تحليل حالات الدوران المختلفة بين أجزاء العلة التامة للمؤسسات الفقهية والحقوقية

ملخص

المؤسسات الفقهية والحقوقية معلولة لعلل خاصة بها؛ وعلتها التامة تشتمل على ثلاثة أجزاء: السبب، والشرط، وعدم المانع. فبانضمام الأسباب والشروط وارتفاع الموانع، يحصل الاطمئنان بحدوث المؤسسة. ولتشخيص أجزاء العلة التامة للمؤسسة، فإن الرجوع إلى أدلة مشرّع تلك المؤسسة يمتلك الكفاءة اللازمة والكافية لتمييز السبب والشرط والمانع. ولكن قد يقع التردد أحيانًا في تشخيص أجزاء العلة التامة، ويواجه تمييز الأركان الثلاثة (السبب، الشرط، المانع) صعوبة، فيحدث الدوران بين أجزاء العلة لحدوث المؤسسة. وبما أن دور وأثر كل جزء من أجزاء العلة التامة في حدوث المؤسسة متفاوت؛ فيجب إدارة هذا الدوران بنحو يمكن معه إسناد تشخيص وتمييز أجزاء العلة إلى المباني والأدلة الفقهية والأصولية. في هذه المقالة، تُبحث أقسام الدوران بين أجزاء العلة التامة للمؤسسات الفقهية والحقوقية، وطريقة إدارتها، وكيفية تمييزها عن بعضها البعض على أساس الأدلة الفقهية والحقوقية والضوابط الأصولية والمواد القانونية، وفي النهاية، يتم تقديم الطريقة المناسبة لهذا التشخيص والتمييز.

مقدمة

إننا نواجه في عالم الاعتباريات الحقوقية مؤسسات متنوعة. وتشكل الأعمال والوقائع الحقوقية فئتين كبيرتين من هذه المؤسسات. المؤسسات الحقوقية، بوصفها ظواهر حقوقية، لها آثار اعتبارية، وهي نفسها معلولة لسلسلة من العلل التي باجتماعها تتكون العلة التامة لنشوء هذه الظواهر. إن العلة التامة للظواهر الحقوقية، شأنها شأن العلة التامة للظواهر التكوينية، تتألف من تركيبة ثلاثة أجزاء: السبب، والشرط، وعدم المانع. (إحساني فر، ١٣٩٥ش، ص ٨٨)

السبب هو المنشئ والخالق الأصلي للظاهرة. بين السبب والظاهرة الحقوقية تناسب ذاتي وعرفي. على سبيل المثال، وفقًا للفقرة الأولى من المادة ١٩١ من القانون المدني، فإن قصد الإنشاء هو سبب إيجاد العقد. نسبة الشرط إلى المعلول هي تهيئة الأرضية والتمهيد؛ أي أن الشرط يهيئ الأرضية ويمهد السبيل ليحل السبب في هذه الأرضية ويشرع في إيجاد المعلول الحقوقي؛ كمبرز الإرادة الذي يعتبر شرطًا لإنشاء العقد وفقًا للفقرة الثانية من المادة ١٩١ من القانون المدني. أما عدم المانع، فليس له أي مدخلية في أصل إيجاد المعلول؛ بل إن المعلول يظهر بوجود السبب والشرط. ودور المانع هو أن وجوده مضاد ومباين لوجود المعلول؛ بمعنى أنه إذا كان وجود المانع قطعيًا ومحرزًا، ينتفي وجود المعلول، ومع الشك في وجود المانع، يحدث المعلول بإحراز السبب والشرط. هذا المطلب مشهور في الفقه والأصول بعنوان قاعدة «المقتضي والمانع». على سبيل المثال، يُعتبر الجهة غير المشروعة مانعًا من إنشاء العقد (إحساني فر، ١٣٩٥ش، ص ١٥٢-١٥٥). ومن تركيب السبب والشرط، ينشأ المقتضي (التبريزي، ١٣٦٩ش، ص ٥٦٧؛ البهبهاني، ١٤٠٥ق، ج ١، ص ٢٢).

المعلول إذا قيس إلى السبب، سُمّي مسبَّبًا، وإذا لوحظ بالنسبة للشرط، سُمّي مشروطًا، وإذا لوحظ بالنسبة للمانع، كان ممنوعًا، وإذا قيس إلى المقتضي، لُقّب بالمقتضَى. (إحساني فر، ١٣٩٥، ص ٨٩) إذن، لا يوجد فرق ماهوي بين ألفاظ المسبَّب والمشروط والممنوع والمقتضَى، فكلها تشير إلى معنى المعلول. وكما ذكرنا، فإن دور ومكانة ووظيفة وتأثير كل جزء من أجزاء العلة التامة في حدوث المعلول الحقوقي يختلف عن الجزء الآخر.

إن تشخيص أي عنصر هو السبب، وأيها الشرط، وأيها المانع؛ قد يكون أحيانًا منجزًا بدقة إجمالية ودون إشكال، وأحيانًا أخرى يواجه اختلافًا بين العلماء وترددًا وإبهامًا، وهو ما يُعرف بـ «الدوران بين أجزاء العلة التامة».

إن طريقة إدارة هذا الدوران لم تحظ بالاهتمام والاستقبال في الكتب الحقوقية. الصورة العامة للبحث هي أنه قد يقع التردد أحيانًا في تحديد جزء ما كسبب أو شرط أو مانع. سيتم في هذه المقالة دراسة ثلاث حالات للدوران، تتداخل فيها بعض الحالات الأولى والثانية. الدوران بين المقتضي وعدم المانع، والدوران بين الشرط وعدم المانع، والدوران بين السبب والشرط، هي حالات سيتم تدقيقها في هذه المقالة. وسبب تداخل بعض الحالات الأولى والثانية هو أن المقتضي أعم من الشرط والسبب. وفي الحقيقة، الحالة الثانية هي فرد ومصداق للحالة الأولى، والتي بسبب أهميتها البالغة، تُبحث ضمن حالة مستقلة.

١. الدوران بين عدم المقتضي ووجود المانع

قد يحدث أحيانًا أن يقول البعض في بعض المصاديق إن المقتضي هنا غير محرز، لا أن هناك شكًا في وجود المانع؛ بينما يعتقد آخرون في نفس هذه المصاديق أن المقتضي قد اكتمل، وما فيه تردد هو المانع لا المقتضي. وهنا يُطرح بحث الدوران بين عدم المقتضي ووجود المانع. أحد طرفي هذا الدوران هو الشك في عدم المقتضي، والطرف الآخر هو الشك في وجود المانع. ففي مصداق معين، يقع التردد بين عدم المقتضي ووجود المانع (إحساني فر، ١٣٩٥ش، ص ١٦١ و ١٦٢).

بعض الفقهاء في هذا الدوران، قدّموا ورجّحوا التعليل بانتفاء المقتضي على التعليل بوجود المانع (الشهيد الأول، بي تا، ج ١، ص ٣٠٩). استدلال هذه المجموعة هو أن انتفاء المقتضي موافق للأصل (أصل عدم وجود المقتضي)، أما وجود المانع فهو مخالف للأصل (أصل عدم وجود المانع). هذه المجموعة ترتب فروعًا كثيرة على هذا الدوران، منها معاملات الصغير المميّز.

يمكن بيان نقص معاملات الصغير المميّز بعلتين. العلة الأولى هي أن معاملات الصغير المميّز لا تقتضي الصحة؛ لأن الأهلية هي مقتضى التصرف في مال الغير. والعلة الثانية هي أن مشكلة معاملات الصغير المميّز ليست من زاوية انتفاء المقتضي، بل من حيث وجود المانع. والمانع هو تصرف الصغير المميّز المستقل دون إذن الولي. لكن فائدة اختيار أحد القولين في هذا المطلب تظهر فيما لو أجاز الولي معاملة الصغير؛ فطبقًا للقول الأول، لا يصح العقد، وطبقًا للقول الثاني، يصح. لأنه طبقًا للقول الأول، العقد لا يملك مقتضي الصحة. وبالتالي، لا يؤثر إذن الولي في صحة العقد. أما طبقًا للقول الثاني، فالعقد واجد للمقتضي وله مانع واحد فقط، وهو تصرف الصغير المستقل، والذي يرتفع أيضًا بإذن الولي. (الشهيد الأول، بي تا، ج ١، ص ٣١٠)

وقد أدرك بعض النخبة من الأصوليين جيدًا الفرق في أثر عدم المقتضي ووجود المانع، وكتبوا بأسلوب لا يمكن لأحد أن ينسب إليهم التردد بين عدم المقتضي ووجود المانع؛ بل إن صراحة كلامهم أو ظهوره يدل على أنهم اختاروا إحدى النظريتين؛ إما عدم المقتضي أو وجود المانع.

ويمكن ملاحظة نموذج لهذا القلم الدقيق في كتاب «كفاية الأصول»، حيث يكتب صاحب هذا الكتاب: «لا شك أن الأمارة غير العلمية ليست كالقطع، حيث إن الحجية من لوازمها ومقتضياتها». (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩، ص ٢٧٥) نتيجة ما أفيد في هذا القسم هي أن الأمارة غير العلمية، لا كالقطع، ليست علة تامة للحجية، ولا مقتضيًا للحجية. لأنها ليست كاشفًا تامًا عن الواقع، بل حجيتها احتمالية، وكلما كانت حجية الدليل احتمالية لا ذاتية، توقف اعتبارها على إثباتها من قبل الشارع. على سبيل المثال، الرجوع إلى الخبير والمتخصص في الدعوى دليل ظني لا قطعي؛ لأن رأي الخبير لا يوضح الموضوع للقاضي ولا يجعله متيقنًا، ولهذا السبب «إذا لم يتطابق رأي الخبير مع الأوضاع والأحوال المحققة والمعلومة في القضية، فلن ترتب المحكمة عليه أثرًا» (المادة ٢٦٥ من قانون أصول المحاكمات المدنية). كون الرجوع إلى الخبير ظنيًا يكفي لأن ينص المشرّع على أصل اعتباره وحدوده (المادة ٢٥٧ من قانون أصول المحاكمات المدنية)؛ وإلا فلن يكون الرجوع إلى الخبير حجة.

يكتب أحد الشارحين: «في متن الكفاية، استُخدم لفظ المقتضيات؛ لئلا يقول القائلون بحجية قاعدة «المقتضي والمانع» إن الظن مقتضٍ للحجية، وعند الشك في وجود مانع في طريق هذه الحجية، يرتفع هذا المانع بالاستناد إلى هذه القاعدة ويثبت اعتباره. في هذه الحالة، باستعمال قاعدة المقتضي والمانع، يتحول أصل عدم حجية الظن إلى أصل اعتبار الظن». (الجزائري، ١٤١٥ق، ج ٤، ص ٢٠٤) طبقًا لهذا التفسير، الظن لا يقتضي الحجية، لا أنه بعد أن يقتضيها يُشك في المانع.

