الملخص
إن المقالة الحاضرة هي دراسة تتناول أموراً لا تندرج من حيث الموقع في صلب متن أصول الفقه، ولكنها تلعب دوراً مؤثراً في تحقق القواعد الأصولية وفي مسيرتها، وتُعرف هذه الأمور بـ «مبادي أصول الفقه». الهدف والغرض الأساسي من هذه المقالة هو اتخاذ خطوة في سبيل معرفة هذه المبادي وكيفية تأثيرها في المسائل والقواعد الأصولية. وبناءً على ذلك، سيتم البحث أولاً في تعريف المبادي وعددها؛ على سبيل المثال، هل تنحصر هذه المبادي في الأمور الأدبية واللغوية أم تشمل أيضاً بعض المسائل الكلامية والفلسفية والمنطقية وغيرها. وبعد تحديد الأمور الداخلة في استنباط المسائل والقواعد الأصولية، سيتجه مسار البحث نحو كيفية تدخل هذه الأمور في عملية الاستنباط؛ ذلك أن تشريع قاعدة ما يتوقف في الدرجة الأولى على معرفة موضوع المسألة ومحمولها، وفي الدرجة الثانية على الأدلة الخاصة التي تُعد مستنداً للمسألة. ومن ثم، فإن تحقق المسألة الأصولية يعتمد على معرفة أمورٍ هي أولاً الموضوع والمحمول، وثانياً إثبات المحمول للموضوع.
المقدمة
إن عمود خيمة كل علم هو سلسلة من القضايا والمسائل المترابطة والمتناسبة التي تقع ضمن مسار هدف محدد. ومن الواضح أن الدافع لتعلم ذلك العلم هو حل وفصل مسائله للوصول إلى ذلك الهدف، وحل وفصل كل مسألة منوط بمعرفة موضوعها وإثبات محمول ذلك الموضوع لموضوعه.
ومن جهة أخرى، فإن موضوعات مسائل العلم إما هي عين موضوع العلم، أو نوع من موضوع العلم، أو عرض ذاتي لموضوع العلم، أو مركب من الموضوع والعرض الذاتي للعلم. مثلاً، في العلوم الطبيعية يقال: «كل جسم فله شكل طبيعي»، ففي هذه القضية، موضوع المسألة هو نفس موضوع العلم الطبيعي. وفي مثل «كل متحرك فله ميل»، فإن موضوع القضية، وهو المتحرك، هو عرض ذاتي لموضوع العلم الطبيعي (الجسم). وفي قضية «كل خط يمكن تنصيفه»، فإن موضوع القضية هو نوع من المقدار الذي هو موضوع علم الهندسة. وفي قضية «كل اسم إما معرب وإما مبني»، فإن الاسم هو نوع من الكلمة التي هي موضوع علم النحو.
بناءً على ذلك، يجب أن تكون موضوعات المسائل ذات ارتباط وثيق بموضوع العلم، ومن هنا تبرز ضرورة معرفة ماهية موضوع العلم ووجوده، ومعرفة أجزائه أو أفراده، وكذلك الأصول التي بواسطتها يثبت محمول المسألة لموضوعها. إن معرفة الموضوع قد لا تحتاج أحياناً إلى اكتساب وتبيين وتكون بديهية، وفي هذه الحالة لا توجد مشكلة؛ ولكن أحياناً تكون معرفة موضوع العلم بحاجة إلى اكتساب؛ مثل موضوع علم النفس، ففي هذه الحالة، يجب تعريف الموضوع وإثبات وجوده، ومن هنا، فإن معرفة النفس وإثباتها في علم النفس تسمى مبادئ.
ووفقاً لهذا البيان القائل «أن يُعرَّف الموضوع ويُثبَت له محموله»، تنقسم المبادي إلى قسمين: 1. مبادئ تصورية؛ 2. مبادئ تصديقية. المبادئ التصورية هي تعريف وبيان ماهية الموضوع، ونوع الموضوع، وجزء الموضوع، والعرض الذاتي للموضوع، وما إلى ذلك، وهي أمور تُبحث في صلب العلم نفسه؛ أما المبادئ التصديقية فهي من علوم مختلفة، وغالباً ما تُبحث في علوم أخرى، وبعضها بديهي ومقبول لدى جميع العقول والعقلاء، وتُعرف بـ «الأصول المتعارفة»، وتُبحث في العلم الأعلى.
ومن هنا يقال إن فلسفة كل علم هي علم آخر يتولى بيان وإثبات أصول ومبادئ ذلك العلم، وإن أعم وأشمل مبادئ العلوم تُبحث في الفلسفة الأولى (الميتافيزيقيا والإلهيات) (مصباح اليزدي، تعليم الفلسفة، ج 1، ص 17)؛ مثل امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، وامتناع اجتماع الضدين، ومثل أصل العلية الذي يُستفاد منه ويُستند إليه في جميع العلوم النقلية والعقلية والتجريبية، ولا يمكن إثباته في أي علم تجريبي. وكذلك مثل «الكل أعظم من الجزء» أو تساوي خطين متوازيين في الهندسة. فكل العلوم الحقيقية والاعتبارية تستند في مبادئها إلى هذه الفلسفة، وهي لا تحتاج إليها. وعلة ذلك أن العلوم تبحث عن الموجودات المقيدة، والفلسفة تبحث عن الوجود بما هو وجود. وبعض تلك الأصول التي ليست في حد البداهة تسمى «الأصول الموضوعة»؛ مثل الأصول والقواعد التي تُقبل في علم ما (للمعلم والمتعلم)؛ ولكنها تُبحث في علم آخر؛ إلا أن طالبي هذا العلم يقبلون هذه القواعد ويسلّمون بها دون أن يُقام على إثباتها برهان.
دراسة مفهوم المبادي
المبادئ، جمع مبدأ، وهو اسم زمان أو مكان، وكذلك مصدر ميمي مشتق من «بدأ» بمعنى البدء والتقديم، أو مبدأ بمعنى «ما يجب أن يبدأ به»؛ أي ما يلزم البدء به. على هذا الأساس، فإن مبادئ الأصول تعني سلسلة من التصورات أو التصديقات التي تكون معرفتها مقدمة لتعلم علم أصول الفقه.
وقد دخل المرحوم الرشتي في مباحث مثل الوضع، الاستعمال، الدلالة، والمشتق باعتبارها من المبادئ التصديقية (حبيب الله الرشتي، بدائع الأفكار، 1313: ص 3). وقد عرّف المرحوم المطهري المبادي بقوله: «إن تشريع مسألة ما في الذهن يتوقف، في الدرجة الأولى، على معرفة موضوع المسألة ومحمولها، وفي الدرجة الثانية، على دليل وحجة تكون سنداً للحكم وتقنع الذهن. فما يُقدم في تعريف الموضوعات والمحمولات هو نفس التعريفات المعروفة بالمبادئ التصورية، وما يُقدم كسند للحكم هو سلسلة من الأصول المتعارفة والموضوعة التي تسمى المبادئ العامة» (المطهري، مجموعة الآثار، د.ت: ج 6، ص 474). وقال صاحب المعالم: «ولا بد لكل علم أن يكون باحثاً عن أمور لاحقة لغيرها وتسمى تلك الأمور مسائلة وذلك الغير موضوعه ولا بد له من مقدمات يتوقف الاستدلال عليها ومن تصورات الموضوع وأجزائه وجزئياته ويسمى مجموع ذلك بالمبادئ» (ابن زين الدين، د.ت: 38). وقال الشيخ البهائي في (الزبدة): «المراد بمباديه ما يتوقف عليه من الأمور التي ليست بينة بنفسها ومن شأنها أن يتبين في علم آخر». وهي سلسلة من التصورات والتصديقات، مرتبطة بالأمور اللغوية كالصرف والنحو، والتي يكون العلم بها ضرورياً لتعلم أصول الفقه؛ مثل بحث تعريف الحقيقة والمجاز، والوضع وأقسامه، وغيرها… التي هي مقدمات لمباحث الألفاظ في الفقه (حبيب الله الرشتي، بدائع الأفكار، 1313: ص 3). يقول الميرزا النائيني: «وأما المبادئ فتنقسم إلى تصورية وتصديقية. أما التصورية، فهي التي توجب معرفة الموضوعات أو المحمولات وأما التصديقية، فهي الأدلة التي توجب التصديق بثبوت المحمولات لموضوعاتها» (المحقق الخوئي، أجود التقريرات، 1419: ج 1، ص 98).
