تحليل انتقادي لمكانة «التعبد» في عملية تقييم صحة الأخبار في فكر «التبيين الفهرستي» ومنتقديه

الملخص: طُرحت دائماً ثلاثُ رؤىً بشأن حجية خبر الواحد: عدم الحجية، الحجية العقلانية، والحجية التعبدية التي لا يُنظر فيها إلى مطابقة الواقع؛ بل يُكتفى بإحراز المعذِّرية والمنجِّزية. يتفق منظّرو التبيين الفهرستي ومنتقدوهم على ضرورة صرف النظر عن مسألة التعبد في المباحث المتعلقة بحجية خبر الواحد، مع فارق أن التبيين الفهرستي يرى التعبد متقابلاً مع الواقعية، وأن توظيفه في عملية تقييم الاعتبار يؤدي إلى الحيرة في مجال دراسة الحديث؛ بينما ينكر المنتقدون أساساً تأثير مسألة التعبد على عملية تقييم صحة الأخبار، ويقبلون بموضوعيتها فقط في مسألة أصل الرجوع إلى الأخبار. تُظهر هذه المقالة من خلال دراسة زوايا هاتين الرؤيتين أنه في عملية دراسة الحديث، ليس من الممكن بسهولة الحديث عن تجاوز التعبد؛ ذلك أن العلاقة بين التعبد والواقعية هي علاقة تلازم؛ بحيث إنه مع حذف التعبد من جميع مجالات دراسة الحديث، لا يعود ممكناً إثبات الحجية الشرعية لكلام المعصوم (ع). الإشكال الجوهري الآخر هو أن التبيين الفهرستي يرى تقييم الاعتبار الواقعي في البعد المنهجي بمعنى تغيير توظيف بيانات دراسة الحديث من أصولية إلى تاريخية، وبالتالي تغيير عملية تقييم الاعتبار من «محورية الراوي» إلى «محورية الكتاب»؛ في حين أن الإصرار على هذا التغيير في التوظيف ليس فقط ناتجاً عن عدم فهم صحيح لمكانة التعبد؛ بل يستند إلى مبدأ مليء بالإشكالات وهو عصمة المكتوب بالنسبة للشفاهي، وفي البعد المنهجي أيضاً، قد أغفل مسألة الاختلاف الموضوعي للروايات.

۱. طرح المسألة

تقييم الاعتبار يعني التحقق من صحة الخبر، وإضافة كلمة «الصدوري» إليه في هذا المقال تحصر مفهوم تقييم الاعتبار في المعايير السندية لإحراز صدور الحديث. شهدت الأحاديث على مر التاريخ أضراراً جسيمة، وخضعت دائماً لتقييم الاعتبار من جانب الباحثين. في هذه العملية، كان الاختلاف في الأسلوب والطريقة الفنية أمراً لا مفر منه؛ إلا أن جمهور محدثي الشيعة صرفوا النظر عن الاطمئنان أو عدم الاطمئنان إلى المتن الأصلي للتراث الروائي الشيعي، ووجهوا همهم نحو إزالة غبار الضعف والجعل عن المجموعة؛ بينما تشكلت اليوم في التوجهات الحديثية الشيعية رؤيتان متمايزتان: إحداهما رؤية توسعية تعتقد بأصالة المتن الأصلي للتراث الإمامي، والأخرى تعتبره من الأساس غير أصيل وتعدّ عملية إزالة الجعل والضعف عنه صعبة جداً أو شبه مستحيلة.

 

التيار التوسعي المعاصر، بالاعتماد على إعادة قراءة حقائق تاريخ الحديث الشيعي، يعتبر الجو العام للحديث الإمامي معتبراً. يقود هذا التيار منظرون يسعون، بهدف إحياء طريقة القدماء في تقييم صحة الروايات، إلى تقليل الأثر التخريبي للدراسات الرجالية على ضعف السند. من بين مقاربات التيار التوسعي، مقاربة التبيين الفهرستي. «التحليل الفهرستي»، «المنهج الفهرستي»، «الطريقة الفهرستية»، وفي النهاية «التبيين الفهرستي» هي عبارات مختلفة لنظرية واحدة طرحها بعض الباحثين المعاصرين؛ بحيث إنهم في آخر مقولاتهم، اعتبروا مصطلح «التبيين الفهرستي» أدق من بين سائر التعابير (فولادزاده، 1398 هـ.ش، 8). اقتراح هذه النظرية هو «تقييم الاعتبار القائم على محور الكتاب»، والذي سيكون محور الحديث لاحقاً. النظام الدلالي المشترك في التيار التوسعي، وبشكل خاص مقاربة «التبيين الفهرستي»، هو استبدال الواقعية بالحجية أو التعبد؛ بحيث تسود النظرة التاريخية بدلاً من النظرة الأصولية على عملية تقييم صدور الروايات.

 

علم الأصول من العلوم الابتكارية للمسلمين (مطهري، 1374 هـ.ش، 3، 9) وهو علم التقاطي، نشأت جُلّ مسائله تقريباً باقتباس من سائر العلوم وتأثر بها على مر التاريخ؛ وهو علم اعتباري ليس له موضوع واحد، ولا تجد مسائله تحديداً معيناً، وفي ظله لن تكون هناك حاجة لتأسيس علوم جديدة تواكب طرح المسائل الجديدة (مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 470). بالنظر إلى اتساع مجال تطبيقات قواعد علم الأصول، من الأفضل اعتبار موضوعه تعيين الحجة وتشخيص مصاديقها؛ بحيث يشمل كل ما يمكن الاحتجاج والاستدلال به في مقام الامتثال (راجع: منتظري نجف آبادي، 1415 هـ.ق، 16). في علم الأصول، تتوقف حجية الدليل الشرعي على إثبات ثلاثة أمور: دلالة الدليل، إثبات حجية الدلالة المذكورة، وإثبات صدور الدليل من الشارع (إيرواني، 1393 هـ.ش، 36). من بين هذه الأمور، يرتبط إثبات صدور الدليل من الشارع بشكل خاص بمجال تقييم صدور الروايات. بهذا التوضيح، يتجلى تأثير سيادة النظرة الأصولية (التعبد) على معايير تقييم صدور الروايات. ظهرت آثار حول محور «التبيين الفهرستي» على ثلاثة مستويات: أ: المستوى الوصفي: كتابان هما «نظرة إلى البحر» (نگاهى به دريا)؛ لسيد أحمد مددي الموسوي، و«إعادة بناء المتون القديمة للحديث الشيعي» (بازسازى متون كهن حديث شيعه)؛ لسيد محمد عمادي الحائري. ب: المستوى التحليلي النقدي: رسالتا «دراسة ونقد نظرية التبيين الفهرستي للأحاديث» (بررسى و نقد نظريه تبيين فهرستى احاديث)؛ لعلي رضا صفاريان همداني، و«دراسة نقدية للتبيين الفهرستي في تقييم صحة الأحاديث» (مطالعه نقدى تبيين فهرستى در اعتبار سنجى احاديث)؛ لوحيد فولادزاده. ومقالات «نظرة إلى دور ومكانة مكونات محور الكتاب في تقييمات المحدثين القدماء على ضوء تحليل المصادر الفهرستية» (نگاهى به نقش و جايگاه مولفه هاى كتاب محور در ارزيابى هاى حديثى قدما در پرتو تحليل منابع فهرستى)؛ لحميد باقري، «تقييم الحديث بطريقة التحليل الفهرستي: آراء ومباني سيد رضا الشيرازي ومحمود ملكي» (ارزيابى حديث به روش تحليل فهرستى ديدگاه ها و مبانى سيدرضا شيرازى و محمود ملكى)، وكذلك كتابات حسن أنصاري على موقعه Ansari.kateban.com. ج: مستوى تطبيق المنهج: كتاب «دراسة الروايات بالطريقة الفهرستية» (بررسى روايات به روش فهرستى)؛ لأحمد ميرزائي، «الحديث واعتبار محور الكتاب» (حديث و اعتبار كتاب محور) لإحسان سرخه أي، ومقالة «فهرستي؛ مسار دراسة الحديث الشيعي بصورة فهرستية» (فهرستى؛ سير مطالعه حديث شيعه به صورت فهرستى)؛ لسيد محمد كاظم الطباطبائي ورضا عطائي، وغيرهم.تتولى الآثار المذكورة في المستويين الأولين تبيين البنى التحتية الفكرية لسيد أحمد مددي الموسوي باعتباره المنظر الرئيسي للتبيين الفهرستي؛ لذا فهي تتناسب مضموناً مع هذا المقال. مع ذلك، فإن ضرورة تجاوز التعبد باعتباره الركيزة الأساسية لهذه المقاربة لم يتم تفصيلها بكل جزئياتها؛ وتبعاً لهذا الفراغ، فإن النقد الموجه من قبل المنتقدين لم يوضع في مكانه الصحيح، مما زاد من إبهام جو تقييم صدور الروايات. يسعى التبيين الفهرستي، بوصفه مقاربة من التيار التوسعي، إلى تهميش التعبد وما نتج عنه، أي محورية الراوي، ليجعل النظرة التاريخية هي السائدة على عملية تقييم الروايات؛ في حين أن ضرورة أو حتى إمكانية تجاوز التعبد، رهينة بصحة الدعاوى الأصولية والتاريخية لهذه النظرية. يهدف هذا المقال إلى تقديم تقييم واقعي لمكانة التعبد في مجال دراسة الحديث، ليوضح إلى أي مدى تبرر الركيزة الأساسية للتبيين الفهرستي أهداف التيار التوسعي المعاصر في تهميش الدراسات الرجالية. لتحقيق هذا الغرض، هناك أربع خطوات أمامنا: إعادة قراءة مكانة التعبد في فكر التبيين الفهرستي، إعادة صياغة استدلاله، نقد المنتقدين، وأخيراً تحليل وإعادة النظر في كلتا الرؤيتين.

