرى). فالله أراد من هذا الكلام معناه الظاهر (نتيجة).

تقوم صغرى هذا الاستدلال على أساس علوم الأدب (اللغة، الصرف، النحو، والبلاغة) وبناءً على عملية الانتقال من اللفظ إلى المعنى، ويتم التوصل إلى «المراد الاستعمالي» من الكلام.

أما كبرى الاستدلال فهي حجية المعنى المستفاد من الألفاظ بالنسبة لله، وهذه المقدمة تثبت على أساس المباني الكلامية، ونتيجة الاستدلال هي اعتبار وحجية المعنى المستفاد من الآية القرآنية.

أصل العدل الإلهي هو أساس إثبات كبرى هذا الاستدلال. الغرض من الكلام هو تفهيم المخاطبين، وإذا تكلم المتكلم بطريقة لا يفهمها عامة مخاطبيه وليس لديهم سبيل لفهم كلامه، فإن هذا الكلام يعد نقضاً للغرض وعملاً عبثياً. وبطبيعة الحال، فإن نقض الغرض والعمل العبثي قبيحان بحكم العقل، وبناءً على أصل العدل الإلهي، فإن الله منزه عن كل قبيح.

إذن، فالله العادل يتكلم دائماً بطريقة يفهمها عامة مخاطبيه.

ويمكن تقرير هذا البرهان بطريقة أخرى: هناك ثلاث فرضيات يمكن طرحها بشأن كلام الله:
١- لم يرد الله من كلامه أي معنى.
٢- أراد الله معنىً بناءً على إطار خاص من كلامه، لكنه لم يقدم للمخاطبين طريقاً لمعرفة ذلك المعنى.
٣- أراد الله معنى كلامه ضمن الإطار المعروف لدى المتكلمين العقلاء.

الفرض الأول يؤدي إلى تالٍ فاسد وهو أن الله قد قام بعمل عبثي لا نتيجة له. والفرض الثاني فاسد أيضاً؛ لأنه إذا كان للمتكلم الحكيم أسلوب خاص في كلامه، فعليه أن ينبه مخاطبيه إلى ذلك الأسلوب؛ فإن لم يفعل، فلن يفهم المخاطبون كلامه ولن يتحقق مقصوده من الكلام. والنتيجة النهائية لهذا الفرض هي العبث أيضاً.

الفرض الثالث وحده هو الصحيح. وبما أن الله الحكيم لم يعلن عن أسلوب جديد في التفهيم والتفاهم، وبطبيعة الحال من المفترض أن يتكلم بطريقة يفهمها المخاطبون، إذن فقد تكلم الله كعامة المتكلمين العقلاء، ومثل ظاهر كلام جميع العقلاء، فإن ظاهر كلام الله أيضاً حجة وقابل للاستناد للجميع.

يقول الشيخ الطوسي في بيان هذه المسألة: «اعلم أنه لا يمكن معرفة مراد الله إلا بعد معرفة مقدمات … ومن تلك المقدمات أن نعلم أنه لا يجوز على الله أن لا يكون لخطابه فائدة، ومنها أنه لا يجوز عليه أن يريد بخطابه وجه القبح، ومنها أنه لا يجوز عليه أن يريد بخطابه غير ما وضع له اللفظ ولا يدل على إرادته (غير ما وضع له)، ومتى لم يحصل شيء من هذه المقدمات أو بعضها، لم يفهم كلام الله.» (الطوسي، ١٣٧٦، ج ١، ص ٣١).

بناءً على ذلك، في رأي العدلية، تتوقف حجية ظواهر القرآن على قبول أصل العدل. وإذا لم يقبل شخص هذا الأصل – وإن اعتبر ظواهر القرآن حجة – فلن يكون لديه أساس لإثبات حجية ظواهر القرآن؛ لأنه إذا لم نعتبر أي فعل واجباً على الله أو قبيحاً منه، فلا يلزم على الله أن يتكلم ضمن أطر العقود اللغوية للبشر، ولا يلزمه إذا أراد معنىً مخالفاً للوضع اللغوي أن يضع قرينة على مراده، وليس قبيحاً منه أن يتكلم بكلام لا يفهمه مخاطبوه وليس لديهم سبيل لفهمه.