إن تركيز هذه المباحث في دراسة المبادي ينصب على المبادئ التصورية والتصديقية؛ وإن كانت المبادي في لغة الفلاسفة وغير الفلاسفة تُستخدم بمعانٍ مختلفة؛ فمثلاً، المبادي تعني ما لا يحتاج إلى برهان؛ 2. مبادئ الأجسام = العناصر الأربعة والعلل الأربعة؛ 3. مبادئ الأفعال الاختيارية: تصور، تصديق، شوق، عزم، تحريك عضلات، ومبادئ الإنسان: الأخلاط الأربعة. ومن وجهة نظر التفتازاني، فإن أجزاء العلوم ثلاثة: «الموضوعات، والمبادئ، والمسائل»، وهو يعرّف الموضوعات بأنها «هي التي تبحث في العلم عن أعراضها الذاتية». ومقصودهم من العرض الذاتي هو المحمولات التي تعرض على الموضوع بلا واسطة، أو بواسطة مساوٍ للموضوع، فإثبات كل عارض ومحمول لموضوع يشكل مسألة من مسائل ذلك العلم (حاشية الملا عبد الله).
وكما يلاحظ في العبارة السابقة، فإن نفس موضوع العلم يُعد من الأجزاء الثلاثة للعلوم؛ ولكن تعريف الموضوع وتعريف أجزائه وجزئياته يُعتبر من المبادئ التصورية. وفي نظر البعض، فإن تصور الموضوع والمحمول يكون داخلاً في تحقق المسألة إذا كان المحمول من الأعراض الذاتية. ويذكر الشيخ الرئيس في منطق (الشفاء) (نقلاً عن: الحاشية على تهذيب المنطق، ص 116) أن محمولات مسائل العلم يجب أن تكون من الأعراض الذاتية؛ ولكنه، مثل المحقق جلال الدين الدواني، يعتقد أن محمول المسألة في كثير من الأحيان يكون من الأعراض العامة بالنسبة لموضوعه؛ مثل «كل مسكر حرام» (في الفقه)، فإن الحرام بالنسبة للمسكر عرض غريب وأعم من الموضوع. وكذلك في علم النحو «كل فاعل مرفوع»، فالمرفوع أعم من الفاعل، أو في العلم الطبيعي «كل فلك متحرك على الاستدارة»، فالمتحرك أعم من الفلك. وعليه، ليس من الضروري أن يكون محمول المسألة عرضاً ذاتياً لموضوعها.
بالطبع، لا ينبغي أن يكون محمول المسألة أعم من موضوع العلم نفسه، إذ يُعد حينها من الأعراض الغريبة. نعم، إذا عاد المحمول العام بقيود إلى الأعراض الذاتية، سواء كانت القيود المخصصة في محمول المسألة أو في محمول موضوع العلم، ففي هذه الحالة يُعد أيضاً عرضاً ذاتياً لموضوع العلم؛ فمثلاً، لو أضيف قيد في «كل مسكر حرام» مثل «كل مسكر شيء حرام»، ففي هذه الحالة يصبح المحمول عرضاً ذاتياً للموضوع. أو في «كل فاعل مرفوع»، بتقدير «كل فاعل»، يكون لفظ «مرفوع» عرضاً ذاتياً للفاعل. وبناءً على ذلك، لن يكون هناك فرق بين موضوع العلم وموضوع المسألة. فكل محمول لمسألة يمكن تقييده بقيود بحيث يتساوى مع موضوع المسألة وموضوع العلم ويُعد من الأعراض الذاتية. إذاً، إشكال المحقق جلال الدين على الشيخ الرئيس يرد في حالة لم يشتمل المحمول على قيود مخصصة؛ ولكن في كل مسألة لا يوجد فيها قيد مخصص، يمكن تقديره وتحويل العرض الغريب إلى عرض ذاتي. وعلى كل حال، فإن معرفة الموضوع والمحمول المقيد بقيود مخصصة هي من مبادئ تحقق مسألة العلم. وبالنظر إلى ما ورد في تعريف المبادي: «المبادئ هي حدود الموضوعات وأجزائها وأعراضها؛ أعراض الموضوعات يعني محمولات الموضوعات» (التفتازاني، 1412: حاشية الملا عبد الله، ص 115)؛ فمعرفة المحمولات من المبادئ التصورية؛ سواء كان المحمول مركباً أو بسيطاً، وسواء كان عاماً بالنسبة للموضوع ظاهراً أو مساوياً لموضوع المسألة.
وقد اختلف الأصوليون في لزوم وحدة الموضوع لكل علم. يعتقد البعض أنه ليس من الضروري أن يكون لكل علم موضوع واحد؛ مثل المحقق الخراساني الذي يرى أن موضوع علم أصول الفقه هو مسائل ذلك العلم التي يترتب عليها غرض واحد. ويعتقد المشهور بضرورة وجود موضوع للعلم؛ لأن وحدة العلم منوطة بوحدة الموضوع. ويرى البعض أن موضوع علم الأصول هو ذوات الأدلة الأربعة بما هي هي؛ مثل صاحب (الفصول). وبعضهم يرى أن موضوع علم الأصول هو مطلق الأدلة ولا يحصره في الأدلة الأربعة. على أي حال، عندما نقول إن المبادئ التصورية هي حد أو رسم الموضوعات، فطالما لم يُعرف الموضوع، فإن عملية المسألة الأصولية لا تتحقق (نفس المصدر: ص 118).
«قد يقال المبادئ لما يبدأ به قبل المقصود والمقدمات لما يتوقف عليه الشروع على وجه الخبرة وفرط الرغبة كتعريف العلم وبيان غايته وبيان موضوعه وكان القدماء يذكرون ما يسمونه الرؤوس الثمانية». طبقاً لهذا البيان، تطلق المبادي أحياناً على ما يسبق المقاصد ويُعتبر من أجزاء العلم؛ مثل تصور الموضوع وأعراضه الذاتية والتصديقات التي تتشكل منها قياسات العلم. وأحياناً تطلق على مقدمات تلعب دوراً في الشروع بالعلم، وتُسمى هذه بالرؤوس الثمانية. وهذه المقدمات لا تُعد من أجزاء العلوم. والرؤوس الثمانية هي: 1. الغرض من العلم؛ 2. بيان المنافع؛ 3. عنوان العلم؛ 4. المؤلف؛ 5. من أي نوع من العلوم هو؛ 6. مرتبة العلم؛ 7. قسمة العلم إلى أبواب مناسبة؛ 8. أنحاء تعلمه. بالنظر إلى تعريف المبادي، من الواضح أن مكانة مبادي العلم تسبق مسائل العلم، ولهذا السبب يطرح الأصوليون قبل الخوض في المقاصد، مباحث حول المبادي. ولرفع توهم الوحدة بين التصور والتصديق في العلوم والتصور والتصديق في عنوان بحثنا (المبادئ التصورية والتصديقية)، فإن ملاحظة المبحث التالي مناسبة.
الفرق بين التصور والتصديق والمبادئ التصورية والتصديقية
هذان المصطلحان كلاهما منطقيان؛ مع فارق أن مصطلح التصور والتصديق يتعلق بأنواع العلم؛ أي العلم بالمعنى المصدري وهو حصول صورة شيء في الذهن، إما تصور أو تصديق. فإذا تحققت صورة شيء خارجي في الذهن، بدون نسبة وبدون حكم، سُميت تصوراً. وإذا كان حصول الصورة في الذهن مصحوباً بحكم، سُمي تصديقاً. لذا، تنقسم العلوم إلى تصورات وتصديقات، والتصور ينقسم إلى ضروري ونظري، والتصديق كذلك ينقسم إلى ضروري ونظري. ورأس المال الأساسي للإنسان هو العلوم الضرورية التي تُكتسب بها العلوم التصورية النظرية والعلوم التصديقية النظرية: «الفكر هو ترتيب أمور معلومة لتحصيل أمر مجهول» (الملا عبد الله، حاشية الملا علي على تهذيب المنطق).
