ملخص
لآية الله البروجردي في ماهية المفهوم رؤية مبتكرة: أولاً، يرى أن المفهوم، خلافاً للمنطوق الناشئ من وضع الألفاظ وظلاله، ينشأ من دلالة فعل المتكلم على أخذه قيداً في كلامه. ومن هنا، يضع المفهوم تحت طائلة الأصول العقلائية الجارية في الأفعال الاختيارية. ثانياً، يعدّ النزاع الأصولي فيه نزاعاً كبروياً. ثالثاً، ينسب هذا الرأي إلى الأصوليين المتقدمين، وبناءً عليه ينتقد الشيخ الأنصاري ومن تلاه من الأصوليين. وقد تم في هذه المقالة نقد ودراسة محاور رؤيته الثلاثة. وفي ثنايا هذه الدراسة، قورنت نظرية استعمال الألفاظ في أصول الفقه بنظرية الأفعال الكلامية في فلسفة اللغة. وقد كان اهتمامه بالجانب السلوكي لاستعمال الألفاظ أساساً لهذه المقارنة.
المقدمة
يعد مبحث المفاهيم من أكثر المباحث تطبيقاً في استنباط الأحكام وله تاريخ طويل في أصول الفقه لدى الإمامية والعامة. وعليه، فإن للاختلاف في الرؤى في هذا المبحث آثاراً جمة في الفقه والأصول. وفي البنية المشهورة والمتداولة لمباحث أصول الفقه، يندرج هذا المبحث ضمن مباحث الألفاظ. ففي المتن الأصلي لمباحث الألفاظ، تُبحث وتُحلل وتُثبت الكليات والقواعد لتشخيص صغريات كبرى حجية ظهور الألفاظ. أما كبرى حجية ظهور الألفاظ، فتُبحث وتُثبت في مباحث الحجج والأمارات.
لآية الله البروجردي رؤية خاصة في ماهية المفهوم، يرى أن لها تأثيراً يصل إلى حد نقل مبحث المفاهيم من قسم مباحث الألفاظ إلى قسم الحجج والأمارات. ونتيجة لهذا النقل، يتغير نوع الأدلة المطروحة في مبحث المفاهيم؛ فبدلاً من أدلة وجود المفهوم أو عدمه، تصبح الأدلة هي أدلة حجية أو عدم حجية المفهوم الموجود. وبناءً على ذلك، فإن ضرورة دراسة ماهية المفهوم، التي تتمحور حول رؤية سماحته في هذه المقالة، تكتسب أهميتها من جهة تأثيرها على بنية علم الأصول، ومن جهة نوع أدلة الإثبات والنفي لاعتبار المفاهيم. ويرى آية الله البروجردي أن رأيه في ماهية المفهوم هو تفسير وتبيين لرأي الأصوليين المتقدمين (منتظري، ١٤١٥ هـ: ص ٢٩١، ٢٩٦ و ٣٠٠).
لعرض ودراسة رأي آية الله البروجردي، بعد نقله وتوضيحه، سنلقي نظرة في هذا الموضوع على رأي الغزالي في المستصفى، بوصفه ممثلاً بارزاً لأصول فقه المتقدمين من أهل السنة، لنمهد لأصول الفقه السني في الموضوع، والذي كان محل اهتمام آية الله البروجردي في منهجه الفقهي والأصولي. ثم نستعرض رأي السيد المرتضى وعدد من الأصوليين الإماميين البارزين الذين من المؤكد أنهم مقصود آية الله البروجردي بالمتقدمين من الأصوليين الإمامية. بعد ذلك، سيتم نقل رأي الشيخ الأنصاري، الذي يُعد الرأي الأبرز للمتأخرين ومحط نقد آية الله البروجردي. ثم يتبع ذلك عرض تفصيلي لرأي سماحته ودراسته.
خلاصة وعرض أولي لنظرية آية الله البروجردي
خلاصة دعوى آية الله البروجردي في ماهية المفهوم هي كالتالي:
الدلالة المفهومية خارجة عن أقسام الدلالة الثلاثة: المطابقية والتضمنية والالتزامية. مقسم هذه الثلاثة هو دلالة اللفظ بلحاظ وضعه للمعنى. فإن كانت دلالة اللفظ بلحاظ هذا الوضع على تمام المعنى الموضوع له، فهي دلالة مطابقية، وإن كانت على جزء منه، فهي دلالة تضمنية، وإن كانت على لازمه، فهي دلالة التزامية؛ أما دلالة اللفظ على المفهوم، فليست بلحاظ وضع اللفظ للمعنى، بل هي من باب دلالة الفعل على أساس البناء العقلائي (نفسه: ص ٢٩٤؛ وانظر: الخميني، ١٣٧٩: ص ٢٦٧).
ويرى سماحته بعد بيان هذه الدعوى أن ثمرتها هي كون البحث في فصل المفاهيم في أصول الفقه كبروياً:
اتضح أن استفادة المفهوم هي من باب البناء العقلائي. ولا شك في أن البناء العقلائي على حمل كلام المتكلم وخصوصياته على صدوره بداعي الغايات النوعية لها. وكذلك فإن الغاية النوعية لقيود الكلام هي تدخلها في المطلوب والمقصود الذي أُفِيد الكلام من أجله. ومثل هذا البناء قطعي الوجود عند العقلاء؛ والإشكال فقط في حجيته. وعلى هذا الأساس، فإن كلام المتأخرين الذين يرون النزاع في حجية المفاهيم صغروياً، لكونهم يتصورونه في ثبوت المفهوم لا في حجيته، هو كلام غير صحيح. ومن هنا كان المتقدمون يبحثون في حجية المفهوم، لا في أصل ثبوته (منتظري، ١٤١٥هـ: ص ٢٩٥).
في العبارة السابقة، يعد البناء العقلائي على تدخل قيود الكلام في المقصود أمراً قطعياً، ولكن الترديد والبحث لديهم يكمن في حجية هذا البناء. ويرفض الإمام الخميني كون النزاع كبروياً حتى على أساس عدم كون المفهوم ذا ماهية لفظية كما يدعي آية الله البروجردي. فإنه يقرر في البداية كون النزاع كبروياً بناءً على عدم كون المفهوم ذا ماهية لفظية، قائلاً: عندما لا يكون المفهوم من المدلولات اللفظية، فمن الممكن للمتكلم، على الرغم من فهمه، أن ينكر قوله. وبناءً عليه، يمكن التساؤل عما إذا كان قابلاً للاحتجاج به أم لا (الخميني (الإمام)، ١٣٧٣: ج ٢، ص ١٧٨؛ السبحاني، ١٤٢٣: ج ٢، ص ٩٧؛ الفاضل، ١٣٧٨: ص ٢٣٤).