 

كانت بيانات السيد أحمد مددي حتى الآن في قالب مقابلات، ولم يُشاهد لها هيكل منهجي؛ وفي تنظيم هيكل هذا المقال، لم تُلاحظ التقسيمات والعناوين في آثار المنظر وسائر الباحثين، وقد نُقل كلامه مع تقديم وتأخير موضوعي وتصرف في بعض التعابير، وبهذا تم الحصول على وصف تحليلي لدعاوى التبيين الفهرستي لم يسبق له مثيل.

 

۲. إعادة قراءة مكانة التعبد في فكر التبيين الفهرستي طُرحت دائماً ثلاثُ رؤىً بشأن حجية خبر الواحد: أ: عدم الحجية ناقش متقدمو الإمامية، مثل الشيخ المفيد (1993م، 38-45) والسيد المرتضى (1993م، 2، 22-5، 42-34)، بالتفصيل في أدلة القائلين بحجية خبر الواحد، ولم يجعلوا خبر الواحد معياراً للعلم والعمل. في هذا الفكر، يُعتبر الخبر بمثابة دليل لُبّي وليس من سنخ اللفظ. يُحصل اليقين من بعض الأخبار فقط مع ملاحظة القرائن في مقام تواتر القرائن (قاطع العذر) (راجع: المفيد، 1993م، 44-45؛ حب الله، 2006م، 73-81)؛ وهو يقين يترتب عليه الوثوق والاطمئنان العقلاني بحكم ومحتوى الخبر، لا حجية الألفاظ وجوانبها. في هذه الرؤية، بإبطال أصل حجية جوانب الخبر، تسقط الفروع (مشكلات الأخبار) بالكلية (المرتضى، 1984م، 2، 78-79؛ مددي الموسوي، 1393ش، 419). ب: الحجية العقلائية تُنسب هذه الرؤية أيضاً إلى المتقدمين (المفيد، 1993م، 38-45)؛ إذ في الحجية العقلانية، تُحرز صحة الصدور بانضمام قرائن تثير ما لا يقل عن تسعين بالمائة من وثوق واطمئنان العقلاء (مددي الموسوي، dorous.ir/Persian/article/12). مع الفارق أن حجية القرائن والشواهد هذه المرة تتعدى إلى ألفاظ الخبر وجوانبه أيضاً؛ لذا، يُعتبر متن الحديث كلام الإمام ويُعتد به، ويُعد دليلاً لفظياً؛ بحيث يمكن أن يظهر بمستوى الأمارة. في مثل هذه الرؤية، تُقاس جميع مشكلات الأخبار بالمعايير العقلائية وضوابط فهم النص في علم الأصول وتُحل، وبقاء المشكلة يُعتبر بمثابة مناقشة في حجية الخبر (راجع: المرجع نفسه). ج: الحجية التعبدية تنظر الحجية التعبدية أيضاً، كالحجية العقلائية، إلى خبر الواحد بوصفه دليلاً لفظياً، وتعتبر متن الرواية كلام الإمام. الفارق هو أنه في الحجية التعبدية، يُعد قبول الخبر تكليفاً شرعياً، ولا يُعنى كثيراً بما إذا كان الخبر، وفقاً للقرائن والشواهد العقلائية، موجباً للاطمئنان أم لا، وما إذا كان يحصل منه علم عرفي أم لا. في هذه الرؤية، يكون خبر الواحد موجباً للتكليف دون أي قرينة علمية، ويُعمل به كباقي العبادات اتباعاً للمصلحة (الطوسي، 1417هـ، 1: 97-100). يُحدد إحراز الحجية التعبدية بالمعيار الذي يرتضيه الشارع، ولا يُتصور الخدش في هذا المعيار إلا إذا تعارض الوثوق أو العلم العرفي الحاصل منه (الطوسي، 1390هـ.ش، 1، 4)، فيُخدش الخبر ويسقط عن الحجية (راجع: مددي الموسوي، 1393هـ.ش، 418؛ همو، بيانات درس خارج الفقه، 25/07/1396هـ.ش وكذلك 03/10/1397هـ.ش؛ همو، بيانات درس خارج الأصول، 09/10/1397هـ.ش وكذلك 17/10/1397هـ.ش).

 

التعبد من منظور «التبيين الفهرستي» يعني سيادة المعذِّرية والمنجِّزية على مطابقة الأخبار للواقع. يرى هذا الاتجاه أن المباحث الأصولية، بالتزامن مع بحث حجية الخبر، قد ظهرت حوالي عامي 160 إلى 170 هـ بين أهل السنة. بينما أدت الثقافة المكتوبة لدى الشيعة في نقل الحديث، وكذلك الفروق الأخرى بينهم وبين أهل السنة، إلى تأخر شعورهم بالحاجة إلى علم الأصول إلى ما بعد عصر حضور المعصومين (ع) (راجع: عمادي الحائري، 1394 هـ.ش، 119).

 

ظل الشيعة لفترة طويلة يعملون في مجال إثبات صدور الأحاديث باطمئنان، معتمدين على القرائن والشواهد المتاحة لهم، دون الحاجة إلى الاستعانة بالأدلة العقلائية الموضوعة في علم الأصول للاطمئنان إلى تلك القرائن والشواهد، ودون الحاجة إلى إقامة صدق الراوي كدليل عقلائي على صحة صدور الأخبار؛ بينما بعد القرن الخامس الهجري، ونتيجة لفقدان قرائن صدق الخبر، واجهوا مشكلة في إثبات صدور الدليل من الشارع، فلجأوا إلى بناء أدلة عقلائية للاعتماد على الأخبار. إلى درجة أنهم أدخلوا جميع مشكلات مجال الأخبار واحدة تلو الأخرى في المباحث الأصولية، ووجدوا لها حلاً عقلائياً (راجع: المرجع نفسه). أدى اتساع مجال تطبيق قواعد علم الأصول إلى أن يبني محدثو الإسلام مناهج تقييم الروايات أيضاً على القواعد العقلائية لعلم الأصول، وذلك تلبية للحاجة إلى استنباط الأحكام الشرعية؛ وهي قواعد يمكن أن تكشف عن الحجية الأصولية للخبر؛ الحجية التي لا تستلزم واقعية الخبر بل المنجزية والمعذرية، وفي النهاية التعبد بالخبر (مجموعة من المحققين، 1389 هـ.ش، 1: 391).

 

تُظهر دراسة آثار منظري التبيين الفهرستي أن في رأيهم: أ) التعبد لا نصيب له من الواقع إطلاقاً. ب) التعبد هو الركيزة الأساسية لمحورية الراوي. ج) التعبد، وبالتالي محورية الراوي، قد تسببا في الحيرة في مجال دراسة الحديث الشيعي. بهذا التوضيح، ستكون هذه المسائل الثلاث محور الحديث في الوصف التحليلي لهذا المقال.

 

1-2. التعبد؛ نقيض الواقعية يرى التبيين الفهرستي أن معيار الاعتبار في عملية تقييم الروايات هو الحجية في نظام المعرفة البشرية، بمعنى كشف الواقع، وهو نقيض الحجية الشرعية أو إحراز المعذرية والمنجزية؛ لأنه يعتقد أن: أ) في تقييم صدور الروايات، إحراز الحجية الشرعية غير مجدٍ. ب) عوامل الميل إلى التعبد/الحجية الشرعية تشير إلى أنه في عملية تقييم صدور الروايات، ونتيجة لعدم إمكانية الوصول إلى الحجية في نظام المعرفة البشرية، حلت الحجية الشرعية تدريجياً محلها.

 

1-1-2. عدم جدوى التعبد في عملية تقييم الصدور في فكر التبيين الفهرستي، يُعزى عدم الاهتمام بحدود فعالية علم الأصول والانجرار إلى العديد من المباحث التجريدية المطروحة فيه إلى الالتزام بالحجية التعبدية لخبر الواحد؛ مع هذا التوضيح: على الرغم من أن أصول الفقه علم عقلي ويتمتع بأقصى درجات الديناميكية الذاتية في الفكر الإنساني؛ إلا أنه يركز على طريقة الاستنباط، ولا يمكن كشف الواقع بالاعتماد عليه؛ لذا، ينبغي أن يكون توجه الباحثين في مبادئ حديث النبي (ص) والمعصومين (ع) والفقهاء بعدهم هو البحث عن الجذور التاريخية للأمور (مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 354، 381-383)؛ لأن العديد من المباحث الأصولية غير مجدية في إثبات وثاقة وأصالة نص قديم وإزالة غبار التغييرات والتصحيفات عن وجهه (راجع: عمادي الحائري، 1394 هـ.ش، 67-68)، كما أن تطبيق بضع قواعد كلية في فهم مقصود نص قديم دون إدراك وفهم سياق صدوره ليس مجدياً، ولا يُغني الفقيه عن الوعي بمسار انتقال النصوص والتعرف على لغة وبيان مجموعة نصوص الأحاديث. إن فهم واستنباط مراد النصوص، وتخمين الصورة الأصلية لعبارة ما، واكتشاف اعتبار أو عدم اعتبار نقلٍ لكتاب، وكذلك دقائق علم الحديث والرجال، لا يُجدي نفعاً بتطبيق قواعد علم الأصول. إذاً، فإقحام علم الأصول في مشكلات فهم النصوص وحل معضلات كالجعل والتحريف أمر غير مناسب (المرجع نفسه)؛ في حين أن الحجية التاريخية تضيف إلى قيمة الخبر أكثر بكثير من الحجية الأصولية (التعبد) (مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 401).

