توظيف شؤون المعصوم في علم الأصول[1]

ملخص

يُظهر استقراء القرآن الكريم والروايات المعتبرة أن للنبي (ص) والإمام (ع)، إلى جانب شأنهم الأصلي في إبلاغ الرسالة الإلهية، شؤوناً أخرى كالشأن العادي، والولائي، والقضائي. وقد ذكر علماء الكلام والفقه والأصول شؤوناً متنوعة للمعصوم. إن الالتفات إلى هذه الشؤون وتوظيفها بشكل صحيح في مختلف فروع العلوم الإسلامية من شأنه أن يثمر نتائج مهمة في هذه العلوم. يسعى هذا المقال إلى أن يوضح باختصار الشؤون المؤثرة في علم الأصول، ويبحث أهم النتائج المترتبة على الالتفات إلى هذه الشؤون وتوظيفها في علم الأصول. وهذه النتائج عبارة عن: تمييز الروايات القابلة للاستناد في علم الأصول عن الروايات غير القابلة للاستناد، وحل تعارض الروايات المثبتة لبعض المسائل الأصولية، وتعيين الوظيفة عند الشك في الروايات القابلة للاستناد في الأصول، وتعريف السنة.

الكلمات المفتاحية: شؤون المعصوم، علم الأصول، الروايات القابلة للاستناد، حل تعارض الروايات، نطاق السنة.

مقدمة

إن شؤون النبي (ص) والإمام (ع) – كصفاتهم – هي من المباحث الكلامية (الطوسي، 1382: 1/ 184). ويمكن الاستفادة من هذه الشؤون في علم الفقه كما يمكن الاستفادة منها في علم الأصول. نحن في هذا المقال بصدد دراسة أوجه الاستفادة الممكنة من شؤون المعصوم في علم الأصول. وعليه، فإن السؤال الرئيس في هذا المقال هو: ما هي أوجه الاستفادة من شؤون المعصوم (ع) في علم الأصول؟

لدراسة هذا السؤال، لا بد لنا من جهة أن نقدم توضيحاً حول علم الأصول، ومن جهة أخرى، أن نوضح أنواع شؤون المعصوم (ع)، ونذكر نماذج من الروايات التي صدرت – ولو على نحو الاحتمال – عن شؤون غير شأن الإبلاغ للمعصوم، ونبين النتائج الأصولية التي يمكن الاستفادة منها من مختلف شؤون المعصوم.

أ) تعريف علم الأصول

عُرّف علم الأصول بتعاريف مختلفة، وقد أُوردت عليها نقوض وإبرامات (للاطلاع على نماذج، راجع: الشيخ البهائي، 1381: 41؛ والأصفهاني، 1409: 20). مرادنا من علم الأصول هو تلك القواعد والضوابط الكلية التي تُستخدم لاستنباط الحكم الشرعي الفرعي – أعم من الحكم الواقعي والظاهري – ويكون استخدامها من قبيل التوسيط، لا من قبيل التطبيق (كما هو الحال في القواعد الفقهية، حيث يكون من قبيل التطبيق). وقد ذكر هذا التعريف كثير من علماء الأصول المعاصرين (الموسوي البجنوردي، 1379: 1/ 14-15؛ والفياض، 1419: 1/ 7)، وهو سالم من كثير من الإشكالات.

وجدير بالذكر أن القواعد الأصولية يمكن تقسيمها إلى عدة أقسام: أ) القواعد التي تُستخدم لإثبات صدور النص الديني، كنظرية حجية خبر الواحد؛ ب) القواعد التي تُستخدم في تفسير النص الديني (الكتاب والسنة)؛ ج) القواعد التي تُستخدم في استخراج الحكم الشرعي الفرعي، ولكنها ليست من القسمين السابقين؛ كنظرية قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. وبالطبع، توجد تقسيمات أخرى للقواعد الأصولية (للاطلاع على نماذج، راجع: الفياض، 1419: 1/ 10-11).

ب) أنواع شؤون المعصوم

من الأسئلة التمهيدية هو: ما هي الشؤون التي للمعصوم؟ على الرغم من أن هذا البحث ذو طبيعة كلامية، إلا أنه من المؤسف القول بأن دراسة معتبرة حوله في علم الكلام لم تتم، ولم تُستقصَ أنواع شؤون المعصوم. من هذا المنطلق، سنقدم في البداية توضيحاً حول كل من الشؤون المؤثرة في علم الأصول، ثم نذكر رواية يُحتمل أنها صدرت عن شأن خاص.

1- شأن الإبلاغ

المراد من شأن الإبلاغ هو الشأن الذي يتلقى فيه النبي (ص) رسالة الله بشكل معصوم، مباشرة أو بواسطة ملك الوحي، من عند الله تعالى، ويوصلها إلى الناس بشكل معصوم. وكذلك الإمام (ع)، يتلقى رسالة الله بشكل معصوم من النبي (ص) أو الإمام الذي سبقه، ويوصلها إلى الناس بشكل معصوم. لهذا الشأن أدلة راسخة من الآيات والروايات المعتبرة والأدلة العقلية التي بُحثت في محلها المناسب، ولا نرى ضرورة لبحثها في هذا المقال. هذا الشأن هو الشأن الأساسي والأهم للنبي (ص) والإمام (ع).

بعض الروايات الواردة في مجال المسائل الأصولية صدرت عن هذا الشأن. وعليه، فهي أمر دائم ومعتبر ويجب الاعتماد عليها في الاستنباط؛ كروايات تجيز نقل الحديث بـ«النقل بالمعنى» (الحر العاملي، 1376: 1/ 522) أو الروايات التي توجب رد الأحاديث المتشابهة إلى الأحاديث المحكمة (نفس المصدر: 573).

إذا ثبت أن رواية معتبرة قد صدرت عن شأن الإبلاغ للمعصوم، فهي معتبرة وقابلة للاستناد في إثبات المسائل الأصولية.

2- شأن التفسير والتبيين

من شؤون النبي (ص) والإمام (ع) الأخرى شأن التفسير والتبيين. والمراد بهذا الشأن توضيح معنى العبارات الواردة في القرآن الكريم أو سنة النبي (ص)؛ مثلاً، ورد في القرآن: «أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» (الأعراف / 169). وقد تصدى الإمام (ع) في بعض الروايات لتفسير وتبيين هذه الآية؛ فلتلاحظ الرواية التالية:

عُرض على أبي عبد الله (ع) بعض خطب أبيه حتى بلغ موضعاً منها قال: له كف واسكت ثم قال أبو عبد الله: لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه والتثبت والرد إلى أئمة الهدى حتى يحملوكم فيه على القصد ويجلوا فيه العمى (البروجردي، 1399: 1/ 329).