وقد وقع بعض المحققين في خلط في الدوران بين عدم المقتضي ووجود المانع. على سبيل المثال «كلما تعرضت الصحة الجسمانية أو التربية الأخلاقية للطفل الذي تحت الحضانة للخطر، بسبب عدم مراقبة أو انحطاط أخلاقي للأب أو الأم الذي يتولى حضانته، يمكن للمحكمة… أن تتخذ أي قرار تراه مقتضيًا لحضانة الطفل». (المادة ١١٧٣ من القانون المدني) أحد القرارات التي يحق للمحكمة اتخاذها في حال ثبوت فسق الولي، وهو ما صرح به الفقهاء أيضًا، هو عزل الولي عن ولايته على ابنه. الآن، إذا مرت فترة من زمن ثبوت الفسق والحكم بعزل الولي، وطرأ شك حول ما إذا كان الولي المعزول لا يزال فاسقًا أم لا؛ يعتقد أحد الفقهاء أن مقتضي الولاية للولي موجود بعد مرور فترة من الزمن على ثبوت الفسق والحكم بالعزل، وشكنا هو في وجود المانع. المانع في طريق الولاية هو الفسق. (الكلبايكاني، ١٤١٣ق، ج ١، ص ٢٥٦)

من الواضح أن الإشكال الرئيسي الذي يرد على كلامه هو أنه عندما يثبت فسق الولي في السابق ويمضي على ذلك فترة، ثم نتردد في فسقه، فإن مثل هذا الأب لا يملك مقتضي الولاية. فأصل اقتضاء الولاية لهذا الأب في هذه الحالة غير ثابت، لا أن مقتضي الولاية موجود والشك في المانع.

ولكي يكتمل بحث الدوران بين عدم المقتضي ووجود المانع، نورد مصداقين طُرحا في الفقه الإمامي.

١-١. اقتضاء الصحة في العقد المردد بين وصفي الصحة والفساد

عُقد عقد يتردد بين وصفين. أحدهما له قابلية اتصاف العقد بالصحة، والآخر له قابلية اتصاف العقد بالبطلان. على سبيل المثال، نعلم أن محل المعاملة يجب أن… يتضمن منفعة عقلائية مشروعة (المادة ٢١٥ من القانون المدني). لكن في الخارج، عُقد عقد لا نعلم هل محله يتضمن منفعة عقلائية مشروعة ليتصف بالصحة، أم أنه يفتقر إلى هذه المنفعة ليتصف بالفساد. البعض في هذه الحالات يتمسك بأصل الصحة في العقود، وبناءً عليه، يصححون العقد (المادة ٢٢٣ من القانون المدني). هم يعتبرون العقد مقتضيًا للصحة، ولا يعتنون بالشك في المانع، وهو وجود منفعة غير عقلائية أو غير مشروعة، استنادًا إلى قاعدة «المقتضي والمانع». ويعتبر آخرون هذا الشك شكًا في مورد له مدخلية في أركان العقد، ولهذا السبب، يعتبرون الشك الموجود شكًا في المقتضي، وفي هذه الحالة، لا يثبتون المقتضى، وهو صحة العقد، مع الشك في المقتضي (التبريزي، ١٣٦٩ش، ص ٥٦٦).

٢-١. قاعدة «الزائل العائد كالذي لم يعد»

عندما تتجمع كل الشروط والأسباب وتحدث، وتكون الموانع مفقودة، تكون نتيجة تكوّن هذه المقدمات هي حدوث المقتضى. الآن، بعد حدوث المقتضى، إذا طرأ عارض على أحد الشروط وأبطله، فمن الواضح أنه بانتفاء الشرط، ينتفي المشروط أيضًا. وبالتالي، لا يمكن للمقتضى أن يستمر في الوجود وسيترك الوجود. الآن، إذا زال نفس الشرط الذي أُزيل وعاد إلى الوجود مرة أخرى، ينشأ البحث حول ما إذا كان المشروط والمقتضى يعودان تلقائيًا وبدون الحاجة إلى إحراز جميع المقتضيات، ويعودان إلى الحياة مرة أخرى؟ تقول الأغلبية الساحقة: لا يعود، لأنه بعروض العارض ورفع الشرط، يسقط المقتضي عن الاقتضاء، وبعد رفع العارض وعودة الشرط إلى الحياة، ليس من المعلوم أن المقتضي أيضًا يعود إلى الحياة. بل إن ثبوت المقتضى مرة أخرى يحتاج إلى إثبات مقتضٍ. فلنطبق البحث النظري على مصداق يحتاجه علم الحقوق المدني في عصرنا بشدة لتطبيق الكليات على الفروع والمصاديق للأصول والقواعد. أهم فرع يُطرح في هذا المبحث هو شروط الوصي.

إذا كان وصي الموصي، بعد وفاته، واجدًا للشروط القانونية، وفي أثناء أداء واجباته، فقد بعض الشروط، مثل الأهلية (المادة ٨٥٦ من القانون المدني) أو الإسلام (المادة ١١٩٢ من القانون المدني)؛ مثلاً، أصبح سفيهًا أو مجنونًا أو كافرًا أو عاجزًا، فما هو التكليف؟ في حالة عجز الوصي، قيل إن الحاكم يضم إليه أمينًا (الطباطبائي، ١٤١٨ق، ج ٩، ص ٤٩٠). وفي القانون المدني، بوحدة الملاك من الفقرة الثانية من المادة ١١٨٤، يمكن الوصول إلى نفس الرأي؛ من حيث إن الولي القهري والوصي كلاهما يندرجان تحت عنوان الولي الخاص (المادة ١١٩٤ من القانون المدني)؛ ولكن إذا أصبح الوصي سفيهًا أو مجنونًا أو كافرًا، زالت ولايته بالكامل، وينصب الحاكم قيمًا، وإذا أصبح واجدًا للشروط مرة أخرى، اختلفوا فيما إذا كانت الوصاية تعود إليه أم لا؟ الرأي المشهور هو أن الوصاية لا تعود. (الطباطبائي، ١٤١٨ق، ج ٩، ص ٤٨٠ و ٤٨١؛ السبزواري، بي تا، ج ٢، ص ٦٦) وفي هذا الصدد، يصر صاحب الجواهر على أن الوصاية تعود بعودة الشرط. (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٢٨، ص ٤٣٣)

وقد تمسكت المجموعة المشهورة بأدلة من قبيل: بالنظر إلى مضمون قاعدة «الزائل العائد كالذي لم يعد» (الذاهب العائد كأنه لم يعد)، فإن الوصاية لا تعود. في المقابل، استندت المجموعة الأقل إلى قاعدة «الزائل العائد كالذي لم يزل» أو قاعدة «إذا زال المانع عاد الممنوع». وقد استند صاحب الجواهر إلى هذه القاعدة بهذه العبارة: «فإذا زال العارض عادت ولايته» (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٢٨، ص ٤٣٣).

كذلك، لا تعتبر المجموعة الأقل عروض العارض ورفع شرط الوصاية مبطلاً لأصل الوصية؛ بل يعتقدون أن غاية ما يمكن الجزم به هو أنه حين رفع الشرط، فإن تصرفات الوصي ليست صحيحة، ولكن هذا لا يدل على بطلان أصل الوصية. كما أن هذه المجموعة قاست المسألة على الولاية القهرية. فكما أن الولاية في ولاية الولي تعود بعد عودة الشرط؛ ففي الوصية أيضًا كذلك. وقد أُشكل على هذا القياس بأن الولي القهري منصوب من قبل المشرّع والوصي منصوب من قبل الموصي، والقياس مع الفارق. إن مقتضي ولاية الولي القهري يوجد بحكم القانون، أما الوصاية فتوجد بإرادة الموصي، ومن الممكن بعد عودة الشرط ألا يكون الموصي راضيًا بوصاية الوصي، وبهذا الشكل يزول أساس وصايته. إذن، بانتفاء الشرط، ليس من المعلوم وجود وصية عهدية بصورة مقتضٍ قانوني، أما المقتضي القانوني للولي فهو قائم. وبهذا الترتيب، يوجد شك أساسًا في اقتضاء المقتضي في الوصاية. فبعد سقوط الشرط وتوقف اقتضاء المقتضي، لا يمكن الحكم بحدوث المقتضى قهرًا بعد رفع المانع.

عندما لا يكون المقتضي محرزًا، وسبب عدم إحرازه هو فقدان اقتضائه في الحالة السابقة، فإن مجرد انعدام العارض وعودة الشرط لا يصلح لإعادة المقتضى. والقاعدتان «الزائل العائد كالذي لم يزل» أو «إذا زال المانع عاد الممنوع» ليس لهما أي سند أو مستند صحيح من العقل والنقل؛ بل إن الدليل العقلي يحكم بخلاف ذلك؛ لأن العقل ما لم يحرز المقتضي، لا يحكم أبدًا بإعادة المقتضى. في الواقع، إذا كان العارض مانعًا اصطلاحيًا، وزال هذا العارض بعد حدوثه، وأُحرز زواله أيضًا، فبزوال العارض، يزول المانع أيضًا، ويعود الممنوع (المقتضى)؛ أما إذا أزال العارض الشرط، فبانتفاء العارض، ليس من المعلوم أن المقتضي يعود مرة أخرى، بل إن إعادة المقتضي تحتاج إلى إثبات، وإثبات إعادة المقتضى محتاج إلى إثبات إعادة المقتضي. ودليل هذا الفرق بين المانع والشرط هو أن عدم المانع ليس له مدخلية في ثبوت المقتضي ليحتاج إلى إحراز، بل إن المانع يمنع ثبوت المقتضى، ووجوده منافٍ ومصادم ومضاد لوجود المقتضى. ولكن الشرط له مدخلية في ثبوت المقتضى، وانتفاؤه يؤدي إلى انتفاء المقتضي.

٢. الدوران بين فقدان الشرط ووجود المانع

لوجود المقتضى، يجب إحراز الشرط؛ لأن الشرط له مدخلية في ترتب المقتضى وهو من أجزاء المقتضي (الجزائري، ١٤١٥ق، ج ٧، ص ١٣١؛ البهبهاني، ١٤٠٥ق، ج ١، ص ٢٢). بالشك في الشرط، لا يمكن اعتبار المعلول الحقوقي حادثًا؛ لأنه مع وجود مثل هذا الشك، لم يتم إحراز المقتضي (المشكيني، ١٤١٣ق، ص ٢٠٦).

