تصنيف مصادر علوم وفنون القراءات في حقل علم الأصوات

الملخص

لقد كانت دراسة الأصوات اللغوية محط اهتمام العلماء المسلمين والغربيين منذ القدم. وقد أدى تلاقي المباحث النظرية والشفوية في علم اللغة في مجال إنتاج الحروف ونقلها وسماعها مع أساليب البحث التجريبي الموجودة في علوم الطب والفيزياء والفيزيولوجيا، التي هي فرع من علم الأحياء، إلى ظهور علم جديد في مجال علم الأصوات. إن دراسة مختلف أنواع كتب علم الأصوات، لا سيما مؤلفات العلماء المسلمين، هو الموضوع الرئيسي لهذا البحث، والذي تم إنجازه بالمنهج الوصفي وأحيانًا التحليلي، وباستخدام المصادر المكتبية. يمكن تقسيم كتب علم الأصوات إلى مصادر خاصة بعلم الأصوات ومصادر عامة. ومن خلال دراسة مصادر علم الأصوات، يتضح أن هذه الكتب تتبنى توجهات متعددة مثل التوجه المقارن والتاريخي والتحليلي. كما أن تأثيرات علم الأصوات على العلوم القرآنية مثل العلوم الأدبية، وعلوم البلاغة، والقراءة، والتجويد، كانت محط اهتمام الكتّاب العرب المعاصرين، بهدف تفعيل هذا العلم في حقل العلوم الإسلامية.

المقدمة

إن دراسة النظام اللغوي للإنسان على مر العصور المختلفة من نشاطات الباحثين، قد صاحبته توجهات مختلفة. وقد شملت هذه التوجهات الاهتمام بالمستوى الكلامي والصوتي للغة، وكذلك الاهتمام بمستواها الدلالي. وكانت معرفة جهاز النطق الإنساني وتفسيره الدقيق محط اهتمام منذ القدم وحتى اليوم. وفي هذا السياق، اهتم العلماء المسلمون بدراسة نظام اللغة العربية من كلا المنظورين؛ بحيث يتجلى الاهتمام بكلا المستويين الكلامي والدلالي في كتب الأدب المتقدمة بوضوح تام. كما أبدى علماء القراءة اهتمامًا خاصًا بهذا الأمر إلى جانب أدباء اللغة العربية. وبعد تبلور علم التجويد كعلم مستقل، تم تأليف العديد من الكتب في هذا المجال من قبل الباحثين المسلمين. ومع مرور الزمن وتطور العلوم التجريبية وتقدم الأدوات العلمية، قام علماء الطب، خاصة في قسم التشريح، وعلماء الأحياء، خاصة في قسم علم وظائف الأعضاء (الفيزيولوجيا)، باستخدام أساليب دقيقة لدراسة جهاز النطق الإنساني وكيفية نطق الكلمات من زاوية جديدة. إن الاهتمام بالدراسات الجديدة إلى جانب المباحث القديمة في علم التجويد يمكن أن يكون فعالاً في تقوية كلا العلمين وتعريف الباحثين بشكل أفضل بالنظام الصوتي للقرآن الكريم. وتتم دراسة طريقة النطق الإنساني وكيفية انتقال الصوت واستقباله من قبل الإنسان بأساليب تجريبية جديدة في علم مستقل يسمى علم الأصوات أو الفونطيقا (Phonetics). موضوع هذا البحث هو تصنيف وأنواع مصادر علم الأصوات لدى العلماء المسلمين. وفي هذا المقال، تم تناول مصادر علم الأصوات من أبعاد مختلفة.

دراسة المفهوم

علم الأصوات (الفونطيقا)

يهتم علم الأصوات (phonetics) بالدراسة والوصف العلمي لأصوات اللغة. قد يكون موضوع علم الأصوات هو أصوات لغة معينة، على سبيل المثال اللغة الفارسية؛ وهذا النوع من الدراسات الصوتية يسمى علم الأصوات لتلك اللغة، أي علم الأصوات الفارسي مثلاً. وأحيانًا يكون موضوع علم الأصوات هو أصوات اللغة بشكل عام. وهذا النوع من الدراسات الصوتية يسمى علم الأصوات العام. يتبع كل من علمي التجويد وعلم الأصوات هدفًا واحدًا، وهو وصف الأصوات التي تتكون في أعضاء النطق لدى الإنسان، ولكن نطاق كل منهما مختلف. يعالج علم التجويد وصف أصوات اللغة العربية المستخدمة في تلاوة القرآن، أما علم الأصوات في اللغة العربية فيعالج وصف الأصوات العربية بشكل مطلق (ستوده نيا، دراسة مقارنة بين التجويد وعلم الأصوات، 1378 هـ.ش: 4). يُطلق على هذا العلم في اللغة العربية اسم «علم الأصوات» وفي اللغة اللاتينية اسم «فونطيقا».

مكانة علم الأصوات

يمكن بحث مكانة هذا العلم من زوايا متعددة. فبالنظر إلى مؤلفات الكتّاب في هذا الشأن، قُدّمت توجهات مختلفة حول هذا العلم من قبلهم. يُمكن اعتبار علم الأصوات، من حيث إنه يبحث في طريقة النطق والجهاز الصوتي للإنسان ودور هذا الجهاز في أداء الكلمات والتواصل مع الآخرين، فرعًا من موضوع علم اللغة. وقد ذكر بعض الكتّاب هذا العلم عند تعداد فروع علم اللغة. للغة أعضاء وبنى تركيبية صوتية، ونحوية، ودلالية، وجذرية، وغيرها. وهذه البنى ليست مستقلة عن بعضها البعض، بل إن أداءها، كأعضاء جسم الإنسان، يكون ضمن وحدة واحدة. وهذا الأمر هو ما أدى إلى أن يُبحث كل من هذه الأعضاء أو البنى في علوم مثل علم الأصوات، وعلم النحو، وعلم التداولية، وعلم اللغة التاريخي، وعلم الاشتقاق، وعلم الدلالة (رضائي أصفهاني، منطق تفسير القرآن، 1389 هـ.ش: 3/ 164)؛ وبتعبير آخر، لنظام اللغة مستويات متعددة. ويمكن تقسيم هذه المستويات إلى مستويات صوتية، وكلامية، ودلالية. وأحد الأبعاد الهامة لهذه المستويات هو المستوى الصوتي الذي يتناول الطبقة الظاهرية للكلام وكيفية النطق، أي جودة إنتاج وأداء الحروف والكلمات في لغة ما. ويتم الاهتمام بهذا الأمر في علوم مختلفة مثل القراءات والتجويد وعلم الأصوات. قد تكون أهمية الاهتمام بعلم التجويد مرتبطة بالمسائل الفقهية الأخرى؛ على سبيل المثال، يمكن بيان حكم بطلان أو عدم بطلان الصوم عند وصول الغبار أو الدخان الكثيف إلى الحلق. وقد اعتبر بعض الفقهاء أن مقداره هو وصول شيء خارجي إلى مخرج الخاء.

