تحليل فقهي لجواز الاستخدام الحر للفضاء السيبراني برؤية كونه من الآلات المشتركة

الملخص

مع توسع الفضاء السيبراني والاستخدام الحر له، يصبح من الضروري تبيين الأطر والضوابط الفقهية لاستهلاكه الثقافي؛ ذلك لأن الفضاء السيبراني يمثل ساحة لعرض السلع الثقافية للاستهلاك، والاستخدام الحر له يستلزم استهلاك جميع البيانات التي يمكن نقلها عبر الفضاء السيبراني. وهذا الأمر يثير قضايا متنوعة، منها نطاق الاستهلاك المباح فقهياً لمستخدمي شبكات الويب، والذي قد يُعتبر جائزًا بناءً على فكرة كون الفضاء السيبراني من الآلات المشتركة. يهدف هذا البحث إلى نقد فكرة كون الفضاء السيبراني من الآلات المشتركة والاستناد إلى أدلتها، وعدم اعتبار هذا الدليل مستنداً لتجويز الاستخدام المطلق للفضاء السيبراني. وعليه، ما دامت القدرة التقنية للبنية التحتية السيبرانية الوطنية والإشراف والسيطرة الإدارية في بيئة الويب لم تتحقق، فإن أدلة جواز استخدام الآلات المشتركة لا تعد دليلاً على الاستخدام المطلق للفضاء السيبراني، ولا يمكن الاستناد إليها لإصدار إذن شرعي بالاستخدام والاستهلاك بما يتجاوز حد الضرورة والاضطرار.

المقدمة

من شؤون مؤسسة الفقاهة والفقيه الجامع للشرائط، أن يكشف عن رأي الشريعة في كل ظاهرة وأمر فردي واجتماعي، وفي كل عصر وجيل، بأساليب علمية وعملية اجتهادية. وفي هذا السياق، فإن الآثار التي وصلتنا من العلماء والفقهاء السلف تكتسي في الغالب طابع عرض الحكم المكتشف وبيان الفتوى، وفي المسائل المستحدثة أيضاً تخلو عموماً من الاستدلالات الاجتهادية. من ظواهر تقنيات الاتصال، أو بعبارة أخرى، الاتصالات الجماهيرية، ما تمت تسميته بشبكات الويب، أو السيبرانية، أو الفضاء السيبراني. الفضاء السيبراني من الأمور المستجدة التي أثرت على مختلف الأبعاد على المستويات الفردية والاجتماعية والوطنية والدولية، وسيكون له دور أكثر أهمية في المستقبل. من بين الأسئلة الفقهية المطروحة هو: هل يكفي الاستناد إلى أدلة الآلات المشتركة في استخدام الفضاء السيبراني؟ هل الأصل هو التوسع في الاستهلاك أم التضييق وفرض القيود عليه؟ وإذا كان الأصل يميل إلى أي من الطرفين، فهل يمكن تأسيس هذا الأصل في جميع حالات الاستهلاك، أم أن تنوع الاستهلاكات هو الذي يحدد الحكم الأولي في جواز التوسع أو وجوب التضييق؟ وبفرض جواز أو حرمة الاستهلاك بالحكم الأولي، كيف يمكن تصور حدوث تغيير في الحكم بسبب عروض العناوين الثانوية، مع ملاحظة أن الحكم الأولي لا يتعارض مع الحكم الثانوي (مكارم الشيرازي، 1428هـ، ج3، ص451). وكذلك، إذا اعتبرنا تدخل الحاكم في المسألة من قبيل عروض العناوين الثانوية (النائيني، 1377، ج2، ص60)، فإن دائرة العناوين الثانوية تتسع، ويشمل الحكم الحكومي حجب الفضاء السيبراني. وبناءً على ذلك، تُطرح مباحث متعددة ومثيرة للتحدي في مسألة الاستخدام الحر للفضاء السيبراني وكونه من الآلات المشتركة، مما يستدعي دقة نظر فقهية عميقة. قبل الخوض في المباحث الاستدلالية، يجب أولاً التمييز بين أمرين: أحدهما، القدرة الذاتية للفضاء السيبراني كأداة تقنية فعالة، والآخر، الوضع الاستهلاكي الحالي والقائم للفضاء السيبراني. تظهر نتائج الأبحاث أن الاستخدامات الترفيهية (تصفح الويب، مشاهدة الأفلام والصور، إلخ) والاتصالية (الدردشة، إرسال واستقبال البريد الإلكتروني، إلخ) لها تأثير سلبي على وضع الالتزام الديني، بينما يكون للاستخدام في الأغراض العلمية والمعلوماتية تأثير إيجابي؛ كما أن التأثيرات السلبية تكون أكبر على من لديهم معلومات ومعتقدات دينية أقل، أو في الفئات العمرية المنفعلة مثل المراهقين (توسلي وجلالوند، 1394، ص 122). وقد عرضت المنظمات الدولية، بما في ذلك مجلس أوروبا، والأمم المتحدة، والشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، كل منها قائمة بالجرائم السيبرانية، من بينها التزوير، والاحتيال، والتخريب، والتجسس، والسرقة، وإحداث اضطراب وتغيير في أنظمة الحاسوب، والتي تعتبر من العناوين الإجرامية المتفق عليها بين المنظمات المذكورة (شيرزاد، 1388، ص 47). إن القمار عبر الإنترنت، والمجرمين الجنسيين الافتراضيين، واستخدامه كأداة إرهابية للتواصل، وتجنيد الأفراد، وما شابه ذلك، والسرقات الرقمية، والتنمر، والبرمجيات الخبيثة، والترهيب في الفضاء السيبراني، وانتهاك الخصوصية والملكية الشخصية، وانتهاك كرامة الإنسان، وأنشطة القراصنة، هي جزء من الكتابات السلبية في الفضاء السيبراني (نفس المصدر، ص 43-44). وبالطبع، تختلف وجهات نظر الدول في مواجهة الجرائم السيبرانية، وهذا الاختلاف يتعلق بالبنى التحتية الحاسوبية والأطر القانونية لتلك الدول. ففي بعض البلدان، تعتبر الجرائم السيبرانية مجرد إزعاج لا جريمة، ويجب أن يكون دور الدولة في السيطرة على الجرائم محدودًا؛ أما في البلدان التي تعتمد بشكل كبير على البنى التحتية الحاسوبية، فإن الجرائم السيبرانية تعد جرائم معترفًا بها، وتُقدّم حلول تقنية وتعليمية إلى جانب المتطلبات القانونية والحقوقية لمنع الجرائم (فضلي، 1389، ص 25). من منظور القانون القضائي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، من المسلم به وجود ارتباط إيجابي بين الأمن القومي للبلاد وأمن الفضاء السيبراني (باليزبان، 1394، ص 652)؛ ولكن إذا ارتكب شخص جريمة مشهودة في الفضاء السيبراني وروج للفساد، فإنه يعتبر مجرمًا من وجهة نظر المشرع؛ كما أن المشرع قد أقر قانون الجرائم السيبرانية في عام 1388. لقد كُتبت مقالات عديدة حول الفضاء السيبراني وفعاليته أو أضراره، أو علاقته بالحكم والدين؛ ولكن لم يتطرق أي من المقالات المكتوبة إلى ماهية الفضاء السيبراني وكيفية مواجهة حكمه الفقهي.