أما مصطلح المبادئ التصورية والتصديقية عند أهل المنطق، فيتعلق بأجزاء العلوم؛ أي أن أهل المنطق يعتقدون أن العلم بالمعنى الاصطلاحي والمدوّن هو مجموعة مسائل منسجمة ومترابطة تتكون من ثلاثة أجزاء: الموضوعات، المبادئ، والمسائل. والمبادئ قسمان: تصورية وتصديقية (مكارم الشيرازي، أنوار الأصول، 1428: ج 1، ص 20). المبادئ التصورية هي أمور يتوقف عليها تصور موضوع العلم وموضوعات مسائل العلم؛ مثل تعريف موضوع العلم أو موضوع مسألة العلوم، وتعريف أجزاء الموضوع، وتعريف عوارض وحالات موضوع العلم. والمقصود بالمبادئ التصديقية هو القضايا البديهية التي يتوقف عليها التصديق بمسائل العلم. بعبارة أخرى، المبادئ التصديقية هي التصديقات البديهية التي تؤدي إلى كشف التصديقات المجهولة.
قبل الدخول في بحث المبادي التي لها دور في الاجتهاد، تجدر الإشارة إلى مسألة ما إذا كانت مبادئ كل علم يجب أن تكون من سنخ ذلك العلم، وهذه الإشارة لا تخلو من فائدة. يقبل بعض الأصوليين بالتماثل الأولي بين العلم ومبادئه، ويعتقدون أنه إذا كان علم أصول الفقه أو الفقه من العلوم الاعتبارية، فيجب أن تكون مبادئه التصديقية أيضاً اعتبارية، وبالتالي يتجنبون إدخال الفلسفة في الفقه؛ ولكن الواقع هو أنه على الرغم من أن العديد من مسائل علم الأصول والفقه اعتبارية، إلا أن مبادئها فلسفية ومن الأمور الحقيقية لا الاعتبارية؛ كما أن مسائل عديدة من الأصول مبنية على مسائل كلامية. لذا، بالتحقيق في المدرسة الفقهية في النجف وكذلك المدرسة الفقهية في قم – على الرغم من أن بناءهما على عدم إدخال الفلسفة في الفقه والأصول – تُلاحظ حالات كثيرة جداً يُستدل فيها بالمبادئ الفلسفية والأدلة الفلسفية على إثبات القواعد الفقهية والأصولية، وهو ما سيأتي في المباحث القادمة.
أقسام المبادي المرتبطة بالاجتهاد
- المبادئ اللغوية؛ أي المسائل اللغوية والأدبية التي يتوقف عليها فهم الموضوعات والمحمولات أو نسب بعض مسائل علم الأصول. وعلى الرغم من أن هذه المسائل ليست من مسائل علم الأصول، إلا أن طرحها في علم الأصول يأتي من باب التوقف عليها.
- المبادئ العامة التي تُستخدم في جميع العلوم وتكون مفيدة لجميع مسائل العلوم، وصحة المسألة مبنية عليها.
- المبادئ الخاصة التي بسبب الارتباط التام بين مسائل العلم وتلك المبادي، تقع مورداً للاستدلال (الأصول الموضوعة).
- المبادئ الكلامية وهي عبارة عن بعض المسائل الكلامية التي يتوقف عليها التصديق ببعض المسائل الأصولية؛ مثل عصمة القرآن والأولياء، عدم تحريف القرآن، حجية القرآن، ومسألة الحسن والقبح.
- المبادئ الفلسفية مثل استناد الأصولي إلى قاعدة الملازمة في المستقلات العقلية وغير المستقلات.
- المبادئ الحكمية التي تُبحث في مثل كون بعض الأحكام مجعولة أو انتزاعية.
- المبادئ البلاغية لكشف المعاني الثانوية للقرآن والسنة.
- المبادئ المنطقية التي تتوقف عليها صحة وسقم الاستدلالات الأصولية والفقهية.
- المبادئ التفسيرية: الإلمام بآيات الأحكام، الناسخ والمنسوخ، العام والخاص، وكون الآيات إنشائية أو إخبارية.
- المبادئ الرجالية والدرائية: علم السند وعلم الحديث.
الحكيم المتأله الحاج الملا هادي، بعد تعريف الفكر بأنه «الفكر حركة إلى المبادئ ومن المبادئ إلى المراد»، حيث يطرح ثلاث حركات للوصول إلى المقصود: «أولاً، أن يعرف المجهول، سواء كان مجهولاً تصورياً أو تصديقياً، وفي المرحلة الثانية، يتوجه نحو المبادي، وفي المرحلة الثالثة، يتحرك من المبادي نحو المقصود والمطلوب»، يقسّم المبادي. وفي توضيح وتبيين ابتداء المبادي، يقسمها إلى مبادئ خاصة وعامة، وكل من المبادي الخاصة والعامة ينقسم إلى تصورية وتصديقية. وتُفسر المبادئ التصورية بالحدود والرسوم، وتُعرّف المبادئ التصديقية بالقضايا التي تتألف منها القياسات. وتشكل الفصول والأعراض الخاصة المبادئ الخاصة التصورية، وتتولى الأجناس والأعراض العامة المبادئ العامة التصورية، وهذه المبادئ الخاصة التصورية والمبادئ العامة التصورية تُستخدم في التعريفات. وتُعرّف المبادئ التصديقية الخاصة بالقضايا الخاصة التي لها ارتباط وثيق بالمطالب والمسائل الخاصة. «الأصول الموضوعة» والمبادئ التصديقية العامة يُستند إليها في معظم مسائل العلوم؛ مثل «إن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان»، وهذه القضية المعروفة بمبدأ المبادئ وأول الأوائل في أذهان العموم. وامتناع اجتماع المثلين والضدين وبطلان الدور والتسلسل تُعد من هذه المجموعة، أي المبادئ التصديقية العامة؛ ثم المبادئ الخاصة الشركية التصورية والتصديقية العلمية الظنية والوهمية التسليمية والتخيلية.
تقسيم المبادئ التصديقية بحسب الصناعات الخمس
«علمية ظنية وهمية تسلّمية وتخيلية» (الحكيم السبزواري، منظومة الحكمة، 1379: ص 100). إذا كان القياس المنتج للنتيجة مؤلفاً من مبادئ تصديقية يقينية بديهية بالذات أو بالاكتساب، سُمي برهاناً. وإذا تشكل من مبادئ تصديقية ظنية واطمئنانية، سُمي خطابة. وإذا تكوّن من مبادئ وهمية، سُمي قياس المغالطة. وإذا تألف القياس من مبادئ وقضايا مُسلّم بها، سُمي قياساً جدلياً. وإذا تحقق من مبادئ تخييلية، سُمي قياساً شعرياً. بناءً على ذلك، يجب النظر إلى كل مسألة بالتوجه إلى مبادئها. فمجرد ترتيب عدة مقدمات واستنتاج نتيجة، غالباً لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة. والنتيجة ليست واحدة في جميع الحالات. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن المنطق له دور في تشكيل قياس الاستنباط؛ إذ يجب أن يُرى القياس المُشكَّل من أي مواد قد تألف.
المبادئ التصديقية، إذا كانت بديهية وغير قابلة للإنكار، تُسمى في الاصطلاح «الأصول المتعارفة»؛ ولكن إذا نظر المتعلم إلى المبادئ التصديقية بالتشكيك والاستنكار، سُميت «مصادرات»؛ أي كما أن الدليل مورد إنكار، فإن المدّعى والنتيجة أيضاً سيكونان مورد إنكار؛ أي أن الدليل هو عين المدّعى. وإذا كانت المبادئ التصديقية من المسلّمات والقضايا المقبولة، مع أنها ليست بديهية، سُميت «الأصول الموضوعة»؛ أي الأصول والعلوم التي ثبتت في موضعها. الأصول المتعارفة والأصول الموضوعة قد تُعتبر مبادئ في علم ما، وتُعتبر من مسائل علم آخر. وقد تكون الأصول الموضوعة عند شخص مصادرة وعند شخص آخر أصلاً موضوعياً؛ مثلاً، وجود الحركة وتجزئة المقدار يُعدان من مسائل العلم الأعلى؛ ولكنهما في سائر العلوم يُعتبران من المبادي.
