مسار تطور أصول الفقه العملية ودور الوحيد البهبهاني والشيخ الأنصاري فيه

الملخص

قد لا يجد المجتهد أحياناً دليلاً نقلياً يرتبط مباشرة بموضوع المسألة لبيان الحكم الشرعي، فيضطر إلى الاستناد إلى أصول تُعرف بالأصول العملية، والتي تنبع من العقل أو من بعض العمومات الموجودة في المصادر النقلية. لقد كان لوجود الأصول العملية دور كبير في حيوية الفقه، حيث يمكن بالاستناد إليها الإدلاء بالرأي في الموضوعات المستجدة التي لم يرد فيها نص في الشريعة، واستنباط حكمها من خلال الأصول المستمدة من العقل والعمومات النقلية. وفي هذا السياق، كان لبعض فقهاء الإسلام دور بارز في تطور وتقدم الأصول العملية. يتناول هذا المقال دراسة مسار تطور الأصول العملية منذ زمن الشيخ المفيد حتى العصر الحاضر، مع التركيز على دور فقيهين رائدين في إحداث هذا التطور، وبيان أفكارهما وتجديداتهما في هذا الباب.

المقدمة

إن أصول الفقه الإمامية تمثل تياراً متصلاً ينبع من الوحي الإلهي وسنة النبي (ص) وأقوال أهل البيت (ع)، ويستمر إلى يومنا هذا. وقد شهد هذا التيار المتصل في مسيرته التاريخية الطويلة تشعبات وتطورات وتقلبات، ولكنه لم يتوقف عن الحركة قط. كان أول انشعاب في أصول الفقه والفقه الجعفري قد أحدثه أصحاب الأئمة (ع)، حيث أرسى هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن قواعد تيار الاجتهاد العقلي، بينما أسس هشام بن سالم وأتباعه تيار الاجتهاد الحديثي. وقد برزت شخصيات مثل صفوان في صدر الإسلام، فعملت على التوفيق بين هاتين المجموعتين من الصحابة، وأطلقت تياراً معتدلاً. وفي القرنين الرابع والخامس الهجري، واصل كل من التيارات الثلاثة نشاطه في حوزة علمية مختلفة. فقد سيطر التيار الحديثي على حوزتي قم والري، بينما هيمن التيار العقلي على حوزة بغداد. أما التيار الثالث الذي ظهر في هذه الفترة، فكان يمثل الاجتهاد المعتدل الذي أرسى قواعده الشيخ المفيد وتلامذته. ومع ظهور هذا التيار القوي المدعوم بأسس منطقية متينة، خرج التيار العقلي المتطرف من ساحة الحوزات الفقهية الإمامية إلى الأبد، كما أخذ التيار الحديثي في الضعف. وبظهور المنهج الاجتهادي للشيخ الطوسي، تم استيعاب كلا المجموعتين، الحديثية والعقلية، في منظومته الاجتهادية العظيمة. وفي القرن السادس، هيمنت منظومة الشيخ الاجتهادية على الحوزات العلمية الشيعية إلى درجة أنها سيطرت على الأجواء الدينية في جميع أنحاء العالم الشيعي لمدة قرن كامل، وكان غالبية الفقهاء في ذلك القرن يتبعون مدرسة الشيخ. وقد تم كسر سد التقليد هذا على يد ثلاثة من الفقهاء البارزين في أواخر القرن السادس الهجري. فقد مهد قطب الدين الراوندي، والحمصي، وخاصة ابن إدريس الحلي، الطريق لحركة الاجتهاد بانتقاداتهم الواسعة للشيخ. وقد أدت هذه الانتقادات الشديدة إلى ردتي فعل مختلفتين في الأجواء الحاكمة على الحوزات: الأولى تمثلت في النفور من الاجتهاد المتعارف عليه والتوجه نحو الزهد والأخلاق كرد فعل على كسر جو التقليد.

