الملخص
يعدّ حكم العقل أحد أدلة الأصوليين في مسار استنباط الأحكام الشرعية. وتبرز مكانة هذا الدليل في مباحث الأصول العملية بشكل أوضح من سائر الموارد؛ ذلك أن مناط حجية بعض هذه الأصول هو الدليل العقلي فحسب، كأصل التخيير. وفي بعض الأصول الأخرى، مثل البراءة، حيثما كان الدليل العقلي مناطًا لأصل البراءة، فإن الدليل الشرعي يُطرح كإرشاد إلى حكم العقل. إن دراسة آراء المحقق الأردبيلي في مجال أصل البراءة تقودنا إلى نتيجة مفادها أنه قد قبل بالتفكيك بين البراءة الشرعية والعقلية، ونظرًا لأنه يعتبر العقل هو الدليل الأساسي في حجية البراءة، فإنه كلما استخدم مصطلح «البراءة الأصلية»، كان مراده البراءة العقلية. يتكفل هذا البحث بدراسة مكانة العقل في حجية أصل البراءة استنادًا إلى أفكار المرحوم المحقق الأردبيلي، المستقاة من آرائه في كتابيه «زبدة البيان» و«مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان». وتثبت الدراسات أن الدليل العقلي المتمثل في قبح العقاب بلا بيان، من وجهة نظره، ليس فقط دليلاً محكمًا على ثبوت أصل البراءة، بل هو أيضًا أساس بعض الأدلة الشرعية كالآيات القرآنية والروايات التي استدل بها بعض الأصوليين في إثبات أصل البراءة، وهو يعود إلى هذه القاعدة العقلية، وربما يمكن اعتبار تلك المجموعة من الآيات والروايات مؤيدة ومرشدة إلى حكم العقل لا دليلاً مستقلاً.
المقدمة
يمكن تقسيم الأحكام الإلهية باعتبار ثلاثة مفاهيم هي «الاختيار»، و«الاضطرار»، و«التحير»، وكلها من صفات الشخص المكلف، إلى ثلاثة أقسام: أ) الحكم الواقعي الأولي الذي يتعلق بالمكلف المتصف بالاختيار. ب) الحكم الواقعي الثانوي الذي يُجعل مع إمعان نظر الشارع في وجود حالة الاضطرار لدى المكلف. في هاتين الحالتين «الاختيار» و«الاضطرار»، يكون للمكلف موضوعية. ج) الحالة الثالثة هي التي لا يكون فيها المكلف مضطرًا بل «شاكًا» و«متحيرًا». في هذه الحالة، يُعلن الحكم الظاهري من قبل الشارع لكي يستند المكلف في مقام تعيين التكليف إلى هذه الأحكام والأدلة بعد «الفحص» و«اليأس» من العثور على دليل وأمارة اجتهادية.
يستخدم علماء الأصول، عند مواجهة المكلف للشك (الناشئ عن الجهل)، أربعة أصول لرفع الحيرة والتردد. وهذه الأصول الأربعة، بناءً على الحصر العقلي، هي: البراءة، والاحتياط، والتخيير، والاستصحاب.[1]
تكون هذه الأصول قابلة للتطبيق عندما تثبت حجيتها واعتبارها من خلال الأدلة الشرعية والعقلية من جهة، ومن جهة أخرى، يجب على المكلف أن ييأس من وجود أدلة قطعية أو حتى ظنية قبل التمسك بها.
تنقسم أدلة حجية الأصول العملية إلى نوعين: شرعي وعقلي. والمراد من الأدلة الشرعية في الحقيقة هو الآيات القرآنية والروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، وأما الأدلة العقلية فهي تلك الأدلة التي يحكم بها العقل، وأحيانًا الشارع أيضًا، باعتباره رئيس العقلاء.
يمكن إيضاح أهمية دراسة مكانة العقل كأحد مسالك إثبات حجية حكم أو قاعدة ما في الفقه الإسلامي أو عدمها، من خلال القول بأن العقل في الحقيقة هو الرسول الباطني وموضع اهتمام مبدأ الوحي.
المحقق الأردبيلي (ره)، المتوفى سنة 993 هـ، أي أنه عاش في عصر كان فيه الفكر التحليلي والاجتهادي هو المنهج السائد لدى فقهاء ذلك العصر. ونظرًا لاتساع الفلسفة الإسلامية في تلك الفترة، يمكن العثور على بصمات من الأفكار الفلسفية في آراء فقهاء ذلك الزمان.
ولا شك أن هذا التقارب الزمني لم يكن عديم التأثير في مدى استخدام مؤسسة العقل في كشف الأحكام الشرعية من قبل محققي تلك الفترة، وخاصة المحقق الأردبيلي. من ناحية أخرى، وبالنظر إلى أن استخدام العقل في مباحث الأصول العملية محسوس جدًا، فإن الاهتمام بآراء المحقق الأردبيلي في إثبات أصل البراءة بالاستعانة بالأدلة العقلية يمكن أن يكشف بوضوح عن مكانة هذا الدليل لديه.
يكمن الاختلاف الرئيسي لهذا البحث عن الدراسات الأخرى في دراسة مكانة الدليل العقلي في إثبات أصل البراءة عند المحقق الأردبيلي بشكل خاص ودون الدخول في مباحث أخرى.
مصطلح العقل في الفقه الإسلامي
يمكن تصور ثلاثة معانٍ لمفهوم «العقل»:
أ) العقل الكلي: وفقًا لهذا المعنى، يُقصد بعقلانية حكم ما أن بعض الأحكام، مثل كون الكل أكبر من الجزء، هي أمور بديهية ولا تحتاج إلى إثبات. بعبارة أخرى، للعقل القدرة على «إدراك» هذا الحكم الشرعي.
ب) العقل التجريبي: في مقابل الأحكام البديهية، تُثبت مجموعة من الأحكام عن طريق الحس والتجربة. مثل ضرورة الدفاع أو التقليد في المسائل الشرعية؛ إذ إن لزوم الدفاع عن النفس والمال والعرض والدين أمر قد لا يكون من البديهيات والإدراكات، ولكنه قابل للإثبات عن طريق التجربة.
ج) العقل النظري: بعض القواعد التي تكون أساسًا لاستخراج أحكام أخرى لا تُعد من الأمور البديهية ولا من المسائل المادية القابلة للتجربة، بل إن إثباتها يحتاج إلى تأمل وتدقيق في تلك المعطيات البديهية والتجريبية. مثل قاعدة قبح العقاب بلا بيان.[2]
النقطة التي تثير التأمل هنا هي: هل يمكن إعطاء اعتبار شرعي لمعطيات العقل وإدراكاته؟ بعبارة أخرى، هل يمكن أن نعتبر لهذه المعطيات قيمة واعتبارًا يوازي الروايات والآيات القرآنية؟ توجد عدة نظريات في هذا الصدد:
أ) الإدراكات العقلية، في أي صورة كانت، قطعية أو غير قطعية، لا يمكن استخدامها في طريق استنباط الأحكام الشرعية. من القائلين بهذه النظرية بعض الأخباريين الذين استنتجوا ذلك من رواية «إن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة»، حيث إن مخاطبها، على فرض صحة الرواية، هو العقول الناقصة والآراء الباطلة.[3]
ب) في مقابل النظرية السابقة، هناك من قال بحجية الإدراكات العقلية بشكل عام (سواء كانت قطعية أو غير قطعية) في مسار استنباط الأحكام الشرعية.[4] ويمكن اعتبار المعتزلة من القائلين بهذه النظرية.