من الواضح أن تمامية كل مسألة أصولية وفقهية منوطة بألا تستلزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما أو اجتماع الضدين وألا تقع في الدور والتسلسل. بناءً على ذلك، فإن هذه السلسلة من القضايا هي مبادئ تصديقية للمسألة الأصولية أو الفقهية. ومن جهة أخرى، بالنظر إلى أن القواعد والمسائل الأصولية مستقاة من القرآن، حتى لو أُخذت من السنة، فإنها تنتهي إلى المصدر الأصلي وهو القرآن؛ ومن هنا فإن عدم تحريف القرآن، وحجية القرآن، وعصمة القرآن، هي من مبادئ التصديق بالنسبة للمسألة الأصولية، ويتحقق إثبات هذه المسائل في علم الكلام. فكثير من المسائل الكلامية هي من الأصول الموضوعة التي تستند إليها صحة المسائل الأصولية وإثبات المحمولات للموضوعات.
وكذلك الحسن والقبح العقليان مثل حسن العدل وقبح الظلم، ولزوم شكر المنعم، وقاعدة اللطف، وقبح العقاب بلا بيان، هي مورد استناد كثير من المسائل الأصولية والفقهية، ويستند إليها الأصوليون كأصول موضوعة في صحة القاعدة الأصولية وإثبات المحمول للموضوع. وكثير من القواعد الفقهية والمباحث الفقهية والأصولية مبنية على هذه القضايا. على سبيل المثال، في الوجوب العقلي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحجية الإجماع، وأصل البراءة العقلي، ومشروطية جريان البراءة بالفحص، يُستند إلى قاعدة اللطف.
وترتبط بعض مباحث الفقه والأصول ببعض صفات الله تعالى، ومحل بحثها هو علم الكلام؛ مثل لزوم التشريع من قبل الله تعالى، وتفسير النسخ في الأحكام وبطلانه، فإنه يرجع إلى علم حضرة الحق، وبالنظر إلى صفتي «الحاكمية» و«العالمية» لله، يجب تنظيم المباحث المذكورة. ونظراً لعصمة النبي (صلى الله عليه وآله)، يجب الرد على أحاديث سهو النبي؛ إذ لا يمكن تنظيم هذه الأمور من جهة الولاية والحكم الحكومي. فزيادة وإنقاص ركعتين في الصلاة الرباعية يجب أن يُستند إلى منصب العصمة، أو مسألة أن حب وبغض النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) ناشئ من الحب والبغض الإلهي، أو أن المبدأ الأساسي لولاية الفقيه ناشئ من عصمة الأئمة (عليهم السلام) أو ملكية الإمام للأنفال.
على هذا الأساس، فإن كثيراً من القضايا التي تُثبت في علم الكلام وتُعتبر من المسائل الكلامية، تُستخدم بالنسبة للمسائل الأصولية والفقهية كمبادئ وأصول موضوعة. في الفلسفة وأصول الفقه أيضاً، تُطرح سلسلة من المسائل التي ترتبط بعلم الكلام؛ مثل كون المناهج تعبدية، واشتمال الإسلام على نظام سياسي، وتنافي روح الشريعة ومذاقها مع أنظمة الديمقراطية الموجودة في الغرب، أو لزوم كون الحاكم رجلاً في النظام الإسلامي أو نطاق الشريعة. هذه المباحث لها صبغة كلامية وتُبحث في فلسفة الفقه، ولها دخل في الاستنباط أيضاً؛ مع أنها تُعد من مسائل علم الكلام. فبحث الغلو الذي ثمرته نجاسة وطهارة الغلاة، أو مبحث الطلب والإرادة، أو وحدة الوجود التي تستلزم أحكاماً خاصة في الفقه، هي مباحث كلامية. على هذا الأساس، لا بد من الإلمام بعلم الكلام للوصول إلى رأي صحيح في الفقه وأصول الفقه.
حاجة قياس الاستنباط إلى الفلسفة وعدمها
تختلف الأنظار في حاجة الاجتهاد إلى الفلسفة. أنصار مدرسة الاجتهاد في سامراء كانوا يعتقدون أن تحصيل الفلسفة يخل بالفهم العرفي ويسبب سوء الذوق في الفهم الصحيح للمباحث الفقهية والأصولية. وهذا النهج لمدرسة سامراء في أفكار المحقق الفشاركي، والمحقق الحائري، وفي بعض محققي مدرسة قم الفقهية مثل المحقق البروجردي يظهر بوضوح.
كان رأي المحقق الأصفهاني أن علم أصول الفقه والفلسفة مرتبطان ببعضهما، وأن الفلسفة تساعد في تثبيت ودقة المسائل الأصولية، وهذا المعنى واضح تماماً في كتابه (نهاية الدراية). ويعتقد البعض مثل الإمام الخميني والعلامة الطباطبائي أنه بما أن موضوع الفلسفة هو الوجود المطلق، وما يُبحث في الفلسفة هو الوجودات التكوينية والتحليلات الفلسفية هي تحليلات عقلية، والمباحث المطروحة في الفلسفة كلها تبحث عن الوجود وعوارضه؛ فلا علاقة لها بالمباحث الأصولية والفقهية التي هي سلسلة من الأمور الاعتبارية. في الأصول والفقه، غالباً ما تُحمل الأحكام على موضوعات عرفية، والعرف له دور في فهم الموضوعات؛ ومن هنا فإن الفهم الفلسفي الدقيق لا فائدة له في الموضوعات الفقهية. في مباحث الألفاظ في أصول الفقه، الفهم العرفي والعقلائي هو المعيار، لا الدقة الفلسفية. ونوع التحليل العقلي يختلف عن التحليل العقلائي والعرفي. لذا، قال البعض إن الدقة الفلسفية في العلوم العقلية لا علاقة لها بالفقه والأصول؛ بل قد تكون مضرة أحياناً؛ لأنها تؤدي إلى الخروج عن ميدان الفهم العرفي؛ كما أن التفهيم في الشريعة مبني على أن الأنبياء كانوا يتحدثون بلسان قومهم. هؤلاء يرون استحالة اجتماع الضدين واستحالة اجتماع الأمر والنهي من باب اللغوية، لا من باب اجتماع الضدين الذي يُبحث في الفلسفة.
إضافة إلى أنه في كتب الأصول للمحقق الطوسي والعلامة الحلي لا يُرى أثر للفلسفة. وفي زمن المحقق البهبهاني، دخلت بعض القواعد الكلامية إلى علم الأصول. وهذا المنهج استمر على يد المحقق السيد مجاهد صاحب (مفتاح الأصول) وبعده صاحب (القوانين) وصاحب (الفصول)؛ ولكن لم يكن هناك خبر عن القواعد الفلسفية في هذه الكتب. حتى في زمن شريف العلماء المازندراني والشيخ الأعظم، لم يكن هناك توجه في مباحث الأصول إلى الفلسفة. نعم، منذ زمن صاحب (الكفاية)، دخلت القواعد الفلسفية إلى علم الأصول، واستمر هذا المنهج على يد بعض تلاميذه مثل المحقق الأصفهاني.
القواعد الفلسفية لا تجري في الأحكام التي هي أمور اعتبارية، والمعيار في كون القضية اعتبارية أو تكوينية هو حكم القضية لا موضوعها؛ ولكن معرفة الفلسفة تساعد في التمييز بين المسائل الاعتبارية والتكوينية وتمنع الخلط. الفلسفة أولاً وبالذات لا دخل لها في الاستنباط؛ ولكنها تؤثر في تدقيق وإقناع القواعد الأصولية. ومن هنا، حتى الذين يرفضون دخول المباحث الفلسفية في الأصول، يدخلون بالاستدلالات الفلسفية، ولذلك فإن المباحث الأصولية في زماننا مشحونة بالمباحث الفلسفية. من الواضح جداً أنه في كثير من المسائل الأصولية يتم الدخول في المباحث الفلسفية. حضرة الإمام الخميني والعلامة الطباطبائي، اللذان يفصلان الفلسفة عن الأصول، يدخلان في الفلسفة لإثبات صحة أو عدم صحة المباحث في الأصول. والمذكوران، باستخدام الفلسفة، يدخلان في رد المباحث الفلسفية في أصول الفقه؛ ولكن كون كتب القدماء وبعض الأصوليين خالية من المطالب الفلسفية لا يثبت أن معرفة الفلسفة لا دور لها في الاجتهاد الأصولي.