التقرير أعلاه مقتبس من توضيح آية الله البروجردي نفسه في ماهية المفهوم:
ما يُفهم من كلام المتكلم على نوعين: أحياناً يمكن القول بأن المتكلم قال ذلك الكلام، بحيث لو قيل له: أنت قلت هذا الكلام، لا يستطيع إنكاره. وأحياناً أخرى يُفهم من كلام المتكلم شيء يمكنه إنكار قوله ولا يمكن إلزامه به. على سبيل المثال، عندما يقول: ‘إذا جاء زيد فأكرمه’، لا يمكنه سلب المدلولات المطابقية والتضمنية والالتزامية لهذا القول من كلامه والقول: ‘أنا لم أقل ذلك’؛ ولكن على الرغم من أن عدم لزوم إكرام زيد في حال عدم مجيئه يُفهم من قوله، إلا أنه يمكنه أن يقول: ‘أنا لم أقل هذا، بل قلت فقط إن إكرام زيد لازم عند مجيئه’. فانتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط ليس من لوازم ثبوت الجزاء عند ثبوت الشرط، حتى يُقال إن دلالة اللفظ عليه بالدلالة الالتزامية ثابتة؛ إذ إن لزوم الإكرام عند المجيء، بحسب الواقع، لا يستلزم عدم لزومه عند عدم المجيء. ومع ذلك، فإن هذا المطلب يُفهم وجداناً من الكلام المذكور، ولكن لا يمكن نسبة قوله إلى المتكلم (منتظري، ١٤١٥هـ: ص ٢٩٢).
وعلى كل حال، فإن الإمام الخميني، في رده لكون النزاع كبروياً، بناءً على الماهية التي يرسمها آية الله البروجردي له، يقول: بناءً على هذه الماهية، يظل النزاع صغروياً؛ لأنه في هذه الحالة، يعتقد مدعي المفهوم أن إيراد قيد زائد على أصل الكلام، بوصفه فعلاً اختيارياً، يدل على موضوعية ذلك القيد للحكم وعدم جواز استبداله بشيء آخر، بينما ينكر منكر المفهوم وجود مثل هذه الدلالة. إذن، فإن المثبت والمنكر يتنازعان على وجود أو عدم وجود دلالة ما، لا أنهما يتنازعان على حجيتها مع التسالم على وجودها (الخميني (الإمام)، ١٣٧٣: ج ٢، ص ١٧٨؛ السبحاني، ١٤٢٣: ج ٢، ص ٩٧؛ فاضل، ١٣٧٨: ص ٢٣٤).
إمكانية تتبع رأي آية الله البروجردي في رأي الغزالي
يمكن ملاحظة سابقة رأي آية الله البروجردي حول ماهية المفهوم في كلام الأصولي البارز والمتقدم من أهل السنة، الغزالي (المتوفى ٥٠٥ هـ). فقد اعتبر في أحد تقسيماته دلالة المفهوم «بواسطة الإشارة والمفهوم» وجعلها قسيماً لدلالة «بواسطة الصيغة وبنية اللفظ» (الغزالي، ١٤١٧ هـ: ص ١٨٠). ثم يقول:
معنى المفهوم هو الاستدلال بتخصيص شيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه. ويسمى هذا مفهوماً لأنه يفهم في حال كونه غير مستند إلى المنطوق، وإلا لكان مدلول المنطوق يمكن أن يسمى مفهوماً أيضاً. وقد يسمى المفهوم دليل الخطاب، والأسماء لا قيمة لها في الاعتبار والبحث. وحقيقة البحث في المفهوم هي: هل تعليق الحكم على أحد الوصفين المتخالفين يدل على نفي الحكم عن الموصوف بالوصف الآخر أم لا؟ (نفسه: ص ٢٦٥).
ويصرح في ‘المنخول’ بأن المفهوم ليس من جنس الكلام، بل من اقتضاءاته (الغزالي، ١٤١٩: ص ٣٠١).
هذه المقارنة اليسيرة بين عبارات رأي الغزالي حول ماهية المفهوم ورأي آية الله البروجردي الذي نقلناه، تظهر بوضوح تقارب الرأيين. إن جوهر كلام البروجردي في ماهية المفهوم يرتكز على نقطتين: الأولى، أنه ليس من جنس دلالة اللفظ على مدلوله، أي ليس لفظاً وُضع لمعنى. الثانية، أنه من جنس دلالة الفعل على مقصود، يجب النظر فيما إذا كان حجة في إفادة ذلك المقصود أم لا. هذا الجوهر موجود أيضاً في كلام الغزالي. النقطة الأولى موجودة في بيانيه: الأول، في التقسيم المذكور أعلاه حيث يقول إن المفهوم لا يأتي من الصيغة وبنية اللفظ، بل يُستفاد من فحوى الكلام وإشارته. الثاني، حيث يصرح بأن المفهوم ليس من جنس الكلام. وقد أوصل الغزالي النقطة الثانية من كلام البروجردي (وهي كون جنس المفهوم دلالة فعل) ببيان محتوى البحث في المفهوم. فوفقاً لهذا البيان، فإن ‘تعليق الحكم على أحد الوصفين المتخالفين’ هو موضوع البحث في المفهوم. و’التعليق’ فعل.
ومع ذلك، عندما ندرس بدقة أدلة النفي والإثبات التي يوردها الغزالي للمفهوم في تتمة بحثه (الغزالي، ١٤١٧ هـ: ٢٦٥ – ٢٧٣)، نجد أنه باستثناء حالة واحدة سنتطرق إليها هنا، سنجد الشواهد نفسها التي في كلام السيد المرتضى (في تتمة هذه المقالة) والتي سنعتبرها دليلاً على اختلاف رأي السيد مع رأي المرحوم البروجردي. من هنا، يمكننا القول بمقارنة كلام الغزالي بكلام المرحوم البروجردي أن كلام الغزالي في طريقة طرحه ورسمه المبدئي للبحث، يستدعي رأي المرحوم البروجردي في ماهية المفهوم، ولكنه في تتمة البحث، باستثناء مورد واحد، لا يواكب هذا الاستدعاء.
ما يستدعي رأي آية الله البروجردي في ماهية المفهوم في بحث الغزالي، هو تأكيد الغزالي على محورية أحد أدلة مدعي المفهوم. ويبدو أن هذا الدليل هو نفسه الذي استخلصه آية الله البروجردي من عبارة نقلناها عنه. يقول الغزالي:
الدليل الرابع [من أدلة مدعي المفهوم] الذي يتمسك به الأكثرون وهو أكبر سبب للوقوع في وهم اعتبار المفهوم، هو أن تخصيص شيء بالذكر يجب أن تكون له فائدة. [على سبيل المثال] لو فرضنا أن الحيوان السائم والرابض في المعلف، أو المرأة الثيب وغير المتزوجة، أو العمد والخطأ، كلها سواء في الأحكام الشرعية المتعلقة بها، فلماذا يُخصّص أحد طرفي هذه الفروض بالذكر في الكلام؟ في حين أن الأحكام ثابتة لكلا الفرضين ولا حاجة لبيان كل منهما؟ لو كان الحكم ثابتاً لكل من الفرضين، لما كان هناك أي دافع لتخصيص فرض واحد في الكلام، ويكون مثل هذا التخصيص لغواً (نفسه: ص ٢٦٨).