ولكن قد يحدث أحيانًا أن نعلم أن قيدًا ما هو جزء من أركان العلة التامة؛ لكننا نتردد فيما إذا كان هذا القيد شرطًا أم مانعًا؟ وهنا يحدث بحث الدوران بين الشرطية والمانعية. على سبيل المثال، نعلم أن بيع الأشياء التي تفتقر إلى المالية أو تفتقر إلى منفعة عقلائية مشروعة باطل. لكن ترددنا هو من جهة أننا لا نعلم هل عدم تأثير القصد في مثل هذه المعاملات ناشئ عن فقدان الشروط المتعلقة بمحل المعاملة أم ناشئ عن مانعية وضعها المشرّع. وقد رجّح أحد الحقوقيين الشرطية في هذا المصداق. ولكنه لا يرفض المانعية بالكلية ويبقى تردده. (الشهيدي، ١٣٨٥ق، ص ١٧٢)

يظهر أثر هذا الدوران في إيجاد أو عدم إيجاد الظاهرة الحقوقية. سنرى أن اختيار أي من جانبي هذا الدوران سيؤدي إلى نتيجة مختلفة. إذا اختيرت الشرطية، فبسبب عدم إحراز المقتضي، لن تجد تلك الظاهرة الحقوقية القدرة على الوجود في عالم الاعتبار، وإذا اختيرت المانعية، فالمقتضي محرز وسيكون الشك في المانع، وطبقًا لقاعدة المقتضي والمانع، ستحدث تلك الظاهرة الحقوقية.

وبهذا، سنطرح هذا البحث المهم والمفيد، الذي نادرًا ما تم الحديث عنه في حقوق إيران المدني، والذي لا يزال نطاقه وحدوده وزواياه المعقدة والمبهمة مجهولة في المجتمع الحقوقي، ضمن عدة بنود، ليتضح أسلوب البحث ويكون دليلًا على أبحاث أعمق.

١-٢. أثر الدوران بين الشرطية والمانعية ومسألة عدالة الولي، والشاهد، والوصي

من الناحية الإثباتية للحكم بتحقق المقتضى، فإن إحراز وجود الشرط ضروري أصولًا؛ بينما إحراز فقدان المانع ليس لازمًا، وللحكم بوقوع المقتضى، يكفي فقط عدم ثبوت وجود المانع (الآشتياني، ١٤٠٤ق، ج ٣، ص ٤٨؛ الإيرواني، ١٤٠٦ق، ج ١، ص ١٩٤؛ الجزائري، ١٤١٦ق، ج ٧، ص ٦٣٦؛ البهبهاني، ١٤٠٥ق، ج ١، ص ٢٠). لفهم المطالب بوضوح، نطبقه على العقد باعتباره أشمل ظاهرة حقوقية.

إذا وقع تردد في توافق قصد الطرفين في ماهية العقد أو الموالاة بين الإيجاب والقبول، وادعى شخص أن مقصوده كان ماهية أخرى غير ماهية مقصود الطرف الآخر، أو أن القبول تحقق بعد فترة طويلة وغير متعارف عليها من الإيجاب، وادعى الآخر أن مقصود الطرفين كان ماهية واحدة أو أن القبول صدر دون فاصل، بما أن التردد المذكور في الحقيقة هو تردد في وجود شرط تأثير القصد، فيجب اعتبار الشرط، وبالتالي وقوع العقد، منتفيًا؛ إلا إذا دل أصل الصحة في بعض الموارد على انعقاد العقد. وعلى العكس، إذا وقع تردد في وقوع خطأ من أحد الطرفين في ماهية المحل المعين للعقد، فبالنظر إلى أن التردد المذكور هو تردد في وجود مانع تأثير القصد، فطبقًا لقاعدة «المقتضي والمانع»، يجب الحكم بأن الخطأ لم يقع، وبالتالي تحقق العقد.

ولتوضيح أكثر، نضيف أن جريان أصل عدم شرط تأثير القصد والحكم ببطلان المعاملة يتعلق بالموارد التي يكون وجود الشرط فيها محل تردد، ولم تظهر الأوضاع والأحوال وجود الشرط. مثلاً، إذا قال شخص في مقام إنشاء عقد ناقل للملكية: أعطيك هذه السجادة مقابل مليون ريال، وقال المخاطب في نفس الموقف: قبلت. ثم ادعى القابل أن مقصود الموجب كان إنشاء بيع، ولكن مقصودي في إنشاء القبول كان عقد صلح، فإن هذا الادعاء، بالنظر إلى ظهور إنشاء الموجب في عقد البيع بناءً على العرف السائد، لا أثر له، ويجب الحكم بوقوع البيع.

نقطة أخرى هي أنه في جميع حالات التردد في وجود شرط تأثير القصد، لا يمكن بالاعتماد على أصل الصحة الحكم بوجود الشرط واعتبار المعاملة. لأن أصل الصحة يجري في حالة وقوع الإيجاب والقبول، وتحقق صورة من العقد عرفًا، ثم يقع التردد في صحتها واعتبارها القانوني لتلك الماهية العرفية، بينما مع الشك في تحقق بعض شروط تأثير القصد، مثل التردد في توافق الطرفين في ماهية العقد، ينتفي تحقق ماهية العقد عرفًا أيضًا. لأن عودة هذا التردد هي إلى التردد في أصل وقوع ماهية العقد عرفًا، ولا يمكن استنتاج الوقوع المذكور من أصل الصحة. يجب أن نضيف أنه إذا كان مورد من التردد في وجود شرط من شروط تأثير القصد مشمولًا لأصل الصحة، فإن هذا الأمر لا يضر بما ذكرناه حول التفكيك بين شرط ومانع تأثير القصد. لأن مورد البحث في التفكيك بين الشرط والمانع، هو بغض النظر عن شمول أو عدم شمول أصل الصحة، وبملاحظة المقتضى الأصلي للشرط والمانع. ولهذا السبب، في مورد التردد في وجود مانع تأثير القصد، فإن قاعدة «المقتضي والمانع» تجري قبل جريان أصل الصحة، وترشد إلى ثبوت المقتضى، أي صحة العقد.

لاستكمال هذا البحث، سندرس مصداقًا محل نزاع. البحث في شرط العدالة في بعض المواقع الحقوقية الخاصة؛ مثلًا القضاء، والشهادة في المحكمة، والشهادة على الطلاق، والولاية، والوصاية.

في مورد الولي، اعتبر البعض العدالة شرطًا. وقد نُسب هذا الرأي إلى السيد ابن زهرة. (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٢٦، ص ١٠٢) والبعض الآخر لا يعتبرون العدالة شرطًا للولي، بل يعتبرون الفسق مانعًا للولاية. (فخر المحققين، ١٣٨٧ق، ج ٢، ص ٦٢٨) ومجموعة أخرى لا يعتبرون العدالة شرطًا ولا الفسق مانعًا للولاية، ومع وجود الفسق أيضًا يحكمون باستمرار الولاية. وقد نُسب هذا الرأي إلى العلامة الحلي في «التذكرة». (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٢٦، ص ١٠٢) ويعتقد صاحب الجواهر أنه لا العدالة شرط للولاية ولا الفسق مانع لها، بل الإضرار بالولد من جهة الولي هو المانع من استمرار ولايته. (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٢٦، ص ١٠٢)

من الواضح أنه إذا كانت العدالة شرطًا، ففي مورد شخص يُشك في عدالته أو فسقه، لا يمكن الحكم بولايته. أما إذا كان الفسق مانعًا، ففي مثل هذا الشخص يوجد مقتضى الولاية، والفسق الذي هو مانع من استمرار الولاية غير محرز. وبهذا، بالاستناد إلى قاعدة «المقتضي والمانع»، يمكن الحكم بولايته. (فخر المحققين، ١٣٨٧ق، ج ٢، ص ٦٢٨)

في مورد الشاهد، اعتبر البعض الفسق مانعًا، ويعتقدون أنه في هذه الحالة إذا ترددنا في عدالة أو فسق الشاهد، قبلنا شهادته؛ لأن عدم إحراز المانع يكفي. (الشيخ الطوسي، ١٤٠٧ق، ج ٦، ص ٢١٧) واعتبر عدد أكبر العدالة شرطًا للشاهد، وردوا قول من كانت أحواله مجهولة من حيث العدالة والفسق، ولم يرتبوا أي أثر على أقواله. (السبزواري، ١٤١٣ق، ج ٢٧، ص ١٧٢-١٧٣؛ إسماعيل بور قمشه‌اي، ١٤٢١ق، ج ١، ص ٢٠٨)

من الواضح أن النظرية الأولى تستند في استدلالها إلى قاعدة «المقتضي والمانع»، وفي النظرية الثانية لا مجال لإعمال القاعدة.

وفيما يتعلق بمعيار العدالة، فإن آراء العلماء متشتتة، وتوجد أنواع من النظريات في هذا الباب. رأي بعض المحققين هو أن معيار تشخيص العدالة هو الإسلام مع عدم ظهور وبروز الفسق. (الشيخ الطوسي، ١٤٠٧ق، ج ٦، ص ٢١٧؛ الشيرازي، ١٤٢٦ق، ج ٣، ص ٢١٣) هذه النظرية منسجمة على أساس قاعدة «المقتضي والمانع». (روحاني، ١٤١٢ق، ج ٦، ص ٢٤٥-٢٤٦)

لقد اعتبروا الإسلام مقتضيًا لطاعة أوامر الله وترك نواهيه، والفسق مانعًا لذلك. والمانع أيضًا في حالة الشك، وبحكم قاعدة «المقتضي والمانع»، ما لم يُبرز ويُظهر ويُحرز، يترتب المقتضى على المقتضي وتُنجز عدالة الفرد.

كان القانون المدني قبل عام ١٣٧٠، في المادة ١٣١٣ وفي بيان شروط الشاهد، ينص على: «ألا يكون معروفًا بالفساد الأخلاقي»، مستخدمًا بوضوح نظرية المنع، ويعتبر الفساد الأخلاقي مانعًا من قبول الشهادة. في عام ١٣٧٠، عاد القانون إلى الرأي المشهور، واعتبر العدالة شرطًا، مستخدمًا نظرية الشرط. في التبصرة الأولى من هذه المادة، يتضح أثر اختيار كل من النظريتين ويقول: «يجب إحراز عدالة الشاهد للمحكمة بأحد الطرق الشرعية». لو كان الفسق مانعًا، لكان عدم إحرازه كافيًا؛ ولكن الآن بعد أن تغيرت النظرية من الأساس؛ فإن العدالة التي هي شرط للشهادة يجب إحرازها ليكتمل المقتضي لقبول مضمون الشهادة. المراد من الطرق الشرعية هو نفس معايير العدالة التي قلنا إن الأقوال فيها متعددة، ورأي بعض المحققين منسجم على أساس قاعدة المقتضي والمانع.

