الملخص
كان لابن إدريس إبداعات في الفقه ومنهج الاجتهاد. فقد طبّق القواعد الأصولية في الفقه بأسلوب لافت، وعلى الرغم من إنكاره لحجية خبر الواحد، فقد تمكن من الاجتهاد دون التمسك بأخبار الآحاد، وعوّض عن نقصها بالتمسك الواسع بالعقل ومقتضى المذهب، وكذلك الاستفادة الكبيرة من آيات القرآن. لقد فتح ابن إدريس بفصول جديدة في تاريخ تطور فقه وأصول الشيعة من خلال نقده الواسع لآراء وأفكار الشيخ الطوسي، وقدم خدمة جليلة للفقه والأصول الشيعية.
المقدمة
يُعدّ محمد بن إدريس الحلي من مؤسسي مدرسة الحلة، وتاريخ ولادته ووفاته محل خلاف. ذكر بعض المؤرخين أن ولادة ابن إدريس كانت في عام 544 هـ (دشتي، 1385: 1/ 67)، بينما ذكر آخرون أنها في عام 558 هـ (صدر، 1376: 305؛ كاشاني، 1417: 175/ 20). وفيما يتعلق بوفاة ابن إدريس، يوجد خلاف كبير أيضاً. يكتب محمد بن إسماعيل: المشهور أن ابن إدريس توفي في شبابه قبل سن الخامسة والعشرين (سيد مرتضى، 1376: 5/ 347). وكتب العلامة المجلسي: توفي ابن إدريس عام 578 هـ (المجلسي، 1403: 102/ 279). وبناءً على هذه النظرية، فقد توفي ابن إدريس عن عمر يناهز 35 عاماً. وذكر الذهبي وفاته في عام 597 هـ، وأقر ابن حجر العسقلاني بهذا القول (ابن فوطي، 1374: 3/ 127). ونقل الكفعمي عن ابن إدريس قوله: توفي والدي في الثامن عشر من شوال عام 598 هـ (محدث قمي، 1385: 383). يُستفاد من عدة مواضع في السرائر أن المصنف كان على قيد الحياة بعد عام 586 هـ (السرائر، 1410: 2/ 45 – 66). إذن، القول الأول والثاني باطلان. مكان وفاته ومدفنه مدينة الحلة، ومرقده في محلة «الجامعين» وهو مزار (همتباري، 1381).
أهم الآثار الفقهية لابن إدريس
أهم أثر فقهي لابن إدريس هو كتاب «السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي» الذي اشتهر باسم السرائر، وفي بعض كتب التراجم يُذكر باسم «الحاوي لتحرير الفتاوي» (الذهبي، 1414: 21/ 332).
يصف ابن إدريس كتابه في مقدمة السرائر على النحو التالي: السرائر كتاب كنت على ضعف حالي وسرعة مرّ الأزمان، دائم الملاحظة له، والفكرة والنظر والتأمل فيه، أرجو أن أجد له نقصاً، وأرى فيه خللاً ووهناً، فأجبره بهذا الكتاب، والوقت يضيق عن أهله، ولا يرجع على أوّله، فمع اهتمامي به وإعظامي له، وتشبثي بأسبابه، أعتقد أنه خير مصنف صنف في فنه، وسبق سائر المصنفات.
دافع التأليف
يشرح ابن إدريس في مقدمة السرائر دافعه للتأليف على النحو التالي:
أ. تخليد علم الفقه
ألّف ابن إدريس، هذا الفقيه ذو النظرة المستقبلية، كتابه القيّم السرائر بدافع تخليد علم الفقه. في مقدمة السرائر، وبعد نقله حديثاً عن النبي الأكرم ﷺ حول أهمية تدوين العلم والمعرفة، ونقله جملاً لافتة من العلماء حول أهمية وآثار الكتاب والمطالعة، يقول:
يُقرأ الكتاب في كل مكان، ويجري بكل لسان، ويُوجد في كل زمان، على تفاوت الأعصار وتباعد الديار، وهذا ما لا يمكن للمصنف؛ فإن السؤال والجواب الحضوري والإرشاد والهداية الشفهية لا يتجاوز مجلس الحوار. كم من حكيم ودّع دار الفناء وبقيت كتاباته، وكم من مفكر رحل ولم يبق له أثر. من هنا، فإن أكثر المحققين والمتدينين المفكرين والعميقي الفكر، لم يكن تأليف الكتاب والاشتغال به والسعي في تخليد عجائب الحكم وتدوين السير إلا لكي نطلع على ما خفي علينا، ونفتح ما أُغلق علينا من أبواب الفهم… كانت المعارف قليلة، والهمم قصيرة، والآمال ناقصة، والأفكار عقيمة، والعقول مريضة. حقاً إن الكتاب هو أفضل ذخيرة ورأس مال، وأفضل جليس وراعٍ، وأفضل نسيم وترويح، وأفضل شغل وحرفة، وأفضل مؤنس في الوحدة، وأفضل وعي ودليل في ديار الغربة، وأفضل رفيق وراحل، وأفضل مستشار وضيف.
ب. إنقاذ العلم من الركود
من الدوافع الأخرى لابن إدريس في تأليف السرائر، كسر الركود العلمي في عصره وإخراج المجتمع من حالة اللامبالاة بالعلم والمعرفة. وصف ابن إدريس عصره بأنه عصر ركود علمي وإعراض الناس عن معرفة الأحكام والشريعة المحمدية، حيث كان الكبار مقصرين في حفظ أمانة الأجيال والسعي لاكتساب ما يلزمهم من علم، والشباب غارقين في اللهو والشهوات، قد أطلقوا عنان العلم. هذا الوضع المؤسف دفع ابن إدريس إلى تأليف كتاب السرائر ليُعيد الحركة إلى قافلة العلم ويخرجها من الركود والخمول.
ج. مكافحة التقليد وعرض الأفكار الجديدة
من السمات السلبية لعصر ابن إدريس، عدم الإقبال على الأفكار الجديدة بل ومحاربتها، واعتبار التجديد خرقاً للتقاليد وتجاوزاً لسيرة السلف، ورفض الفكر الجديد بحجة أن الأوائل لم يقولوا به. هذا الجو السائد أدى إلى شيوع ظاهرة التقليد المذمومة وتكرار آراء السلف، وسلب من العديد من العلماء قدرة الإبداع وجرأة طرح الأفكار الجديدة. والأهم من ذلك، أن السطوة العلمية للشيخ الطوسي – الذي كان بحق شيخ الطائفة – قد هيمنت على ساحة الآراء الفقهية وأثرت في فقهاء الشيعة، بحيث لم يجرؤ أحد لفترة طويلة على نقد آراء الشيخ الطوسي بشكل واسع، ولم تُعرض أفكار جديدة في سوق الفقه. في مثل هذا الوضع، قام ابن إدريس بمنتهى الشجاعة والإيثار، من خلال تأليف السرائر، بنقد آراء المتقدمين، وخاصة النقد الواسع لآراء الشيخ الطوسي، وزيّن صفحات هذا الكتاب بنقد ودراسة آرائهم. لا شك أن أحد دوافعه المهمة في تأليف هذا الكتاب كان كسر جو التقليد ونقد أعمال وأفكار المتقدمين، وتمهيد الطريق لعرض الأفكار الجديدة وتطور فقه الشيعة.
المباني الأصولية لابن إدريس
يُعد كتاب السرائر نموذجاً مناسباً من حيث تطبيق المسائل الأصولية في الفقه، ويظهر فيه تأثير المباني الأصولية على الآراء الفقهية بوضوح.