1. ماهية الفضاء السيبراني

الفضاء السيبراني أو الافتراضي هو بيئة غير ملموسة وموجودة في فضاء الشبكات الدولية (هذه الشبكات متصلة ببعضها البعض عبر الطرق السريعة للمعلومات مثل الإنترنت)، حيث توجد جميع المعلومات المتعلقة بعلاقات الأفراد والثقافات والشعوب والدول، وبشكل عام كل ما هو موجود على كوكب الأرض بشكل مادي ملموس (في شكل نصوص، صور، أصوات، مستندات) في فضاء غير ملموس وبشكل رقمي، وهي متاحة للاستخدام والوصول من قبل المستخدمين بغض النظر عن الجغرافيا المادية، وترتبط ببعضها البعض عن طريق الكمبيوتر وأجزائه والشبكات الدولية (بل، 1389، ص 22). من الجدير بالذكر أنه ليس من المناسب حصر الفضاء السيبراني في شبكات التواصل الاجتماعي؛ بل إن حجم تبادل البيانات ومشاركة المعلومات والتفاعل في شبكات التواصل السيبراني يشير إلى حدوث تغييرات هائلة في جودة وكمية تدفق المعلومات في المجتمعات، ونظرًا للسياقات الاجتماعية للشبكات التي تنشأ من اتصال أجهزة الكمبيوتر ببعضها البعض، فهو فضاء غير عادي وغير ملموس، عالم افتراضي بجانب العالم الحقيقي قد أوجده لنا (فضلي، 1389، ص 17). في الواقع، قمنا بمحاكاة خصائص الفضاء الحقيقي في قالب مختلف، فكما يوجد في الفضاء الحقيقي أنواع من العلاقات بين الناس في شكل تعليم وتربية أو أنواع من المعاملات والتجارة أو العلاقات العاطفية والأسرية أو أجواء النقاش والمناظرة والمجادلة أو النزاع والخصومة أو التعاون والتحزب والتجمع وما شابه ذلك، ففي الفضاء السيبراني أيضًا، يتم التعبير عن إرادة ورغبة الأفراد وميولهم وتوجهاتهم الإيجابية والسلبية من خلال الاتصال الصوتي والمرئي أو تبادل الرسائل، ويمكن للأفراد، دون أن يلمسوا الوجود المادي للآخر وبيئتهم الاجتماعية والثقافية في الخارج، أن يدركوا ميولهم ورغباتهم وأفكارهم ومعتقداتهم ويكتشفوا ظروفهم الخارجية ويفهموها؛ كما أن إمكانية تواصل الفرد مع نفسه ومع محيطه موجودة أيضًا في الفضاء السيبراني؛ لأنه يستطيع أن يرى ويحلل كلامه وصورته الخاصة مثل تقارير أخرى عن الأفراد والأشخاص في الفضاء السيبراني. إن استخدام الفضاء السيبراني هو بمثابة عارض للسلع الثقافية؛ سواء كانت السلعة ثقافية بطبيعتها، مثل عرض مسرحي كوميدي أو درس أخلاقي أو لوحة فنية، أو لم تكن السلعة ثقافية بطبيعتها؛ ولكن لها ملحق ثقافي، وبتعبير أدق، لها حيثية ثقافية وتنقل رسالة، مثل نوع الطعام أو اللباس الذي يروج لثقافة ونمط حياة معين ويثبته ويؤكده.