فإذا كان هناك اختلاف بين علماء التجويد وعلماء الأصوات في مخرج الخاء، فبطبيعة الحال تكون تلك المسألة الفقهية قابلة للبحث أيضًا. بالنظر إلى التطورات التي حدثت في العلوم والفنون، يمكن إجراء مراجعة شاملة لآثار المتقدمين وتقديم الآثار القديمة الموجودة، التي تناولت وصف اللهجة الفصيحة في عصرها، ببيان جديد ومقبول للجيل الحاضر وبأسلوب أسهل وأكثر جاذبية. والجدير بالذكر أن علم الأصوات قد نجح إلى حد ما في وصف الأصوات العربية ببيان جديد وعلمي. إن نطاق هذا العلم أوسع من نطاق علم التجويد، وفي معظم الحالات، يبحث أيضًا في اللهجات العامية للناس (ستوده نيا، دراسة مقارنة بين التجويد وعلم الأصوات، 1378 هـ.ش: 6). كما يعتبر بعض الكتّاب هذا العلم فرعًا من علوم مثل علم الأحياء والفيزيولوجيا. علم الفيزيولوجيا هو العلم الذي يعالج أداء أنظمة الكائنات الحية، خاصة الإنسان؛ وبعبارة أخرى، علم الفيزيولوجيا هو علم وظائف الأعضاء. وينقسم هذا العلم إلى أقسام أصغر مثل فيزيولوجيا الخلية، وفيزيولوجيا الرياضة، وفيزيولوجيا النبات. وعلى هذا الأساس، يمكن إقامة علاقة عميقة بين علم الأصوات والفيزيولوجيا، ومع الأخذ في الاعتبار التجارب العلمية التي أُجريت والنتائج المستخلصة منها، يمكن تفسير نطق الإنسان بشكل أفضل.

أهداف وفوائد تعلم علم الأصوات

الأهداف التي يمكن تقديمها بخصوص تعلم علم الأصوات في مجال المباحث القرآنية هي كالتالي:
1. إكمال مباحث علم التجويد بتعابير أكثر دقة في تبيين مخارج وصفات وأحكام الحروف.
2. تقوية أساليب تعليم التجويد وقراءة القرآن الكريم.
3. معرفة أفضل بوظائف أعضاء النطق البشري الدقيقة.
4. التعرف على طرق تقوية الصوت والمحافظة على أعضاء النطق.
5. فهم أفضل للنظام الصوتي للقرآن الكريم بهدف إدراك أعمق لأعاجيبه في هذا المجال.
6. فهم أفضل للعلاقة بين اللفظ والمعنى في القرآن الكريم في سبيل فهم أدق للإعجاز البلاغي والبنية الأدبية للقرآن الكريم.
إن الاهتمام بتصنيف مصادر علم الأصوات في هذا المقال ودراستها الإجمالية، هو بحد ذاته تأكيد على الأهداف المذكورة أعلاه. فمن بين المصادر التي تم بحثها، هناك العديد من الكتب التي تناولت الدراسة المقارنة بين علم الأصوات والتجويد، ويمكن البحث عن سبب هذه المؤلفات في الهدفين الأولين. إن الاهتمام الأعمق باللطائف الموجودة في النظام الصوتي للغة العربية إلى جانب دراسة معاني كلمات القرآن الكريم، يكشف عن تجلٍّ جميل لبلاغة القرآن الكريم وبنيته الأدبية لكل إنسان ذي دقة، ويسبب لذة أكبر للقارئ والمستمع من تلاوة آيات الله.

المؤلفات الأولى في مجال علم الأصوات

أول أثر مهم ومفصل في هذا المجال هو من تأليف أبي علي سينا، الفيلسوف والطبيب الإيراني الكبير. وقد تحدث في رسالته التي ألفها عن علم الصوت بعنوان «مخارج الحروف» أو «أسباب حدوث الحروف» كطبيب وعالم مطلع على أسرار الطبيعة في هذا الشأن (ابن سينا، مخارج الحروف، 1348 هـ.ش: 5). كتاب «أصوات القرآن كيف نتعلمها ونعلمها» ليوسف الخليفة أبو بكر، الذي طُبع عام 1392 هـ.ق من قبل مكتبة الفكر الإسلامي في الخرطوم، يتناول بشكل مقارن مباحث علم الأصوات والتجويد (الخليفة أبو بكر، أصوات القرآن كيف نتعلمها ونعلمها، 1392 هـ.ق: 35). الموضوعات التي تناولها بالترتيب في فصول منفصلة هي دراسة سبب حدوث الأصوات، وسبب حدوث الحروف، وتشريح الحنجرة واللسان. هذه المباحث لم تُطرح قبل ابن سينا.

تصنيف مصادر علم الأصوات والفونطيقا

للكتب التي أُلفت في مجال علم الأصوات أنواع مختلفة. ويمكن تحليل هذه الكتب ضمن قسمين: المصادر الخاصة والمصادر العامة.