أ. المباني الأصولية
في هذا القسم، نذكر آراءه الأصولية على شكل قائمة، مراعاة للاختصار، وفقاً للترتيب الحالي للكتب الأصولية:
أولاً: مباحث الألفاظ
أهم آراء ابن إدريس في مباحث الألفاظ هي كما يلي: ظهور صيغة الأمر في الوجوب (ابن إدريس، نفس المصدر: 1/ 236). دلالة الأمر على الفورية (نفس المصدر). عدم تبعية القضاء للأداء (نفس المصدر: 1/ 205). وجوب مقدمة الواجب (نفس المصدر: 1/ 33). دلالة النهي على الحرمة (نفس المصدر: 2/ 236) والفساد (نفس المصدر: 1/ 272). حجية مفهوم الأولوية ومفهوم الشرط (نفس المصدر: 3/ 163). وجوب العمل بالعام قبل الوصول إلى الخاص (نفس المصدر: 1/ 575). عدم مجازية العام بعد التخصيص (نفس المصدر: 2/ 354).
ثانياً: مباحث الحجج
1. الكتاب
يقول ابن إدريس في بحث الإرث: بوجود الابنة، لا ترث أخت الميت النصف الآخر من التركة. ولإثبات ذلك يتمسك بظاهر الآية ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾[1]، وفي مواجهة الروايات المتعارضة يقول: «إذا تعارضت الأخبار تساقطت، ووجب الرجوع إلى ظاهر القرآن» (نفس المصدر: 3/ 256). بالطبع، يتضح من هذه العبارة أنه يتمسك بظاهر القرآن فقط في حالة عدم وجود دليل قطعي. لذلك، في حالة تعارض الأخبار وسقوطها، يوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن، وإلا، باعتقاده، في حالة وجود دليل قطعي، لا تصل النوبة إلى ظاهر القرآن.
2. خبر الواحد
مع الأخذ في الاعتبار محدودية الآيات المتعلقة بالأحكام في القرآن، وحالات الدليل العقلي، ورجوع حقيقة الإجماع إلى قول المعصوم (ع)، يتضح أن أهم وأوسع مصادر الاستنباط في فقه الشيعة هي روايات المعصومين (ع). على هذا الأساس، وُلدت علوم مثل الرجال والدراية ونشأت في حضن الحديث، وتُعتبر من المقدمات المهمة للاجتهاد والاستنباط. ولكن بسبب البعد الزمني التدريجي عن عصر المعصومين (ع) وظهور وسطاء كثيرين، وكذلك وجود دوافع لوضع الحديث وغيرها من العلل والعوامل، لا يمكن الاعتماد على كل حديث. لذلك، قُسّمت الأخبار إلى مراتب ودرجات مختلفة مثل المتواتر والآحاد والمحفوف بالقرينة، حيث تُعتبر الأخبار المتواترة والمحفوفة بالقرينة قطعية وموثوقة، وأما أخبار الآحاد فهي محل بحث ونظر.
خبر الواحد من وجهة نظر فقهاء القرن السادس
يبدو أنه بعد مرور قرن على وفاة الشيخ الطوسي، عاد فقهاء القرن السادس في مسألة خبر الواحد إلى آراء السيد المرتضى واعتبروه غير معتبر في الغالب. يمكن ذكر أشهرهم: ابن شهر آشوب، والعلامة الطبرسي، وابن زهرة. يقول ابن شهر آشوب في كتاب متشابه القرآن في ذيل الآية: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[2]: «هذه الآية تدل على فساد العمل بخبر الواحد؛ لأن من يعمل به في الشرع دون أن يكون لديه علم بصدق الراوي، فقد عمل بالظن وشمله النهي» (ابن شهر آشوب، 1328: 2/ 153). وفي غنية النزوع، مع جواز التعبد بخبر الواحد عقلاً كما فعل السيد المرتضى، يعتقد ابن زهرة[3]: لم يرد في الشرع التعبد به. لذلك، فهو لا يوجب العلم، وفي حالة عدالة الراوي، فإنه يوجب غلبة الظن فقط (الحجرات: 60).
ابن إدريس وخبر الواحد
إنكار خبر الواحد من أشهر المباني الفقهية لابن إدريس، وقد صرح بعدم اعتباره في مواضع متعددة في السرائر[4]. بل يمكن الادعاء بأنه كان له موقف أشد من السيد المرتضى في إنكار حجيته؛ إذ كان يعتقد أن العمل بخبر الواحد غير جائز وإن كان راويه ثقة[5]. وكان على هذا الرأي: حتى في حالة عدالة الرواة، فإن أصحابنا لا يجيزون العمل به (ابن إدريس، نفس المصدر: 1/ 127). يذهب ابن إدريس أبعد من ذلك، وفي موقف صريح وحاد، يعتبر العمل بأخبار الآحاد سبباً في هدم الإسلام[6]. وهو لا ينكر أخبار الآحاد فحسب، بل يقول إن إنكارها موضع اتفاق وإجماع أصحاب الإمامية. في أحكام صلاة المسافر، رداً على كلام للشيخ الطوسي مستنده خبر واحد، يقول: «… خبر الواحد لا يوجب علماً ولا عملاً، خصوصاً على مذهب أصحابنا سلفهم وخلفهم من فقهاء أهل البيت (ع) أجمعوا على ترك العمل به» (نفس المصدر: 330). وفي موضع آخر يصرح: «واضح و[بل] ضروري أن مذهب أصحابنا على ترك العمل بخبر الواحد، ولم يخالف أحد منهم في هذه المسألة ولم يقل بالاستثناء»[7]. حتى أنه يمكن، بناءً على احتمال، استنباط من عبارته في السرائر أن ترك العمل بخبر الواحد ضروري في مذهب الإمامية[8]. في مبحث أحكام الجنابة، بمناسبة نقد كلام للشيخ الطوسي يستند في رأي ابن إدريس إلى خبر واحد، يقول: مذهب أصحابنا لا يجيز العمل بأخبار الآحاد، بل ترك العمل بالأخبار معلوم في مذهبهم؛ لأن العمل تابع للعلم، وأخبار الآحاد لا تفيد علماً ولا عملاً، وترك العمل بخبر الواحد ضروري في مذهبنا[9]. ويقول أيضاً: ترك العمل بخبر الواحد معروف في مذهب الإمامية لدرجة أن المخالفين يقولون في كتبهم إن الشيعة الإمامية لا تعمل بخبر الواحد (نفس المصدر: 3/ 289). وأخيراً، يعتقد أنه حتى عند أهل البيت (ع) لم يكن خبر الواحد حجة (نفس المصدر: 1/ 397 و 394 – 495).
إذن، من المسلم به أن ابن إدريس لا يعتبر أخبار الآحاد، ولكن السؤال المطروح هنا هو: هل ينكر ابن إدريس أي نوع من أخبار الآحاد بشكل مطلق، أم يجيز العمل بخبر الواحد تحت شروط معينة؟ ما يُستفاد من الجمل السابقة هو الإنكار المطلق، ولكن بدراسة كاملة وشاملة للسرائر، يتضح أنه، مثله مثل الفقهاء الذين سبقوه، يعتبر الخبر الذي يُعزز بأحد الأدلة الثلاثة: الكتاب، أو السنة القطعية، أو الإجماع، معتبراً ويجيز العمل به. كما في باب اشتراك الجنايات، بعد نقل عدة روايات ودراستها، يقول: كلها أخبار آحاد، ولكن إذا أيدها الكتاب أو السنة أو الإجماع، يُعمل بها… (نفس المصدر: 3/ 375). كما يعتبر خبر الواحد الذي يذكره أصحاب الإمامية في تصانيفهم ويجمعون عليه في فتاواهم، معتبراً. في بحث الكفارة، ينقل رواية تدل على أنه إذا مزق شخص ثيابه عند وفاة أهله وأقربائه، وجبت عليه كفارة يمين. ثم في نقد الرواية يقول: هذه الرواية شاذة ونادرة النقل، تُنقل فقط في أبواب الزيارات عن راوٍ واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً، ولكن أصحابنا في كتاباتهم وفتاواهم أجمعوا على هذه الرواية، وهذا الإجماع حجة ودليل عليها (نفس المصدر: 78). علاوة على ذلك، يعتقد بشكل عام أن أخبار الآحاد يجب عرضها على سائر الأدلة ودراسة صحتها وسقمها. في مسألة إحياء الأرض الموات، ضمن نقل عدة فروع فقهية من نهاية الشيخ الطوسي، يقول في النهاية: كلها أخبار آحاد… من الأفضل عرضها على الأدلة، وما صححته الأدلة فهو صحيح، وما لم تصححه الأدلة فهو باطل (نفس المصدر: 2/ 375). إذن، نستنتج أن ابن إدريس لا ينكر أي خبر واحد بشكل مطلق، بل يعتبر فقط خبر الواحد المحض غير معتبر وغير قابل للعمل به.