إذا تمسكنا في إثبات مسألة الأصول، بالإضافة إلى الأدلة التعبدية، بالدليل العقلي، فهل يؤدي ذلك إلى انحراف في الفهم الصحيح؟ كون الفلسفة تبحث عن الأمور التكوينية وعن الوجود وعوارضه، ألا يمكن أن يكون لها تحليل في إثبات إرادة الشارع؟ الإمام الخميني في (تهذيب الأصول) يعتبر نفس تحقق اعتبار الشارع أمراً حقيقياً؛ لأن الاعتبار فعل الشارع، وفعل الشارع من الأمور الحقيقية. إذاً، تحقق الاعتبار مشمول بالقواعد الفلسفية. فإذا كانت الفلسفة تبحث عن الوجود وأحواله، فهذا أيضاً نوع من الوجود. وكذلك مبحث الإرادة والكراهة، أي مبدأ الأمر والنهي، هو من الأمور التكوينية والحقيقية التي تبحث في الأصول، ومباحث الملازمات العقلية وغيرها، بعض مباحث القطع في علم الأصول لها مكانة خاصة. وفي الأحكام الوضعية، توجد حالات تكون الفلسفة فيها ذات فائدة؛ مثل إثبات سببية السبب، التي وإن كان السبب نفسه قابلاً للجعل، فإن السببية التي هي لازمة للسبب، غير قابلة للجعل وتُثبت بالقواعد الفلسفية، وغيرها.
بناءً على ذلك، يجب أن يكون الفقيه متبحراً في مباحث الإلهيات، ومطلعاً اطلاعاً كافياً على مقامات النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) ليكون محققاً واقعياً في المباحث العقلية والكلامية، وملماً بروح الشريعة الإسلامية ليتمكن من تنظيم المباحث الفقهية والأصولية، والاستفادة من المباحث العقلية والكلامية في استنباط القواعد وحل المسائل المستحدثة. على هذا الأساس، يمكن القول إن الفلسفة من المبادي التي لها تأثير كبير في تدقيق المسائل الأصولية، وفي مساعدة الفقيه والأصولي على الاطمئنان في الوصول إلى الحكم الشرعي والقاعدة الأصولية. وبما أن علم الفلسفة يوسع فكر وعقل الإنسان، فإنه يؤدي إلى دفع الشبهات الواردة على القواعد الأصولية والأحكام الفقهية المستنبطة من الأدلة؛ ومن هنا، فإن التشكيك في دور علم الفلسفة في الأصول لا يقوم على أساس متين. وبناءً على ما ذُكر، فإن مبادئ الاجتهاد لا تنحصر في المبادي التي تثبت نسبة محمول المسألة إلى موضوعها؛ بل تلك المسائل التي تؤدي إلى قطع المجتهد بالمسألة الأصولية، وتقطع الشبهات الواردة، وتؤدي إلى تدقيق المسألة، يجب أن تُعد من المبادي.
حاجة الاجتهاد في أصول الفقه إلى علم الرجال
بالنظر إلى أن مستند القواعد والمسائل الأصولية هو القرآن، واستخراج هذه القواعد من القرآن يتم بواسطة الروايات المعتبرة، واعتبار الروايات يعتمد على رواة الرواية، ورواة الروايات يخضعون للجرح والتعديل في علم الرجال، وتوثيقهم وتعديلهم يُثبت، ومن جهة أخرى، ما لم يكن سند الرواية تاماً وكاملاً، لا يمكن الاعتماد على متنها والحصول على الوثوق. من هنا، يُعد علم الرجال والمسائل الرجالية من المبادئ التصديقية لمسائل علم الأصول. وعلى هذا الأساس، فإن الفقهاء والأصوليين لا يبدون رأياً وفقاً لمضمون الرواية غير المعتبرة، سواء كان مضمونها قاعدة أصولية أو قاعدة وحكماً فقهياً. وبما أن هذه المسألة متفق عليها، حتى عند الأخباريين الذين يعتمدون على الروايات مقطوعة الصدور ويعتقدون أنه في حال تمامية السند، أي صدور الرواية، يمكن العمل بمضمون الرواية، وبما أنهم يعتبرون روايات الكتب الأربعة مقطوعة الصدور، فإنهم يعملون بها. خلاصة القول، سواء كان الرجالي يعتقد بالوثوق السندي أو بالوثوق الصدوري، فإن الاستدلال بالروايات في كلتا الحالتين يحتاج إلى مباحث رجالية. صاحب (الجواهر) والمحقق البروجردي يعتقدان بوثاقة الصدور من خلال التأمل في السند والمتن والقرائن المتعددة، والمحقق الخوئي يصل إلى اعتبار الرواية من خلال إثبات وثاقة رواتها. على أي حال، ما لم يحصل اعتبار الرواية وإحراز صدورها، فإن التصديق بمضمونها والفتوى طبقاً لها واستنباط القاعدة الأصولية منها غير صحيح.
تأثير علم التفسير في الاجتهاد
هل التخصص في تفسير القرآن مؤثر في الاستنباط؟ الجواب إيجابي؛ لأن صاحب المباني في التفسير، الذي لديه القدرة على تفسير المحكم والمتشابه، والقدرة على كيفية رد المتشابه إلى المحكم، وكيفية تمييز الناسخ من المنسوخ، وكذلك ارتباط الآيات ببعضها البعض، وكيفية ارتباط الروايات بالآيات، وتنقيح مباحث الظاهر والباطن والتأويل، ويستفيد من هذه القدرة التفسيرية للوصول إلى الأحكام الفقهية، هو دليل على أن تفسير القرآن له تأثير كبير في استنباطات الفقيه وفي صحة القواعد والأحكام المستنبطة. بناءً على ذلك، فإن علم التفسير من العلوم المؤثرة في استناد القواعد الأصولية والأحكام الفقهية إلى الكتاب والسنة. وقد اعتبر العلامة المجلسي فلسفة الجري استمراراً للتكليف (المجلسي، مرآة العقول، 1366: ج 2، ص 345). وهل يصح لأحد أن يقول إن التسلط على الآيات وتطبيقها على المصاديق عبر الزمن لا دور له في الاجتهاد الفقهي والأصولي؟
تأثير العلوم الأدبية في الاجتهاد
لا شك أن كشف مراد المتكلم يتوقف على كشف معاني الألفاظ، وكشف معاني الألفاظ التي استخدمها الشارع في مقام التفاهم العرفي، يتوقف على العلوم الأدبية. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «تعلموا العربية فإنها كلام الله الذي يكلم به خلقه» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، 1409: ج 17، ص 327)؛ لأنه بدون الإلمام باللغة والصرف والنحو، لا تتحقق معرفة وفهم موضوع المسألة ومحمولها، وبدون فهم تحقق المسألة وانتساب المحمول إلى الموضوع، لا يمكن ذلك. «عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَعْرِبُوا حَدِيثَنَا فَإِنَّا قَوْمٌ فُصَحَاءُ وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُه» (نهج البلاغة، 1414: ص 354).
في هذا السياق، الحاجة إلى اللغة تأتي من أنه قد تكون معاني اللغات المستعملة في زمن الشارع قد تغيرت. فيجب على الفقيه أن يدرس تطور أو عدم تطور معنى اللغة ليصل إلى مراد الشارع. لذا، يجب الرجوع إلى كتب اللغة ليطلع على تطورها أو عدمه. والأنس باللغة العربية يسبب سرعة الفهم ويلعب دوراً كبيراً في الظهور. وعلم النحو أيضاً له تأثير كبير في فهم كلام الشارع. فمعرفة الفاعل من المفعول، والحال من التمييز، وبيان أقسام الإضافة، والمبتدأ من الخبر، والمفعول له من المفعول به، وعشرات القواعد النحوية الأخرى، لها دور مهم في تفسير الكلام ومعناه. بدون معرفة قواعد الإعراب، حتى لو كنت من أهل اللغة نفسها، لا يمكنك فهم ظاهر وباطن الكلام الوارد في الكتاب والسنة فهماً دقيقاً. والصرف ومعرفة الكلمات الواردة في كلام الله وأوليائه له أثر في فهم الكلام، وإذا لم يفرق بين الفعل الماضي والمضارع واسم الفاعل والمفعول والأمر الحاضر والأمر الغائب واسم الزمان والمكان والمصدر واسم المصدر، ولم يكن ملماً بالكلمات، فلا يمكنه فهم الكلام؛ لذا، فإن علم الصرف والتصريف من مبادئ المسألة ويؤدي إلى تحقق القاعدة الأصولية والفقهية. بناءً على ذلك، فإن الصرف والنحو واللغة لها دور مهم في تفسير وتبيين موضوع المسألة ومحمولها.
