الملخص
تمسّك علماء الأصول بـ «مقدمات الحكمة» لاستفادة «الإطلاق» من كلام المتكلم. وتُعدّ مقدمة «كون المتكلم في مقام البيان» أولى وأهم مقدمات الحكمة. ويمكن إحراز هذه المقدمة بواسطة الأصل العقلائي المسمى بـ «أصالة البيان». وقد اكتفى أغلب الأعلام بسيرة العقلاء كمستند لأصالة البيان. ولكن بناءً على الرأي المختار الذي يسعى هذا المقال إلى بيانه، فإن المستند الأصلي لأصالة البيان هو سيرة العقلاء التي تعود جذورها إلى أمرين: 1. مقتضى طبع المتكلم والكلام. 2. مقتضى طبع الحياة الاجتماعية وتسهيل المحاورات. وبناءً على ذلك، إذا أخذنا سيرة العقلاء بنظر الاعتبار مع الأخذ بمبناها، فإنها ستكون مستندًا مناسبًا لأصالة البيان، وستُحلّ العديد من الإشكالات المطروحة في باب استخدام أصالة البيان لإثبات كون المتكلم في مقام البيان.
المقدمة
تحتل مباحث الألفاظ في علم الأصول مكانة خاصة؛ إذ على الرغم من أن مصادر استنباط الحكم بالنسبة للفقيه هي الكتاب والسنة والعقل والإجماع (الأعرافي، 1395ش: 106)، إلا أن الكتاب والسنة هما أكثر هذه المصادر مراجعة من قبل الفقهاء. والاستنباط من هذين المصدرين، لكونهما نصيين ولفظيين، يتطلب مباحث الألفاظ التي تُطرح في علم الأصول. ومن بين المباحث المطروحة في الألفاظ، يحظى مبحث المطلق والمقيد بأهمية أكبر نظرًا لتعدد مصاديقه في المصادر وكثرة تطبيقاته في مسار استنباط الحكم الشرعي.
يُطلق مصطلح المطلق على «ما دل على شايع في جنسه»[1] (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 243). وقد اختلف علماء الأصول حول كيفية دلالة المطلق على الشيوع والسريان. يعتقد البعض أن دلالة المطلق على الإطلاق هي دلالة وضعية. وقد نُسب هذا القول إلى مشهور القدماء قبل سلطان العلماء (النائيني، 1376هـ.ش: 2/ 564 و566؛ العراقي، 1417هـ: 2/ 560). أما مشهور علماء الأصول بعد سلطان العلماء الشيخ الأنصاري (1404هـ: 218؛ المحقق الآشتياني، 1388هـ.ش: 7/ 448؛ الآخوند الخراساني، 1409هـ: 247؛ العراقي، 1417هـ: 2/ 567؛ الخوئي، 1417هـ: 5/ 364 – 370)، فيعتقدون أن هذه الدلالة ليست وضعية، بل يمكن إثبات دلالة الكلام المطلق على الشيوع والسريان بواسطة مقدمات الحكمة.
إن أولى مقدمات الحكمة هي «كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد» أو باختصار «أصالة البيان». وهذه المقدمة محل اتفاق جميع القائلين بمقدمات الحكمة، وما لم تثبت هذه المقدمة فلن تصل النوبة إلى إثبات المقدمات الأخرى. في هذا المقال، تم السعي لدراسة جذور هذه المقدمة والإجابة على هذا السؤال: كيف تشكلت أصالة البيان بين العقلاء؟
الخلفية التاريخية لمقدمات الحكمة
لقد اهتم علماء الأصول منذ البداية في مباحث الألفاظ بـ «حكمة المتكلم». على سبيل المثال، أشار الشيخ الطوسي (1417هـ: 1/ 296؛ المحقق الحلي، 1423هـ: 128) وصاحب المعالم (ابن الشهيد الثاني، 1376هـ.ش: 148) في مبحث الألفاظ المفيدة للعموم إلى «حكمة المتكلم». ولكن يبدو أن توقيف الإطلاق على مقدمات بعنوان «مقدمات الحكمة» ليس له سابقة تذكر في كتب الأصوليين المتقدمين. ورغم أن بعض علماء الأصول مثل البهبهاني (1415هـ: 361) والشيخ الأنصاري (1404هـ: 218) قد أوقفوا استفادة العموم من الإطلاق على مقدمات، يبدو أن مصطلح «مقدمات الحكمة» قد طُرح لأول مرة في كتب تلاميذ الشيخ الأنصاري مثل المحقق الآشتياني (1388هـ.ش: 7/ 448؛ الآخوند الخراساني، 1409هـ: 247). وقد جعل الآخوند الخراساني البحث عن مقدمات الحكمة فصلاً مستقلاً في مبحث المطلق والمقيد (نفس المصدر: 247). وبعد الآخوند، خصص جميع علماء الأصول المتأخرين تقريبًا بحثًا لمقدمات الحكمة ضمن مبحث المطلق والمقيد.