علة إنكار خبر الواحد
هل علة إنكار خبر الواحد عدم إفادته العلم، أم أن هناك عللاً ودوافع أخرى لها دور في إنكاره؟ ما يظهر من الكتب الفقهية والأصولية لمنكري أخبار الآحاد حتى عصر ابن إدريس هو أن العلة الرئيسية للإنكار وعدم جواز العمل بهذه الأخبار، هي عدم إفادتها العلم، وبما أن مستند الأحكام الشرعية يجب أن يكون قطعياً، فلا يمكن العمل بخبر الواحد الذي لا يفيد أكثر من الظن والترجيح. ويرى ابن إدريس أيضاً أن علة عدم عمل الأصحاب بخبر الواحد هي عدم إفادة الأخبار للعلم (نفس المصدر: 1/ 127 – 495). كما أن آخرين قبله اعتبروا هذا الأمر هو علة الإنكار (الشيخ المفيد، 1413: 45؛ السيد المرتضى، 1376: 2/ 517؛ الطبرسي، 1372: 9/ 221؛ قطب الراوندي، ابن شهر آشوب، 1328: 2/ 154؛ ابن زهرة، 1417: 1/ 356 – 354).
ومع ذلك، يبدو أنه بالإضافة إلى ذلك، كان هناك علل ودوافع أخرى مثل الدوافع السياسية والمذهبية لها دور في إنكار خبر الواحد؛ إذ إن تعابير مثل أن أخبار الآحاد سبب في هدم الإسلام، أو أن أصحاب الإمامية يوجهون أشد الانتقادات للقائلين بأخبار الآحاد، من المستبعد أن تكون بدون دوافع سياسية؛ خاصة أن تيار إنكار خبر الواحد كان في فترة زمنية معينة، وغالبية فقهاء الشيعة من زمن العلامة فصاعداً اعتبروا أخبار الآحاد معتبرة. أما عن ماهية هذه الدوافع، فيعتقد البعض أن إنكار خبر الواحد له بعد كلامي، وأن متكلمي الشيعة في مقام المحاججة مع أهل السنة أنكروا حجية خبر الواحد حتى لا يتمكن الخصم من الطعن في عقائد الشيعة بالاستناد إلى رواياته (معارف، 1374: 522 – 523). هذا التوجيه والدافع، بالنظر إلى أن أكثر الفقهاء المنكرين لخبر الواحد كانوا من المتكلمين[10] أيضاً ويعتبرون أنفسهم مسؤولين عن حماية عقائد الشيعة، لا يبدو بعيداً. دافع آخر يمكن الإشارة إليه هو أن فقهاء العامة في استنباط الأحكام كانوا يتمسكون بأمور مثل القياس والاستحسان، لكن فقهاء الشيعة كانوا يرفضون هذه الأمور لعدم إفادتها العلم وينتقدون فقهاء العامة. من ناحية أخرى، كان الأثر النهائي لخبر الواحد بدون قرينة هو إفادة الظن والترجيح. فإذا تمسك فقهاء الشيعة بمثل هذه الأخبار، كان من الممكن أن يتعرضوا للنقد والشماتة من قبل فقهاء العامة بأنكم عندما لا تعتبرون الظن والترجيح معتبراً وتُبطلون أدلتنا، فلماذا تعملون أنتم بأخبار الآحاد؟! ربما يمكن اعتبار وضع القياس وأخبار الآحاد في مصاف واحد وإنكار كليهما في كلمات فقهاء الشيعة شاهداً على هذا الاحتمال[11].
مدى وفاء ابن إدريس بمبدأ إنكار خبر الواحد
هل بقي ابن إدريس وفياً لمبدأ إنكار خبر الواحد في استنباط الأحكام أم لا؟ قبل الإجابة على هذا السؤال، يبدو من المفيد بيان نقطتين: 1. كما ذُكر سابقاً، لا ينكر ابن إدريس خبر الواحد بشكل مطلق، ومثله مثل الفقهاء الذين سبقوه، يعتبر خبر الواحد الذي يكون مصحوباً بقرينة ومتوافقاً ومؤيداً للكتاب والسنة والإجماع، معتبراً. حتى أنه وسّع نطاق الموافقة مع الأدلة واعتبر الرواية التي لها توجيه معقول ومتوافقة مع بعض الأصول الفقهية، معتبرة وقابلة للعمل بها. لذلك، بالنظر إلى إمكانية موافقة خبر الواحد مع الأدلة – خاصة الدليل العقلي الذي هو في رأيه غالباً نفس الأصول العملية – فإن الكثير من أخبار الآحاد تخرج من دائرة الإنكار وتعتبر معتبرة. 2. يستدل في السرائر في مواضع متعددة في الأحكام الإلزامية وغير الإلزامية بأخبار المعصومين (ع)، خاصة أقوال الرسول الأكرم ﷺ، وهذا يتم بعدة طرق: أحياناً ينقل نص الحديث (نفس المصدر: 1/ 64، 65، 133، 138، 197، 198، 199، 357، و…؛ 2/ 118، 120، 125، 130، 131، 152، 166، 168، و…؛ ج 3، ص 19، 24، 43، 424، 467، و…). وأحياناً يكتفي في بداية الفرع الفقهي بتعبير «وقد روي» (نفس المصدر: 1/ 106، 141، 158؛ 3/ 204، 228، 229، و…) أو في النهاية بتعبير «على ما روي» (نفس المصدر: 1/ 202، 210، 308، و…). وعندما ينقل نص الحديث، عادةً ما يصرح إذا كان الخبر مجمعاً عليه، متفقاً عليه، متواتراً، أو متلقى بالقبول عند الأصحاب، أو حتى مستفيضاً في النقل[12]. وهو يستند في مواضع متعددة إلى الأخبار فقط ولا يشير إلى هذه الخصائص أو موافقتها مع الأدلة، وهذا هو ما يتطلب المزيد من التأمل ويطرح هذا السؤال في الذهن: هل هذه الأخبار أيضاً متوافقة مع الأدلة بطريقة ما، وإن لم يشر إلى القرينة أو وجه الموافقة مع الأدلة، أم أن هذه من حالات نقض مبدئه؟ ولكي يتضح ما إذا كانت هذه الروايات في الواقع لها قرائن أو متوافقة مع الأدلة، من الضروري دراسة كل حالة من هذه الحالات بشكل منفصل، وهو ما يخرج عن نطاق هذا المقال.