حاجة الاجتهاد إلى البلاغة (المعاني والبيان)
بالنظر إلى أن القرآن والحديث في أعلى درجات البلاغة والفصاحة، فإن الإشراف على العلوم البلاغية يساعد في فهم القرآن والحديث. خاصة أن مدرسة الاجتهاد الفقهي مثل مدرسة المحقق البروجردي (رحمه الله) تبدأ كل مسألة بالإشارة إلى الآيات ودلالتها، وكانت مكانة القرآن في الفقه هي نقطة ارتكازه الأولية. البعض يرى أن علم البلاغة مؤثر فقط في مرجحات أحد الخبرين المتعارضين (مكارم الشيرازي، أنوار الأصول، 1428: ج 2، ص 628) ويصرح بأن الفصاحة والبلاغة ليست من المرجحات المنصوصة؛ ولكن الإنصاف هو أن المسائل المطروحة في علم البلاغة، والتي يكون استخدامها مؤثراً في الاستنباط من الأدلة اللفظية؛ مثل تقديم ما حقه التأخير، ومباحث الحقيقة والمجاز، والكنايات، والاستعارات، وتبيين أداة الحصر وأقسام الحصر، والإسناد الحقيقي والمجازي، وعشرات المسائل الأخرى التي يشتمل عليها القرآن والحديث، وهذه القاعدة في فهم هذه الأحاديث والآيات المشتملة عليها في الاستنباط وكذلك في صحة المطالب والتصديق بالمسألة الأصولية أو الفقهية المستنبطة مؤثرة. ومن هنا، يرى بعض أهل الفن أن علم البلاغة (المعاني والبيان) هو علم أسرار النحو وأهدافه. بواسطة الصرف والنحو وقواعد الإعراب، يصل المدلول الظاهري للكلام إلى الظهور؛ ولكن بعلم البلاغة، تتضح المداليل الثانوية للكلام والأهداف الواقعية له، وبواسطة هذا العلم، ما كان مخفياً عن عين النحوي، يُفهم؛ لذا، تلعب البلاغة دوراً في الظهور والاستظهار والفهم الدقيق لمراد المتكلم.
تأثير المنطق في الاجتهاد
نظراً لأن وظيفة المنطق هي عصمة الفكر، وقواعده هي أداة التفكير الصحيح (المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر)، والاجتهاد نفسه هو نوع من الجهد الفكري في الآيات والروايات بهدف معرفة الأحكام الشرعية؛ فإن حاجة الاجتهاد إلى المنطق أمر بديهي. يجب على المجتهد أن يستخرج القواعد والأحكام من الآيات والروايات بطريقة صحيحة ومنطقية لتكون موضع ثقة. لذا، يمكن القول إن ليس كل من كانت الروايات والآيات في متناوله يمكنه الاجتهاد. مثلاً، لا يمكن لأي شخص أن يحل مسألة الروايات المتناقضة والمتعارضة؛ بل يجب أن يكون ملماً بقواعد باب التعارض، وأن يستخدم هذه القواعد بالطريقة الصحيحة ليتمكن من حل مشكلة التعارض.
ولكن في الوقت نفسه، يعتقد المحقق الخوئي أن المنطق لا يُعد من مبادئ الاجتهاد، والاجتهاد لا يحتاج إلى المنطق. ويعتقد أن المنطق يوضح أموراً لها دخل في الاستنتاج؛ مثل أشكال القياس وشروطه. من الواضح أن حتى الأطفال يفهمون هذه الأشكال والشروط. ويعتقد المحقق مكارم الشيرازي أن القدر اللازم من المنطق فطري ولا يحتاج إلى بحث (1414: 627). والدليل الآخر لهؤلاء الكبار هو أن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كانوا يستدلون بالآيات والروايات، بينما لم يكونوا قد درسوا المنطق.
ولكن في مقابل هذه المجموعة من الأصوليين والفقهاء، هناك مجموعة أخرى تعتبر علم المنطق من شروط الاجتهاد. ومن هذه الفئة الفاضل التوني، والعلامة الحلي، والشيخ البهائي، والشهيد الثاني، والإمام الخميني. يقول في شروط الاجتهاد: «منها تعلم المنطق لئلا يقع في الخطأ لأجل إهمال بعض القواعد» (الإمام الخميني، الاجتهاد والتقليد، 1385: ص 97). ويقول الوحيد البهبهاني في شروط الاجتهاد: «ومن الشرائط المنطق». وقد ذكر أن الفقه يحتاج إلى الاستدلال، والعلوم التي لها دخل في الاجتهاد وشروطه تحتاج إلى الاستدلال، ومن جهة أخرى، فإن هذه المسائل كلها نظرية، ولذا لا يتم الاستدلال إلا بالمنطق الوافي.
يقول الفاضل التوني: «الثالث: فيما يحتاج إليه المجتهد المنطق» لأن تصحيح المسائل الخلافية يُحل بالأصول المنطقية، «وكذا رد الفروع إلى الأصول لأنها تحتاج إلى الدليل ولا يمكن إلا بالمنطق» (الفاضل التوني، الاجتهاد والتقليد، 1415: ص 252). إضافة إلى أن مباحث مثل الألفاظ، والدلالة، وأقسامها، وأقسام البرهان، هي من مباحث المنطق ولها تطبيق في أصول الفقه. وحاجة المجتهد إلى مبحث الكليات الخمس والنسب الأربعة والحدود المعتبرة في التناقض وغيرها من مسائل المنطق، هي حاجة مقبولة لدى بعض المجتهدين.
ويقول المحقق مكارم في الرد على أدلة المنكرين: أما عدم احتياج أصحاب الأئمة إلى المنطق فكان بسبب وصولهم إلى المعصوم (عليه السلام)، وكان دليل العصمة هو وسيلة اعتمادهم؛ وأما أن أصول المنطق يفهمها حتى الأطفال، فهو ادعاء بلا دليل. هل إثبات الحق بواسطة بطلان نقيضه يفهمه الجميع؟ هل الأطفال ملمون بأنواع الاستدلال من الكلي إلى الجزئي، والاستدلال من الجزئي إلى الجزئي، ومن الجزئيات إلى الكلي، بالفطرة؟ بناءً على ذلك، يلعب المنطق دوراً رئيسياً في التفكير الصحيح أو عملية الوصول إلى نتيجة صحيحة، ويُعد من المبادئ التصديقية للاجتهاد.
المبادئ الحِكَميّة
تُستخد المبادئ الحكمية في موردين. أحياناً يقال مبادئ الأحكام، والمراد بها ملاكات الأحكام، وهي عبارة عن المصالح (ملاكات الواجبات) والمفاسد (ملاكات المحرمات) التي تُبحث في علم الكلام، ويعتقد بها الإمامية والمعتزلة، وأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد؛ في مقابل الأشاعرة الذين لا يعللون الأحكام بالأغراض. وأحياناً يقال مبادئ، والمراد بها سلسلة من التصورات والتصديقات في نطاق الأحكام التي تُبحث في علم الأصول. أما المراد بالمبادئ الحكمية في محل البحث، فهو معرفة الحكم نفسه وعوارضه وحالاته. بعبارة أخرى، المراد بالمبادئ الحكمية هو سلسلة من التصورات والقضايا التي توجب معرفة الحكم وإثبات عوارضه.
في كتب القدماء، لم يرد ذكر للمبادئ الحكمية كجزء من أجزاء العلم؛ وإن كانت مباحث مثل المعاندات وملازمات الحكم تظهر، وهو ما أشار إليه المحقق البروجردي بهذا المعنى: «أنه كان للقدماء مباحث يبحث فيها عن معاندات الأحكام وملازماتها»، فملازمات مثل لزوم جواز العمل بالأمر الاضطراري هي الإجزاء، وكذلك النهي في العبادة يتنافى مع الحكم بالصحة، ووجوب الشيء يقتضي وجوب مقدمته (البروجردي، نهاية الأصول، 1415: 154).