أ) المصادر الخاصة بعلم الأصوات

المقصود بهذه المصادر، الكتب التي يكون موضوعها الأساسي هو علم الأصوات. ويمكن تقسيم هذه الكتب وتعريفها بناءً على توجهات المؤلفين إلى الأقسام التالية:

1. مصادر مسائل علم الأصوات

تطرح هذه المجموعة من كتب علم الأصوات مباحث مثل تعريف علم الأصوات، والمصطلحات الرئيسية في هذا العلم، وصفات الحروف، وأعضاء النطق، وكيفية نطق الحروف، وأقسام علم الأصوات، والاتجاهات الموجودة في علم الأصوات. أحد أفضل كتب علم الأصوات التي أُلفت لأول مرة بأسلوب جديد ومع الأخذ بالاعتبار الأبحاث التجريبية في الغرب هو كتاب «الأصوات اللغوية» للدكتور إبراهيم أنيس. وقد ترك هذا الكتاب أثرًا كبيرًا في أعمال علم الأصوات في اللغة العربية التي جاءت بعده. وهو في بداية الكتاب، بعد تبيين ماهية الصوت الإنساني ومقدار شدته ورخاوته، يتناول العوامل المؤثرة في تقوية الدرجات الصوتية ثم يبين أهمية قوة السمع لدى الإنسان. إن دراسة أعضاء النطق في وجود الإنسان، ومقارنة الأصوات اللينة وأقسامها، ودراسة مخارج وصفات الأصوات الساكنة، وطول ومد المقاطع الصوتية، والنبر والتكأة الصوتية وانتقالها في الكلمات والمشتقات المختلفة، وموسيقى الكلام، ودراسة أقسام الأصوات المماثلة والمتجانسة وغير المتجانسة، والتطورات التاريخية التي طرأت على الحروف العربية في مخارجها وصفاتها، وتطور ونمو الصوت اللغوي لدى الأطفال، هي من المباحث الهامة التي حظيت بالاهتمام في كتاب إبراهيم أنيس (أنيس، الأصوات اللغوية، د.ت: 8). وقد تناول في قسم من كتابه دراسة ظروف نمو وتطور الأصوات اللغوية. ومن وجهة نظره، فإن عوامل مثل أعضاء النطق، والظروف المائية والجوية والجغرافية، والحالات النفسية والروحية، ومجاورة الأصوات لبعضها البعض، وانتقال النبر والتكآت الصوتية هي عوامل مؤثرة في نشوء ونمو وتغير الأصوات اللغوية (نفس المصدر، 160). كتاب «الأصوات اللغوية» لمحمد علي الخولي هو كتاب آخر في هذا المجال. في هذا الكتاب، يشير أولاً إلى جهاز النطق البشري ومباحث مثل الخصائص اللغوية للصوت. ومن المباحث الأخرى في الكتاب تعريف بعض صفات الحروف من وجهة نظر علماء الأصوات. كما تم تعريف بعض الظواهر الصوتية في هذا الكتاب. أما البحث الختامي في الكتاب فيختص ببيان الاتجاهات المختلفة لعلم الأصوات مثل علم الأصوات العام والخاص، وعلم الأصوات التاريخي، وعلم الأصوات السمعي (الخولي، الأصوات اللغوية، 1407 هـ.ق: 17). أحد الكتب الأخرى المؤلفة في علم الأصوات هو «الصوتيات العربية» لمنصور محمد الغامدي. هذا الكتاب الذي طُبع في الرياض عام 1421 هـ.ق، يحتوي على دراسات رئيسية في مجال علم الأصوات. وقد تناول المؤلف في هذا الكتاب دراسة الأبعاد الثلاثة لعلم الأصوات فيما يتعلق بإنتاج ونقل وسماع الصوت (الغامدي، الصوتيات العربية، 1421 هـ.ق: 5). من بين العلماء الناطقين بالفارسية وأساتذة الجامعات، تم تأليف كتب قيمة في هذا المجال. «آواشناسى» (علم الأصوات)، و«آثار واج شناسى» (آثار علم الأصوات الوظيفي)، و«آواشناسى زبان فارسى» (علم أصوات اللغة الفارسية)، و«درآمدى به آواشناسى و آواشناسى فيزيكى زبان فارسى» (مدخل إلى علم الأصوات وعلم الأصوات الفيزيائي للغة الفارسية) هي من بين العناوين التي ألفها المؤلفون الناطقون بالفارسية (مدرسي قوامي، آواشناسى: بررسى علمى گفتار، 1390 هـ.ش: 166).

2. مصادر مصطلحات علم الأصوات

الكتب العلمية مليئة بالكلمات التي لها معانٍ خاصة لدى علماء ذلك العلم، والتي تسمى مصطلحات أو عرفيات خاصة بذلك العلم. إن الفهم الدقيق للكتب العلمية يستلزم فهمًا دقيقًا لمصطلحاتها، ومفتاح الدخول إلى أي علم في المرحلة الأولى يتطلب تعلم مثل هذه الكلمات. في بعض الأحيان، يقضي الباحث وقتًا طويلاً للعثور على المعنى الاصطلاحي لكلمة ما، ويبحث في ثنايا الكتب المتعلقة بعلم ما ليجد معناها من وجهة نظر علماء ذلك العلم. ولكن إذا كان لديه كتاب مصطلحات، فيمكنه العثور على معنى تلك الكلمة بسرعة. وهذا الأمر هو ما أدى إلى أن يقوم عدد من المؤلفين بتأليف كتب المصطلحات (شافعي الحفيان، أشهر المصطلحات في فن الأداء وعلم القرائات، 1422 هـ.ق: 8). لو لم يكن «جعل الاصطلاح» في العمل، لكان من الضروري التعبير عن المقصود بأطول عبارة في كل حالة. وفي هذه الحالة، يضيع وقت المتحدث والكاتب، وكذلك وقت المخاطب والقارئ. وبسبب هذا التوفير في الوقت، قام علماء كل علم بـ «جعل الاصطلاح» على المفاهيم التي تستخدم بكثرة في ذلك العلم، والتي تعرف باصطلاح ذلك العلم (ملكي أصفهاني، فرهنگ اصطلاحات اصول، 1379 هـ.ش: 1/ 5). كتاب «معجم علم الأصوات» لمحمد علي الخولي طُبع في عام 1402 هـ.ق. هذا المؤلف يضم مصطلحات علم الأصوات أو ما يعرف بالفونطيقا، والتي تُعد من علوم وفنون القراءات. هذا الكتاب، بالإضافة إلى مصطلحات علم الأصوات، يضم بعض مصطلحات علم القراءة والعلوم القريبة منه مثل علم الرسم وعلم الضبط والتجويد. مصطلحات مثل «إدغام»، «إطباق»، «همس»، «ترخيم»، «ترقيق»، «همزة قطع ووصل» وبعض المصطلحات الأخرى من هذا القبيل (الخولي، معجم علم الأصوات، 1402 هـ.ق: 14). النقطة المهمة في تتبع أصل مصطلحات هذا العلم هي أن العديد من مصطلحات هذا الكتاب مأخوذة من المصطلحات الإنجليزية المستخدمة في علم الأصوات الغربي.