يصرح الشيخ الطوسي بهذه الملازمة. فهو بعد أن يثبت أن صيغة الأمر تدل على لزوم ووجوب الفعل، يطرح هذا السؤال: من أين نعلم أن الله أيضاً تكلم على هذا النحو واستخدم صيغة الأمر بمعنى الوجوب؟


الأخباريون الشيعة والظواهر القرآنية

يُدّعى أن بعض الأخباريين الشيعة لم يعتبروا ظواهر القرآن حجة. ويتطلب التحقق من صحة هذا الادعاء بحثاً مستقلاً (انظر: الأسترآبادي، ١٤٢٦هـ، ص ١٢٨؛ البحراني، ١٤٢٣هـ، ص ١٧٤).

على فرض صحة هذا الانتساب وكماله، فإن هذا التصور لا علاقة له بقبول أو رفض أصل العدل الإلهي.

يرى العلامة الخوئي أن إنكار حجية ظواهر القرآن من قبل الأخباريين الشيعة يعود إلى سببين. برأيه، ترجع بعض أدلة الأخباريين إلى أنه لا ينعقد في ألفاظ القرآن ظهور؛ لأن ألفاظ القرآن كلها أسرار، ومعانيها غامضة ومعقدة، وتوجد قرائن منفصلة تخالف الظواهر الأولية – والتي يعتقد الأخباريون أنها فُقدت بسبب التحريف والنقصان (البهسودي، ١٤٢٢هـ، ج ٢، ص ٥-١٢٢).

يعود هذا القول إلى إنكار صغرى البرهان السابق. بناءً على هذا التصور، لن يكون للقرآن الكريم معنى محصّل وظاهر حتى يكون الحديث عن حجيته واعتباره.

السبب الثاني لإنكار الأخباريين هو أنه حتى لو تشكل ظهور في القرآن، فإن الله قد نهى عن اتباعه استناداً إلى أدلة النهي عن اتباع الآيات المتشابهة والنهي عن التفسير بالرأي (المصدر نفسه).

يؤدي هذا التصور أيضاً إلى فرض أن الله قد اتبع في كلامه مسلكاً خاصاً، وأعلم مخاطبيه مسبقاً أن أسلوبه ليس كأسلوب البشر، بل إن الظاهر لديه ليس حجة لأنه من جنس الظن.

بناءً على ذلك، فإن كلام الأخباريين في باب إنكار حجية الظواهر القرآنية إما أن يعود إلى إنكار وجود الظهور في القرآن، أو إلى ادعاء النهي عن قبول مثل هذا الظهور، وهذان المعتقدان لا يخدشان أصل العدل الإلهي.


الجبرية والظواهر القرآنية

مرّ معنا أن منكري أصل العدل يعتقدون بأنه لا شيء واجب على الله ولا شيء قبيح منه، بل الحسن ما حسّنته الشريعة، والقبيح ما قبّحه الشارع.

هذا الأساس الكلامي يسري أيضاً في باب كلام الله وظواهر آيات الوحي. فالذي لا يقبل أصل العدل الإلهي في الكلام، لا يمكنه أن يلزم الله بأن يتكلم في إطار العقلاء وأن يريد المعنى الظاهر لكلامه وأن يضع قرينة على مراده.

فإذا تكلم الله بكلام يعجز المخاطبون عن فهمه، فلا يمكن للعقل أن يحكم بقبح مثل هذا الخطاب، ولا يمكنه أن يوجب على الله إظهار وإعلام طريقة التخاطب الخاصة.

وقد اعترف بعض كبار وعلماء الجبرية بهذا الأمر. يكتب ابن قيم الجوزية: «إذا كانت الكلمة تحتمل معنى في اللغة، فلا يجوز أن نشهد على الله بأنه أراد ذلك المعنى.» (ابن القيم، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٣٧٦).