 

2-1-2. عوامل الميل إلى الحجية التعبدية في فكر التبيين الفهرستي، بعد القرن الخامس الهجري، بدأت قرائن صدق الخبر تتلاشى تدريجياً، واختلف محدثو الشيعة في تمييز الحديث الصحيح (كشف الواقع)؛ وفي مثل هذا الجو، كانت أولى خطوات فقهاء الإمامية لمعالجة مسألة تقييم الروايات هي طرح بحث الحجية التعبدية لخبر الواحد؛ ولهذا لا يمكن العثور على سابقة لعلم الأصول، بالشكل الذي يُستخدم به اليوم في مجال تقييم الروايات، في ممارسات قدماء الشيعة (راجع: المرجع نفسه، 356).

 

1-2-1-2. فقدان قرائن صدق الخبر كان قدماء الشيعة يستنتجون صدور الحديث عن المعصوم (ع) بالاعتماد على القرائن والشواهد المتاحة لهم، ولم يكونوا يقبلون حجية الأخبار تعبداً؛ (راجع: المفيد، 1993م، 38-45؛ المرتضى، 1993م، 2: 5-22، 34-42). ولكن بعد عصر الشيخ الطوسي، ونتيجة لفقدان قرائن صدق الخبر، ترسخ التعبد في أصول فقه الشيعة (مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 360-361؛ عمادي الحائري، 1394 هـ.ش، 68 و117)، وحوّل عملية دراسة الحديث من إحراز الواقعية إلى المعذرية والمنجزية؛ بحيث نشأ في قم وقزوين والري تيار كان يعتبر حتى التعليل تعبداً، في حين أن التعليل يجب أن يكون عقلانياً لا تعبدياً، وإلا لزم منه الدور أو المصادرة على المطلوب (راجع: مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 362-354).

 

2-2-1-2. اختلاف محدثي الشيعة في تمييز الحديث الصحيح طُرح بحث التعبد منذ زمن الشيخ الطوسي وبواسطته بين الإمامية، ولقي قبولاً نظراً لمكانته الخاصة. إن دراسة ممارسات مؤلفي المجامع الروائية الأولى في اختيار الروايات تثبت أن كبار علماء مدرستي قم وبغداد، على الرغم من اختلاف ممارساتهم في تقييم الروايات، كانوا يسعون بشكل موحد، من خلال إنكار التعبد، إلى إثبات حجية الأخبار بالاستفادة من الشواهد والقرائن التي تحرز كشف الواقع (راجع: المرجع نفسه، 375-376؛ هو نفسه، dorous.ir/Persian/article/12). ونتيجة لهذا الاختلاف في الممارسة، كان بينهم تعامل حاد. في مثل هذه الظروف، اختار الشيخ الطوسي طريق الوسط، وخفف من حدة معارضة هاتين المدرستين. كان الخط الفكري للشيخ الطوسي وسطاً بين مدرسة قم ممثلة بالشيخ الصدوق، ومدرسة بغداد ممثلة بالشيخ المفيد والسيد المرتضى؛ بحيث لُقّب بشيخ الطائفة بسبب هذا التلفيق.

 

كان الشيخ يعتبر الكتب المشتركة بين علماء كلتا المدرستين معيار عملهم، والإجماع هو المشتركات بين هاتين المدرستين، وكان يسعى للجمع بين هذه المشتركات وتثبيت الحجية التعبدية للخبر. كانت الحجية التعبدية للخبر مبنى أهل السنة في قبول الحديث. أدى الجو العلمي المنفتح في بغداد في ذلك العصر وهيمنة التيار العلمي لأهل السنة إلى تأثر الشيخ الطوسي بهذه النظرية العلمية المعيارية (هو نفسه، 1393 هـ.ش، 377).

 

2-2. التعبد؛ أساس محورية الراوي لتقديم وصف تحليلي لمكانة التعبد في فكر التبيين الفهرستي، تم استعراض التقابل بين التعبد والواقعية في المحور الأول. يركز المحور الثاني على زاوية أخرى من منظور هذه النظرية لبحث التعبد، والتي تعتبره الركيزة الأساسية لمنهج تقييم الاعتبار القائم على محورية الراوي. يرى هذا الفكر أن محورية الراوي لم تكن معروفة في الثقافة الشيعية حتى القرن الثامن، ويعتقد أن هذا التوجه في تقييم الاعتبار قد تعزز مع إضعاف مكانة الكتابات الشيعية القديمة وفي العصور المتأخرة (راجع: المرجع نفسه، 322؛ عمادي الحائري، 1394 هـ.ش، 44-45). في هذه الفترة، أصبحت آية النبأ معيار العمل لإحراز الحجية التعبدية للخبر، وبناءً على مفهوم هذه الآية، لا منطوقها، أصبح تقييم الاعتبار مرتبطاً بعدالة الراوي، وهذه المسألة أدت إلى نسيان التحليل الفهرستي (دراسة الكتب) تماماً، وحل محله التحليل الرجالي؛ بحيث أصبح تقييم اعتبار الروايات لا يتم على أساس فحص النسخ والمكتوبات الحديثية، بل على أساس فحص أحوال الرواة (مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 365). أخيراً، مع هيمنة المدرسة الرجالية الحلية، أصبحت أحوال الرجال أساس قبول ورد الأحاديث، وأحدثت تغييراً جوهرياً في تقييم وثاقة الحديث (راجع: عمادي الحائري، 1394 هـ.ش، 40، 43، 46)، مما كان له تبعتان مشؤومتان: أ) استقرار التعارض، ب) الاهتمام المحض بعدالة الراوي.

 

1-2-2. استقرار التعارض لا يمكن طرح بحث التعارض إلا على مبنى الحجية التعبدية للخبر (مددي الموسوي، 30/10/1397، بيانات درس خارج الفقه)؛ إذ على مبنى عدم حجية خبر الواحد، تسقط مشكلات الأخبار تبعاً لإبطال أصل حجيته بالكلية. وعلى مبنى الحجية العقلائية أيضاً، ينتفي الوثوق والاطمئنان العقلائي بصدق الخبر مع وجود معارض؛ بهذا التوضيح، يتضح أن بحث التعارض في عهد القدماء لم يكن مطروحاً بهذا الاتساع (هو نفسه، 1393 هـ.ش، 399-400)، وأن الشيخ الطوسي هو من أدخله في التراث الإمامي؛ كما طرح الحجية التعبدية، وبالتالي قاعدة الجمع التبرعي. توضيح ذلك أنه بقبول الحجية التعبدية للخبر وقاعدة الجمع العرفي، أصبحت حجية روايتين متعارضتين ممكنة، ولهذا السبب، فإن الروايات التي تركها الأصحاب، بما في ذلك روايات الواقفة والتعارضات الناشئة عن النقل بالمعنى وصعوبات الخط واختلاف النسخ، دخلت مجدداً في دائرة النقد والتحليل (راجع: المرجع نفسه، 398، 399).

 

بالنظر إلى ما سبق، فإنه بتجاوز التعبد وتجميع القرائن، يمكن حل حوالي ثمانين بالمائة من الروايات المتعارضة والتعرف على متنها الأصيل. وبهذه الطريقة، بعد إثبات المتن الأصيل، تفقد سائر المتون الحجية، وينتفي بحث التعارض أساساً (راجع: المرجع نفسه، 363-364)؛ ذلك أن التعارض في الروايات هو في مقام الإثبات، لا مقام الثبوت، ومثل هذه المسائل، بالشواهد التاريخية القطعية، ستكون لها نتائج أسهل وأكثر اطمئناناً من الاستفادة من القواعد الأصولية كالمُرجِّحات المنصوصة وغير المنصوصة (راجع: المرجع نفسه، 473). وهكذا، فإن المباحث الأصولية الدقيقة في باب التعارض لا تساعد فقط في تحليل ودراسة الروايات، بل تلحق بها الضرر أيضاً.

 

2-2-2. الاهتمام المحض بعدالة الراوي في النظرة السائدة حالياً، تُدرس التيارات الفكرية مثل الواقفة فقط من زاوية مدى الاعتماد على نقلهم؛ بينما يركز التبيين الفهرستي على كشف النقاط التاريخية حول محور تيار فكري ما. في هذا الفكر، تُعد مسألة عرض الروايات على الأئمة المتأخرين (ع) من المسائل المهمة في تاريخ الحديث. مع أن «الواقفية»، على الرغم من استفادتهم من مصادر الإمامية، لم يرجعوا إلى الأئمة المتأخرين عن موسى بن جعفر (ع)، وربما قاموا بنقل وإدراج الرواية في كتبهم دون علم بطرح بعض الروايات من قبل أولئك العظماء (المرجع نفسه، 384-385). يوضح هذا الشرح جيداً أن مسألة الواقفية في هذا الفكر ليست مصطلحاً رجالياً يهدف إلى توضيح حالة عدالة الراوي، بل يجب اعتباره مصطلحاً تاريخياً يشير إلى عدم وصول هذه الفرقة إلى كثير من الأحاديث التي صححها الأئمة المتأخرون (ع). إن تحليل تراث هذه الفرقة، مع الأخذ في الاعتبار هذه النقطة التاريخية وبصرف النظر عن استقامة أو فساد العقيدة، هو مصداق بارز لتغيير توظيف البيانات من أصولية إلى تاريخية.

