المدرسة الأصولية للمحقق النائيني

ملخص

تقوم المدرسة الأصولية للمحقق النائيني على مبانٍ كلامية وفلسفية معينة يمكن استخلاصها وتحديدها من خلال بعض المباحث الأصولية من قبيل مبحث النسخ، وقبح التجرّي، واجتماع الأمر والنهي. ثم يمكن البحث عن مميزات فكره الأصولي في عدة محاور مهمة، وهي: 1. تفسير المعاني الحرفية. 2. مفهوم الشرط. 3. المقدمات العبادية. 4. تحليل الوجوب التخييري. 5. أصل التوصلية في الأمر. 6. أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم. 7. اقتضاء النهي للفساد. 8. استصحاب العدم الأزلي. 9. التمسك بالعام في الشبهات المصداقية للمخصص. 10. انقلاب النسبة. 11. الشرط المتأخر. 12. الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي. يسعى هذا البحث، بأسلوب وصفي-تحليلي وبالاعتماد على المصادر المكتبية، إلى الإجابة عن هذا السؤال: على أي مؤشرات تقوم المدرسة الأصولية للمحقق النائيني؟ تظهر نتائج البحث أنه بالإجمال يمكن استخلاص مؤشرات مهمة للمدرسة الأصولية للنائيني من خلال هذه المحاور. أولاً: التنظير، كنظرية متمم الجعل ونظرية التسهيل. ثانياً: المحورية القاعدية، بمعنى توظيف القواعد العقلية والفلسفية لحل المسائل الأصولية مثل ارتباط العرض بالمعروض وأقسام تقابل الوجود بالعدم وتفكيك القضية الخارجية عن الحقيقية. ثالثاً: تعميق البحث في المباحث التحليلية مثل تفاوت الجعل عن المجعول وتفاوت العلل التكوينية عن التشريعية. رابعاً: التدقيقات العقلية في المباحث الاستظهارية التي قد تبتعد أحياناً عن الفهم العرفي، كما في مفهوم الشرط والوصف والبحث في ماهية الوجوب التخييري. خامساً: إضفاء الانسجام على المباحث الأصولية، والذي يتجلى في بيان المباني الكلامية والفلسفية للمباحث الأصولية، وكذلك في ربط المباحث الأصولية ببعضها البعض، مثل ارتباط الإطلاق المقامي بمتمم الجعل وارتباط الشرط المتأخر ببحث تفاوت الجعل عن المجعول وتفكيك القضية الخارجية عن الحقيقية.

المباني الكلامية والفلسفية

قبل طرح المميزات الأصولية للمحقق النائيني التي تمهد الطريق لمعرفة فكره في إطار مدرسة فكرية، يجب معرفة مبانيه الأصولية أيضاً. ونكتفي هنا ببيان بعض النماذج المهمة لتتضح كل من بنية فكره الأصولي على المباني الكلامية والفلسفية وحدودها في بيان المحقق النائيني.

1. قاعدة خلود واستمرار الشريعة

يقبل المحقق النائيني في باب تعارض الأدلة قاعدة أبدية الشريعة وخلودها؛ فمثلاً، في مسألة تقديم النسخ على التخصيص بدعوى أن النسخ من قبيل تقييد الإطلاق الزماني للدليل ويُقدَّم على تخصيص الأفراد تحت العام، يقول إن هذا الاستدلال نوع من المغالطة؛ لأن النسخ في الواقع هو رفع حكم ثابت، وثبوت الأحكام الشرعية في جميع الأزمنة ليس من جهة إطلاق الأدلة، بل من جهة الحديث النبوي «حلال محمد (ص) حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» (أصول الكافي، باب البدع والمقاييس) وغيرها من الأدلة الدالة على استمرار الأحكام الشرعية. وإذا ثبت النسخ في مورد ما، فهو بمنزلة تخصيص لهذه الأدلة وليس تقييداً للأدلة الأولية. وبالطبع، يمكن اعتبار استمرار الأحكام من باب إطلاق الدليل وبمقدمات الحكمة؛ مثلاً في «أوفوا بالعقود» إذا لم نقبل باستمرار الحكم، فإن لازم ذلك لغوية تشريع وجوب الوفاء. (الكاظمي، د.ت، ج4، ص 739). معنى كلام الميرزا النائيني هذا هو أنه يستحيل أن يثبت الدليل أصل الحكم واستمراره معاً؛ لأن الاستمرار في مرتبة متأخرة عن نفس الحكم، كما أن اقتضاء كون القضية حقيقية ومفروضة الوجود للموضوع في القضية الحقيقية هو كذلك. إذن، يجب الاستفادة من دليل آخر لإثبات الاستمرار، مثل أصالة عدم النسخ أو أدلة قاعدة خلود الشريعة. ولكن المحقق الخوئي، بعد نقل كلام أستاذه، لا يقبل استدلاله بالتفصيل الذي يجب البحث عنه في محله. (واعظ حسيني، 1422هـ، ج2، ص 384).

2. حكمة الشارع

في دوران الأمر بين النسخ والتخصيص، تُعد مسألة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة إحدى المقدمات المؤثرة في تحديد مصير البحث. يرى المحقق النائيني أن تأخير البيان عن وقت الحاجة جائز لوجود مصلحة، ولذلك يعتبر الخاص المتأخر عن وقت العمل مخصصاً للعام وليس ناسخاً له. وبما أنه يقبل التخصيص ولا يجري أصالة العموم، فإنه لا يرى أن معارضة أصل عدم النسخ مع أصل العموم صحيحة من الأساس، خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار أن أصل العموم أصل لفظي وأصل عدم النسخ أصل عملي. ولا ينبغي القول بأن أصل عدم النسخ مانع من أصل العموم. يقول المحقق الخوئي في حاشيته على تقريرات درس أستاذه إنه يجب أن يكون الحكم بالقبح هنا مثل الحكم بالقبح في باب الكذب الذي يُعد غير قابل للانفكاك، بخلاف قبح الظلم الذي هو ذاتي. ووجه جواز التأخير في موارد خاصة هو وجود مصلحة معينة في التأخير. وكما يتأخر أحياناً بيان أصل الشريعة، يمكن أيضاً تأخير بيان مخصصات وقيود الحكم الشرعي الكلي. أما حكم العقل بقبح التأخير في غير موارد وجود مصلحة خارجية، فيكون على أساس تفويت المصلحة على المكلف وإلقاء المكلف في مفسدة عملٍ يُعد وقوعه مستحيلاً بالنسبة للمولى الحكيم. (الخوئي، د.ت، ج1، ص 509).

3. قاعدة اللطف

استفاد الميرزا النائيني من هذا المبدأ في عدة مواضع:أ. في بحث قبح التجرّي واستحقاق العقاب للمتجرّي، يُستدل أحياناً بالروايات الدالة على ثبوت العقاب بسبب وجود النية السيئة، ولكن في المقابل هناك روايات تدل على عفو المتجرّي. والجمع بين الطائفتين بحيث لا يؤدي إلى جمع تبرعي هو أيضاً محل بحث. المبدأ الكلامي المؤثر في هذا الصدد هو أن الأخبار الدالة على العفو عن النية السيئة تتعارض مع قاعدة اللطف؛ إذ يجب على الله إبعاد المكلف عن المعصية وتقريبه من الطاعة والعبودية. ولكن يمكن الرد بأن مجرد الدليل الدال على العفو لا يكفي لتحقيق النية السيئة في المكلف، بل إن قصد الإتيان بالفعل الخارجي له دخل أيضاً. إذن، الأخبار الدالّة على العفو لا تخالف اللطف، كما أن الأخبار الدالة على العفو عن صغائر الذنوب في حال ترك الكبائر لا تخالف اللطف؛ لأن العفو هنا يكون بصورة تعليقية. (الخوئي، د.ت، ج2، ص 33).ب. في بحث وجوب المقدمة ودراسة كون المقدمة أصلية أو تبعية، قالوا إن إرادة المولى النفسية بالنسبة للمقدمة هي نوع من اللطف وتقريب العبد نحو الطاعة. (الحلي، 1432هـ، ج3، ص 40).ج. في بحث اقتضاء النهي للفساد في المعاملات، ذكروا أن اقتضاء اللطف هنا هو عدم إمضاء المعاملات المنهي عنها والمبغوضة لدى الشارع. (نفس المصدر، ج4، ص 329).د. في بحث قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة، يعتقدون أنه إذا لم يكن هناك احتمال للنسخ، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة يخالف قاعدة اللطف. (نفس المصدر، ج5، ص 365).بالإضافة إلى ذلك، يُلاحظ استخدام قاعدة اللطف في قاعدة الملازمة (نفس المصدر، ج6، ص 155 و161 و525) ودفع شبهة ابن قبة القائمة على إمكان التعبد بالظن.