في هذه الرواية، تم توضيح أن نسبة شيء لا نعلمه إلى الله يجب أن تكون بعد التحقيق والبحث، بإرجاعه إلى خبراء الدين المعصومين (أئمة أهل البيت عليهم السلام). وهناك روايات أخرى وردت عن شأن تفسير المعصومين حول مسائل أصولية، ونكتفي بذكر هذا النموذج.

إذا ثبت أن رواية معتبرة صدرت عن شأن تفسير المعصوم (ع)، فإنها حجة وقابلة للاستناد في إثبات المسائل الأصولية، شأنها شأن الروايات الصادرة عن شأن الإبلاغ.

3- شأن التفريع

من شؤون النبي (ص) والإمام (ع) الأخرى «شأن التفريع». والمراد بهذا الشأن بيان المفاهيم الفرعية لمفهوم كلي وعالٍ ورد في الكتاب والسنة؛ مثلاً، نُهي في القرآن الكريم عن «أكل المال بالباطل» (النساء / 29). و«أكل المال بالباطل» مفهوم واسع جداً يشمل كسب الدخل من طرق مختلفة كالربا، والقمار، والرشوة، والغصب، وغيرها؛ بل قد تنشأ له على مر الزمان واتساع الأرض طرق جديدة لم تكن موجودة في زمان ومكان نزول الآيات أو صدور الروايات؛ كنظير كسب الدخل عن طريق الشركات الهرمية (في حال اعتبرناها مصداقاً لأكل المال بالباطل).

وحيث إن من وظائف النبي (ص) والإمام (ع) إرشاد الناس ببيان فروع وتفريعات المفاهيم العالية الواردة في الكتاب والسنة، فقد بيّن النبي (ص) أو الإمام (ع) بعض التفريعات التي كانت مورد ابتلاء الناس في زمانهم؛ ولكن هذه البيانات لم تصدر عن شأن الإبلاغ أو التفسير، أولاً لكي لا يُستفاد منها انحصار المفهوم الكلي والعالي لـ«أكل المال بالباطل» في الفروع والتفريعات المذكورة في الروايات، بل يبقى مثل هذا المفهوم الكلي والعالي على عموميته الزماني والمكاني ويكون قابلاً للاستفادة والاستناد في فروع كثيرة. بناءً على هذا التحليل، فإن الفروع المذكورة في بعض الروايات؛ كالرشوة (الطبرسي، 1354: 4/ 37)، والقمار (الحويزي، بلا تا: 1/ 175)، والاقتراض دون قدرة على السداد (نفس المصدر، 176)، والربا (الطباطبائي، 1393: 4/ 321)، هي بعض تفريعات المفهوم العالي «أكل المال بالباطل»، ولا ينحصر به بأي حال من الأحوال. ثانياً، لو خرجت بعض المفاهيم المذكورة في الروايات، نتيجة للتطورات الزمانية والمكانية، عن عنوان النهي الشرعي، فلا يجوز الجمود عليها والقول بأنها لا تزال متعلق النهي؛ مثلاً، التصرف في المال المكتسب من بيع حيوانات مثل الفأر والأرنب كان مصداقاً لأكل المال بالباطل لعدم وجود منفعة محللة عقلائية؛ أما اليوم، فلوجود منفعة محللة عقلائية كاستخدامه في التجارب المخبرية، فإن التصرف في مثل هذا المال ليس أكلاً للمال بالباطل، وبالتالي ليس متعلقاً للنهي الشرعي.

ومن النماذج الأصولية للروايات التي يُحتمل صدورها عن شأن التفريع للمعصوم (ع)، روايات ذكر المرجحات عند تعارض الروايتين. ففي بعض الروايات المعتبرة، ذُكرت الموافقة للكتاب ومخالفة روايات أهل السنة كمرجح فقط (الحر العاملي، 1416: 27/ 118، الحديث 29). وفي بعض الروايات، ذُكرت الموافقة للكتاب كمرجح فقط (نفس المصدر: 110، الحديث 10؛ و114، الحديث 21). وفي بعضها، ذُكرت مخالفة أهل السنة فقط (نفس المصدر: 122، الحديث 42). وفي بعض الروايات، قيل بالتمسك بالرواية التي أجمع عليها شيعتنا (نفس المصدر: 106، الحديث 1؛ و122، الحديث 43). وفي بعضها، قيل بعدم الإشكال في التمسك بأي من طائفتي الروايات المتعارضة (نفس المصدر: 121، الحديث 40). وهذا ما أوقع العلماء في مشكلة.

إن مقتضى اعتبار هذه الروايات صادرة عن شأن الإبلاغ أو التفسير للمعصوم هو وجود ثلاثة أنواع من التعارض بين الروايات:

1- لازم كون الروايات إبلاغية هو انحصار اعتبار المرجحات المذكورة في رواية واحدة وعدم اعتبار المرجحات المذكورة في سائر الروايات؛ ومن ثم، سيقع التعارض بين الروايات التي تذكر المرجحات.

2- تعارض آخر في ترتيب إعمال المرجحات؛ مثلاً، في بعض الروايات، ذُكرت الموافقة للكتاب في المرتبة الثالثة (نفس المصدر: 106، الحديث 1)؛ ولكن في روايات أخرى، ذُكرت الموافقة للكتاب في المرتبة الأولى (نفس المصدر: 118).

3- التعارض الثالث في ناحية التوقف وسؤال الإمام المعصوم (ع). ففي بعض الروايات، بعد ذكر مرجحات متعددة، قيل بوجوب الكف عن العمل بالروايات المتعارضة حتى يُسأل الإمام (ع) (نفس المصدر: 107، الحديث 1). وفي بعض الروايات، دون ذكر مرجح، قيل بالكف عن العمل بإحدى الروايتين المتعارضتين حتى يُسأل الإمام (ع) (نفس المصدر: 108، الحديث 5). وفي بعض الروايات، ذُكرت بعض المرجحات، ولكن لم يُشر إلى التوقف وسؤال الإمام (ع) (نفس المصدر: 118، الحديث 29). إن هذه التعارضات في الروايات التي هي بصدد علاج الأخبار المتعارضة عجيبة؛ لأنه في الظاهر والوهلة الأولى يبدو أن ما يهدف إلى علاج مرض التعارض هو نفسه مبتلى بمرض التعارض (الهاشمي الشاهرودي، 1426: 7/ 10). ومن ثم، سعى العلماء لإيجاد حلول لرفع تعارض الأخبار العلاجية (الطبرسي، 1386: 2/ 108؛ الاسترآبادي، 1426: 390؛ والمازندراني، 1421: 2/ 331).