في نهاية هذه النقطة، نذكر أنه يبدو أن ابن إدريس كان وفياً لمبدئه بشكل عام حتى في هذه الحالات. والشاهد على هذا الادعاء أمران: 1. هو في مقام نقد ودراسة آراء الشيخ الطوسي في كتاب النهاية، يصرح في مواضع متعددة بأن هذه الآراء للشيخ مبنية على خبر الواحد، وخبر الواحد غير معتبر عند الإمامية. لذلك، في مثل هذه الحالات، يتمسك بوجوه أخرى ويقدم فتاوى مختلفة عن فتاوى الشيخ الطوسي. 2. الآثار والنتائج التي ترتبت على منهجه الاجتهادي بناءً على هذا المبدأ، ومن أهمها الآراء والفتاوى الشاذة والنادرة التي سنتناولها في البحث التالي.
آثار إنكار خبر الواحد
كما أُشير سابقاً، تُعد روايات المعصومين (ع) أهم وأوسع مصدر لاستنباط الفقه الشيعي، وبالنظر إلى محدودية الأخبار المتواترة وذات القرينة، فإن معظم الأخبار تقتصر على الآحاد. لذلك، فإن إنكار خبر الواحد يمكن أن يميز طريقة الفقه للفقهاء الذين يرغبون في البقاء أوفياء لهذا المبدأ في ساحة الاجتهاد عن غيرهم من الفقهاء ويمنحه صبغة أخرى. ولهذا السبب، فإن كتب وآراء الفقهاء المنكرين لخبر الواحد تتشابه في كثير من الحالات. أفضل شاهد على هذا الادعاء هو مقارنة كتابي الانتصار للسيد المرتضى وغنية النزوع لابن زهرة، حيث يمكن من خلال مقارنتهما العثور على العديد من المشتركات، خاصة في طريقة الاستدلال. لذلك، فإن الآثار التي نذكرها هنا تُطرح بشكل أساسي فيما يتعلق بالفقهاء ذوي المذهب الواحد مع ابن إدريس، ولكن يبدو أنه لدراسة آثار ونتائج إنكار خبر الواحد، فإن كتاب السرائر هو أفضل مصدر ومرجع مقارنة بكتب الفقهاء الآخرين؛ لأنه بين آثار وكتب منكري خبر الواحد حتى عصر ابن إدريس، لا يوجد كتاب فقهي بحجم وأهمية السرائر من حيث الكمية والاستدلال. من هذا المنطلق، ندرس هذه الآثار من منظور ابن إدريس في السرائر.
1. الآراء الشاذة
من آثار إنكار خبر الواحد، ظهور اجتهاد ابن إدريس في الشذوذ والآراء الخاصة التي لم يكن لها سابقة بين فقهاء الشيعة، أو أن عدداً قليلاً من الفقهاء شاركوه في هذا المبدأ؛ على سبيل المثال، على الرغم من وجود روايات تدل على بطلان صوم المتقيئ ولزوم القضاء، وحتى أن صاحب الوسائل خصص باباً بعنوان «باب بطلان الصوم بتعمد القيء» وجمع فيه عشرة أحاديث (الحر العاملي، 1409: 4/ 60)، إلا أنه بسبب اعتباره هذه الأخبار آحاداً، لم يعرها اهتماماً، وبدلاً من ذلك تمسك بأصل البراءة، ومثل الحقنة بالسوائل، في حالة المتقيئ عمداً، أفتى بعدم لزوم القضاء. كذلك، على الرغم من أنه وفقاً للروايات، إذا زنى شخص بخالته أو عمته، فإن الزواج بابنتهما يصبح حراماً مؤبداً، إلا أنه بسبب عدم الاهتمام بأخبار الآحاد، وخلافاً لسائر الفقهاء وحتى السيد المرتضى، لم يقل بالتحريم واستدل كالتالي: إذا قام الإجماع على الحرمة، فإن نفس الإجماع يكون دليلاً ونحن نقول بالحرمة، ولكن إذا لم يكن هناك إجماع، فلا يوجد دليل آخر من الكتاب والسنة والعقل، والإجماع لا يتحقق بكلام شخصين أو ثلاثة ومجهولي النسب (نفس المصدر: 1/ 529 – 530).
2. محدودية دائرة الأحكام الشرعية
لا شك أنه بدون دليل معتبر، لا يمكن اعتبار أمر ما شرعياً وجزءاً من أحكام الشريعة. كما أن من أهم أدلة الأحكام، روايات الأئمة (ع) التي معظمها من نوع خبر الواحد. الآن، إذا لم يعتبر فقيه هذه الأخبار معتبرة، فإنه لا يعتبر المسائل والأحكام التي تُبيّن بواسطة هذه الروايات شرعية. نتيجة لذلك، تصبح دائرة الأحكام الشرعية محدودة وتقتصر على الحالات التي ثبتت شرعيتها من غير طريق خبر الواحد. ابن إدريس الحلي أيضاً، بسبب إنكاره لخبر الواحد، في بعض الحالات، يعتبر الأحكام المستفادة من هذه الأخبار غير شرعية؛ على سبيل المثال، يطرح الشيخ الطوسي في مبحث الحج من النهاية، وفقاً للروايات، هذا الفرع الفقهي: إذا أراد شخص أن يرسل أضحية تطوعاً إلى الحج، يمكنه أن يحدد يوماً مع أصدقائه الذين ذهبوا إلى الحج للتضحية، وهو نفسه في وطنه يجتنب المحرمات ويحل في ذلك اليوم المحدد. يقول ابن إدريس في نقد هذه المسألة الشرعية: هذه المسألة ليست واضحة، وهذه أخبار آحاد لا يُلتفت إليها ولا يُعتمد عليها، وهذه الموارد أمور شرعية يحتاج مثبتها ومدعيها إلى إقامة دليل شرعي، في حين لا يوجد دليل من الكتاب والسنة القطعية والإجماع. ولهذا السبب، فإن أصحاب الإمامية لا يذكرون هذه الفروع في كتبهم، والشيخ الطوسي لم يذكرها من باب اعتقاده بها؛ لأن كتاب النهاية كتاب خبر، وليس كتاب بحث ونظر (نفس المصدر: 1/ 641 – 642). وكذلك في نقد كلام آخر للشيخ في النهاية، حيث أفتى بجواز بيع الأشياء الموجودة أو الممكنة الوجود ولكن غير الحاضرة، يقول: [هذه المسألة] مضمون خبر واحد أورده الشيخ في تهذيب الأحكام نقلاً عن ابن سنان، ولا يمكن العمل به؛ لأن البيع إما بيع أعيان أو بيع سلم، والبيع موضوع البحث ليس أياً منهما. لذلك، يدخل في بيع الغرر، وقد نُهي عن بيع الغرر. علاوة على ذلك، البيع حكم شرعي، وإثباته يحتاج إلى دليل شرعي، ولا يمكن الرجوع في شرعيته إلى خبر واحد (نفس المصدر: 2/ 290، 147، 322، 343 و…).
3. الإقبال الكبير على سائر الأدلة
من أبرز آثار إنكار خبر الواحد في ساحة الاجتهاد والاستنباط، الإقبال والاعتماد الأكبر لابن إدريس على سائر الأدلة. ولهذا السبب، يعطي أهمية كبيرة لآيات القرآن، والإجماعات، والقواعد الفقهية، ومباحث العرف واللغة.
4. الاستغناء عن مبحث التعادل والتراجيح في نطاق أخبار الآحاد[13]
فلسفة وجود مبحث التعادل والتراجيح هي تعارض الأدلة، خاصة الروايات، والفقيه الذي لا يعتبر خبر الواحد معتبراً لا يحتاج إلى هذا المبحث في نطاق خبر الواحد. على هذا الأساس، لا يحتاج ابن إدريس إلى طرح بحث تعارض الأخبار؛ على سبيل المثال، في مسألة الوكالة في الطلاق، حيث يتعارض خبر واحد مع أخبار أخرى. يلجأ الشيخ الطوسي في الاستبصار إلى حل التعارض ويجمع بين الأخبار، ولكن ابن إدريس في نقد عمله يقول: رفع التعارض يكون لازماً عندما تكون الأخبار متواترة ومتكافئة، أما هذا الخبر [الواحد] الشاذ، فلا تكافؤ له مع الأخبار المتواترة حتى يحتاج إلى حل التعارض (نفس المصدر: 1/ 96 و 422).