وفيما يتعلق بشرط العدالة في الوصي، طُرحت ثلاث نظريات عامة بين علماء الحقوق. ولكل من هذه النظريات الثلاث تفرعات مختلفة. النظرية الأولى تعتبر العدالة شرطًا للوصي. ولكن هناك نظرتان للعدالة في هذا المجال. يرى البعض العدالة شرطًا موضوعيًا، ويرى آخرون العدالة شرطًا طريقيًا. أولئك الذين ينظرون إلى العدالة كشرط طريقي يعتقدون أن شرط العدالة هنا هو مجرد طريق لإحراز وثاقة الوصي لأداء مضمون الوصية. لكي يثق الموصي بأن الوصي سيقوم بتنفيذ مضمون الوصية؛ يجب أن يثق بالوصي. وللوصول إلى هذه الثقة، طُرح شرط العدالة؛ وإلا فإن العدالة نفسها ليس لها دور في هذا المجال. وبهذا الترتيب، فإن العدالة ليست شرطًا كباقي الشروط. مثل العقل في الوصي، الذي بانتفاء الشرط، ينتفي المشروط أيضًا، وعلى حد قول الشيخ الأنصاري (ره): «بأدنى تأمل في بيانات الفقهاء يتضح أن العدالة شُرطت في الوصي لتكون طريقًا شرعيًا إلى الواقع؛ والحال أنه إذا أُحرز الواقع (بطريق آخر)، فإن انتفاء شرط العدالة لا يضر بالوصية». (الأنصاري، ١٤١٥ق، ص ١٢٦) المراد من الواقع في بيانات الشيخ هو وثاقة الوصي والثقة به لأداء مضمون الوصية. وقد أفرط المرحوم الشيخ إلى حد ما في هذه النظرية لدرجة أنه يعتبرها محل اتفاق وإجماع الفقهاء. وبغض النظر عنه، يميل عدد آخر من المحققين أيضًا إلى هذه النظرية. (الطباطبائي، ١٤١٨ق، ج ١٠، ص ٣١٤ و ٣١٥؛ الكركي العاملي، ١٤١٤ق، ج ١١، ص ٢٧٥)

أولئك الذين يعتبرون العدالة شرطًا موضوعيًا يعتقدون أن العدالة نفسها شرط في أعمال وأقوال الوصي، لا أنها طريق لإحراز وصف آخر. وبهذا الترتيب، فإن شرط العدالة كباقي الشروط، الذي بانتفائه، ينعدم المشروط أيضًا. الممثل البارز لهذه النظرية في الفقه هو صاحب الجواهر الذي بعد أن يستغرب من نظرية الشرط الطريقي، يكتب: «وليس بخافٍ عليك أن هذا الرأي (نظرية الشرط الطريقي) ينافي اشتراط العدالة في الوصي؛ لأن اشتراط العدالة في الوصي يأتي في سياق اشتراط العقل، الذي بفقدان الشرط، ينعدم المشروط أيضًا». (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٢٨، ص ٣٩٥)

يعتقد بعض المحققين، دون أن يطرحوا شرط العدالة حتى بصورة طريقية، أن شرط الوصي هو أن يعمل وفقًا لمضمون الوصية. (العلامة الحلي، ١٤٢٠ق، ج ١، ص ٣٠٣) كما يعتقد آخرون، دون أن يطرحوا العدالة حتى بصورة طريقية، أن شرط الوصي هو وثاقته وأمانته. هذه المجموعة، ضمن بيان هذا الرأي، تُخرج العدالة تمامًا من أوصاف الوصي. (الطباطبائي اليزدي، ١٤١٥ق، ص ٤٢٩ و ٤٣٠) في النظريتين الأخيرتين، تم التركيز على الواقع نفسه، وتُرك طريقه إلى يد العرف، بحيث يتم الوصية بأي طريق يُحصل به على الواقع، سواء حُصل على هذا الواقع عن طريق إحراز العدالة أو بطرق أخرى.

النظرية الثانية هي نظريات تفصيلية. توجد نظريتان تفصيليتان في هذا المجال. في النظرية الأولى التي ينسبها الشيخ الأنصاري إلى بعض الفقهاء؛ يتم التفصيل بين الوصية التي تتعلق بحقوق الغير، كالورثة أو الفقراء، والوصية التي لا تتعلق بحقوق غير الموصي. في الحالة الأولى، يعتبرون العدالة شرطًا للوصي، وفي الحالة الثانية لا يعتبرونها شرطًا. (الأنصاري، ١٤١٥ق، ص ١٢٢)

في النظرية الثانية، يُفرّق بين الوصية المالية والوصية غير المالية. في الأولى التي تتعلق بالموضوعات المالية؛ العدالة ليست شرطًا، وفي الثانية التي تتعلق بالموضوعات غير المالية، مثل كفن ودفن الموصي؛ العدالة شرط. ويحكي الشيخ الأنصاري هذه النظرية عن كتاب «المهذب» للقاضي ابن البراج، ويعتبرها هو نفسه أفضل النظريات. (الأنصاري، ١٤١٥ق، ص ١٢٣)

أما النظرية الثالثة فهي أن الفسق مانع. (الشهيد الثاني، ١٤١٣ق، ج ٦، ص ٢٤٢) ويطرح الشهيد الثاني، ضمن انتقاده لمن اعتبروا العدالة شرطًا في الوصي، أن المهم في الوصي هو أن يمكن الاعتماد عليه. لكن بعض الفقهاء قالوا إنه لكي يمكن الوثوق بشخص والاعتماد عليه، يجب أن تكون عدالته ثابتة. ولكن ما هي العلاقة والتلازم بين هاتين المقولتين؟ ما هي النسبة بين الوثاقة والعدالة؟ ثم يشرع في بيان هذا المطلب بأن هناك واسطة وفاصلاً بين من فسقه ظاهر وواضح ومن عدالته ظاهرة وواضحة. وهذه الواسطة هي من لم تتضح حالته من حيث العدالة والفسق، والغالبية العظمى من الناس كذلك. الفقهاء الذين يعتبرون العدالة شرطًا؛ لا يمكنهم إصدار إجازة وصية لمثل هذا الفرد؛ لأن عدالته لم تُحرز؛ والحال أنهم اعتبروا العدالة شرطًا للوصي. بينما الصحيح هو أن الإنسان ما لم يدخل في دائرة الفسق، يُصدّق قوله، وإذا اتهم أحد مثل هذا الشخص بالفسق، يجب تعزيره.

فيما يتعلق بالشخص مجهول الحال من حيث العدالة والفسق، قال البعض إنه إذا اعتبرنا الفسق مانعًا، فيجب إثبات انتفاء هذا المانع. (المحقق الحلي، ١٤٠٨ق، ج ٢، ص ٢٠١) هذه هي نفس النظرية التي اتُخذت أساسًا لرفض الفرق بين الشرط والمانع. ويُستدل بأنه لحدوث المقتضى، يجب إحراز عدم المانع أيضًا، تمامًا كالشرط الذي يجب إحرازه. وفي المسألة محل البحث، قال البعض كذلك. إذا كان فسق الوصي مانعًا من الوصاية، فما لم يُحرز عدم الفسق، فإن جعله وصيًا غير معتبر.

يشير الشيخ الأنصاري بنص صريح إلى هذا المطلب، ويعتبر إثبات عدم المانع ضروريًا أيضًا لحصول المقتضى. ولكن مع ذلك، فإنه يقبل قاعدة «المقتضي والمانع» أيضًا. وعباراته كالتالي: «فيما يتعلق بالفرق بين الشرط والمانع، التحقيق هو أن يقال: المانع من أجزاء العلة التامة، ومثل سائر أجزاء العلة التامة، يجب العلم بعدمه ليوجد؛ إلا أنه إذا كان المانع والشرط كلاهما أمرين وجوديين، فعند الشك في وجودهما، الأصل هو العدم، وبهذا الترتيب، حيثما يُشك في وجود الشرط، ينتفي المعلول والمقتضى. وحيثما يُشك في وجود المانع، يُثبت المعلول والمقتضى. لأن الأصل (أصل العدم) في حكم العلم وقائم مقامه». (الأنصاري، ١٤١٥ق، ص ١٢٨) بداية العبارة تعتبر عدم المانع كالشرط، وتجعل إحرازه ضروريًا لثبوت المقتضى. ولكن في الفقرة الثانية من العبارة، تعترف بقاعدة «المقتضي والمانع».

في الواقع، حيث يكون المانع مشكوكًا ومحتملًا، يتم إحراز عدم المانع بأصل العدم؛ بهذا التعليل أن الأصل بمنزلة العلم. وهذه هي نفس النتيجة التي يعتقد بها القائلون بقاعدة «المقتضي والمانع»، والشيخ أيضًا يقبل مضمون هذه القاعدة.

لكن طريقة مجموعة أخرى من الكبار ليست كذلك. فهؤلاء، بحق، يرون أثر الفرق بين الشرط والمانع في هذه القضية، حيث إن عدم المانع لا يحتاج إلى إحراز، والشرط لا بد من إثباته. وبهذا الترتيب، في المسألة محل البحث، حيث تكون حالة الشخص من حيث العدالة والفسق غير واضحة، يكتبون، مع احتساب أن الفسق مانع: «عندما لا تكون حالة الوصي واضحة من حيث العدالة أو الفسق، يمكن جعله وصيًا». (الطباطبائي اليزدي، ١٤١٥ق، ص ٤٢٩)

أدق نص علمي في هذا المجال يعود إلى الشهيد الثاني الذي يكتب: «وأما المحقق الحلي وآخرون فقد استدلوا على اشتراط العدالة في الوصي بأنه عندما يكون الفسق مانعًا، فيجب إثبات انتفاء ذلك المانع، وهذا هو نفسه اشتراط العدالة. هذا الاستدلال باطل؛ لأنه في المانع، ليس العلم بعدمه شرطًا للتأثير؛ بل يكفي عدم العلم بوجوده؛ كما أن شأن ومكانة المانع هي نفسها أن يكفي عدم العلم بوجوده في التأثير، لا أن يكون العلم بانتفاء المانع شرطًا». (الشهيد الثاني، ١٤١٣ق، ج ٦، ص ٢٤٢)

٢-٢. آراء حول أرجحية الشرط أو المانع

يدور البحث في هذا القسم حول هذا الموضوع، وهو في حالة الدوران بين الشرطية والمانعية، أيهما يتقدم ويرجح على الآخر. هل يجب تقديم الشرطية أم ترجيح جانب المانعية؟ في هذا الباب، النظريات متعددة، وفي الحالة العامة، تُرى خمس نظريات سيتم دراستها فيما يلي.

١-٢-٢. تقدم المانعية

نُسب إلى المشهور أنه في حالة الدوران، يقدمون المانعية، وقد استدلوا بأن في حالة الدوران بين الشرط والمانع، في الواقع لم يُشترط أي قيد، وإنما نُفيت فقط خصوصية الضد. (الشيرازي، ١٤١٣ق، ص ١٢٠) مثلًا، في هذه الدعوى، هل إسلام الوصي شرط أم كفره مانع (المادة ١١٩٢ من القانون المدني)، في الواقع لم يُشترط الإسلام، وإنما أُزيلت ونُفيت خصوصية الكفر من خصوصيات الأوصياء.

٢-٢-٢. تقدم الشرطية

هناك بعض المحققين، وعددهم ليس بالقليل، يقولون بالشرطية في هذا الدوران. ويعتبر الميرزا الشيرازي أن العلامة الحلي في «منتهى المطلب» هو من بدأ هذه النظرية، حيث صرح بتقدم الشرطية. ثم يعتبر ظهور عبارات «كشف اللثام» و«مفتاح الكرامة» في نفس هذه النظرية. (الشيرازي، ١٤١٣ق، ص ١٢١)

يعتقد أحد الفقهاء في بحث الدوران أنه يجب أولًا الرجوع إلى الدليل. إذا وجد في الأدلة العقلية أو النقلية في هذا المجال نص صريح أو ظاهر في الشرطية أو المانعية، نأخذ بمضمون الدليل. وإذا لم يوجد دليل في هذا المجال، مثل جميع الحالات الأخرى التي تفقد الدليل، تصل النوبة إلى الأصول العملية (الأصل دليل حيث لا دليل).