إن التمسك بقاعدة ‘اجتناب اللغو’ عند العقلاء لإثبات المفهوم هو النقطة الأساسية التي يركز عليها آية الله البروجردي في ماهية المفهوم. ولكن أول جواب يقدمه الغزالي لهذا الدليل، يُظهر أن ماهية المفهوم لديه ولدى خصمه هي ماهية لفظية:
هناك أربعة أجوبة: أولاً، إن الدليل قد سار عكس ما يقتضيه المنطق؛ لأن البحث عن الفائدة يُستخدم كوسيط لمعرفة وضع اللفظ. ما يقتضيه المنطق هو أن يُعرف وضع اللفظ أولاً، ثم بناءً على وضع اللفظ تُعرف الفائدة التي تترتب عليه. فمعرفة الفائدة هي من آثار معرفة الوضع، لا أن وضع اللفظ يكون تابعاً لمعرفة الفائدة (نفسه: ٢٦٩).
في العبارة أعلاه، ترتبط ماهية المفهوم بوضع الألفاظ بوضوح، ولا يمكن تبريرها بماهيتها الفعلية كما يراه آية الله البروجردي. وأقل ما يمكن استنتاجه من هذا الوضع هو أنه لا يمكن القطع بنسبة الماهية الفعلية للمفهوم إلى الغزالي، الأصولي البارز في صفوف المتقدمين من أهل السنة. ففهمه لدليل أنصار المفهوم، الذين كانوا بطبيعة الحال قبله، لا ينسجم مع فرضية الماهية الفعلية للمفهوم.
رأي السيد المرتضى والأصوليين قبل الشيخ الأنصاري
1. رأي السيد المرتضى
لا يتعرض السيد المرتضى (المتوفى ٤٣٦ هـ) صراحةً لماهية المفهوم، ولكن يمكن استخلاص ماهية المفهوم لديه من طريقة طرحه للبحث. في بداية طرح البحث، قد يتبادر إلى الذهن أنه يوافق الغزالي وآية الله البروجردي في ماهية المفهوم. ومنشأ هذا الظن هو العنوان الذي يطلقه على بحث مفهوم الوصف: «فصل في أن تعليق الحكم بصفة لا يدل على انتفائه بانتفائها» (السيد المرتضى، ١٣٧٦: ج ١، ص ٣٩٢).
الظاهر الأولي لهذه العبارة يستدعي رأي آية الله البروجردي بأن ماهية المفهوم من قبيل دلالة الفعل (تعليق الحكم على صفة) لا دلالة اللفظ. ولكن استمرار كلام السيد يحمل نقاطاً تزيل هذا الظهور. وفيما يلي مثالان على هذه النقاط:
١. في بيان رأيه القائل بعدم مفهوم الوصف، يقول: «وأن القول إذا تجرد، لم يقتض نفياً ولا إثباتاً فيما عدا المذكور، وأن بالقرائن تارة يعلم النفي، وأخرى الإثبات» (نفسه: ٣٩٣). ظاهر العبارة هو أن اقتضاء النفي والإثبات للمفهوم هو من «القول» لا الفعل.
٢. أول دليل يورده لرأيه يتضمن معنى مفاده أنه لو كان للوصف مفهوم، لكان لاسم اللقب أيضاً مفهوم. ثم لإثبات عدم وجود مفهوم لاسم اللقب، يقول لو كان لاسم اللقب مفهوم، لكانت جميع الجمل التي يُحمل فيها شيء على اسم اللقب، مثل «زيد قائم» أو «عمرو طويل القامة»، مجازية لا حقيقية؛ لأن مفهوم هذه الجمل يعني أنها وُضعت لإثبات المحمولات على اسم اللقب المذكور في الجملة ونفيها عن سائر أسماء الألقاب؛ بينما نعلم أن الجمل المذكورة تُستعمل فقط لإثبات تلك المحمولات على أسماء الألقاب المذكورة في الجملة (نفسه: ٣٩٤). من هذا الاستدلال، بغض النظر عن صحته أو سقمه، يتضح بجلاء أن وجود المفهوم وعدمه واعتباره يقع ضمن إطار دلالة الألفاظ من حيث وضعها للمعاني واستعمالها في الموضوع له أو غير الموضوع له. ويمكن من خلال التدقيق في سائر استدلالات السيد المرتضى في البحث المذكور، الوصول إلى نقاط أخرى لإثبات كون ماهية المفهوم لديه لفظية (نفسه: ص ٣٩٨).
أما مخالفة السيد المرتضى للمفهوم، حتى مفهوم الشرط، فلا يمكن أن تكون دليلاً على موافقته لآية الله البروجردي في ماهية المفهوم. توضيح ذلك أن سماحته بعد بيان رأيه في ماهية المفهوم، يدعي أن توجيه السيد المرتضى في رد المفهوم يستند إلى هذه الماهية نفسها؛ لأنه في الجملة الشرطية يقبل بتدخل الشرط في الحكم، ولكنه ينكر دلالتها على انتفاء الحكم بانتفاء ذلك الشرط (منتظري، ١٤١٥ هـ: ٢٩٧).
بالنظر إلى النقاط السابقة التي دلت على كون ماهية المفهوم لدى السيد المرتضى لفظية، لا يوجد دليل لتوجيه رأيه على أساس كونها فعلية. بل يمكن بسهولة توجيه قوله بعدم المفهوم على أساس كونه لفظياً. فكلامه هكذا: «… تأثير الشرط [في معنى الجملة] هو أن الحكم يتعلق بالمشروط، ولكنه لا يمنع من أن يحل شرط آخر محله ويؤدي نفس دور الشرط الأول» (السيد المرتضى، ١٣٧٦: ج ١، ص ٤٠٦). التأثير والامتناع المذكوران في هذا البيان يمكن أن يكونا من جنس الدلالة وعدم الدلالة اللفظية، وهو ما يجب تبيينه على هذا النحو بالنظر إلى النقاط المذكورة في عبارات السيد المرتضى.
2. رأي الشيخ الطوسي
عبارات الشيخ الطوسي أيضاً في ‘عدة الأصول’ تحمل نفس الشواهد على كون ماهية المفهوم لفظية كما نقلنا من عبارات السيد المرتضى. بالطبع، قد وضع عنوان البحث «دليل الخطاب» (الطوسي، ١٤١٧ هـ: ج ٢، ص ٤٦٧)، وهو ما يعبر به أحياناً بعض، ومنهم السيد المرتضى نفسه، عن المفهوم المخالف بدليل الخطاب (السيد المرتضى، ١٣٧٦: ج ١، ص ٣٩٨). وقد سبق نقل هذا التعبير في كلام الغزالي أيضاً. إن إلقاء نظرة على عبارات الأصوليين بعد السيد المرتضى والشيخ الطوسي في بحث المفاهيم، سواء صراحةً أو بشواهد تشبه الشواهد المشار إليها في عبارات السيد المرتضى، مثل تعريفهم للمفهوم كأحد أقسام المدلولات اللفظية، يدل على كون ماهية المفهوم لديهم لفظية (منهم: ابن زهرة، دون تاريخ: ص ٥٣٤؛ الحلي، ١٤٢٥ هـ: ج ٢، ص ٥١٢؛ العاملي الجماعي، دون تاريخ: ص ٧٩؛ الشيخ البهائي، ١٤٢٣ هـ: ص ١٥٠؛ الطباطبائي، ١٢٩٦ هـ: ص ٢٠٧؛ الميرزاي القمي، ١٤٣٠ هـ: ج ١، ص ٣٨٤).