في نظر الكاتب، نشأ التعارض من تصور أن هذه الروايات صدرت عن شأن الإبلاغ أو التفسير للمعصوم؛ ولكن إذا اعتبرنا أخبار ذكر المرجحات صادرة عن شأن التفريع للمعصوم، فلن يوجد أي من التعارضات الثلاثة؛ لأن ملاك الترجيح هو وجود قرائن غالبة توجب العلم أو الاطمئنان بصدور إحدى الروايتين المتعارضتين. في بعض الروايات، ذُكرت بعض التفريعات والقرائن التي توجب حصول العلم أو الاطمئنان بصدور إحدى الروايتين؛ وفي روايات أخرى، ذُكرت تفريعات وقرائن أخرى، وهكذا سائر الروايات. وعليه، فإن ذكر بعض التفريعات في الروايات الصادرة عن شأن التفريع لا يعني انحصار المرجحات بما ذُكر في الروايات؛ ولا يعني ترتيباً بين المرجحات؛ ولا يعني لزوم الانتقال إلى سؤال الإمام (ع) بعد عدم وجود خصوص المرجحات المذكورة في الرواية الخاصة؛ بل متى ما حصل الاطمئنان بصدور إحدى الروايتين المتعارضتين، تُقدَّم تلك الرواية، ولا فرق في أن يكون الاطمئنان ناشئاً من وجود مرجح واحد في إحدى الروايتين أو من وجود عدة مرجحات فيها؛ ولا فرق أيضاً في أن يكون الاطمئنان بصدور إحدى الروايتين المتعارضتين حاصلاً من طريق المرجحات المنصوصة أو من طريق المرجحات غير المنصوصة؛ ولا فرق كذلك في أن يوجد في الرواية المرجوحة التي لا وثوق بصدورها مرجح (أعم من المنصوص وغير المنصوص) أم لا؛ لأن الملاك العام والنهائي هو أمور من قبيل «كونه علامة على الحقيقة» (إن على كل حق حقيقة) الواردة في بعض الروايات، و«ما يوجب العلم» (ما علمتم أنه قولنا فالزموه) الواردة في روايات أخرى.

إن نسبة أمثال هذه الروايات إلى الروايات التي تذكر بعض التفريعات هي نسبة العام إلى الخاص ذي الإضافة (العام الكلي الفوقاني). وهنا نذكر نموذجين من هذه الروايات العامة:

1- على سبيل المثال، في بعض الروايات، رداً على سؤال حول ما يجب فعله عند تعارض فئتين من الروايات، ورد: «ما علمتم أنه قولنا فالزموه وما لم تعلموا فردوه إلينا» (الحر العاملي، 1416: 27/ 120).

بناءً على هذا، فإن الملاك الكلي والعالي هو كون المرجحات موجبة للعلم. وإذا قلنا إن المراد بالعلم في الآيات والروايات، أو خصوص هذه الرواية، هو العلم العادي، أي ما يوجب الوثوق والاطمئنان – لا خصوص اليقين الذي يُصطلح عليه عند علماء المنطق والفلسفة – ففي هذه الحالة، كل رواية يحصل الوثوق والاطمئنان بصدورها، تُقدَّم، والمرجحات المذكورة في الأخبار العلاجية هي من قبيل ذكر فروع وبعض مصاديق الأمور التي تؤدي إلى حصول العلم أو الوثوق والاطمئنان.

2- في رواية أخرى ورد: «إن على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه» (نفس المصدر: 110 و119). هذا الحديث أيضاً يجعل ملاك ترجيح الرواية هو كونها علامة على الحق والصواب، ويقول إن للحق علامة وللصواب نورانية؛ ثم يذكر موافقة الكتاب كفرع من فروع كون الحديث حقاً وصواباً؛ وعليه، فإن بعض علماء الأصول البارزين اعتبروا موافقة الكتاب فرعاً وتفريعاً من علامات معرفة الرواية الحقيقية، وقالوا في شرح هذا الحديث: من الواضح أن هذا الحديث يشمل كل حقيقة ونور ولا ينحصر بموافقة الكتاب، فموافقة الكتاب فرع، وليس المرجح مختصاً بموافقة الكتاب (الوحيد البهبهاني، 1415: 210). ومن نتائج اعتبار المرجحات تفريعية، التعدي من المرجحات المنصوصة، كما ذهب إلى ذلك علماء الأصول القائلون بالتفريعية (نفس المصدر: 210-212 و223).

في الواقع، إذا دققنا النظر، بناءً على رؤية أن روايات ذكر المرجحات تفريعية، فإن المرجح المنصوص هو «كل ما له علامة على الحقيقة»؛ وأمثال هذه التعابير والفروع كموافقة الكتاب والسنة والإجماع وغيرها وردت في الرواية، ولكن بما أنها ليست من شأن التبليغ والتفسير، لا يمكن اعتبارها مرجحاً منصوصاً بالمعنى الدقيق للكلمة «ما ورد في النص بعنوان الدين والشريعة»؛ بل هي بعض مصاديق الأمور الدينية؛ والأمر الديني هو العناوين المذكورة أعلاه.

خلاصة القول، بمقتضى صدور الأخبار العلاجية من أمثال شأن التبليغ الذي يبين الحكم الدائم:

أولاً، تعارض الأخبار العلاجية من جهات مختلفة يتطلب حلاً علمياً دقيقاً، ولا يبدو أنه يمكن إيجاد حل علمي معتبر ومقبول له؛ ولهذا، فقد تم التشكيك في كثير من الحلول المطروحة (للاطلاع على نماذج، راجع: البحراني، 1405: 1/ 100-104).

ثانياً، الاكتفاء بالمرجحات المنصوصة. وبالطبع هذا الاكتفاء على القاعدة؛ بمعنى أن التعدي من المرجحات المنصوصة يحتاج إلى طريقة ودليل معتبر كاستخدام التعميم من النص بناءً على العلة. ولهذا، حاول علماء الأصول إثبات طريقة معتبرة للتعدي من المرجحات المنصوصة (للاطلاع على نماذج، راجع: الشيخ الأنصاري، 1419: 4/ 141).