إذا كان مجرى أحد الأصول العملية، يُعمل بمضمون الأصل، وإذا لم يكن الأصل قادرًا على حل المسألة، يجب بناء الأمر على الشرطية. بالطبع، يجب الانتباه إلى أن الأمر العدمي لا يمكن أن يكون شرطًا أبدًا، حتى لو كان عدمًا مضافًا.

النقطة الجديرة بالاهتمام في بياناته هي أنه يوجد استثناء واحد بالنسبة لأصل الشرطية. أي في هذه الحالة، يجب بناء الأمر على المانعية، وبالصدفة، هذا الاستثناء الواحد يشمل غالبية المصاديق الحقوقية. ويعتقد في بيان الاستثناء أنه في مورد المعاملات التي يعتبرها العرف صحيحة، إذا طرأ دوران بين شرطية أو مانعية قيد ما، يجب بناء الأمر على المانعية، وهذا هو الاستثناء الوحيد على أصل الشرطية. وعلة هذا الاستثناء هي أنه بالشك في شرطية ذلك القيد، لا ينقص من اقتضاء العقد للصحة والتأثير؛ لأن مرجع هذا الشك يعود إلى ما إذا كان المشرّع قد فرض تضييقًا أو تقييدًا على دائرة سلطة الشخص على أمواله ومنعه من عمل يقتضي التسلط عليه القيام به أم لا؟ إذن، الشك في اشتراط القيد يعود إلى الشك في مانعية التسلط على الأشخاص، وعندما يكون مقتضى التسلط موجودًا والشك في وجود مانع في طريق تأثيره، تحكم قاعدة «المقتضي والمانع» بترتيب المقتضى على المقتضي. (البهبهاني، ١٤٠٥ق، ج ١، ص ٢٢)

٣-٢-٢. عدم التقدم

يعتقد بعض المحققين في بحث الدوران بين الشرطية والمانعية أنه لا يوجد أي دوران بينهما. والعلة هي أنه لا يوجد أي فرق أصلًا بين الشرط وعدم المانع. وبهذا الترتيب، فإن جزأي تعريف الشرط متلازمان مع جزأي تعريف عدم المانع. في الجزء الأول من تعريف الشرط، يجب أن يقال هكذا: الشرط هو ما ينتج عن عدمه عدم المقتضى. وفي مورد عدم المانع، نقول أيضًا: من عدم عدم المانع (أي وجود المانع)، ينتج عدم المقتضى. يُلاحظ أن عدم كل من الشرط وعدم المانع يؤدي إلى نتيجة واحدة، وهي عدم المقتضى. في الجزء الثاني من تعريف الشرط، يجب أن يقال هكذا: من وجود الشرط وحده، لا يلزم وجود المقتضى، لأنه من الممكن ألا تكون الأجزاء الأخرى من العلة التامة موجودة. وفي مورد عدم المانع، نقول أيضًا: إذا كان المانع معدومًا فقط، لا نقول إن المقتضى لازم، لنفس السبب الذي ذُكر في مورد الشرط. إذن، مجرد وجود الشرط وعدم وجود المانع يؤدي إلى نتيجة واحدة، وهي عدم الثبوت الحتمي للمقتضى. مع هذا، لماذا لا يمكننا أن نقول إن الشرط وعدم المانع متساويان، وأنه لا يوجد بينهما تباين أصلًا ليحدث حالة دوران بينهما. (التبريزي، ١٣٦٩ق، ص ٥٦٧)

من الضروري هنا أن نوضح الفرق المبدئي بين الشرط وعدم المانع ليتضح إشكال هذه النظرية. ولهذا الغرض، سنبين المطلب بذكر مصداق وبحث حوله.

عُقد عقد في الخارج يحتمل الصحة والفساد. وينشأ هذا الاحتمال من أن العقد متردد بين الاتصاف بوصفين. إذا اتصف بأحد الوصفين، كان صحيحًا، وإذا اتصف بالوصف الآخر، كان باطلًا. مثل بيع متردد بين أن يكون البائع بالغًا حين انعقاد البيع ليكون العقد صحيحًا، أو أن يكون صغيرًا ليكون العقد باطلًا (المادة ١٢٠٧ من القانون المدني). شخص يصاب بالجنون الدوري، يعقد إجارة، ونحن مترددون بين أنه عقد العقد حين الإفاقة ليكون صحيحًا، أو حين الجنون ليكون باطلًا (المادة ١٢١٣ من القانون المدني). بيعت سلعة، وفي نفس الوقت، أعلن القانون منع بيع وشراء تلك السلعة. نحن مترددون هل عُقد البيع قبل صدور القانون ليكون صحيحًا أم بعده ليكون باطلًا (المادة ٣٤٨ من القانون المدني). الآن، في هذه الموارد، هل الاستناد إلى أصل الصحة لتصحيح العقود ممكن أم لا؟

يعتقد بعض المحققين أن أصل الصحة يختص بالموارد التي يكون للعقد فيها قابلية ذاتية للاتصاف بوصف الصحة، ويكون العقد ذا هذه القابلية عندما تكتمل جميع أركانه؛ سواء الشروط المتعلقة بالمتعاقدين والعوضين وجميع شروط الصحة المتعلقة بالعقد. بعد تجمع جميع شروط الصحة، إذا شككنا فيما إذا كان شرط مفسد للعقد قد اشترط ضمن العقد أم لا، نرجع إلى أصل الصحة. ينقل الشيخ الأنصاري عن قول المحقق الثاني أنه يكتب في باب الإجارة: «لا شك أنه عندما يتفق النظر على حصول جميع الأمور التي هي شرط للصحة في العقد؛ سواء الإيجاب والقبول وأهلية الطرفين والعوضين، ثم يقع اختلاف بين المتعاقدين حول ما إذا كان شرط مبطل للعقد قد اشترط ضمن العقد أم لا؟ يُقدم قول مدعي صحة العقد مع يمينه؛ لأن قوله موافق لأصل الصحة، ولأن الأصل هو أن مثل هذا الشرط المبطل لم يُشترط ضمن العقد، والأصل في فعل المسلم الصحة. أما إذا وقع الاختلاف بين المتعاقدين في الأمور التي هي شرط لصحة العقد، فلا ثمرة للاستناد إلى أصل الصحة». (الأنصاري، بي تا، ج ٢، ص ٧٢٣)

ويمكن تلخيص مستند ودليل هذه النظرية في علتين:

العلة الأولى هي أن مبنى قاعدة حمل فعل المسلم على الصحة هو قاعدة «المقتضي والمانع». هنا، بما أنه يوجد تردد في الموارد التي لها مدخلية في أركان العقد؛ لا يمكن اعتبار المقتضى حادثًا؛ لأن إجراء قاعدة «المقتضي والمانع» منحصر في الموضع الذي يكون الشك فيه في المانع، مثل الشك في اشتراط شرط مبطل، لا في الموضع الذي يوجد فيه تردد في أصل المقتضي. (التبريزي، ١٣٦٩ق، ص ٥٦٦-٥٦٧)

أما العلة الثانية، فهي الفرق الجذري بين الشرط وعدم المانع. في البداية، نقدم هذا الفرق بصورة نظرية، ثم نطبقه على المسألة محل البحث ليتضح المطلب بالكامل. عندما يقيد المشرّع موضوعًا بشروط، ثم يرتب حكمًا على هذا الموضوع، ويضع موانع في طريق ترتب الحكم على هذا الموضوع، قد تحدث حالتان. الحالة الأولى هي أنه إذا لم يكن الموضوع متلبسًا بأحد تلك الشروط التي وضعها المشرّع كقيد في ذلك الموضوع، ففي هذه الحالة، يخرج هذا الموضوع من دليل الحكم خروجًا موضوعيًا وتخصصيًا. الحالة الثانية هي أنه إذا حضر ذلك الموضوع مع جميع الشروط التي أراد المشرّع أن تكون قيدًا له، ولكن حدث مانع في طريق ترتب الحكم على هذا الموضوع، فإن هذا الموضوع يخرج من دليل الحكم خروجًا حكميًا وتخصيصيًا.

وأثر الفرق بين هاتين الحالتين هو أنه إذا وجد تردد في تلبس الموضوع بشرط هو قيد لذلك الموضوع، فلا يمكن التمسك بعموم أو إطلاق الحكم؛ لأن التمسك بالعموم أو الإطلاق فرع على وجود الموضوع بجميع أجزائه وشروطه، والحال أن تقييد الموضوع بأحد الشروط القانونية محل شبهة وتردد. أما إذا وقع التردد في فقدان المانع، فيمكن التمسك بعموم أو إطلاق الحكم؛ لأن عدم المانع ليس له مدخلية في تكوين الموضوع، بل إن المانع يمنع فقط ترتب الحكم على الموضوع. ولهذا السبب، عندما يكون حدوث الموضوع بجميع أجزائه وشروطه قطعيًا، ويُشك في وجود المانع، يكون التمسك بعموم وإطلاق الحكم مجازًا. الآن، ننتقل إلى تطبيق هذا الفرق المبدئي بين الشرط وعدم المانع على مسألتنا محل البحث ليتضح بجلاء فائدة علم الأصول في علم الحقوق المدني.

عندما يعتبر المشرّع شروطًا لصحة البيع، يكون موضوع البيع مقيدًا بتلك الشروط. فالعقد الذي يُحمل على حكم صحة البيع هو عقد جامع لجميع شروط الصحة، والعقد الذي لا يجمع هذه الشروط يخرج موضوعًا من حكم الصحة، لا حكمًا. مقتضى جميع الأدلة التي تدل على صحة العقود، سواء «أحل الله البيع» (البقرة/٢٧٥) و«المؤمنون عند شروطهم» (الحر العاملي، ١٤٠٩ق، ج ٢١، ص ٢٨٦) و«أوفوا بالعقود» (المائدة/١) و«تجارة عن تراض» (النساء/١٩)، هو أن تشمل عقدًا يكون جامعًا لجميع شروط الصحة، سواء وُجد مانع في طريق ترتب حكم الصحة أم لم يوجد. مقتضى جميع الأدلة التي تدل على عدم ترتب الأثر على عقد يواجه مانعًا (مثل المواد ١٩٩، ٢٠٠، ٢٠١، ٢١٧، ٢١٨ و٢١٨ مكرر من القانون المدني) هو أن هذه العقود تخرج من حكم صحة العقد، لا من موضوع العقد. ولهذا السبب، نقول إن خروج عقد فاقد لأحد شروط الصحة من أدلة صحة العقود هو خروج موضوعي. وخروج عقد واجد لأحد موانع الصحة من أدلة صحة العقود هو خروج حكمي. وعلة هذا المطلب هي أن الشروط من أجزاء المقتضي، واقتضاء العقد للصحة منوط بأن يكتمل المقتضي الذي هو أعم من الأسباب والشروط، ولهذا السبب، لا يثبت حكم الصحة إلا على عقد جامع للشروط، وموضوع حكم الصحة هو فقط عقد متشكل من جميع الشروط. بخلاف الموانع التي هي مانعة من ترتب الحكم والأثر، بعد أن يكون للعقد صلاحية التأثير. من الواضح أن هذا المعنى من الموانع لا يتلازم مع كون عدم المانع شرطًا في موضوع الحكم. لأنه طبقًا لما قيل، وجود الشرط مأخوذ في مفهوم الموضوع، والحال أن عدم المانع غير مأخوذ في مفهوم الموضوع.