2. ماهية الآلات المشتركة في الفقه الإمامي

الآلات التي يستخدمها الإنسان تنقسم من منظور فقهي إلى ثلاثة أقسام: آلات لها منافع محللة فقط؛ آلات لها منافع محرمة فقط؛ آلات لها منافع مشتركة بين المحلل والمحرم. لم يُذكر بحث الآلات المشتركة كبحث مستقل ومنفصل وفي باب خاص ومحدد في كتب الفقهاء، وفقط الإمام الخميني في كتاب المكاسب المحرمة لديه بحث بهذا العنوان: «ما يقصد منه المنفعة المحرمة، فيما إذا كان لشيء منفعة محرمة ومحللة، كأواني الذهب والفضة» (موسوي خميني، 1415هـ، ج1، ص174)؛ ولكن الفقهاء الآخرين بحثوا هذا الموضوع ضمن مباحث الآلات المخصصة للمنافع المحرمة، والسيد صادق الروحاني في كتاب منهاج الفقاهة بشكل أكثر حساسية، قد تناول هذا البحث تحت عنوان آلات القمار (روحاني، 1429هـ، ج1، ص180). تُطلق الآلات المشتركة على الأدوات والأجهزة التي لها استخدامان مختلفان، وكما يمكن استخدامها لأغراض حلال، يمكن استخدامها أيضًا لأغراض حرام (موسوي خوئي، 1410هـ، ج2، ص4؛ نفسه، 1416هـ، ج2، ص283؛ تبريزي، بلا تا، ص205). الآلات المشتركة من العناوين الجديدة التي استخدمها الفقهاء المعاصرون في مورد آلات الموسيقى، وآلات القمار، وآلات القتل، وآلات السحر، وكذلك الوسائل والتقنيات الحديثة مثل الراديو، والمسجل، والتلفزيون، والفيديو، والحاسوب، والقمر الصناعي في باب التجارة (مجموعة من الباحثين، 1426هـ، ج1، ص139). لبيان كامل للآلات المشتركة، من الضروري توضيح ودراسة أقوال الفقهاء. بعض أهم تعريفات ماهية الآلات المشتركة هي: يرى المحقق الخوئي وآية الله الفياض أن الآلات الحرام هي ما يُستخدم غالبًا في مقاصد الحرام؛ مثل الناي، والصليب، والطبل، وآلات القمار كالشطرنج؛ أما جهاز الجرامافون، والمسجل، والراديو، والتلفزيون وما شابه ذلك، مما يمكن سماع الأخبار والقرآن والتعزية به، فهي آلات مشتركة (موسوي خوئي، 1410هـ، ج2، ص4؛ فياض، 1380، ص312). من وجهة نظر هذين الفقيهين، فإن ملاك كونها آلات مشتركة هو أن يكون لها استخدام صحيح وحلال. يكتب آية الله الكلبايكاني في إجابة على سؤال حول استخدام الآلات الموسيقية المشتركة: إذا كانت المنفعة الحلال من آلات الموسيقى قليلة، بحيث تعتبر في العرف من آلات اللهو، فلا يجوز استخدامها (كلبايكاني، 1413هـ، ص160). يُفهم من هذه الاستفتاء أن ملاك الآلات المشتركة هو وجود منفعة حلال معتبرة، بحيث يعتبر العرف تلك المنفعة الحلال. يعتقد بعض الفقهاء أنه لا يوجد حكم كلي بشأن الآلات المشتركة؛ بل إن الاستخدام المباح لها هو سبب كونها آلات مشتركة؛ ومن هذا المنطلق يجيب آية الله بهجت على سؤال «ما حكم استخدام الإنترنت؟» فيكتب: «يتبع كيفية استخدامه» (بهجت، 1428هـ، ج3، ص222). ينقل محمد أمين زين الدين، من علماء أواخر القرن الرابع عشر في النجف، أن الآلات المشتركة هي أداة شاع استخدامها في الحلال والحرام، وعند العرف، هذه الأداة ليست من الآلات المخصصة للحرام (بصري بحراني، 1413هـ، ج4، ص11). كذلك، يكتب آية الله الخامنئي أن تلك الآلات الموسيقية التي تعتبر في نظر العرف من الآلات المشتركة، والتي يمكن استخدامها في الأعمال الحلال ولأغراض حلال، وتُستخدم بشكل غير لهوي، هي حلال (خامنئي، 1398، ص255). ما يُفهم من مجموع أقوال الفقهاء حول ماهية الآلات المشتركة هو أن الفقهاء أوقفوا ماهية الآلات على ثلاثة أمور منفصلة: البعض اشترط المنفعة الحلال للآلات المشتركة. البعض من الفقهاء جعل الاستخدام الحلال الشرعي هو الملاك. البعض الآخر اختار رأي العرف؛ أي إذا اعتبر العرف هذه الأداة من الآلات المختصة بالحرام، فهي ليست آلة مشتركة؛ ولكن إذا اعتبرها العرف من الآلات المشتركة، فتُعد آلة مشتركة. بناءً على ذلك، الآلات المشتركة هي أداة تُستخدم في الحلال والحرام. الآلات المشتركة هي أداة، بالإضافة إلى المنافع الحرام، لها منافع حلال معتبرة عند العقلاء وتُستخدم أيضًا، ولا تُعد عند العرف من آلات الحرام (مجموعة من الباحثين، 1426هـ، ج1، ص139).

3. أدلة حرمة الاستهلاك والاستخدام الحر للفضاء السيبراني

من أولى الأسئلة الفقهية في الموضوع محل البحث هو: في أي الحالات يجوز وفي أي الحالات يحرم الأصل في استهلاك واستخدام الفضاء السيبراني كأداة اتصال تقنية؟ في الإجابة على هذا السؤال، يمكن تصور ثلاثة احتمالات: الحرمة المطلقة، والحلية، والتفصيل. فمن ناحية، بالاستناد إلى أدلة حرمة استخدام كتب الضلال، وحرمة إشاعة الفحشاء والكذب، وحرمة الإفساد في الأرض، وقاعدة نفي السبيل، وقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، يمكن الحكم بحرمة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضية؛ وفي المقابل، برفض الحرمة والاستناد إلى الأدلة الدالة على ضرورة الاهتمام بأمور المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقاعدة نفي العسر والحرج، والاستناد إلى أدلة جواز الانتفاع بالآلات المشتركة، يمكن الحكم بحلية وجواز استخدام شبكات التواصل الاجتماعي. بالتحليل الدقيق للأدلة والمصادر الفقهية، يتضح أن الفضاء السيبراني في الواقع هو أداة وبيئة ذات قابلية للاستخدام المفيد والضار، حيث يجيز البعض استخدام شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضية في حد ذاتها، ولا يعتبرون إمكانية استخدامها الضار موجباً لمنع استخدامها، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يملكون القدرة على الاستخدام الصحيح لهذه الأداة الفعالة (راجع: شيباني وزملاؤه، 1397، ص 13). كما يمكن القول إن استخدام الفضاء السيبراني مباح؛ لأن مفاسده، أولاً، ليست ذاتية؛ بل عارضة وغير لازمة؛ فالفضاء السيبراني من قبيل الآلات المشتركة للصلاح أو الفساد، وفي الظروف الحالية، فإن تلازم استخدامه مع الوقوع في الإثم هو تلازم غالبي أو موردي، وليس دائميًا وقسريًا. وثانيًا، حتى لو كان هناك مثل هذا التلازم، فإن استخدامه أحيانًا يكون جائزًا من باب الضرورة وما يذكره الفقهاء تحت عنوان «تحمل أخف الضررين» (نراقي، 1321، ص 57؛ روحاني، 1413هـ، ج 5، ص 456). ثالثًا، إذا حدث شك في حلية أو حرمة الاستهلاك، يجب التحدث من منطلق الأصل الأولي؛ سواء في قالب أصالة البراءة (حلي، 1390، ج 11، ص 446) أو في قالب أصالة الإباحة أو أصالة الحلية أو أصالة الصحة التي تتعلق بحمل فعل الغير على الحكم الترخيصي الوضعي، أي الصحة أو التكليفي، أي جواز الإقدام (مشكيني، 1374، ص 54). رابعًا، يجب التمييز بين العناوين الأولية والثانوية، وقد لا يكون نوع من الاستهلاك في الظروف الحالية مصداقًا للعناوين المحرمة؛ ولكن الحاكم الإسلامي بناءً على مصلحة للجميع أو لبعض الأفراد، يمنع الاستهلاك ويقطع الوصول إليه. الآن نشير إلى بعض الأدلة والمستندات الفقهية في حرمة الاستخدام الحر:

3-1. قاعدة نفي السبيل

قاعدة نفي السبيل من القواعد الثانوية للشريعة. هذه القاعدة المستمدة من الآية 141 من سورة النساء: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا»، هي إحدى القواعد كثيرة الاستخدام والمؤثرة في الفقه، وبواسطتها، يُمنع كل إجراء يمهد لنفوذ وتأثير وسيطرة الكافرين الفكرية أو الاقتصادية أو الثقافية؛ حتى لو كنا، بناءً على القاعدة الأولية، نقول بجواز بعض الإجراءات. يقول الإمام الخميني في تفسير هذه القاعدة: إن الآية تنفي سبيل الكفار بشكل مطلق، ولازم ذلك نفي جميع السبل، سواء تكوينيًا أو تشريعيًا. هذه الآية ليست مجرد إخبار؛ بل في مقام التشريع تقول إنه لا ينبغي أن توجد قدرة لنفوذ وسيطرة الكفار على المؤمنين. يقول الإمام في فلسفة هذه القاعدة: إن هذه القاعدة تهدف إلى توجيه المسلمين ليخرجوا أنفسهم من تحت سلطة الكفار بأي وسيلة ممكنة (موسوي خميني، 1421هـ، ج2، ص 721-727). في تطبيق قاعدة نفي السبيل، يمكن القول إن شبكات التواصل الاجتماعي والافتراضية هي مجرى لنفوذ وسيطرة العدو وإشرافه المعلوماتي وهيمنته الفكرية. بناءً على ذلك، فإن هذه القدرة تؤدي إلى تقوية ونفوذ الكافرين.

3-2. قاعدة الإسلام يعلو ولا يعلى عليه

«الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (ابن شهر آشوب، 1412هـ، ج3، ص 279). استخدام أي أداة ووسيلة تؤدي إلى تقوية الكفر ونفوذ وسيطرة الكافرين على المسلمين، أو تمهد لسيطرة أعداء الإسلام على المسلمين في المستقبل، غير جائز ويجب تجنب الانتفاع بها ونشرها؛ حتى لو كانت لها منافع محللة. ما لم تكن لدينا القدرة على الإدارة والانتفاع، فإن استخدامها حرام.

3-3. حرمة الإعانة على الإثم

الإعانة على الإثم حرام طبقًا للآية الشريفة «وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (المائدة: 2). إذا قبلنا أن أعداء الإسلام، بناءً على قرائن وشواهد كثيرة، قد أسسوا شبكات افتراضية بهدف الهيمنة وقوة النفوذ واستخلاص المعلومات وأهدافهم المعلنة والخفية، ويستفيدون منها في الأوقات اللازمة، فإن استخدامها يعني الانخراط في صفوف مشاة الكافرين، وبشكل مباشر أو غير مباشر، هو إعانة على الإثم، وحرمته لا إشكال فيها.

3-4. العمومات والإطلاقات

بناءً على أن شبكات التواصل الاجتماعي تؤدي إلى إشاعة الفحشاء، وتسهيل الوصول إلى الحرام، وإيذاء المؤمن، وهتك الستر، والتجسس، ونشر الأكاذيب والطعن في الإسلام وإضعاف النظام الإسلامي (عندليب، 1396، ص 69). لا شك أن شبكات التواصل الاجتماعي والفضاء السيبراني الموجودة قد تبعتها أمور مثل إشاعة الفحشاء، وإيذاء المؤمن، والتجسس، ونشر الأكاذيب، ولكل من هذه الأمور عمومات وإطلاقات تشكل دليلاً كافياً على حرمة الاستخدام في كل جزء من مسائل الفضاء السيبراني. بناءً على ذلك، فإن عمومات وإطلاقات أدلة إيذاء المؤمن، والتجسس، ونشر الأكاذيب وغيرها، تجعل استخدام الأدوات والوسائل التي لها مثل هذه المضار الكثيرة حرامًا على المكلف ما لم تُرفع تلك المضار ولم يرَ المكلف نفسه في أمان من هذه المهالك والمضار. هذا الحكم يشمل استخدام جميع الوسائل السيبرانية والأقمار الصناعية أيضًا.

4. أدلة حلّية الاستهلاك والاستخدام للفضاء السيبراني

الادعاء المحوري لجواز استخدام واستهلاك شبكات الويب والفضاء السيبراني هو أن الفضاء السيبراني ليس أمرًا مفسدًا أو مصلحًا بطبيعته؛ بل هو من الآلات المشتركة بين الحلال والحرام، وبالتالي، فإن نوع القصد والدافع للاستخدام هو الذي يحدد الحكم الشرعي للاستهلاك.

4-1. الاستناد إلى دلائل كون الفضاء السيبراني من الآلات المشتركة

ربما يُستند في استخدام الفضاء السيبراني إلى كونه من الآلات المشتركة كأداة اتصال مثل التلفزيون والقمر الصناعي، ويُعتبر الاستخدام المحلل للفضاء السيبراني جائزًا بشكل مطلق لهذا السبب؛ ومن ثم، فإن عمومات وإطلاقات باب الحلية تجيز استخدام فوائده المحللة؛ ما لم يُقم دليل على الخلاف في هذا المورد. مسألة الآلات المشتركة تُستخدم في مسائل فقهية متنوعة مثل آلات القمار وآلات الموسيقى وبيع وشراء الأعيان النجسة والحرام والفضاء السيبراني والويب والكتب الضالة وغيرها. أداة مثل الشطرنج صُنعت في الماضي للمقامرة واختصت بها، فما حكمها؟ الشطرنج في هذا الزمان وسيلة للترفيه السليم والمباح وتنوير الفكر وتنمية العقل وحتى تعلم التكتيكات الحربية، ولا يمكن أن يكون حرامًا؛ بل اللعب به جائز ومستحب. من هذا القبيل من المسائل يقع الكثير في المجتمعات. لنلتفت ونتدبر في نماذج أخرى: الراديو والتلفزيون في الماضي كانا أداتين لترويج الفساد والانحلال وإشاعة الأكاذيب ونشر المطالب التافهة والضارة والمعادية للدين والمنافية للعفة العامة، والأسوأ من كل ذلك، ترسيخ أسس الاستعمار وتقوية الحكومات المستبدة والظالمة. فكان شراؤها وبيعها وحيازتها والانتفاع بها كلها حرامًا، ولم يكن بإمكان فتوى المجتهد أن تكون غير ذلك؛ ولكن الآن تلك الأداة نفسها في عرف آخر، وجدت وضعًا آخر، وأصبحت وسيلة لإيصال رسالة الدين والإنسانية والأخلاق، ورسالة القرآن والتفسير والعرفان الإسلامي إلى الناس. فهل يمكن القول بأنها حرام مرة أخرى؟ من هذا المنطلق، وبالنظر إلى كون الفضاء السيبراني من الآلات المشتركة، فإن استخدامه في الوقت الحاضر في الاتجاه المناسب والعقلاني جائز.