لا يستند علماء المذهب الجبري في اعتبار ظواهر القرآن إلى الأدلة العقلية أو بناء العقلاء، لأن العقل وبناء العقلاء، في نظرهم، لا يسريان على الله. فهم يتمسكون بالأدلة الشرعية لإثبات اعتبار ظواهر القرآن.

يكتب الزركشي: «الظاهر دليل شرعي يجب اتباعه لإجماع الصحابة (الرسول) على العمل بالظواهر، واعتبار الظاهر كاعتبار خبر الواحد، ضرورة من ضروريات الشريعة.» (الزركشي، ١٤١٤هـ، ج ٣، ص ٢٥).

وهذا القول لا يزال مقبولاً لدى عامة علماء أهل السنة حتى العصر الحاضر، كما يكتب محمد بن عثيمين: «العمل بالظاهر واجب، إلا بدليل يصرفه عن ظاهره؛ لأن هذه طريقة السلف، وهذا أحوط وأبرأ للذمة، وأقوى في التعبد والطاعة.» (ابن عثيمين، ١٤٢٦هـ، ج ١، ص ٥٠).

كما يلاحظ في هذين البيانين، لا يستطيع علماء المذهب الجبري إقامة دليل أو مستند على اعتبار ظواهر القرآن. لقد قبلوا اتباع الظواهر بشكل تعبدي، وفي هذا المسار، اتخذوا من اتباع الصحابة والسلف دليلاً لهم.

وبالطبع، إذا سألهم أحد عن الدليل والمستند الذي لديكم على أن الله قد تكلم ضمن الإطار المقبول لدى العقلاء وأراد المعنى الظاهر لكلامه، فلن يستطيعوا في جوابهم التمسك بعمل الصحابة والسلف، أو بطريقة الاحتياط والتعبد.

لذلك، فإن عامة المتكلمين الجبرية، بدلاً من طرح وقبول أصل العدل، قد جعلوا «عادة الله» أساساً لاستدلالهم في حجية ظواهر القرآن.

عادة الله

لا شكّ أنّه لا يمكن لأيّ مفكّرٍ مسلمٍ أن يتخلّى عن ظواهرِ القرآنِ وأن يتكلّمَ في العلومِ الإسلاميّةِ دونَ الاستفادةِ من آياتِ الوحي. ولهذا السّبب، فإنّ منكري أصلِ العدلِ الإلهيّ يستندون دائماً إلى ظواهرِ القرآن، ولكنّ سندَ استنادِهم إلى ظواهرِ القرآنِ ليس عدلَ الله، بل عادةَ الله.

بعبارةٍ أُخرى، يضعُ منكرون أصلَ العدل، بدلاً من العقلِ والحكمة، طبعَ وعادةَ الله أساساً لاعتبارِ ظواهرِ القرآن. يقولُ عبدُ الملك الجويني في بيانِ دلالةِ القرائنِ على عمومِ اللفظ: «القرائنُ لا توجبُ فهمَ العمومِ من اللفظِ العام، بل جرت عادةُ الله على هذا المنوال بأن يخلقَ فينا العلمَ بعمومِ الكلمةِ عند وجودِ القرائن. ثمّ يُتصوّرُ أن القرائنَ قد دلّت على العمومِ أو الإطلاق.» (الجويني، د.ت، ج٢، ص٢٠).

ويقولُ الزركشي أيضاً نفسَ الكلام (الزركشي، ١٤١٤هـ، ج٤، ص٣٠). ويكتبُ ابنُ القيمِ في تتمّةِ عبارتهِ السابقةِ التي لم تُجوّز نسبةَ معنى كلمةٍ إلى الله: «يمكننا أن نخبرَ بأنّ عادةَ الله قد جرت على أن يتكلّمَ مع الناسِ بظاهرِ الكلامِ والمعنى الحقيقي.» (ابن القيم، ١٤٢٢هـ، ج١، ص٣٧٦).

مجموعُ الأقوالِ أعلاهُ صريحٌ في هذا المعنى، وهو أنّ دلالةَ القرائنِ على العمومِ أو الإطلاق، وبشكلٍ عامّ دلالةَ كلامِ الله على المعاني الحقيقيّةِ والظاهرةِ للكلمات، كلّها مبنيّةٌ على جريانِ عادةِ الله.