ولكن إذا اعتبرنا الأخبار العلاجية صادرة عن شأن التفريع، فإن الملاك الكلي هو كونها علامة على الحقيقة (على كل حق حقيقة) أو حصول العلم العرفي (ما علمتم أنه قولنا فالزموه)؛ والمرجحات المذكورة في الروايات المختلفة هي من قبيل فروع علامة الحقيقة. ونتيجة لذلك، أولاً، سيتم حل جميع التعارضات بين الروايات المختلفة. ثانياً، سيتم التعدي من المرجحات المذكورة في الروايات الصادرة عن شأن التفريع، وستكون جميع الأمور التي هي علامة عرفية على الحقيقة أو توجب الوثوق (العلم العرفي) بصدور أحد الخبرين المتعارضين من جملة المرجحات المعتبرة، لأن الملاك هو العلامة العرفية على الحقيقة والوثوق بصدور إحدى الروايتين المتعارضتين، والفروع المذكورة في الروايات هي من باب المثال والنموذج ولا موضوعية لها.

4- الشأن الإرشادي

المراد بالشأن الإرشادي هو أن النبي (ص) والإمام (ع)، كأفراد عقلاء وناصحين، يرشدون إلى أمر فيه مصلحة أو يحذرون من أمر فيه مفسدة؛ ولكن أمرهم ونهيهم ليسا من منطلق بيان حكم الدين والشريعة بحيث تعتبر مخالفتهما مخالفة للدين والشريعة وتستتبع العقوبة. لهذا البحث سابقة في الفكر الأصولي. فقد قسم علماء الأصول الأوامر والنواهي إلى أوامر ونواهي «ملوية» و«إرشادية». وفي تعريف الأمر الإرشادي، قيل إنه الأمر الذي يصدر بداعي النصح والإرشاد إلى المصالح المترتبة على فعل المأمور به، لا بداعي جعل الدافع للقيام بالفعل. وبتعبير آخر، الأمر الإرشادي هو الأمر الذي يصدر عن شأن الإرشاد والنصح للآمر، لا عن شأن مولويته. والنهي الإرشادي هو ذلك النوع من النهي الذي يصدر عن شأن النصح للناهي، لا عن شأن مولويته (الأصفهاني، 1374: 1/ 417؛ آل الشيخ راضي، 1425: 3/ 223؛ والفياض، 1419: 5/ 37).

بعض الروايات التي يُتمسك بها لإثبات بعض المسائل الأصولية لها جانب إرشادي. على سبيل المثال، اعتبر كثير من علماء الأصول بعض الروايات الصادرة حول الاحتياط والتوقف إرشادية؛ مثلاً، يقول الشيخ الأنصاري في هذا الصدد:

لا شك أن الأمر في أخبار التوقف إرشادي؛ كنظير أوامر الأطباء. الهدف من هذه الأوامر هو أن يكون الإنسان في مأمن من الوقوع في الضرر. الشاهد على إرشادية هذه الأوامر هو أن حكمة الأمر بالتوقف قد بُيّنت فيها، ولا يترتب على مخالفتها عقاب.

الشيء الوحيد الذي قد يترتب على مخالفة الأمر الإرشادي هو الهلاك المحتمل الذي قد يكون موجوداً في ارتكاب الأمر المشتبه. بناءً على هذا، المطلوب من هذه الروايات هو أن يمنع الإنسان نفسه من تعريضها للهلاك المحتمل (الشيخ الأنصاري، 1319: 2/ 69-70).

كثير من علماء الأصول بعد الشيخ الأنصاري اعتبروا على الأقل بعض أوامر الاحتياط إرشادية (الآخوند الخراساني، 1412: 345؛ آل الشيخ راضي، 1425: 6/ 374؛ والبهسودي، 1417: 2/ 299). ولكن علماء الأخبارية تصوروا أن هذه الروايات مولوية؛ وتمسكوا بها لإثبات وجوب الاحتياط في الشبهة البدوية التحريمية (الحر العاملي، 1376: 1/ 519-520).

إذا صدرت رواية عن شأن المولوية، يمكن الاستناد إليها لإثبات المسائل الأصولية؛ ولكن إذا صدرت رواية عن شأن الإرشاد للمعصوم، فلا يمكن الاستناد إليها كحكم تعبدي، بل يجب النظر إليها كحكم يحكم به العقل أو هو شائع بين العقلاء. فإذا كان العقل يحكم به أو كان العقلاء لديهم مثل هذا الحكم والسلوك الآن، ولم يشمل ذلك الحكم أي من الأدلة التي تبطل اعتبار أمر ما، فيمكن الاستناد إليه لإثبات المسائل الأصولية؛ ولكن نطاق تلك المسألة الأصولية سيكون بنفس القدر الشائع بين العقلاء؛ مثلاً، العقلاء في حال الشك في أصل الوظيفة، يرون القاعدة هي البراءة من التكليف، وإذا كان أصل التكليف معلوماً ولكن المكلف به مشكوك، يرون القاعدة هي الاحتياط. وعليه، فإن الروايات التي أمرت بالاحتياط تُخصص بنفس النطاق العقلائي (الشك في المكلف به)؛ كما قال بعض علماء الفقه والأصول هذا في مواضع أخرى (التقوي الاشتهاردي، 1376: 4/ 435-436؛ والضيائي فر، 1390: 280-281).

5- الشأن العادي

المراد بالشأن العادي هو الشأن الذي تصدر فيه الأفعال الطبيعية للمعصوم عنه كالأكل والمشي وما إلى ذلك. هذه الأفعال هي من لوازم الطبيعة البشرية للمعصوم، وقد ذُكر بعضها في القرآن للنبي (ص) (الفرقان / 7).

يُحتمل أن تكون بعض الروايات الواردة حول المسائل الأصولية من الشأن العادي للمعصوم؛ ولكن الكاتب لم يجد مثالاً لذلك حتى الآن. الشأن العادي يؤثر في المباحث الأصولية بطريقة أخرى، وهي أن بعض الأصوليين في تعريف السنة ذكروا قيوداً – منها ألا تكون من الأفعال والأقوال العادية للمعصوم – وسنبحث في ذلك لاحقاً.

6- الشأن الولائي

المراد بالشأن الولائي للمعصوم هو الجانب الذي يؤدي إلى صدور سلوك أو قول من منطلق قيادة الأتباع أو إدارة المجتمع؛ وبهذا الاعتبار، يقوم المعصوم بفعل أو يصدر أمراً. أحياناً تتجلى الولاية في شكل قيادة للأتباع في فترة لم تكن فيها ظروف تشكيل الحكومة مهيأة؛ كأمر النبي (ص) لأتباعه بالهجرة إلى الحبشة قبل الهجرة إلى المدينة، أو أمر أئمة أهل البيت عليهم السلام بإباحة الخمس في بعض الأزمان للشيعة حسب رأي الكاتب (راجع: الضيائي فر، 1382: 582). وأحياناً تظهر الولاية في شكل إدارة للنظام السياسي؛ كالأحكام الحكومية التي أصدرها النبي الأكرم (ص) في المدينة أثناء توليه الحكم، أو الأحكام الحكومية التي أصدرها أمير المؤمنين (ع) في فترة خلافته.