4-2. أصالة البراءة

بناءً على أصالة البراءة، إذا شككنا في أن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي جائز أم لا، لكونها من الآلات المشتركة، فبناءً على أصالة البراءة يمكننا استخدامها.

4-3. الدليل العقلي والضرورة الاجتماعية

يحكم العقل بأنه في حالة تحريم استخدام الفضاء السيبراني، سيحدث خلل في الحياة والمعيشة؛ لأن المسار التاريخي والحضاري للبشرية قد وصل إلى نقطة ترتبط فيها ضرورات حياتنا اليوم باستخدام الفضاء السيبراني، وهذه الأمور تُعد من الأمور اللازمة، وتركها يسبب خللاً في نظام الحياة بالنسبة لنا. على فرض أنه كان يجب في البداية منع دخولها؛ ولكن الآن قد وقعنا في هذه الورطة، وارتبطت حياة الأفراد الضرورية بها. إذن، يجب أن نقبل استخدامها.

5. نقد ودراسة أدلة الموافقين والمخالفين والرأي المختار

في نظر الكاتب، فإن أدلة حلية الاستخدام الحر للفضاء السيبراني لا يمكن الدفاع عنها وتحتوي على إشكالات متعددة. بالنسبة للدليل الأول، وهو أن الفضاء السيبراني من الآلات المشتركة، وبالتالي إذا كان الاستخدام صحيحًا ومناسبًا، فإن استخدامه صحيح؛ يطرح إشكال مهم على هذا الدليل، وهو أن ملاك تحديد الآلات المشتركة ليس مسألة الاستهلاك والانتفاع؛ بل الملاك الكامل في الآلات المشتركة هو قدرة المكلف على التحكم والسيطرة على نوع الاستخدام. بناءً على ذلك، فإن مجرد الاستهلاك والانتفاع الحلال والصحيح والشرعي من الآلات الحرام لا يسبب تغيير عنوانها، ووجود الآلات تحت تصرف المكلف وقابليتها للتحكم والإدارة هو ما يهم. إن الإرادة المسيطرة والسيطرة الاختيارية في الفضاء السيبراني منتفية؛ على سبيل المثال، نصف الفضاء السيبراني وشبكاته مخصص لمشاركة الصور والأفلام والنصوص والرسائل، وإذا وضع شخص صورة غير لائقة لنفسه في الفضاء السيبراني، فليس من الواضح كم مليون شخص ومن أي مكان في العالم سيشاهدون هذه الصورة؛ حتى لو وضع صورة في صفحته الشخصية التي لها كلمة مرور، فإن قراصنة الإنترنت يكسرون قفل الصفحة بسهولة. يرى الكاتب أنه في تجويز الاستهلاك الثقافي للفضاء السيبراني كأداة وآلة مشتركة، من الضروري أن تكون الأداة تحت إرادة واختيار المكلف، ومن هذا المنطلق، فإن الفضاء السيبراني وشبكات الإنترنت والويب، لكونها ليست تحت اختيار المكلف، وإدارتها في يد المخالفين والمعاندين، لا تُعتبر آلات مشتركة؛ وإن كان يُستفاد منها استخدامات حلال أو حرام. وكذلك، فيما يتعلق بالدليل الثاني للحلية، الإشكال هو أن الأصول العملية وأصالة البراءة حجة ودليل حيث لا توجد أدلة أولية؛ بينما في الفضاء السيبراني الحالي، توجد أدلة قوية لنفي السبيل، ولا يمكن بسهولة تجاهل دليل نفي السبيل. ودليل رفض النظرية العقلية والضرورة الاجتماعية ثابت حيث لا يتعارض مع دليل آخر؛ ولكن في هذه المسألة، بسبب وجود الهلكة واحتمال الضرر، توجد قاعدة عقلية لدفع الضرر المحتمل، ومن هذا المنطلق، هناك مجال للاحتياط والاجتناب عن الفضاء السيبراني. كما ذُكر، يوجد في أصل استخدام واستهلاك شبكات التواصل الاجتماعي والفضاء السيبراني رؤيتان كليتان: 1. الحرمة وعدم جواز الاستخدام الحر؛ 2. الحلية وجواز الاستخدام الحر. رأينا الأولي حول القاعدة الكلية والأصل الأولي هو أنه يجب التمييز بين الفضاء السيبراني الموجود والفضاء السيبراني المطلوب. ففي الوضع الحالي، الأصل هو تقييد الاستهلاك، وفي الوضع المطلوب، حيث يكون الفضاء السيبراني آلة مشتركة وإدارته الكلية ليست في حصر الكافرين والمفسدين، الأصل هو جواز الاستهلاك؛ ومن هذا المنطلق، من الضروري في الحكم أن نلحظ نوع الاستهلاك حتمًا، وبدون ملاحظته لا يمكن الحكم بتوسيع الاستهلاك وجواز الانتفاع الحر.

5-1. قاعدة «درء المفاسد أولى من جلب المنافع»

مفاد هذه القاعدة هو أنه إذا كان شيء يمكن أن يجلب مصلحة ومفسدة في آن واحد، فإن الأولوية هي لتجنب المفاسد؛ وإن كان ذلك بثمن تجاهل المنافع والمصالح ووجودها (حسين مراغي، 1417هـ، ج2، ص394)؛ فإذا لم نتمكن من إزالة مفاسد الفضاء السيبراني في الوضع الحالي، ومثلاً توفير إنترنت نظيف للأطفال، فمن الأفضل أن نتجاوز منافعه أيضًا ونوفر إمكانية الوصول على أساس الاضطرار والضرورة.