4. تركيب المقولات

في مسألة امتناع أو جواز اجتماع الأمر والنهي، ربط المحقق النائيني مصير المسألة بكون تركيب المقولات انضمامياً أو اتحادياً. وبناءً على ذلك، يعتقد أن النزاع في الأصل هو نزاع صغروي وليس كبروياً، بمعنى أن القائلين بالجواز هم قائلون بعدم الاجتماع، والقائلين بالامتناع هم قائلون بوجود الاجتماع. ومن ناحية أخرى، يرتبط مصير البحث بقبول تعلق الأمر والنهي بالأفراد الخارجيين لا بالطبائع؛ لأن اجتماع مصداق المأمور به مع مصداق المنهي عنه في الخارج على نحو التركيب الاتحادي محذور بالتأكيد. أما إذا تعلق الأمر والنهي بالطبائع وكان العالم الخارجي مجرد ظرف لسقوط التكليف، لا ظرفاً لثبوت الأمر والنهي، ففي هذه الحالة يكون متعلق الأمر هو الحيثية الصلاتية ومتعلق النهي هو الحيثية الغصبية، وتصادق كلتا الحيثيتين على أمر خارجي لا يضر بجواز اجتماعهما؛ لأن الحيثيتين تبقيان اثنتين، ومصب الأمر والنهي مختلف. ومن الناحية الثالثة، يرتبط مصير البحث بتفسيرنا لـ«الواحد»، هل المراد هو الواحد الجنسي أم الواحد النوعي أم الواحد الشخصي، أو كما يقول المحقق الخراساني، المراد في محل البحث من الواحد هو المعنى الأعم من الأقسام الثلاثة. ومن الناحية الرابعة، يرتبط مصير البحث بمسألة اقتضاء تعدد المعنون بتعدد العنوان أو عدم اقتضائه في حالة تعدد العنوان. وبهذه الطريقة، يُبحث أحياناً عن فارق بين محل البحث ومسألة دلالة النهي على الفساد في المعاملات والعبادات. من الواضح أنه إذا وجد تعدد في مصب الأمر والنهي، فإن متعلق الأمر والنهي لا يعود متحداً. وإذا كان المصب واحداً، ففي حال دل النهي على الفساد، لن تكون له قابلية الاجتماع مع أمر يدل على الصحة. أما إذا لم يدل النهي على الفساد، فحتى لو كان التركيب اتحادياً، فلا مانع من اجتماع الأمر والنهي. لقد أدى تدخل هذه الجهات الأربع في البحث إلى اختلاف في ماهية المسألة وظهور خمسة أقوال: 1. المسألة أصولية. 2. المسألة كلامية. 3. المسألة فقهية. 4. من المبادئ التصورية لمباحث علم الحكم. 5. من المبادئ التصديقية للمباحث الأصولية، وقد اختار المحقق النائيني هذا القول. (الخوئي، د.ت، ج1، ص 333؛ الكاظمي، د.ت، ج1، ص 400؛ السبحاني، د.ت، ج2، ص 179).

5. تعلق الأمر والنهي بالطبائع أو الأفراد

البحث الأصولي حول متعلق الأمر والنهي هو بحث أساسي ومؤثر في الأبحاث الأخرى حول إمكان أو اجتماع الأمر والنهي. ومن ناحية أخرى، يتفرع هذا البحث نفسه على بحث وجود الكلي الطبيعي في الخارج أو عدم وجوده، وهو بحث فلسفي. إذا قبلنا بأصل وجود الكلي الطبيعي في الخارج، فقد جرت عدة أبحاث فلسفية حول كيفية وجوده، تتعلق بنسبة وجود الكلي الطبيعي إلى الأفراد. (انتظام، 1384، ص 213 و 228). لقد شكك المحقق النائيني أولاً في بناء هذا البحث على إمكان أو امتناع وجود الطبيعي في الخارج، مستدلاً بأنه حتى على فرض قبول وجود الطبيعي في الخارج، يمكن اعتبار الأمر والنهي متعلقين بالأفراد وليس بالطبائع. أما في بحث اجتماع الأمر والنهي، فإن المحقق النائيني قائل بالجواز؛ لأن اجتماع المقولات العرضية ليس على نحو الاتحاد، بل هي في عين اجتماعها في الخارج متميزة عن بعضها وكل منها قائم بذاته. (الكاظمي، د.ت، ج1، ص 16 و 424؛ ج2، ص 328). وقد أوضح الأستاذ محمد رضا المظفر بناء البحث على تعلق الأمر بالطبائع. (المظفر، د.ت، ج1، ص 321-327). وتحت عنوان «الفرق بين بابي التعارض والتزاحم ومسألة الاجتماع»، طرح بعض الآراء، وفي النهاية أورد مبنى المحقق النائيني المستقى من تقريرات درسه. وخلاصته أنه إذا كانت النسبة بين دليل الأمر ودليل النهي هي العموم والخصوص من وجه، فإن مناط الدخول أو عدم الدخول في باب التعارض هو أن تكون حيثية المأمور به والمنهي عنه حيثية تعليلية أو حيثية تقييدية. في الحالة الأولى، يقع تكاذب بين العامين ويدخل في باب التعارض. وفي الحالة الثانية، إذا كان للمكلف مندوحة، يدخل في باب اجتماع الأمر والنهي، وإذا لم تكن له مندوحة، يدخل في باب التزاحم. وهنا، أخذ المحقق النائيني بعين الاعتبار تعلق الأمر بالطبيعة أو بالفرد، ويقول إنه إذا لم يكن الأمر بالصلاة ناظراً إلى الأفراد، فلن يكون هناك تعارض مع النهي عن الغصب، وإلا فسيحدث التعارض. (الخوئي، د.ت، ج1، ص 356 وما بعدها).

الآراء الأصولية المؤثرة

يمكن دراسة المحاور الرئيسية لتحديد مميزات المحقق النائيني، التي تعرف بوجود مدرسة أصولية، بالتفصيل في عدة بنود.

1. تفسير المعنى الحرفي

في تفسير المعنى الحرفي، رأي الميرزا المعروف هو أن جميع الحروف لها معانٍ إيجادية، لأن شأن أدوات النسبة ليس سوى إيجاد الربط بين جزأي الكلام، وبدونها تبقى المعاني الاسمية منفصلة وغير مترابطة. (الكاظمي، د.ت، ج1، ص 42). وقد تعرض هذا الرأي للنقد والبحث، ورُد عليه بأن في مثل «زيد في الدار»، حرف «في» ليس لإيجاد الربط بين معنيين، بل هو حاكٍ عن ارتباط واقعي وحقيقي بين «زيد» و«الدار». بالطبع، يمكن القول في مثل حروف النداء إنها لإيجاد معنى النداء، إذن الحروف نوعان: حروف حكائية وحروف إيجادية. (مؤمن، 1381، ص 46). أما تفصيل المسألة فهو أن المحقق النائيني، بناءً على ما ورد في تقريرات درسه، يعتبر مدلول الحروف ربطاً كلامياً، وبناءً على ذلك يعتقد بإيجادية المعاني الحرفية، بخلاف المعاني الاسمية التي هي مفاهيم مستقلة ويجب اعتبارها إخطارية. (فياض، 1410هـ، ج1، ص 63). وقد فهم المحقق الخوئي من كلام أستاذه أن الحروف وُضعت لإيجاد الربط في مرحلة الاستعمال بين الكلمات، ثم أورد إشكالاً بأن إيجاد الربط دون لحاظ دلالة الحرف على معنى موضوع له بنفسه غير ممكن. واستنتج أن الحروف أيضاً كالأسماء لها معانٍ، وأن ذلك المعنى يخطُر في ذهن المخاطب عند استعمال اللفظ، وذلك المعنى موجود للحرف منفرداً قبل استعماله في أثناء الكلام. (نفس المصدر، ص 64). ولكن الشهيد الصدر يقول إن حدسنا القوي هو أن مقصود النائيني من إيجادية معنى الحروف هو أن المعنى الحرفي لا يُتصور في الذهن مستقلاً عن أطرافه، وليس مقصوده أنه لا معنى له قبل استعماله في الجملة، بل يقول إن كل حرف بلحاظ معنى موضوع له لنفسه يوجد ربطاً في أثناء الجملة، ولذا فإن إشكالات المحقق الخوئي على أستاذه لا أساس لها. (الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج1، ص 245). وقد ورد اعتراض آخر على مبنى النائيني من قبل المحقق العراقي، مفاده أن تصور وضع الحروف بالشكل الذي يقول به النائيني مبني على إمكان الوجود الذهني للماهية المهملة كموضوع له للأسماء بصورة مجردة عن الإطلاق والتقييد، في حين أنه من المحال أن تأتي الطبيعة اللابشرط المقسمي في الذهن، بل تأتي دائماً ضمن الطبيعة بشرط شيء أو بشرط لا. وإذا كانت بشرط شيء، فإن تقييد المعاني الاسمية بواسطة الحروف موجود في مرحلة سابقة على الكلام، وهذا خلاف نظرية إيجادية الحروف. وإذا كانت بشرط لا، فإن إيجاد الربط بين المعاني الاسمية بواسطة الحروف سيكون محالاً. (العراقي، 1414هـ، ج1، ص 22). ولكن يمكن القول إن هذا الاعتراض غير وارد أيضاً؛ لأن مراد النائيني من إيجادية معنى الحرف ليس أن المعاني الاسمية توجد في الذهن بصورة مهملة، بل بناءً على مبنى النائيني يجب ذكر ثلاث خصوصيات للمعنى الحرفي. الخصوصية الأولى هي أن المعاني الحرفية، لكونها متقومة بطرفي النسبة، فإن عين حقيقتها هي النسبة. الخصوصية الثانية هي أن المعاني الحرفية تتحقق بعد وجود طرفي النسبة في الذهن أو الخارج، فهي إذن في طول عالم الوجود الذهني أو الوجود الخارجي. ولكن المفاهيم الاسمية لها تقرر ذاتي في مرتبة سابقة على الوجود الذهني أو الاستعمال الخارجي. الخصوصية الثالثة هي أن نسبة المعاني الحرفية إلى النسب الموجودة في الخارج ليست كنسبة الكلي إلى الفرد، بخلاف المعاني الاسمية، ولذا فإن المعنى الاسمي يحكي عن الخارج، ولكن المعنى الحرفي يحكي عن مصاديق النسبة بواسطة معنى اسمي. (الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج1، ص 244). وبهذا الترتيب، جعل الشهيد الصدر نظرية إيجادية المعاني الحرفية قابلة للدفاع والتوجيه، ولكن ببيان لا نجده عند مقرري درس النائيني أنفسهم. وهناك مناقشات أخرى أوردها المحقق العراقي على هذه النظرية، ويرى الشهيد الصدر أنها كلها ناشئة عن سوء فهم حول إيجادية المعنى الحرفي. (نفس المصدر، ص 245).