3. مصادر تاريخ علم الأصوات

قام العديد من مؤلفي كتب علم الأصوات، ضمن مباحثهم وخاصة في المقدمة، بتقديم تاريخ موجز في هذا الشأن. أحد الكتب التي أُلفت في مجال تاريخ علم الأصوات هو كتاب «في الصوتيات العربية والغربية» لمصطفى بوعناني، أستاذ علم اللغة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس (بوعناني، في الصوتيات العربية والغربية، 2010 م: 3). وقد قام في بداية الكتاب بتوضيح بعض المصطلحات المتعلقة بعلم الأصوات، وقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين. القسم الأول يتناول التعريف بأنشطة العلماء العرب في مجال علم الأصوات وتطور هذه الأنشطة بينهم. وفي هذا القسم، طرح أنشطة العلماء العرب في ثلاثة محاور: علم النحو، وعلم القراءة، وعلم الفلسفة (نفس المصدر، 33-150). وفي القسم الأخير من الكتاب، تناول توضيح أنشطة العلماء الغربيين في مجال الفيزيولوجيا. وقد شرح هذه الأنشطة في ثلاثة أقسام مهمة من علم الأصوات، وهي: علم الأصوات الكلاسيكي، وعلم الأصوات الإنتاجي المعياري، وعلم الأصوات الإنتاجي الجديد (نفس المصدر، 151-233).

4. مصادر علم الأصوات المقارن بالعلوم الأخرى

الكتب التي طرحت مباحث علم الأصوات بشكل مقارن يمكن تصنيفها في الأقسام التالية:

أولاً: المقارنة بين علم الأصوات وعلم التجويد

«بررسى تطبيقى ميان تجويد و آواشناسى» (دراسة مقارنة بين التجويد وعلم الأصوات) بقلم محمد رضا ستوده نيا هو من الكتب التي بحثت موضوعي التجويد وعلم الأصوات بشكل مقارن. وقد طُبع هذا الأثر باللغة الفارسية في مجلد واحد عن طريق دار نشر رايزن في طهران عام 1378 هـ.ش. يتكون الكتاب من سبعة فصول. في المقدمة، تم طرح موضوع أهمية الموضوع وأهدافه وخلفيته. أعضاء النطق لدى الإنسان تشمل أعضاء التنفس، والأوتار الصوتية، وأعضاء النطق أو أعضاء الكلام، ودراسة استخدام أسماء الأسنان في علم التجويد وعلم الأصوات، وتقسيم الأصوات العربية، وأساس تقسيم الأصوات، وتقسيمات الأصوات لدى العلماء المتقدمين، والدور الصوتي لـ «الواو» و «الياء» في اللغة العربية، ووصف الصوائت (المصوتات) في اللغة العربية والصائت المركب، هي من مباحث النصف الأول من الكتاب (ستوده نيا، بررسى تطبيقى ميان تجويد و آواشناسى، 1378 هـ.ش: 27-54). مباحث الفصول الثلاثة الأخيرة من الكتاب هي وصف الأصوات من وجهة نظر المتقدمين، ووصف جودة الأصوات العربية من وجهة نظر علماء التجويد، ووصف أصوات اللغة العربية من وجهة نظر علم الأصوات، ودراسة مقارنة للأصوات العربية مع وصف الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء وبعض الحروف العربية (نفس المصدر، 151-67). «پژوهشى در علم تجويد» (بحث في علم التجويد) هو عنوان كتاب ألفه أبو الفضل علامي. في هذا الكتاب، تم تقديم جميع مباحث علم التجويد بشكل وصفي. من مميزات هذا الأثر أنه يصاحب بعض مباحث علم الأصوات بشكل موجز (علامي، پژوهشى در علم تجويد، 1389 هـ.ش: 91). وقد قدم المؤلف أحيانًا تحليلات جيدة ومفيدة ضمن محتويات الكتاب (راجع: نفس المصدر، 126). يمكن اعتبار هذا الكتاب من ضمن الكتب التحليلية، وبسبب احتوائه على مباحث علم الأصوات، يُعد من الأبحاث المقارنة. «درآمدى بر علم تجويد» (مدخل إلى علم التجويد) بتحقيق الدكتور علي حسين البواب بقلم أبو الفضل علامي وصفر سفيد رو، طُبع عام 1376 هـ.ش. إن تقديم كتاب شامل في مجال علم التجويد، مما يغني أساتذة هذا العلم عن مراجعة كتب أخرى، هو من دوافع ترجمة هذا الكتاب (نفس المصدر، 11). كتاب «علم الأصوات» للدكتور كمال بشر، الذي طُبع في القاهرة عام 2000م، هو من المصادر التي اتخذت منهجًا مقارنًا ومفصلاً بين علم التجويد وعلم الأصوات (بشر، علم الأصوات، 2000م: 15). يعتقد الدكتور كمال محمد بشر أن معيار اللغة الفصيحة هو لهجة قريش التي تعتبر المحور الأساسي للغة العربية؛ أولاً، لأن التحليل العلمي الدقيق للأصوات العربية يحتاج إلى استماع، ومن الآثار المكتوبة المتعلقة بالأصوات العربية لا يمكن الحصول على نتيجة كبيرة. ثانيًا، من الضروري أن يكون اختلاف النطق معيارًا للاختيار. ومن البديهي أن قراءة القراء الممتازين في هذا المجال يمكن أن تكون أفضل معيار. وقد تناول بعد علم الأصوات العام دراسة أبعاد علم الأصوات (نفس المصدر، 8). كل من علماء علم الأصوات، بناءً على تخصصه واهتمامه والحاجة التي يراها، قد تناول قسمًا من هذا العلم وقام بتطويره. كيفية إنتاج الحروف، وكيفية انتقال الصوت إلى إنسان آخر واستقباله بواسطة حاسة السمع، والتشريح الدقيق لأعضاء التنفس، وتبيين تاريخ الأنشطة في علم الأصوات، والأدوات المخبرية والتجريبية المستخدمة في علم الفونطيقا لدراسة أدق للأصوات الإنسانية، هي من بين المجالات التي أدت إلى تشكيل علم الأصوات النطقي، وعلم الأصوات السمعي، وعلم الأصوات الوصفي، وعلم الأصوات التاريخي، وعلم الأصوات الآلي والتجريبي. إن دراسة الأصوات الصامتة والصائتة، وتبيين مصطلحات مثل الفونيم، والنبر، والتنغيم، والفواصل الصوتية، هي من المباحث الأخرى في كتاب كمال بشر (نفس المصدر، 20).