يذكرُ إبراهيمُ الشاطبي، ضمنَ العلومِ التي يلزمُ تعلّمها لفهمِ القرآن، علومَ العربيّة. وهو يرى أنّ توقّفَ فهمِ القرآنِ على تعلّمِ العربيّةِ نابعٌ من أنّ عادةَ الله قد جرت على أن يُنزلَ كتابَه بلغةِ العرب ويتكلّمَ مع الناس. يكتبُ الشاطبي: «جرت عادةُ الله أن يُخاطبَ المخلوقين ويتعاملَ معهم برفق، ولهذا السّبب جعل كلامَه عربيّاً حتى يتمكّن المخلوقون من فهمِه.» (الشاطبي، د.ت، ج٣، ص٣٧٧).

يتّضحُ من كلامِ الشاطبي أيضاً أنّ تكلّمَ الله باللغةِ العربيّة وبطريقةٍ يفهمها الناسُ ليس إلزاماً نابعاً من الحكمةِ الإلهيّة، بل هو أسلوبٌ وعادة.

الاستنادُ إلى عادةِ الله موجودٌ في مواضعَ شتّى من آثارِ أهلِ السُّنّةِ التفسيريّةِ والكلاميّةِ والأصوليّة. على سبيلِ المثال، في رؤيةِ العدليّة، يُعدّ جريانُ المعجزةِ على يدِ من يدّعي النبوّةَ كذباً فعلاً قبيحاً؛ لأنّه يؤدّي إلى إضلالِ الناس (الطوسي، ١٤٠٠هـ، ص١٦٠؛ الخوئي، ١٤١٢هـ، ج١، ص١٨). فاللهُ إذن لا يفعلُ ذلك.

ولكنّ المفكّرَ الجبريّ يرى فقط أنّ عادةَ الله جرت على ألّا تجريَ المعجزةُ على يدِ مدّعي النبوّةِ الكاذب. كما يكتبُ فخرُ الرازي: «عادةُ الله أن يُبطلَ الباطلَ ويُحقَّ الحقّ، فلو كان محمّدٌ صلّى الله عليه وآله يقولُ الباطلَ وكان كاذباً لفضحهُ الله وأظهرَ بطلانَه، ولما لم يحدثْ ذلك علمنا أنّه ليس كاذباً.» (الرازي، ١٤٢٠هـ، ج٢٧، ص٥٩٧).

كما يصرّحُ محمودُ الآلوسي: «لا يمكن أن تظهرَ المعجزةُ على يدِ مدّعي النبوّةِ الكاذب؛ كما جرت عادةُ الله على هذا النحو.» (الآلوسي، ١٤٠٥هـ، ج١، ص٤٣٦).

في منظورٍ أوسع، يؤدّي فكرُ الجبرِ إلى نتيجةٍ أنّه لا توجدُ أيّ علاقةٍ سببيّةٍ بين السببِ والمسبّب والعلةِ والمعلول. فليست القرائنُ اللفظيّةُ وظاهرُ الكلامِ سبباً لفهمِ الكلام، وليست المعجزةُ وحدها دالّةً على صدقِ النبيّ، بل لا يوجدُ أيّ حدثٍ يُسبّبُ حدثاً آخر.

«الماءُ ليس سبباً لرفعِ العطش، والغذاءُ ليس سبباً لرفعِ الجوع، كلّ هذا يحدثُ فقط بناءً على عادةِ الله التي جعلتها تقعُ متتالية.» (الرازي، ١٤٢٠هـ، ج٤، ص١٣٩).

يقولُ القاضي عياض في هذا الصدد: «أصحُّ دليلٍ على مذهبِ أهلِ الحقّ (عمومِ أهلِ السُّنّة) أنّ كلَّ شيءٍ هو فعلٌ وخلقُ الله، ولا يوجدُ سببٌ يوجبُ حدثاً، ولا توجدُ طبيعةٌ تقتضي حالة، ولا يوجدُ شرطٌ لأيّ وجود. إنّما جرت عادةُ الله على أنّه كلّما أراد شيئاً خلقهُ بناءً على إرادتهِ وقدرته، والفلاسفةُ والمعتزلةُ يخالفوننا في هذا الاعتقاد.» (عياض، ١٣٢٧هـ، ج١، ص٣٣١).