أما رد الفعل الثاني، فقد تمثل في تأسيس اجتهاد قوي ومهيمن في حوزة الحلة، والتي احتضنت فقهاء مقتدرين أمثال المحقق الحلي والعلامة الحلي. ومع انضمام هذه الحوزة إلى حوزة جبل عامل القوية، نشأت حيوية فقهية فائقة في حوزات الفقه والأصول، وكانت الابتكارات التي ظهرت في هذه الفترة في مختلف المجالات، خاصة في أصول الفقه والفقه، لا تعد ولا تحصى. وقد أدى ظهور الفكر الأخباري وانتشاره مرة أخرى إلى إقامة سد منيع في وجه تيار الاجتهاد، وأخرجه من ساحة الحوزات الإمامية لمدة قرن تقريباً. وقد وجه انتشار الأفكار الأخبارية ضربات قاصمة لمنظومة الاجتهاد القوية التي اكتملت ونضجت على مدى قرون. وبعد قرن من هيمنة الأخباريين، تصدى الوحيد البهبهاني بأدلته المنطقية القوية لأفكارهم، ودحض شبهاتهم واحدة تلو الأخرى في أبواب الاجتهاد والتقليد، وأصول الفقه، والعقل، والإجماع وغيرها، بإجابات قوية ومحكمة، وصمم منظومته الاجتهادية بطريقة لا ترد عليها أي من شبهات الأخباريين. لذا، في فترة وجيزة، عادت الحوزات الدينية إلى سيطرة المجتهدين من جديد، وازدهر سوق الاجتهاد مرة أخرى. وقد قام الشيخ الأنصاري، بالاستفادة من منهج الوحيد البهبهاني، بإعادة بناء منظومة الاجتهاد وإكمالها، وبابتكاراته وتجديداته في الأصول، سيطر على الحوزات العلمية. فقد ابتكر الشيخ الأنصاري ترتيباً وتنظيماً جديداً لمسائل هذا العلم، وأعاد صياغة طريقة طرح مباحثه بشكل جدي. حتى زمن الشيخ، كان الاهتمام بتقديم وتأخير المباحث وفق معيار ومنهج موحد وقانوني قليلاً. لكن الشيخ الأنصاري، بناءً على أصل أسسه بنفسه، أوجد ترتيباً منطقياً ومنسجماً في مباحث الأصول، حظي باهتمام جميع الأصوليين، ومنذ ذلك الحين، تتابعت مباحث الأصول وفق ترتيبه المبتكر.