ثانياً: المقارنة بين علم الأصوات والعلوم القرآنية والأدبية

من الكتب الأخرى في هذا المجال، كتاب «التجويد القرآني دراسة صوتية فيزيائية» لمحمد صالح الضالع (معاصر). نظرًا لتخصص المؤلف في علم الأصوات، فإن المباحث التجويدية المطروحة في هذا الكتاب مصحوبة بتحليلات صوتية ومصطلحات جديدة. وبما أنه متخصص في علم الأصوات (الصوت والصّدى)، فقد عرض محتويات الكتاب في مقدمة وأربعة فصول. الفصل الأول عن «الغُنّة» ومكانتها في تجويد القرآن. وقد أوضح أولاً كيفية نطق «الغُنّة» وكيفية نشأتها، وفي هذا الصدد ذكر قول مكي بن أبي طالب، ثم بحث مخرجها مستعينًا بآراء بعض العلماء مثل ابن الطحان والفيروزآبادي (صاحب القاموس المحيط). الفصل الثاني عن مكانة الإخفاء في التجويد. وبعد التعريف الاصطلاحي، يوضح أن الإخفاء يتعلق بحرف «النون». الفصل الثالث حول الاختلاس في الأصوات القصيرة. وقد عرّف في البداية ثلاث كلمات «اختلاس، روم، إشمام» من الناحية الاصطلاحية، ثم بيّن وجوه الاشتراك والافتراق لكل منها. الفصل الرابع يختص ببحث «القلقلة» في التجويد القرآني. وقد ذكر في البداية آراء علماء التجويد حول تعريف ووصف القلقلة، ثم قام بدراستها ونقدها (الضالع، التجويد القرآني، 2002م: 9، 80، 125، و141). إن استخدام الصور المتعددة لتوضيح المطالب، وذكر الأقوال والآراء المختلفة وتحليلها، واستخدام المصطلحات الإنجليزية الجديدة في مجال علم الأصوات، هي من السمات البارزة لهذا الأثر. من الكتب الأخرى التي طرحت مباحث علم الأصوات بشكل مقارن، كتاب «الصوت اللغوي في القرآن» لمحمد حسين علي الصغير. وقد قام في هذا الكتاب أولاً بتعريف مصطلح «صوت» (أوا)، ثم قارن بين آراء العلماء العرب والأوروبيين في مجال علم الأصوات (علي الصغير، الصوت اللغوي في القرآن، 1420 هـ.ق: 17). وفي القسم التالي من كتابه، تناول تبيين آراء العلماء الأدباء العرب مثل سيبويه وابن جني، وبحث آراءهم في مجال علم الأصوات (نفس المصدر، 37). وبعد هذا القسم الذي اتخذ طابعًا تاريخيًا في الغالب، انتقل المؤلف إلى تطبيق المباحث الصوتية على بعض الجوانب البلاغية للقرآن الكريم مثل فواتح السور وفواصل الآيات (نفس المصدر، 81). إن تناسق فواصل الآيات من الناحية الصوتية، ومقارنة بعض مباحث علم الأصوات بعلم التجويد، وتبيين بعض أحكام قراءة القرآن، هي من مباحث الفصل الرابع من هذا الكتاب. وقد خصص في الفصل التالي فصلاً مستقلاً لدراسة الدلالات الصوتية لفواصل آيات القرآن الكريم. وفي الفصل الختامي للكتاب، قدم بحثًا جميلاً من علم البلاغة بعنوان تناسب اللفظ والمعنى، كمعيار لدراسة أصوات القرآن الكريم. وقد تناول المؤلف في هذا القسم استخدام كلمات مثل «خرّ» و«صرصر»، «أوّبي» و«أوهن» في ضوء الدلالات الصوتية لهذه الكلمات عند العرب وتأثير صوتها في إلقاء معنى هذه الكلمات على المخاطبين. وهو يعتقد أن القرآن الكريم قد راعى في تعابيره دقة صوتية خاصة، وهذا الأمر هو ما أدى إلى زيادة تأثير القرآن الكريم على المخاطبين (نفس المصدر، 185). من الكتب الأخرى التي أُلفت نظرًا لتأثير مباحث علم الأصوات في العلوم الأدبية، يمكن الإشارة إلى «التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث» للدكتور طيب بكوش، أستاذ اللغة العربية بجامعة تونس، وكتاب «الصرف وعلم الأصوات» للدكتور ديزيريه سقال، والتي نُشرت على التوالي في عامي 1992 و1996م.