بعد المحقق البهبهاني، لا يوجد خلاف بين علماء الأصول في أن استفادة الإطلاق منوطة بمقدمات، ولكن هناك اختلاف في عدد هذه المقدمات ومضمونها. يرى الآخوند الخراساني (1409هـ: 247) أن مقدمات الحكمة ثلاثة: 1. أن يكون المتكلم في مقام البيان. 2. ألا يوجد قيد في الكلام. 3. ألا يوجد قدر متيقن في مقام التخاطب.
ويقبل المرحوم العراقي (1417هـ: 2/ 567) أيضًا الحالات الثلاث المذكورة. كما يعد أحد العلماء (الخوئي، 1417هـ: 5/ 364 – 370) الحالات الثلاث جزءًا من مقدمات الحكمة، مع فارق أنه يعتقد بدلًا من المقدمة الثالثة أن الكلام يجب أن يكون قابلًا للتقييد، على عكس الأعلام المذكورين (النائيني، 1376هـ.ش: 2/ 573 – 576؛ الشيخ الأنصاري، 1404هـ: 218). يعتقد البعض أن مقدمات الحكمة هي الحالة الأولى والثانية المذكورة في كلام صاحب الكفاية ولا يقبلون الحالة الثالثة (البروجردي، 1415هـ: 343؛ الإمام الخميني، 1415هـ: 2/ 325 – 327). الأمر الوحيد الذي قبلوه كمقدمة هو نفس المقدمة الأولى لصاحب الكفاية. وبالطبع، يرون أمورًا أخرى ضرورية مثل إمكان القيد وانتفاء القيد، ولكن ليس من باب المقدمة، بل يعتبرون هذه الأمور من مقومات الإطلاق.
كما لوحظ، فإن جميع القائلين بمقدمات الحكمة قد قبلوا المقدمة الأولى. لذلك، فإن المقدمة الأولى، أي «كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد»، تحظى بأهمية خاصة، وإذا ثبتت، فسيُطرح مجال للبحث في المقدمات الأخرى، وإذا لم تثبت، فلن تصل النوبة إلى المقدمات الأخرى. يرى علماء الأصول أن إحراز هذه المقدمة من الشروط الأساسية لاستفادة العموم من الإطلاق. ولإحراز هذه المقدمة في حالة الشك، تمسك علماء الأصول بأصالة البيان.
أصالة البيان
المقصود من أصالة البيان هو أنه كلما تكلم متكلم حكيم، يوجد أصل عقلائي بأنه لا يتكلم بكلام مجمل ومهمل، بل يبين تمام مراده في مجلس واحد، ولا يوكل أي جزء من مراده إلى مجلس آخر أو زمان آخر. إذن، ما قاله هو تمام مراده لا جزء منه.