5-2. قاعدة تقدير الضرورة

بناءً على هذه القاعدة، في حالات عروض الضرورة، يجب تطبيق الأحكام المتعلقة بالضرورة فقط في حدود وجود الضرورة؛ لأن انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه أمر مسلم وبديهي، ومع زوال الضرورة لا يبقى موضوع؛ بناءً على ذلك، إذا وقع المكلف في تزاحم الامتثال، أي وجب عليه عملان في وقت واحد لا يقدر على كليهما، يسقط أحد التكليفين من باب الضرورة؛ ولكن سقوط التكليف الآخر لا دليل عليه. في فقه الشيعة وأهل السنة، يمكن العثور على أمثلة كثيرة لتطبيق هذه القاعدة (زحيلي، 1388، ص105؛ موسوي، 1392، ص161)؛ ولكن المثال المعروف في فقه جميع المذاهب الإسلامية هو مسألة جواز أكل وشرب المادة الحرام لإنقاذ النفس (راجع: المعيني، بلا تا، ص62-80) حول حالة الضرورة الغذائية والتداوي بالحرام في الاستعلاج. اشترط بعض فقهاء أهل السنة القاعدة بشروط ثلاثة، وأرجعوا هذه الشروط إلى تحقيق الضرورة: الشرط الأول، أن تكون الضرورة بالفعل، لا محتملة أو مظنونة؛ الشرط الثاني، ألا يكون هناك طريق للفرار من الحرام، وبتعبير الشيعة، ألا تكون هناك مندوحة، مثلاً إذا استطاع بالاقتراض أن يأكل طعامًا حلالاً، فلا ينبغي أن يضطر نفسه لأكل الحرام؛ الشرط الثالث، ألا يكون قد أوقع نفسه في الحرام، أي لم يتسبب في الحرام (راجع: نفس المصدر، ص37-47). بالطبع، هذه الشروط هي تحليل لمعنى الضرورة ومقبولة. لا يخفى أن الشخص الذي يضطر نفسه لارتكاب الحرام، بعد الوقوع في الاضطرار، لا خيار له لإنقاذ نفسه سوى أكل الحرام، ويجب عليه أن يؤدي واجبه الواجب على المضطر؛ ولكن العقاب على التسبب في الحرام لا يُرفع عنه؛ إلا في باب التسبب في الجنابة مع فرض عدم وجود الماء، حيث قال الفقهاء إن هذا المورد بالخصوص خارج عن قاعدة وجوب حفظ القدرة على الواجب الاختياري (طباطبائي حكيم، 1426هـ، ج3، ص381). أدلة القاعدة: الآيات (البقرة: 173؛ المائدة: 145؛ الأنعام: 115؛ النحل: 119) وروايات من قبيل روايات باب التقية بتعبير «التقية في كل ضرورة» (حر عاملي، 1402هـ، ج11، ص468)، وروايات تعذيب عمار بن ياسر لإظهار الكفر (نفس المصدر، ج16، ص226)، وروايات جواز أكل الميتة (صدوق، 1413هـ، ج3، ص345)، والروايات المتعلقة برفع الأمور التسعة (حر عاملي، 1402هـ، ج11، ص295)، وروايات صلاة المضطر وروايات أخرى يمكن البحث عنها بتعبير «إلا وقد أحله». من الأدلة الأخرى يجب ذكر الإجماع؛ مثل إجماع على انتقاض التيمم بوجود الماء (المعيني، بلا تا، ص40؛ زحيلي، 1388، ص110) ودليل العقل من قبيل حكم العقل بانتفاء الحكم الشرعي بانتفاء موضوعه (أراكي، 1375، ج1، ص569). يمكن ضم أدلة تكميلية أخرى؛ مثل آثار الصحابة (المعيني، بلا تا، ص33). من بين الآيات، ما يُستفاد من لسان آية «فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه» (البقرة: 172)، هو وجود شرطين لترخيص المضطر: الأول، ألا يكون باغياً، والثاني، ألا يكون عادياً. الفرق بين هذين القيدين هو أن الباغي لديه شهوة للعمل الحرام؛ وبالتالي يوقع نفسه في الاضطرار ليجد مبرراً للقيام به؛ ولكن العادي هو الشخص الذي يرتكب العمل في ظروف الاضطرار بما يتجاوز حد الضرورة (زحيلي، 1388، ص84).

5-2-1. تطبيق القاعدة على استهلاك الإنترنت

إذا أراد المكلف ألا يرتكب حرامًا – مثلاً ألا يرى الصور المستهجنة والمحركة للشهوة – وأن يؤدي واجبه الشرعي المتمثل في كسب الخبر والنهي عن المنكر، فإنه سيحدث تزاحم في الامتثال حتمًا؛ لأن الفرض هو أنه لا قدرة له على القيام بكليهما، فيسقط أحد التكليفين بالضرورة، وبمقتضى قاعدة الأهم والمهم، يبقى التكليف الأهم ويسقط التكليف المهم؛ ولكن سقوط المهم محدود بحالة التزاحم وفي حدود عروض التزاحم. إذا قلنا إن استخدام الفضاء السيبراني لا مفر منه، وكذلك الأضرار الناجمة عن الدخول إليه في الوضع الحالي لا مفر منها، فيجب على المستهلك أن يرى في الحالات التي لا يوجد فيها سبيل سوى استخدام الفضاء السيبراني من أجل تنظيم الحياة الاجتماعية وإقامة الاتصالات والتعاملات أو العلاقات التجارية، بحيث يحدث خلل في نظام معيشته ووظيفته بدونه، ومن ناحية أخرى، في مسار الاستهلاك، يقع حتمًا تحت تأثير الدعاية والإلقاءات المعادية للثقافة التي تزعزع معتقداته وإيمانه في المدى القصير أو الطويل، في هذه الحالات، أولاً، يجب عليه أن يختار في الاستهلاك مسارًا لا يواجه فيه مثل هذا التزاحم، مثلاً، يأخذ الأخبار والمعلومات اللازمة لوظيفته من خلال المواقع الداخلية والمدارة من قبل أشخاص جيدين، وفي الحالات التي يؤدي فيها الاستهلاك إلى مسار محفوف بالمخاطر، إذا كان استهلاكه ترفيهيًا وغير ضروري، فيجب عليه أساسًا تركه، وإذا كان الاستهلاك لازمًا وضروريًا، فيجب عليه اختيار المسار الأقل خطورة، وفي الحالات التي يواجه فيها خطرًا، يجب عليه أن يحافظ على نفسه ويلبي حاجته للاستهلاك. لقد تحدث الفقهاء في فروع بحث قاعدة لا ضرر عن تزاحم الضررين، وهناك بحثوا في لزوم ارتكاب الضرر الأخف لتجنب الضرر الأشد، ومن فروع بحث تزاحم الضررين، بحث قاعدة الاضطرار التي قيل بناءً عليها إن المكلف يجب عليه في ظروف الاضطرار إلى وقوع الحرام أن يختار الفرد الأخف حتمًا، والاضطرار لا يبرر الفرد الأشد (سيستاني، 1389، ص 313).