الأدلة البديلة لأخبار الآحاد
بالنظر إلى أهمية الأخبار في الاجتهاد الشيعي، فإن عدم اعتبار طيف واسع من الأخبار يخلق قيوداً في ساحة استنباط الأحكام للفقيه، ويضطر الفقيه إلى تعويض هذا الفراغ بالتمسك بوجوه أخرى. الآن، يطرح هذا السؤال: ابن إدريس، خاصة كفقيه يميل إلى الفقه الاستدلالي، كيف ملأ فراغ أخبار الآحاد، وما هي العناصر التي استبدلها بها، وهل تمكن أصلاً من الاجتهاد بدون أخبار الآحاد؟ في الإجابة، يجب القول: على الرغم من أن إنكار خبر الواحد قد أتى بآثار غير مرغوب فيها بالنسبة له، إلا أنه يمكن القول بجرأة إنه تمكن من الاجتهاد بدون أخبار الآحاد، وإذا لاحظنا هذه الميزة في السرائر، وهو أكثر الكتب استدلالاً بين كتب منكري خبر الواحد حتى عصر ابن إدريس، فمن الجدير أن نعتبر الاجتهاد بدون الاعتماد على أخبار الآحاد من أهم إبداعات ابن إدريس في الفقه. لكن المهم هو كيفية الاجتهاد بدون أخبار والعناصر البديلة في هذا النوع من الاجتهاد، وما هي العوامل والأدلة التي استبدلها ابن إدريس بأخبار الآحاد؟
استفاد ابن إدريس لتعويض هذا الفراغ من العناصر التالية:
مقتضى أصول المذهب
التمسك بمقتضى أصول المذهب، على الرغم من أنه لا يختص بابن إدريس الحلي، وقد استفاد منه الفقهاء قبله أيضاً في منهجهم الاجتهادي، إلا أن هذا العنصر قد وجد مكانة خاصة في منهج ابن إدريس الاجتهادي، وهو في الواقع أحد العناصر المهمة جداً؛ على سبيل المثال، في مسألة مضاربة مال اليتيم، وضع الشيخ الطوسي في النهاية نص رواية واحدة كفتوى وقال: «إذا أعطى شخص مال اليتيم لآخر كمضاربة، فإذا حصل ربح، يُقسم بينهما حسب الاتفاق، أما في حالة الخسارة، فالضمان على من أعطى مال اليتيم للآخر». يقول ابن إدريس في نقد هذا الكلام: إذا كان هذا الشخص ناظراً شرعياً في مال اليتيم، فلا يخرج عن حالتين: إما أن يكون وصياً في هذه المسألة أو ولياً، وفي كلتا الحالتين يمكنه أن يفعل ما فيه مصلحة وصلاح اليتيم، وفي هذه الحالة إذا خسر، فلا شيء عليه، وأصول المذهب تقتضي ذلك (نفس المصدر: 2/ 411). وكذلك في باب الاشتراك في الجناية، بعد أن جعل عدة روايات نص الفتوى، يقول: «كل هذه أخبار آحاد. فإذا أيدها الكتاب أو السنة أو الإجماع، عملنا بها، وإلا حكمنا بمقتضى المذهب» (نفس المصدر: 3/ 375 و 1/ 249، 367، 371، 399، 530، 566، 624؛ ج 2، ص 131، 334، 353، 411، 431، 633، 644).
الأصول العملية
عنصر آخر اهتم به ابن إدريس كثيراً واستدل به على نطاق واسع في السرائر، هو الأصول العملية. في أي مسألة لا يوجد فيها إجماع وكتاب وسنة، لم يتمسك بأخبار الآحاد، وبدلاً من ذلك، لجأ إلى الأصول العملية؛ على سبيل المثال: إذا نذر شخص أن يعتق أول عبد يملكه، وصادف أنه ملك عدة عبيد في وقت واحد، فإن الشيخ الطوسي في النهاية، بناءً على بعض أخبار الآحاد، أفتى بالقرعة، ولكن ابن إدريس بنقد هذه الفتوى يقول: «لا دليل على هذه المسألة من الكتاب والسنة والإجماع، وأخبار الآحاد ليست معتبرة، لذلك يبقى فقط دليل الأصل، أي بقاء الملكية وثبوتها» (نفس المصدر: 2/ 172 و 1/ 650 و 2/ 278، 436، 607، 687).
ظواهر وعمومات الكتاب والسنة القطعية
من العناصر الأخرى البديلة لخبر الواحد، ظواهر وعمومات القرآن والسنة القطعية. لم يعتبر ابن إدريس خبر الواحد، في الحالات التي يكون فيها مقابل عموم القرآن أو السنة، صالحاً لتخصيص العمومات، وتمسك بظواهر وعموماتهما (نفس المصدر: 1/ 508؛ 2/ 288، 317، 392، 4689؛ 3/ 328 و…). على سبيل المثال: في حالة صوم المريض الذي يستمر مرضه حتى العام التالي، يفتي الشيخ الطوسي بالتمسك بأخبار الآحاد بأنه إذا أمكن، يعطي مدين من الطعام للفقير عن كل يوم، وإذا لم يستطع، فمد واحد، وإذا لم يتمكن من هذا المقدار، فذمته بريئة والقضاء غير واجب عليه. ولكن ابن إدريس، بسبب كون الأخبار آحاداً، لم يعتبرها معتبرة، وبدلاً من ذلك، تمسك بظاهر الآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[14]، وأفتى بوجوب قضائه في العام التالي (نفس المصدر: 1/ 395).
الإجماع
الإجماع هو أحد مصادر استنباط الأحكام الشرعية، والذي يُستخدم كمصدر فقهي في ساحة الاجتهاد إلى جانب المصادر الثلاثة الأخرى (الكتاب، السنة، والعقل). وكما اهتم الفقهاء قبل ابن إدريس بالإجماع اهتماماً خاصاً، فقد أولاه هو أيضاً مكانة خاصة في ساحة الاستنباط. يمكن الادعاء بأن عاملين قد عززا اهتمامه وحاجته الأكبر إلى الإجماع: 1. إنكار أخبار الآحاد وترك العمل بها، مما أدى إلى حرمانه من التمسك بالكثير من الأخبار، واقتصر على الأدلة الثلاثة: الكتاب، والإجماع، والعقل. هذا العامل كان موجوداً أيضاً لدى الفقهاء قبله، خاصة السيد المرتضى الذي كان ينكر أخبار الآحاد، لكنهم، بسبب قربهم أكثر من عصر المعصومين (ع) وإمكانية الوصول الأكبر إلى القرائن القطعية مقارنة بابن إدريس، كانت حاجتهم إلى الإجماع أقل. 2. المسار التكاملي لتوجه الفقه الشيعي نحو الاستدلال[15]. لذلك، كان يمكن للإجماع كدليل في هذا المجال أن يحظى بمزيد من الاهتمام. مجموعة من العوامل مثل إنكار أخبار الآحاد وترك العمل بها، والابتعاد أكثر عن عصر المعصومين (ع)، وبالتالي الوصول الأقل إلى القرائن القطعية والأخبار، والمسار المتنامي للتوجه نحو الفقه الاستدلالي، تضافرت جميعها وزادت من حاجة ابن إدريس إلى التمسك بالإجماع. من هنا، أصبح الإجماع كأحد الأدلة الأربعة جزءاً من المباني الفقهية المهمة لديه. فيما يلي، نشير إلى أمثلة تدل على أهمية الإجماع لديه: – يقول ابن إدريس عن الإجماع: إجماع الإمامية من أكبر وأقوى الأدلة (نفس المصدر: 1/ 135). – يعتبر مخالفة الإجماع زلة فاحشة، وفي نقد كلام لقطب الراوندي يقول: كلامه خطأ كبير وزلة فاحشة؛ لأنه يؤدي إلى هدم وخرق إجماع الأصحاب (نفس المصدر: 177). – في حالة وجود أدلة متعددة على مسألة ما، يقدم الإجماع في بعض الحالات على سائر الأدلة حتى آية القرآن[16]. – يعتقد أنه مع وجود الإجماع، لا حاجة إلى رواية في المسألة[17].