بعبارة أوضح، عندما يقول المولى مثلاً: «أكرم العالم»، توجد ثلاثة احتمالات:
- يقصد المتكلم أن يقول قاعدة كلية مهملة ولا يريد الدخول في التفاصيل والخصوصيات. كما هو الحال في بعض بيانات القرآن، فإن هذا المطلب صادق، لأن القرآن في بعض الموارد يذكر كليات في الأحكام والقوانين ويجب البحث عن التفاصيل من كلام المعصومين. لذلك، في مثل هذه الموارد، يكون القرآن في مقام بيان كلي وفي الجملة للمطالب لا بالجملة. في هذه الحالة، تكون القضية مهملة ولا مجال للتمسك بالإطلاق.
- القصد الأصلي للمتكلم قضية مقيدة، ولكنه لم يذكر قيدها. المقصود من «أكرم العالم» هو «أكرم العالم العادل»، ولكنه لأي سبب كان لم يأتِ بالقيد «العادل» في كلامه. في هذه الحالة أيضًا، يكون الكلام مجملاً ولا يُفهم منه الشمول.
- القصد الأصلي للمتكلم وتمام مراده هو نفس «أكرم العالم» وليس فيه أي قيد؛ فلو كان فيه قيد أو شرط، لكان قد بيّنه بالتأكيد ولم يترك كلامه ناقصًا.
في هذه الفرضية، يفهم العقلاء الشمول والاستيعاب من كلامه، ويسمون هذه الحالة للمتكلم «كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده». يعتقد علماء الأصول أن الأصل الأولي العقلائي في كلام المتكلم هو هذا الاحتمال الثالث.
جذور الأصل العقلائي «أصالة البيان»
حتى الآن، قمنا بتوضيح «أصالة البيان». والآن، يطرح السؤال: كيف تشكل هذا الأصل نفسه؟ أي ما هو السر في أنه عندما يتكلم متكلم، يفهم العقلاء كلامه بشكل مطلق وينفون جميع القيود من كلامه؟ في هذا الصدد، طرح بعض المحققين[2] عدة احتمالات يجب دراستها:
1. مقتضى الطبع
أحد الاحتمالات هو أن طبع الطلب وحال المتكلم (الطالب) يقتضي أن يبين تمام مراده باللفظ.[3] وهذا يشبه ما يقال في خيار العيب؛ حيث يقال إن طبع البيع والشراء يقتضي أن يكون المبيع سالمًا، وكون المبيع معيبًا هو خلاف طبع المعاملة ولذا يُنفى. هنا أيضًا، طبع الكلام هو أن يُبيَّن بجميع خصوصياته، فإن كان غير ذلك، فهو خلاف طبع الكلام ويُنفى.
في نقد هذا الوجه، قيل إنه بما أن الإطلاق والشمول ليسا جزءًا من الموضوع له للألفاظ، فإن استعمال اللفظ المطلق وإرادة غير الإطلاق والشمول ليس خلافًا للمقتضى الأولي للفظ. سيتم تقديم مطالب حول هذا الوجه ونقده في تتمة المقال.
2. تطابق مقام الثبوت والإثبات
الأصل هو التطابق والانسجام بين مقامي الثبوت والإثبات. الإطلاق في مقام الثبوت يعني أن طبيعة اللفظ المطلق هي المقصودة، فإذا كان الاستعمال بدون قيد من قبل المتكلم له ظهور في الإطلاق، يتحقق تطابق مقامي الإثبات والثبوت،[4] ولكن إذا لم يكن كذلك، فلن يتحقق هذا التطابق. لذلك، يتحقق هذا التطابق بأصالة البيان.
هذا الرأي لا يستحق الكثير من الاعتبار؛ لأنه بفرض قبول أصل التطابق، فإن كون كلام المتكلم مطلقًا في مقام الإثبات ليس قطعيًا، بل هو احتمالي وقد يكون مهملاً. ومن ثم، لا يمكن الحصول على إطلاق مقام الثبوت منه.