بعض الأوامر التي أصدرها المعصومون من شأن الولاية كانت لها وظيفة عملية؛ أي أنها كانت للعمل بها. وبتعبير آخر، لو اعتبرناها أوامر صادرة عن شأن كشأن الإبلاغ، لكانت لها طبيعة فقهية؛ كأمر النبي (ص) بمحاربة الكفار. ولكن بعض أوامرهم لها طبيعة أصولية واستنباطية؛ أي لو اعتبرناها صادرة عن شأن كشأن الإبلاغ، لوجب استخدامها كضابطة في استنباط الأحكام.

مرادنا من الأحاديث الصادرة عن شأن الولاية هو القسم الثاني؛ أي الروايات التي لو اعتبرناها صادرة عن شأن كشأن الإبلاغ، لوجب استخدامها كضابطة في استنباط الأحكام.

ورد في بعض الروايات: «قال أبو عبد الله (ع): يا أبا عمرو، أرأيت لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأحدثك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت تأخذ؟ قلت: بأحدثهما وأدع الآخر. فقال: قد أصبت يا أبا عمرو، أبى الله إلا أن يعبد سراً، أما والله لئن فعلتم ذلك إنه لخير لي ولكم، أبى الله عز وجل لنا في دينه إلا التقية» (الكليني، 1363: 1/ 67)؛ وقد وردت روايات أخرى بهذا المضمون (الحر العاملي، 1416: 27/ 109، الحديث 7، 8، و9). في هذه الرواية، توجد قرائن واضحة تدل على أن هذا الأمر هو أمر صادر عن شأن الولاية، وليس أمراً شرعياً يقضي بوجوب تقديم الرواية الأحدث عند تعارض فئتين من الروايات، وإهمال الرواية الأقدم؛ كما أن الرواية المعارضة للقرآن لا اعتبار لها؛ وعليه، على القاعدة لا يمكن العمل في علم الأصول بالروايات التي تتضمن أوامر ولائية، كما أشار بعض العلماء؛ مثلاً، الملا محسن الفيض الكاشاني في شرحه لهذه الأحاديث، اعتبرها حديثاً يحكم فيه الإمام وفقاً للمصلحة؛ والحكم المصلحي هو حكم ولائي (الفيض، 1365: 1/ 284؛ و1390: 1/ 304). من الواضح أن أصل الأمر بالتقية أمر شرعي، ولكن الأمر بالتقية في هذا الموضع وعدم التقية في موضع آخر هو أمر ولائي. إذن، برأيه أيضاً، هذه الروايات صدرت عن شأن الولاية، وقد صرح البعض قائلين: «مفاد هذه الروايات ليس قاعدة أصولية عامة لجميع المكلفين في جميع الأزمان» (المظفر، 1386: 3/ 249)؛ ثم يعتبره في συνέχεια أمراً تقياتياً (نفس المصدر: 249)، وكون هذا الأمر تقياتياً وولائياً وغير دائم قد ورد بتعابير مختلفة في عبارات علماء آخرين (الإمام الخميني، 1385: 2/ 84؛ الحكيم، 1414: 6/ 197؛ و1418: 7/ 415).

إذا ثبت أن رواية معتبرة صدرت عن شأن الولاية للمعصوم (ع)، فعلى القاعدة لا يمكن الاستناد إليها لإثبات المسائل الأصولية؛ إلا إذا استُنبط منها ملاك كلي زماني ومكاني بطرق معتبرة، وباعتبار ذلك الملاك الكلي، تُثبت المسائل الأصولية بواسطتها.

وجدير بالذكر أن للنبي (ص) شؤوناً أخرى كالتشريع، والتزكية والتأديب، والقضاء، كما أن للإمام (ع) أيضاً شأن القضاء، والتزكية والتأديب، وغيرها. وقد أوضحها الكاتب في موضع آخر (الضيائي فر، 1392: 399 وما بعدها)، ولكن بما أنه لم يجد حتى الآن نموذجاً أصولياً لها ولا ثمرة أصولية يبحث عنها، فإنه يمتنع عن ذكر سائر الشؤون.

حتى الآن، ذكرنا نماذج من الروايات الصادرة عن شؤون مختلفة للمعصوم، وقلنا أيضاً أي الروايات الصادرة عن أي شأن هي معتبرة وقابلة للاستخدام في علم الأصول، وأيها غير قابلة للاستناد. كما بينا نتائج أخرى كرفع التعارض بين فئتين من الروايات الأصولية. بالإضافة إلى هذه النتائج، تترتب آثار مشتركة على بحث شؤون المعصوم لا تختص بشأن واحد، نوردها هنا:

1- الضابطة الأصولية لإثبات الصدور عن الشأن القابل للاستناد في الأصول

إذا كانت جميع شؤون المعصوم من سنخ واحد، مثلاً من سنخ الإبلاغ، والتفسير والتشريع، فإن الاستناد إلى ما صدر عن المعصوم من هذه الشؤون الثلاثة صحيح ومعتبر لإثبات المسائل الفقهية والأصولية على حد سواء. في هذه الحالة، لا لزوم للبحث عن ضابطة أصولية لتمييز ما صدر عن المعصوم؛ لأن ما صدر، سواء كان من شأن التبليغ أو التفسير، يمكن الاستناد إليه في كلتا الحالتين لإثبات المسألة الأصولية والفقهية؛ ولكن إذا كان ما صدر عن المعصوم متردداً بين سنخين، مثلاً لا نعلم هل ما صدر عن المعصوم هو من شأن التبليغ – الذي يعتبر الاستناد إليه معتبراً – أم من شأن عادي – الذي لا يمكن الاستناد إليه – ففي هذه الحالة، يطرح هذا السؤال الأصولي: بأي ضابطة أو ضوابط نميز أن تلك الرواية صدرت عن أي شأن للمعصوم؟ في هذا الصدد، تبرز رؤيتان أساسيتان:

أ) القاعدة الأولية هي الصدور عن الشأن القابل للاستناد في الأصول والفقه

اعتبر كثير من علماء الأصول أن القاعدة الأولية هي صدور الرواية عن الشأن القابل للاستناد في الفقه والأصول؛ وعليه، فقد استندوا إلى الروايات المعتبرة لإثبات المسائل الأصولية دون أي تردد أو توقف؛ كما تمسكوا بالروايات المعتبرة لإثبات المسائل الفقهية؛ دون أن يبحثوا عن أي شأن للمعصوم صدرت عنه الرواية المعنية. فقط في الحالات التي واجهوا فيها مشكلة، قالوا: «قضية في واقعة» أو «قضية شخصية» وأمثال هذه التعابير التي تدل على أن صدور الرواية ليس من شأن قابل للاستناد في الفقه والأصول. وجدير بالذكر أن علماء الأخبارية اعتبروا ضوابط الإثبات والاستنباط من النص الديني دينية أساساً (راجع: الاسترآبادي، 1426: 92 و571-572؛ والبحراني، 1405: 9/ 355-356 و362).