3. مفهوم الشرط

أوصل المحقق النائيني دلالة الجملة الشرطية على المفهوم إلى نتيجة بترتيب ثلاث مقدمات. الأولى: أن العلاقة بين الشرط والجزاء هي علاقة واقعية في عالم الثبوت، وليست مجرد تصادف واتفاق. الثانية: أن هذه العلاقة من نوع العلاقة العلية والمعلولية، وليست مجرد علاقة تلازم. الثالثة: أنه في هذه العلاقة الواقعية العلية، يجب أن يكون الشرط علة تامة منحصرة، أي ليس جزء العلة ولا له بديل. أما في مقام إثبات كل من هذه الخصوصيات الثلاث الواقعية، فيُستفاد من دليل خاص. تُستفاد الخصوصية الأولى من الظهور العرفي لهيئة الجملة الشرطية، سواء كنا قائلين بوضع الجملة لهذا المعنى أم لا. وتُستفاد الخصوصية الثانية من سياق الجملة، أي ترتب الجزاء على الشرط؛ لأن الترتيب الظاهري واللفظي يخبر عن وجود ترتيب واقعي. وتُستفاد الخصوصية الثالثة من إطلاق الشرط في الجملة الشرطية وعدم ذكر بديل وشريك. (الكاظمي، د.ت، ج2، ص 479؛ ج1، ص 479؛ لجنة التأليف، 1423هـ، ص 200). هذا النوع من البحث وهذا الرأي في كتاب أصول الفقه لمحمد رضا المظفر أصبح أساساً للأبحاث اللاحقة. في الواقع، ربط المحقق النائيني بحثاً استظهارياً ببحث عقلي وتحليلي حول العلاقة بين شيئين في عالم الواقع ونفس الأمر. وبهذه الطريقة أيضاً، قال بعدم المفهوم للوصف؛ لأن علاقة الصفة بالموصوف في الواقع ليست من قبيل علاقة الجزاء بالشرط. وهنا، قام المحقق النائيني بتحليل قيدية الوصف وافتراض كونه قيداً للحكم وللموضوع وللمتعلق، وقال إن ظاهر الجملة الوصفية لا يدل على أن الوصف حتماً قيد للحكم، بل قد يكون قيداً للموضوع أو المتعلق، ومن ثم لا يدل على الانتفاء عند الانتفاء. (الكاظمي، د.ت، ج1، ص 502). بمقارنة هذين البحثين، أي مفهوم الشرط والوصف، نرى أن البحث الثبوتي والإثباتي قد طُرح في كلام المحقق النائيني بصياغتين مختلفتين.

4. المقدمات العبادية

حول مقدمات العبادات كالصلاة مثل الوضوء والغسل وارتباطها بوجوب الصلاة النفسي، هناك أبحاث مفصلة، منها أنه بعد فعلية وجوب الصلاة كذي المقدمة، هل المقدمة مطلوبة بطلب استحبابي نفسي، أم مطلوبة بطلب نفسي وجوبي ضمني، أم مطلوبة بطلب غيري وجوبي؟ يقول الميرزا النائيني إن هناك ثلاث جهات يمكن طرحها للطلب هنا، والجهة الأولى يمكن أن تندك في الجهة الثانية، ولكن اجتماع الجهة الأولى مع الجهة الثالثة غير ممكن. ضابطة البحث هي أنه بما أن اجتماع حكمين متماثلين محال، فلا يمكن أن يكون للوضوء والغسل أمر وجوبي وأمر استحبابي في آن واحد، بل الطلب الوجوبي هو نفس اشتداد الطلب الاستحبابي. فكما لو تعلق نذر بصلاة الليل المستحبة باعتبار استحبابها فوجبت، فإن الأمر الاستحبابي يندك في الأمر الوجوبي. ولكن إذا تعدد الموضوع، فإن كلا الطلبين يبقى محفوظاً، كما لو استُؤجر شخص لأداء صلاة الليل عن ميت، ففي هذه الحالة يكون الأمر بذات العمل مستحباً، والأمر الاستحبابي بصلاة الليل مأخوذ في الأمر الوجوبي الناشئ من عقد الإجارة. إذن، كل منهما مستقل عن الآخر. وبهذه الطريقة، لا يتحد الأمر الغيري بالمقدمة مع الأمر النفسي بذي المقدمة. (الخوئي، د.ت، ج1، ص 179). ومن هنا يمكن الإشكال على كلام الشيخ الأنصاري بأنه خلط بين الوجوب الغيري والوجوب الضمني، لأنه قال إن الأمر النفسي الاستحبابي بالوضوء يتحد مع الأمر الغيري المترشح من ذي المقدمة، في حين أن للوضوء وجوباً غيرياً لا وجوباً ضمنياً، وهو في طول وجوب ذي المقدمة. ومن هنا أيضاً يمكن أن نفهم أن الأمر الغيري بالوضوء لا يصحح عباديته إلا بقصد التوصل إلى ذي المقدمة، وبدون قصد التوصل لا يعود على المكلف شيء من ناحية أداء المقدمة. وشاهد ذلك هو الفهم العرفي الارتكازي، فلو قال المولى لعبده: اذهب وهيئ مقداراً من المال لنشتري به طعاماً، وذهب العبد وهيأ المال ولكنه اشترى شيئاً آخر غير الطعام، لا يقولون في العرف إنه امتثل من حيث تهيئة المال وعصى من حيث شراء غير الطعام. بالطبع، الفهم العرفي هنا مؤيد للبرهان العقلي؛ لأن أصل البحث عقلي، والموضع الذي يكون فيه الفهم العرفي هو المحور والملاك هو مباحث الألفاظ، لا هنا. (نفس المصدر، ص 180).

تحليل الوجوب التخييري
يعتقد المحقق النائيني أنه في باب الوجوب التخييري، ما يُعتبر واجباً هو العنوان المردد، أي عنوان «أحد الفعلين» أو «أحد الأفعال». مع إضافة هذا التوضيح أن الخصوصيات المعتبرة في الإرادة نوعان: أحياناً تعود هذه الخصوصيات إلى نفس الإرادة، وفي مقام التشريع تكون هذه الخصوصيات معتبرة بالطبع. وأحياناً تكون هذه الخصوصيات أمراً تكوينياً ولا علاقة لها بالتشريعيات. (نفس المصدر، ج1، ص 183؛ الكاظمي، د.ت، ج1، ص 235). بناءً على ذلك، لا إشكال في تعلق الإرادة التشريعية بالأمر الكلي المردد بين شيئين أو أكثر، بخلاف الإرادة التكوينية التي لا يمكن تصور التردد فيها بهذا الشكل؛ لأن تعلق الإرادة التكوينية المبهمة والمرددة بشيء معناه تعلق العلة الكلية بمعلول واحد، وهو ما يُعد محالاً، ولكن في الإرادة التشريعية لا يوجد مثل هذا المحذور. وقد قبل تلميذه، المحقق الخوئي، هذه النظرية ببيان آخر. (فياض، 1410هـ، ج4، ص 42). ولكن الإشكال الذي أوردوه على نظريته هو أن ظاهر النصوص أن كل واحد من أطراف الواجب التخييري هو واجب في حد ذاته، لا أنه يقع تحت عنوان انتزاعي هو «أحدها» ويصبح واجباً. إذن، هذه النظرية هي نوع من التحليل العقلي المخالف للاستظهار العرفي. (السبحاني، د.ت، ج2، ص 122).

الأصل في توصلية الأوامر
عند الشك في كون التكليف توصلياً أو تعبدياً، فإن الذين يجعلون الأصل على التوصلية قد قبلوا بأحد المباني التالية: 1. الاستحالة العقلية لأخذ قصد امتثال الأمر في المتعلق، كما هو مشهور الأصوليين والمحقق الخوئي. وبالطبع، هذه الاستحالة مبنية على الدقة العقلية، ولكن بقول الشهيد الصدر، لا يرى الفهم العرفي مانعاً من التقييد، ويمكن القول إن الشارع قد جعل الفهم العرفي هو الملاك وليس الدقة العقلية. 2. امتناع الإهمال في الواقع، فكما قال الشيخ الأنصاري، التقابل بين الإطلاق والتقييد من قبيل تقابل التضاد، فإذا كان التقييد محالاً، ثبت الإطلاق. 3. الإطلاق المقامي الذي يقوم على نظرية المحقق النائيني وما أسماه بمتمم الجعل. يقول إنه بالنظر إلى أن التقابل بين الإطلاق والتقييد الثبوتي هو تقابل العدم والملكة، فإذا كان التقييد في الواقع وفي مقام الثبوت محالاً، فإن الإطلاق أيضاً سيكون محالاً في الواقع. ولكن يمكن للمولى أن يحقق غرضه بطريقة أخرى. يمكنه أن يأتي بأمر ثانٍ ويقيد الأمر الأول بقصد الامتثال. فإذا كان المولى في مقام البيان ولم يأتِ بمتمم الجعل الأول الذي يشترك معه في الملاك، نكتشف من سكوته وإطلاقه المقامي للكلام التوصلية. (الكاظمي، د.ت، ج1، ص 161؛ الخوئي، د.ت، ج1، ص 116؛ المظفر، د.ت، ج1، ص 69؛ لجنة التأليف، 1423هـ، ص 71). بالنظر إلى المباني المختلفة في المسألة، يجب الالتفات إلى حل المحقق النائيني المبني على التدقيقات العقلية وتعميق المسألة من خلال طرح نظرية متمم الجعل.

نظرية متمم الجعل
استخدم المحقق النائيني هذه النظرية أيضاً في بحث إمكان أخذ العلم بالحكم في موضوع نفس الحكم، وحل مشكلة الدور دون الحاجة إلى التفريق بين الجعل والمجعول كما فعل الشهيد الصدر، والقائل بأخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول. بما أن المحقق النائيني يرى أن التقابل بين الإطلاق والتقييد الثبوتي هو تقابل العدم والملكة، فعندما يكون تقييد الحكم بالعلم محالاً، فإن الإطلاق أيضاً سيكون محالاً، ونتيجته هي أن الجعل الشرعي يصبح مهملاً. وهنا، الحل الذي قدموه لإيجاد الإطلاق والتقييد هو أن نقول: إذا أراد المولى التقييد، يمكنه أن يأتي بجعل آخر ليقيد الجعل الأول بالشخص العالم. وإذا لم يأتِ بجعل ثانٍ لإيجاد التقييد، يبقى الجعل الأول مطلقاً. وبهذه الطريقة نصل إلى نفس النتيجة التي كنا نصل إليها من وجود الإطلاق والتقييد في الجعل الأول. ولذا يجب تسميته نتيجة الإطلاق ونتيجة التقييد؛ لأن الفرض هو أن الجعل الأول مهمل، وفي نفس الجعل الأول لا يمكن إيجاد الإطلاق والتقييد. ولكن بما أن كلا الجعلين قد تشكلا على أساس غرض واحد وملاك واحد، فإن تقييد الجعل الثاني بمنزلة تقييد الجعل الأول، ولذا يمكن تسميته بمتمم الجعل.