3. سيرة العقلاء
لقد استقرت سيرة العقلاء على أنه كلما كان كلام المتكلم خاليًا من القيد، فإن العقلاء يتمسكون بإطلاقه.[5] وهذا يدل على أن جذر «أصالة البيان» هو هذه السيرة العقلائية نفسها. ودليل ذلك هو أن المولى والعبد في مقام المحاجة يمكنهما الاستناد في عملهما إلى الإطلاق. فمثلاً، عندما يقول المولى «ائتني بماء»، يمكن للعبد أن يأتي بأي ماء صالح للشرب، سواء كان ماءً معدنيًا أو ماء بئر أو غيره. ولا يستطيع المولى أن يقول إن قصدي كان الماء المعدني؛ لأن العبد سيستدل بإطلاق كلام المولى على فعله، وسيكون دليله مقبولاً عند العقلاء. أو العكس، إذا لم يأتِ العبد بالماء بحجة أنه لم يجد ماءً خاصًا، يمكن للمولى أن يعتبر إطلاق كلامه دليلاً على طلبه لأي نوع من الماء، ويقبل العقلاء استدلاله.
إن مجرد قدرة طرفي الحوار في مقام الاحتجاج على الاستناد بكلامهما إلى الإطلاق، وقبول العقلاء لذلك، هو دليل على أن أساس «أصالة البيان» هو سيرة العقلاء. ولهذا السبب، قبل غالبية الأعلام، ومنهم الآخوند الخراساني (1409هـ: 248) والمرحوم الخوئي (1417هـ: 4/ 536)، سيرة العقلاء كأساس لأصالة البيان.
وقد أُشكل على السيرة المذكورة بأنها لا تجري في كل الكلام، بل تجري في كلام يكون فيه «دأب المتكلم» بيان خصوصيات الكلام في مجلس واحد؛ لا في كلام متكلم عادته أن يبين كلامه بشكل تدريجي. فإذا كان دأب المتكلم أن يبين مقصوده في عدة مجالس وبشكل تدريجي، فإن العقلاء لا يتمسكون بإطلاق كلامه، بل تتوقف سيرة العقلاء هنا حتى يُبيَّن آخر كلامه. وبما أن بيانات الشارع من النوع الثاني، فإن السيرة المذكورة لا تجري فيها؛ ففي القرآن الكريم أو كلام النبي صلى الله عليه وآله، وردت مطلقات من الأحكام الإلهية بُيِّنت خصوصياتها في كلام الأئمة عليهم السلام. وهذا يدل على أن دأب الشارع هو البيان التدريجي للأحكام. في مثل هذا الكلام، لا تقوم سيرة العقلاء على التمسك بالإطلاق، وبالتالي لا يمكن اعتبار هذه السيرة مستندًا لـ«أصالة البيان».[6]
4. سيرة المتشرعة
ذهب آية الله الوحيد،[7] بسبب الإشكال المذكور، إلى التفصيل، قائلاً إن سيرة العقلاء تجري في كلام غير الشارع، ولكن في كلام الشارع يجب البحث عن دليل آخر للتمسك بالإطلاق. برأيه، تشكلت في فضاء الشرع والمتشرعة سيرة أخرى يمكن الاستفادة منها في إطلاق بيان الشارع، وهي سيرة المتشرعة.[8] ذلك لأن سيرة المتشرعة كانت على هذا النحو: كلما صدر كلام من المعصوم، كانوا يعملون بإطلاقه، والشارع لم يمنعهم من هذا العمل. وهذا يدل على أن سيرة المتشرعة كانت مورد تأييد الشارع، وأن استفادة الإطلاق من كلام المولى – رغم كون بيان المولى تدريجيًا – لم تكن فيها إشكالية. في النهاية، يمكن اعتبار هذه السيرة دليلاً على استفادة الإطلاقات، واعتبارها مستندًا لـ«أصالة البيان».
الرد على إشكال آية الله الوحيد
برأي آية الله الوحيد، فإن التدريج في كلام الشارع يسبب عدم جريان سيرة العقلاء في كلام الشارع، وأنه يجب الاستعانة بسيرة المتشرعة لاستفادة الإطلاق من بيان الشارع.