ج) التفصيل بين الإدراكات العقلية القطعية والشرعية: في مقابل النظريتين السابقتين، يرى علماء الأصول الشيعة أن معطيات العقل القطعية معتبرة في استنباط الأحكام، ولكن الإدراكات غير القطعية في هذا المسار لا تتمتع بالاعتبار والحجية ولا يمكن أن تكون ملاكًا لحجية حكم أو قاعدة.[5]
وبطبيعة الحال، لا يمكن تقديم تعريف واحد للعقل من كلام الأصوليين. ففي بعض كتاباتهم، يأتي العقل في مصاف الآيات القرآنية والروايات وسنة أهل البيت، ويمكنه أن يكون معينًا للمجتهد في كشف الأحكام الشرعية الفرعية. لذا، في بعض آثار الأصوليين، تم تبويب باب تحت عنوان الدليل العقلي، والهدف منه هو تنقيح العقل كدليل له القدرة على كشف الوظيفة الشرعية أو على الأقل الحكم الظاهري في ظروف الشك والحيرة. وبعبارة أخرى، العقل من وجهة نظرهم بمثابة المرشد الذي يهدي المجتهد أو المكلف نحو القاعدة أو الأصل الذي ينتج عنه حكم شرعي.
ربما يسهم بيان كلام الغزالي حول العقل في توضيح المطلب. فهو يذكر العقل كرابع أصل أو قاعدة في استنباط الأحكام الشرعية. وفقًا لرأي الغزالي: «العقل يدل على براءة الذمة من الواجبات وسقوط الحرج عن الناس في حركاتهم وسكناتهم قبل بعثة الأنبياء (عليهم السلام) وقبل تأييدهم بالمعجزات. فانتفاء الأحكام قبل ورود الدليل السمعي عليها يُعلم بدليل العقل، ونحن نستصحب هذا النفي ونستمر عليه حتى يرد الدليل السمعي على الحكم».[6]
بناءً على ذلك، يعتبر الغزالي العقل من جملة أدلة البراءة، وما ينتج عنه وظيفة شرعية هو أصل البراءة، لا الدليل العقلي.
وقد بيّن الشهيد الصدر أيضًا، في خصوص الاختلاف في حجية واستخدام الدليل العقلي في مسار استنباط الأحكام الشرعية، قائلاً: «حول مشروعية استخدام الأدلة العقلية في مجال استنباط الأحكام الفقهية، يوجد نزاعان: الأول، النزاع بين الإمامية وغيرهم حول إمكانية الاعتماد على دليل عقلي ظني مثل القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وما شابه ذلك مما بنى عليه أهل السنة حجيتها، أم لا. وقد أجمعت الإمامية، اتباعًا لأئمتهم، على عدم جواز الاستناد إلى مثل هذا الدليل. الثاني، النزاع بين الإمامية أنفسهم حول ما إذا كان استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة العقلية القطعية مشروعًا أم لا؛ فالمشهور ذهبوا إلى صحة هذا الاستنباط، بينما ذهب المحدثون إلى عدم حجيته».[7]
مكانة العقل في أصول الفقه
في المباحث الأصولية، يبرز مصطلحان: «المستقلات العقلية» و«غير المستقلات العقلية». ووجه التمايز بين هذين المصطلحين هو استقلال العقل في استخراج الحكم الشرعي.
بناءً على ذلك، يُراد بالمستقلات العقلية تلك القضايا الشرعية التي يدركها ويثبتها العقل في صغراها وكبراها دون تدخل من الشرع. مثل حسن العدل. على هذا الأساس، يقول العقل إن العدل أمر حسن عقلاً. والكبرى هي أن هناك ملازمة بين الأحكام الشرعية والعقلية. ونتيجة لذلك، يكون العدل واجبًا شرعًا. أما في غير المستقلات العقلية، فيأتي الشرع لمساعدة العقل. بعبارة أخرى، تكون صغرى القياس شرعية وكبراه عقلية. على سبيل المثال، يُستفاد من القواعد الشرعية أن الصلاة واجب شرعي (صغرى)، ويحكم العقل بأن مقدمة الواجب واجبة. ونتيجة لذلك، تكون مقدمة الصلاة واجبة شرعًا.[8]
النقطة المهمة هي أنه على الرغم من اهتمام الأصوليين بهذا المبحث، يبدو أن الفقهاء لم يبذلوا جهدًا واهتمامًا في وضع العقل في مصاف الأدلة الشرعية الأخرى. ففي غير المستقلات العقلية، ما يُعتبر أساسًا للقياس هو الدليل الشرعي نفسه، ومن ناحية أخرى، لا توجد للمستقلات العقلية مصاديق كثيرة يمكن الاعتداد بها، وربما يمكن تأييد ادعاء الشهيد الصدر بأن مصاديق الاستدلال بحكم العقل في الفقه قليلة جدًا.[9]
يعتقد بعض العلماء المعاصرين أن الأحكام العقلية، على عكس الأحكام الشرعية، تشمل المسائل الكلية، بينما يرتبط الشرع المقدس بالمسائل الفرعية والجزئية والتعبدية. هذا التمايز يؤدي إلى إثبات معظم المسائل الفقهية بطريق غير المستقلات العقلية. بعبارة أخرى، يتم إخراجها تخصصًا.
نتيجة هذا الادعاء هي أن معرفة الأحكام الشرعية ممكنة من خلال الكتاب والسنة والإجماع، ولا يمكن الاعتماد على العقل في هذا المسار. ونتيجة لذلك، فإن المجال الوحيد لدخول العقل إلى مسار استنباط الأحكام الشرعية هو تحديد الملاك أو تنقيح المناط، وهذا الأمر إما أن يكون بشكل كشفي أو عن طريق القياس. لذا، حيثما كان لدينا دليل من الكتاب والسنة، لا تصل النوبة إلى العقل، وحتى في حالة عدم الوصول إلى تلك الأدلة، تصل النوبة إلى إجراء الأصل العملي، الذي لا يكون للعقل فيه حاكمية مطلقة.[10]
مفهوم الدليل العقلي عند المحقق الأردبيلي
يذكر المحقق الأردبيلي العقل كدليل لبي. ويوضح في كتابه «زبدة البيان» في تفسير مفهوم «أولي الألباب» أن «اللب» يعني خالص كل شيء. وبما أن خالص (وعصارة) الإنسان هو العقل، فإنه يسميه دليلاً لبيًا، والله تعالى لم يخاطب سوى الإنسان (من بين جميع الموجودات). ونتيجة لذلك، فإن العقل يقتضي الخشية والتقوى الإلهية، ومن لا يتقي فكأنه لا عقل له (ولم يستفد من قوة عقله). وأخيرًا، فإن العقل السليم هو الذي يدرك المقصد النهائي لله، ولهذا السبب يتبرأ من غير الله: «سمّي العقل باللب لأنّ لبّ كل شيء خالصه ولبّ الإنسان عقله، وبه يفوز بالسعادات كلّها، وخصّهم بالخطاب لأنهم الأهل لذلك فإن قضية العقل خشية الله وتقواه فكأن من لم يتق الله لا عقل له، وهو مبرهن بالعقل والنقل، وفيه تأكيد آخر وتحريض وحثّ على التقوى، وأنه لا بد أن يكون المقصود منه هو الله حيث قال ﴿وَاتَّقُونِ﴾ فإنّ التقوى إذا لم تكن لله لم تكن تقوى بل عين الفسق وأفحشه وجعله مقصودا والتبرّي عن كل شيء سواه، هو مقتضى العقل المجرد السليم عن شوائب الهوى فلذلك خص الخطاب بذويه».[11]
إن دراسة آراء المحقق الأردبيلي توضح أنه يرى الدليل العقلي في مصاف آيات القرآن والسنة والروايات. ويمكن العثور على مصداق هذا الرأي في نظره بخصوص جواز أو عدم جواز التصرف في الخراج المأخوذ من قبل الحاكم.