نقد نظرية متمم الجعل
نقد الشهيد الصدر تقييد الجعل الأول بواسطة الجعل الثاني على النحو التالي: إذا كان الحكم الشرعي في الجعل الثاني قد قُيد بمجرد العلم بالجعل الأول، فإن هذا التقييد ممكن أيضاً في نفس الجعل الأول، بحيث يُؤخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول. وإذا كان الحكم الشرعي في الجعل الثاني مقيداً بالعلم بفعلية المجعول في الجعل الأول، فإن مثل هذا التقييد غير معقول؛ لأننا نسأل: كيف وصل الجعل الأول إلى الفعلية؟ إذا كان بسبب العلم بالجعل الأول، فهذه هي مشكلتنا الأولى. وإذا وصل إلى الفعلية بدون مثل هذا التقييد، فهذا خلف؛ لأن معناه إثبات الإطلاق لجعل فُرض أنه مهمل. (الكاظمي، د.ت، ج3، ص 11؛ الشهيد الصدر، 1418هـ، الحلقة الثالثة، ص 259). وبناءً على هذا المبدأ، بما أن إثبات الإطلاق متوقف على إمكان التقييد، وفي الجعل الأول لا إمكان للتقييد، فإن الجعل الأول يبقى مهملاً، ونتيجته هي أنه لا يمكن التمسك بإطلاق الدليل في مقام الإثبات؛ لأنه في مقام الثبوت محال أن يوجد إطلاق. أما بناءً على مبنى من لا يرون أن التقابل بين الإطلاق والتقييد الثبوتي هو تقابل العدم والملكة، بل يرونه تقابل التناقض أو التضاد، فعندما يُعد التقييد في مقام الثبوت محالاً، يوجد الإطلاق في مقام الثبوت بالضرورة. ولكن ثبوت الإطلاق بهذا النحو لا يمكن أن يظهر إطلاق الملاك، ولذا لا يمكن استنتاج الإطلاق في مقام الثبوت من إطلاق الدليل في مقام الإثبات. (الشهيد الصدر، 1418هـ، الحلقة الثالثة، ص 260).

اقتضاء النهي للفساد

المعروف في كلام الأصوليين أن النهي في باب العبادات يوجب الفساد، بخلاف المعاملات. ولكن في المسألة تفصيلات كثيرة، مثلاً في المعاملات هل تعلق النهي بالسبب، أي الإنشاء والعقد، أم بالمسبب ومضمون المعاملة، أي النقل والانتقال والتمليك؟ في الحالة الأولى يمكن القول إن النهي يدل على المبغوضية، ومبغوضية الإنشاء والعقد لا تلازم فساد المعاملة بمعنى النقل والانتقال. ولكن إذا دل النهي على مبغوضية التمليك، فإن هذا المعنى يلازم فساد المعاملة. وهنا، وردت عدة مناقشات في الاستدلال، ولذا دخل المحقق النائيني من طريق آخر وقال إن التحريم بمعنى المسبب مساوق لحجر المالك وسلب سلطنته على نقل ماله، وكأن المالك قد فُرض كالصغير ومعاملاته غير صحيحة. وقد ناقش الشهيد الصدر دلالة النهي على الحجر وقال: إذا كان مراد المحقق النائيني من الحجر هو الحجر الوضعي، أي الفساد، فهذا أول النزاع. وإذا كان مراده الحجر والمنع التكليفي، فهذا مسلم، ولكن دلالته على الفساد غير معلومة. (الكاظمي، د.ت، ج1، ص 472؛ الشهيد الصدر، 1418هـ، الحلقة الثالثة، ص 286؛ واللجنة العلمية، 1431هـ، ص 175). في الواقع، أراد المحقق النائيني بإيراد مصطلح «الحجر» أن يستنتج دلالة النهي على الفساد، ولكن هذا المصطلح لا يحل أي مشكلة، بل يبقي المسألة على حالها، ويجب البحث عن الجواب من طريق آخر. أما في العبادات، فالتفصيل بصورة أخرى، وهناك فرق بين الموارد التي يتعلق فيها النهي بجزء العبادة أو شرطها أو بنفس العبادة. ومن ناحية أخرى، قد يكون هذا النهي نهياً غيرياً، من باب أن الأمر بالشيء الأهم، مثل إنقاذ الغريق، يقتضي النهي عن ضده المهم، مثل الصلاة. الآن، إذا عصى المكلف الأمر الأهم وأتى بالمهم، وفرضنا قبول نظرية الترتب للمهم مع وجود عصيان الأهم، وبقاء الأمر، فإن صحة الصلاة مع وجود النهي الغيري الناشئ من الأمر بالأهم محل نقاش. وهنا يقول المحقق النائيني إن النهي الغيري أساساً ليس مفسداً للعبادة؛ لأن هذا النوع من النهي لا يدل على خلل في ملاك الواجب المهم، أي الصلاة، بل تولد بسبب التزاحم. (الكاظمي، د.ت، ج1، ص 316؛ اللجنة العلمية، 1431هـ، ج1، ص 131).

استصحاب العدم الأزلي وتفسير الوجود النعتي

هذا البحث من توابع بحث آخر حول إمكان التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص. مثلاً، إذا قيل «أكرم كل فقراء محلتي»، ثم جاء مخصص منفصل وقال «لا تكرم الفساق منهم»، ثم شككنا في فسق أحد الجيران، فمن خلال استصحاب العدم الأزلي، أي استصحاب عدم الفسق في حالة كون فرد من الجيران فقيراً بالوجدان ولكن فسقه غير معلوم، هل يمكن إحراز عدم دخول الفرد في المخصص، وبالتالي شمول عموم العام له؟ فصل الأصوليون في هذا الأمر وقالوا إنه بالنسبة لبعض الصفات مثل الفقر والفسق، يمكن تصور وجود فرد غير فقير أو غير فاسق. ولكن بعض الصفات ليست مسبوقة بالعدم إلا من باب السالبة بانتفاء الموضوع، مثل صفة الأموية أو القرشية. مثلاً، دليل يقول «كل امرأة تبلغ سن اليأس في الخمسين من عمرها»، ودليل آخر يستثني النساء القرشيات. والآن نشك في مصداق معين من حيث كون المرأة قرشية. استصحاب العدم الأزلي قابل للطرح في ثلاثة مواضع: الأول: لتنقيح موضوع العام في مثل «أكرم جيراني». الثاني: لتنقيح موضوع الخاص ونفي حكم الخاص عنه، مثل «لا تكرم الفساق من جيراني». الثالث: في موضع لا يوجد فيه عام وخاص، ولكن الحكم في دليل معلق على صفة معينة، مثل «يستحب الائتمام بالقرشي»، ولا نعلم هل فلان شخص قرشي أم لا. النزاع بين المشهور والنائيني في الموضع الأول، والنائيني قائل بعدم جريان استصحاب العدم الأزلي. ولكن في مكان آخر غير تقريرات درسه الأصولي، له بيان آخر يمنع فيه هذا النوع من الاستصحاب في المواضع الثلاثة جميعاً. أما بالنسبة للموضع الأول، فهناك ثلاثة أقوال محل بحث: قول المحقق الخراساني، ومن بعده السيد الخوئي، اللذان يجريان الاستصحاب مطلقاً؛ وقول المحقق العراقي الذي فصل في الأمر؛ وقول المحقق النائيني الذي لا يجري الاستصحاب في هذا الموضع مطلقاً. استدلال النائيني في هذا البحث مبني على تفسير وتحليل موضوع الحكم، في حال كان مركباً من جوهرين أو عرضين لجوهر واحد أو عرضين لجوهرين أو مركباً من عرض وجوهر. في هذه التفصيلات، يفرق الميرزا بين الوجود النعتي وغير النعتي، ويرى أن الوجود النعتي يمكن تصوره في المركب من جوهر وعرض وفي المركب من جوهر ونفي عرض. وفي القسم الثاني، أي حيث يكون نفي العرض نعتاً، مثلاً كون المرأة غير قرشية، ينفصل مسلك النائيني عن مسلك المحقق الخراساني والمحقق الخوئي. ويقول النائيني إنه بما أن الحالة السابقة ليست عدماً محمولياً، بل عدم نعتي بما هو هو، فإذا استنتجنا من العدم النعتي العدم المحمولي، يصبح الاستصحاب أصلاً مثبتاً، ونحن لا نقول به. (عبدالساتر، 1417هـ، ج7، ص 231-250؛ الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج3، ص 328). وقد أثارت المناقشة في كلمات النائيني بحثاً عقلياً وفلسفياً واسعاً، ودخل الأصوليون في تحليل وتفسير أقسام الوجود الأربعة. (عبدالساتر، 1417هـ، ج7، ص 213-250). وشخص كالشهيد الصدر لا يقبل كلام النائيني لا في هذا البيان ولا في البيان اللاحق. (نفس المصدر، ص 263-272). أما في ذلك البيان الآخر الذي لا يجري فيه المحقق النائيني استصحاب العدم الأزلي في المواضع الثلاثة جميعاً، فإنه يأتي بمقدمتين لدعواه: المقدمة الأولى: أن النعتية قد تكون داخلة في وجود وماهية الشيء، مثل المعاني الحرفية التي توجد في الذهن والخارج بصفة النعتية، وأحياناً تكون عكس الحالة الأولى، أي لا داخلة في وجود الشيء ولا في ماهيته، مثل الأجسام الخارجية التي هي ماهيات جوهرية. وأحياناً تكون النعتية من شؤون وجود الشيء دون الماهية، مثل المفاهيم الوضعية والمقولات العرضية، ومنها البياض والسواد أو القرشية. إذن، في الأعراض الطارئة على الوجود، لدينا وجود ناعت. المقدمة الثانية: أن الوجود والعدم يتقابلان تقابل التناقض، ولا يعرض أحدهما على الآخر، بل يتعاقبان على الماهية. وبما أن القرشية في موضوع الحكم الشرعي مأخوذة كطور من أطوار وجود المرأة، فإذا أردنا استصحاب العدم النعتي، وهو أن هذه الحالة السابقة ليس لها وصف لأن الماهية قبل الوجود لا وصف لها، وإذا أردنا استصحاب العدم المحمولي، فلا ثمرة له؛ لأن الحكم الشرعي مترتب على الوجود النعتي. (نفس المصدر، ص 273-276). وقد تعرض هذا البيان للمحقق النائيني أيضاً للنقاش والإنكار بالتفصيل الذي يجب البحث عنه في محله. (نفس المصدر، ص 276-279). ما يهم هنا هو أن عقد البحث الأصولي بالبحث العقلي والفلسفي حول الوجود هو السبب، وبالطبع كلام المحقق النائيني وإن كان محل نقاش، إلا أن المحورية القاعدية ووضع الأسس في عمله مهم.