في هذا السياق، يطرح المرحوم التوني في كتاب ‘الوافية’ بحث المفهوم بطريقة يبدو فيها أن كون ماهية المفهوم لفظية أو فعلية كلاهما محل اهتمامه، وفي كلتا الحالتين إما يرفضه أو لا يراه حجة. ولكن يبدو أن الجانب الفعلي، أو بتعبيره العقلي، لماهية المفهوم يترجح لديه على الجانب اللفظي؛ لأنه يشير إلى الجانب العقلي في طرح وبيان موقع المفهوم ضمن تقسيم مباحث الأصول، ولكنه يورد الجانب اللفظي كمدلول التزامي في سياق رد قول الآخرين (التوني، ١٤١٥ هـ: ص ١٦٩، ٢١٨، ٢٢٩ و ٢٣٢ – ٢٣٦)، وهو ما يمكن اعتباره مماشاة مع الخصم اصطلاحاً.
النتيجة التي يمكن استخلاصها من استعراض آراء الأصوليين حتى قبل الشيخ الأنصاري هي أن الرأي الغالب، بل رأيهم جميعاً تقريباً، هو كون ماهية المفهوم لفظية.
رأي الشيخ الأنصاري والأصوليين من بعده
1. رأي الشيخ الأنصاري
يمكن تلخيص رأي الشيخ الأنصاري في ماهية المفهوم في النقاط الأربع التالية:
١. المفهوم من قبيل المدلولات الالتزامية للألفاظ، من حيث وضعها للمعاني.
٢. المفهوم من قبيل المدلولات الالتزامية للمركبات، لا المفردات.
٣. المفهوم مدلول التزامي قصده المتكلم.
٤. استقر اصطلاح الأصوليين على تسمية فئتين من المدلولات الالتزامية بالمفهوم: الأولى تلك التي تفيد معنى «لا» أو «غير» (المفهوم المخالف)، والثانية تلك التي تفيد معنى الترقي (المفهوم الموافق) (الكلانتري، ١٣٨٣: ج ٢، ص ١٦).
إشكال آية الله البروجردي على الشيخ الأنصاري هو أنه على الرغم من الطول والتفصيل في كلامه، لم يقدم نقطة يعتد بها للفرق بين المفهوم والمنطوق. ظاهر عبارات المتقدمين هو تقسيم المدلول إلى قسمين مختلفين ماهوياً، لا أنهم يسمون بعض المدلولات الالتزامية مفهوماً والبقية منطوقاً دون وجه. والشاهد على ذلك أنهم اختلفوا في كون دلالة الغاية والاستثناء مفهومية أم منطوقية. ومن هذا الاختلاف يُعلم أن المفهوم والمنطوق متميزان بحسب الواقع (منتظري، ١٤١٥ هـ: ص ٢٩١). ثم يقول إن من تلا الشيخ من المتأخرين لم يقدموا في هذا الباب معياراً صحيحاً وقابلاً للاتكاء (نفسه).
إن الحكم على هذا الإشكال مرهون بدراسة رأي آية الله البروجردي في ماهية المفهوم. فإذا قُبل تحليله في هذا المورد، فإنه بطبيعة الحال يعني وجود فرق ماهوي بين المفهوم والمنطوق؛ كما أن موافقة هذا الرأي وتطابقه مع رأي الأصوليين المتقدمين من الإمامية وأهل السنة، بممثليهم المرحوم السيد المرتضى والغزالي، قد تمت دراستها واستنتاجها سابقاً.
2. رأي الأصوليين بعد الشيخ الأنصاري
كما أُشير في إشكال آية الله البروجردي، فإن جميع الأصوليين المعروفين والبارزين بعد الشيخ الأنصاري، اعتبروا المفهوم نوعاً من المدلول بالدلالة الالتزامية اللفظية (الخراساني، ١٤٠٩ هـ: ص ١٩٣؛ الكاظمي، ١٣٧٦: ج ٢، ص ٤٧٧؛ الخوئي، ١٣٥٢: ج ١، ص ٤١٤؛ العراقي، ١٤١٧ هـ: ج ٢، ص ٤٦٩؛ الهاشمي الشاهرودي، ١٤١٩ هـ: ج ٢، ص ١٩١؛ الخميني، ١٣٧٣: ج ٢، ص ١٧٦؛ الحكيم، ١٤١٣ هـ: ج ٣، ص ٢١١). بالطبع، الأصوليون الذين اهتموا بآراء آية الله البروجردي، أشاروا إلى هذا الرأي أيضاً، وبعضهم (مثل الخميني، ١٣٧٣: ج ٢، ص ١٧٦) ترددوا في نسبته إلى قدماء الأصوليين وفي صحته.
النقد والدراسة
ندرس ماهية المفهوم من وجهة نظر آية الله البروجردي في عدة محاور تالية:
المحور الأول
تقرير ودراسة دليل رأي آية الله البروجردي: من مجموع كلامه، يمكن استخلاص ثلاث نقاط في سبيل إثبات رأيه. من هذه الثلاث، وبالترتيب الذي وردت به في كلامه، يمكن اعتبار الأولى مؤيدة، والثانية لإثارة أو تمهيد الذهن لقبول الدليل، والثالثة هي دليله. بالطبع، النقطة الثالثة التي نعتبرها دليلاً، هي عبارة عن تحليل وتطبيق للبناءات العقلائية حول استخدام الألفاظ لإفادة المعاني. وفيما يلي بيان لعدة نقاط:
النقطة الأولى: أولى نقاط هذه الدعوى هي أن المفهوم لدى قدماء الأصوليين خارج عن مقسم الدلالات اللفظية الثلاث: المطابقية، التضمنية، والالتزامية. ومن كلامه، لإثبات هذه الدعوى بأن القدماء يعتبرون المفهوم خارجاً عن مقسم الدلالات اللفظية الثلاث، يمكن إيجاد شاهدين: الشاهد الأول هو فهم القدماء للتعريف المشهور للمفهوم. وفهمه هو أن تعريف المفهوم بـ«الدلالة لا في محل النطق»، يعني عدم كون ماهية المفهوم لفظية (الخميني، ١٣٧٩: ص ٢٦٧).