«وبالجملة معلوم عدم جواز التصرف في مال الناس إلا على الوجه الشرعي المعلوم شرعيته عقلاً ونقلاً كتاباً وسنةً وإجماعاً، وما رأيت دليلاً منها يدل على جواز أخذ واحد منها شيئا مما يأخذ الجائر باسم الخراج … وذلك ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ولا برهان عقلى حتى يكون حجةً بالنسبة إلى من يدعى الاستدلال وكذا بالنسبة إلى مقلديه، كما عرفت».[12]
كما لوحظ في السطر الأول وفي السطر الأخير، يضع العقل كدليل مستقل إلى جانب الأدلة الأخرى. كما أنه في مسار إثبات أصل الإباحة بالتمسك بالدليل العقلي إلى جانب الأدلة الشرعية، يثبت هذا الأصل: «ففيها دلالة واضحة على أن الأشياء خلقت على الإباحة دون الحرمة، كما في غيرها، كما صرح به صاحب الكشاف في أول سورة البقرة في قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا أي لانتفاعكم بجميع ما خلق فيها بل هي وما فيها كما دل عليه العقل فاجتمع الآن العقل والنقل على أن الأصل في الأمور هو الإباحة، وغيرها يحتاج إلى الدليل».[13] في هذا المطلب أيضًا، استخدم الدليل العقلي إلى جانب الاستناد إلى آية قرآنية.
بالطبع، يجب التذكير بأن المحقق الأردبيلي لا يعتقد بالحضور غير المحدود للدليل العقلي في مجال كشف الأحكام الشرعية. فهو يؤمن بنظرية مفادها أن العقل لا يملك القدرة أو الإذن بالدخول في المجالات التي يكون فيها المرجع الوحيد هو الشرع المقدس نفسه، مثل شكل وكيفية أداء العبادات.[14]
ويقوم في مبحث الصلاة، وفيما يتعلق بنقض الصلاة بما يوجب نقض الوضوء، برسم حالات مختلفة ويبيّن لكل منها حكمًا خاصًا بها.
فإذا صدر من المكلف في تشهد الركعة الرابعة بعد عبارة «أشهد أن محمدا عبده ورسوله» حدث أصغر، فهل تبطل الصلاة أم لا؟ هنا، من وجهة نظر المحقق الأردبيلي، يوجد فرق بين الطهارة المائية والترابية، وبين الحدث العمدي والسهوي. ومحل البحث هو ما هو الفرق بين هذه الشقوق، وما هو ملاك هذه الفروق؟ إنها أمور خارجة عن إدراك العقل: «وبالجملة أنه حكم شرعى ليس العقل مستقلاً به، بل معزول، ما لم يكن خلاف البديهة والبرهان».[15]
الأصول العملية العقلية والشرعية
قبل الدخول في مبحث مكانة العقل في حجية أصل البراءة، لا بد من توضيح موجز للأصول العملية العقلية والشرعية.
في تقسيم أولي، يمكن تقسيم الأصول العملية، التي تكون في مقام رفع حيرة المكلف من خلال بيان الأحكام الظاهرية، إلى نوعين: «عقلي» و«شرعي». ويمكن البحث عن وجه الافتراق بينهما في خصائص ومميزات الأصل العملي العقلي.[16]
ويذكر الشهيد الصدر (ره) في هذا المجال عدة وجوه للتمايز بين الأصل العملي العقلي والأصل العملي الشرعي:
1. أساس حجية الأصل العملي الشرعي هو الشرع المقدس والخطابات الشرعية، بينما تنبع حجية الأصل العملي العقلي من حكم العقل.
2. لا توجد ضرورة لوجود أصل شرعي في جميع مصاديق الشك؛ لأن الشارع، من باب أنه هو نفسه من العقلاء بل رئيس العقلاء، قد أوكل في خصوص تعيين الأصل في موارد مختلفة حكمه إلى العقل. بينما بالاستناد إلى هذا الدليل نفسه، يمكن الادعاء بأن الأصل العقلي يجري في جميع موارد الشك.
3. مصاديق الأصل العقلي تقتصر على أصلين فقط هما «البراءة العقلية» و«الاحتياط العقلي»، ولا يمكن اعتبار التخيير أصلًا عقليًا مستقلاً. ولكن بالنسبة للأصل الشرعي، بالإضافة إلى البراءة والاحتياط، يمكن عد الاستصحاب أيضًا من مصاديقه.
4. لا يمكن تصور تعارض بين الأصول العقلية لا في عالم الثبوت ولا في عالم الإثبات، بينما بالنظر إلى لسان الأدلة وأحيانًا التعارض بينها، من الممكن على الأقل في عالم الإثبات أن يوجد تعارض بين الأصول الشرعية.[17]
أصل البراءة عند المحقق الأردبيلي
جهل المكلف بالأحكام الشرعية يكون أحيانًا بالنسبة لأصل الحكم. أي أن المكلف لا يعلم هل صدر أساسًا حكم وخطاب من الشارع المقدس أم لا؟ وأحيانًا يكون في موضوع الحكم، مثلاً لا يعلم أن هذا السائل خمر أم ماء طاهر، والذي يعتبر بناءً على رأي أكثر الأصوليين محل إجراء أصالة الاحتياط.
قد يكون منشأ هذا الشك ناتجًا عن فقدان النص أو إجماله أو تعارضه.[18] وفي هذه الحالة، بالاستناد إلى الأدلة العقلية والنقلية، يجري «أصل البراءة».