ب) المصادر العامة لعلم الأصوات

المقصود بالمصادر العامة (غير المختصة) بعلم الأصوات، الكتب التي لا تكون أولويتها الموضوعية علم الأصوات، ولكن يمكن الاستفادة من محتوياتها في مجال علم الأصوات، أو أنها تشير ضمن محتوياتها إلى علم الأصوات ومسائله.

1. مصادر اللغة واللغويات

نظرًا للأهمية البالغة لمعرفة اللغات ونشأة معاني الحروف وكيفية نطقها، خاصة في اللغة العربية، فقد أولى عدد من اللغويين اهتمامًا خاصًا ببعض المطالب الصوتية. ومن هؤلاء، الخليل بن أحمد الفراهيدي (175 هـ.ق) الذي قدم في مقدمة كتاب «العين» مطالب حول مخارج وصفات الحروف. وقد قسم مخارج الحروف إلى ثمانية مخارج: حلقي، ولهوي، وشجري، وأسلي، ونطعي، ولثوي، وذلقي، وشفوي (الفراهيدي، العين، 1409 هـ.ق: 1/ 49). إن مسار البدء بالحروف وترتيب تقديم الكلمات في «العين» يعتمد أيضًا على موقع نطق الحروف من الحلق باتجاه مقدمة الفم؛ أي أنه يبدأ بالحروف الحلقية وينتهي بالحروف الشفوية. وقد استخدم هذا الأسلوب لغويون كبار آخرون مثل القالي (356 هـ.ق) في «البارع»، والأزهري (370 هـ.ق) في «تهذيب اللغة» (الأزهري، تهذيب اللغة، 1421 هـ.ق: 1/ 42)، والصاحب بن عباد (385 هـ.ق) في «المحيط»، وابن سيده (458 هـ.ق) في «المحكم والمحيط الأعظم» (فهمي حجازي، زبان شناسى عربى، 1379 هـ.ش: 102). وقد قدم ابن دريد، أبو العباس محمد بن يزيد (285 هـ.ق) أيضًا في مقدمة «جمهرة اللغة» بحثًا عن مخارج الحروف وصفاتها (ابن دريد، جمهرة اللغة، 1988م: 1/ 43). السيوطي (911 هـ.ق) في كتابه العظيم «المزهر في علوم اللغة وأنواعها»، في المجلد الأول، في موضوعات مثل ثقل حروف الكلمة عند النطق وحروف كثيرة الاستعمال، أشار إلى مباحث صوتية وصوتية (السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، 1426 هـ.ق: 1/ 160). من الكتب المهمة في فقه اللغة «دراسات في فقه اللغة» لصبحي صالح. وقد أشار في أجزاء من كتابه إلى مباحث تجويدية وكيفية نطق الحروف لدى قبائل العرب المختلفة. «النبر» للهمزة لدى قبيلة بني تميم، وتفاوت الإدغام ونطق بعض الحروف، والتفاوت في الإمالة والفتحة بين قبيلة بني تميم وقريش، هي من المباحث التجويدية في هذا الكتاب (صالح، دراسات في فقه اللغة، د.ت: 77، 80، 91، 101). محمود فهمي حجازي في كتابه «زبان شناسى عربى» (علم اللغة العربي) تناول مباحث مثل اللهجات والنطق في اللغة العربية والقوانين الصوتية (فهمي حجازي، زبان شناسى عربى، 1379 هـ.ش: 213 و189). من الكتب الأخرى التي أشارت ضمن تحليل اللهجات العربية المختلفة إلى أصوات لهجات اللغة العربية وصفات وأصول نطق كل لهجة، يمكن الإشارة إلى كتاب «دراسات في الأصوات العربية ولهجاتها» لأبي القاسم عبد العظيم. وقد قام في هذا الكتاب بتبيين قانون الإبدال في اللغة العربية وبيان بعض خصائص اللهجات الجديدة في اللغة العربية وتبيين ارتباطها بلهجات اللغة العربية القديمة (عبد العظيم، دراسات في الأصوات العربية ولهجاتها، 1348 هـ.ق: 3).