في مسألة المبادئ الحكمية في علم الأصول، يوجد رأيان: 1. المبادئ الحكمية قسم مستقل عن المبادئ التصورية والتصديقية (الشيخ الأعظم، 1426: 244؛ النائيني، 1417/1: 8 و 1376: 1/ 27؛ الآقا ضياء، 1417: 2/ 359)؛ 2. الرأي الآخر هو أن المبادئ الحكمية هي مجموعة فرعية من المبادئ التصورية والتصديقية (السبزواري، د.ت: 1/ 9؛ الخوئي، 1417/2: 295، 3، 4 و 6/ 179؛ همو، 1300: 1/ 291؛ الإمام الخميني، جواهر الأصول، 1376: 4/ 33). ويعتقد المحقق الخوئي أنه إذا بُحث في المبادئ الحكمية عن تعريف الحكم وحده ورسمه، فهي داخلة في المبادئ التصورية.
وإذا بُحث عن حالات وآثار وعوارض له مثل التضاد والتلازم بين الأحكام، فهي داخلة في المبادئ التصديقية وليست شيئاً آخر: «لا نعقل المبادئ الأحكامية في مقابل المبادئ التصورية والتصديقية. نعم قد يكون الحكم موضوعاً فيبحث عن حالاته وآثاره إلا أنه في الحقيقة داخل في المبادئ التصديقية وليس شيئاً آخر في مقابلها وهو ظاهر، كما أن تصوره بذاته وذاتياته داخل في المبادئ التصورية» (الخوئي، 1417: 2/ 295). ومن هنا، ذكر أن المبادئ الحكمية من لوازم الحكم ومقتضياته.
المراد من المبادئ الحكمية
يرى المرحوم حبيب الله الرشتي أن: «المراد من المبادئ الحكمية، هو نفس المباحث التي تجري حول أدلة استنباط الحكم الشرعي. وإذا كان الأمر كما قال، فيجب إطلاق هذا الاسم على كل أو معظم المسائل الأصولية؛ لأن كل هذه المباحث هي مقدمة للأحكام الشرعية» (الرشتي، د.ت: 32).
بيان الأنظار
لم يعتبر المحقق الأصفهاني المبادئ الحكمية عنواناً مستقلاً، ولذا حصر مبادئ علم الأصول في المبادئ التصورية والتصديقية؛ ولكنه قسم كل واحد من المبادئ التصورية والتصديقية إلى قسمين: مبادئ لغوية وحكمية، ووضع كل مباحث الألفاظ تحت أربعة عناوين: 1. المبادئ التصورية اللغوية؛ 2. المبادئ التصديقية اللغوية؛ 3. المبادئ التصورية الحكمية؛ 4. المبادئ التصديقية الحكمية. طبقاً لرأيه، فإن المبادئ التصورية الحكمية تتولى معرفة أنواع المجعولات الشرعية بكل تقسيماتها، ومن هنا، تحت هذا العنوان، طرح المباحث التالية: تقسيم الحكم إلى تكليفي ووضعي، وأنواع كل قسم، وتقسيم الواجب إلى مطلق ومشروط ومعلق ومنجز، ونفسي وغيري، وتعييني وتخييري، وعيني وكفائي، وموسع ومضيق، وتعبدي وتوصلي (المحقق الأصفهاني، 1416: 441/ 73). ويعتبر المبادئ التصديقية الحكمية مباحث من قبيل إمكان أو امتناع أخذ قصد القربة في متعلق الأمر كمبدأ تصديقي لجواز التمسك بالإطلاق أو عدم جوازه؛ لذا، فإن هذا المبحث من المبادئ التصديقية الحكمية. ومسألة مقدمية ترك الضد للضد الآخر وعكسها كمبدأ تصديقي للحكم بالاقتضاء في مسألة الضد. ومسألة تعلق الحكم بالفرد أو الطبيعة كمبدأ تصديقي لمسألة اجتماع الأمر والنهي. وبحث حقيقة الوجوب من حيث التركيب والبساطة كمبدأ تصديقي لمسألة نسخ الوجوب (المحقق الأصفهاني، 1416: 1/ 74: 108؛ البجنوردي، 1380: 1/ 28).
«زادوا في علم الأصول قسماً آخر من المبادئ وسموها بالمبادئ الأحكامية. والمراد منها معرفة حالات الأحكام الشرعية من تقسيمها إلى الوضعية والتكليفية، وأن الأحكام التكليفية متضادة بأسرها، وأن الأحكام الوضعية هل هي منتزعة عن التكليفية أو مستقلة في الجعل، وغير ذلك من حالاتها وعوارضها. وقد ذكروا ذلك بالمناسبة». في هذه العبارة، تطرق المرحوم المحقق البجنوردي إلى تعريف مبادئ الحكم وعوارضه، واعتقد أن المبادئ الحكمية قسم ثالث من المبادي، ومحل بحثها هو علم الأصول؛ وإن كان ذكرها في علم الأصول من باب الاستطراد.
يقول المحقق السيد عبد الأعلى السبزواري: «ويزيد في علم الأصول مبادئ أخرى اصطلحوا عليها بالمبادئ الحكمية وهي عبارة عن معرفة الأحكام المنسوبة إلى الشارع تكليفية كانت أو وضعية وترجع إما إلى المبادئ التصورية أو التصديقية». من عبارته، يتضح أن المبادئ الحكمية ليست أمراً ثالثاً غير المبادئ التصورية والتصديقية وليست خارجة عنها.
ويعرّف المرحوم النائيني المبادئ الحكمية بأنها أمور «يبحث فيها من حالات الأحكام بما هي هي من كونها مجعولة استقلالية أو انتزاعية ومن حيث اشتراطها بشروط عقلية وغير ذلك ومن هذا القبيل مقدمة الواجب والنهي عن الضد واجتماع الأمر والنهي» (النائيني، 1368: 1/ 8). «المراد من المبادئ الأحكامية هو ما يتوقف عليه معرفة الأحكام الشرعية من التكليفية والوضعية بأقسامهما، وكذا الأحوال والعوارض للأحكام من كونها متضادة، وكون الأحكام الوضعية متأصلة في الجعل، أو منتزعة عن التكليف، وغير ذلك من حالات الحكم» (النائيني، 1376: 1/ 27).
المراد بالمبادئ الحكمية هو مباحث حول ماهية الحكم مع كل عوارضه وتقسيماته (الإيرواني، 1370: 1/ 212). بناءً على ذلك، المبادئ الحكمية هي مباحث حول الحكم نفسه بصرف النظر عن تعلقه بالموضوع ومباحث حول لوازم وآثار الحكم، لا بحث عن أدلة الأحكام. بناءً على ذلك، فإن كل قواعد الأصول أو معظمها لا تندرج تحت هذا الاسم.
بناءً على ذلك، فإن تقسيم المبادي إلى لغوية وحكمية، وإدراج كل المباحث المتعلقة بأدلة الأحكام تحت مجموعة المبادئ الحكمية، كما فعله المرحوم شبّر في (الأصول الأصلية)، وكما سار على هذا النهج المرحوم حبيب الله الرشتي، ليس تاماً؛ لأنه سواء قلنا إن المبادئ الحكمية عنوان مستقل في مقابل المبادئ التصورية والتصديقية، أو قلنا إنها ليست أمراً مستقلاً وداخلة في المبادئ التصورية والتصديقية لعلم الأصول، فإن المبادئ الحكمية في كلتا الحالتين مرتبطة بمعرفة الحكم وآثاره ولوازمه ومقتضياته، وهي أن معرفة ماهية الحكم وحده ورسمه هو المبدأ التصوري، وكذلك معرفة آثار الحكم وإثبات هذه الآثار للحكم هو المبدأ التصديقي. ولذا، فإن كل ما هو مبدأ تصديقي للحكم، يُسمى بالمبادئ الحكمية. إثبات آثار الحكم، للحكم، هو مبدأ تصديقي للحكم.
على هذا الأساس، فإن القسم الأول من كلام المحقق الأصفهاني الذي قسم المبادي إلى مبادئ تصورية لغوية وحكمية، ومبادئ تصديقية لغوية وحكمية، هو متين. ومن هنا، فإن المبادئ الحكمية لا تخرج عن تعريف الحكم وسلسلة من المسائل التي تثبت آثار الحكم له؛ كما قال المحقق الخوئي: أما المبادي التي تُعد من أجزاء العلم، فهي المبادئ التصورية والتصديقية للموضوع أو موضوعات المسائل وعوارضها وآثارها، وتعريف الحكم وآثاره لا يندرج في هذا التعريف؛ ومن هنا، فإن القول بأن المبادئ الحكمية في عرض المبادئ التصورية والتصديقية للموضوعات وعوارضها، ليس بلا وجه. ولذا، اعتبر البعض بحث المبادئ الحكمية من اختصاصات علم أصول الفقه؛ لأن مبادئ العلوم الأخرى، غير أصول الفقه، إما تصورية أو تصديقية ولا ثالث لهما (الإمام الخميني، 1418: 4/ 128). والشيء الآخر هو أن المبادئ الحكمية تتعلق بالحكم، وفقط في الأصول يُبحث عن الحكم الشرعي.