 

2-3. التعبد؛ عامل الحيرة في مجال دراسة الحديث الشيعي بعد أن اعتبر التبيين الفهرستي التعبد هو الأساس الرئيسي لمحورية الراوي، أشار إلى الحيرة في مجال دراسة الحديث، واعتبرها نتيجة للخطأ في تصور حقائق تاريخ الحديث الشيعي. سيُقدم الوصف التحليلي لهذا المحور في قسمين: أ) الغفلة عن محورية الكتاب لدى قدماء الشيعة، ب) الغفلة عن ثقافة النشر المكتوب للحديث عند الشيعة.

 

1-3-2. الغفلة عن محورية الكتاب لدى قدماء الشيعة من منظور التبيين الفهرستي، تتلخص مناهج تقييم الاعتبار في نموذجين: محورية الراوي (القائمة على الأفراد) ومحورية الكتاب (القائمة على المدونات). محورية الكتاب لدى قدماء الإمامية مفهوم يقابل، أولاً، محورية الرواية، وثانياً، محورية الراوي. بمعنى أن تأييد وتصديق المدونات الحديثية كمجموعة من الروايات كان هو المقصود، وأحياناً كانت كتب راوٍ مطرود تُقبل إذا أُيِّد محتواها (راجع: عمادي الحائري، 1394 هـ.ش، 14: 35-33، 80، 106-107؛ مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 361). لذا، في ممارسات متقدمي الإمامية، كانت مجموعة روايات مؤلف ما هي محور تقييم الاعتبار دائماً. كان القدماء، مع مراعاة مكانة الراوي ومقابلة النسخ المختلفة والرجوع إلى الكتب والنسخ المشهورة والمعتبرة، يثقون ويطمئنون إلى صحة الخبر؛ ولهذا السبب، كان يُعتبر كتاب الرواة المطرودين أحياناً معتبراً من حيث المحتوى، وكان يُعتمد أيضاً على رواية الضعفاء؛ بمعنى أنه مع التفريق بين مكانة ووظيفة الرواة (المنتج، الناقل)، كانوا يقارنون نسختهم مع سائر النسخ ويقبلون منها ما وافق الآخرين. بهذا التوضيح، وبصرف النظر عن ضعف الرواة رجالياً، كان الأمر يتم أولاً بملاحظة مكانتهم، وثانياً بالنظر إلى اعتبار الكتب والنسخ المتاحة (راجع: المرجع نفسه، 361-362).

 

تجدر الإشارة إلى أن محورية الكتاب هذه لا تعني إعراض الشيعة عن الأسانيد. تُظهر الدراسات الحديثية في ممارسات المتقدمين أن الشيعة، وفقاً لأوامر مؤسسة الإمامة، كانوا يهتمون بالنقد السندي (راجع: رحمان ستايش، 1394 هـ.ش، 131، 141). بعد القرن الخامس الهجري أيضاً، وعلى الرغم من أن محدثي الشيعة اتجهوا إلى تنويع الحديث والدراسات السندية؛ إلا أنهم ظلوا ملتزمين بمباني القدماء، وكانوا يتغاضون عن ضعف سند الروايات مع مراعاة الضوابط المذكورة سابقاً. استمر تاريخ الشيعة على هذا النحو لمدة 500 عام ثم تغير. وفي أعقاب هذا التغيير، واجه علماء الشيعة المتأخرون، مثل الشهيد الأول والشهيد الثاني، تناقضاً؛ إذ إن كماً هائلاً من الروايات التي عمل بها وأفتى بموجبها قدماء الأصحاب، والتي اختيرت كأحاديث صحيحة، اعتُبرت ضعيفة بالدراسات الرجالية للمتأخرين (المرجع نفسه)؛ لذا، تحدثوا عن قاعدة جابرية ضعف السند بالشهرة. جابرية ضعف السند بالشهرة تعني قبول الروايات الضعيفة التي عمل بها قدماء الإمامية؛ وهي قاعدة كان سبب تشكلها عدم الاهتمام بمنهج محدثي الشيعة القدماء القائم على محور الكتاب في تقييم الروايات؛ لذا، يجب بدلاً من الانشغال بالاستدلالات حول مسألة الشهرة، إعادة قراءة وتحليل الظروف التي بحث فيها علماء الشيعة مسألة الجابرية؛ لأن هذه القاعدة ترتبط بشكل خاص ببحث الحجية التعبدية لخبر الواحد (المرجع نفسه، 355). يعتبر التبيين الفهرستي هذه القاعدة وكذلك بحث الشهرة الفتوائية من خصائص أصول الإمامية التي لم يقبلها الآخرون (المرجع نفسه، 361-362؛ عمادي الحائري، 1394، 50-40). يبدو أن التأكيد على هذا التخصيص جاء ليكون شاهداً على صحة هذه القراءة التاريخية.

 

2-3-2. الغفلة عن ثقافة انتشار الحديث عند الشيعة يرى منظرو التبيين الفهرستي أن محورية الراوي تتناسب مع الثقافة الشفوية لنقل الحديث وتخص أهل السنة؛ لأن السبب الرئيسي للإقبال على محورية الراوي ورواجها هو الفجوة بين صدور الأحاديث عن النبي (ص) وبين كتابتها وتقييمها الأولي (راجع: المرجع نفسه، 35-37)، وحديث أهل السنة من الناحية التاريخية لا يتجاوز عصر النبي (ص) وأصحابه (المرجع نفسه، 30-31). دُوِّن الحديث السني لأول مرة في منتصف القرن الثاني، والفجوة الزمنية البالغة حوالي 150 عاماً مع زمن صدور الروايات عن النبي (ص) أدت إلى ضرورة فحص أحوال الرواة وطرح المباحث الرجالية للاعتماد على الروايات التي نُقلت شفوياً وعن طريق السماع والقراءة عن النبي (ص) (المرجع نفسه، 30-31؛ مددي الموسوي، 17/3/1385، بيانات درس خارج الفقه).

 

بينما ملأ الشيعة هذه الفجوة الزمنية البالغة 150 عاماً باعتقادهم بعصمة المعصومين (ع) وانتشار المدونات الحديثية بواسطة أفراد قلائل وموثوقين (المرجع نفسه؛ هو نفسه، 1393 هـ.ش، 366)، وكان لديهم تاريخ يزيد عن قرنين للحديث (عمادي الحائري، 1394 هـ.ش، 31). بالإضافة إلى ذلك، فإن محدودية عدد الرواة، إلى جانب الحضور الطويل للمعصوم (ع)، أتاحت للشيعة كتابة وتدوين الروايات بالتزامن مع صدورها، وركزتهم على النقل المكتوب للتراث الحديثي (راجع: مددي الموسوي، 29/7/1396، بيانات درس خارج الفقه؛ وكذلك راجع: هو نفسه، 1393 هـ.ش، 360-362). بمعنى أنه بين الشيعة، لم يكن اعتبار الروايات في الكتب المعتبرة والمشهورة منوطاً بصدور إجازة لها، وكان مؤلفو الجوامع يبادرون إلى نقل الحديث بالاعتماد على الكتب التي حصلوا عليها بطريق الوجادة أو الإجازات العامة، ولم يعتبروا سماعها وقراءتها أمراً لازماً وضرورياً (راجع: المرجع نفسه، 361؛ عمادي الحائري، 1394، 14).

 

مع تدوين الكتب الأربعة والزوال التدريجي للمصادر الشيعية الأولى، نشأت للشيعة وضعية مشابهة لجو الحديث عند أهل السنة (لم تكن مدونات) (راجع: المرجع نفسه، 27-28، 31، 84-81). في أعقاب هذا الفقدان، صرف الشيعة أيضاً النظر عن اعتبار الوجادة والإجازات العامة، واعتبروا فقط السماع والقراءة والإجازة المقرونة بالسماع والقراءة معتبرة. وبهذه الطريقة، اعتُبر طريق نقل الكتب سند نقل شفوي، وأُخذ بعين الاعتبار إمكانية السهو والدخل والتصرف في جميع طبقات نقل المتن؛ غافلين عن أن متن الحديث قد دُوِّن منذ البداية وصِينَ من الدخل والتصرف. وهكذا، في العصور المتأخرة، أصبح تقييم الاعتبار يسعى إلى إحراز وثاقة النقل الشفوي (السند) بدلاً من إحراز صحة انتساب النقل المكتوب (الطريق). في مثل هذا الجو، كانت أولى خطوات فقهاء الإمامية لمعالجة مسألة تقييم الروايات هي طرح بحث الحجية التعبدية لخبر الواحد (راجع: المرجع نفسه، 30-31، 52؛ ميرزائي، 1370 هـ.ش، 61-63؛ مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 361-362، 365-366، 380). أخيراً، خلال هذا التغير في المسار: أولاً: بناءً على الذهنية الشفوية لنقل الروايات وضرورة التحليل الرجالي، طُرح بحثان: أحدهما بحث عدم حجية الأخبار مع الواسطة، والآخر شبهة دلالة آية النبأ؛ في حين أن هذين البحثين يتناسبان مع تاريخ الحديث عند أهل السنة وكانا شائعين بينهم (راجع: المرجع نفسه، 400). ذلك أن طرح هذين البحثين لا يمكن إلا في جو تكون فيه الأخبار قد نُقلت شفوياً وبواسطة، لا في جو تاريخ الحديث الشيعي الذي لا يُتصور فيه واسطة في النقل بسبب الكتابة المتزامنة مع الصدور.