مبنى حجية الإجماع
الفارق المهم بين فقهاء الشيعة والعامة في مبحث الإجماع هو ملاك اعتباره وحجيته؛ إذ خلافاً لأصوليي أهل السنة الذين اعتبروا الإجماع معتبراً من حيث كونه إجماعاً، فإن أصوليي وفقهاء الشيعة يعتبرون الإجماع معتبراً بملاك دخول قول ورأي المعصوم بين المجمعين. وقد تبنى ابن إدريس أيضاً، كأحد فقهاء الشيعة، هذا الرأي وصرح به في السرائر[18]. لكن ما يحتاج إلى مزيد من الدقة هو الإجابة على هذا السؤال: من وجهة نظر ابن إدريس، بأي طريق يكشف الإجماع عن قول المعصوم، وأصلاً أي نوع من الإجماع يعتبره حجة؟ حتى عصر ابن إدريس، كانت أهم طرق الكشف هي: 1. طريق الحس أو الإجماع الدخولي الذي كان طريقاً مقبولاً لدى أكثر القدماء، ومنهم السيد المرتضى؛ 2. طريق اللطف أو الإجماع اللطفي الذي قبله الشيخ الطوسي. يظهر من السرائر أن ابن إدريس أيضاً، مثل السيد المرتضى، قد قبل طريق الحس، ولهذا السبب، لا يعتبر مخالفة الفقهاء معروفي النسب مضرة باعتبار الإجماع.
إحداث قول ثالث
بما أن الإجماع بمناط اشتماله على قول المعصوم يفيد العلم ويُعد من الأدلة الأربعة للأحكام، فإذا أجمع كل فقهاء الشيعة على رأيين مختلفين، فإن القول بفتوى خارجة عنهما لا يجوز، ويُعتبر اصطلاحاً خرقاً للإجماع، ولا اعتبار له. لم يجز ابن إدريس أيضاً القول الثالث في مسألة ما، واعتبره خارجاً عن دائرة الحق، كما في مسألة ميراث المجوس، في نقد كلام الشيخ الطوسي، يقول: قال الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام إن أصحاب الإمامية في مسألة ميراث المجوس لهم رأيان فقط: أحدهما رأي يونس وأتباعه، والآخر رأي ابن شاذان وأتباعه. فكيف وهو نفسه، مع أن الأصحاب حسب قوله لهم رأيان فقط، يقول في المسألة بالقول الثالث، في حين أنه كلما اتفق الأصحاب على قولين فقط دون أي اختلاف، لا يجوز إحداث قول ثالث؛ لأن الحق لا يخرج عما قالوه (نفس المصدر: 3/ 293).
وظائف الإجماع
من وجهة نظر ابن إدريس، للإجماع وظائف وأدوار مهمة جعلته يحظى بمكانة خاصة. هذه الوظائف هي: – إثبات الأحكام الشرعية: كما أُشير سابقاً، من وجهة نظر ابن إدريس، الإجماع هو أكبر وأقوى أدلة الأحكام الشرعية. من هذا المنطلق، يمكن القول إن الوظيفة المهمة للإجماع ودوره هو إثبات الأحكام الشرعية، بحيث لا يتردد الفقيه في بيان الحكم والفتوى بوجوده، وإذا لم يكن هناك دليل آخر في المسألة، فإنه يكفي وحده في إثبات الحكم. على هذا الأساس، يتمسك ابن إدريس ويستدل به على نطاق واسع في مواضع مختلفة من السرائر، ونادراً ما يوجد مبحث لا يذكر فيه دليل الإجماع. – معيار صحة وسقم الروايات: من وجهة نظر ابن إدريس، الرواية المخالفة للإجماع لا اعتبار لها، والرواية التي يوجد إجماع على مضمونها تكون معتبرة وصحيحة ويمكن العمل بها. من هذا المنطلق، يستدل ابن إدريس في نقد كلام الشيخ الطوسي في مسألة الوكالة في الطلاق، على خبر جعفر بن سماعة، ويفتي وفقه، فيقول: ظاهر هذه الرواية مخالف لإجماع المسلمين، والرواية التي تكون كذلك لا اعتبار لها[19]. وفي موضع آخر، في ذيل نقل حديث إسحاق بن عمار، يكتب: هذه الرواية صحيحة؛ لأن إجماع أصحابنا منعقد عليها (نفس المصدر: 200 و 695).
– قرينة على مراد الآيات القرآنية
أحياناً يستدل ابن إدريس بآية من القرآن يكون في تحديد مرادها أكثر من احتمال. في مثل هذه الظروف، وبمساعدة الإجماع، يسقط بعض الاحتمالات من الاعتبار، وبتوضيح مراد الآية، يستدل بها، كما في مسألة الوطء في الدبر في أيام الحيض، حيث يفتي بالجواز، وضمن الاستدلال بالآية الشريفة «فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ» (البقرة: 222)، يقول: «الآية لا تخرج عن احتمالين: إما أن يكون المراد ترك الوطء في زمان الحيض، أو ترك المباشرة في محل الحيض، أي الدم. ولكن إذا كان الاحتمال الأول، فسيكون هذا خلاف الإجماع، لذلك يبقى الاحتمال الثاني فقط» (نفس المصدر: 1/ 150).
– تخصيص العمومات القرآنية والروائية
لا شك أن العمومات القرآنية والروائية قابلة للتخصيص، ولكن البحث يدور حول الأدلة التي لها صلاحية تخصيص العمومات. من وجهة نظر ابن إدريس، للإجماع صلاحية تخصيص العمومات. على هذا الأساس، في مبحث الربا، يقول: ورد حديث عام عن النبي الأكرم ﷺ أنه «إذا اختلفت السلعة فبيعوا كيف شئتم»، وعموم هذا الحديث يشمل معاملة الدرهم والدينار نسيئة، ولكن بما أن الإجماع قائم على حرمة مثل هذه المعاملة، فإن عموم الحديث لا يشمل خصوص معاملة الدرهم والدينار، ويتخصص في هذا المورد (نفس المصدر: 2/ 254).