إذن، من الضروري التفصيل بين شروط وموانع العقد. إذا كان الشك في صحة العقد ناشئًا عن الشك في وجود أو عدم وجود شرط ما، فلا يمكن الرجوع إلى عمومات وإطلاقات صحة العقود؛ لأن الرجوع إلى العموم والإطلاق مفيد عندما يكون الموضوع محرزًا. بخلاف الموضع الذي يكون شكنا في صحة العقد ناشئًا عن الشك في وجود أو عدم وجود مانع، حيث يمكن هنا التمسك بعمومات وإطلاقات أدلة صحة العقود؛ لأنه لدفع احتمال المانع، تؤدي قاعدة «المقتضي والمانع» دورها. (التبريزي، ١٣٦٩ش، ص ٥٦٧؛ الشوشتري، بي تا، ص ١٣٤؛ العاملي، ١٤١٩ق، ج ١٢، ص ٦٧٦؛ الجزائري، ١٤١٦ق، ج ٥، ص ٢٥٣)

لقد ذُكر هذا البحث باستيفاء ليُمنع الخلط بين الشرط وعدم المانع، ويُسد باب نظرية عدم الدوران بين الشرطية والمانعية.

٤-٢-٢. التوقف

يطرح بعض المحققين في بحث الدوران بين الشرطية والمانعية أنه مع وجود تباين وتغاير بين الشرط وعدم المانع؛ لا يوجد طريق لتمييز أحدهما عن الآخر. الفرق بين هذه النظرية والنظرية السابقة واضح. في النظرية السابقة، لم يكن هناك فرق أصلًا بين الشرط وعدم المانع، ولكن في هذه النظرية، يوجد فرق بينهما، ولكن يرون الطرق مغلقة أمام فهم الفرق وتمييز الشرط عن المانع.

المثال المعروف الذي حكاه صاحب كتاب «الفوائد العلية» عن قول المحقق الخوئي هو أنه كما يمكن أن يكون الفسخ مانعًا من دوام واستمرار سببية العقد؛ يمكن أن يكون عدم الفسخ شرطًا لدوام واستمرار سببية العقد. ولا يوجد أي دليل لتقوية أحد جانبي الاحتمال. إذن، يجب التوقف وعدم ترجيح أي من طرفي الاحتمال. (البهبهاني، ١٤٠٥ق، ج ١، ص ٩)

بهذه النظرية، تُتجاهل جميع الفوائد العملية لنظرية المقتضي، والشرط، والمانع، والسبب، وتفقد هذه النظرية القويمة أثرها بالكامل. فما الفائدة إذا كانت الشرط والمانع والسبب متمايزة ولكن لا يمكن تمييزها عن بعضها البعض؟

الإشكال المهم الذي يرد على هذه النظرية هو أن إنشاء الفسخ منوط بأن يكون للعقد مقتضى الدوام والاستمرار في السببية؛ وإلا فإذا كان العقد فاقدًا لمثل هذا الاقتضاء، فما الحاجة إلى الفسخ، ومن هنا خصصوا الفسخ بالعقود اللازمة التي لها اقتضاء الدوام والاستمرار في السببية (المادة ٤٥٦ من القانون المدني). على سبيل المثال، إذا لم تُذكر المدة صراحة في عقد الإجارة، وكانت الأجرة من قرار يوم أو شهر أو سنة بمبلغ معين؛ فإن الإجارة صحيحة ليوم أو شهر أو سنة واحدة…» (المادة ٥٠١ من القانون المدني). الآن، بعد انتهاء هذه المدة، إذا أراد المؤجر أن «يفسخ التراضي الحاصل»، فهل يستخدم أحد كلمة الفسخ هنا لرجوع المؤجر؟ من الواضح أنه بعد هذه المدة، لا يقتضي عقد الإجارة الدوام والاستمرار في السببية، ولهذا السبب لا تُستخدم كلمة الفسخ؛ لأن «عقد الإجارة ينتهي بمجرد انقضاء المدة…» (المادة ٤٩٤ من القانون المدني). إن استعمال كلمة الفسخ منوط بكشف اقتضاء الدوام في العقد، والآن إذا كان تمييز المقتضي عن المانع غير ممكن، فكيف وبأي طريق يُكشف عن اقتضاء الدوام؟ (البهبهاني، ١٤٠٥ق، ج ١، ص ١١) سؤال عجز القائلون بنظرية عدم التمييز عن حله.

٥-٢-٢. عدم الإطلاق

في هذه النظرية التي جذبت إليها بعض المحققين، على عكس النظريتين الأوليين اللتين تحدثتا بالإطلاق وأسستا لأصل، تم تجنب الإطلاق، وتُرك تأسيس الأصل. وبدلًا من ذلك، تم بيان ملاكات تمييز الشرط عن المانع. نتذكر أن النظرية الأولى في حالة الدوران بين الشرطية والمانعية، رجّحت المانع مطلقًا وأسست لأصل المانعية. وفي النظرية الثانية أيضًا، بالإطلاق، رجّحت الشرط وأقامت أساس أصل الشرطية. أما في النظرية الخامسة، فقد تم التخلي عن الإطلاق، ووُضع الأصلان المذكوران جانبًا، وتم بيان ملاكات الشرط والمانع. يُقال ما هي ملاكات تشخيص الشرط، وما هي ملاكات تمييز المانع، والتي سيُشار في المبحث التالي إلى ستة ملاكات. (التبريزي، ١٣٦٩ش، ص ٥٦٨)

٣-٢. ملاكات تمييز الشرط والمانع

١-٣-٢. مذاق الشريعة أو القانون (روح القانون، مقاصد وأغراض وأهداف الشارع أو المشرّع)

على سبيل المثال، يمكن استنباط من مذاق الشريعة أن الشارع يعتبر البلوغ والعقل والرشد ومعلومية العوضين والملكية على العوضين شرطًا لصحة البيع؛ بل يعتبر كل ما يدخل في أركان البيع شرطًا لصحته. كما يمكن استنباط من مذاق الشريعة أن الجهة غير المشروعة وجميع الشروط المفسدة للعقد من قبيل المانع، مثل اشتراط صنع الخمر من العنب ضمن عقد البيع.

٢-٣-٢. ظاهر أو نص الأدلة اللفظية الشرعية أو القانونية

أحيانًا ينص الشارع أو المشرّع على أن قيدًا معينًا هو شرط أو أن قيدًا معينًا هو مانع. على سبيل المثال، اعتُبر إبراز القصد في المادة ١٩١ من القانون المدني شرطًا لصحة العقد، واعتُبرت حياة الوارث حين موت المورث في المادة ٨٧٥ من القانون المدني شرطًا لصحة الوراثة، واعتُبر التوالي العرفي للإيجاب والقبول في المادة ١٠٦٥ من القانون المدني شرطًا لصحة العقد، وذُكر تعيين الموضوع في المادة ١٠٦٧ من القانون المدني شرطًا لصحة العقد. كما اعتُبر القتل في المادة ٨٨٠ من القانون المدني مانعًا من الإرث. في المواد المذكورة، كان نص العبارات يدل على الشرطية أو المانعية. أما في المادتين ٢٠٠ و٢٠١ من القانون المدني، فإن ظاهر العبارات يدل على مانعية الخطأ، لا شرطية عدم الخطأ. في هذه المواد، ظهور العبارات يدل على المانعية، لا نصها.

٣-٣-٢. ظاهر الإلزام والامتناع (الأمر والنهي)

عندما يأمر الشارع أو المشرّع بأسلوب إلزامي بإتيان قيد في موضوع آخر، ففي غالب الأحيان، يُؤخذ ذلك القيد في ذلك الموضوع كشرط؛ وعندما ينهى بأسلوب مانع عن إتيان قيد في موضوع آخر، ففي أغلب الأحيان، يكون ذلك القيد مانعًا من ترتب الحكم على ذلك الموضوع.

على سبيل المثال، في المادة ١٠٧٩ من القانون المدني، يأمر المشرّع بأسلوب توجيهي وإلزامي بأن يكون وصف المعلومية في المهر. يأمر بقيد المعلومية في موضوع المهر بأسلوب إلزامي، وهذا علامة على تمييز الشرط. أي أن المشرّع بهذا اللحن من البيان يشير إلى أن المعلومية شرط لصحة المهر. أو في المادة ٢١٥ من القانون المدني، يأمر المشرّع بنفس اللحن الآمر بأن يُؤخذ وصف المالية والمنفعة العقلائية المشروعة في محل المعاملة. يأمر بقيد المالية والمنفعة العقلائية المشروعة في موضوع المعاملة بأسلوب إلزامي، وهذا علامة على تمييز الشرط. أي أن المشرّع بهذا اللحن من البيان يشير إلى أن المالية والمنفعة العقلائية المشروعة شرط لصحة العقد.

أما في المادة ١٠٤٥ من القانون المدني، فإن المشرّع بأسلوب توجيهي ينهى الجميع عن النكاح مع المحارم، ويمنع من النكاح مع المحارم. لا ينبغي أن يكون وصف المحرمية في النكاح. ينهى عن إتيان قيد المحرمية في النكاح بأسلوب امتناعي، وهذا علامة على تمييز المانع. أي أن المشرّع بهذا اللحن من البيان يشير إلى أن المحرمية مانع من صحة عقد النكاح. أو في المادتين ٦١٧ و٦١٨ من القانون المدني، فإن المشرّع بلحن توجيهي وبأسلوب امتناعي يمنع المستودع من التصرف غير المرتبط بجهة الحفظ، وينهاه عن هذا العمل، وهذا علامة على تمييز المانع. أي أن المشرّع بهذا اللحن من البيان يشير إلى أن التصرف غير المرتبط بجهة الحفظ مانع من كون يد المستودع أمانة.

هذه العلامة تُستعمل بكثرة في خطابات الشارع والمشرّع؛ لكن النقطة المهمة التي يجب ذكرها هنا هي أن هذه العلامة علامة غالبية. قلنا في أغلب الأحيان، الأمر الإلزامي بإتيان قيد في موضوع يدل على الشرطية، والنهي المانع من إتيان قيد في موضوع يدل على المانعية. لكن من الممكن في موضع ما أن تتحقق الشرطية بطريقة النهي، والمانعية بطريقة الأمر. على سبيل المثال، النبوي المشهور «لا تبع ما ليس لك بملك» ينهى عن بيع ما ليس البائع مالكًا للمبيع. أسلوب البيان هو النهي، والحال أن الملكية شرط للصحة. ذكرنا هذه النقطة لأن ظاهر عبارات بعض العلماء يدل على أنهم اعتبروا هذا الملاك في كل الفقه وبأسلوب قطعي وبدون استثناء، ملاك تمييز الشرط عن المانع، والحال أن هذه العلامة علامة أغلبية، لا استغراقية.