تعريف المفهوم بـ«دلالة لا في محل النطق» منقول عن الحاجبي، الأصولي السني من القرن السابع، (الكلانتري، ١٣٨٣: ج ٢، ص ١٢) ثم اشتهر تعريفه بين الأصوليين الشيعة والسنة (الميرزاي القمي، ١٤٣٠ هـ: ج ١، ص ٣٨٤؛ الموسوي القزويني، قم ١٤٢٧ هـ: ج ٤، ص ٢٣٤؛ الشوكاني، دون تاريخ: ص ١٧٨؛ الآمدي، ١٤٠٢ هـ: ج ٣، ص ٦٦). تفسير هذا التعريف بأن المراد منه عدم كون المفهوم ضمن مجموعة الدلالات اللفظية، حسب تتبع الكاتب، لم يُعثر عليه في أي أثر أصولي قبل آية الله البروجردي. بل لو تحفظنا على عبارة التعريف، فبقول أحد الأصوليين بعد آية الله البروجردي، يمكن تطبيقه والتوافق معه على رأي كون المفهوم لفظياً وعلى رأي كونه غير لفظي أو فعلياً، وهو ما يتبناه آية الله البروجردي. بل إن عبارته أظهر في الرأي الأول؛ إذ من الممكن، خلافاً لفهم آية الله البروجردي، أن نعتبر المراد من «محل النطق» هو الدلالة المطابقية، أو المطابقية والتضمنية، وبالمقابل، نعتبر المراد من «لا في محل النطق» هو الدلالة الالتزامية. وبهذا الشكل، نكون قد طبقنا التعريف على الرأي الأول (الخميني، ١٣٧٣: ج ٢، ص ١٧٧).
من الواضح أنه على فرض صحة فهم آية الله البروجردي للتعريف، فإن النقطة الأولى لا تملك قيمة لإثبات رأيه أكثر من مجرد التأييد؛ لأن مجرد الموافقة أو المخالفة لرأي القدماء لا يثبت شيئاً أو ينفيه.
النقطة الثانية: هي أن ما يسمى مفهوماً، يمكن أن يكون موضع إنكار من المتكلم بأنه لم يقله؛ فمثلاً لو قال قائل: «إن جاء زيد فأكرمه»، يُفهم من كلامه أنه إذا لم يتحقق مجيء زيد، فإن إكرامه غير واجب، ولكن لا يمكن إلزام القائل بأنك قلت إنه إذا لم يتحقق مجيء زيد فإن إكرامه غير واجب. ولو قيل له: لماذا قيدت كلامك بالمجيء؟ يمكنه أن يبرر فعله بتبريرات أخرى (الخميني، ١٣٧٩: ص ٢٦٧).
دعوى جواز هذا الإنكار أعم من دعوى حجية المفهوم أو عدم حجيته، ومراد آية الله البروجردي من التنبيه إليها ليس دعوى عدم الحجية أو نفي المفهوم؛ لأنه لم يقل هذه النقطة في مقام البحث عن حجية المفهوم.
على كل حال، لا يمكن للنقطة الثانية أيضاً إثبات كون ماهية المفهوم فعلية/غير لفظية؛ لأنه على فرض صحتها، فإنها تثبت أن ما يسمى مفهوماً لا يمكن نسبته ككلام إلى القائل، ولكن عدم نسبة الكلام إلى القائل يحتمل أمرين: أحدهما أن ما نسميه مفهوم الكلام ناشئ عن وهم، وإلا فلا يوجد أي مدلول سوى المنطوق. والثاني أن هناك مدلولاً، ولكنه ليس من جنس اللفظ، بل من جنس الفعل. ولا يوجد في النقطة الثانية ما يعين الاحتمال الثاني ليكون دليلاً على إثبات ماهية المفهوم غير اللفظية أو الفعلية. بعبارة أخرى، لكي تكون هذه النقطة دليلاً، يجب أن يُضم إليها معنى أن مدلولات الألفاظ إما أن تكون لفظية أو فعلية. فإذا وجدت هذه الضميمة، يمكن من خلال عدم كون مدلول ما لفظياً إثبات كونه فعلياً. وهذه الضميمة هي النقطة الأصلية لآية الله البروجردي التي أوردها هنا والتي نعتبرها نقطته الثالثة. والنقطة الثانية لا توصلنا إلا إلى منتصف الطريق الذي يريده. ولذلك نعتبرها مثيرة للذهن وممهدة لدليله الذي يأتي في النقطة الثالثة.
النقطة الثالثة: هي الدليل الأصلي لآية الله البروجردي لإثبات كون ماهية المفهوم فعلية، وهو يرتكز على تحليله وتأصيله لدلالة كل كلام على مراد المتكلم. ويدعي أن تحليله يتم في إطار الأصول العقلائية. وهذه الأصول تجري مرحلة بعد مرحلة وبالتتابع. في البداية، يبيّن هذه الأصول لفهم المعنى المنطوقي، ثم يوضحها في فهم المعنى المفهومي، ليُظهر الفرق بين ماهية المفهوم وماهية المنطوق.
تقرير كاتب هذه السطور لجريان الأصول العقلائية التي يعنيها، في فهم المعنى المنطوقي، هو كالتالي: الأصل الأول هو أنه إذا شككنا في أي فعل من الأفعال الاختيارية، هل هو لغاية وغرض أم هو لغو وباطل، يُحمل على وجود الغاية والغرض. الأصل الثاني، الذي يأتي بعد الأصل الأول، هو أنه إذا شككنا في أن الغرض من فعل اختياري هو فائدته الغالبة التي يُؤتى به من أجلها عادةً، أم فائدة نادرة، يُحمل على الفائدة العادية والغالبة. الأصل الثالث هو أصل يعين في كل مورد الفائدة العادية والطبيعية لكل فعل اختياري. وهذا الأصل، خلافاً للأصلين الأول والثاني، لا يملك محتوىً واحداً في جميع الأفعال، بل يختلف باختلاف خصوصيات كل فعل أو نوع من الأفعال. على سبيل المثال، في مورد استعمال الألفاظ من حيث إنها موضوعة للمعاني، فإن هذا الأصل هو عبارة عن أصالة الحقيقة (الخميني، ١٣٧٩: ص ٢٧٤. انظر أيضاً: منتظري، ١٤١٥ هـ: ص ٢٩٢).
بعد بيان الأصول العقلائية المذكورة وتطبيقها على استعمال الألفاظ للمعاني، يوضح جريان هذه الأصول في فهم المعنى المفهومي الناشئ من الخصوصيات والقيود المأخوذة في الكلام. والمراد من الخصوصيات والقيود هي تلك التي يُبحث في مبحث المفاهيم عن كونها ذات مفهوم أم لا، أو عن اعتبارها وعدم اعتبارها؛ مثل الشرط، والوصف، واللقب وغيرها.