 

ثانياً: مع عدم الالتفات إلى احتمال اتصال رواة مختلفين بنسخ مختلفة، ومع الخلط بين السند والطريق، وُضعت قاعدتا تصحيح وتعويض السند لتقديم صورة صحيحة للأسانيد الضعيفة؛ في حين أنه في ثقافة النقل والانتقال المكتوب عند الشيعة، يُعتبر الرواة الضعاف رواةً لأثر مكتوب لمؤلف متقدم (طريق)، لا رواةً لنقل شفوي (سند). من هنا، فإن اختلاف سلاسل الأسانيد يعبر عن اختلافات متنية، ومن الممكن بسهولة أن يكون مؤلف ما قد نقل عن أسانيد ونسخ متنوعة (عمادي الحائري، 1394 هـ.ش، 47-50).

 

3-1. إعادة صياغة استدلال دعوى التبيين الفهرستي إعادة صياغة استدلال التبيين الفهرستي في كل من المواضع المذكورة سابقاً هي كالتالي: التعبد؛ في تقابل مع الواقعية أ: عدم جدوى التعبد في عملية تقييم الصدور

 

  1. عملية تقييم الروايات يجب أن تسعى لكشف الواقع.
  2. التعبد في قبول الخبر يستنتج اعتباره بالاستعانة بقواعد علم الأصول.
  3. قواعد علم الأصول تسعى للمعذرية والمنجزية.
  4. قواعد علم الأصول لا تأخذ واقعية الخبر بعين الاعتبار. النتيجة: التعبد غير مجدٍ في تقييم صدور الروايات الذي يكون كشف الواقع فيه ضرورياً. ب: عوامل الميل إلى الحجية التعبدية
  5. كان متقدمو الإمامية يستنتجون الوثوق بصدور الرواية بالقرائن المتاحة لهم.
  6. لحاظ القرائن يعني إحراز واقعية الخبر؛ لا إحراز المعذرية والمنجزية. النتيجة: لم يكن مبنى متقدمي الإمامية في قبول خبر الواحد هو التعبد.
  7. ما دفع متأخري الإمامية إلى قبول التعبد هو عدم إمكانية إحراز واقعية الخبر.
  8. المتأخرون، بإقبالهم على التعبد، لم يعودوا بحاجة إلى قرائن صدق الخبر.
  9. مع وجود قرائن صدق الخبر، لا معنى للتعبد.
  10. بقبول التعبد، لا معنى لمتابعة قرائن الصدق. خلاصة الاستدلال:
  11. التعبد يسعى صرفاً للمعذرية والمنجزية ولا يمكنه إحراز واقعية الخبر.
  12. مع وجود قرائن صدق الخبر، لا معنى للتعبد، وبقبول التعبد، لا معنى لمتابعة قرائن الصدق. النتيجة: التعبد والواقعية نقيضان.
  13. عملية تقييم الروايات يجب أن تسعى لكشف الواقع.
  14. لا يمكن بناء منهج تقييم الروايات على التعبد.

2-3. التعبد؛ أساس محورية الراوي خلاصة الاستدلال:

  1. في الحجية التعبدية لخبر الواحد، المعيار الذي يرتضيه الشارع هو آية النبأ.
  2. مفهوم آية النبأ يعني إمكانية قبول رواية غير الفاسق دون فحص.
  3. مفهوم آية النبأ يقتضي تقوية التحليل الرجالي/محورية الراوي.
  4. قُبل التعبد في عهد المتأخرين وأدى إلى تقوية التحليل الرجالي/محورية الراوي. النتيجة: المبنى الأساسي لمحورية الراوي هو التعبد. أ: التعبد، مبنى محورية الراوي واستقرار التعارض كنتيجة له
  5. المعيار الذي يرتضيه الشارع لحجية خبر ما هو آية النبأ.
  6. إمكانية تمتع روايتين متعارضتين بالمعيار الذي يرتضيه الشارع، موجودة.
  7. بمبنى عدم حجية خبر الواحد، تسقط مشكلات الأخبار تبعاً لإبطال أصل حجيته بالكلية.
  8. بمبنى الحجية العقلائية لخبر الواحد، ينتفي الوثوق والاطمئنان العقلائي بصدق الخبر، مع وجود معارض. النتيجة: استقرار التعارض لا يمكن إلا بمبنى الحجية التعبدية لخبر الواحد. ب: التعبد؛ مبنى محورية الراوي والاهتمام المحض بعدالة الراوي كنتيجة له
  9. المعيار الذي يرتضيه الشارع لحجية خبر ما هو آية النبأ.
  10. بناءً على مفهوم آية النبأ، يمكن قبول خبر غير الفاسق.
  11. الحجية التعبدية للخبر تجعل الرواة يُنظر إليهم فقط من جهة الفسق وعدمه.
  12. هذا الاهتمام المحض بعدالة الراوي حوّل توظيف بيانات دراسة الحديث من البعد التاريخي إلى الأصولي.
  13. عامل هذا التحول هو قبول التعبد.

3-3. التعبد؛ عامل الحيرة في مجال دراسة الحديث أ: الغفلة عن محورية الكتاب لدى قدماء الشيعة (عامل وضع قاعدة جابرية ضعف السند بالشهرة)

 

  1. كان منهج قدماء الإمامية في تقييم الروايات يعتمد على محور الكتاب؛ لا محور الراوي أو محور الرواية. النتيجة: كانوا يتغاضون عن ضعف بعض الرواة بالنظر إلى مقاييس دراسة الكتب.

     

  2. قبول التعبد والاهتمام المحض بعدالة الراوي دفع متأخري الإمامية إلى محورية الراوي.

     

  3. لم يتمكن المتأخرون، بقبولهم الحجية التعبدية للخبر، من التغاضي عن ضعف الراوي.

     

  4. فواجهوا كماً هائلاً من الروايات الضعيفة التي عمل بها قدماء الإمامية.

     

  5. وضع المتأخرون، لرفع هذا التعارض، قاعدة جابرية ضعف السند بالشهرة.

     

  6. كان من الواجب عليهم بدلاً من وضع هذه القاعدة أن يستبدلوا الدراسات الرجالية بالتحليلات القائمة على محور الكتاب. النتيجة: عامل وضع هذه القاعدة هو الغفلة عن منهج قدماء الإمامية القائم على محور الكتاب في تقييم الروايات. ب: الغفلة عن ثقافة انتشار الحديث عند الشيعة (عامل طرح مباحث الأخبار مع الواسطة وكذلك تعويض وتبديل السند) مقدمة البحث:

     

  7. بادر الشيعة إلى كتابة الروايات بأقصر فاصل زمني عن صدورها؛ خلافاً لأهل السنة.

     

  8. فكان منهج نشر الحديث بين الشيعة مكتوباً، وبين أهل السنة شفوياً.

     

  9. منهج تلقي العلم في النشر المكتوب هو الإجازة، ومنهج تقييم اعتباره يتمحور حول الكتب (محورية الكتاب).

     

  10. منهج تلقي العلم في النشر الشفوي هو السماع والقراءة، ومنهج تقييم اعتباره يتمحور حول الأفراد (محورية الراوي). النتيجة: منهج تقييم الاعتبار القائم على محورية الراوي لا يتناسب مع حقائق تاريخ الحديث الشيعي.

     

  11. في عهد المتأخرين، فُقدت الكتابات الشيعية القديمة، ووجدوا أنفسهم في جو مشابه لجو أهل السنة.

     

  12. فظنوا أن طريق نقل الكتاب هو سند نقل شفوي.

     

  13. هذا الظن الخاطئ أدى إلى طرح مباحث مثل عدم حجية الأخبار مع الواسطة وتصحيح وتعويض السند. عدم حجية الأخبار مع الواسطة:

     

  14. عندما تُكتب الرواية في الطبقة الأولى؛ لا يُتصور وجود واسطة في نقلها.

     

  15. طرح بحث عدم حجية الأخبار مع الواسطة ممكن في جو يوجد فيه واسطة في النقل.

     

  16. في أسانيد الشيعة، لا يُتصور وجود واسطة في النقل.

     

  17. طرح مثل هذا البحث في مجال حديث الشيعة غير ممكن. تصحيح وتعويض السند:

     

  18. وُضعت قاعدتا تعويض وتصحيح السند لتقديم صورة صحيحة للأسانيد الضعيفة.

     

  19. استبدال الراوي المعتبر بالراوي الضعيف أو الطريق الصحيح بالطريق الضعيف ممكن عندما: أولاً: يكون للرواة دور في اعتباره/عدم اعتباره. ثانياً: لا يكون هناك اختلاف في متن تقريرهم.

     

  20. في طريق النقل المكتوب للرواة: أولاً: الرواة هم رواة لأثر مكتوب لمؤلف ولا دور لهم في اعتبار/عدم اعتبار الأثر المكتوب. ثانياً: هم بالضرورة قد أوجدوا نسخة مختلفة. النتيجة: لا إمكانية لتبديل رواة السلسلة في طريق النقل المكتوب. النتيجة: تطبيق هاتين القاعدتين في طريق النقل المكتوب غير ممكن. خلاصة الاستدلال:

     

  21. القواعد والمباحث المذكورة سابقاً أدت إلى الحيرة في مجال دراسة الحديث الإمامي.