مسار تطور الأصول العملية

يعد الشيخ المفيد أول أصولي شيعي يقدم تأليفاً جامعاً في مختلف مباحث علم الأصول. فقد قسم أولاً أصول الأدلة ومستندات الأحكام الشرعية إلى ثلاثة مصادر هي: كتاب الله، وسنة النبي (ص)، وأقوال الأئمة (ع). ثم عرض طرق الوصول إليها في ثلاثة مسالك: 1. العقل، وهو طريق معرفة حجية القرآن. 2. الإلمام باللغة العربية، وهو طريق فهم معاني الكلام. 3. الأخبار، وهي طريق الوصول إلى أقوال الأئمة (الشيخ المفيد، التذكرة بأصول الفقه، 1413: 28). لم يذكر الشيخ المفيد من الأصول العملية سوى الاستصحاب، وأشار إلى حجيته دون أن يقدم له تعريفاً أو يوضح كونه أصلاً أو أمارة (نفس المصدر: 45). أما السيد المرتضى، فقد ذكر من الأصول العملية ثلاثة أصول هي: الاحتياط، والبراءة، والاستصحاب. أحد هذه الأصول الثلاثة هو الاحتياط، الذي يذكره أحياناً كدليل وأحياناً كمؤيد للحكم، بتعبيرات مثل «الأرجحية» و«الأولوية». وموارد جريان هذا الأصل تكون أحياناً في الشك في التكليف، مثلاً في قوله بكراهة التثويب في الأذان، يستند إلى الاحتياط (نفس المصدر: 139، م 36). وفي موارد أخرى يكون الشك في المكلف به، مثل البناء على الأكثر عند الشك في عدد ركعات الصلاة، حيث يتمسك بالاحتياط (علم الهدى، الانتصار، 1391: 156، م 54 و 332، 245، م 128 و 169، م 68). وحيث لم يرد نص قطعي من الشارع، ولم تكن ذمة المكلف مشغولة بحكم، يجري أصل البراءة (نفس المصدر: 120، م 20). «وقد يُعتبر هذا الدليل استصحاباً للشك في الواقع، لكن أصل البراءة أعم، خاصة أن دليل البراءة هو حكم العقل». ولا يرى السيد المرتضى حجية أصل الاستصحاب، ويعتقد أن العقل يقضي بنفي حجية الاستصحاب (آقا بزرك الطهراني، الذريعة، 1403: 1/ 356). ورغم أن ابن إدريس لم يقدم بحثاً مستقلاً حول الأصول العملية، إلا أنه استدل بها على نطاق واسع في السرائر. ففي كل مسألة لا يوجد فيها إجماع أو كتاب أو سنة، لم يتمسك بأخبار الآحاد، بل تمسك بالأصول العملية بدلاً عنها. على سبيل المثال، في مسألة من نذر أن يعتق أول عبد يملكه، فملك عدة عبيد دفعة واحدة، أفتى الشيخ الطوسي في النهاية بالقرعة بناءً على بعض أخبار الآحاد، لكن ابن إدريس انتقد هذه الفتوى قائلاً: «لا دليل على هذه المسألة من كتاب أو سنة أو إجماع، وأخبار الآحاد ليست بمعتبرة. وبناءً عليه، لا يبقى إلا دليل الأصل، أي بقاء الملكية وثبوتها» (نفس المصدر: 2/ 172، 278، 436، 607، 687 و 1/ 650). ويُلاحظ في أصول المحقق الحلي تحول خاص في هذا الباب. فإصراره على إضافة الاستصحاب كدليل مستقل عن الأدلة الأربعة الأخرى يجب أن يكون أكثر من مجرد ذوق في التصنيف. ويتضح من توضيحاته حول تقسيمه الخماسي أنه كان يرى للأصول العملية، بإلحاق أصل البراءة بالاستصحاب، ماهية ومكانة مختلفة عن الدلالات العقلية (المحقق الحلي، المعتبر، 1318: 1/ 32). وقد دافع المحقق الحلي في المعارج أولاً عن موقف الشيخ المفيد، ثم بعد انتهاء البحث وفي مقام الاستنتاج، جوّز استصحاب الحكم الشرعي في حال كان دليل الحكم المقتضي له مطلقاً، ورأى لزوم الحكم بالاستمرار (المحقق الحلي، معارج، 1403: 206 وما بعدها). وقد أشار صاحب المعالم إلى الفرق الدقيق بين استنتاجه والموقف الذي كان ينوي الدفاع عنه في البداية (ابن زين الدين، معالم الأصول، 1297: 234). وفي المعتبر، اعتبر المحقق استصحاب حكم الشرع غير معتبر بالمرة، كالسيد المرتضى، وحصر الاستصحاب المعتبر في استصحاب البراءة الأصلية (المحقق الحلي، المعتبر: 1/ 32؛ التوني، الوافية، 1415: 1778؛ الفيض، الأصول الأصلية، 1387: 85؛ الاسترآبادي، الفوائد، 1424: 156؛ الأصفهاني، هداية المسترشدين، 1310: 444؛ القمي، قوانين الأصول: 57). وقد قسم الاستصحاب إلى ثلاثة أقسام: أحدها استصحاب حال العقل، وهو التمسك بالبراءة الأصلية، ويعتبره معتبراً. والقسم الثاني هو أن يقال لا يوجد دليل على هذا الأمر، فيجب انتفاؤه، وهو لا يعتبره معتبراً. والقسم الثالث هو استصحاب حال الشرع، وهو أيضاً لا يعتبره حجة. وبناءً على ذلك، فإن الاستصحاب المعتبر عند المحقق في مقام العمل ليس سوى أصل البراءة. وقد فرّق بين نوعين من البراءة: البراءة الأصلية كالشك في وجوب صلاة الوتر، حيث أقام الأصل على براءة الذمة، والثاني هو ما «يقال لا دليل على هذا الأمر، فيجب انتفاؤه». وفي توضيحه الموجز، يذكر أن هذا الاستنتاج لا يصح إلا إذا علمنا أنه لو كان هناك دليل لوصل إلينا، أما إذا لم يكن الأمر كذلك، فيجب التوقف. وألحق القول بالإباحة استناداً إلى عدم وجود دليل على الوجوب أو الحرمة بهذا القسم من البراءة. وقد فصّل الميرزا القمي ما قصده المحقق بالتفصيل بين اعتبار أصل البراءة في «ما تعم به البلوى» وغيره، وذكر أن المحقق يعتبر البراءة في الأول معتبرة وفي الثاني غير معتبرة (القمي، نفس المصدر، 2/ 15؛ الأنصاري، فرائد الأصول، 1374: 93/2). وهذا الفهم من عبارة المحقق، بالنظر إلى علمه بفكر المحقق ولغته، له وجاهته، فتعبير «ما تعم به البلوى» هو تعبير استخدمه المحقق مراراً في مباحث المعتبر (الحلي، المعتبر: 1/ 128، 418 و 2/ 224). ويتأكد هذا الفهم عندما نعلم أن المحقق، سواء في المعتبر أو في الرسالة العزية، قد تمسك مراراً بأصل البراءة، سواء في الشبهات الوجوبية أو التحريمية، في الموارد التي وصفها هو بـ«ما تعم به البلوى» (نفس المصدر: 1/ 418 و 224/2؛ هو نفسه، الرسالة العزية: 178؛ هو نفسه، المختلف، 1324: 1/ 464). إضافة إلى ذلك، فإن توجه المحقق الدائم لتجنب الموارد النادرة ومعرفة توقفه في مثل هذه الموارد، يرجح فهم القمي. وفي فهم المولى محمد تقي، صاحب هداية المسترشدين، من كلام المحقق، اقترب من التفريق بين نوعي البراءة، أي البراءة في الشبهة الوجوبية والبراءة في الشبهة التحريمية (الأصفهاني، نفس المصدر: 444)، وهي كما نعلم من أهم المسائل الخلافية بين الأصوليين والأخباريين في القرون اللاحقة (الاسترآبادي، نفس المصدر: 106). وقد فهم الأصوليون المتأخرون من جهة، بالنظر إلى سياق الحوار في عصرهم، هذا المعنى من عبارة المحقق، ومن جهة أخرى، استغربوا من موقفه الأخباري كأصولي متقدم. وقد اعتبر المولى محمد تقي موقف المحقق الحلي في إجراء البراءة قريباً من موقف الأخبارية (الأصفهاني، نفس المصدر: 444). لكن الشيخ الأنصاري انتقد هذا الفهم لكلام المحقق (الحائري الأصفهاني، الفصول الغروية، 1404: 352؛ الأنصاري، نفس المصدر، 53/2). أما بخصوص الاستصحاب بمعناه المصطلح، فإن الفاضل التوني الذي كان يعتبر المحقق الحلي من منكريه، نسب إليه استخداماً للاستصحاب مأخوذاً من الشرائع (التوني، نفس المصدر: 209). وقد سعى الشيخ الأنصاري إلى تأويل أدق لرأي المحقق، واعتبر فهم صاحب المعالم والفاضل الجواد اللذين أدرجا المحقق ضمن منكري الاستصحاب، سوء فهم لكلامه (الأنصاري، نفس المصدر: 41/3). وفي كتابات تلميذه الآبي، تم تقديم الاحتياط كأصل في فقه المحقق، رغم عدم وجود كلام واضح حوله في عبارات المحقق نفسه. فعبارات المحقق في مقدمة المعتبر، حول عدم إجراء أصل البراءة في طيف من الموارد، تعد نوعاً من الاحتياط. وبنقل عن الآبي، فإن أصل الاحتياط بحد ذاته ليس دالاً على الوجوب عند المحقق، بل يُرد إلى الندب (الآبي، كشف الرموز، 1223: 233/1). ولعل مثال ذلك تجويز صلاة النافلة إلى غير القبلة، حيث اعتبر استقبال القبلة من باب الاحتياط أفضل، وتركها مكروهاً مؤكداً (المحقق الحلي، شرائع الإسلام، 1377: 1/ 67). كما أن أصل الاحتياط في فقه المحقق، في مقام الترجيح، كان مبنى للعمل (الآبي، نفس المصدر: 1/ 276). وقد طرح الشهيد الأول أيضاً، كغيره من الفقهاء، الأصول العملية ضمن مبحث العقل. وهو يعتقد أن دليل العقل قسمان: قسم لا يتوقف على خطاب شرعي، أي من المستقلات العقلية. ويعدد لهذا القسم خمسة موارد: ما يُستفاد من قضية العقل، كوجوب أداء الدين، وحرمة الظلم، واستحباب الإحسان. في مثل هذه الموارد، إذا ورد دليل نقلي، يكون له جانب تأكيدي وإرشادي. وعندما لا يكون هناك دليل، يُتمسك بأصل البراءة. يُستفاد من كلام الشهيد أنه يرى أصل البراءة في طول سائر الأدلة، خلافاً لبعض الأصوليين المتقدمين مثل السيد المرتضى وابن إدريس، اللذين كانا يستخدمانه في عرض سائر الأدلة أيضاً. ويتمسك الشهيد لأصل البراءة بدليل نقلي أيضاً. وهذه من النقاط الجديدة التي لم يكن لها سابقة. فمن وجهة نظره، حديث «كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه» يدل على البراءة. وما يقال في مقام الاستدلال: «لا دليل على المطلب الفلاني، فهو منتفٍ»، يرجع إلى أصل البراءة. والأخذ بالأقل عند عدم وجود دليل على الأكثر، يرجع إلى أصل البراءة. وأصالة بقاء ما كان، التي يُعبر عنها باستصحاب حال الشرع واستصحاب حال الإجماع، اختلف الأصوليون في حجيتها (الشهيد الأول، ذكرى الشيعة، 1419: 1/ 46 – 47). وقد بُينت أقسام الاستصحاب لأول مرة بالتفصيل في كلام المحقق، لكن الشهيد وسّعها وأضاف إليها أقساماً أخرى. من هنا، تكتسب أقسام الاستصحاب أهمية عند الشهيد. علاوة على ذلك، أدرج الشهيد الاستصحاب ضمن القواعد الخمس التي ترجع إليها جميع الأحكام الشرعية. ويقول في هذا الصدد: القاعدة الثالثة، قاعدة اليقين، وهي البناء على الأصل، أي استصحاب ما مضى، وهي أربعة أقسام: استصحاب النفي في الحكم الشرعي حتى يرد دليل عليه، ويُعبر عنه بالبراءة الأصلية. استصحاب حكم العموم، حتى يرد مخصص، واستصحاب حكم النص، حتى يظهر ناسخ. وهذا المورد لا يتم إلا إذا تم البحث عن المخصص والناسخ بشكل مستوفى. استصحاب حكم ثابت شرعاً. استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، كما نقول: ما يخرج من غير المجرى الطبيعي للإنسان لا ينقض الوضوء، لأنه قبل خروجه كان الإجماع قائماً على طهارته، وهذا الحكم الإجماعي يُستصحب، لأن الأصل في الشيء المحقق هو الدوام، ما لم يثبت له معارض، والأصل عدم المعارض (الشهيد الأول، القواعد والفوائد: 32 – 133). إن مثل هذا التحليل لدليل العقل والتصنيف الشامل الذي يدرج العديد من المباحث الأصولية تحت عنوان دليل العقل، لم يكن له سابقة حتى زمن الشهيد الأول، ويُعد من ابتكاراته.