في الرد عليه، يجب القول إن كل متكلم يمكن أن تكون له إرادتان من كلامه: 1. إرادة استعمالية و2. إرادة جدية. الإرادة الاستعمالية هي إرادة مفاد الكلام وكل ما يفيده الكلام وضعًا، ويقصده المتكلم الواعي حين التكلم ويلقيه إلى المخاطب. وتسمى هذه الإرادة الاستعمالية أيضًا «الدلالة التصديقية الأولية»، في مقابل الدلالة التصورية التي هي مجرد مدلول لغوي للفظ يمكن أن يحصل بأي طريقة ولا دخل لإرادة وقصد المتكلم فيه. أما الإرادة الجدية فهي أن يقصد هذه الدلالة التصديقية بشكل جدي وألا يكون له هدف آخر مثل الامتحان أو المزاح وما شابه ذلك.
عادةً ما تكون الإرادة الاستعمالية مطابقة للإرادة الجدية، ويوجد قانون يقول: «الأصل تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدية». وهاتان الإرادتان تجريان في كلام الشارع وغير الشارع. في كلام الشارع، يحدث أحيانًا أن تكون الإرادة الجدية غير مطابقة للإرادة الاستعمالية. مثلاً، في قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، كان الأمر بذبح إسماعيل إرادة استعمالية، ولكن الإرادة الجدية للمولى كانت امتحان إبراهيم لا ذبح إسماعيل. أو حيث يقول الله تعالى: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ» (البقرة: 23)، فإن المقصود الجدي من «فَأْتُوا» هو التعجيز، بينما الإرادة الاستعمالية هي إتيان سورة مماثلة لسور القرآن بواسطة البشر.
أحيانًا تُلاحظ حالات من هذا القبيل في كلام الشارع، ولكن في مثل هذه الحالات تتشكل الإرادة الاستعمالية، التي هي المدلول اللفظي للكلام، بشكل كامل، ولا تنقص مغايرة الإرادة الجدية لها من اعتبار الإرادة الاستعمالية. ولهذا، إذا كان بيان المولى تدريجيًا، وقام ببيان جزء من المعارف الدينية لاحقًا كقرينة منفصلة وأكمل كلامه السابق، فمن المؤكد أن إرادة المولى الجدية ستكون محدودة، ولكن هذا الأمر لا يضر بإرادته الاستعمالية، ويتحقق إطلاق كلامه المرتبط بالإرادة الاستعمالية بشكل كامل. وبما أن الإطلاق وسيرة العقلاء مرتبطان بالإرادة الاستعمالية – سواء في كلام الشارع أو في كلام غير الشارع – فلفهم الإطلاق من كلام الشارع لا حاجة إلى سيرة المتشرعة، بل تكفي هذه السيرة العقلائية نفسها. باختصار، يمكن القول إن تدريج كلام الشارع مرتبط بالإرادة الجدية للمولى لا بإرادته الاستعمالية، بينما الإطلاق وأصالة البيان مرتبطان بالإرادة الاستعمالية، ومن ثم فإن سيرة العقلاء تجري في بيان الشارع أيضًا.
إلى هنا ثبت أن سيرة العقلاء يمكن أن تكون مبنى لأصالة البيان، وأن إشكال آية الله الوحيد قابل للرد. ولكن النقطة المهمة التي لم تحظَ بالكثير من الاهتمام هي: هل هذه السيرة نفسها تحميلية وتعبدية، أم أنها نابعة من مبنى أعمق وأدق؟
مبنى سيرة العقلاء
لا يبدو أن مثل هذه السيرة قد تشكلت بشكل تعبدي، بل لها سر وعامل مؤثر في هذا الاتجاه يجب اكتشافه.
هذا المطلب يشبه ما يقال في الحقيقة والمجاز؛ حيث يُحمل الأصل على الحقيقة، ولكن هذا الأصل ليس أمرًا تعبديًا، بل له جهة، وجهته هي أن المجاز يتطلب مؤونة أكبر، ولذا تشكل الأصل العقلائي على الحقيقة لأنها أسهل وأقل مؤونة.[9] في بحث الإطلاق أيضًا، عندما يقال إن سيرة العقلاء قد استقرت على أصالة البيان، يجب التساؤل عن علة ذلك، والبحث في جذوره، وألا يُعتبر مجرد أمر تعبدي.