وجه التمايز بين البراءة النقلية والعقلية هو أن فقدان الأدلة أو إجمالها أو تعارضها يكون إما بسبب عدم وصول بيان الشارع إلى المكلف، والذي يُعبر عنه بـ«عدم البيان»، أو بسبب عدم علم المكلف بالتكليف الأصلي، والذي يُعرف بـ«عدم العلم». بالطبع، يجب الانتباه إلى أن كلا الأمرين المذكورين أعلاه يتحققان بعد فحص الأدلة واليأس من الوصول إليها.[19]
المراد بالبراءة في الفقه هو أنه كلما واجه المكلف شكًا بسبب دليل مثل فقدان النص، أو إجمال النص، أو حتى تعارض النصين؛ فإنه بإجماع علماء الأصول لا تقع على عاتقه وظيفة في مقام العمل،[20] ويخرج التكليف من عهدة الإنسان. ونتيجة لذلك، في الشبهة الوجوبية، أي دوران الأمر بين الوجوب وغير الحرمة، كمثال، لا نعلم هل الدعاء عند رؤية هلال الشهر الجديد في الإسلام واجب أم لا؟ يمكن للمكلف أن يترك التكليف. وفي الشبهة التحريمية، أي دوران الأمر بين الحرمة وغير الحرمة، مثلاً، يُشك في أن استعمال الدخان حرام أم لا؟ أو يُشك في نجاسة الماء في هذا الإناء أو في إناء آخر، فإن ارتكابه جائز. بناءً على ذلك، فإن المشكوك فيه سيكون مباحًا لنا، فمثلاً كلما شككنا في حكم استعمال الدخان، هل هو حلال شرعًا أم حرام، نقول إن الأصل هو البراءة، وفي حال استعمال الدخان لم نرتكب فعلاً محرمًا، وبالتالي فإن استعماله سيكون مباحًا ولن يكون هناك أي عقاب لمرتكبه. أساس حجية البراءة الفقهية هو مجموعة من آيات القرآن، والسنة، وإجماع الفقهاء، وحكم العقل.
إن دراسة الآراء الفقهية للمرحوم المحقق الأردبيلي تبيّن أيضًا اهتمامه بالأصول العملية بشكل عام وأصل البراءة بشكل خاص كأحد أدلة استخراج الأحكام الفقهية (ولو في مقام رفع الحيرة).
في مختلف أبواب كتاب «مجمع الفائدة والبرهان»، يمكن ملاحظة أثر أصل البراءة؛ ربما يمكن بنظرة كلية أن ننسب أكثر من 400 مورد من آرائه الفقهية إلى أصل البراءة. وهذا الانتشار يظهر بشكل خاص في أبواب الطهارة، والصوم، والحج، والجنايات، والديات. بالطبع، لا يقتصر إجراء هذا الأصل على الأبواب المذكورة. وكمثال، نشير إلى عدد من هذه الآراء:
المرحوم المحقق الأردبيلي، في باب قصاص العضو، وفي الحالة التي يسري فيها مرض أو أي نقص آخر إلى سائر أعضاء بدن الشخص المقتص منه بسبب القصاص، لا يعتبر الشخص القاص ضامنًا، مستندًا إلى أصل البراءة.
في الواقع، ما هو محل الشك هو هل الشخص المستوفي للقصاص ضامن بالنسبة للمرض أو النقص الطارئ، وبالتالي يجب عليه جبران الخسارة بدفع الدية أو الأرش، أم أن الضرر الطارئ غير مستند إليه، وبالتالي فإن ذمته بريئة ولا تكليف عليه بجبران الخسارة؟
نظرًا لقول المرحوم المحقق بعدم ضمان القاص استنادًا إلى أصل البراءة، ربما يمكن بيان كيفية استدلاله بهذا الأصل على هذا النحو: من ناحية، الشخص المستحق للقصاص هو نفسه الذي تسبب في وجود منشأ المرض (قصاص العضو)، ومن ناحية أخرى، وجود هذا المرض أو المشكلة هو من اللوازم البعيدة وغير العقلانية للقصاص. لذا، نظرًا لعدم وجود اطمئنان بكون الشخص القاص ضامنًا، يُحكم بالبراءة وعدم ضمانه. بالطبع، هذا الفرض يكون في حالة عدم وجود تعمد في سراية الجناية: «لو وجب لشخص قصاص في غير النفس فاقتص من المستحق فسرى القصاص، فإن ذهب غير ما ثبت قصاصه من الأعضاء أو النفس، لم يضمن المقتص، للأصل».[21]
في موضع آخر، يستند إلى أنه في حال الإتيان بالأمر بصورة مجزئة، فإن تكراره مرة أخرى لا وجه له، وفي الحقيقة، بأداء المأمور به الصحيح، تبرأ ذمة المكلف، وارتكاب الأمر السابق مرة أخرى يحتاج إلى حكم وخطاب جديد، لذا يجري أصل البراءة. ومثال ذلك، الحكم بعدم وجوب غسل الميت بالسدر والكافور بعد غسله بالماء الخالص في حالة عدم توفرهما.
حيث لم يكن الوصول إلى السدر والكافور ممكنًا، تم غسل الميت بالماء الخالص فقط، وبعد فترة توفر الوصول إلى السدر والكافور، والآن يشك المكلف هل العمل الذي قام به سابقًا (الغسل بالماء الخالص) مجزئ، وبالتالي لا تكليف عليه بتكرار الغسل بالسدر والكافور، أم أنه بما أن الميت يجب أن يُغسل ثلاث مرات، فإن هذا الحكم يجب أن يُنفذ في حال رفع التعذر عن الوصول إليهما وذمته لا تزال مشغولة. التمسك بأصل البراءة من وجهة نظر المرحوم المحقق الأردبيلي يظهر بوضوح أن العمل الذي تم سابقًا كان مجزئًا، وفي الحقيقة، فإن ذمة المكلف قد برئت بارتكاب العمل السابق ولا يوجد دليل على انشغال ذمته مرة أخرى، وبقبول جريان أصل البراءة في هذا المجال، يمكن حتى الحكم بعدم وجوب غسل الميت على الشخص الذي لمس مثل هذا الميت: «إن الظاهر عدم وجوب الغسل بمس مثل هذا الميّت لصدق الغسل… ووجوب اعادة الغسل بعد الإمكان، غير مسلم (معلوم – خ ل) لسقوطه بالأمر المفيد للاجزاء، والأصل عدم وجوبه مرة أخرى».[22]
من الموارد الأخرى التي أصدر فيها المرحوم المحقق الأردبيلي حكمًا بالبراءة استنادًا إليه، هو إطلاق الأدلة. فعندما تُبيّن الأدلة بشكل مطلق، فإن ما يجب على المكلف القيام به هو القدر المتيقن من الأوامر الصادرة، ولا تكليف عليه بما زاد على ذلك. وفي هذا الخصوص، يمكن الإشارة إلى حكم الترتيب بين مسح الوجه واليدين في التيمم، حيث استُند إلى أصل البراءة للحكم بعدم وجوبه. في هذا الحكم، ما هو موضع الشك هو أنه على فرض عدم وجود إجماع، يشك المكلف هل مراعاة الترتيب بين مسح الوجه واليدين عند التيمم واجبة أم لا. لأن الأدلة والأوامر المتعلقة بكيفية أداء التيمم مطلقة، ونحن نشك هل لدينا تكليف آخر بوجوب الترتيب يجب على المكلف مراعاته أم لا؟ أصل البراءة يحكم بعدم وجوب مراعاة الترتيب. لأنه لا يوجد دليل لتقييد كيفية التيمم مع وجود إطلاق الروايات: «الظاهر وجوب الترتيب بين الضرب ومسح الوجه واليدين لوجود (ثم) اما الترتيب بينهما فلو لم يكن إجماعيا يمكن عدم وجوبه لخلوه عن الدليل مع إطلاق الآية والاخبار، والأصل».[23]
وفي باب الصلاة أيضًا، يستقر رأيه على عدم وجوب معرفة أفعال الصلاة بشكل تفصيلي: «اعلم ان الذي تقتضيه الشريعة السهلة، والأصل، عدم الوجوب على التفصيل والتحقيق المذكور في الشرح وغيره».[24]
كما أنه في ذيل الآية الشريفة «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ» (البقرة/178)، بمناسبة البحث عن تعيين أو تخيير القصاص، يستدل بأن ما هو مسلم وثابت هو القصاص فقط، وبالنسبة للزائد على ذلك (أي الدية)، فإن ذمة الجاني بريئة استنادًا إلى أصل البراءة. ذلك أننا لدينا علم تفصيلي بالقدر المتيقن (أي القصاص)، وبالنسبة للزائد عليه، لدينا شك بدوي، وهو محل جريان أصل البراءة بلا خلاف بين الأصوليين.[25]
البراءة العقلية
تنقسم أدلة أصل البراءة في تقسيم كلي إلى أربعة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل. وعلى هذا الأساس، قسّم بعض الأصوليين مثل الشيخ الأنصاري (ره) هذا الأصل إلى نوعين: عقلي وشرعي.[26]
بعبارة أخرى، البراءة التي هي حاصل «عدم العلم» بأصل الحكم، وقد أرشد الشرع المقدس المكلف في هذا الخصوص إلى إجراء أصل البراءة، تسمى البراءة الشرعية. وفي الموارد التي يكون فيها أصل الحكم مجهولًا أو مشكوكًا فيه للمكلف بسبب «عدم البيان»، فإن العقل، لرفع الحيرة، يحكم بالبراءة، وهذا ما يسمى بالبراءة العقلية.