ب) عدم وجود قاعدة أولية

يعتقد البعض بعدم وجود قاعدة أولية في مجال المسائل الأصولية. نوضح هذه الرؤية في عدة محاور:

1- الدين والشريعة هما مؤسسان لبعض الأمور. في هذه الحالات، على القاعدة، يجب على الدين أن يبين جميع خصوصيات الأمر الذي أسسه، من أجزاء وشروط وموانع. ولكن بعض الأمور هي أمور عقلائية لم يؤسسها الدين. في هذه الأمور، يبين الدين والشريعة الحالات التي يختلف فيها رأيه عن رأي العقلاء.

2- طريق إثبات النص الديني، كروايات، وكذلك تفسير النصوص الدينية (الآيات والروايات)، ليس من الأمور التأسيسية بل من الأمور الإمضائية؛ مثلاً، كما قال كثير من علماء الأصول، إن أهم دليل على حجية خبر الواحد هو سيرة العقلاء (الآخوند الخراساني، 1409: 289؛ الأصفهاني، 1409: 68؛ الطباطبائي، 1371: 32؛ السبزواري، 1419: 492؛ والإمام الخميني، 1373: 1/ 313).

لم يخترع الدين والشريعة في مجال تفسير النص طريقة جديدة، بل استخدما نفس الطرق العقلائية (الآخوند الخراساني، 1412: 281). ولهذا، اعتبر علماء الأصول أن الدليل الرئيسي على الأصول اللفظية هو سيرة العقلاء (الطباطبائي، 1371: 31؛ والبروجردي، 1364: 1-2/ 89)؛ بل إن بعضهم اعتبر علم الأصول علماً يبحث في القواعد المقررة عند العقلاء لاستنباط الأحكام (الطباطبائي، بلا تا: 1/ 14)؛ وقال بعضهم أيضاً إنه لا يوجد ظن أسسه الشارع، بل كل الظنون والأمارات عقلائية أمضاها الشارع (البجنوردي، 1379: 2/ 40؛ النجفي، 1384؛ الضيائي فر، 1387: 89-91).

3- إذا ردع الدين والشريعة عن طريقة عقلائية أو بيّنا شيئاً في تضييقها أو توسعتها، فهذه قرينة على أنها صدرت عن شأن قابل للاستناد في الأصول؛ ولكن إذا لم يبين الدين والشريعة في هذا المجال أي ردع أو تضييق أو توسعة لطريقة عقلائية، بل روت رواية مطلباً يبدو في النظرة الأولى اختراعياً، ففي هذه الحالة يجب الاعتماد على القرائن والشواهد الموردية؛ مثلاً، يجب التحقق مما إذا كانت ناظرة إلى مجتمع خاص عاش فيه المعصوم؛ كما قال بعض علماء الفقه والأصول حول بعض الروايات (النجفي، 1365: 31/ 139). في هذه الحالة، لن تكون تلك الروايات قابلة للاستناد في الأصول.

أو أنها ترشد إلى أمر عقلي أو عقلائي، وفي هذه الحالة يجب علينا دراسة ذلك الأمر العقلي أو العقلائي نفسه وقياس مدى إحكامه، وإذا كان يتمتع بالإتقان اللازم، فسيكون قابلاً للاستناد في الأصول؛ أو نثبت بالقرائن والأدلة الكافية أنه صدر عن شأن التبليغ أو التفسير؛ وفي هذه الحالة أيضاً، سيكون قابلاً للاستناد في الأصول.

بناءً على هذا، لا يمكن القول بشكل مطلق إن القاعدة الأولية في الروايات التي تبين المسائل الأصولية هي الصدور عن شأن كالتبليغ والتفسير، وأنه يمكن الاستناد إليها بشكل مطلق في علم الأصول؛ بل يجب الاعتماد على القرائن والأدلة الكافية لإثبات صدور الشأن القابل للاستناد في الأصول.

2- تعريف السنة

عرّف كثير من علماء الأصول السنة بأنها: «هي قول النبي (ص) أو الإمام (ع) أو فعلهما أو تقريرهما» (التوني، 1415: 157؛ والحكيم، 1418: 116). ولكن إذا اعتقدنا بوجود شؤون للنبي (ص) والإمام (ع) غير الإبلاغ والتفسير، كالشأن العادي والإرشادي، فيجب أن يكون لدينا تعريف آخر للسنة بحيث يكون نطاقها أضيق؛ لأن بعض أقوال وأفعال النبي (ص) والإمام (ع) على الأقل لا تحكي عن حكم شرعي، وبالتالي لن تكون ضمن نطاق السنة؛ كما قال بعض علماء الأصول في تعريف السنة: «هو قول المعصوم أو فعله أو تقريره غير العاديات» (القمي، 1388: 2/ 338؛ المامقاني؛ 1410: 1/ 68؛ الشيخ البهائي، 1381: 87؛ الرازي، 1404: 266؛ والصدر، بلا تا: 85).

وقال بعضهم أيضاً إن ما يصدر عن النبي (ص) ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- ما يصدر عن طبيعته البشرية، كالأكل والشرب والنوم وأمثالها.

2- ما يصدر عن تجاربه، كتدبير الحرب والزراعة والتجارة وأمثالها.

3- ما يصدر عنه كرسول ومبلغ من عند الله، كالعبادات وتنظيم المعاملات وغيرها. بناءً على هذا، فإن القسم الثالث فقط هو «تشريع عام»، وبهذا القسم من الأحاديث يمكن التمسك (الآسنوي، بلا تا: 3/ 638).

وقال أحد علماء الفقه والأصول أيضاً: «التأسي بالنبي (ص) واجب فقط في أفعاله التي صدرت عن شأن المولوية والتشريع» (التوحيدي، 1417: 3/ 36).