في كلمات علماء الأصول، تم الاكتفاء بسيرة العقلاء كمستند لأصالة البيان، ولم تُبحث جذور هذه السيرة العقلائية، بينما إذا تم تحليل سيرة العقلاء كمستند لأصالة البيان، فيمكنها حل العديد من الإشكالات المطروحة في هذا البحث.
بتحليل سيرة العقلاء في إجراء أصالة البيان عند الشك في كون المتكلم في مقام البيان أم لا، يمكن إيجاد جذرين أصليين لهذه السيرة:
أ. مقتضى طبع المتكلم والكلام
أحد أسباب تشكل سيرة العقلاء على أصالة البيان هو المقتضى الأولي لطبع المتكلم وطبع الكلام. فالطريقة الطبيعية والمعتادة لكلام البشر هي أن يبينوا كل مقصودهم دفعة واحدة ولا يخفون شيئًا، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فهو خلاف طبيعة الكلام ويتطلب قرينة. لذلك، إذا لم يأتِ بقيد، فهذا يعني أنه لا يوجد قيد في مراده. ومن ثم، بما أن «كون المتكلم في مقام البيان» هو مقتضى الطبع الأولي للمتكلم والكلام، فقد تشكلت سيرة العقلاء على أساس ذلك، وقُبلت أصالة البيان كأصل عقلائي.
بناءً على ذلك، يبدو أن الطبع الأولي للمتكلم والكلام هو الجذر الأصلي لسيرة العقلاء. ولكن الكثير من الأعلام مروا على ذلك ببساطة. كما ذُكر، أشار آية الله الوحيد إلى مقتضى الطبع كأول مستند لأصالة البيان ولكنه لم يقبله، بينما إذا كان المقصود من الاستدلال بمقتضى الطبع هو مقتضى طبع الألفاظ المستعملة، فإن الإشكال الذي طرحه آية الله الوحيد – وهو أن الإطلاق والشمول ليسا جزءًا من الموضوع له للألفاظ، وبالتالي فإن استعمال الألفاظ المطلقة وإرادة غير الإطلاق ليس خلافًا لمقتضى طبع الألفاظ – وارد. ولكن إذا لم يكن المقصود من الاستدلال هو مقتضى طبع الألفاظ، بل مقتضى طبع المتكلم ومراده، فلا يمكن رد استدلاله فحسب، بل كما ذُكر، فإن مقتضى الطبع هذا هو الأساس الرئيسي لتشكل سيرة العقلاء. الطبيعة الأولية للمتكلم تقتضي أن يعبر عما في ضميره كاملاً بكلمات صحيحة وبدون نقص، وإذا قام متكلم أحيانًا ببيان مطلب بشكل كلي ولم يدخل في التفاصيل، فإنه يكون قد عمل خلافًا للطبع الأولي للمتكلم والكلام ويجب أن يأتي بقرينة. ولهذا السبب، فإن الأصل في الكلام هو بيان المراد كاملاً.[10]
ب. مقتضى الحياة الاجتماعية
النقطة الثانية التي يمكن اعتبارها مؤثرة في تشكيل سيرة العقلاء هي حاجة المجتمع البشري إلى حوار سلس وسهل. أي أن الناس في المجتمع بحاجة إلى التخاطب، وفي هذا التخاطب يجب أن يتكلموا بطريقة يفهمون بها مقاصد بعضهم البعض بسهولة. إذا تكلم المتكلم بطريقة لا نعلم في كل كلام هل قال كل مقصوده أم لا، فستنشأ مشاكل كثيرة في نظام الحياة الاجتماعية وستتعطل حياة البشر كلها. إذا كان نظام التخاطب ناقصًا ولم يُبيَّن كل المراد في مجلس واحد، فلن يستطيع أحد العمل بكلام المتكلم، وستنشأ حالة من الانتظار وعدم اليقين لا تتناسب مع الحياة الاجتماعية. ولهذا السبب، فإن مقتضى تنظيم وتسهيل الحياة الاجتماعية هو أن يقوم المتكلم قبل الكلام بتقييم جميع جوانب كلامه، وحين الكلام، إما أن يذكر جميع القيود، أو إذا كان كلامه مطلقًا، فيجوز للآخرين نسبة الإطلاق إليه.