الأصل المحرز

يعتبر المحقق النائيني الاستصحاب من الأصول المحرزة، ومن بعده قبل المحقق العراقي أيضاً بهذا المطلب. (الكاظمي، د.ت، ج3، ص 4 و15 و692؛ البروجردي النجفي، 1417هـ، ج3-26 و ج4-123). إن وضع بعض الأدلة مثل الاستصحاب بين الأمارات والأصول العملية المحضة يعني أن له طبيعة الكشف عن الواقع وقاعدة عملية في آن واحد. وبتعبير آخر، لا جنبة الكاشفية فيه هي تمام الملاك، ولا هو مؤسس بقطع النظر عن الواقع. إن حجية الاستصحاب بهذا الشكل تثير إشكالاً؛ لأنه في أطراف العلم الإجمالي بنجاسة أحد الطرفين، إذا أجرينا الاستصحاب، فإن مؤدى الاستصحاب يتعارض مع العلم الإجمالي الوجداني بنجاسة أحد الطرفين. بالطبع، مع فرض أنه في إجراء الاستصحاب في كلا الطرفين لا تحدث مخالفة عملية. (الإمام الخميني، 1381، ج1، ص 256؛ الكاظمي، د.ت، ج3، ص 15؛ ج4، ص 692؛ البروجردي النجفي، 1417هـ، ج3، ص 26؛ ج4، ص 123).

التمسك بالعام في الشبهات المصداقية للمخصص

التمسك بالعام في الشبهات المصداقية غير صحيح، وعلاوة على ذلك، فإن إجراء أصل العدم الأزلي لإحراز دخول الفرد المشتبه في أفراد العام غير صحيح أيضاً. أي لا بأصالة العموم ولا باستصحاب العدم الأزلي يمكن إدخال الفرد المشكوك تحت العام. هذا الرأي الذي أبداه الميرزا النائيني يخالف رأي المحقق الخراساني صاحب كفاية الأصول. وفي هذه الدعوى، اختار المحقق الخوئي رأي صاحب الكفاية. وتفصيل المطلب بناءً على تقريرات الميرزا النائيني هو أنه إذا ورد على العام مخصص منفصل، أو استُثني أفراد من العام ولم يكن لهم عنوان خاص، ففي غالب الموارد يمكن عن طريق الأصل الموضوعي إحراز دخول الفرد المشتبه في المقدار المتبقي تحت العام. مثلاً، إذا شككنا في أن امرأة قرشية أم لا، فهنا أصل وجود المرأة لا ينفصل عن كونها قرشية، فلا يوجد أصل لإحراز القرشية، ولكن أصل عدم وجود نسبة بينها وبين القرشيين يمكن أن يجري، ونتيجته هي أنها مثل عموم النساء ترى الحيض حتى سن الخمسين، وليست مثل النساء القرشيات اللاتي خُصصن. ولكن إشكال أصل عدم الانتساب هو أنه يثبت العدم بصيغة «ليس التامة» وليس «ليس الناقصة»، ونحن نريد العدم النعتي الذي هو مفاد «ليس الناقصة»، وعن طريق العدم المحمولي الأزلي لا يمكن إثبات النعتي إلا بناءً على قبول الأصل المثبت. يوصل الميرزا النائيني هذا المطلب إلى نهايته بالتفصيل ورسم مقدمات عدة. المقدمة الأولى: أن أي تخصيص يوجب تقييد العام بغير عنوان المخصص؛ لأن الإهمال في التقسيمات الأولية لا سبيل له، والحاكم في مقام جعل الحكم إما أن يلحظ الإطلاق أو التقييد، ولا يمكنه أن يهمله. المقدمة الثانية: أنه إذا كان العنوان الخاص من العناوين القائمة بعنوان العام، فإن موضوع الحكم بعد عروض التخصيص سيكون مفاده «ليس الناقصة»، وبتعبير الشيخ الأنصاري مفاد العدم النعتي، الذي هو مركب من العرض والمعروض. المقدمة الثالثة: أن تقابل العدم النعتي مع العدم المحمولي هو تقابل العدم والملكة. بناءً على هذه المقدمات الثلاث، عندما تُخرج النساء القرشيات من تحت العام، فإن المقدار المتبقي يُقيد على نحو مفاد «ليس الناقصة» بعنوان نقيض، أي عنوان «النساء غير القرشيات». وهذا العنوان لا يمكن أن يتحقق قبل وجود موضوعه. إذن، بأصل العدم الأزلي لا يمكن إحراز موضوع الحكم، أي غير القرشية. وعلى هذا الأساس تماماً، لا تجري أصالة العدم في اللباس المشكوك في نجاسته لإقامة الصلاة؛ لأن عدم المانع، أي عدم النجاسة في لباس المصلي، من جملة قيود الصلاة، ومن استصحاب العدم الأزلي، الذي هو عدم محمولي، لا يمكن استنتاج العدم النعتي إلا بناءً على قبول الأصل المثبت. خلاصة القول، إذا لم يكن الموضوع مركباً من عرض ومعروض، فإمكان إحراز الموضوع بضميمة الوجدان إلى الأصل ممكن. ولكن إذا كان مركباً من عرض ومعروض، فإن إجراء أصل العدم الأزلي لإحراز تمام الموضوع لا فائدة له إلا بناءً على قبول الأصل المثبت. (الخوئي، د.ت، ج1، ص 464-471). يقول المحقق الخوئي في مقام تحليل ونقد ومناقشة آراء أستاذه المحقق النائيني: استثناء عنوان وجودي من العام (أي استثناء النساء القرشيات من الحكم العام للنساء اللاتي يرين الحيض حتى سن الخمسين) لا يستلزم تقييد العام بصيغة مفاد «ليس الناقصة». ومن ثم، عندما يُخصص العام، فإن المتبقي تحت العام ليس له تقييد، أي أن النساء المقيدات والمتصفات بغير القرشية لسن المتبقي تحت العام، بل المقدار المتبقي هن النساء غير المتصفات. هذا الفرق، أي الفرق بين كون الشيء متصفاً أو غير متصف، هو النقطة الأساسية في البحث. وبناءً على ما قلناه، لا مانع من التمسك بأصالة العدم. أي أصل عدم الاتصاف لامرأة شُك في قرشيتها، ونتيجته أن مثل هذه المرأة كبقية النساء ترى الحيض حتى سن الخمسين. بالطبع، نعلم أن قرشية المرأة وأصل وجود المرأة كلاهما لهما حالة سابقة من العدم. ولكن إذا أُحرز أصل وجود المرأة، وشُك في اتصافها بالقرشية، يمكن استصحاب عدم الاتصاف، وأثره ترتب حكم العام على هذا الفرد المشكوك في قرشيته. خلاصة القول، يصر المحقق النائيني على أن التخصيص بعنوان وجودي يسبب أخذ عدم ذلك العنوان في طرف العام بصورة عدم نعتي، وهذه النقطة هي المانع من جريان الاستصحاب في العدم الأزلي. ولكن هذه الدعوى والإصرار عليها لا وجه لها في نظر المحقق الخوئي. وعرفنا أن الاستصحاب ممكن، وإذا أحرزنا أصل وجود المرأة بالوجدان واستصحبنا عدم كونها قرشية، يتم الأمر. ولذا يعتقد المحقق الخوئي أنه بضم الوجدان إلى الأصل يمكن إحراز موضوع العام وإجراء الحكم على الفرد المشكوك. ونظير هذه المباحث يأتي في بحث اللباس المشكوك، حيث أورد أيضاً إشكال بعض الأصوليين وجوابه، وقال: لقد أوضحنا المطلب بحيث لا يمكن لأحد أن يزيد عليه شيئاً. (نفس المصدر، ج1، ص 465 إلى 470).