تقرير من كلامه في هذا القسم هو كالتالي:
الأصول العقلائية، كما تجري في أصل صدور الكلام، تجري أيضاً في الخصوصيات المضافة إليه. وعليه، كلما شككنا في أن قيداً قد أُتي به لغواً أو لغرض، يُحمل على الغرض. وإذا شككنا في أنه لغرض التفهيم أم لا، يُحمل على غرض التفهيم. بناءً على ذلك، فإن البناء العقلائي في القيود المضافة هو الحمل على غرض التفهيم. وهذه القيود، إن كانت مثلاً قيداً للموضوع، فهي وسيلة لتفهيم دخل هذه القيود في الموضوع. وبهذا الترتيب، فإن دلالة هذه القيود على الدخل في الموضوع ليست من نوع دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له أو جزئه أو [لازمه] الخارجي، بل هي خارجة عن هذا النوع. وهذه الدلالة إنما هي من نوع دلالة الفعل الاختياري الصادر من الإنسان على شيء، بحسب الأصول العقلائية، لا بحسب وضع الألفاظ للمعاني (الخميني، ١٣٧٩: ص ٢٧٤).
في البيان المذكور، يتضح تطبيق الأصلين العقلائيين الأول والثاني من الأصول الثلاثة التي بيناها في تقرير كاتب هذه السطور. ولكن تطبيق الأصل الثالث الذي قلنا إنه قد يكون له مصاديق مختلفة في موارد مختلفة، هو عبارة عن أصالة دخل القيود في الموضوع أو الحكم، بحسب ما إذا كان القيد للموضوع أو للحكم.
البيان الأخير هو النواة المركزية لتحليل واستدلال آية الله البروجردي لإثبات كون ماهية المفهوم فعلية. والنقطة الأصلية في هذا البيان هي المصداق الذي يدعيه للأصل الثالث؛ لأنه كما قيل، الأصلان الأول والثاني يجريان في جميع الأفعال الاختيارية، بما في ذلك استعمال الألفاظ في معانيها الموضوعة لها بمحتوى واحد. وحقيقة دعوى وتحليل سماحته هي أنه في مسار الوصول إلى مفهوم ما، بعد إجراء الأصلين الأول والثاني المشتركين في الوصول إلى المفهوم والمنطوق، تأتي نوبة الأصل الثالث، الذي يُظهر الفرق الماهوي بين المفهوم والمنطوق. والفرق هو أنه في الوصول إلى المنطوق، تُستخدم أصول لفظية مثل أصالة الحقيقة وأصالة الإطلاق وما شابه، ولكن في الوصول إلى المفهوم، يُستخدم أصل عقلائي غير لفظي، أي أصل دخل القيود في الموضوع أو الحكم. وكون هذا الأصل العقلائي غير لفظي يرجع إلى أن دلالته هي من نوع دلالة الفعل الاختياري الصادر من الإنسان على شيء، لا بحسب وضع الألفاظ للمعاني.
ماذا يمكن أن يُقال حول هذه الدعوى أو التحليل؟ إذا وضعنا أنصار كون ماهية المفهوم لفظية في إطار يتقدم به آية الله البروجردي في البحث، فسيقولون في مقابله: إننا في الوصول إلى المفهوم، كما في الوصول إلى المنطوق، بعد إجراء الأصلين الأول والثاني، نستخدم أصولاً لفظية. فما هو الإلزام باستخدام الأصل العقلائي لدخل القيد في الموضوع أو الحكم؟ بعبارة أخرى، في مقابل دعوى آية الله البروجردي القائمة على استخدام الأصل العقلائي غير اللفظي المذكور للوصول إلى المفهوم، يُدعى أن قيود الكلام، كالكلام نفسه، في ظل الوضع الذي لها على المعاني، تدل على المعاني في إطار أصول لفظية مثل أصالة الحقيقة، وأصالة الإطلاق، والانصراف وغيرها. وهذا القول يتضح من خلال استعراض الأدلة التي تُطرح وتُبحث لإثبات مفهوم الشرط في الآثار الأصولية مثل ‘الكفاية’. وهذه الأدلة هي عبارة عن التبادر، والانصراف، وأنواع مختلفة من الإطلاق (الخراساني، ١٤٠٩ هـ: ص ١٩٤). وهذه كلها أصول لفظية لا يمكن التمسك بها إلا بفرض كون ماهية المفهوم لفظية.
بناءً على ذلك، نحن هنا أمام دعويين متقابلتين. قد يُقال إن مرجح دعوى آية الله البروجردي هو أنها توجه ماهية المفهوم دون الحاجة إلى وضع الألفاظ للمعاني، وإذا أمكن الوصول إلى معنى بمؤونة أقل، فإن العرف العقلائي يرجحه على المؤونة الأكثر، بل لا يبقى مجال للمؤونة الأكثر. بعبارة أخرى، وضع اللفظ لأصل الكلام كافٍ، وفي الوصول إلى المفهوم من خلال قيود الكلام، لا حاجة للوضع.
لو كان العمل الذي يقوم به الأصل العقلائي لدخل القيود في الحكم أو الموضوع، هو نفس العمل الذي يأتي من الوضع (أو بدائله التي هي في ظل الوضع، مثل الانصراف والإطلاق) لهذه القيود للمفهوم، بناءً على وجوده، لكان المرجح المذكور قابلاً للدفاع، ولكن الأمر ليس كذلك. فلم يدّع أحد، ومنهم آية الله البروجردي، لمفاد الأصل العقلائي المذكور شيئاً أكثر من الدخل في الجملة. والارتكاز العقلائي لدينا في الأفعال الاختيارية لا يوصلنا إلى أكثر من ذلك؛ بينما في طرف فرض الوضع لاستعمال القيود، على الأقل في مورد مفهوم الشرط، فإن الذين يدعون المفهوم يؤمنون بدخل يتجاوز ‘في الجملة’ ويصل إلى حد الدلالة على العلية المنحصرة. بناءً على ذلك، لا يمكن بالاعتماد على الأصل العقلائي المذكور، رفع الحاجة إلى الوضع وآثاره في استخدام القيود. والطبقة الأخرى من كلامنا هي أن تبيين ماهية المفهوم يجب أن يكون شاملاً بحيث يغطي جميع الأقوال، بل جميع الاحتمالات في مبحث المفاهيم، وألا يكون بحيث يستدل قول في أقوال المسألة ويثبت وينفي بناءً على ماهية وموضوع، وقول آخر بناءً على ماهية أخرى. واستدلال وتحليل آية الله البروجردي لا يؤمن هذا الأمر المهم.
يبدو أن تحليل آية الله البروجردي حول ماهية المفهوم، خلافاً لاعتقاده، لا يقع منطقياً في مقابل رأي أمثال الشيخ الأنصاري ومن بعده، بل هو مكمل لرأيهم. توضيح ذلك أن جريان الأصل العقلائي لدخل القيد ‘في الجملة’ في الموضوع أو الحكم، لا يقع في مقابل الإيمان بدلالة الجملة على المفهوم، بناءً على التبادر والانصراف والإطلاق التي يمكن التمسك بها في ظل وضع الألفاظ للمعاني، بل إن الأصل العقلائي المذكور يمهد لمثل هذا الإيمان لكي يتحقق في حال اقتضى البرهان ذلك. بعبارة أخرى، الذين يرون ماهية المفهوم مدلولاً التزامياً، ليسوا نافين لجريان الأصل المذكور؛ لأنه بفرض أصل الدخل -طبعاً الدخل في الجملة- المبني على الأصول العقلائية التي يراها آية الله البروجردي، في المرحلة التالية، يُعين نوع هذا الدخل (مثلاً، الدخل على نحو العلية المنحصرة في الجملة الشرطية) بناءً على أدلة كالتبادر والإطلاق. وبما أن هذه الأدلة هي في ظل وضع الألفاظ للمعاني، فإن النتيجة النهائية هي كون ماهية المفهوم لفظية. وبالطبع، في الموضع الذي لا تثبت فيه أدلة المفهوم، لا يثبت شيء سوى أصل دخل القيد، في حال عدم وجود دليل أو قرينة خاصة.