الفرق بين هاتين الجهتين هو أنه في الأولى، يقتضي طبع المتكلم نفسه وطبيعة الكلام أن يبين صاحب الكلام تمام مراده. أما في الثانية، فإن ضرورة اجتماعية هي التي تجعل صاحب الكلام يتجنب الكلام الناقص ويبين كل مقصوده. النقطة الأولى لها جانب نفسي وفردي، والنقطة الثانية لها جانب اجتماعي.
النتيجة
المقدمة الأولى من مقدمات الحكمة هي «كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده»، وإحرازها ممكن بأصل عقلائي يسمى أصالة البيان. ولكن في مسألة جذر هذا الأصل، طُرحت عدة وجوه أهمها سيرة العقلاء. على الرغم من أن سيرة العقلاء مقبولة ولا داعي للتخلي عنها في كلام الشارع بسبب تدريجيته، لأن سيرة العقلاء وأصالة البيان تتعلقان بالإرادة الاستعمالية والتدريج يتعلق بالإرادة الجدية، إلا أنه يبدو أن هذه السيرة يمكن تحليلها وتفسيرها بناءً على أساس وجذر أعمق.
ما يمكن بيانه كأساس وجذر لسيرة العقلاء هو أمران: 1. مقتضى طبع المتكلم والكلام. 2. مقتضى طبع الحياة الاجتماعية وتسهيل المحاورات. بناءً على ذلك، إذا أخذنا سيرة العقلاء بنظر الاعتبار مع الأخذ بمبناها، فستكون مستندًا مناسبًا لأصالة البيان.
إذن، باختصار، يمكن القول: بما أن أصالة البيان تنبع من سيرة العقلاء، وسيرة العقلاء بدورها تنشأ من أمر طبيعي، فإن لها أهمية وإتقانًا كبيرين، ويمكن قبولها كأصل عقلائي لإحراز أولى مقدمات الحكمة.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
الآخوند الخراساني، محمد كاظم بن حسين، (1409هـ)، كفاية الأصول، قم، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت، الطبعة الأولى.
الآشتياني، محمد حسن بن جعفر، (1388هـ.ش)، بحر الفوائد في شرح الفرائد، قم، ذوي القربى، الطبعة الأولى.
ابن الشهيد الثاني، حسن بن زين الدين، (1376هـ.ش)، معالم الأصول، قم، قدس، الطبعة الثانية.
الأعرافي، علي رضا، (1395هـ.ش)، فقه التربية (المباني والافتراضات)، قم، مؤسسة عرفان وإشراق، الطبعة الثالثة.
الإمام الخميني، روح الله، (1415هـ)، مناهج الوصول إلى علم الأصول، قم، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى.
البروجردي، حسين، (1415هـ)، نهاية الأصول، طهران، تفكر، الطبعة الأولى.
الحسيني الميلاني، علي، (1428هـ)، تحقيق الأصول، قم، الحقائق، الطبعة الثانية.
الخوئي، أبو القاسم، (1417هـ)، المحاضرات، قم، دار الهدى للمطبوعات، الطبعة الثالثة.
الشيخ الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين، (1404هـ)، مطارح الأنظار، قم، مؤسسة آل البيت، الطبعة الأولى.
الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، (1417هـ)، العدة في أصول الفقه، قم، محمد تقي علاقبنديان، الطبعة الأولى.
الصدر، محمد باقر، (1417هـ)، بحوث في علم الأصول، قم، مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت، الطبعة الثالثة.
العراقي، ضياء الدين، (1417هـ)، نهاية الأفكار، قم، دفتر انتشارات إسلامي، الطبعة الثالثة.
المحقق الحلي، جعفر بن حسن، (1423هـ)، معارج الأصول، لندن، مؤسسة إمام علي، الطبعة الأولى.