بالطبع، بعض الأصوليين مثل المرحوم الآخوند الخراساني في كتاب «كفاية الأصول» لم يقبلوا بهذا التقسيم ويعتبرون تصوره محالًا، ويعتقدون أنه إذا كان العقل سيصدر حكمًا، فإن ذلك الحكم هو الاحتياط لا البراءة.[27]
في المبحث التالي، وضمن تبيين قاعدة قبح العقاب بلا بيان، سيتم بحث آراء المحقق الأردبيلي أيضًا بخصوص البراءة العقلية.
قبح العقاب بلا بيان
منشأ حجية البراءة العقلية هو قاعدة «قبح العقاب بلا بيان»، ويدور كل الخلاف حول وجود أو عدم وجود البراءة العقلية حول هذه القاعدة.
يعتقد البعض، مثل المرحوم آية الله الخوئي (ره)، أن كبرى هذه القاعدة إجماعية ولا خلاف فيها، ومحل النزاع هو في الصغرى، وهو هل يوجد دليل على الاحتياط أم لا؟ بعبارة أخرى، إذا لم يصل خطاب إلى المكلف، فإنه عقلاً لا يستحق العقاب على ترك التكليف، ولكن هل يمكن الادعاء بأن أدلة الاحتياط بعد الفحص عن الأدلة تامة أم لا؟
أما المرحوم البروجردي (ره) فيرى أن لهذه القاعدة جنبتين. إحداهما معنى القاعدة، وهو أن العقاب بدون بيان قبيح ذاتًا، والجنبة الأخرى تعود إلى أصالة الحظر.
ويقبل الشهيد الصدر بالبراءة العقلية فقط في المسائل العرفية. أي الأوامر والنواهي الصادرة عن الموالي العرفيين، ولا يقبل بالبراءة العقلية فيما يخص الشارع المقدس إلا إذا أصدر الشارع نفسه قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لا أن تُفهم من مقدمات عقلية.[28]
في الواقع، يُفهم من نظرية الشهيد الصدر أن الملاك والمناط الوحيد لحجية البراءة هو الأدلة الشرعية لا العقلية.
لكن دراسة أدلة القائلين بالبراءة العقلية والمنكرين لها ترشدنا إلى حد ما إلى نتيجة مفادها أن البراءة العقلية حجة وقابلة للتطبيق في الشبهات الحكمية والموضوعية. وسبب هذا الادعاء هو أنه في الشبهات الموضوعية، من ناحية، قد أصدر الشارع والمولى بيانًا وخطابًا، وعمليًا ليس على الشارع المقدس وظيفة أخرى، ولكن يجب الانتباه إلى أن العقاب يكون صحيحًا عندما يقدم المكلف على التمرد على أوامر المولى مع وصول الحكم الفعلي إليه (أي معرفة الكبرى والصغرى معًا من قبل المكلف).
بالطبع، يجب الانتباه إلى أن البراءة العقلية تجري فقط بعد الفحص عن الأدلة، وهذا الشرط جارٍ في كلتا الشبهتين الموضوعية والحكمية.
المرحوم المحقق الأردبيلي، في عدد من آرائه، يستند إلى أصل البراءة بسبب «عدم العلم» أو بعبارة «البراءة الأصلية»، والمراد من البراءة الأصلية هو البراءة العقلية نفسها. ذلك أن أهم دليل على البراءة في الحقيقة هو حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان الذي ينشأ عن عدم البيان، ولهذا السبب فإن البراءة الأصلية هي براءة منشؤها عدم البيان. ويؤيد هذا الادعاء أنه في مقام بيان المباحات في كتاب «زبدة البيان» وفي ذيل الآية الشريفة «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ» (المائدة/4)، كان دليله على حلية وإباحة التصرف في الأشياء، ما عدا الموارد التي ورد فيها نص على حرمتها، هو أنه كلما حصل شك للمكلف في تصرف خاص، بالنظر إلى تبيين المحرمات من قبل الشارع وإحصاء موارد الحرمة (وبالتالي عدم البيان بالنسبة لسائر الموارد)، يمكن القيام بتلك التصرفات استنادًا إلى «البراءة الأصلية». إذن، البراءة الأصلية هي نتيجة عدم البيان، وهذا ليس سوى البراءة العقلية.[29]
لذا، يبدو أنه كلما ذكر مناط الحكم بـ«البراءة الأصلية»، كان مراده البراءة العقلية. وربما يمكن أن نعتبر سبب هذا الانصراف هو أن منشأ البراءة في الحقيقة هو عدم البيان. إذ إن العلم أيضًا يحتاج إلى بيان، وما لم يكن هناك بيان، فلن يتحقق علم أساسًا.
ونتيجة لذلك، يجب القول أولاً إن هذا التقسيم من وجهة نظره على الأقل لم يُرفض، وثانيًا، لقد قبل بالبراءة العقلية مستندًا إلى القاعدة العقلية قبح العقاب بلا بيان.