وقد تعرّضَ استنادُ أصحابِ المذهبِ الجبريّ إلى عادةِ الله للنقدِ من قبلِ علماءِ العدليّة. فقد شكّك المتكلّمون الشيعةُ والمعتزلةُ، خاصّةً في بحثِ وجهِ دلالةِ المعجزةِ على صدقِ النبيّ، في صحّةِ الاستنادِ إلى عادةِ الله.

النقدُ الأوّل هو: من أينَ وعلى أيّ أساسٍ ثبُتت عادةُ الله؟ والثاني: ما الدليلُ الذي لدينا على أنّ الله لا يُغيّرُ عادتَه وسُنّتَه في حالةٍ أو حالاتٍ معيّنة؟

إذا لم نعتبرْ أيَّ فعلٍ قبيحاً على الله، فلا يمكننا أن نعتبرَ تغييرَ السُّنّةِ والأسلوبِ، بل حتى خلفَ الوعد، قبيحاً على الله. إذن، في المنظومةِ الفكريّةِ للجبر، لا يبقى أيّ أساسٍ لحجّيّةِ ظواهرِ كلامِ الله؛ لأنّه لا يوجدُ دليلٌ في اليدِ على أنّ عادةَ الله قد جرت على أن يتكلّمَ ضمنَ الإطارِ المقبولِ لدى البشر.

وكذلك الكلامُ بطريقةٍ لا تُفهَم، والكلامُ العبثيّ، وتغييرُ السُّنّةِ والعادةِ، وخلفُ الوعد، لا يمكن نفيُ أيٍّ منها عن الله وسلبُه.

وقد صرّحَ العلّامةُ الخوئي بضعفِ استدلالِ الجبريّة بـ«عادةِ الله» بالوجوهِ المذكورةِ أعلاه (الخوئي، ١٤١٢هـ، ج١، ص٣٩).

بناءً على ذلك، على الرغمِ من أنّ المفسّرين الجبريّةَ يفسّرون آياتِ القرآنِ على أساسِ الظواهرِ ويستندون في مختلفِ المجالاتِ الكلاميّةِ والفقهيّةِ والمعرفيّةِ إلى ظاهرِ الآيات، فإنّ هذا الاستنادَ ليس له أيّ أساس.

وقد التفتَ الشيخُ الطوسي إلى هذه النقطةِ وألزم عامّةَ الجبريّة بقبولِ هذا الاعتقادِ بأنّه يجوزُ أن لا يفهموا شيئاً من خطابِ الله ومراده؛ «وبهذا نلزمُ المجبرةَ أن لا يفهموا من خطابِه ومرادِه شيئاً، لأنّهم يجوزون عليه القبائح.» (الطوسي، ١٣٧٦، ج١، ص٣١).


حجّيّةُ الظواهرِ القرآنيّةِ والأدلّةِ الشرعيّة

تدلُّ آياتُ القرآنِ الكريم وأحاديثُ النبيِّ الأكرمِ وأهلِ البيتِ عليهم السّلام دلالةً تامّةً على أنّ للكلامِ الإلهيِّ ظاهراً مفهوماً يستفيدُ منه السامعون ويتّعظون، كما يقولُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: ٥١).

يقولُ سليمانُ الطبراني في تفسيرِ هذه الآية: «أوصلنا كلامَ الأنبياءِ والأُممِ وقصصَهم لأهلِ مكّة ليتّعظوا بالقرآنِ ويحذروا ممّا حلّ بمن قبلَهم.» (الطبراني، ٢٠٠٨: ج٥، ص٧١).

ويكتبُ ابنُ عطيةَ الأندلسيّ أيضاً: «أوصلنا لهم قولاً يتضمّنُ معاني تجعلُ من يتأمّلُ فيه يهتدي. “لعلّهم يتذكّرون” هو ما يُتوقّعُ من الإنسان، والظاهرُ عند سامعي كلامِ الله هو الاتّعاظ.» (ابن عطية، ١٤٢٢هـ، ج٤، ص٢٩١).