5-2-2. نطاق دلالة قاعدة التقدير

بناءً على ذلك، يخرج موردان من حدود دلالة قاعدة «الضرورات تقدر بقدرها»: أولاً، الاستهلاكات الثقافية التي لا ضرر فيها؛ مثلاً، مشاهدة فيلم أو وثائقي أو لعب ألعاب الكمبيوتر أو استخدام شبكات التواصل الاجتماعي لكسب المعلومات والأخبار التي لا تتلازم مع فساد، لا مشكلة فيها. ثانيًا، الاستهلاك الثقافي الذي يتزاحم مع تكليف آخر؛ ولكن أصل الاستهلاك ليس واجبًا وضروريًا. هنا يتفعل تكليف ترك الحرام، ويتعطل الاستهلاك الثقافي الذي لا ضرورة له. بناءً على ذلك، فإن ألعاب الكمبيوتر التي ثبت فسادها وضررها، سواء أحرز المكلف ذلك شخصيًا أو أحرزه الخبراء – بحيث يحصل اليقين للمكلف من قولهم – أو ثبت فسادها بسبب منع الحكومة الإسلامية، ما لم تكن هناك ضرورة في استخدامها، فإن استخدامها حرام. لا يخفى أن حكم الحرمة لا ينظر إلى برامج أجهزة الوسائط مثل الهاتف والجهاز والشاشة والكمبيوتر وغيرها؛ بل كل هذه الأمور المذكورة تنظر إلى منصات تشغيل البرامج والبيانات المعلوماتية؛ بعبارة أخرى، لدينا تقنية نظام تشغيل وأداة للإنتاجية. كل الكلام عن حرمة شبكات الإنترنت أو عدم حرمتها ينظر إلى أصل نظام الإنترنت ومحتوى البرمجيات والبيانات السيبرانية التي ليست في اختيار المكلف وتُدار علميًا ومحتوائيًا من مكان آخر. والأعداء أيضًا، باستخدام أداة مستخدمي الإنترنت، يصلون إلى أهدافهم الأمنية والمخالفة للأعراف ويستخدمونها كأداة. بناءً على ذلك، فإن حكم حرمة شبكات التواصل الاجتماعي في حالة إنشاء شبكة إنترنت وطنية لا يُخدش، ولا يُتصور وجه للحرمة. نعم، في الوضع الحالي الذي تكون فيه الإدارة الكلية للفضاء السيبراني ليست في يد الحاكم الإسلامي، في الخطوة الأولى يمكن التحدث عن قاعدة تقدير الضرورة لتحديد كيفية الاستهلاك، وفي تطبيق هذه القاعدة يجب ملاحظة عروض التزاحم وارتكاب أخف الضررين. قاعدة تقدير الضرورة تحدد جواز الاستهلاك في الحالات الضرورية ببقاء الموضوع، أي أصل وجود الضرورة. هذه القاعدة توسع الاستهلاك إلى توسع حالات الضرورة وتقيد الاستهلاك بالنسبة للحالات غير الضرورية؛ ومع ذلك، يجب اعتبار قاعدة الضرورة هي المؤسسة لأصل تقييد الاستهلاك؛ لأن هذه القاعدة عادة ما تُستخدم في الحالات التي يكون فيها الاستهلاك حرامًا بالحكم الأولي، وتجيز الاستهلاك في حدود تحقق الضرورة بحكم ثانوي ناشئ عن وجود الضرورة، ولا تقول شيئًا عن الاستهلاكات التي ليست حرامًا بالحكم الأولي.

5-3. قاعدة حرمة اختلال النظام

تنظر هذه القاعدة إلى نوع الاستهلاك من منظور آخر غير محتوى الفضاء السيبراني؛ بمعنى أن العديد من الاستهلاكات الحلال والحرام، بغض النظر عن حليتها وحرمتها، تمهد أحيانًا لسيطرة الكافر على المسلم؛ إذ بمجرد استخدام فرد أو بإجراءات مجموعة من الناس، أو عامة الناس، ينشأ نوع من التبعية الضارة للكافرين، وحتى يمكن تصور أن الاستهلاك المباح يزداد ويصل إلى حد الإسراف، وهذا الإسراف نفسه يمهد للسيطرة؛ وبالتالي، يجب أن يكون الاستهلاك مشروطًا بعدم عروض اختلال النظام. قد يُقال إنه في مقابل هذه القواعد، توجد قواعد أخرى مثل أصالة الحل وقاعدة وجوب حفظ النظام تقتضي التوسع في استهلاك الفضاء السيبراني؟ الإجابة على هذا السؤال هي أن قاعدة وجوب حفظ النظام تدعو إلى الاستهلاك من حيث إن الاستهلاك أداة لحفظ النظام الإسلامي. طبعًا، هنا القاعدة ستؤدي إلى توسيع الاستهلاك بهدف حفظ النظام، وفي حالة عدم تأمين هذا الهدف أو تحوله إلى ضده، وهو تخريب النظام في الأبعاد الأخلاقية والتربوية والأمنية وغيرها، فإن ضرورة التضييق في الاستهلاك تتقوى. وكذلك في قاعدة الحل أو أصالة الحل التي تعلن أن الاستهلاكات المشكوكة حلال، ويدعي البعض أنه إذا كان في عروض العنوان المحرم للاستهلاك شبهة، فالأصل الأولي هو جواز الاستهلاك، يجب القول لأهل الفن إنه من الواضح والواضح أنه إلى جانب الاستهلاكات العادية والحلال، سيستغل الطرف المهاجم استغلاله في مختلف المجالات، وسيصبح مستخدمو شبكات الويب دون علم هدفًا لمؤامراتهم الشريرة. بناءً على ذلك، لا يوجد حالة شك في هذا الخصوص؛ خاصة مع الحيل الأمنية والقدرة العالية على العمليات النفسية التي لديهم. إذن، أصالة الحل تجري في الحالات المشكوكة؛ ولكنها لا ترتبط بقصد ونية المستخدم، وإذا ثبت في الحالات التخصصية والتقنية أن الخبراء قد تأكدوا من سوء الاستخدام من خلال إنشاء بيئة يحصل عليها المستخدمون، فلا يوجد بعد ذلك حالة انتظار وشك. بالتحقيق الدقيق، ثبت أن تصميم وإنتاج أنظمة الويب هو بيئة واسعة لأغراض سياسية من نفوذ العدو، والتجسس (أفراسيابي، 1383، ص52-54)، وضرب القيم، والهيمنة الفكرية على المجتمعات المختلفة، والشبكات الأمنية مسؤولة عن ترويج وتحليل بياناتها. هذه الشبكات، نظرًا لأنها تتكون من بيانات برمجية وأجهزة، وليست مجرد أداة مثل التلفزيون، لا يمكن استخدام الفضاء السيبراني وشبكات التواصل الاجتماعي إلا في حالة الاضطرار، وهو حكم ثانوي، أو في حالات مثل الاستخدام ضد العدو نفسه قد يكون جائزًا؛ ولكن ترويج ودعاية شبكات التواصل الاجتماعي والافتراضية حرام بلا شك.