     

  22. منشأ قاعدة جابرية ضعف السند بالشهرة هو محورية الراوي لدى متأخري الشيعة في عملية تقييم الاعتبار.

     

  23. منشأ طرح بحث حجية/عدم حجية الأخبار مع الواسطة هو توهم شفوية عملية نشر الحديث بين الشيعة.

     

  24. منشأ طرح بحث تعويض وتصحيح السند هو توهم أن طريق النقل المكتوب هو سند نقل شفوي.

     

  25. التصور الشفوي لعملية نشر الحديث وتوهم أن طرق نقل كتب الإمامية هي أسانيد نقل شفوي، أدى إلى رواج محورية الراوي.

     

  26. إذاً، محورية الراوي تستند إلى تصور خاطئ لحقائق تاريخ الحديث الشيعي.

     

  27. مبنى محورية الراوي هو التعبد.

     

  28. إذاً، محورية الراوي مسبوقة بقبول الحجية التعبدية للأخبار. النتيجة: عامل الحيرة في مجال دراسة الحديث هو التعبد.

     

  29. نقد المنتقدين على دعوى التبيين الفهرستي يواجه استدلال هذا الاتجاه نقدين أساسيين من جانب المنتقدين: 1-4. عدم ارتباط بحث التعبد بشروط قبول الخبر في فكر المنتقدين، كان بحث الشيخ الطوسي في حجية خبر الواحد ومسألة التعبد بحثاً كلامياً وأصولياً لا علاقة له ببحث أسانيد الروايات والكتب، وخصوصاً مسألة قبول الأخبار ومنهج تقييم الروايات (راجع: Ansari.kateban.com/post/3064). ويصرحون بأنه في دراسة دعوى الشيخ الطوسي حول الحجية التعبدية لخبر الواحد، يوجد في الواقع مقولتان منفصلتان: إحداهما أصل الرجوع إلى الأخبار، والأخرى شروط صحة الخبر (المرجع نفسه).

     

أ) مقولة أصل الرجوع إلى الأخبار في فكر منتقدي التبيين الفهرستي، كان المحدثون قبل الشيخ الطوسي يستعملون خبر الواحد دون أن يهمهم ما إذا كان حجة في الأصل أم لا؛ بينما كان المتكلمون يعارضون خبر الواحد كلياً. تُظهر دراسات إضافية في هذا المجال أنه وفقاً لتصريح المنتقدين، فإن انحطاط مكانة خبر الواحد، وفي النهاية الاعتقاد بعدم حجيته، هو نتاج تغيير مفاهيم مثل العلم والظن من قبل المتكلمين، وهو ما طرحته المعتزلة لأول مرة ثم تسرب إلى فكر أصوليي الشيعة (راجع: ميزاني، 1396 هـ.ش، بأكمله). يعتقد المنتقدون أن السبب الرئيسي لنقد الإمامية للأخبار الآحاد هو أنهم كانوا يرونها وسيلة جدلية مهمة ضد حديث أهل السنة، الذي لم يكن، في نظرهم، قابلاً للاستناد إليه لكونه خبر واحد. أما الشيخ، فخلافاً للسيد المرتضى، كان قائلاً بأصل حجية الأخبار لدى الطائفة (المرجع نفسه).

 

ب) مقولة صحة الأخبار يعتقد المنتقدون أن الشيخ، بوصفه مبتكر التعبد في مباحث صحة الصدور، كان ملتزماً تماماً بمنهج القدماء والاستناد إلى الشواهد الروائية للمتون، وهو منهج رجالي يقوم على الاهتمام برواة المتون ووضع النسخ؛ لذا، فإن قبول أصل حجية الأخبار من قبله لم يكن له أي ارتباط بصحة المضامين أو صحة الطرق أو صحة العمل بها؛ لأنه على الرغم من ضياع كثير من شواهد وقرائن صدق الخبر في زمن الشيخ الطوسي، فإنه كان يلتفت إلى الشواهد والقرائن كلما أمكنه ذلك (راجع: المرجع نفسه).

 

في فكر المنتقدين، فإن مدرسة الحلة هي التي جعلت أدلة قبول الخبر (عمل الطائفة) محل تأمل أكبر، بالاستناد إلى أدلة شرعية أخرى، من بينها «آية النبأ». أراد كبار هذه المدرسة إحراز قبول الخبر بطريقة فنية وأكثر دقة؛ لا أنهم اضطروا، بسبب اعتقادهم بالتعبد، إلى وضع المنهج الرجالي محل منهج دراسة الكتب الفهرستي والقيام بتنويع الخبر. ونتيجة لذلك، لا يمكن اعتبار منشأ محورية الراوي هو بحث التعبد، ولا ربط هذين الأمرين مباشرة ببعضهما البعض (راجع: المرجع نفسه)؛ بل كانت القضية أنه بعد انتشار الحجية التعبدية لخبر الواحد، طُرحت مباحث جديدة حول حجية الظن وانسداد باب العلم والعلمي في مدرسة الحلة، ولم يكن حد ارتباط هذه المباحث باتخاذ منهج جديد في الرجال إلا في معنى «الثقة»، وما هو المقصود بالعدالة وعدم الفسق في الراوي (راجع: المرجع نفسه). وبعبارة أخرى:

 

  1. الحجية التعبدية هي بحث في أصل حجية الخبر.
  2. محورية الراوي أو محورية الكتاب هي بحث في شروط صحة الخبر. النتيجة: الحجية التعبدية لا ترتبط مباشرة بمحورية الراوي أو محورية الكتاب، ولا يمكن القول إن محورية الراوي طُرحت بعد طرح بحث الحجية التعبدية لخبر الواحد.
  3. حجية الظن وانسداد باب العلم والعلمي من مباحث أصل حجية الخبر.
  4. في أعقاب الحجية التعبدية، طُرحت مباحث حجية الظن وانسداد باب العلم والعلمي.
  5. حجية الظن وانسداد باب العلم والعلمي أيضاً لا ارتباط لهما باتخاذ منهج جديد في الرجال.
  6. هذان البحثان مرتبطان فقط بمعنى الثقة.
  7. معنى الثقة يرتبط بالتحليل الرجالي. النتيجة: لا يوجد ارتباط مباشر بين الحجية التعبدية واتخاذ المنهج الرجالي.

لذلك، في فكر المنتقدين، لا يوجد ارتباط مباشر بين بحث الحجية التعبدية وبحث منهج تقييم الروايات، وليس الأمر أن منهج تقييم الاعتبار إما أن يتم بجمع القرائن ويكون واقعياً، أو يتم تعبداً دون الالتفات إلى القرائن.

 

2-4. الخطأ في تصور تاريخ الحديث الشيعي استنتج التبيين الفهرستي عدم تناسب محورية الراوي مع حقائق تاريخ الحديث الشيعي بناءً على مفروضات غير مؤكدة. يقوم هذا الاستدلال على مقارنة تاريخ الحديث الشيعي والسني، واختصاص ثقافة الكتابة بالإمامية، والتفريق بين الشفوي والمكتوب، وغير ذلك. ونظراً لأن الخوض في هذه الأمور يخرج عن موضوع البحث؛ فسيُشار إليها باختصار، ويلتزم هذا المقال في هذا القسم بتوضيح إشكال التصور التاريخي لهذه المقاربة لمدى دور الرواة في إجازات الشيعة والاعتقاد بتفوق إجازات الشيعة على أهل السنة.

 

1-2-4. التفريق بين الشفوي والمكتوب يعتقد المنتقدون أنه في سنة نقل الحديث الإسلامي، بدأت الكتابة منذ زمن النبي (ص)، واستمرت على الرغم من المعارضات الحكومية القصيرة وغير المؤثرة، وكان وجود النص المكتوب ضرورياً في جميع طرق تحمل الحديث، حتى السماع والقراءة؛ ولكن في القرون الأولى، كان العلماء يفضلون عند استخدام مصدر مكتوب الإشارة إلى اسم المؤلف بدلاً من اسم الكتاب؛ لذا، فإن سند الرواية غالباً ما يشير إلى طريق وصول مؤلفي الآثار اللاحقة إلى الكتب السابقة، لا إلى طريق النقل الشفوي للروايات. وفي سنة نقد الحديث الإسلامي، كانت السنة الشفوية في الواقع مبنية على السنة المكتوبة، وكان المكتوب بحاجة إلى السنة الشفوية لينتشر (Ansari.kateban.com/post/1711، راجع: سزكين، 1380 هـ.ش، 1: 88-89؛ شويلر، 2006م، 8: 24-26).