٤-٣-٢. الأصول والقواعد الفقهية والحقوقية

طريق وملاك آخر لاقتراح تشخيص الشرط عن المانع هو الانتباه إلى الأصول والقواعد الحقوقية. (المادة ٣ من قانون أصول المحاكمات المدنية) على سبيل المثال، قاعدة «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» تدل على أن القرابة الرضاعية في حكم القرابة النسبية، وبما أن القرابة النسبية مانع من صحة النكاح، فإن القرابة الرضاعية أيضًا مانع من صحة النكاح. أو قاعدة «الاستئمان» تدل على أن يد المستودع ومن في حكمه أمانة، مثل الدلال والمرتهن والشريك وعامل المضاربة والمستعير وعامل المزارعة والمساقاة والمستأجر والوكيل وواجد المال المفقود والمدين، إذا امتنع الدائن عن استلام الدين وكان استلام الدين من الحاكم غير ممكن. تلف المال تحت تصرفهم، إذا وقع دون تعدٍ وتفريط منهم، فلن يترتب عليهم ضمان. (المراغي، ١٤٢٩ق، ج ٢، ص ٤٨٢) وبهذا الشكل، فإن الاستئمان مانع من كون يد الأمين ضامنة. لأن إعمال اليد على مال الغير، بحكم قاعدة «على اليد»، مقتضٍ للضمان. (المراغي، ١٤٢٩ق، ج ٢، ص ٤١٦) وبهذا الترتيب، فإن قواعد الإذن والإحسان أيضًا مانعة من كون يد المأذون والمحسن ضامنة. (المراغي، ١٤٢٩ق، ج ٢، ص ٤٧٤ و ٥٠٦) وبهذا الترتيب، يُمنع تأثير المقتضي، وهو إعمال اليد، في المقتضى، وهو الضمان.

٥-٣-٢. الأنس والألفة الذهنية (الشعور الفقهي أو الحقوقي)

الدراسة في علوم الفقه والحقوق تجعل مسائل مأنوسة ومألوفة لذهن الدارس؛ مسائل تترسخ في ذهنه بعد دراسة دورة كاملة. على سبيل المثال، لا يُشاهد في أي نص قانوني أو روائي أن الطلاق البائن خلاف المقتضيات الطبيعية للطلاق. في أي من هذه النصوص لم يُصرح بأن اقتضاء الطلاق هو في كونه رجعيًا. بل إن المادة ١١٤٣ من القانون المدني، كالسيرة الفقهية المتبعة، تجعل الطلاق البائن في عرض الطلاق الرجعي وقسيمه، وفي بادئ الأمر، تلقي في الذهن أن الطلاق ليس له اقتضاء خاص، أو أن له اقتضاء كونه رجعيًا واقتضاء كونه بائنًا. ولكن بعد تعلم علم الفقه والحقوق ودراسة مدققة لجميع الفروع والأجزاء، يزول هذا الإلقاء الأولي من الذهن ويتحول إلى أصل الرجعية. لقد اعتاد ذهن الحقوقيين على هذا المطلب، وهو أن الطلاق مقتضٍ للرجعية، وأسباب البينونة موانع لذلك. إن ألفتهم الذهنية تميل إلى هذا الاتجاه، حيث يُعتبر الأسلوب الطبيعي والمقتضى المتعارف للطلاق مبنيًا على الرجعية، ومصاديق مثل الخلع والمباراة مانعة في طريق هذا المقتضى (المادة ١١٤٥ من القانون المدني).

مع ذلك، فإن التأكيد المفرط على الأنس الذهني سيبعد علم الفقه والحقوق عن منطقه الاستدلالي. الأنس الذهني مقبول إلى الحد الذي لا توجد فيه أي شبهة؛ أما إذا أراد أن يأخذ طابعًا ادعائيًا ويحل محل الاستدلالات الحقوقية، فهو غير معتبر قطعًا. منطق الفقه والحقوق يركز على الأدلة الخاصة به، لا على مرتكزات وتأليفات أذهان الفقهاء والحقوقيين.

٦-٣-٢. النظم والانسجام المنطقي الحاكم بين الموضوعات المرتبطة (تناسب وتجانس الحكم والموضوع – قياس الفحوى والأولوية – قياس منصوص العلة – تنقيح المناط – تحقيق المناط – إلغاء الخصوصية)

في علم الفقه والحقوق، في العلاقات بين الموضوعات المرتبطة، يجب عادة أن يحكم نظام منطقي. ترتبط المصاديق المتفرقة بخيط؛ خيط مبرم ومستحكم يؤدي إلى ربط المسائل المتفرقة ويستقر بينها حكم النظام. لقد سرّوا حكم عدم نفوذ العقد الفضولي بهذا الأسلوب إلى عقد الإكراه؛ لأنه في كليهما لم يوجد عنصر رضا المالك. كما أن أسباب الضمان القهري مثل الإتلاف والتسبيب والاستيفاء والغصب بهذا الأسلوب وُضعت تحت أحكام متحدة نسبيًا.

على سبيل المثال، في أي نص من نصوص القانون المدني، لم تُعرف معاملات الصغير المميّز بأنها غير نافذة. المواد ٢١٠ وما بعدها من القانون المدني والمواد ١٢٠٧ و١٢١٠ و١٢١٢، أي منها ليس فقط لا تصرح بحكم عدم نفوذ معاملات الصغير المميّز، بل حتى لا يظهر منها أي ظهور في هذا الحكم، وأحيانًا تظهر عبارات القانون في بطلان هذه المعاملات (المادة ٢١٢ من القانون المدني). هذا الحقوقي هو الذي بناءً على النظام المنطقي الحاكم على العلاقات بين الموضوعات المرتبطة، يصل إلى تقييم وقرار نهائي. يدرس القوة العاقلة للسفيه ويضعها إلى جانب القوة العاقلة للصغير المميّز. من قياس هاتين القوتين العقليتين، لا يلاحظ فرقًا بينهما إلا القليل. ويدقق أيضًا في فلسفة حجر السفيه والصغير المميّز. يرى في كليهما رائحة حماية المحجور، لا إلغاء عباراتهم. يرى أن علة الحجر ليست بطلان كلماتهم وعباراتهم، بل حمايتهم.

باعتبار جميع هذه الأمور، يعتبر الحكم الموجود على معاملات السفيه ساريًا على معاملات الصغير المميّز أيضًا (المادة ١٢١٤ من القانون المدني). وبما أنه في معاملات السفيه، تصرفه المستقل مانع، وهذا المانع يمكن أن يزول بإذن الولي، ففي معاملات الصغير المميّز أيضًا، يساق إلى نفس الحكم، ويعتبر تصرفات الصغير المستقلة مانعة من صحة معاملاته. (الأردبيلي، ١٤٠٣ق، ج ٨، ص ١٥١-١٥٢)

كملاك سابق، لا يمكن في هذا الملاك أيضًا تجاوز حد الاعتدال وإعطاء قيمة للظنون غير المعتبرة. لا ينبغي أن يسبب الشوق إلى تنظيم العلاقات بين الموضوعات المرتبطة استعمال قياسات غير صحيحة، حيث يثبت الرجوع إلى أصول الفقه الإمامية أنه لا يوجد دليل بحجم القياس غير الصحيح، موردًا للنهي والزجر. بهذا الملاك، يجب التعامل بحذر لئلا نتجاوز دائرة العلم، ويكون كشف ملاك الشرطية والمانعية ذريعة لحجية الظن غير المعتبر.

٣. الدوران بين الشرط والسبب

الشرط والسبب كلاهما من أجزاء المقتضي. إذن، لإثبات حدوث المقتضى والمعلول الحقوقي، يجب إثبات وإحراز كليهما. قد يحدث أحيانًا أن ينشأ تردد في شرطية أو سببية جزء ما. على سبيل المثال، في العقود العينية الإحسانية، مثل الهبة والوقف، يطرح هذا السؤال والتردد، هل قبض محل العقد جزء من سبب نقل الملك أم أن الإيجاب والقبول نفسهما ناقلان للملك، والقبض شرط لتأثير السبب؟ في المادتين ٥٩ و٧٩٨ من القانون المدني، ذُكرت جزئية القبض في عقدي الوقف والهبة، ولكن لم يُحدد هل هذه الجزئية على سبيل السببية أم الشرطية.

اعتبر البعض القبض في الهبة جزءًا من السبب؛ أي أنهم يعتبرونه ركنًا كالإيجاب والقبول. (العلامة الحلي، ١٤١٣ق، ج ٢، ص ٤٠٦)؛ والبعض الآخر يرون أن القبض شرط لترتب الأثر على الإيجاب والقبول. (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٢٨، ص ١٦٣) وفي التعليل على هذا الرأي، قيل إنه بمجرد تمام الإيجاب والقبول، يصدق عليه اسم العقد، دون فرق بين مختلف أنواع العقود. إذن، العقد يتم بالإيجاب والقبول ولا حاجة إلى ركن آخر. وبالتالي، يجب اعتبار ما سوى الإيجاب والقبول شرطًا لترتب الأثر (شرط تأثير السبب)، إذا وجد دليل على قبول ما سواه.

أحيانًا تخترق الشبهة بين الشرطية أو السببية القانون المدني أيضًا وتخلط على المشرّع. والمثال البارز على ذلك هو المادتان ١٩٠ و١٩١ من القانون المدني، حيث في الأولى يعتبر القصد في عرض الرضا من شروط العقد، وفي الثانية يعتبر القصد وحده سبب العقد. كما أنه في عنوان المادة ١٠٦٢ تحدث عن شروط صحة النكاح، ثم في نفس المادة ١٠٦٢، أدخل الإيجاب والقبول، اللذين هما باتفاق الآراء جزء من الأركان، ضمن الشروط.

نتيجة البحث

تتكون الظواهر والمؤسسات الفقهية والحقوقية في طبقاتها الداخلية من علل وأسباب. تسمى علل وأسباب هذه الظواهر، التي هي منشأ حدوث هذه الظواهر والمؤسسات، أجزاء العلة التامة. في الحالة العامة، تُقسم علل وأسباب التكوين إلى ثلاثة أجزاء، وهي: السبب، والشرط، وعدم المانع.

لكل جزء من أجزاء العلة التامة دور وكفاءة خاصة في إنتاج وإحداث الظاهرة الفقهية والحقوقية. تأثير كل جزء من الأجزاء يختلف عن الجزء الآخر؛ من هنا، فإن تشخيص أي ركن ينتمي إلى أي من الأجزاء الثلاثة له أهمية بالغة. الخطأ في هذا التشخيص يؤدي إلى اعتبار الظاهرة الموجودة غير موجودة، أو اعتبار الظاهرة غير الموجودة موجودة. من هنا، فإن السعي لتشخيص وتمييز هذه الأركان الثلاثة من العلة التامة للظواهر الفقهية والحقوقية له أهمية كبيرة.