2. المصادر النحوية

أبو بشر، عمرو بن عثمان المعروف بسيبويه (180 هـ.ق) في أثره النحوي الهام المسمى بـ«الكتاب»، خصص جزءًا منه لمباحث الأصوات. طريقة طرح مخارج الحروف في هذا الأثر تشبه إلى حد كبير طريقة الخليل بن أحمد الفراهيدي. منظور سيبويه من المخرج هو نقطة اتصال عضوين عند نطق الحرف؛ على سبيل المثال، مخرج «النون» يعني مكان اتصال طرف اللسان باللثة (أعلى قليلاً من الأسنان الأمامية). وقد أشار في هذا الكتاب إلى أقسام المخارج الحلقية، والمخارج الموجودة في الفم، وصفات الحروف. ويكتب في جزء من آخر كتابه: «هذا باب عدد الحروف العربية ومخارجها ومهموسها ومجهورها وأحوال مجهورها ومهموسها واختلافها فأصل حروف العربية تسعة وعشرون حرفًا الهمزة والألف والهاء والعين والحاء والغين والكاف والقاف والضاد والجيم والشين والياء واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء والفاء والباء والميم والواو» (سيبويه، الكتاب، د.ت: 2/ 488)؛ أي أن هذا الباب يتعلق بعدد الحروف العربية ومخارجها، وحروفها المهموسة والمجهورة… أصل الحروف العربية تسعة وعشرون حرفًا. همزة، ألف، هاء و… يتضح من هذه العبارة أن سيبويه يعد الألف أيضًا من حروف العربية. اللغة العربية، مثل سائر اللغات، شهدت على مر التاريخ تحولاً وتغييرًا في الألفاظ والأصوات. وكما يعتقد اللغويون، فإن بعض الأصوات العربية مثل صوت الضاد الذي وصفه سيبويه، ليس شائعًا ومتداولاً في اللغة العربية الحالية. وبدلاً منه، تُستخدم أصوات أخرى. هذه الظاهرة ناتجة عن مسار تطور اللغة وسهولتها؛ فربما في المستقبل أيضًا تتغير بعض الأصوات العربية من الناحية الصوتية وتُنطق بشكل آخر؛ تمامًا مثل التغييرات التي حدثت في نطق الجيم والقاف والطاء (ستوده نيا، دراسة مقارنة بين التجويد وعلم الأصوات، 1378 هـ.ش: 7). المبرد، أبو العباس محمد بن يزيد (288 هـ.ق) في كتابه النحوي المسمى «المقتضب»، ضمن بحث مستفيض عن الإدغام، أشار إلى مخارج الحروف وصفاتها (المبرد، المقتضب، د.ت: 1/ 223). «سر صناعة الإعراب» لابن جني (392 هـ.ق) هو أيضًا من الكتب النحوية المتقدمة التي تناول فيها المؤلف في بدايته بحث الحروف العربية ومخارجها وصفاتها بشكل منفصل (ابن جني، سر صناعة الإعراب، د.ت: 1/ 55). «همع الهوامع في شرح جمع الجوامع في النحو» للسيوطي (السيوطي، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع في النحو، د.ت: 3/ 329) و«الأصول في النحو» لابن السراج (316 هـ.ق) (ابن السراج، الأصول في النحو، د.ت: 2/ 487) هي أيضًا من الكتب النحوية التي تناولت هذا الأمر ضمن مباحثها.

3. المصادر الصرفية

الكتب المتعلقة بعلم الصرف، في سياق بحثها عن أقسام الكلمة والتغييرات الموجودة في الكلمة الواحدة، تطرقت أيضًا إلى مخارج الحروف. كان هذا الأسلوب شائعًا في كتب الصرف القديمة، واليوم أُحيل إلى علم التجويد، وفي كتب الصرف المتأخرة، لم يعد الحديث عن مخارج الحروف مألوفًا. المباحث التي تُطرح عادة في كتب الصرف هي موضوع إدغام الحروف، وقواعد الإدغام في الكلمات المعتلة والمضعفة، والتي تُذكر حتى في كتب هذا العلم الحديثة (الشرتوني، مبادئ العربية، 1387 هـ.ش: 4/ 165). ابن الحاجب في كتاب «الشافية»، الذي يعد من الكتب الهامة في علم الصرف، تناول في أجزاء منه بحث مخارج الحروف وصفاتها وكيفية إدغامها. وقد تناول رضي الدين الأستراباذي (686 هـ.ق) في شرحه على هذا الكتاب بالتفصيل بيان آراء ابن الحاجب وتحليل المطالب التي أوردها (الأستراباذي، شرح شافية ابن الحاجب، د.ت: 3/ 265). «اللباب في علل الإعراب والبناء» للعكبري (616 هـ.ق) هو أيضًا من هذا النوع (العكبري، اللباب في علل الإعراب والبناء، د.ت: 530).

4. مصادر العلوم القرآنية

العلوم القرآنية هي علوم يمكن الاستفادة منها للتعرف على القرآن الكريم. نزول القرآن، وترتيبه، وجمعه، وكتابته، وتفسيره، وقراءته، والنسخ فيه، وأمثال ذلك، هي من موضوعات هذه العلوم. وفي هذه العلوم، يتم بحث الأبعاد المختلفة للقرآن، ودراسات القرآن، وتبيينه. العلوم القرآنية، بخلاف المعارف القرآنية، هي بحث خارجي ولا تدخل في باطن ومحتوى القرآن من الجانب التفسيري (معرفت، علوم قرآنى، 1381 هـ.ش: 7). من العلوم التي كانت تحظى باهتمام خاص في أوائل الكتب القديمة في العلوم القرآنية، علم التجويد. السيوطي في كتاب «الإتقان في علوم القرآن»، في المجلد الأول، خصص الأنواع من الثلاثين إلى الثالث والثلاثين لعلم التجويد. وقد طرح في هذه الأنواع بالترتيب موضوعات الإمالة، والفتحة، والإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإقلاب، والمد والقصر، وتخفيف الهمزة (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421 هـ.ق: 1/ 299-320)، وضمن النوع الرابع والثلاثين خصص فصلاً لمهمات مسائل التجويد، وفيه تناول بيان مخارج الحروف وصفاتها وحالات القراءة (نفس المصدر، 1/ 324). كما أشار آية الله معرفت في كتاب «التمهيد» عند بحث لغة القرآن الكريم إلى مخارج وصفات الحروف (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1415 هـ.ق: 5/ 228-236).