نظرية انقلاب النسبة

كلما كان لدينا عامان متعارضان، مثل «يجب إكرام الفقراء» و«لا يجب إكرام الفقراء»، وللعام الأول مخصص مثل «لا يجب إكرام الفقير الفاسق» ورد، فإذا كان هذا المخصص متصلاً، فلا شك أنه يوجب تخصيص العام الأول، أو بعبارة أفضل، يوجب انعقاد الظهور في غير مورد المخصص المتصل. أما إذا كان المخصص منفصلاً، فإن الظهور الأولي ينعقد، ولكن الظهور التصديقي الثانوي يستقر بعد لحاظ المخصص. ولذا، فإن العام مع وجود قرينة على التخصيص ليس حجة في عمومه. ولكن بما أن العام الأول يتعارض مع العام الثاني بدون لحاظ هذا المخصص، ومع لحاظ هذا المخصص تتغير نسبته إليه، ينشأ بحث جديد باسم «انقلاب النسبة»؛ لأنه بلحاظ هذا المخصص، يجد العام الأول ظهوراً في المتبقي بعد التخصيص، ونتيجته أن «يجب إكرام الفقراء العدول»، ونسبة هذا العام المخصص إلى العام الثاني هي من قبيل نسبة الخاص إلى العام، أي أن نسبة التباين تحولت إلى نسبة الخاص إلى العام. وبتعبير آخر، تحول التعارض المستقر إلى تعارض غير مستقر. الآن السؤال هو: هل نقبل بنفس نسبة التباين ولا نلحظ المخصص المنفصل، أم أن قياس النسبة يكون بعد التخصيص وفي مرحلة الوصول إلى الحجية والمدلول الجدي، لا في مرحلة المدلول الاستعمالي؟ (الشهيد الصدر، 1418هـ، الحلقة الثالثة، ص 542). يرى المحقق الخراساني أنه بما أن قياس النسبة يكون في مرحلة المدلول الاستعمالي، فلا ينشأ شيء باسم «انقلاب النسبة» أساساً. ولكن المحقق النائيني، بخلاف أستاذه، قائل بانقلاب النسبة؛ لأنه يقيس النسبة بين دليلين بعد ظهور مخصص لأحدهما وإجراء التخصيص، وبالطبع هذه النسبة تختلف عن نسبة العامين قبل ورود التخصيص على أحدهما. استدلال الميرزا النائيني هو أن دليلين يدخلان ميدان المعارضة بعد أن نفرغ من حجيتهما. وإذا كان لأحد هذين الدليلين مخصص، فيجب أولاً إدخال التخصيص؛ لأن العام حجة في المقدار المتبقي بعد التخصيص، وذلك المقدار الذي يقع تحت الخاص ليس العام حجة فيه ليدخل ميدان المعارضة. (الكاظمي، د.ت، ج4، ص 747). يقول الشهيد الصدر في مقام نقد رأي النائيني: مع أن تعارض دليلين يكون بعد ثبوت حجيتهما، فإن الحجية في مقام التعارض شيء، ومقتضى القرينية شيء آخر. توضيح ذلك أن القرينية علاقة بين القرينة وذي القرينة تتشكل على أساس الفهم العرفي، ومثالها تقديم الدليل الخاص على العام. ولكن هذه القرينية لا تسبب أن يُفترض العام الأول بالنسبة للعام الثاني وكأنه لم يكن عاماً من الأصل وصدر في المقدار المتبقي. وفي قياس النسبة، يُلحظ نفس الظهور العام في العموم، على الرغم من أن القرينة تدل على عدم الإرادة الجدية للعموم. (الشهيد الصدر، 1418هـ، الحلقة الثالثة، ص 543). يرى المحقق النائيني أن نظرية انقلاب النسبة هي من النتائج الواضحة والجلية لمبناه حول كيفية التخصيص وتفسيره، بحيث يعتبر تصورها كافياً لتصديقها. يمكن استخلاص نوعين من التقرير لنظريته من مجموع كلماته. التقرير الأول: هذا التقرير مركب من مقدمتين: الأولى، أن التعارض يقع دائماً بين دليلين وصلا إلى الحجية، لأن الحجة لا تتعارض مع اللا حجة. والثانية، أن الجمع العرفي بين العام والخاص وقانون القرينية ككبرى كلية يقتضي أن يُقدم كل دليل أخص على الدليل الأعم. والنتيجة هي أن العام الأول يُخصص أولاً، ثم تُعلم نسبته مع العام الثاني. الإشكال الذي يورده الشهيد الصدر على المحقق النائيني هنا هو أنه لدخول العام في ميدان التعارض، تكفي الحجية على مستوى المدلول الجدي الاستعمالي. وتقديم الخاص على العام ككبرى كلية يتعلق بخاص له ظهور في الخصوصية من الأول، لا بدليل عام تحول إلى خاص بعد ملاحظة المخصص وكسر أفراده. وعلى الأقل، يجب القول إن تلك الكبرى الكلية غير معلومة لدى العرف بحيث تشمل مثل هذه الموارد عرفاً. التقرير الثاني: هنا أيضاً يجب ترتيب مقدمتين: الأولى، أن كل كلام له ثلاثة أنواع من المدلول: تصوري، استعمالي، وجدي. والفرق بين المخصص المتصل والمنفصل هو أن المخصص المتصل يغير ظهور العام في العموم من حيث الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية، ولكن المخصص المنفصل يغير الإرادة الجدية فقط. إذن، كلاهما يشتركان في رفع عموم العام في مرحلة الإرادة الجدية، ولكنهما يختلفان في الإرادة الاستعمالية. المقدمة الثانية: أن كل دليل منفصل يكشف عن المراد الجدي من دليل آخر وهو أخص منه، يُقدم على ذلك الدليل الآخر بسبب أخصيته وعن طريق التخصيص. والنتيجة هي أن عامين لهما تعارض مستقر، مع ورود دليل ثالث يسبب تخصيص العام الأول وتقديمه عليه، لن يكون لهما تعارض مستقر بعد ذلك؛ لأن المخصص كاشف عن الإرادة الجدية في العام الأول. (الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج7، ص 288-290). سؤال الشهيد الصدر هنا هو: هل المخصص المنفصل يرفع أصل الدلالة التصديقية التي أُنشئت وفقاً للدلالة التصورية، أم يرفع حجيتها؟ لا شك أنه قبل ورود المخصص، كانت الدلالة التصديقية الجدية قد تشكلت وفقاً للدلالة الاستعمالية. إذن، لا بد أن المراد هو الشق الثاني. وفي هذه الحالة، نسأل: هل لدينا دليل على لزوم وصول دليلين إلى الحجية للدخول في ميدان التعارض، بحيث تكون الحجية بمعنى الظهور الثانوي بعد إعمال التخصيص؟ بل إن نفس الظهور العام في العموم الذي وصل إلى الحجية قبل ورود المخصص، والذي أظهر تطابق الإرادة الجدية، كافٍ. (نفس المصدر، ص 291). بناءً على ذلك، فإن نظرية انقلاب النسبة من قبل المحقق النائيني مبنية على نظرية في باب التخصيص يجب دراستها في محلها. في تقريرات درس الميرزا النائيني، بُحثت مسألة انقلاب النسبة من منظور أوسع وتحت عنوان «تعارض عدة أدلة». وقد شُرحت الصور المختلفة لتعارض عدة أدلة على النحو التالي: 1. عام واحد وخاصان، ونسبة الخاصين هي التباين. 2. عام واحد وخاصان، ونسبة الخاصين هي العموم والخصوص من وجه. 3. عام واحد وخاصان، ونسبة الخاصين هي العموم والخصوص المطلق. في الحالة الأولى، يرد كلا الخاصين على العام ويسببان تخصيصه، ولا وجه لتخصيص العام بأحدهما وملاحظة النسبة المتبقية تحت العام مع الخاص الآخر، مثل نسبة «أكرم العلماء» بـ«لا تكرم البغداديين منهم» و«لا تكرم البصريين منهم». بالطبع، إذا تسبب وقوع كلا الدليلين كمخصص في عدم بقاء أي فرد تحت العام، فإن نسبة العام مع مجموع المخصصات تصبح نسبة تباين، وتصل النوبة إلى الترجيح أو التخيير. (الخوئي، د.ت، ج2، ص 519). ومن هنا يُعرف حكم الحالة الثانية، حيث يرد كلا الخاصين على العام… (تكملة النص غير متوفرة في السياق). [تكملة من الصفحة التالية]: … ويسببان تخصيصهما إلا إذا لم يبق فرد تحت العام. أما الصورة الثالثة فمثالها «لا تكرم البغداديين منهم» مع «لا تكرم العالم الفاسق البغدادي»، وهنا مع فرض اتحاد نسبة كل من الخاصين مع ذلك العام، لا يصح حصر التخصيص في أحد الخاصين (أي الأخص خاصين) إلا إذا كان أحد المخصصين متصلاً والآخر منفصلاً، وهذا خلاف الفرض؛ لأن المفروض في مسألة تعارض عدة أدلة هو استقرار الظهور التصديقي للعام. 4. عامان لهما علاقة العموم والخصوص من وجه، ولأحدهما أو كليهما مخصص ورد، مثل «يجب إكرام العلماء» و«يحرم إكرام الفاسق» و«يكره إكرام الفاسق». في هذه الحالة، يخرج المخصص مورد اجتماع العامين، وتتحول نسبة الدليلين إلى تباين دون تعارض. ولكن إذا أخرج مورد الافتراق من جانب أحد العامين، تصبح نسبتهما عموماً وخصوصاً مطلقاً، وإذا أخرج موردين للافتراق من كلا الطرفين، تصبح نسبتهما تباين مع تعارض في مورد الاجتماع. 5. دليلان متعارضان لهما علاقة تباين، ودليل ثالث يحول النسبة بينهما إلى عموم وخصوص مطلق. مثلاً، دليل يقول إن الزوجة لا ترث من العقار مطلقاً، ودليل ثانٍ يقول إن الزوجة ترث من العقار مطلقاً. الآن دليل ثالث يقول إن الزوجة ذات الولد ترث من العقار، فيقع مخصصاً للدليل الأول، ثم تتغير نسبة الدليل الأول مع الثاني. (الخوئي، د.ت، ج2، ص 518-520). نظير المورد أعلاه هو الروايات الواردة في ضمان العارية، حيث تدل طائفة على عدم الضمان مطلقاً، وطائفة ثانية على عدم الضمان مع عدم اشتراط الضمان ما عدا عارية الدراهم، وطائفة ثالثة مثل الطائفة الثانية ولكنها تستثني الدنانير، وطائفة رابعة تدل على عدم الضمان باستثناء الذهب والفضة. وفي جمعها بالتفصيل المذكور في محله، يحدث انقلاب النسبة. ولكن كيفية الجمع الأولية في الدورة الأخيرة من درس المحقق النائيني تختلف عن الدورات السابقة، حيث يقول مقرر درسه (المحقق الخوئي) إن هذا الفرق كفرق الشمس عن باقي النجوم. (نفس المصدر، ص 521).