يدلُّ القرآنُ الكريم على أنّ الإصغاءَ إلى الكلامِ سببٌ لاتباعِ أحسنه، وأنّ من يتّبعُ هذا النهجَ هو العاقلُ الذي هداهُ الله، انظر: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ١٧-١٨).

يصرّحُ فخرُ الرازي في تفسيرِ هذه الآية بالفرقِ بين السمعِ (الاستماع) والاستماعِ (الإصغاء)، ويعتبرُ هذه الآية دليلاً على أنّ اتّباعَ الأحسنِ لا يحصلُ بالسمع، بل هو نتيجةٌ للاستماعِ ويتشكّلُ إثرَ حجّةٍ عقليّة (الرازي، ١٤٢٠هـ، ج٢٦، ص٤٣٧).

يبحثُ القرآنُ الكريم ظاهرةَ التحريف؛ فبعضُ أهلِ الكتابِ يسمعون كلامَ الله ثمّ يُحرّفونه عن علمٍ بعد أن فهموه؛ ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٧٥).

ينقلُ فخرُ الرازي في تفسيرِ هذه الآية عن أبي بكر القفّال: «تلك الجماعةُ من أهلِ الكتابِ فهموا مرادَ الله من كلامِه، ولكنّهم قدّموا تفسيراً فاسداً، مع أنّهم كانوا يعلمون أنّ تفسيرَهم ليس مرادَ الله.» (المصدر نفسه، ج٣، ص٥٦٢).

إنّ آيةَ ١٨١ من سورةِ البقرة توجبُ العملَ بظاهرِ وصيّةِ المتوفّى وتعتبرُ تبديلَها وتغييرَها ذنباً. يكتبُ ابنُ حزمٍ مستنداً إلى هذه الآية: «تحويلُ الكلامِ عن معناهُ اللغويّ هو تبديلٌ وتغييرٌ للكلام، وقد أنكرَ الله هذا الفعلَ في كلامِ البشر؛ فما بالك بتجاوزِ الظاهرِ في الكلامِ الإلهيّ الذي هو في الواقعِ تحريفٌ له.» (ابن حزم، د.ت، ج٣، ص٤٢).

بعضُ الآياتِ القرآنيّةِ أيضاً في سياقِ الاستفهامِ التوبيخيّ، تدعو مخاطبي القرآنِ إلى التفكّرِ والاتّعاظ؛ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمّد: ٢٤)، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (القمر: ١٧).

يكتبُ ابنُ عاشور التونسيّ في بيانِ معنى التدبّر: «التدبّرُ هو تتبّعُ ظواهرِ الألفاظِ لمعرفةِ ما وراءَها من المعاني الخفيّة.» (ابن عاشور، ١٩٩٧، ج٢٣، ص٢٥٢).

وفي بيانِ سهولةِ فهمِ وتلقّي القرآنِ الكريم يكتب: «هذه السهولةُ تجري في الألفاظِ والمعاني. فالألفاظُ في غايةِ الفصاحة، بحيثُ يسهلُ نطقُها، وسهولةُ المعاني هي من حيثُ أنّها تُفهَمُ بوضوحٍ من الألفاظِ والجمل، والمفكّرُ كلّما تفكّرَ في القرآن، توصّلَ إلى معانٍ جديدةٍ من المعاني السّابقة.» (المصدر نفسه، ج٢٧، ص١٨٨).

لطالما أكّد علماءُ الشيعة على دلالةِ هذه الآياتِ القرآنيّةِ على حجّيّةِ ظواهرِ القرآن (على سبيل المثال، انظر: الخوئي، ١٤١٢هـ، ص٢٦٢؛ معرفة، ١٤١٨هـ، ج١، ص٨٣).

هذه الآياتُ القرآنيّةُ وما شابهها، وبالطبع مئاتُ الأحاديثِ في تفسيرِ وبيانِ هذه الآيات، تدلُّ على أنّ ظاهرَ القرآنِ قابلٌ للفهمِ والتلقّي، وأنّ هذا الفهمَ بالطبع يقومُ على أساسِ العقلِ والفهمِ والعلمِ المتعارفِ بين المخاطبين.