على هذا الأساس، فإن نظرية اختصاص المبادئ الحكمية بالفقه، لأن المباحث المتعلقة بالحكم وآثاره تُطرح في الفقه، قابلة للتأمل (البروجردي، 1415: 1/ 154؛ السبحاني، 1414: 1/ 466؛ مكارم الشيرازي، 1428: 1/ 324). النتيجة هي أنه بما أن الحكم وآثاره وأقسامه وعوارضه وأصول الفقه تُبحث، فإن المبادئ الحكمية تُعد من مبادئ الاجتهاد، وارتباطها بالاجتهاد الأصولي واضح.
هل معرفة موضوع الحكم من مبادئ الاجتهاد، والاجتهاد يتوقف على معرفة موضوع الحكم؟ لا خلاف في أن الأحكام تترتب على الموضوعات؛ ولكن الموضوعات التي تترتب عليها الأحكام الشرعية هي غالباً موضوعات كلية، والاجتهاد في معرفة هذه السلسلة من الأحكام وموضوعاتها لا يتوقف على معرفة مصاديق هذه الموضوعات. فمعرفة الجزئيات ومصاديق الموضوعات لها دور في ترتب الحكم الكلي عليها؛ ولكن هذه السلسلة من المعارف لا تُعد من المبادي؛ بل هذا الترتب من باب التطبيق على المصاديق. على هذا الأساس، فإن نظرية الذين يعتقدون أن كل العلوم لها دور في الاجتهاد وتُعد من مبادئ الاجتهاد، ليست صحيحة؛ لأن التعريف الحدي والرسمي لموضوع العلم أو مسألة العلم مع العلم بوجود الموضوع في الاجتهاد كافٍ. ومعرفة الحدود والرسم والعلم بوجوده، وهي المبادئ التصديقية والعلوم المتعارفة والأصول الموضوعة، تدخل الميدان في سبيل إثبات المحمول للموضوع. وفي الموضوعات الجزئية، تطبيق الحكم الكلي على الجزئي، وهو نفس الحكم الكلي الذي كان على الموضوعات الكلية، وهذا التطبيق بعهدة العرف. الشارع يحرم الشراب، والمجتهد عندما يعين حد ورسم الشراب، فإن العرف هو الذي يجب أن يتعرف على الشراب ويجتنبه، وهذا لا علاقة له بمبادئ الاجتهاد.
الموضوع المتبقي من البحث، وهو أي سلسلة من المبادي التي ذُكرت، لها دور في معرفة ماهية الموضوع والمحمول، وأيها يُستخدم في إثبات محمول المسألة والقاعدة الأصولية للموضوع، سيتم تدوينه في مقال ثانٍ في هذا الموضوع نفسه، إن شاء الله.
الخلاصة
تبيين أجزاء العلوم، علاقة موضوع العلم بموضوعات مسائل العلم، وكذلك علاقة محمول المسألة بموضوع المسألة وموضوع العلم، والفرق بين المبادي ومقدمات الشروع، ومفهوم المبادئ التصورية والتصديقية، يشكل جزءاً من مباحث المقالة. وكذلك أقسام المبادي وكيفية تأثير المبادي المختلفة في تحقق المسألة الأصولية أو في عملية الوصول إلى المسألة أو في تدقيق المسألة، هو جزء آخر من مباحث المقالة. أما المبحث الرئيسي في هذا الموضوع، وهو المتعلق بتفكيك المبادئ التصورية والتصديقية، وأي سلسلة من المبادي تتولى معرفة موضوع ومحمول المسألة، وأي سلسلة من المبادي لها أثر في تشريع المسألة، فقد أُرجئ إلى مقالة ثانية في هذا الموضوع نفسه، لعدم إطالة المقال. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. علي رحماني فرد (رحماني سبزواري) 17 شهريور 1399.
قائمة المصادر
١. الأصفهاني، محمد حسين، بحوث في علم الأصول، قم، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، ١٤١٦ هـ.
٢. الإمام الخميني، السيد روح الله، الاجتهاد والتقليد، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، ١٣٨٥ هـ.ش.
٣. ________، الرسائل، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، ١٣٧٦ هـ.ش.
٤. ________، جواهر الأصول، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، ١٤١٨ هـ.
٥. الإيرواني، علي، نهاية النهاية، قم، دفتر التبليغات الإسلامي، ١٤٢٦ هـ.
٦. البجنوردي، السيد حسن، منتهى الأصول، طهران، منشورات مؤسسة عروج، الطبعة الأولى، ١٣٨٠ هـ.ش.
٧. ________، نهاية الأصول، قم، منشورات فكر، ١٤١٥ هـ.
٨. الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، ١٤٠٩ هـ.
٩. الخراساني، فاضل توني، عبد الله بن محمد، الاجتهاد والتقليد، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الثانية، ١٤١٥ هـ.
١٠. الخميني، السيد مصطفى، تحرير الأصول، نشر آثار الإمام الخميني، ١٤١٥ هـ.
١١. الخوئي، السيد أبو القاسم، دراسات في علم الأصول، قم، مؤسسة دار المعارف، ١٤١٩ هـ.
١٢. ________، محاضرات في علم الأصول، قم، منشورات أنصاريان، ١٤١٧ هـ.
١٣. ________، مصباح الأصول، قم، مكتبة داوري، ١٤١٧ هـ.
١٤. الرشتي، حبيب الله، بدائع الأفكار، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، ١٣١٣ هـ.
١٥. ________، بدائع الأفكار، قم، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، د.ت.
١٦. السبحاني التبريزي، جعفر، إرشاد العقول إلى مباحث الأصول، قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، ١٤١٤ هـ.
١٧. السبزواري، السيد عبد الأعلى، مهذب الأحكام، مؤسسة المنار، قم، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ.
١٨. ________، تهذيب الأصول، مؤسسة المنار، د.ت.
١٩. الشيخ الأنصاري، مرتضى، مطارح الأنظار، مجمع الفكر الإسلامي، ١٣٨٣ هـ.ش.
٢٠. صاحب المعالم، حسن بن زين الدين، معالم الدين، قم، المنشورات الإسلامية، د.ت.
٢١. صالح، صبحي، نهج البلاغة، قم، هجرت، ١٤١٤ هـ.
٢٢. الطباطبائي البروجردي، حسين، لمحات الأصول، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، ١٤٢١ هـ.
٢٣. العراقي، آقا ضياء، بدائع الأفكار، المطبعة العلمية، د.ت.
٢٤. ________، نهاية الأفكار، دفتر المنشورات الإسلامية، ١٤١٧ هـ.
٢٥. المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الأولى، ١٣٦٦ هـ.ش.
٢٦. المحقق السبزواري، منظومة الحكمة، طهران، نشر ناب، الطبعة الأولى، ١٣٧٩ هـ.ش.
٢٧. مصباح اليزدي، محمد تقي، آموزش فلسفة (تعليم الفلسفة)، منظمة الإعلام الإسلامي، طهران، ١٣٦٨ هـ.ش.
٢٨. المطهري، مرتضى، مجموعة الآثار، طهران، منشورات صدرا، د.ت.
٢٩. مكارم الشيرازي، ناصر، أنوار الأصول، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ١٤٢٨ هـ.
٣٠. المولى عبد الله بن شهاب الدين الحسين اليزدي، حاشية الملا عبد الله، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٢ هـ.
٣١. النائيني، محمد حسين، أجود التقريرات، قم، منشورات مصطفوي، ١٣٦٨ هـ.ش.
٣٢. ________، فوائد الأصول، دفتر المنشورات الإسلامية، ١٣٧٦ هـ.ش.
٣٣. ________، فوائد الأصول، دفتر المنشورات الإسلامية، ١٤١٧ هـ.