من النقطة المذكورة، يتضح أنه من حيث جريان الأصول العقلائية المذكورة ثم استخدام الأصول اللفظية كالتبادر، والإطلاق، والانصراف وغيرها، للوصول إلى المعنى والمدلول، لا فرق بين المفهوم والمنطوق. ففي الوصول إلى المدلول المنطوقي أيضاً، يجب أن يُطوى هذا المسار نفسه. وبناءً على ذلك، فإن طي هذا المسار لا يمكن أن يكون سبباً للفرق في ماهية المفهوم والمنطوق. ولا ننسى أن آية الله البروجردي قدم تحليله في طي هذا المسار من أجل التفريق بين المفهوم والمنطوق.
المحور الثاني
المحور الثاني من البحث هو تعميق رؤية آية الله البروجردي ومقارنتها بنظرية الأفعال الكلامية. بغض النظر عن صحة أو عدم صحة رأي آية الله البروجردي في ماهية المفهوم، يبدو أن في تحليله، هناك اهتمام ملحوظ وعميق بالجانب السلوكي لاستعمال الألفاظ لإفادة المرادات. وبقدر ما بحث الكاتب في الآثار الأصولية الكثيرة والمختلفة في تاريخ الأصول الإمامي والسني، فإن هذا الاهتمام من سماحته في أصول الفقه يُعد مبتكراً وغير مسبوق. بالطبع، كما أشرنا سابقاً، ينسب سماحته رأيه إلى قدماء الأصوليين، لكننا رأينا أن هذه النسبة، إن لم نقل إنها غير صحيحة، فهي على الأقل تواجه شكوكاً جدية.
إن الجانب السلوكي لاستعمال الألفاظ للمعاني، قد حظي بمحورية لدى بعض فلاسفة اللغة إلى درجة أدت إلى ظهور «نظرية الأفعال الكلامية». وهذه النظرية تندرج في حقل فلسفة اللغة (سيرل، ١٣٨٧: ص ٨٨). السؤال الأساسي في فلسفة اللغة بمنهج فلسفي وبنيوي هو: «ما هي العلاقة والصلة بين الكلمات والعالم؟» (نفسه: ص ٨٥). ولأن صلة الكلمة بالعالم الخارجي تكون في قالب معنى الكلمة، فإن فلسفة اللغة تسمى أحياناً علم دلالات الألفاظ الفلسفي (ملكيان، ١٣٨٤: ص ٨٧). تبحث فلسفة اللغة عن طبيعة المعنى، واستخدامات اللغة، والحكاية، والدلالة، والصدق، والاستعارة وما شابه (انظر: ألستون، ١٣٨٠: ص ٢١ والمصادر السابقة).
تُلخص نظرية الأفعال الكلامية في جملة قصيرة كالتالي: «التكلم هو إنجاز أفعال وفقاً لقواعد» (سيرل، ١٣٨٧: ص ١١٧). الأفعال المشار إليها في النظرية تسمى الأفعال الكلامية، والتي جاء في توضيحها:
التكلم بلغة ما هو عبارة عن إنجاز أفعال كلامية، أفعال من قبيل البيان، والأمر، والسؤال، والوعد وما شابه… وهذه الأفعال، بشكل عام، ممكنة وتتحقق وفقاً لقواعد خاصة موجودة لاستعمال المكونات اللغوية (نفسه: ص ١٠٧).
وفقاً لهذه النظرية، فإن دراسة معنى أي جملة هي نفسها دراسة الأفعال الكلامية أو سلسلة الأفعال الكلامية المناسبة والخاصة بتلك الجملة؛ لأن «دراسة معاني الجمل ودراسة الأفعال الكلامية ليستا دراستين مستقلتين عن بعضهما، بل هما دراسة واحدة من وجهتي نظر مختلفتين» (نفسه: ص ١١١).
لفهم أعمق لنظرية الأفعال الكلامية، من المفيد الانتباه إلى اختلافها مع النظرية المقابلة لها. هذا الاختلاف يُبيّن في مقابل التصور العام حول وحدة التواصل اللغوي: «وحدة التواصل اللغوي، كما يُعتقد عموماً، ليست العلامة، أو الكلمة، أو الجملة، أو حتى مصداق العلامة، أو الكلمة، أو الجملة، بل هي إيجاد أو إصدار العلامة أو الكلمة أو الجملة في إنجاز فعل كلامي» (نفسه: ص ١٠٨). التأكيد على الإيجاد والإصدار في هذه النظرية لا يتنافى مع كون اللغات تعاقدية، بل إن «كون الأفعال الكلامية وفقاً لقواعد»، كما مر في البيان القصير للنظرية، يشير إلى هذا الجانب التعاقدي للغة. وقد تم توضيح هذا الجانب بالتفصيل في النظرية (نفسه: ص ١٤٤).
ما جعله آية الله البروجردي أساساً لرأيه حول ماهية المفهوم، هو في نظرية الأفعال الكلامية أساساً لماهية المعنى ومفاد الألفاظ، سواء كانت مفهوماً أو منطوقاً.
بالطبع، من السذاجة أن نظن أن رأي سماحته في ماهية المفهوم ينطبق تماماً على النظرية المذكورة؛ لأنه أولاً، رأي سماحته يختص بالمفهوم، خلافاً لنظرية الأفعال الكلامية التي تتسم بالعمومية بالنسبة للمفهوم والمنطوق. هذه العمومية، وإن لم يُصرح بها في أدبيات أصول الفقه لدينا، إلا أنها تتضح من خلال استعراض المباحث والدعاوى التي تندرج تحت غطاء النظرية. ثانياً، في رؤية آية الله البروجردي، كما نُقل عنه سابقاً، يمكن للمتكلم الذي يُستفاد المفهوم من كلامه أن ينكر نطقه وقوله بشأن المفهوم. وقد بيّن سماحته هذه النقطة في تبيين ماهية المفهوم، سواء كان حجة أم لا. هذا في حين أن عملية التكلم والاستماع في نظرية الأفعال الكلامية هي عملية واحدة تشمل كل أنواع التفهيم والتفهم الحاصل من الوظيفة السلوكية للغة. ثالثاً، تقسيم مدلول الألفاظ إلى فعلي ولفظي لا معنى له في نظرية الأفعال الكلامية، ولكنه موجود في بيان آية الله البروجردي.