فيما يخص شخصًا فاتته صلاة ولا يعلم أي صلاة هي، فإنه يحكم بعدم لزوم التعيين استنادًا إلى أصل البراءة، ويستند هذا الحكم صراحة إلى البراءة الأصلية (العقلية). في هذه المسألة، يستند المرحوم المحقق الأردبيلي إلى أنه في مثل هذه الحالة (الجهل بنوع الصلاة الفائتة)، ونظرًا لعدم وجود خطاب لتعيين تكليف المكلف الشاك، ومن ناحية أخرى، نعلم بوجود تكليف واحد (إعادة صلاة واحدة)، لذا من أجل براءة الذمة بالنسبة للقدر المتيقن، تُعاد صلاة واحدة، وفيما يخص سائر القيود (مثل تعيين الصلاة)، نظرًا لإجمال الخطابات، يُحكم بالبراءة بحكم العقل واستنادًا إلى قبح العقاب في حال عدم وصول الحكم الفعلي إلى المكلف: «دليله… ان استدل بالحديث، وان استدل بالعقل وهو البراءة الأصلية».[30]
في مورد آخر، بخصوص الحكم بعدم وجوب التكبيرات في أيام التشريق، يستند إلى إجمال الحكم الصادر، الذي هو في الواقع أحد مصاديق عدم البيان، فيقول بالبراءة العقلية ويفتي بعدم الوجوب: «و في دلالة الأخبار… عدم التصريح… وكذا لا صراحة في «وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ» على مراده، وبالجملة الندرة يضعف القول بالوجوب، مع البراءة الأصلية».[31]
يمكن اعتبار إطلاق أوامر الشارع المقدس مصداقًا آخر من موارد البراءة العقلية، حيث لم يصدر بيان بوجود أو عدم وجود قيود، لذا في هذه الموارد أيضًا يحكم العقل بالبراءة بالنسبة للزائد على القدر المتيقن. وكمثال، في خصوص لفظ «صلاة»، فإن القدر المتيقن هو أنها تنصرف إلى صلاة من ركعتين، فإذا نذر شخص بشكل مطلق أن يصلي صلاة، يتحقق النذر بأداء صلاة من ركعتين.[32]
ويمكن اعتبار الحكم بالبراءة في الموارد التي لا يوجد فيها دليل على الحكم، أكمل أفراد قاعدة قبح العقاب بلا بيان. وكمثال، في خصوص عدم وجوب الغسل على ماس الميت وأن الوضوء فقط واجب، فإنه ضمن الإشارة الصريحة إلى أصل البراءة، ومع التصريح بعدم وجود دليل، يجري البراءة العقلية.[33]
وفي هذا الخصوص، يمكن الإشارة أيضًا إلى بيان حكم الشخص الجنب الصائم، حيث استنادًا إلى أصل البراءة وعدم الدليل، يحكم بعدم وجوب التيمم.[34]
الأقل والأكثر الارتباطيان
الأقل والأكثر يعنيان فعلين يجب على المكلف أداؤهما في مقام التكليف، مع توضيح أن هذين الفعلين يشتركان في عدد من الأجزاء أو الشروط، ولكن أحدهما له أجزاء أو شروط أكثر من الآخر. والعلاقة بين الفعلين يمكن أن تكون ارتباطية أو استقلالية.[35]
المراد من الأقل والأكثر الاستقلاليين هو أن لكل من هذين الفعلين امتثالاً أو عصيانًا مستقلاً. ونتيجة لذلك، إذا كان مطلوب الشارع هو امتثال الأكثر ولكن تم أداء فعل الأقل من قبل المكلف، فقد تم الامتثال بذلك القدر، والمكلف يؤاخذ فقط على ارتكاب أو عدم أداء الزائد.
الأقل والأكثر الارتباطيان يعنيان أنه في عالم الواقع يوجد تكليف واحد فقط، ونتيجة لذلك، بالنسبة لفعل الأقل والأكثر، يمكن تصور امتثال خاص واحد أو عصيان خاص واحد، وإذا كان متعلق التكليف هو فعل الأكثر، فإن الإتيان بالأقل لا يظهر في أي عصيان أو امتثال.
كل من موارد الأقل والأكثر الارتباطيين والاستقلاليين، بناءً على التكليف، إما أن تكون جارية في الشبهة الوجوبية أو في الشبهة التحريمية.
ما هو محل البحث بخصوص البراءة هو الأقل والأكثر الارتباطيان. على سبيل المثال، شخص متيقن بأنه مدين بمبلغ ما، ولكنه يشك ويتردد في مبلغ الدين. في هذه الحالة، بأداء القدر المتيقن (أي دفع الحد الأدنى مما يعلم أنه مدين به)، تبرأ ذمته بالنسبة للحد الأدنى، وتكون مشغولة بالنسبة للزائد. إذن، في هذه الحالة، ليس لدينا علم إجمالي، بل ما يوجد هو علم تفصيلي (بالنسبة للأقل) مع شك بدوي (بالنسبة للأكثر). في هذا القسم، تجري البراءة قطعًا، وجميع الفقهاء متفقون على ذلك.[36]
ما هو محل البحث هو جريان البراءة في الأقل والأكثر الارتباطيين في الشبهة الوجوبية. أي عندما نشك ونتردد في وجود جزء أو شرط خاص في متعلق التكليف. مثل شخص نذر على نفسه صلاة مستحبة، ولكنه لا يعلم هل في الصلاة المستحبة، مثل الصلاة الواجبة، شرط استقبال القبلة أم لا.
في هذه الحالة، توجد ثلاث نظريات:
1. يرى بعض الأصوليين أنه بالإتيان بالأقل، تبرأ ذمة المكلف، وبالنسبة للأكثر، تجري البراءة العقلية والشرعية معًا.[37] وفقًا لهذه النظرية، إذا شككنا في وجوب استقبال القبلة في الصلوات المستحبة، فلا حاجة لمراعاة القبلة.
2. بالنسبة للأكثر، تجري البراءة الشرعية فقط.[38]
3. لا تجري البراءة في هذه الحالة، ويجب العمل بالاحتياط بالنسبة للأكثر.[39]
يعتقد القائلون بالاحتياط أنه إذا جرت البراءة العقلية، فسيستلزم ذلك الدور. لأن ما يلزم من تنجز الأقل هو عدم تنجز الأقل نفسه. أي أنه في الموارد التي يكون فيها منشأ العلم التفصيلي هو العلم الإجمالي، لا يمكن حل العلم الإجمالي من أجل حفظ العلم التفصيلي. لأن العلاقة بين العلم التفصيلي والإجمالي هي علاقة العلة والمعلول، وانحلال العلم الإجمالي يعني انحلال العلم التفصيلي.
لأنه إذا أجرينا البراءة العقلية في الأقل والأكثر، وقلنا إنه بالإتيان بالأقل، تجري البراءة العقلية بالنسبة للأكثر المشكوك فيه، فإن العلم الإجمالي الذي هو منشأ العلم التفصيلي ينحل. يمكننا أن ندعي أن الأقل واجب في كل الأحوال عندما يتم حفظ العلم الإجمالي بأن مقدار الأقل واجب نفسي أو غيري. ولكن إذا تم وضع الواجب الغيري جانبًا، فإن العلم الإجمالي أيضًا ينحل، والعلم التفصيلي الذي هو معلول هذا العلم الإجمالي يزول. ونتيجة لذلك، فإن نتيجة تنجز الأقل هي عدم تنجزه.[40]
في المقابل، يعتقد القائلون بوجود البراءة العقلية أن متعلق التكليف هو العنوان لا الأجزاء المكونة لذلك العنوان. لذا، بالنظر إلى هذه المسألة وأن الأمر يتعلق بالعنوان لا بالأجزاء أو الشروط؛ فإن عنوان التكليف المشكوك فيه حجة بالقدر الذي يكون فيه انحلاله وتجزئته معلومًا ومحددًا. أي أن القدر المتيقن فقط هو الذي له حجية.[41]
إن دراسة عدد من الآراء الفقهية للمرحوم المحقق الأردبيلي تبيّن أيضًا أنه، مثل أكثر الأصوليين، يقول بالبراءة في الأقل والأكثر الارتباطيين، ونظرًا لأن منشأ الشك في أكثر الموارد هو عدم البيان، فإن البراءة العقلية تجري.