دور الوحيد البهبهاني في تطور الأصول العملية

من أهم التطورات في الأصول العملية هو فصل الأمارات عن الأصول العملية. وتعود الجذور الأولى لفكرة فصل الأمارات عن الأصول العملية إلى الوحيد البهبهاني. فقبل الوحيد، لم يكن الفقهاء يفرقون بين هذين النوعين من الأدلة. ويذكر الشيخ الأنصاري في بداية المقصد الثالث من فرائد الأصول: «إن فصل الأمارات عن الأصول، وتسمية الأمارات بالأدلة الاجتهادية، والأصول بالأدلة الفقاهتية، هو من الوحيد البهبهاني». ومن الابتكارات الأخرى للوحيد البهبهاني التي كان لها تأثير فائق في تطور الأصول العملية، هو تحليل وتقسيم الشك. فمباحث الشك تشكل قسماً كبيراً (إن لم نقل الجزء الأكبر) من علم الأصول الجديد، لأن جميع المباحث المتعلقة بالأصول العملية تندرج تحت مبحث الشك، ونحن نعلم أن مباحث الأصول العملية هي من أوسع وأهم مباحث علم الأصول. وفي دراسات المتقدمين حول علم الأصول، لم يُخصص للشك حتى عنوان خاص أو باب معين، فكيف بأن يكون عنوان الشك قسماً كبيراً من هذا العلم، كما هو الحال في كتاب فرائد الأصول للشيخ الأنصاري أو كتب الأصول التي تلته. لا شك أن الشيخ الأنصاري هو الرائد الأول في التنظيم المنهجي الذي تم لمباحث الشك في علم الأصول، كما أنه رائد التنظيم الجديد والمنهجي لجميع المباحث العقلية في علم الأصول، سواء القطع أو الظن أو الشك. لكن الوحيد البهبهاني هو مؤسس تصنيف جديد للشك وتقسيمه إلى الشك في التكليف والشك في المكلف به. وقد كان هذا العمل فاتحة لفتوحات عديدة في هذا العلم، ولا شك أن علم الأصول الجديد مدين لهذا التحليل والتقسيم الذي قام به الوحيد في مبحث الشك. إن الاستنباط العقلي لوظيفة الشخص في حالتي الشك في التكليف والشك في المكلف به، هو من ابتكارات الوحيد التي لا نجد لها أثراً بشكل واضح ومنهجي ومنظم في آثار المحققين الأصوليين قبله. قسم الوحيد البهبهاني الشك إلى قسمين: الشك في التكليف، والشك في المكلف به، واستنبط الوظيفة العملية للمكلف في الحالتين المذكورتين على النحو التالي: حيثما كان الشك في التكليف، يُحكم بالبراءة العقلية، بدليل القاعدة العقلية: «قبح العقاب بلا بيان»، وحيثما كان الشك في المكلف به، يُحكم بالاحتياط واشتغال الذمة، بدليل القاعدة العقلية: «اشتغال الذمة اليقيني، يستدعي البراءة اليقينية».