يبدو، كما أشرنا سابقاً، أنه لا يمكن التفريق بين المفهوم والمنطوق من حيث الإيجاد والإصدار في ماهية المعنى. فالأصول العقلائية نفسها التي تُجرى في فهم واعتبار المفهوم، بموضوع فعل استخدام القيود في الكلام، تُجرى أيضاً في فهم المنطوق، بموضوع فعل استخدام الألفاظ المختلفة، حتى يُفهم المنطوق. وقد رأينا سابقاً أن الأصلين الأول والثاني من الأصول العقلائية الثلاثة التي أوضحها آية الله البروجردي في ماهية المفهوم، يجريان بشكل متساوٍ وبمحتوى متساوٍ في جميع الألفاظ ذات المعنى التي تُستخدم لإفادة المعاني. ومع توضيحاتنا، اتضح أن الأصل الثالث أيضاً، في كليته، يُستخدم في كل مكان لإفادة المعنى، ويمهد لجريان الأصول اللفظية المناسبة في كل موضع. بناءً على ذلك، في مقام مقارنة نظرية الأفعال الكلامية برؤية آية الله البروجردي في ماهية المفهوم، من حيث إن سماحته يلتفت إلى الجانب الفعلي للكلام، فإنه يخطو في مسار النظرية المذكورة، ولكن من حيث إنه يرى هذا الجانب فقط للمفهوم وكتفريق بين المفهوم والمنطوق، فإنه يخالف تلك النظرية.
إذا تجاوزنا تفاصيل نظرية الأفعال الكلامية، فإن كليتها، مع التوضيح الذي نقدمه، يمكن أن تتناغم مع تلخيصنا في المحور الأول. فكما مر في بيان النظرية، من جهة، تشير إلى فعلية عملية التكلم، ومن جهة أخرى، وفي نفس الوقت، تعتبرها فعلاً وسلوكاً مقنناً. تناغمها في أصل اعتبار الكلام فعلياً، وهو ما اعتبرناه موضوعاً للأصول العقلائية، واضح. أما من تقنين الأفعال الكلامية، فلا يمكن أن يُراد به سوى القواعد التي تُراعى في ظل وضع الألفاظ، أو على الأقل، مع هذا الفرض، نؤمن بالتناغم المذكور. ففي المحور الأول، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن إجراء القواعد اللفظية، سواء في المفهوم أو في المنطوق، أمر لا مفر منه.
المحور الثالث
المحور الثالث لدراستنا هو كون البحث كبروياً أو صغروياً. سبق أن نُقلت دعوى كون بحث المفاهيم كبروياً، كإحدى ثمرات ماهية المفهوم الفعلية، من قبل آية الله البروجردي ونقد بعض الأصوليين عليها. وهذا النقد، بالقدر الذي أوضحه آية الله البروجردي، وارد. ولكن يبدو أنه يمكن تقديم التوجيه التالي لكون البحث كبروياً، بناءً على قبول ماهية مختلفة للمفهوم عن المنطوق:
خلافاً للدلالات الناشئة من وضع اللفظ، فإن دلالة القيود وخصوصيات الكلام على دخلها في المطلوب والمقصود، والتي يُعبر عنها في رؤية آية الله البروجردي بـ«دلالة الفعل»، ليست محل تأييد من الشارع المقدس بشكل مسلم وواضح في التفهيم والتفهم، لتكون قابلة للاحتجاج. الصغريات التي تدخل كظواهر ألفاظ في كبرى حجية ظواهر الألفاظ، في قسم مباحث الحجج والأمارات من أصول الفقه، هي مدلولات من الألفاظ منشؤها وضع اللفظ للمعنى. الدلالات الثلاث: المطابقية، والتضمنية، والالتزامية، كلها تندرج تحت منشئية وضع اللفظ؛ كما أن الدلالة على المعنى المجازي، لكونها مناسبة للمعنى الحقيقي، تقع تحت هذه المنشئية نفسها. وحجية كل هذه الدلالات في مباحث الحجج والأمارات، كحجية ظواهر الألفاظ، ثابتة؛ أما في المفهوم، فيُبحث عن حجية مدلول يتجاوز ظواهر الألفاظ. والدال على هذا المدلول هو فعل يهدف إلى إفادة المقصود يصدر من المتكلم عند استخدام الألفاظ. وهذا الفعل عبارة عن إيراد قيود وخصوصيات في الكلام، والتي في البناء العقلائي، لها دخل في إفادة المقصود. ولكن منشأ هذا الدخل ليس وضع اللفظ للمعنى. البناء العقلائي هو أن إيراد هذه القيود والخصوصيات يدل على دورها في المقصود الذي استُخدم اللفظ لأدائه. السؤال الأساسي في بحث المفاهيم هو: هل الشارع المقدس قد قبل هذا البناء العقلائي، كما قبل البناء العقلائي على إفادة المقصود بالألفاظ محور وضع الألفاظ للمعاني، لإفادة مقاصده من خلال استخدام الألفاظ أم لا؟
التوجيه المذكور أعلاه يمكن تقديمه بناءً على الفرق الماهوي بين المفهوم والمنطوق الذي يدافع عنه آية الله البروجردي. ولكن في دراستنا في المحورين الأول والثاني، رأينا أن هذا الفرق غير مقبول.
الخاتمة
رؤية آية الله البروجردي حول ماهية المفهوم تتكون من ثلاثة أقسام رئيسية: أولاً، كون المفهوم فعلياً في مقابل كونه لفظياً، وهو ما يُدعى أنه فرق ماهوي بينه وبين المنطوق؛ ثانياً، كون النزاع الأصولي في مبحث المفاهيم كبروياً؛ وثالثاً، قول القدماء بهذين القسمين.
فيما يتعلق بكون ماهية المفهوم فعلية، يحاولون من خلال تقديم ثلاث نقاط، إقناع المخاطب بها كفرق ماهوي بين المفهوم والمنطوق. مقتضى دقة وتحقيقنا – والله هو العالم – هو أن نقاطه الثلاث في محلها متينة ومقبولة، ولكن هذه النقاط لا تثبت ماهية مختلفة للمفهوم عن المنطوق، بل توفر أرضية للاهتمام والتقرير الصحيح لعملية فهم المعنى من اللفظ؛ عملية لا تختلف في أصلها وماهيتها بين المفهوم والمنطوق. قد نعتبر هذه العملية، في كليتها لا في تفاصيلها القابلة للبحث، منطبقة على العملية التي تم توضيحها في نظرية الأفعال الكلامية.
فيما يتعلق بكون نزاع الأصوليين في مبحث المفهوم كبروياً، بناءً على رأي آية الله البروجردي القائم على الفرق الماهوي بين المفهوم والمنطوق، فإن بعض الأصوليين قد رفضوا التوجيه المقتبس من كلامه. ولكن يمكن تقديم توجيه آخر، بفرض ماهية مستقلة للمفهوم عن المنطوق، دفاعاً عن رأيه.
وفيما يتعلق بنسبة رأيه إلى القدماء، هناك شك جدي أيضاً.
الهوامش
1. أستاذ مشارك في معهد العلوم والثقافة الإسلامية.