فيما يخص ما إذا كان قول الذكر جزءًا من أجزاء سجدة السهو أم لا، فإنه يحكم ببراءة المكلف فيما يتعلق ببيان الذكر: «الذكر (في سجده السهو)… ان الظاهر استحبابه، سيما المعين، لعدم الدليل على الوجوب».[42]
فيما يتعلق بما سبق، فإن ما هو ثابت بالنسبة لوجوبه للمكلف بلا خلاف هو أداء فعل السجود، ولكن فيما يخص ما إذا كان بيان الذكر، بالإضافة إلى الفعل المادي، له موضوعية كجزء أو شرط لصحة سجدة السهو، فإنه بالنظر إلى عدم وجود بيان في هذا الخصوص، تجري البراءة العقلية، ولا تكليف على المكلف بالنسبة للذكر.
ونشهد استدلالاً مشابهًا لما سبق في حكم عدم وجوب القراءة على المأموم في الحالة التي يدرك فيها الركعتين الأخيرتين من صلاة الجماعة. ذلك أن القدر المتيقن في صلاة الجماعة هو الموارد التي وصلتنا. أي أن مرافقة المأموم للإمام وتبعيته له، وما زاد على هذا الأمر، لا يوجد تكليف آخر على عاتق المأموم، ولا يمكن إنشاء تكليف جديد إلا بخطاب وأمر جديد من الشارع، ونظرًا لعدم صدور مثل هذا الخطاب، فإن العقل، وبشكل أدق أصل البراءة، يحكم بعدم وجوب القراءة على المأموم في الحالة التي يدرك فيها الركعتين الأخيرتين من صلاة الجماعة.[43]
كما أن عدم وجوب نية الإتمام أو القصر في الموارد التي يكون فيها المسافر مخيرًا في الصلوات الرباعية بين الإتمام والقصر؛ هو من المصاديق الأخرى لجريان البراءة العقلية في آراء المحقق الأردبيلي الفقهية في موارد الأقل والأكثر الارتباطيين.[44]
تأخير البيان عن وقت الحاجة
إلى جانب البراءة العقلية، يمكن الإشارة أيضًا إلى قاعدة «تأخير البيان عن وقت الحاجة». عندما يصدر الشارع المقدس، من أجل تبيين الأحكام الشرعية للمكلفين، خطابات وأوامر تكون مجملة، وحتى وقت لزوم العمل بذلك التكليف لم يزل هذا الإجمال، يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهذه النتيجة تعتبر من مباني البراءة العقلية، وبالتالي فإن عدم جوازه متفق عليه بين الأصوليين وكذلك المعتزلة.[45]
وقد انتهت آراء مختلفة للمحقق الأردبيلي بالاستناد إلى هذه القاعدة إلى البراءة العقلية. ذلك أن تأخير البيان هو أحد مصاديق عدم البيان.
أحد مصاديق هذه النظرية في آراء المحقق الأردبيلي هو جواز استعمال سؤر الطيور والسباع. يستدل المحقق الأردبيلي بأنه نظرًا لأن أدلة الحرمة لديه غير تامة، وبعبارة أخرى، البيان غير كامل، ومن ناحية أخرى، تدل العمومات على الجواز، والأدلة الناقصة لا تملك القدرة على تخصيص العام، لذا بالاستعانة بالعقل، يثبت أن المكلفين معذورون عن استعمال سؤر الطيور والسباع: «…واستدل عليه في المنتهى بأدلة غير تامة بزعمي، وهي العمومات الدالة على جواز استعمال سؤر الطيور والسباع … فلو كان المراد مع عدم ملاقاتها النجاسة لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وحمل العمومات على الندرة».[46]
في موضع آخر، تكون كيفية استدلاله بتأخير البيان عن وقت الحاجة على النحو التالي: إن قاعدة تأخير البيان تؤدي إلى خروج حكم خاص من تحت عنوان عام، وبالتالي فإنه فيما يخص ذلك الجزء أو الشرط الخاص، تصدر البراءة العقلية لكونه أحد موارد عدم البيان. ويمكن العثور على أحد أمثلة هذا المورد في آراء المحقق الأردبيلي في باب الصلاة. فإذا قام المكلف في الصلاة بقراءة الحمد والسورة، ولكنه لم يراعِ أمورًا مثل الحركات أو مثلاً تشديد الحروف المشددة، وحان وقت الركوع، فإنه في حال انتباهه لا يحتاج إلى الإعادة. لأنه من ناحية، بسبب وجود محل القراءة (عدم الدخول في الركوع)، لا يصدق عليه حالة النسيان، ومن ناحية أخرى، بالنظر إلى قاعدة تأخير البيان والإجمال الموجود في الحكم بالنسبة لمثل هذا الشخص، فإنه يخرج من تحت حكم الإعادة، وبالتالي لا تكليف على المكلف بالإعادة.[47]
في باب الحدود، وفيما يخص الزاني بالمحارم النسبية مثل الأم وزوجة الأب، فإنه بالاستناد إلى هذه القاعدة نفسها، يحكم بالاقتصار على قتل الزاني وعدم تطبيق سائر الحدود مثل الجلد مع القتل: «الاقتصار على ضرب العنق لذكره في الروايات وترك الغير، فلو كان معه شيء آخر لذكره، وإلا لزم التأخر (تأخير البيان- خ) عن وقت الحاجة».[48]
ويمكن ذكر مثال آخر في باب الحدود بخصوص تعيين عقوبة للزاني الشاب، حيث يرى المحقق الأردبيلي أن عقوبة الجلد فقط هي التي تُعيّن له: «بيان الاستدلال أنه عام ولو كان خاصا في بعض أفراده لزم تأخير البيان».[49]
ذلك أن الحكم الكلي الوارد بخصوص الأشخاص المحصنين، وتعميمه على الشخص غير المحصن فيه إجمال وغير واضح، وبالاستناد إلى قاعدة تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن الشخص غير المحصن (الزاني الشاب) يُحكم عليه بعقوبة الجلد فقط.
الخاتمة
يبدو أن المحقق الأردبيلي قد أولى مكانة خاصة للعقل، ومع الإمعان في النظر إلى أنه في بعض الموارد يمكن للشرع فقط أن يتدخل، ولكن في كثير من المسائل في مسار استنباط الأحكام الشرعية، يمكن إعطاء قيمة للعقل توازي سائر الأدلة، على عكس كثير من الفقهاء الذين يعتبرون الاستناد إلى العقل، مع وجود سائر الأدلة النقلية، مجرد مؤيد.
يعتبر المحقق الأردبيلي العقل أحد أدلة إثبات أصل البراءة، والمصداق البارز والتام له هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وعلى هذا الأساس، يقسم البراءة إلى نوعين: البراءة العقلية والبراءة الشرعية.
إن الاهتمام بالعقل وكذلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان قد أوصل المحقق إلى نتيجة مفادها أن بعض الأدلة القرآنية المثبتة لأصل البراءة ليست سوى إرشاد إلى القاعدة العقلية قبح العقاب بلا بيان.
ومن أجل إثبات أصل الإباحة إلى جانب أصل البراءة، كان استخدام الأدلة العقلية بشكل متوازٍ مع الأدلة الشرعية موضع اهتمام المحقق الأردبيلي.