5. مصادر القراءات

في الكتب التي أُلفت في مجال القراءات، وأصول القراءات، واختلاف القراءات، وطريقة القراءات، تم الاهتمام أيضًا بتجويد القرآن ضمن المطالب. وسبب هذا الأمر هو تأثير التجويد في طريقة القراءة ونقاط الاشتراك والاختلاف بينهما. من ناحية أخرى، كلا العلمين يهتمان بنطق وأداء كلمات القرآن الكريم اهتمامًا خاصًا. ومن وجهة نظر بعض الباحثين، فإن العلاقة بين علم التجويد والقراءات هي علاقة الكل بالجزء (معيني، دانشنامه قرآن كريم و قرآن پژوهى، 1389 هـ.ش: 1/ 477)؛ بمعنى أن جزءًا من المباحث المتعلقة بالقراءات يُطرح في علم مستقل بعنوان التجويد. الشاطبي (590 هـ.ق) في «حرز الأماني» (الشاطبي، حرز الأماني ووجه التهاني في القرائات السبع، د.ت: 146)، وابن إسماعيل (665 هـ.ق) في «إبراز المعاني من حرز الأماني في القرائات السبع» (ابن إسماعيل، إبراز المعاني من حرز الأماني في القرائات السبع، د.ت: 743)، والنيرباني (معاصر) في «الجوانب الصوتية في كتب الاحتجاج للقرائات» (النيرباني، الجوانب الصوتية في كتب الاحتجاج للقرائات، 1427 هـ.ق: 52)، والواسطي (740 هـ.ق) في «الكنز في القرائات العشر» (الواسطي، الكنز في القرائات العشر، 1425 هـ.ق: 1/ 165)، وابن الجزري (833 هـ.ق) في النشر (ابن الجزري، النشر في القرائات العشر، د.ت: 1/ 390) قد تناولوا هذه الموضوعات. إن دراسة الكتب المذكورة أعلاه تظهر أن الاهتمام بالمباحث الصوتية كان من همم الباحثين المسلمين منذ القدم، ومن وجهة نظرهم، فإن هذه المباحث لها قيمة وتأثير كبير في دراسة المباحث الكلامية والأدبية للغة العربية. والجدير بالذكر أنه في كتب علم القراءات، كان الاهتمام أكبر بالقواعد التجويدية لكل قراءة؛ لأنهم كانوا يعتبرون مبحث الحروف أمرًا بديهيًا لأنفسهم كونهم ناطقين بالعربية؛ على سبيل المثال، بمراجعة كتاب «السبعة» لابن مجاهد (245-324 هـ.ق) – وهو أول من اختار سبع قراءات من بين القراءات المتعددة في ذلك العصر وقام بجمع وتوضيح مواضع اختلاف القراءات في هذا الكتاب – نلاحظ أنه ضمن القراءات المختلفة يبحث عن القواعد الصوتية لكل قارئ. هذه القواعد عبارة عن: «نون ساكنة، تنوين وأحكامها في القراءات السبعة، هاء الكناية، الهمزة، المد والقصر، أحكام الهمزتين في كلمة واحدة، الهمزتين المتجاورتين في كلمتين، الفتح والإمالة، …». من الآثار الأخرى الهامة جدًا والتي لها اعتبار وتقدير كبير في هذا العلم، كتاب «الغاية في القراءات العشر» تأليف أحمد بن حسين بن مهران الأصبهاني (381 هـ.ق). وهو أيضًا ذكر مواضع اختلاف القراءات ولم يتطرق إلى مخارج وصفات الحروف، ولكنه طرح القواعد التجويدية لكل قراءة بناءً على مصاديقها؛ قواعد مثل الإمالة، والإشمام، وتسهيل الهمزة، والغنة و… (ستوده نيا، دراسة مقارنة بين التجويد وعلم الأصوات، 1378 هـ.ش: 14). أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (371-444 هـ.ق) من مشايخ القراء، اتبع نفس الأسلوب وقام بتأليف الكتاب المعروف «التيسير في القراءات السبع». هذا الكتاب هو أهم وأوثق كتاب في علم القراءات، وقد اتبعه جمهور القراء والأساتذة. بالطبع، بما أن أساس عمل هؤلاء العلماء في كتب القراءات كان قائمًا على بيان مواضع اختلاف القراءات، فلم يولوا اهتمامًا لذكر مخارج وصفات الحروف، ولكن في المواضع التي يتغير فيها صوت الحرف في قراءة معينة، كانوا ينبهون عليه؛ مثل الصاد التي يختلط صوتها بـ «الزاي» (إشمام الصاد الزاي)، أو في الهمزة التي تُسهّل؛ مثل تسهيل الهمزة بين الهمزة والألف، أو تسهيل الهمزة بين الهمزة والياء، أو الهمزة والواو، أو إبدال الهمزة بأحد حروف المد، أو الألف المفخمة، واللام المغلظة، والراء المفخمة، والألف الممالة، وبشكل عام الأصوات التي تُبحث كحروف فرعية في علم القراءات. ومع ذلك، فإن بعض العلماء المسلمين، نظرًا لنوع تأليفهم، قد تناولوا ذكر مخارج وصفات الحروف؛ مثل أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي (355-437 هـ.ق) مؤلف كتاب «الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها». وقد خصص في المجلد الأول بابًا موجزًا لوصف مخارج وصفات الحروف. بالإضافة إلى ذلك، تناول أيضًا ذكر علل ودلائل كل من القراءات والأحكام التجويدية.

الخاتمة

1. علم الأصوات هو فرع من علوم اللغة أو علم الأحياء. المباحث الموجودة فيه هي مزيج من المباحث النظرية والشفوية للمتقدمين مع الأساليب التجريبية الجديدة في علوم مثل الطب والفيزياء والفيزيولوجيا.
2. الاهتمام بمباحث علم الأصوات كان موجودًا منذ القرون الأولى في آثار المؤلفين المسلمين. يمكن البحث عن المباحث الأولية لهذا العلم في الآثار الأدبية والبلاغية واللغوية والفلسفية للمتقدمين.
3. أول كتاب مفصل في علم الأصوات بمنهج جديد هو أثر أبي علي سينا. وقد تحدث كطبيب وعالم مطلع على أسرار الطبيعة في هذا الشأن.
4. كتب علم الأصوات لها توجهات متعددة، والتوجه الرئيسي لكتب علم الأصوات المعاصرة في اللغة العربية هو المقارنة التطبيقية لعلم الأصوات مع علم التجويد.
5. الاهتمام بتأثير علم الأصوات في العلوم القرآنية مثل البلاغة والصرف بهدف تبيين أفضل لمكانة علم الأصوات بين العلوم الإسلامية هو من الأنشطة الأخرى للمؤلفين المعاصرين في علم اللغة.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: 1396/06/24 هـ.ش، وتاريخ القبول: 1396/08/16 هـ.ش.1

2. عضو الهيئة العلمية بجامعة المصطفى العالمية. البريد الإلكتروني: Amini63@chmail.ir2

Scroll to Top