دور الشيخ الأنصاري في تطور الأصول العملية

صمم الشيخ في تقسيم الأصول نموذجاً جديداً، حيث صاغ القسم الثاني من علم الأصول في قالب ثلاثة عناصر: القطع، والظن، والشك (الأنصاري، نفس المصدر: 21)، وطرحه بالتفصيل التالي: أ. القطع: يشمل هذا العنوان جميع الدراسات التي تُطرح حول «القطع» أو «العلم» في علم الأصول. وأهم العناوين التي تُبحث في هذا القسم هي: حجية القطع، أنواع القطع وخواصه، طرق حصول القطع واعتبار كل منها، التجري (وهو مخالفة القطع للواقع) وأقسامه، الفرق بين العلم التفصيلي والعلم الإجمالي من حيث الاعتبار، كيفية اعتبار العلم الإجمالي ودراسة موارده. ب. الظن: يختص هذا العنوان بدراسة المسائل التي يتم من خلالها تمييز الظنون المعتبرة في الشريعة عن الظنون غير المعتبرة. ومسائل هذا القسم هي: اعتبار وحجية الظن من وجهة نظر العقل والشرع، الظنون المعتبرة، ما يُتوصل به إلى مراد الشارع من ألفاظ القرآن والحديث، ظواهر القرآن والحديث، الإجماع المنقول، الشهرة الفتوائية، خبر الواحد. ج. الشك: في هذا القسم الذي يُسمى بالأصول العملية، يُبحث في الأصول والقواعد التي يُستنبط بها الوظيفة الظاهرية للشريعة عند عدم التمكن من الوصول إلى الحكم الواقعي. وقد خُصص أكثر من نصف كتاب فرائد الأصول لبيان وشرح هذه الأصول التي يُطلق عليها اسم الأصول العملية. يكتب الشيخ الأنصاري بخصوص مسائل هذا القسم: «الهدف من البحث في هذه الرسالة هو بيان الأصول والقواعد التي توضح الأحكام الفقهية في الموارد المشتبهة والمشكوكة، وإن كانت هذه الأصول تفيد أيضاً حكم موضوع الشك. وهذه الأصول منحصرة في أربعة: البراءة، الاحتياط، التخيير، والاستصحاب. وهذه الأصول تجري في الأحكام المشكوكة وتُعلِم الحكم الكلي الشرعي، مثل جريان أصل الاحتياط أو التخيير في حكم صلاة الجمعة وصلاة الظهر في زمن الغيبة، كما تجري في الموضوعات المشكوكة ذات الحكم الشرعي وتُعلِم الموضوع، مثل جريان أصل الاستصحاب في وضوء شخص شك في وضوئه» (نفس المصدر: 310). وفي توجيه حصر الأصول في أربعة، يكتب النائيني: «الأصول التي تُستخدم عند الشك في حكم الشريعة كثيرة، لكن الأصول التي تُستخدم في مقام الاستنباط في جميع أبواب الفقه، بناءً على الاستقراء والتتبع في موارد الفقه، منحصرة في أربعة أصول» (الخوئي، أجود التقريرات، 6141: 1/1-1). وقد نجح الشيخ الأنصاري في إظهار حيوية وقانونية هذه الأصول الأربعة وتطبيقها الشامل والواسع بشكل أكبر. ففي كتابات المباحث الأصولية قبل الشيخ، لم نجد أبداً هذه الأصول الأربعة جنباً إلى جنب وفي مسار هدف واحد، وهو استنباط الحكم عند الشك.