4. دليل العقل
يذكر ابن إدريس في السرائر العقل والدليل العقلي بتعابير مختلفة، فأحياناً بـ«دليل العقل» (نفس المصدر: 1/ 46، 495، 496 و 2/ 19، 116، 449، 484، 529، و 536)[20]. ويُعبّر بأن هذا التعبير هو الأكثر استخداماً في هذا الكتاب؛ وأحياناً يستخدم «أدلة العقل» مقابل «أدلة السمع»، وأحياناً يذكره بعنوان «العقول» أو «أصول أحكام العقلية» (نفس المصدر: 388)، ولكن مع كل هذه التعابير، لم يبيّن ابن إدريس مراده من الدليل العقلي بشكل صريح. لذلك، من الضروري من خلال دراسة مواضع استعمال دليل العقل في السرائر، تحديد مراده من دليل العقل، وإلى حد ما، نطاقه ودوره في فقه ابن إدريس. يُعلم من بعض المواضع أن مراده من دليل العقل هو نفس الأصل العملي، كما يقول في بحث الخمس: المسألة الشرعية لا تُعرف إلا من أربعة طرق: كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ المتواترة، وإجماع الشيعة الإمامية، وإذا لم تكن هذه الطرق الثلاثة، نلجأ إلى دليل العقل، وهذا الدليل العقلي هو معنى كلام الفقهاء الذي يُعبّرون عنه بـ«دلالة الأصل» (نفس المصدر: 1/ 495). وأحياناً يعبّر صراحة عن أصل البراءة بأنه دليل العقل، وفي كلام آخر، اعتبر أصل الإباحة من مصاديق دليل العقل. حتى الآن، ما بيّناه من مصاديق دليل العقل كان كله من الأصول. الآن يطرح هذا السؤال: هل دليل العقل من وجهة نظر ابن إدريس يقتصر على موارد الأصول، أم يشمل موارد أخرى أيضاً؟ من مجموع استخدامات ابن إدريس لدليل العقل، تُستخلص النتائج التالية: 1. مراده من دليل العقل هو كل ما يقع في نطاق حكم العقل وفي مقابل دليل الكتاب والسنة والإجماع. 2. نطاق دليل العقل من وجهة نظر ابن إدريس أوسع من الأصول العملية، ويشمل الدليل العقلي المستقل والاستدلالات العقلية أيضاً. 3. بالنظر إلى التفسير الذي قدمه لدلالة الأصل في كلام الفقهاء واعتبره هو نفسه الدليل العقلي، يمكن القول إنه في رأي الفقهاء الذين سبقوه، كان التمسك بالأصول العملية من مصاديق التمسك بدليل العقل، والتمسك الواسع بهم بهذه الأصول في إطار هذا الأمر مبرر. مرتبة دليل العقل من المطالب السابقة، اتضح أن ابن إدريس أعطى أهمية لدليل العقل أكثر من غيره من الفقهاء. وهنا يطرح هذا السؤال: ما هي مكانة ومنزلة هذا الدليل في نظر ابن إدريس؟ هل كان دليل العقل في نظره مساوياً ومرتبة مع الأدلة الثلاثة (الكتاب، السنة، والإجماع)، أم أنه كان في مرتبة تالية لهذه الأدلة، وكان يتمسك به فقط في حالة عدم وجودها؟ يصرح في ثلاثة مواضع من السرائر بأن مرتبة دليل العقل طولية بالنسبة لسائر الأدلة، ويُتمسك به في حالة فقدانها. حتى أنه يعتقد أن الأمر كان كذلك عند محققي الشريعة. يقول في مقدمة السرائر: الحق لا يتجاوز أربعة طرق: كتاب الله، والسنة المتواترة، وموضع الاتفاق والإجماع، ودليل العقل (نفس المصدر: 1/ 46). كلما لم توجد الأدلة الثلاثة الأولى في مسألة ما، من وجهة نظر المحققين في مصدر الشريعة، يُعتمد على العقل ويُعمل به؛ لأن مسائل الشريعة في هذه الحالة تكون مرتبطة بدليل العقل وتُوكَل إليه. بالإضافة إلى ذلك، في كتاب الخمس (نفس المصدر: 495) وكتاب الصوم (نفس المصدر: 377)، حصر طرق معرفة وتحصيل الأحكام الشرعية في الكتاب والسنة والإجماع ودليل العقل، وفي حالة عدم وجود الطرق الثلاثة الأولى، يكون دليل العقل هو مرجع الأحكام.
5. مبحث التعادل والتراجيح
أشار ابن إدريس بشكل متفرق في السرائر إلى مباحث التعادل والتراجيح واستفاد منها في استنباط الفروع الفقهية. يمكن تلخيص مجموع هذه المباحث في ثلاثة محاور: تقديم الجمع بين الروايات على طرحها؛ الرجوع إلى المرجحات وأنواعها؛ وظيفة المكلف في حالة عدم وجود المرجحات. أ. تقديم الجمع بين الروايات على طرحها يعتقد ابن إدريس أنه في حالة تعارض الأخبار، ما دام الجمع بينها والعمل بمضمون جميعها ممكناً، فإن هذا الجمع مقدم على طرح بعض الأخبار. في مسألة عزل الوكيل الغائب، ضمن نقل كلام الشيخ الطوسي المختلف في الخلاف والنهاية، يرجح رأيه في النهاية ويستدل قائلاً: «القول الأقوى عندي هو رأي الشيخ في النهاية؛ لأن هذا القول هو وجه الجمع بين الأخبار»، وفي النهاية يقول: «فتُحمل الأخبار على هذا الاعتبار، وقد سلمت من التعارض وعُمل بجميعها، دون أن يُطرح بعضها»[21]. وكذلك عند التعارض الظاهري بين آيتين من القرآن، يعتقد أنه ما دام إمكان العمل بمقتضى كليهما قائماً، فلا يُعتبر من مصاديق باب النسخ. في مسألة وصية المريض المشرف على الموت، حيث تبدو آية الوصية والإرث متنافيتين ظاهراً، يقول: كلما أمكن العمل بمقتضى كليهما، لا يصح ادعاء النسخ (نفس المصدر: 3/ 186). ب. الرجوع إلى المرجحات وأنواعها كلما لم يكن الجمع بين الأخبار ممكناً واضطررنا إلى العمل ببعضها وطرح البعض الآخر، يجب أن نعمل بالخبر الذي له مرجح ونطرح الآخر. هذه المرجحات عند ابن إدريس هي: 1. تأييد الأدلة: بشكل عام، من وجهة نظر ابن إدريس في تعارض الأخبار، كلما قويت رواية بأدلة أخرى وتأيدت، قُدمت؛ مثلاً، في حالة من قصد السفر وفي وقت الصلاة يريد أن يصلي، الأخبار مختلفة؛ ابن إدريس ضمن نقد كلام الشيخ الطوسي في الخلاف يقول: «في حالة التعارض، من الأجدر العمل بالخبر الذي يؤيده الدليل» (نفس المصدر: 1/ 334). وكذلك في مبحث نواقض الطهارة يقول: «كلما أيد القرآن وسائر الأدلة إحدى الروايتين، وجب العمل بتلك الرواية وترك الرواية الأخرى لعدم وجود برهان عليها» (نفس المصدر: 110 – 111). على الرغم من أنه في هذه العبارة ذكر القرآن في عرض الأدلة الأخرى، إلا أن هذا من باب عطف العام على الخاص وذكر الفرد الأظهر، وإلا فإن مراده من الأدلة هو الأدلة الأربعة ومنها القرآن. في مسألة صلاة المسافر أيضاً يقول: «كلما كان مع إحدى الروايتين قرآن وإجماع، كيف يُعمل بالخبر الذي لا يرافقه أدلة قاهرة؟» (نفس المصدر: 334). 2. الموافقة مع أصول المذهب: في تعارض الأخبار، كلما كان خبر موافقاً لمقتضى أصول المذهب، يُقدم في رأي ابن إدريس؛ مثلاً، في مسألة قراءة المأموم في الصلاة الجماعية، يشير إلى ست فئات من الأخبار ويعمل بالفئة التي تسقط القراءة عن المأموم مطلقاً، وفي مقام الاستدلال يقول: «هذه الرواية أظهر بين الروايات وموافقة لمقتضى أصول المذهب»[22]. 3. الأظهرية: من المرجحات الأخرى في رأيه، أظهرية الخبر؛ كما صرح في العبارة السابقة. 4. الأشهرية: شهرة الروايات أيضاً من مرجحات الأخبار عنده. في مسألة رفع اليدين عند تكبيرات صلاة الميت، يفتي بعدم الوجوب ويستدل قائلاً: «هذه الرواية من أشهر الروايات» (نفس المصدر: 356). 5. كثرة الأخبار: في رأي ابن إدريس، كلما تعارضت فئتان من الأخبار، تُقدم الفئة الأكثر عدداً؛ كما في مسألة كيفية صلاة ألف ركعة مستحبة في شهر رمضان، حيث قبل الكيفية المقبولة لدى الشيخ الطوسي والشيخ المفيد من بين الآراء المختلفة، واعتبر سبب ذلك كثرة عدد الروايات (نفس المصدر: 1/ 311). 6. عدالة الرواة: من المرجحات الأخرى المقبولة لدى ابن إدريس، عدالة الراوي أو الرواة. كما في نفس مسألة كيفية صلاة شهر رمضان، ذكر سبباً آخر لتقديم الروايات التي اختارها، وهو كون رواتها أعدل (نفس المصدر نفسه).