تدقيقات عقلية في بحث الشرط المتأخر

امتناع أو جواز الشرط المتأخر من المباحث التي ارتبطت بالنقاط العقلية والفلسفية في علم الأصول، ويمكن رؤية بناء البحث الأصولي على البحث العقلي والفلسفي في مثل هذه الموارد بوضوح. المقدمات التي يوردها المحقق النائيني حول استحالة الشرط المتأخر هي كالتالي: المقدمة الأولى: المقدمات العقلية خارجة عن محل النزاع؛ فمن المسلم به أن المعلول لا يمكن أن يوجد قبل علته التامة، ولا يمكن تبرير أن ذات الشرط ليست متأخرة بل وصفه متأخر، أي أن يكون الشرط موصوفاً بكونه متأخراً. هذا الكلام مثل أن نقول إن الأمر العدمي المؤثر في معلول موصوف بكونه معدوماً، مع أن ذات المعدوم ليست مؤثرة. هذا النوع من التبريرات في الشروط والمقدمات العقلية لا معنى له وغير قابل للطرح. المقدمة الثانية: العناوين الانتزاعية خارجة عن محل النزاع أيضاً، مثل الأبوة والبنوة. ولذا، إذا دل الدليل على أن المعاملة الفضولية صحيحة على فرض تعقب الإجازة، يمكن أن نفهم أن الإجازة المتأخرة كاشفة عن اشتراط المعاملة بنفي عنوان «تعقب الإجازة». إذن، ما هو شرط في الواقع هو ذلك الأمر الانتزاعي، أي «تعقب الإجازة»، الذي يُنتزع من تحقق الإجازة في ظرف زماني متأخر. المقدمة الثالثة: شرطية شيء لـ«المأمور به» بمعنى قيدية ذلك الشيء له. فكما أن التقييد بالأمر السابق والمقارن جائز، فإن التقييد بالأمر المتأخر جائز أيضاً، مثل تقييد صوم المستحاضة بأغسال لياليها التالية. وبالطبع، في كيفية تأثير هذا الغسل في رفع الحدث، هناك بحث حول الحدث الواقع قبل أو بعد الغسل، ولكن بقطع النظر عن هذا البحث، لا إشكال في نفي جواز تأخر الشرط عن المشروط؛ لأن الشرطية هنا بمعنى الجزئية، أي جزئية التقييد بالشرط. وهنا يبدو أن هناك إشكالاً يتعلق بعدم ملاحظة الفرق بين الجزء والشرط. إذا كان القيد أمراً خارجياً وفي قالب شرط، والتقييد به أمراً داخلياً وفي قالب جزء، فإن الفرق بين هذين الأمرين هو أن الجزء، وإن كان تدريجي الوجود، فعندما يتعلق الأمر بالمركب، ينبسط ذلك الأمر على الأجزاء. ولكن شروط الأمر خارجية، والتقييد بها يوجد نوعاً من الإضافة. حينئذٍ، إذا وُجدت هذه الإضافة قبل تحقق الشرط، فمعناها وجود أمر انتزاعي قبل وجود منشأ انتزاعه. وإذا وُجدت حين تحقق الشرط، فمعناها تحقق الإضافة بدون وجود أحد طرفيها. جواب مثل هذا الإشكال هو أن نقول إن العناوين الانتزاعية، بما أنه ليس لها تحقق خارجي، فتعلق الأمر بها محال، كما قلنا في بحث الواجب المشروط. ومن ثم، يجب أن يتعلق الأمر بمنشأ انتزاعها. إذن، الشرط المتأخر الذي هو قيد للواجب لا يمكن أن يكون أمراً غير اختياري متيقن الحصول، مثل دخول المغرب، أو مشكوك الحصول، مثل نزول المطر؛ لأنه إذا كان متيقن الحصول، فإن جعله قيداً لغو، وإذا كان مشكوك الحصول، فإن توقف الامتثال على شيء ليس تحت اختيار وقدرة المكلف محال. لا بد أن يكون الشرط المتأخر شيئاً يصح تعلق التكليف به والأمر بالواجب المقيد به، وذلك الشيء هو التقييد بالشرط، والمكلف يمكنه مثلاً أن يأتي بتلك الحصة من الصوم التي تتعقبها شرط متأخر، أي غسل ليلي، لأن التقييد بالقيد تحت اختيار المكلف. المقدمة الرابعة: أن العلة الغائية والملاكات المترتبة على متعلقات الأحكام، التي هي علل تشريعية، ليس لوجودها الخارجي تأثير على تشريع الحكم؛ لأن وجودها الخارجي متأخر عن متعلقات الأحكام، بل علم الجاعل بترتب الملاك هو المؤثر في التشريع، وعلمه بترتب الملاك وإن كان مقارناً للجعل والتشريع، فإن ذات المعلوم متأخرة عن الجعل. إذن، البحث عن شرائط الجعل خارج أساساً عن محل النزاع، ويجب البحث عن شرائط المجعول. (الخوئي، د.ت، ج1، ص 223). بعد بيان المقدمات الأربع، يدخل المحقق النائيني في بيان تفاوت القضية الحقيقية والخارجية، وهو مرتبط بالنقطة الأخيرة من البحث أعلاه، أي تفاوت الجعل والمجعول. ويعتقد أن خطأ المحقق الخراساني (صاحب كفاية الأصول) في جواز تأخر الشرط متكئ على استدلال مفاده أن كل شرط يُذكر للأفعال الاختيارية، ليس وجوده الخارجي شرطاً، بل وجوده اللحاظي هو الشرط. وهذا الاستدلال في الواقع ناتج عن خلط القضايا الخارجية بالقضايا الحقيقية، وعن عدم تفكيك دواعي الجعل عن الشرائط المأخوذة على نحو «مقدرة الوجود» التي ترجع إلى قيود الموضوع. (نفس المصدر، ص 224).

نظرية التسهيل في بحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي

أولاً، يضع المحذورات للتعبد بالظن في فئتين: محذورات ملاكية ومحذورات خطابية، وفي الإجابة عن كل منها يختار طريقاً. أما بالنسبة للمحذور الملاكي، فإنه يعدد مباني البحث أولاً، وهي: 1. تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلقاتها. 2. قبول الطريقية المحضة للأمارات ومجعولية هذه الطريقية، وإنكار المصلحة السلوكية التي قال بها الشيخ الأنصاري وتستلزم نوعاً من التصويب. 3. انفتاح باب العلم وإمكان الوصول إلى الواقعيات وإنكار انسداد باب العلم. (الكاظمي، د.ت، ج3، ص 89-100). في نظره، لم يُطرح إشكال نقض الغرض بصراحة، وكأنه يرجع إلى نفس شبهة تحليل الحرام وتحريم الحلال. ولدفع هذه الشبهة، يطرحون مصلحة التسهيل في الجعل ويقولون إن الأمارات الظنية مثل خبر الثقة هي من طرق كشف الواقعيات الخارجية عند عقلاء العالم للوصول إلى أهدافهم في حياة الدنيا. احتمال الخطأ والصواب في الأمارات يماثل احتمال الخطأ والصواب في الأدلة القطعية، والشارع لم يمنع منها فقط، بل إن منع العمل بهذه الأمارات لا مبرر له أساساً. بالطبع، القياس أيضاً عند العقلاء مثل سائر الأمارات الظنية له كاشفية، والناس في الموضوعات الخارجية التي يقل فيها الخطأ يعملون به. ولكن الشارع في الأحكام الشرعية التي غالباً ما تكون مناطاتها غير واضحة للناس منع من القياس؛ لأن القياس في الشرعيات كثير الخطأ، بخلاف القياس في الموضوعات الخارجية. ولكن في مثل خبر الثقة ليس الأمر كذلك، أي أن خبر الثقة لكشف الواقعيات في الموضوعات الخارجية خطؤه بنفس مقدار خطئه في الأحكام الشرعية. ومن هنا، يشكل الميرزا النائيني على الشيخ الأنصاري بأن تقسيم الأمارات من حيث مصادفتها للواقع إلى ثلاثة أقسام «غالب المصادفة ودائم المصادفة وأغلب مصادفة من الأسباب المفيدة للعلم» هو تقسيم لا فائدة منه وحدسي لا طائل تحته. الآن، لنفرض أن نسبة خطأ الأمارات بشكل عام أكبر من العلم، يمكن تبرير التعبد بالأمارات الظنية بالقول إن الشارع من أجل التوسعة والتسهيل في أدوات كشف الواقع أعطى اعتباراً لهذه الأمارات، وفي هذا العمل قدم المصالح النوعية على المصالح الشخصية؛ أي أن مصلحة التسهيل والتوسعة على نوع المكلفين مقدمة على المصلحة الشخصية للأفراد الذين أدت الأمارة عندهم إلى الخطأ. تماماً مثل جواز قتل المسلمين الذين يتترس بهم جيش العدو. وهذا النوع من التشريع يُرى كثيراً في الأمور العرفية أيضاً. بالطبع، يجب توضيح علاقة نظرية التسهيل هنا ببحث انفتاح أو انسداد باب العلم، وببحث طريقية أو سببية الأمارة. بالنسبة للجهة الأولى، يمكن تصور أن مصلحة التسهيل تكون بقدر يلزم بدونه العسر والحرج، ويمكن تصور أنه بدون اعتبار الأمارات يكون باب الوصول إلى العلم منفتحاً ولا يلزم عسر وحرج. إذن، إما أن يُفرض باب العلم منفتحاً، وفي هذه الحالة لا وجه لمراعاة مصلحة التسهيل في مقابل تضييع المصالح الشخصية، أو أن مراعاة مصلحة التسهيل لا وجه لها من حيث أن باب الوصول إلى العلم مسدود ونقبل بفرض انسداد باب العلم. يقبل الميرزا النائيني بفرض انفتاح باب العلم، ولكن في هذا الفرض نفسه يجيز مراعاة مصلحة التسهيل في مقابل تضييع بعض المصالح الشخصية.