 

2-2-4. تفوق إجازات الشيعة في فكر «التبيين الفهرستي»، يلعب الرواة الدور الرئيسي في عملية النقل الشفوي؛ بينما في عملية النقل المكتوب، يلعب المؤلف الدور الرئيسي. هذا التصور يعني أنه في إجازات الشيعة، لا حاجة لإحراز صحة عملية السماع والقراءة، ويكفي مجرد صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف لإحراز اعتبار النقل. يعتقد منتقدو «التبيين الفهرستي» أن نسخ كتب معظم المحدثين القدماء كانت مشهورة لدرجة أن دور رواتها لم يتعدَ دور أصحاب الكتب الذين يعرضون نسخهم هنا وهناك (Ansari.kateban.com/post/3067). في هذا التصور، تُعتبر نسخ كتب الحديث مشابهة للنصوص المطبوعة، وأن رواتها لم يكونوا سوى ناشرين قاموا، بحضور المؤلف وتأييده النهائي وبدقة في جميع التفاصيل، بتوزيع الكتاب (المرجع نفسه /post/2859)؛ في حين أن الأمر ليس كذلك، ففي عالم ما قبل الطباعة، كان للرواة دور مهم في مصير كتب الحديث، وحيثما تدخل العامل الإنساني، كان ضبط وثبت الرواة محل تقييم؛ لذا، في القرن الثالث، لم يكن الرواة مشايخ إجازة، وكان لهم دور مهم في نقل المتون (المرجع نفسه /post/3067)؛ ونتيجة لذلك، لا يمكن اعتبار إجازة نقل الكتاب متفوقة على إجازة نقل الرواية (حب الله، 2006م، 105).

 

5-1. تحليل وإعادة النظر في الرؤيتين تحتاج بيانات «التبيين الفهرستي» ومنتقديه إلى إكمال من عدة جوانب، سواء فيما يتعلق بالعلاقة بين التعبد والواقعية، أو فيما يتعلق بمدى تأثير التعبد على ترويج محورية الراوي، أو من حيث إحداث الحيرة في مجال دراسة الحديث.

 

1-5. التعبد والواقعية الرؤيتان المذكورتان أعلاه، على الرغم من تقابلهما في تقدير مكانة التعبد، تشتركان في قدر متيقن هو ضرورة تجاوز التعبد. من الضروري الانتباه إلى أن مقولة أصل الرجوع إلى الأخبار لها تأثير غير مباشر على شروط قبول الخبر؛ وقبول هذا التأثير غير المباشر نقطة محورية، سيؤدي الإفراط والتفريط فيها إلى نتيجة واحدة. يرى التبيين الفهرستي أن هاتين المقولتين شيء واحد، ويتحدث عن ضرورة تجاوز التعبد في عملية تقييم الروايات. كما أن منتقديهم تصوروا هاتين المقولتين منفصلتين تماماً عن بعضهما البعض، ووصلوا إلى ضرورة تجاوز التعبد في تحليل مسائل تقييم الاعتبار؛ لذا، من الضروري تقييم مكانة التعبد في عملية تقييم صدور الروايات بطريقة واقعية تتناسب مع خصائص الحديث الإسلامي؛ لأن قبول هذا التأثير غير المباشر هو الذي يثبت في المقام الأول تلازم التعبد والواقعية، وفي المقام الثاني حجية كلام المعصوم (ع) كمصدر للمعرفة الدينية.

 

1-1-5. تلازم التعبد والواقعية على الرغم من أن استدلال المنتقدين على انفصال مسألتي أصل الرجوع إلى الأخبار وشروط صحتها خالٍ من الإشكال؛ إلا أنه يجب الانتباه إلى أن مسألة أصل الرجوع إلى الأخبار تؤثر على شروط قبول الخبر وتوفير إمكانية التعبد به. ذُكر سابقاً أنه بناءً على عقلانية حجية خبر الواحد، تُحصل صحة صدور الخبر بانضمام قرائن تثير ما لا يقل عن تسعين بالمائة من وثوق واطمئنان العقلاء، وبهذا تتعدى الحجية، التي هي في الأصل متعلقة بالقرائن والشواهد، إلى ألفاظ الخبر وجوانبه. وفي الحجية التعبدية أيضاً، الوضع مشابه إلى حد ما. فعلى الرغم من أن قبول الخبر تكليف شرعي، ولا أهمية كبيرة لكون قرائن صدقه موجبة للعلم؛ إلا أن إمكانية الخدش في المعيار الذي يرتضيه الشارع متصورة؛ إذ لو خُدش الوثوق أو العلم العرفي الحاصل من الخبر، لم يكن التعبد به ممكناً؛ لذا، لا يوجد تقابل بين الواقعية (جمع الشواهد والقرائن) والتعبد فحسب؛ بل إن جمع الشواهد والقرائن لحصول العلم العرفي له موضوعية في الحجية التعبدية أيضاً.

 

وبعبارة أخرى:

 

  1. في الحجية التعبدية، قبول الخبر تكليف لمن علم بصدقه.
  2. العلم بصدق الخبر في الحجية التعبدية يتم بالمعيار الذي يرتضيه الشارع.
  3. من الممكن، على الرغم من وجود المعيار الذي يرتضيه الشارع، أن يُخدش العلم الحاصل من صدق الخبر.
  4. في مثل هذه الظروف، يكون الخدش في المعيار الذي يرتضيه الشارع ممكناً. النتيجة: جمع القرائن والشواهد على صدق الخبر من لوازم الحجية التعبدية، وليس في تقابل معها.

2-1-5. حجية كلام المعصوم (ع) على الرغم من أن الواقعية من بعض الجوانب تضيف إلى قيمة الخبر أكثر من التعبد؛ إلا أنه يجب الانتباه أيضاً إلى أن إصرار منظري التبيين الفهرستي على نفي التعبد من جميع مجالات دراسة الحديث سيُنزل كلام المعصوم (ع) إلى مستوى سائر التقارير التاريخية؛ بحيث لا يعود ممكناً إثبات حجيته الشرعية. بعبارة أخرى، بالتشكيك في الحجية التعبدية لخبر الواحد، لا يمكن إثبات إلا واقعية الروايات بالاعتماد على الشواهد والقرائن؛ بينما لن تُثبت حجيتها الشرعية أو لزوم التعبد بها. لذا، فإن إزالة التعبد من طريق تقييم الأخبار بمعنى نفيه من جميع زوايا دراسة الحديث، كما يرتئي التبيين الفهرستي، أمر غير ممكن؛ بل من الضروري التمسك به في أصل الرجوع إلى الأخبار. وهذه نقطة لم ينتبه إليها منتقدو التبيين الفهرستي ولم يشيروا إليها في نقدهم لهذه النظرية. ملخص البيانات السابقة هو كالتالي:

 

  1. الكلام المنسوب إلى المعصوم هو نقل تاريخي.
  2. لإحراز صحة نقل تاريخي، يجب أن تكون واقعيته وحجيته التاريخية محرزة.
  3. التعبد يسعى للمعذرية والمنجزية؛ فلا يمكنه إحراز واقعية نقل تاريخي. النتيجة: إحراز واقعية التقرير المنسوب إلى المعصوم لا يتم بالتعبد؛ بل بمتابعة الشواهد والقرائن التاريخية.
  4. لكلام المعصوم، بالإضافة إلى البعد التاريخي، بعد شرعي.
  5. الاهتمام التعبدي بكلام المعصوم (ع) لازم. النتيجة: مراعاة التعبد في أصل الرجوع إلى خبر المعصوم (ع) ضرورية.
  6. بنفي التعبد من جميع مجالات دراسة الحديث، يصبح كلام المعصوم (ع) كسائر التقارير التاريخية، ولن يكون موجباً للتكليف. النتيجة: إصرار منظري التبيين الفهرستي على نفي التعبد من جميع مجالات دراسة الحديث خطأ يرجع جذره إلى الخلط بين أصل الرجوع إلى الأخبار وشروط قبولها.

2-5. التعبد؛ أساس محورية الراوي الإشكال الجوهري الآخر في التبيين الفهرستي، والذي خلا منه نقد المنتقدين، هو أن التبيين الفهرستي من جهة يعتبر التعبد حلاً قدمه الشيخ الطوسي لحل الخلاف بين مدرستي الحديث في قم وبغداد في مجال قبول الروايات، ومن جهة أخرى يعتبره عاملاً لاستقرار التعارض. في هذا الفكر، قبل عصر الشيخ الطوسي وقبول الحجية التعبدية كمعيار علمي، كان قدماء الإمامية يحكمون بصحة أحد طرفي التعارض ويتركون الآخر، ولو استمر الوضع على هذا المنوال، لبقي في النهاية النص الأصيل من بين النسخ والتحريرات المختلفة وزالت سائر النصوص. بينما أدى الشيخ الطوسي، بتأسيسه للتعبد وقاعدة الجمع التبرعي، إلى استقرار التعارض، بحيث بقيت جميع التحريرات المختلفة، وأصبح التعارض بينها معضلة دائمة (راجع: مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 399-400)؛ مع أن خلاف الإمامية، حسب تصريح المنظرين، في مجال قبول أو رد الروايات في مدرستي الحديث بقم وبغداد، حتى قبل قبول الحجية التعبدية لخبر الواحد، كان بحيث لا يمكن أن يؤدي إلى بقاء النص الأصيل وزوال سائر النصوص. الإشكال الجوهري الآخر هو أنه على الرغم من أن كل قضية ذات اعتبار تاريخي يمكن أن تساعد تيار دراسة الحديث في إحراز واقعية الخبر؛ إلا أن إصرار التبيين الفهرستي ينصب على تحويل توظيف البيانات من أصولية إلى تاريخية. بمعنى أنه، على سبيل المثال، في تيار الواقفة، ينصرف التركيز عن مدى عدالة الراوي أو عقائده ليقتصر على عدم اطلاعهم على طرح بعض الروايات من قبل الأئمة المتأخرين؛ في حين أن التراث المنقول عن هذه التيارات الفكرية في البعد الفقهي والعقائدي يختلف عن تراث الشيعة. وعليه، وبالنظر إلى الاختلاف الموضوعي للروايات، من الأفضل في عملية دراسة الحديث التأكيد على الاهتمام بالتوظيف التاريخي للبيانات دون إغفال التوظيف الأصولي لوضع عقيدة الراوي وعدالته.