ومن هنا، فبالإضافةِ إلى الاستدلالِ السّابقِ على أنّ حجّيّةَ ظواهرِ القرآنِ مبنيّةٌ على قبولِ أصلِ الحُسنِ والقُبحِ العقليّين، وبالتالي أصلِ العدلِ الإلهيّ، فإنّ آياتِ القرآنِ وكلامَ المعصومين تدلُّ أيضاً على أنّ ظواهرَ القرآن، كظواهرِ كلامِ أيّ عاقل، معتبرةٌ وقابلةٌ للاستناد.

الاستنتاج

أصل العدل الإلهي – بمعنى أن الله لا يفعل ما يعتبره العقل المستقل قبيحاً، ويفعل ما يعتبره العقل لازماً – هو أساس اعتبار ظواهر القرآن.

بعبارة أخرى، مع إنكار أصل العدل والحسن والقبح العقليين، لا يبقى أي أساس لإثبات حجية ظواهر آيات الوحي.

علاوة على ذلك، مع إنكار أصل العدل – بمعنى أنه لا يجب على الله فعل أو ترك أي عمل، ولا يصدر منه أي ظلم أو قبح – لا يلزم فقط أن يتكلم الله ضمن الإطار المقبول لدى العقلاء، بل لا يلزم أيضاً أن يتكلم بطريقة مفهومة.

لذلك، فإن منكري أصل العدل الذين يعتبرون الأخلاق تابعة للشريعة، لا يمكنهم تفسير آيات الوحي بناءً على ما يظهر من الألفاظ والجمل، وبالطبع لا يمكنهم الاستناد والاستدلال بظواهر القرآن.

الجبرية، الذين أدركوا هذا النقص، يسعون إلى الاستناد في مختلف المسائل إلى «عادة الله» بدلاً من الاستدلال بأصل العدل.

على سبيل المثال، في إثبات اعتبار ظواهر القرآن سيقولون: جرت عادة الله على أن يتكلم في إطار عقلائي، ويريد الظاهر من كلامه، وفي حال كانت إرادته مخالفة للظاهر، فإنه ينصب قرينة.

ولكن هذا الاستدلال أيضاً معيب؛ لأن مثل هذه العادة والأسلوب لم تثبت، وبالطبع في المنظومة الفكرية للجبرية، لا يوجد أي فعل قبيح من الله، فمن الممكن أن يترك الله عادته في حالة أو حالات معينة ويعمل خلافاً لأسلوبه السابق.

من ناحية أخرى، تدل آيات قرآنية وأحاديث كثيرة على لزوم التفكر والتأمل والاتعاظ في القرآن الكريم.

هذه الآيات والأحاديث تدل صراحة أو تلازماً على أن آيات القرآن مفهومة، وأن المخاطبين سيفهمون القرآن بناءً على تفكيرهم ومعرفتهم المتعارفة.

بعبارة أخرى، تدل هذه الآيات والأحاديث على أن الله ملتزم في كلامه بأسلوب كلام العقلاء حتى يتمكن المخاطبون من فهم كلامه واتباعه.

المصادر والمراجع

1. الآلوسي، شهاب الدين محمود (١٤٠٥هـ)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

2. الآمدي، أبو الحسن علي (د.ت)، الإحكام في أصول الأحكام، بيروت: المكتب الإسلامي.

3. ابن عاشور، محمد بن طاهر (١٩٩٧)، التحرير والتنوير، تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع.

4. ابن عثيمين، محمد بن صالح (١٤٢٦هـ)، الأصول من علم الأصول، د.م: دار ابن الجوزي.

5. ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر (١٤٢٢هـ)، الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، القاهرة: دار الحديث.

6. الأسترآبادي، محمد أمين (١٤٢٦هـ)، الفوائد المدنية، قم: جامعة المدرسين.

7. الأندلسي، ابن عطية عبد الحق بن غالب (١٤٢٢هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، بيروت: دار الكتب العلمية.