تجديدات الشيخ في الأصول العملية

لقد وجدت «الأصول العملية» في منظومة الشيخ الاجتهادية مكانتها الحقيقية، وباعتبارها أداة فعالة، رفعت من كفاءة الأصول في منظومة الاجتهاد. فقد ميّز الأصول الأربعة: الاستصحاب، البراءة، الاحتياط، والتخيير، من بين سائر الأصول التي كانت محل بحث ونقاش الأصوليين، وخصص القسم الثالث من الأصول لبيان هذه الأصول الأربعة فقط. كان الفقهاء على مر التاريخ يذكرون الأصول العملية في سياق الأدلة العقلية. فالميرزا أبو القاسم القمي (ت 1232هـ)، مؤلف كتاب قوانين الأصول، يعد أصل البراءة والاستصحاب ضمن الأدلة العقلية، وفي سياق بحثه عن هذه الأدلة، يتناول هذين الأصلين: «من جملة الأدلة العقلية أصالة البراءة… من جملة الأدلة العقلية استصحاب الحال…». والمولى أحمد النراقي (ت 1244هـ)، مؤلف كتاب مناهج الأصول، يورد أصل البراءة والاستصحاب في مبحث (الأدلة العقلية) إلى جانبهما: «من الأدلة العقلية ما يسمونه بأصالة البراءة… من الأدلة العقلية الاستصحاب…». ومحمد حسين الأصفهاني، المشهور بصاحب الفصول (ت 1260هـ)، مؤلف كتاب الفصول، يورد أصل البراءة والاستصحاب في سياق سائر الأدلة العقلية ويبحث فيهما: «باب الأدلة العقلية… ومما دل عليه العقل والنقل أصل البراءة… من الأدلة العقلية الاستصحاب…». كما نلاحظ، فإن هؤلاء كانوا يذكرون هذه الأصول باستمرار تحت عنوان الأدلة العقلية وضمن بحث سائر الأدلة العقلية، مثل التلازم بين حكمين، والمفاهيم، والقياس وغيرها (التوني، نفس المصدر: 1/ 169). من هنا، قبل الشيخ الأنصاري، لا نجد عالماً أصولياً قد خصص مكانة خاصة ومبحثاً مستقلاً لهذه الأصول. لكن الشيخ الأنصاري وضع أصلي الاحتياط والتخيير إلى جانب الاستصحاب والبراءة، وفتح قسماً مستقلاً لطرح هذه الأصول الأربعة. ونستعرض بعضاً من تجديدات الشيخ في الأصول العملية: أولاً) التمييز بين كون الاستصحاب أمارة وكونه أصلاً: حسب رأي الشيخ، «إذا اعتبرنا الاستصحاب مستفاداً من الأحاديث، فإنه سيُعد حكماً ظاهرياً كغيره من الأصول، يثبت عند الشك في حكم شيء ما. ولكن إذا اعتبرناه نابعاً من حكم العقل، فسيكون دليلاً اجتهادياً» (الأنصاري، نفس المصدر: 2/ 543). يعتبر الشيخ الأنصاري الاستصحاب «أصلاً عملياً» ومستفاداً من الروايات. ولهذا، يطرح الأحاديث المستفيضة (الخبر المستفيض هو الذي يزيد رواته في كل طبقة عن ثلاثة ولكن لا يصل إلى حد التواتر) لإثبات الاستصحاب (نفس المصدر: 563). ثانياً) التفصيل بين الشك في الرافع والمقتضي: يفرق الشيخ في جريان الاستصحاب بين ما إذا كان للمستصحب اقتضاء البقاء والاستمرار أو لم يكن له مثل هذا الاقتضاء. فهو يجري الاستصحاب فقط في الحالة الأولى، أي حيث يكون للمستصحب قابلية واقتضاء البقاء بشكل قطعي، والشك يكون في الرافع، مثل الوضوء، لأن الوضوء ما لم يطرأ عليه رافع وناقض كالنوم ونحوه، فإنه يبقى قابلاً للطهارة دائماً. ويثبت الشيخ مدعاه بقوله: «لقد تتبعنا جميع الموارد التي يكون الشك فيها في بقاء الحكم السابق ناشئاً عن وجود رافع، من أول الفقه إلى آخره، فلم نجد مورداً كهذا، إلا أن يكون الشارع قد حكم ببقائه… والإنصاف يقتضي أن مثل هذا الاستقراء يورث القطع» (نفس المصدر: 563). ثالثاً) تنبيهات الاستصحاب: طرح الشيخ الأنصاري المسائل التي تستحق الطرح حول «أصل الاستصحاب» وتساعد على توضيح جوانبه، تحت عنوان «تنبيهات». وقد حظيت هذه المسائل الاثنتي عشرة باهتمام الأصوليين ونالت مكانة رفيعة. وكان سبب ذلك أمرين: معظم هذه المسائل لها تطبيق عملي في الفقه، وقد استُخدمت فيها دقائق وظرافات أصولية. ومن هنا، اشتهرت هذه المسائل بعده باسم «تنبيهات الاستصحاب» بين الأصوليين (نفس المصدر: 279).