اعتبر البعض هذا التفريق والتقسيم غريباً، وقالوا إنه لا ينبغي ذكر مثل هذا التقييد للسنة؛ لأن كل واقعة لها حكم في الشريعة، ولا فرق بين أن يكون الفعل من مقتضيات الطبيعة البشرية كالأكل والشرب أو فعلاً نابعاً من التجربة أو غير ذلك. إذا كان الفعل إرادياً، فله حكم في الشريعة؛ لأن مقتضى عصمة النبي (ص) هو أنه لا يخالف أمر الله، فكل الأفعال التي تصدر عنه تدل على الإباحة بالمعنى الأعم (الحكيم، 1418: 222).

وقال في النهاية إن الأحكام الخاصة بالنبي (ص) فقط، كجواز الزواج بأكثر من أربع زوجات… والأفعال غير الإرادية له، لا تكشف عن تشريع حكم لجميع المكلفين، وبالطبع ليست جزءاً من السنة (نفس المصدر: 223).

يبدو أنه يجب التمييز بين الأحكام التكليفية والوضعية: ما يفعله المعصوم، بسبب عصمته، يدل على حكم تكليفي (الجواز بالمعنى العام)؛ ولكن لا يمكن بالضرورة استنباط حكم وضعي منه؛ مثلاً، إذا أنشأ المعصوم عقد البيع بالصيغة العربية، لا يمكن القول إنه بسبب عصمته أو لزوم اتباعه، فإن شرط صحة البيع هو إجراء الصيغة باللغة العربية، كما تصور البعض (المراغي، 1417: 2/ 145)، بل الصحيح أن نقول بما أن هذا الفعل من الأفعال العادية والعرفية للمعصوم ولا يوجد دليل على اتباعه في الأفعال العادية (العاملي، 1419: 12/ 527؛ والطباطبائي اليزدي، بلا تا: 1/ 87)، فلا يمكن استنباط اشتراط العربية من إجراء صيغة البيع باللغة العربية. بناءً على هذا، يجب إضافة قيود أخرى إلى قيد «لا عادياً»، مثل «لا ولائياً» و«لا تفريعياً» إلى تعريف السنة؛ كما أشار البعض إلى هذه النقطة (صادقي رشاد، 1389: 345-347).

الاستنتاج

السنة، كما هي مصدر للأحكام الفقهية، هي أيضاً مصدر للمسائل الأصولية. وعليه، فإن الاستناد إلى الروايات المعتبرة لإثبات المسائل الأصولية صحيح؛ ولكن عند الاستناد إلى الروايات المعتبرة، يجب مراعاة نقاط:

1- بالنظر إلى أن للمعصوم شؤوناً مختلفة، عند الاستناد إلى الروايات لإثبات المسائل الأصولية، يجب الانتباه إلى أي شأن للمعصوم صدرت عنه الرواية.

إذا ثبت أن الرواية صدرت عن شأن الإبلاغ والتفسير للمعصوم، فإن الاستناد إليها لإثبات المسائل الأصولية معتبر؛ وإذا ثبت أنها من شأن المعصوم العادي، فإن الاستناد إليها لإثبات المسائل الأصولية غير صحيح؛ لأن الحجية من الأحكام الوضعية، وكما مر، لا يمكن إثبات حكم وضعي بما هو من شأن المعصوم العادي. إذا ثبت أن الرواية من شأن الولاية للمعصوم، فعلى القاعدة لا يمكن الاستناد إلى تلك الرواية لإثبات المسائل الأصولية؛ إلا إذا أمكن الحصول على ملاك كلي للحكم الولائي بطرق أصولية معتبرة، وفي هذه الحالة يمكن الاستناد إلى ذلك الملاك الكلي لإثبات المسائل الأصولية. إذا كانت الرواية من شأن التفريع للمعصوم، فلا يمكن التمسك بها إلا كعام كلي – فوق الروايات التي تبين الفروع – لإثبات المسائل الأصولية؛ ولا يمكن التمسك بالروايات التي تبين الفروع والتفريعات. أما الروايات الصادرة عن شأن الإرشاد للمعصوم، فلا يمكن الاستناد إليها كحكم تعبدي؛ بل يجب النظر إليها كحكم شائع في رأي العقلاء؛ فإذا كان العقلاء لديهم مثل هذا الحكم الآن ولم يشمله أي من الأدلة التي تبطل اعتبار أمر ما، فيمكن الاستناد إليه لإثبات المسائل الأصولية.

2- إذا لم يتضح من أي شأن للمعصوم صدرت الرواية، فقد اعتبرت مجموعة من العلماء القاعدة الأولية هي الصدور عن أمثال شأن التبليغ والتفسير. وعليه، وفقاً للقاعدة الأولية، سيكون الاستناد إلى الرواية لإثبات المسائل الأصولية استناداً صحيحاً ومعتبراً؛ ولكن بناءً على رأي الكاتب – الذي يفرق بين الأمور التأسيسية والإمضائية ويعتبر ضوابط إثبات وفهم الدين من الأمور الإمضائية – لا توجد قاعدة أولية في هذا المجال، بل يجب الرجوع إلى القرائن والشواهد الموردية، وإذا لم توجد قرائن وشواهد، فإن الاستناد إلى الرواية مجهولة الشأن لإثبات المسائل الأصولية يحتاج إلى دليل مقنع لا يبدو موجوداً.

3- بعض الروايات حول بعض المسائل الأصولية – مثل المرجحات المعتبرة عند تعارض روايتين – تكون متعارضة إذا اعتبرناها صادرة عن شأن التبليغ أو التفسير؛ ولكن إذا اعتبرناها مثلاً صادرة عن شأن التفريع، فلن يكون هناك تعارض. إن حل تعارض بعض الروايات الأصولية هو أحد الفوائد الأخرى للاستفادة من شؤون المعصوم في علم الأصول.

4- بالنظر إلى أن للمعصوم شؤوناً عادية وولائية وتفريعية أيضاً، فإن الاستناد إلى الروايات الصادرة عن هذه الشؤون لإثبات حكم وضعي ليس صحيحاً. وعليه، لا يمكن اعتبار القول والفعل العادي والولائي والتفريعي للمعصوم من حيث الحكم الوضعي ضمن نطاق السنة، وتعريف السنة بأنها مطلق ما يصدر عن المعصوم.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

1. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (1412هـ)، كفاية الأصول، مؤسسة آل البيت (ع)، بيروت، الطبعة الثانية.

2. الاسترآبادي، محمد أمين (1426هـ)، الفوائد المدنية، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية.

3. الأصفهاني، محمد حسين (1409هـ)، بحوث في الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية.