إن الرجوع إلى الأدلة الشرعية والقانونية لكل ظاهرة ومؤسسة فقهية وحقوقية، والتدقيق فيها، يمكن أن يؤدي في كثير من الحالات والمصاديق إلى هذا التشخيص والتمييز. الكلام في الموضع الذي يحدث فيه تردد وتعارض في الأنظار والآراء في تشخيص ماهية بعض العلل والأجزاء؛ بحيث يصبح جزء ما مترددًا بين جزأين. وبما أن نوع المدخلية والتأثير لكل جزء من أجزاء العلة التامة يختلف عن الجزء الآخر، فإننا نحتاج إلى إدارة حالات التردد والدوران بين جزأين لنصل من خلال التشخيص الصحيح إلى نتيجة صحيحة من حيث حدوث أو عدم حدوث الظاهرة أو المؤسسة الفقهية والحقوقية.

في المقالة التي تم استعراضها، أُشير إلى ثلاث حالات دوران وبُحثت:

  1. الدوران بين عدم وجود المقتضي ووجود المانع؛
  2. الدوران بين فقدان الشرط ووجود المانع؛
  3. الدوران بين السبب والشرط.

في الدوران الأول، أي الدوران بين عدم وجود المقتضي ووجود المانع، لا يوجد قيد في الظاهرة والمؤسسة الفقهية والحقوقية، حيث التردد في أن القيد المذكور له دور المقتضي في تلك الظاهرة، أم له دور المانع في تلك الظاهرة؟ مثلًا، البلوغ قيد لحدوث العمل الحقوقي، سواء كان عقدًا أو إيقاعًا. التردد في أن البلوغ هو مقتضى حدوث العمل الحقوقي، أم أن الصغر مانع من الحدوث. إذا اعتبرنا البلوغ مقتضيًا، فإن الإذن اللاحق للولي لا يمكن أن يصحح العمل، وإذا اعتبرنا الصغر مانعًا، فإن الإذن اللاحق للولي يمكن أن يصحح العمل. مثال آخر هو أنه بعد عزل الولي أو الوصي الفاسق من منصب الولاية والوصاية، في عودة وصف العدالة أو بقاء الفسق، يقع التردد. هنا يقع التردد في ما إذا كان مقتضي الولاية والوصاية قد أُنشئ، أم أن هناك مانعًا لا يزال في طريق الولاية والوصاية.

في الدوران بين فقدان المقتضي ووجود المانع، لا يمكن اعتبار الظاهرة والمؤسسة الفقهية والحقوقية حادثة؛ لأنه ما دام المقتضي مشكوكًا فيه، لا يمكن اعتبار المقتضى (الظاهرة أو المؤسسة) موجودًا.

في الدوران الثاني، أي الدوران بين الشرط والمانع، لا يوجد قيد في الظاهرة والمؤسسة الحقوقية والفقهية، حيث إن دور هذا القيد محل إبهام وتردد، هل وجوده شرط لحدوث الظاهرة أم عدمه مانع من الحدوث. على سبيل المثال، قيد المالية أو تضمن المنفعة العقلائية والمشروعة في تكوين العقد محل إبهام، هل وجوده شرط لتكوين العقد، أم عدمه مانع من تكوين العقد، أو يوجد تردد ونزاع في أن العدالة شرط لصحة الولاية والوصاية والشهادة أم أن الفسق مانع لهذه المؤسسات الثلاث. هنا يجب الاستفادة من ضوابط ومعايير تمييز الشرط والمانع.

في الدوران الثالث، أي الدوران بين الشرط والسبب، يطرح هذا السؤال، وهو أن قيدًا يجب أن يوجد في الظاهرة والمؤسسة الحقوقية، هل له دور السببية أم دور الشرطية. وبما أن حدوث المقتضى (الظاهرة أو المؤسسة الحقوقية) منوط بإحراز السبب والشرط، فقبل إحراز هذا القيد، لا يمكن اعتبار الظاهرة نافذة. لكن تشخيص شرطية أو سببية القيد يترك هذه الفائدة والتأثير المهم، وهو أنه إذا كان للقيد المذكور دور الشرطية، فإن فقدان الشرط لا يؤدي إلى بطلان المؤسسة الحقوقية، مثل الأعمال الحقوقية كالعقد أو الإيقاع. قد يظهر العمل الحقوقي بصورة غير نافذة بسبب فقدان الشرط، ويكون صحة أو بطلان العقد منوطًا بحدوث الشرط، ويبقى العقد بلا أثر حتى يحدث هذا الشرط، وعندما يحدث الشرط، تظهر آثار العقد من حين العمل الحقوقي (على نحو الكشف) أو من زمن حدوث الشرط (على نحو النقل). ولكن إذا كان للقيد المشكوك فيه دور السببية، فإن فقدان السبب يبطل العمل الحقوقي رأسًا، ولا يبقى عمل معلق ومنتظر لوقوع حدث آخر.

المصادر

١. الآشتياني، محمد حسين (١٤٠٤ق). بحر الفوائد في شرح الفرائد. قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي.

٢. الأردبيلي، أحمد بن محمد (١٤٠٣ق). مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان. تحقيق: آقا مجتبى عراقي وآخرون. الطبعة الأولى، قم: دفتر النشر الإسلامي.

٣. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (بلا تاريخ). فرائد الأصول. قم: دفتر النشر الإسلامي.

٤. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (١٤١٥ق). رسالة في الوصايا، الطبعة الأولى، قم: المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري.

٥. إحساني فر، أحمد (١٣٩٥). «تحليل أجزاء العلة التامة في الظواهر الفقهية والحقوقية». مجلة فقه أهل البيت (ع)، العدد ٨٨، ١٤٣-١٧٤.

٦. إسماعيل بور قمشه اي، محمد علي (١٤٢١ق). البراهين الواضحات. الطبعة الأولى، قم: بلا ناشر.

٧. الإيرواني النجفي، علي بن عبدالحسين (١٤٠٦ق). حاشية المكاسب، الطبعة الأولى، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

٨. البهبهاني، سيد علي (١٤٠٥ق). الفوائد العلية. الطبعة الثانية، الأهواز: مكتبة دار العلم.

٩. التبريزي، موسى بن جعفر بن أحمد (١٣٦٩ش). أوثق الوسائل في شرح الرسائل. الطبعة الأولى، قم: منشورات كتبي نجفي.

١٠. الحسيني الروحاني، سيد محمد صادق (١٤١٢ق). فقه الصادق (ع). الطبعة الثالثة، قم: مدرسة الإمام الصادق (ع).

١١. الحسيني الشيرازي، سيد صادق (١٤٢٦ق). بيان الفقه في شرح العروة الوثقى. الطبعة الثانية، قم: دار الأنصار.

١٢. الحسيني الشيرازي، سيد محمد حسن (١٤١٣). رسالة في حكم اللباس المشكوك فيه. الطبعة الأولى، قم: دفتر النشر الإسلامي.

١٣. الحسيني العاملي، سيد جواد بن محمد (١٤١٩ق). مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة. تحقيق: محمد باقر خالصي. الطبعة الأولى، قم: دفتر النشر الإسلامي.

١٤. الحسيني المراغي، سيد مير عبدالفتاح (١٤٢٩ق). العناوين. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

١٥. الحلي، العلامة حسن بن يوسف بن مطهر الأسدي (١٤٢٠ق). تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية. تحقيق: إبراهيم بهادري. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).

١٦. الحلي، العلامة حسن بن يوسف بن مطهر الأسدي (١٤١٣ق). قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام. الطبعة الأولى، قم: دفتر النشر الإسلامي.

١٧. الحلي (فخر المحققين)، محمد بن حسن بن يوسف (١٣٨٧ق). إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد. تحقيق: سيد حسين موسوي كرماني وآخرون. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة إسماعيليان.

١٨. الحلي، المحقق نجم الدين جعفر بن حسن (١٤٠٨ق). شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. تحقيق: عبدالحسين محمد علي بقال. الطبعة الثانية، قم: مؤسسة إسماعيليان.

١٩. الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩ق). كفاية الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (ع).

٢٠. الدزفولي الكاظمي (الشوشتري)، أسد الله (بلا تاريخ). مقابس الأنوار ونفائس الأسرار في أحكام النبي المختار وعترته الأطهار. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (ع).

٢١. السبزواري، محمد باقر بن محمد مؤمن (بلا تاريخ). كفاية الأحكام. الطبعة الرابعة، قم: منشورات مهدوي.

٢٢. الشهيدي، مهدي (١٣٨٥ش). تشكيل قراردادها وتعهدات. الطبعة الخامسة، طهران: منشورات مجد.

٢٣. الطباطبائي الحائري، سيد علي بن محمد (١٤١٨ق). رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل. تحقيق: محمد بهره مند وآخرون. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (ع).

٢٤. الطباطبائي اليزدي، سيد محمد كاظم (١٤١٥ق). سؤال وجواب. تحقيق: سيد مصطفى محقق داماد وآخرون. الطبعة الأولى، طهران: مركز نشر العلوم الإسلامية.

٢٥. الطوسي، أبو جعفر محمد بن حسن (١٤٠٧ق). الخلاف. تحقيق: علي خراساني وآخرون. الطبعة الأولى، قم: دفتر النشر الإسلامي.

٢٦. العاملي (الشهيد الثاني)، زين الدين بن علي (١٤١٣ق). مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.

٢٧. العاملي (الشهيد الأول)، محمد بن مكي (بلا تاريخ). القواعد والفوائد. تحقيق: سيد عبدالهادي حكيم. الطبعة الأولى، قم: مكتبة مفيد.

٢٨. الكركي العاملي (المحقق الثاني)، علي بن حسين (١٤١٤ق). جامع المقاصد في شرح القواعد. الطبعة الثانية، قم: مؤسسة آل البيت (ع).

٢٩. المروج الجزائري، سيد محمد جعفر (١٤١٥ق). منتهى الدراية في توضيح الكفاية. الطبعة الثانية، قم: منشورات دار الكتاب الجزائري.

٣٠. المروج الجزائري، سيد محمد جعفر (١٤١٦ق). هدى الطالب في شرح المكاسب. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة دار الكتاب.

٣١. المشكيني، علي (١٤١٣ق). اصطلاحات الأصول ومعظم أبحاثها. الطبعة الخامسة، قم: دفتر نشر الهادي.

٣٢. الموسوي الكلبايكاني، سيد محمد رضا (١٤١٣ق). كتاب القضاء. تقرير سيد علي حسيني ميلاني. الطبعة الأولى، قم: دار القرآن الكريم.

٣٣. النجفي، محمد حسن (١٤٠٤ق). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. تحقيق: عباس قوجاني وآخرون. الطبعة السابعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

Scroll to Top