الخاتمة

الفضاء السيبراني وشبكات التواصل الاجتماعي من وجهة نظر فقهية تواجه نوعين من الحكم. النوع الأول من منظور الفقه الجزئي، والنوع الثاني من منظور الفقه الكلي والحكومي. إذا درسنا الفضاء السيبراني وشبكات التواصل الاجتماعي من منظور الفقه الجزئي، يُطرح هذا السؤال: هل استخدام مثل هذه الأداة جائز أم لا؟ أما إذا أردنا دراسة الفضاء السيبراني وشبكات التواصل الاجتماعي من منظور الفقه الكلي، فإن السؤال هو: ما هي الواجبات الملقاة على عاتق الحاكم تجاه الفضاء السيبراني وشبكات التواصل الاجتماعي؟ على الرغم من أنه يمكن استخدام هذه البيئة لترسيخ ونشر وترويج المعارف الدينية وقيم الثورة الإسلامية؛ ولكن إذا أدى الاستخدام الحر لشبكات التواصل الاجتماعي والفضاء السيبراني إلى الإضلال، وإشاعة الفحشاء والكذب، وإلقاء المفسدة أو تقوية أعداء الإسلام، فإن استخدامه ليس جائزًا، وتكليف المستخدم هو تقييد الاستخدام في حدود الضرورة، وتكليف الحكومة الإسلامية هو الحماية الأمنية، ورصد تسرب المعلومات، والترشيح الهادف للأقسام المزعجة والمنحرفة في هذا الفضاء. شبكات التواصل الاجتماعي في الواقع ليست آلات مشتركة؛ لأن عنوان الأداة المشتركة في الفقه ينظر إلى الأجهزة، بينما هذه الشبكات تتكون من برامج وأجهزة ولا تُعتبر مجرد وعاء؛ وبالتالي، إذا نظرنا إلى شبكات الويب والفضاء السيبراني والسيبراني من منظور كلي ومن الأعلى، يتضح أن كيفية الانتفاع والاستعمال والاستفادة من الإنترنت والفضاء السيبراني ليست تحت اختيار المستخدمين. [1] وملاك الآلات المشتركة الذي ذكره الفقهاء غير موجود؛ وإن كان استخدام المستخدم للشبكات الاجتماعية حلالاً أو حراماً ظاهرياً في اختياره. من وجهة نظر هذا البحث، فإن الاستناد إلى قاعدة كون الفضاء السيبراني من الآلات المشتركة هو تصور غير صحيح، سواء من الناحية الصغروية أو الكبروية. بناءً على أن الفضاء السيبراني لا يُحسب من الآلات المشتركة، وبناءً على الفقه الكلي، فإن الحكومة مكلفة بكبح وتصحيح محتوى شبكات التواصل الاجتماعي والافتراضية. بالطبع، هناك فرق بين الإنترنت وأدوات الإنترنت، وحكم الحرمة ينظر إلى أصل الإنترنت والفضاء السيبراني والويب التي تُعد وتُوزع خارج حدود الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا توجد أي إدارة هيكلية ومحتوائية عليها، والانتفاع والاستخدام منها في اختيار مستخدمي الإنترنت. من هذا المنطلق، فإن الفضاء السيبراني وشبكات الإنترنت ليست آلات مشتركة، واستخدامها حرام؛ إلا من باب الضرورة فيكون جائزًا. بناءً على ذلك، الأصل ليس التوسع في الاستهلاك، ويجب الاكتفاء في استهلاك الفضاء السيبراني بقدر الضرورة؛ بعبارة أخرى، في الاستخدام الحر في الاستهلاك الثقافي للفضاء السيبراني، الأصل هو التضييق وإيجاد قيود، وتنوع الاستهلاك هو الذي يحدد الحكم الأولي في جواز التوسع أو وجوب التضييق. البحث المهم والأساسي ينظر إلى الخصوصية الذاتية للفضاء السيبراني التي لها قابلية الاستخدام الصحيح وغير الصحيح كليهما. البحث الآخر ينظر إلى الأوضاع الخارجية لاستخدام الفضاء السيبراني التي أصبحت مصحوبة بقيود وشروط ومقررات خاصة.

الهوامش

[1] حائز على شهادة السطح الرابع من الحوزة العلمية بقم؛ أستاذ السطوح العالية بقم؛ مدير قسم فقه الفن والإعلام في مركز فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام). nahavandi47@yahoo.com

[2] كلمة اللواء جلالي، رئيس منظمة الدفاع المدني: «يمكن أن تكون شبكات التواصل الاجتماعي شبكة تجسس كاملة؛ أي يمكنها إقامة اتصال خارج عن السيطرة الحكومية مع المجموعات الاجتماعية وغير الاجتماعية خارج البلاد، والقيام بجمع وتبادل المعلومات؛ وبناءً على ذلك، فإنها توفر أرضية للعمل التجسسي» (10 بهمن 1395 هـ.ش).

Scroll to Top