4. آل الشيخ راضي، محمد طاهر (1425هـ)، بداية الوصول، أسرة آل الشيخ راضي، قم، الطبعة الأولى.

5. الإمام الخميني، السيد روح الله (1373هـ.ش)، أنوار الهداية، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران، الطبعة الأولى.

6. (1385هـ.ش)، الرسائل، إسماعيليان، قم، الطبعة الأولى.

7. البحراني، يوسف (1423هـ)، الدر النجفية من الملتقطات اليوسفية، شركة دار المصطفى لإحياء التراث، بيروت، الطبعة الأولى.

8. (1405هـ)، الحدائق الناضرة، دار الأضواء، بيروت، الطبعة الثانية.

9. البروجردي، السيد حسين (1399هـ)، جامع أحاديث الشيعة، مكتبة العلمية، قم، الطبعة الأولى.

10. البروجردي، محمد علي (1364هـ.ش)، نهاية الأفكار (تقريرات درس خارج أصول آية الله عراقي)، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

11. البهسودي، السيد محمد سرور (1417هـ)، مصباح الأصول (تقريرات درس خارج أصول آية الله خويي)، مكتب الداوري، قم، الطبعة الخامسة.

12. التقوي الاشتهاردي، حسين (1376هـ.ش)، تنقيح الأصول (تقريرات درس خارج أصول الإمام الخميني)، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران، الطبعة الأولى.

13. التوحيدي، محمد علي (1417هـ)، مصباح الفقاهة (تقريرات درس آية الله خويي)، انصاريان، قم، الطبعة الرابعة.

14. التوني، عبد الله (1415هـ)، الوافية في أصول الفقه، مجمع الفكر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية.

15. الحكيم، السيد محمد تقي (1418هـ)، الأصول العامة للفقه المقارن، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، قم، الطبعة الثانية.

16. الحكيم، السيد عبد الصاحب (1418هـ)، منتقى الأصول (تقريرات درس خارج أصول آية الله روحاني)، الهادي، قم، الطبعة الأولى.

17. الحكيم، السيد محمد سعيد (1414هـ)، المحكم في أصول الفقه، مؤسسة المنار، قم، الطبعة الأولى.

18. الرازي، محمد حسين (1404هـ)، الفصول الغروية، دار إحياء العلوم الإسلامية، قم.

19. السبزواري، حسن (1419هـ)، وسيلة الوصول (تقريرات درس خارج آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني)، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

20. الشيخ الأنصاري، مرتضى (1319هـ)، فرائد الأصول، مجمع الفكر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

21. الشيخ البهائي، محمد (1381هـ.ش)، زبدة الأصول، مدرسة ولي عصر (ع)، قم، الطبعة الأولى.

22. الشيخ الحر العاملي، محمد (1376هـ.ش)، الفصول المهمة في أصول الأئمة، مؤسسة معارف إسلامي إمام رضا (ع)، قم، الطبعة الأولى.

23. (1416هـ)، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم، الطبعة الثالثة.

24. الشيخ الطوسي، محمد (1382هـ.ش)، تلخيص الشافي، انتشارات محبين، قم، الطبعة الأولى.

25. الشيخ الكليني، محمد (1363هـ.ش)، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الخامسة.

26. الصدر، السيد حسن (بلا تا)، نهاية الدراية، نشر المشعر، قم، بدون طبعة.

27. الضيائي فر، سعيد (1382هـ.ش)، جایگاه مبانی کلامی در اجتهاد، بوستان كتاب، قم، الطبعة الأولى.

28. (1392هـ.ش)، فلسفه علم فقه، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه و سمت، قم/طهران، الطبعة الأولى.

29. (1387هـ.ش)، قلمرو دین و ضوابط علوم دینی، پژوهش‌های فلسفی کلامی، شماره 37.

30. (1390هـ.ش)، مکتب فقهی امام خمینی، نشر عروج، طهران، الطبعة الأولى.

31. صادقي رشاد، علي أكبر (1389هـ.ش)، منطق فهم دین، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و اندیشه اسلامی، طهران، الطبعة الأولى.

32. الطباطبائي، السيد محمد حسين (بلا تا)، حاشية الكفاية، بنياد علمی و فکری علامه طباطبایی، طهران.

33. الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم (بلا تا)، حاشية المكاسب، إسماعيليان، قم، الطبعة الأولى.

34. الطبرسي، أحمد (1386هـ)، الاحتجاج، دار النعمان، نجف، الطبعة الأولى.

35. العاملي، السيد محمد جواد (1419هـ)، مفتاح الكرامة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

36. الفياض، محمد إسحاق (1419هـ)، محاضرات في أصول الفقه (تقريرات درس خارج أصول آية الله خويي)، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

37. الفيض الكاشاني، محسن (1390هـ.ش)، الأصول الأصيلة، دانشگاه تهران، طهران، الطبعة الأولى.

38. (1365هـ.ش)، الوافي، مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (ع) العامة، أصفهان، الطبعة الأولى.

39. القطيفي، السيد منير (1414هـ)، الرافد في علم الأصول (تقريرات درس آية الله سيستاني)، مكتب آية الله سيستاني، قم، الطبعة الأولى.

40. القمي، أبو القاسم (1388هـ.ش)، القوانين المحكمة في الأصول المتقنة، مؤسسة السيدة المعصومة، قم، الطبعة الأولى.

41. المازندراني، ملا صالح (1421هـ)، شرح الأصول من الكافي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى.

42. المامقاني، عبد الله (1410هـ)، مقباس الهداية، مؤسسة آل البيت (ع)، قم، الطبعة الأولى.

43. المراغي، السيد مير عبد الفتاح (1417هـ)، العناوين، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

44. المظفر، محمد رضا (1386هـ)، أصول الفقه، دار النعمان، نجف.

45. الموسوي البجنوردي، السيد حسن (1379هـ.ش)، منتهى الأصول، مؤسسة العروج، طهران، الطبعة الأولى.

46. النجفي، محمد حسن (1365هـ.ش)، جواهر الكلام، دار الكتب الإسلامية، طهران.

47. النجفي، محمد علي (1383هـ.ش)، رسالة في الولايات، طبعت ضمن: رسائل ولاية الفقيه، بوستان کتاب، قم، الطبعة الأولى.

48. الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود (1426هـ)، بحوث في علم الأصول (تقريرات درس خارج أصول آية الله صدر)، مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت (ع)، قم، الطبعة الثالثة.

الهوامش

1. هذا المقال مستخرج من مشروع «المباني الكلامية لعلم الأصول» الذي ينجز حالياً في مركز أبحاث الفقه والحقوق.

Scroll to Top