وظيفة المكلف في حالة عدم وجود المرجحات
كلما لم يكن لأي من الأخبار المتعارضة مرجح، سقط كلاهما عن الحجية ولا يمكن التمسك بهما. أما ما هي الوظيفة في هذه الحالة، فيمكن تقديم حلين من كلمات ابن إدريس: أحدهما الرجوع إلى ظاهر قرآني إذا وجد مثل هذا الظاهر في المسألة، والآخر الرجوع إلى الأصول العملية؛ كما في مسألة الجهر أو الإخفات في قراءة صلاة الظهر يوم الجمعة، حيث يفتي بالإخفات ويستدل قائلاً: «لا يوجد إجماع، والروايات مختلفة، ويبقى فقط العمل بالأصول، والأصل هو براءة الذمة» (نفس المصدر: 298). في العبارة السابقة، افتراض المسألة هو عدم وجود المرجحات، وإلا لكان يجب تقديم الأخبار ذات المرجح كما في الحالات الأخرى. بالطبع، يطرح هنا هذا السؤال: هل في رأي ابن إدريس، ظاهر القرآن والأصول العملية في عرض واحد، أم مع وجود ظاهر القرآن لا تصل النوبة إلى الرجوع إلى الأصول؟ لم نجد في كلمات ابن إدريس في السرائر إجابة صريحة في هذا الصدد، ولكن من إطلاق عبارة «فلم يبق إلا لزوم الأصول»، يُستظهر أن ظاهر القرآن مقدم، بالإضافة إلى أن قاعدة «الأصل دليل حيث لا دليل» تؤيد هذا الرأي أيضاً.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن إدريس، محمد بن أحمد، السرائر، قم، منشورات جماعة المدرسين في حوزة قم العلمية، 1410 هـ.
ابن زهرة، حمزة بن علي، غنية النزوع، قم، مؤسسة الإمام الصادق، 1417 هـ.
ابن شهر آشوب، محمد بن علي، متشابه القرآن، طهران، منشورات مصطفوي، 1328 ش.
ابن فوطي، عبد الرزاق بن أحمد، معجم الألقاب، تحقيق: كاظم محمد، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، منظمة الطباعة والنشر، 1374.
الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت، 1409 هـ.
الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام، بيروت، دار الكتاب العربي، 1409 هـ.
الذهبي، محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1414 هـ.
السيد مرتضى، الذريعة، طهران، منشورات وطباعة جامعة طهران، 1376.
السيد مصطفى حسيني دشتي، معارف ومعارف، طهران، مؤسسة آرايه الثقافية، الطبعة الأولى، 1385.
الشيخ المفيد، محمد بن محمد، التذكرة بأصول الفقه (مصنفات الشيخ المفيد)، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم، 1413 هـ.
صدر، حسن، تأسيس الشيعة، نشر أعلمي، الطبعة الثانية، 1376.
الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان، طهران، كربلائي محمد حسين، 1272 هـ.
عبدالرب آبادي، محمد مهدي، نامه دانشوران، قم، مؤسسة دار الفكر للطباعة، 1324.
العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403 هـ.
المحدث القمي، عباس، فوائد الرضوية، قم، بوستان كتاب، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي في حوزة قم العلمية، 1385.
معارف، مجيد، پژوهشي در تاريخ حديث شيعه (دراسة في تاريخ الحديث الشيعي)، طهران، مؤسسة ضريح الثقافية والفنية، 1374.
همت بناري، علي، زندگي و انديشه هاي ابن ادريس (حياة وأفكار ابن إدريس)، قم، بوستان كتاب، 1381.
الهوامش
1. (النساء: 176): إذا مات شخص وليس له ولد.
2. (البقرة: 169): إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.
3. هو أيضاً يعتقد أن الآية الشريفة «لا تقف ما ليس لك به علم» تدل على عدم جواز العمل بالقياس وخبر الواحد.
4. (ابن إدريس، نفس المصدر: 1/ 495)، (لا يجوز العمل بأخبار الآحاد وإن كانت رواتها ثقة…).
5. (نفس المصدر: 51)، (فهل هدم الإسلام إلا هي…).
6. مع أنه يقول هنا: «أصحابنا تركوا العمل بأخبار الواحد بلا استثناء»، إلا أنه في موضع آخر يقول عن الشيخ الطوسي: «الشيخ في أكثر كتبه ردّ العمل بخبر الواحد، ولكنه في كتاب عدة الأصول أجاز العمل بأخبار الآحاد» (ابن إدريس، نفس المصدر: 1/ 249).
7. (نفس المصدر: 1/ 127): «هذا يكاد يعلم من مذهبنا ضرورة». بالطبع هذا الاحتمال مبني على أن المشار إليه «هذا» هو ترك العمل، لا عدم إفادة العلم.
8. فقهاء مثل الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، وابن شهر آشوب، والطبرسي، بالإضافة إلى الجانب الفقهي، لديهم جانب كلامي، بل إن الجانب الكلامي لبعضهم يفوق جانبهم الفقهي.
9. مبحث علل ودوافع إنكار حجية خبر الواحد يحتاج إلى دراسة وتأمل أعمق يخرج عن نطاق هذا المقال وأهدافه، ونكتفي بهذا القدر.
10. في الفصل الثالث في مباحث دراية السرائر أشرنا إليها.
11. بيان هذا المورد لا يتعارض مع ما بُيّن في مباحث الأصول في بحث التعادل والتراجيح؛ لأن البحث هنا يقتصر على خبر الواحد، بينما البحث هناك في مطلق الأخبار.
12. (البقرة: 184): ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر.
13. من هنا، فإن كتاب السرائر مقارنة بالكتب الفقهية السابقة له يحتوي على استدلالات أوسع بكثير.
14. (انظر: نفس المصدر: 197 و 206): «دليلنا… بعد الإجماع قوله تعالى: وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره».
15. (نفس المصدر: 3/ 294): «فإذا أجمعوا على القول فلا حاجة لهم إلى رواية تروى عن الصادقين (ع) إذ لا دليل فيها بل إجماعهم عليها هو الدليل على صحتها…».
16. (نفس المصدر: 2/ 530): «لأن وجه كون الإجماع حجة عندنا دخول قول معصوم عن الخطأ في جملة القائلين بذلك».
17. (نفس المصدر: 96): «وظاهره مخالف لإجماع المسلمين قاطبة وما هذا حاله لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه».
18. (نفس المصدر: 2/ 334): «من أدلة العقل وأدلة السمع…».
19. (نفس المصدر: 2/ 93): «فيحمل الأخبار على هذا الاعتبار وقد سلمت من التعارض وعمل بجميعها من غير اطراح لشيء منها».
20. (نفس المصدر: 284 و 561): سنبحث في الفصل الفقهي لابن إدريس عن مقتضى أصول المذهب.