 

3-5. التعبد؛ عامل الحيرة في مجال دراسة الحديث يرى المنظرون أن محورية الراوي هي معيار لتقييم صحة السماع والقراءة؛ لذا، يصرون على عدم إمكانية رواج السماع والقراءة بين الشيعة، لينفوا بذلك محورية الراوي من تاريخ الحديث الشيعي. دليل المنظرين على عدم إمكانية إعادة نشر الشيعة للمدونات عن طريق السماع والقراءة هو محدودية عددهم؛ في حين أنهم قبلوا إمكانية ذلك في التلقي الأولي لهذه المدونات (راجع: مددي الموسوي، 1393 هـ.ش، 360-362؛ عمادي الحائري، 1394 هـ.ش، 34، الحاشية). وهذه المسألة تمثل بياناً مزدوجاً لم ينتبه إليه المنتقدون. توضيح ذلك أنه في فترة إعادة نشر المدونات الشيعية القديمة، كان عدد الشيعة أكبر وحوزاتهم الحديثية أكثر عدداً؛ لذا، بقبول إمكانية السماع والقراءة للشيعة في فترة أقدم، لا يمكن ببساطة نفي هذه الإمكانية في فترة لاحقة؛ بعبارة أخرى، إذا كان الشيعة في فترة أقدم، على الرغم من محدوديتهم الأكبر، قد التزموا عملياً بمسألة السماع والقراءة في التلقي الأولي؛ فكيف يمكن نفي أو تعطيل عملية السماع والقراءة بينهم في فترة لاحقة كانوا فيها أكثر سعة من ذي قبل؟ يصر التبيين الفهرستي على أن المجتمع الشيعي كان مجتمعاً محورياً للكتاب، وينفي السماع والقراءة من عملية إعادة نشر مدونات هذه المدرسة، فيعتبر إجازات الشيعة إجازة نقل كتاب ومحصنة من الخطأ، وإجازات أهل السنة إجازة نقل رواية وبحاجة إلى تقييم الاعتبار؛ لذا، فإن استدلال هذه المقاربة لا يقوم فقط على الفرق بين هذين النوعين من الإجازة؛ بل أيضاً على تفوق إجازات الشيعة. هذه الرؤية، بالإضافة إلى النقد الموجه إليها من قبل المنتقدين بشأن تجاهل مكانة الرواة في نقل الآثار المكتوبة، والذي أُشير إليه سابقاً، تواجه إشكالاً بنيوياً آخر، وهو افتراض عصمة النص المكتوب بالنسبة للنقل الشفوي. توضيح ذلك أن المخاطر التي تهدد طبيعة النقل الشفوي يمكن أن تكون من جنس السهو أو الجعل أو التحريف؛ في حين أن الكتابة المبكرة لا يمكنها إلا أن تقلل أو تنفي احتمال بعض أقسام السهو، كالنسيان؛ بينما يبقى احتمال الوضع والدس في المكتوب قائماً، وهذه المسألة تنفي عدم حاجة دارس الحديث إلى الاهتمام بحال الرواة رجالياً.

 

  1. نتيجة البحث 1- خلافاً لدعوى التبيين الفهرستي، لا يمكن تجاوز التعبد في جميع مجالات دراسة الحديث، وخلافاً لإصرار المنتقدين، لا يمكن تجاهل تأثير التعبد على عملية تقييم الاعتبار؛ إذ إن بين التعبد والواقعية علاقة تلازم؛ وتوضيح ذلك أن ما له موضوعية في الحجية التعبدية هو حصول العلم العرفي، الذي يتحقق بجمع الشواهد والقرائن التي تحرز الواقعية. 2- يصر التبيين الفهرستي على نفي التعبد من مجال الحديث الإمامي، فينزل بذلك اعتبار كلام المعصوم (ع) إلى مستوى سائر التقارير التاريخية، ولا يعود بإمكانه إثبات حجيته الشرعية؛ بينما لا يتوجه هذا الإشكال إلى منتقديهم؛ إذ اعتبروا التمسك بالتعبد ضرورياً في أصل الرجوع إلى الأخبار. 3- الاختلاف الموضوعي للروايات مقولة مهمة في عملية تقييمها. يتحدث «التبيين الفهرستي» عن تغيير توظيف بيانات دراسة الحديث من أصولية إلى تاريخية دون مراعاة هذه النقطة؛ في حين أن هذا الإجراء بشكل مطلق لا يمكن أن يكون خطوة إيجابية في سبيل الارتقاء بدراسات الحديث. 4- من الإشكالات الأخرى لنظرية التبيين الفهرستي، ادعاء عدم حاجة عملية دراسة الحديث الشيعي إلى معرفة أحوال الرواة. هذه الدعوى، بالإضافة إلى الإشكالات التي يراها المنتقدون، تستند إلى افتراض عصمة النص المكتوب بالنسبة للنقل الشفوي؛ في حين أن احتمال الوضع والدس في المكتوبات جدي، وهذه العصمة لا يمكن أن تكون أساساً لبناء فرضية حول نفي التعبد ومحورية الراوي من عملية تقييم الروايات الشيعية.

المصادر

  • أنصاري، حسن. (بدون تاريخ). Ansari.kateban.com.
  • الأنصاري، مرتضى. (1419هـ.ق). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  • الإيرواني، باقر. (1393هـ.ش). ترجمة وشرح دروس في علم الأصول. (ترجمة حامد دلاوري). (ط.3). قم: نصايح.
  • جمعي از محققان مرکز اطلاعات منابع اسلامي. (1389هـ.ش). فرهنگ نامه اصول فقه، مقاله حجيت ظن. قم: پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي.
  • حب الله، حيدر. (2006م). نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي: التكوّن والصيرورة. بيروت: مؤسسة الانتشار العربي.
  • رحمان ستايش، محمد كاظم؛ ومهدي غلامعلي. (1394هـ.ش). “نقد پنداره رويگرداني محدثان شيعه از اسناد”. تحقيقات علوم قرآن وحدیث، 12(27)، 131-153. doi: 10.22051/tqh.2015.2058
  • سزكين، فؤاد. (1380هـ.ش). تاريخ نگارشهاي عربي. (بتحرير احمدرضا رحيمي ريسه). تهران: وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامي.
  • شولر، گريگور. (1393هـ.ش). شفاهي و مكتوب در نخستين سده هاي اسلامي. (ترجمة نصرت نيل ساز). تهران: حكمت.
  • الطوسي، محمد بن الحسن. (1390هـ.ش). الاستبصار فيما اختلف من الأخبار. (تحقيق سيد حسن موسوي الخرسان). تهران: دار الكتب الإسلاميه.
  • الطوسي، محمد بن الحسن. (1417هـ.ق). العدة في أصول الفقه. (تحقيق: محمدرضا الأنصاري القمي). قم: چاپخانه ستاره.
  • عمادي الحائري، سيد محمد. (1394هـ.ش). بازسازي متون كهن حديث شيعه. قم: دار الحديث.
  • فولادزاده، وحيد؛ رحمان ستايش، محمد كاظم؛ ومهدي غلامعلي. (1398هـ.ش). رساله مطالعه نقدي تبيين فهرستي در اعتبارسنجي احاديث. (رساله سطح چهار حوزه). دانشگاه قم.
  • مددي الموسوي، سيد أحمد. (1385-1398هـ.ش). بيانات درس خارج اصول. (انتشار إلكتروني). www.ostadmadadi.ir.
  • مددي الموسوي، سيد أحمد. (1385-1398هـ.ش). بيانات درس خارج فقه. (انتشار إلكتروني). www.ostadmadadi.ir.
  • مددي الموسوي، سيد أحمد. (بدون تاريخ). “حجيت تعبدي خبر چيست”. (وبگاه دروس وآثار حضرت آيت الله استاد سيد احمد مددي). dorous.ir/Persian/article/12.
  • مددي الموسوي، سيد أحمد. (1393هـ.ش). نگاهي به دريا. قم: مؤسسه كتاب شناسي شيعه.
  • المرتضى الموسوي البغدادي. (1984م). الذريعة إلى أصول الشريعة. (تصحيح وتعليق أبو القاسم گرجي). تهران: دانشگاه تهران.
  • مطهري، مرتضى. (1374هـ.ش). آشنايي با علوم اسلامي. (ط.15). تهران: صدرا.
  • المفيد، محمد بن محمد. (1993م). التذكرة بأصول الفقه. (ط.2). بيروت: دار المفيد.
  • منتظري النجف آبادي، حسينعلي. (1415هـ.ق). نهاية الأصول: تقريرات أبحاث آية الله البروجردي. تهران: تفكر.
  • ميرزائي، أحمد. (1370هـ.ش). بررسي روايات به روش فهرستي. قم: مؤسسه مطالعات راهبردي علوم ومعارف اسلام.
  • ميرزائي، محمد؛ وأحمد إبراهيمي زاده. (1396هـ.ش). “جايگاه مفاهيم علم وظن در اعتبارسنجي خبر واحد”. مطالعات فهم حديث، 3(6)، 103-121. doi: 10.30479/mfh.2017.1163
Scroll to Top