النتيجة

النتائج التي يمكن استخلاصها من هذا البحث هي: 1. لم تكن الأصول العملية في الفترة التي سبقت ظهور الأخباريين تتمتع بالوضوح، وفي كثير من الموارد كانت متأثرة بأصول أهل السنة، ولم يكن هناك فرق يُذكر بين الأمارات والأصول العملية. 2. الإبهامات الموجودة في الأصول العملية أدت إلى تشكل التيار الأخباري في الحوزات الشيعية، والذي هاجم أصول الفقه، وخاصة الأصول العملية، وبالإشكالات المتعددة التي أوردها على الأصول، تمكن من السيطرة على الحوزات العلمية لمدة قرن. 3. أحدث الوحيد البهبهاني تحولاً في الأصول العملية بفصله الأمارات عنها وتحليله وتقسيمه الصحيح للشك، وقام الشيخ الأنصاري بتنظيم جديد ومنهجي، وإيجاد تمييزات بين الأمارة والأصل، وحصر الأصول العملية في أربعة أصول، وتوثيقها بالروايات، فأجاب على جميع إشكالات الأخباريين وأرسى منظومة اجتهادية قوية في الفقه الشيعي.

المصادر والمراجع

آقا بزرك الطهراني، محمد محسن، الذريعة، بيروت، دار الأضواء، ١٤٠٣هـ.

الاسترآبادي، محمد أمين بن محمد شريف، الفوائد المدنية، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤٢٤هـ.

الأصفهاني، محمد تقي، هداية المسترشدين، طهران، كتابفروشي علي أكبر بن حسين خوانساري، ١٣١٠هـ.

الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، مصطفوي، ١٣٧٤هـ.ش.

باسط، علي بن محمد، كشف الرموز، لكناو، هندوستان، ١٢٢٣هـ.

الحائري الأصفهاني، محمد حسين بن عبد الرحيم، صاحب فصول، الفصول الغروية، قم، دار إحياء العلوم الإسلامية، ١٤٠٤هـ.

حسن بن زين الدين، صاحب معالم، معالم الأصول، طهران، حاج إبراهيم، ١٢٩٧هـ.

الخراساني، فاضل توني، عبد الله بن محمد، الاجتهاد والتقليد (الوافية في الأصول)، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٥هـ.

الخوئي، سيد أبو القاسم، أجود التقريرات، تقرير درس النائيني، قم، مؤسسة صاحب الأمر، ١٤١٩هـ.

الشهيد الأول، محمد بن جمال الدين مكي العاملي، ذكرى الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت، ١٤١٩هـ.

ــــــ، القواعد والفوائد، قم، مكتبة الداوري.

الشيخ المفيد، التذكرة بأصول الفقه، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ١٤١٣هـ.

العلامة الحلي، حسن بن يوسف، المختلف، طهران، ١٣٢٤هـ.ش.

علم الهدى، السيد المرتضى، الانتصار، النجف الأشرف، مطبعة الحيدرية، ١٣٩١هـ.

فيض الكاشاني، الأصول الأصلية، طهران، مدرسة عالي شهيد مطهري، معاونت پژوهشی، ١٣٨٧هـ.ش.

القمي، أبو القاسم بن محمد حسن، قوانين الأصول، طهران، المكتبة العلمية.

المحقق الحلي، نجم الدين جعفر بن حسن، المسائل العزية، نسخة خطية.

المحقق الحلي، جعفر بن حسن، شرائع الإسلام، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية، ١٣٧٧هـ.ق.

المحقق الحلي، جعفر بن حسن، المعارج، قم، مؤسسة آل البيت، ١٤٠٣هـ.

المحقق الحلي، جعفر بن حسن، المعتبر، طهران، ١٣١٨هـ.

الهوامش

1. تاريخ الوصول: ١٣٩٣/٢/١٧هـ.ش؛ تاريخ الموافقة: ١٣٩٣/٤/٢٠هـ.ش.
2. أستاذ مشارك بجامعة المصطفى العالمية (Dikborji@Gmail.com).

Scroll to Top