المصادر
القرآن الكريم
الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، ١٤٠٩هـ.
الأردبيلي، أحمد بن محمد، رسالتان في الخراج، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٣هـ.
الأردبيلي، أحمد بن محمد، مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان، تصحيح آقا مجتبى عراقي وآخرين، قم، دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، ١٤٠٣هـ.
الأردبيلي، أحمد بن محمد، زبدة البيان في أحكام القرآن، مصحح: محمد باقر بهبودي، طهران، المكتبة الجعفرية لإحياء الآثار الجعفرية، د.ت.
الإيرواني، باقر، الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، طهران، قلم، ٢٠٠٧م.
البجنوردي، حسن، منتهى الأصول، طهران، مؤسسة العروج، الطبعة الأولى، ١٣٨٠ش.
الجنّاتي، محمد إبراهيم، منابع اجتهاد از ديدگاه مذاهب إسلامي، طهران، كيهان، الطبعة الثانية، ١٣٧٠ش.
الحلي، حسن بن يوسف، نهاية الأصول إلى علم الأصول، تحقيق شيخ إبراهيم البهادري، قم، إشراف إعلامه المحقق جعفر سبحاني، ١٣٨٩ش.
الحلي، حسن بن يوسف، أصول الفقه، قم، مكتبة الفقه والأصول المختصة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢هـ.
السبزواري، سيد عبد الأعلى، تهذيب الأصول، قم، مؤسسة المنار، الطبعة الثانية، د.ت.
الشيخ الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين، فرائد الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، ١٤١٦هـ.
الشيخ الأنصاري، مرتضى، مطارح الأنظار، بترجمة المقرر: أبو القاسم كلانتري، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٣٨٣ش.
الصابري، حسين، عقل واستنباط فقهي، مشهد، بنياد پژوهشهاي إسلامي، ١٣٨١ش.
الصدر، سيد محمد باقر، الفتاوى الواضحة وفقاً لمذهب أهل البيت عليهم السلام، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الثامنة، ١٤٠٣هـ.
الصدر، سيد محمد باقر، بحوث في علم الأصول، تدوين سيد محمود هاشمي، د.م، المجمع العلمي، ١٤٠٥هـ.
الصدر، سيد محمد باقر، دروس في علم الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الخامسة، ١٤١٨هـ.
الطوسي، محمد بن حسن، العدة في أصول الفقه، قم، مؤسسة نشر الإسلامي، ١٤١٥هـ.
فاضل الموحدي اللنكراني، محمد، إيضاح الكفاية، الطبعة الخامسة، قم، نوح، ١٣٨٥ش.
الكاظمي الخراساني، محمد علي، فوائد الأصول، قم، نشر إسلامي، د.ت.
المحمدي، علي، شرح رسائل، الطبعة السابعة، قم، دار الفكر، ١٣٨٧ش.
المشكيني، علي، اصطلاحات الأصول، قم، نشر هادي، ١٣٧١ش.
الميرزا القمي، أبو القاسم بن محمد حسن، قوانين الأصول، الطبعة الثانية، طهران، مكتبة العلمية الإسلامية، ١٣٧٨هـ.
الهوامش
1. الشيخ الأنصاري، فرائد الأصول، ١٤١٦هـ، ج ١، ص ٣١٠.
2. صابري، عقل واستنباط فقهي، ١٣٨١ش، ص ٢٥.
3. المحدث النوري، مستدرك الوسائل، ١٣٨٠ش، ج ١٧، ص ٢٦٢.
4. الشيخ الطوسي، العدة في أصول الفقه، ١٢٩٢م، ج ٢، ص ١٧٤.
5. السبزواري، تهذيب الأصول، ج ٢، ص ١٧٣.
6. البجنوردي، منتهى الأصول، ١٤١٧هـ، ص ١٥٩.
7. الصدر، بحوث في علم الأصول، ١٤٠٥هـ، ج ٤، ص ١١٩.
8. الحلي، نهاية الوصول إلى علم الأصول، ١٤٢٥هـ، ج ٤، ص ٧٨.
9. الصدر، الفتاوى الواضحة، ١٤٠٣هـ، ج ١، ص ١٥.
10. جناتي، منابع اجتهاد از ديدگاه مذاهب إسلامي، ١٣٧٠ش، ص ٢١٥.
11. المحقق الأردبيلي، زبدة البيان، ص ٢٦٨.
12. المحقق الأردبيلي، رسالتان في الخراج، ص ٢٧.
13. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة، ج ٣، ص ١٦٨.
14. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة، ج ٣، ص ١٠٥.
15. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة، ج ٣، ص ٤٩.
16. الصدر، دروس في علم الأصول، ج ٢، ص ٣٠٥.
17. الإيرواني، الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني، ج ٣، ص ٢٤.
18. فاضل موحدي لنكراني، ١٣٨٥ش، ج ٤، ص ٣٧٣.
19. ابن الشهيد الثاني، معالم الأصول، ١٣٧٦ش، ج ١، ص ٢١٦.
20. محمدي، ١٣٨٧ش، ص ٢٩٥.
21. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ١٣، ص ٤٢٢.
22. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ١، ص ١٨٤.
23. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ١، ص ٢٣٧.
24. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ٢، ص ١٨٢.
25. المحقق الأردبيلي، زبدة البيان في أحكام القرآن، ص ٦٧٠.
26. الشيخ الأنصاري، فرائد الأصول، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ٣٢٢.
27. الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، ١٤٠٩هـ، ص ٣٦٤.
28. الشهيد الصدر، دروس في علم الأصول، ١٣٨٤هـ، الحلقة الثانية، ص ١٢٤.
29. المحقق الأردبيلي، زبدة البيان في أحكام القرآن، ص ٦٣١.
30. المحقق الأردبيلي، مجمع البيان والفائدة، ج ٣، ص ٢٢٩.
31. المحقق الأردبيلي، مجمع البيان والفائدة، ج ٢، ص ٤١٠.
32. المحقق الأردبيلي، مجمع البيان والفائدة، ج ٣، ص ٤.
33. المحقق الأردبيلي، مجمع البيان والفائدة، ج ١، ص ٧٣.
34. المحقق الأردبيلي، مجمع البيان والفائدة، ج ١، ص ٨٥.
35. المشكيني، اصطلاحات الأصول، ١٣٧١ش، ص ٦٦.
36. السبزواري، تهذيب الأصول، د.ت، ص ٣٢٥.
37. الشيخ الأنصاري، فرائد الأصول، ١٤١٦هـ، ج ٢، ص ٣٢١.
38. الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، ١٤٠٩هـ، ص ٣٦٣.
39. المصدر نفسه، ج ٤، ص ١٥١.
40. البجنوردي، منتهى الأصول، ١٣٨٠ش، ج ١، ص ٢١٢.
41. الحلي، أصول الفقه، ١٤٣٢هـ، ج ٢، ص ٣٢١.
42. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ٣، ص ١٩٧.
43. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ٣، ص ٣٢٧.
44. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ٣، ص ٤٢٧.
45. الميرزا القمي، ١٣٧٨هـ، ج ١، ص ٣٤١.
46. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ١، ص ٢٩٧.
47. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ٣، ص ١٣١.
48. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ١٣، ص ٥٣.
49. المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة والبرهان، ج ١٣، ص ٧٥.