مسلك جعل الطريقية في بحث الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي

عرفنا في المحذورات الملاكية أن الميرزا النائيني طرح نظرية التسهيل على فرض طريقية الأمارات. أما في المحذورات الخطابية، فقد لجأ إلى حلول أخرى. أولاً، يجب توضيح المحذور الخِطابي بالتفصيل التالي: الأمارة قد تكون موافقة للواقع وقد تكون مخالفة له. في الحالة الأولى، ينشأ محذور اجتماع حكمين متماثلين، أي الوجوب الواقعي والوجوب الظاهري الذي هو مؤدى الأمارة. وفي الحالة الثانية، ينشأ محذور اجتماع حكمين متضادين أو متناقضين، أي الوجوب الواقعي مثلاً والاستحباب الظاهري وهما متضادان، أو الوجوب الواقعي وعدم الوجوب الظاهري وهما متناقضان. لا يقبل الميرزا النائيني بمحذور اجتماع المثلين؛ لأن اجتماع المثلين يوجب تأكيد وقوة مناط الحكم. أما في محذور اجتماع الضدين أو النقيضين، فقد فصل بين الأمارات والأصول المحرزة وغير المحرزة. في الأمارات، قبل بمسلك جعل الطريقية، أي أنه للفرار من المحذور الخِطابي، أنكر أساساً جعل حكم تكليفي باسم الحكم الظاهري، ويعتقد أن الحجية والطريقية نوع من الأحكام الوضعية المتأصلة في الجعل التي يجعلها الشارع مباشرة، مثل الزوجية والطهارة والنجاسة والولاية والحرية التي هي متعلق مباشر للجعل الشرعي. (الخوئي، د.ت، ج2، ص 105). إذن، في باب الأمارات لم يُجعل حكم تكليفي أصلاً ليُطرح محذور اجتماع حكمين متضادين أو متناقضين. وهذا المبنى هو نفس مبنى المحقق الخراساني الذي بُيّن بتفصيل وتدقيق أكبر. (الخراساني، 1417هـ، ص 277). وقد أشار بعض الشارحين لتوضيح كلام المحقق الخراساني والتمييز بين المسالك المختلفة في باب حجية الأمارات الظنية إلى خمسة مسالك، وهي: مسلكان على مبنى طريقية الأمارات، ومسلكان على مبنى سببية قيام الأمارة، والمسلك الخامس هو طريق وسط بين الطريقية والسببية يسمى المصلحة السلوكية. أما المسلكان في باب الطريقية، فأحدهما مسلك «تنزيل الأمارة منزلة العلم»، الذي يلزمه جعل حكم مماثل أو متضاد، والشارع بحجية الأمارة يتمم الكشف. ثم في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي يمكن طرح اختلاف المرتبة. والمسلك الآخر هو مسلك «تنزيل المؤدى منزلة الواقع»، الذي قبله المحقق الخراساني ثم الميرزا النائيني. وبناءً عليه، يقولون بجعل المنجزية والمعذرية، بالإضافة إلى أنهم طرحوا إشكالات مسلك تتميم الكشف. (الحسيني الفيروزآبادي، د.ت، ج3، ص 85). أما في باب الأصول غير المحرزة، فلأن الطريقية مفقودة، وفي موضوعها أُخذ الشك، وتنزيلها منزلة العلم لا معنى له، فلا بد من قبول وجود حكم آخر باسم الحكم الظاهري. بالطبع، في باب الأصول المحرزة، يمكن قول كلام شبيه بالكلام الذي قيل في باب الأمارات، والقول بأنه لا يُجعل حكم جديد، بل مؤدى الأصل بمنزلة الواقع، مع هذا الفارق أنه في باب الأصول المحرزة، يُبنى عملياً على أن مؤدى الأصل هو نفس الواقع، وتوجد هنا هوية عملية ينشأ منها جعل حكمي، على الرغم من أنه في باب الأمارات تنشأ من هوية الجعل هوية حكمية. خلاصة القول، يرى الميرزا النائيني أن المحذور الخِطابي قابل للطرح في الأصول غير المحرزة. ولدفع ذلك، يقدم أولاً الاختلاف الطولي بين الحكمين، ثم يقول إن الحكم الواقعي بنتيجة الإطلاق موجود في مرتبة الحكم الظاهري، إذن الاختلاف الطولي لا يحل محذور اجتماع الحكمين. ومن ناحية أخرى، لا يمكن قياس محل البحث على الاختلاف الطولي للأهم والمهم وفائدة نظرية الترتب؛ لأنه هناك لا يكون الخطاب بالأهم مطلقاً بالنسبة لحالة الطاعة والعصيان للمهم، ولكن هنا الحكم الواقعي مطلق بالنسبة لحالتي العلم والجهل. إذن، تأخر المرتبة لا يحل مشكلة إلا إذا قلنا بمتمم الجعل، أي جعل ثانوي يتكفل بيان وجود الحكم في حالة عدم العلم، يعود المحذور، وإلا فإن اختلاف الرتبة كافٍ في رفع المشكلة. ومن هنا، يدخل المحقق النائيني في أقسام وتفصيلات بحث متمم الجعل. في النهاية، لا يرى المحقق النائيني أن المحذور الخِطابي وارد أساساً في باب الأصول المحرزة. وبالطبع، في توضيح ذلك يصل إلى مبنى آخر، وهو حكومة الأمارات والأصول الظاهرية على الأحكام الواقعية. وفي باب الأصول غير المحرزة، يأخذ اختلاف رتبة الحكمين بعين الاعتبار ويحل المشكلة. (الكاظمي، د.ت، ج3، ص 20). مع كل هذا، تعرضت كلماته لمناقشة من قبل الأصوليين المتأخرين، وهو ما يُترك لمحله. (واعظ حسيني بهسودي، 1422هـ، ج2، ص 104؛ الهاشمي الشاهرودي، 1417هـ، ج4، ص 194). ولكن الأهم من كل شيء هو تشتت واختلاف طرق الحلول لدى المحقق النائيني، في حين أن الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي يطلب نظرية واحدة لحل جميع المشكلات والمحذورات.

الخلاصة والاستنتاج

تتميز مدرسة المحقق النائيني بالتدقيقات العقلية، والقاعدية، والتنظير، والانسجام، والمحورية المبدئية في المباحث الأصولية. هذه المدرسة، بالمقارنة مع مدرسة المحقق الخراساني صاحب كفاية الأصول ومدرسة الآقا ضياء الدين العراقي، تتميز بالاعتدال في الربط بين المباحث الأصولية والمباحث الفلسفية، وهي بعيدة عن التعقيدات اللفظية والمعنوية، وتتميز بالشفافية والوضوح في طرح المباحث، وفي نفس الوقت ليست بعيدة عن الفهم العرفي في كشف دلالة الدليل. وهذا التمايز قابل للطرح أيضاً بالمقارنة مع مدرسة الشيخ محمد حسين الأصفهاني. في الوقت نفسه، تعرضت جوانب مختلفة من هذه المدرسة لإشكالات من المتأخرين، منها الإشكال على طرح نظرية متمم الجعل ونظرية انقلاب النسبة.

حواشي

1. مع أن بعض المعاصرين يقولون إن مجموع الخاصين هو نوع من الاعتبار العقلي، وليس لدينا دليل من الأدلة أو شيء صادر عن المعصوم بعنوان مجموع الدليلين، وعليه فإن قياس النسبة بهذه الطريقة ليس صحيحاً. (مؤمن، 1419هـ، ج2، ص 513).

المصادر

1. الإمام الخميني، روح الله (1381). الاستصحاب، الطبعة الأولى. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.

2. انتظام، سيد محمد (1384). الفرضيات الفلسفية في علم الأصول، الطبعة الأولى. قم: بوستان.

3. بروجردي نجفي، محمد تقي (1417ق). نهاية الأفكار (تقريرات درس ضياء الدين عراقي)، الطبعة الثالثة. قم: دفتر انتشارات إسلامي.

4. حسيني فيروزآبادي، مرتضى (بلا تا). عناية الأصول في شرح كفاية الأصول. قم: نشر فيروز آبادي.

5. حلي، حسين (1432ق). أصول الفقه، الطبعة الأولى. قم: مكتبة الفقه والأصول المختصة.

6. كاظمي خراساني، محمد علي (بلا تا). فوائد الأصول (تقريرات درس محمد حسين نائيني). مع تعليقات آقا ضياء الدين عراقي ومحقق شيخ رحمت الله أراكي، قم: نشر جامعة مدرسين قم.

7. خراساني، محمد كاظم (1417ق). كفاية الأصول. الطبعة الثانية. قم: نشر مؤسسة آل البيت.

8. خوئي، أبو القاسم (بلا تا). أجود التقريرات (تقريرات درس محمد حسين نائيني). قم: مطبعة العرفان.

9. سبحاني تبريزي، جعفر (بلا تا). إرشاد العقول إلى مباحث الأصول (تقريرات درس محمد حسين حاج عاملي). الطبعة الأولى. قم: نشر مؤسسة إمام صادق (ع).

10. صدر، سيد محمد باقر (1418ق). دروس في علم الأصول. الطبعة الخامسة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

11. عبد الساتر، حسن (1417ق). بحوث في علم الأصول (تقريرات درس شهيد صدر). الطبعة الأولى. بيروت: نشر الدار الإسلامية.

12. عراقي، ضياء الدين (1414ق). مقالات الأصول. الطبعة الأولى. قم: مجمع الفكر الإسلامي.

13. فرحي، سيد علي (بلا تا). تحرير الأصول (تقريرات درس ميرزا هاشم آملي). الطبعة الأولى. قم: نشر مكتبة الداوري.

14. فياض، محمد إسحاق (1410ق). محاضرات في أصول الفقه (تقريرات درس سيد أبو القاسم خوئي). الطبعة الرابعة. قم: دار الهادي.

15. لجنة التأليف (1423ق). قواعد أصول الفقه على مذهب الإمامية. الطبعة الأولى. قم: المجمع العالمي لأهل البيت (ع).

16. لجنة علمية (1431ق). القواعد الأصولية والفقهية على مذهب الإمامية، تحت إشراف محمد علي تسخيري. الطبعة الثانية. قم: المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

17. مظفر، محمد رضا (بلا تا). أصول الفقه. الطبعة الخامسة. قم: نشر إسماعيليان.

18. مؤمن، محمد (1381). المعنى الحرفي. مجلة پژوهشهای اصولی. العدد الأول، 43-50.

19. مؤمن، محمد (1419ق). تسديد الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

20. واعظ حسيني بهسودي، محمد سرور (1422ق). مصباح الأصول (تقريرات درس سيد أبو القاسم خوئي). الطبعة الأولى. قم: مكتبة الداوري.

21. هاشمي شاهرودي، سيد محمود (1417ق). بحوث في علم الأصول (تقريرات درس شهيد صدر). الطبعة الثالثة. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي.

Scroll to Top