8. الأندلسي، ابن حزم (د.ت)، الإحكام في أصول الأحكام، بيروت: دار الآفاق الجديدة.

9. البحراني، يوسف بن أحمد (١٤٢٣هـ)، الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية، بيروت: دار المصطفى لإحياء التراث.

10. البصري المعتزلي، محمد بن علي (١٤٠٣هـ)، المعتمد في أصول الفقه، بيروت: دار الكتب العلمية.

11. البهسودي، سيد محمد سرور (١٤٢٢هـ)، مصباح الأصول (تقرير درس أصول العلامة الخوئي)، قم: مؤسسة نشر الفقاهة.

12. الجرجاني، علي بن محمد (١٤١٩هـ)، شرح المواقف، بيروت: دار الكتب العلمية.

13. الجويني، عبد الملك (د.ت)، التلخيص في أصول الفقه، بيروت: دار البشائر.

14. الحكيم، سيد عبد الصاحب (١٤١٦هـ)، منتقى الأصول (تقرير درس آية الله سيد محمد الروحاني)، قم: نشر الهادي.

15. الحلبي، أبو صلاح (١٤٠٣هـ)، الكافي في الفقه، أصفهان: مكتبة أمير المؤمنين.

16. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤١٢هـ)، البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار الزهراء.

17. الرازي، فخر الدين محمد بن عمر (١٤٢٠هـ)، مفاتيح الغيب، بيروت: دار إحياء التراث.

18. الزركشي، محمد بن عبد الله (١٤١٤هـ)، البحر المحيط في أصول الفقه، بيروت: دار الكتبي.

19. السيد المرتضى، علي بن حسين (١٤٠٥هـ)، رسائل المرتضى، قم: دار القرآن الكريم.

20. الشاطبي، أبو إسحاق (د.ت)، الموافقات في أصول الشريعة، القاهرة: مكتبة التجارية الكبرى.

21. الطباطبائي، سيد محمد حسين (١٤١٧هـ)، الميزان في تفسير القرآن، قم: جامعة المدرسين.

22. الطبراني، سليمان بن أحمد (٢٠٠٨)، تفسير القرآن العظيم، الأردن: دار الكتاب الثقافي.

23. الطوسي، محمد بن حسن (١٣٧٦)، العدّة في أصول الفقه، قم: چاپخانه ستاره.

24. الطوسي، محمد بن حسن (١٤٠٠هـ)، الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد، قم: نشر خيام.

25. الطوسي، محمد بن حسن (١٤١٤هـ)، الرسائل العشر، قم: جامعة المدرسين.

26. الطوسي، محمد بن حسن (د.ت)، التبيان الجامع لعلوم القرآن، تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

27. العاملي، زين الدين بن علي الشهيد الثاني (١٤٠٩هـ)، حقائق الإيمان، قم: مكتبة المرحوم آقاى نجفي المرعشي.

28. الفاضل اللنكراني، محمد (١٣٨٦)، مدخل التفسير، طهران: مطبعة الحيدري.

29. الفاضل المقداد، مقداد بن عبد الله (١٤١٧هـ)، النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر، بيروت: دار الأضواء.

30. القاضي عياض، أبو الفضل اليحصبي (١٣٢٧هـ)، إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، القاهرة: مكتبة السعادة.

31. معرفت، محمد هادي (١٤١٨هـ)، التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، مشهد: جامعة رضوي.

32. المفيد، محمد بن نعمان (١٤١٣هـ)، الإعلام بما اتفقت عليه الإمامية من الأحكام، قم: مؤتمر الشيخ المفيد.

33. النووي، محيي الدين (١٤٠٧هـ)، شرح صحيح مسلم، بيروت: دار الكتاب العربي.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: ١٦/٢/١٣٩٧ش، تاريخ القبول: ٧/٣/١٣٩٨ش. المعرّف الرقمي (DOI): 10.22081/jqr.2019.50889.2010

2. أستاذ مساعد بجامعة أصفهان. m.soltani.r@ltr.ui.ac.ir

Scroll to Top