النائيني، محمد حسين، (1376هـ.ش)، فوائد الأصول، قم، جامعة مدرسين، الطبعة الأولى.
الوحيد البهبهاني، محمد باقر بن محمد أكمل، (1415هـ)، الفوائد الحائرية، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى.
الهوامش
- «ما دلّ على شايع في جنسه.»
- نسب الحسيني الميلاني في تحقيق الأصول هذه الاحتمالات إلى آية الله الوحيد الخراساني (1428هـ: 4/ 400).
- «الأول: إنه مقتضى الطبع. لأن مقتضى الحال وطبع الطلب أن يكون المتكلم في مقام بيان مقصده باللفظ، نظير قول الفقهاء: بأن الأصل في المبيع هو السلامة من العيب، لكونه مقتضى الطبع الأولى.» (الحسيني الميلاني، 1428هـ: 4/ 400).
- «الثاني: أصالة التطابق بين مقام الثبوت ومقام الإثبات. فالإطلاق في مقام الثبوت أن يكون فرد المتكلم هو الطبيعة، ولما لم يأت في مقام الإثبات بقيد وكان الكلام ظاهرًا في الإطلاق حصل التطابق، ولو كان مهملاً في مقام الثبوت لما حصل.» (نفس المصدر).
- «الثالث: السيرة العقلائية. فقد جرت سيرة أهل المحاورات على التمسك بالإطلاقات فيما إذا لم يكن هناك ما يوجب صرف الكلام إلى جهة خاصة.» (الحسيني الميلاني، 1428هـ: 4/ 401).
- «وأشكل الأستاذ من ناحية أخرى، فاعترف بتمامية السيرة إلا أنها إنما تجري في كلام من دأبه بيان الخصوصيات في مجلس واحد، وليس دأب الشارع هكذا، فإن الخصوصيات الدخيلة في الأحكام الشرعية قد ذكرت على لسان أحد الأئمة بعد أن جاءت المطلقات في القرآن أو في كلام النبي… والحاصل: إن العقلاء إذا علموا بأن دأب المتكلم هكذا، لا يتمسكون بإطلاق كلامه بل سيرتهم في كلامه قائمة على التوقف.» (الحسيني الميلاني، 1428هـ: 4/ 401).
- معنى سير المتشرعة هو أنه بالإضافة إلى الفضاء العقلائي المتعارف، جاءت قيود خاصة، ولكنها ليست ضد العقل من حيث المبدأ.
- «فالتحقيق هو التفصيل بين كلام غير الشارع ممن دأبه إعطاء الخصوصيات في المجلس الواحد، فالسيرة العقلائية جارية على الأخذ بإطلاق كلامه، وبين كلام الشارع، ففي كلامه يكون المستند للإطلاق هو سيرة المتشرعة، فإن أصحاب الأئمة عليهم السلام وغيرهم لما كانوا يرجعون إليهم ويأخذون الحكم الشرعي منهم، ما كانوا ينتظرون شيئًا، بل كانوا يذهبون ويعملون بما أخذوه، بل كان بعضهم ربما لا يرى الإمام بعد تلك الجلسة… فهذه السيرة غير المردوعة من الأئمة هي المستند لأصالة البيان والأخذ بإطلاق الكلام بلا توقف.» (الحسيني الميلاني، 1428هـ: 4/ 401).
- أكد الشهيد الصدر أيضًا على أنه لا ينبغي اعتبار سيرة العقلاء في هذا الموضوع أمرًا تعبديًا وتحميليًا: «… لا يوجد في المقام أصل عقلائي تعبدي ما عدا أصالة الظهور…» (الصدر، 1417هـ: 3/ 417).
- يعتبر الشهيد الصدر الإطلاق مدلولًا التزاميًا للظهور الحالي السياقي لكلام المتكلم، وربما يمكن تشبيه مبنى الشهيد الصدر هذا بما تم بيانه أعلاه مع وجود بعض الفروقات (الصدر، 1417هـ: 3/ 417).