القراءة الغنائية للقرآن في فكر الإمام الخامنئي

الملخص

طُرحت آراء مختلفة من قبل الفقهاء والمفسرين وخبراء العلوم القرآنية بشأن قراءة القرآن بصورة غنائية. يتناول هذا البحث دراسة القراءة الغنائية في فكر الإمام الخامنئي، بوصفه فقيهاً معاصراً تناول مسائل الموسيقى والغناء بنظرة عميقة ودقيقة. تتمحور مسألة البحث حول موقف الإمام الخامنئي من هذه القضية (مسألة البحث)، معتمداً على المنهج التحليلي-النقلي الفقهي القرآني (منهج البحث). توصل البحث إلى النتائج التالية: تقسيم الغناء إلى قسمين: عام وخاص، وحلال وحرام؛ تصنيف صوت الإنسان إلى ثلاثة أنواع؛ عدم دلالة الروايات على حرمة الغناء مطلقاً؛ قبول حكم العرف في تشخيص مصداق الغناء؛ عدم تأثير عناصر مثل أهل الفسق، والآلات الموسيقية، ومادة الصوت، والطرب في تحقق مفهوم الغناء؛ حرمة القراءة الغنائية إذا كانت على شاكلة الغناء المحرم؛ جواز التغني في قراءة القرآن بالمعنى المتعارف دون أن ينطبق عليه وصف الغناء المحرم؛ والخروج التخصصي للقراءة الغنائية من حكم الحرمة، لا التخصيص منه (نتيجة البحث).

مقدمة

القرآن ليس أشعاراً غزلية تُنشد في مجالس العشاق، ولا هو من جنس القصائد التي تُغنّى في محافل الغرام. فالقرآن لا يحمل طبيعة غنائية، بل له هويته الإلهية ورسالته الهدايتية، وله شروطه ومقتضياته الخاصة التي يجب مراعاتها في القراءة والتلاوة، كي لا تنتهي إلى الغناء الممنوع. فلو اتجه قارئ القرآن أو مستمعه إلى القراءة الغنائية المحرمة، فلن ينالا من القرآن حظاً فحسب، بل سيرتكبان معصية إلهية أيضاً. وعليه، فإن مسألة جواز وحرمة الغناء في قراءة القرآن تعد من المسائل القرآنية البحثية التي كثرت حولها الآراء حتى أصبحت معركة للآراء؛ فالبعض ذهب إلى القول بالحرمة المطلقة، بينما مال آخرون إلى نظرية الجواز. وقد اعتبر البعض الغناء في قراءة القرآن تخصيصاً من الحكم المطلق للغناء، فيما نفى آخرون موضوع التغني في القرآن أصلاً. وفي هذا السياق، يبرز رأي الإمام الخامنئي العميق والدقيق، بوصفه فقيهاً باحثاً في القرآن وخبيراً بمسائل الغناء والموسيقى، رأياً جديراً بالاهتمام وجذاباً. إن تبيين رؤيته الشاملة يتطلب مباحث ستأتي لاحقاً.

إن البحث في مسألة الغناء والقراءة الغنائية له تاريخ طويل جداً، وقد أثمر عن أعمال قيمة يمكن تصنيفها في أربع فئات:

1. الآيات المفسَّرة بالغناء والروايات الكثيرة في باب الغناء والتغني، والتي تربو على عشرات الروايات في هذا المجال.

2. الدراسات الفقهية في خصوص حرمة الغناء في الكتب الفقهية؛ ومنها آثار أبي الصلاح الحلبي (كتاب «الكافي»)، والشيخ الطوسي (كتاب «الخلاف»)، وابن إدريس الحلي (كتاب «السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى»)، والفاضل الآبي (كتاب «كشف الرموز»)، والمحقق الحلي (كتاب «المختصر النافع»)، والعلامة الحلي (كتاب «تحرير الأحكام» و«قواعد الأحكام»)، والشهيد الأول (كتاب «الذكرى»)، وابن فهد الحلي (كتاب «المهذب البارع»)، والمحقق الكركي (كتاب «جامع المقاصد»)، وغيرها… وصولاً إلى كتاب «الغناء، الموسيقى» الذي جمعه رضا مختاري ومحسن صادقي.

3. المباحث الفقهية في خصوص حرمة الغناء في تلاوة القرآن؛ ومنها آثار المحقق الحلي (كتاب «شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام») وتفصيله وشرحه على يد الفقهاء المتأخرين مثل زين الدين علي بن أحمد العاملي الجبعي (كتاب «مسالك الأفهام»)، والسيد محمد الموسوي العاملي (كتاب «مدارك الأحكام»)، ومحمد حسن النجفي (كتاب «جواهر الكلام») وأمثالهم.

4. الآثار المرتبطة بمعارضة وتأييد النظريات المختلفة؛ ومنها آثار الفيض الكاشاني والمحقق السبزواري، وآثار مثل «تنبيه الغافلين وتذكير العاقلين» تأليف علي الجبعي العاملي، و«رسالة في الغناء» و«الرد على من يبيح الغناء» تأليف الحر العاملي، و«إعلام الأحباء في حرمة الغناء في القرآن والدعاء» بقلم مير لوحي السبزواري، وغيرها من الآثار المنشورة في رد وتأييد النظريات المختلفة.

وأهم أثر جامع في مقولة الغناء والموسيقى هو كتاب «الغناء والموسيقى / دروس في الغناء والموسيقى» الذي يضم ستاً وسبعين جلسة من درس خارج الفقه لسماحة القائد المعظم، والتي ألقيت في عامي 1387 و 1388 هـ.ش، وأعيد طبعه للمرة السابعة في عام 1401 هـ.ش. إن أفكار الإمام الخامنئي حول القراءة الغنائية مستخرجة في الغالب من هذا الأثر.

أ. فكر الإمام الخامنئي في كلية الغناء

يعتقد الإمام الخامنئي، مع قبوله بالفرق بين الغناء المتعارف عليه وقراءة القرآن، بأن: «الغناء يغاير الفهم العرفي لأمثال الأذان وتلاوة القرآن. فتلاوة القرآن المتعارفة والأذان شيء، والغناء شيء آخر. أي عندما يُسأل العرف: هل هذا الشخص يغني؟ يقولون: لا، هو لا يغني، بل يقرأ القرآن. عمله ليس غناءً، بالطبع يمكن قراءة القرآن بهذا الأسلوب الغنائي… فهل الغناء في القرآن جائز أم لا؟ نقول: إن كان بصورة الغناء المحرم، فهو غير جائز. ولكن الغناء يختلف عن قراءة القرآن.» (الخامنئي، 1401: 225). وفي موضع آخر يقول: «إذا استخدم شخص لحناً وأسلوباً يُطلق عليه عرفاً غناءً، بصورته المحرمة، أي بصورة الغناء اللهوي، في القرآن، فهل هذا حرام أم لا؟ يقيناً وقطعاً هو حرام.» (الخامنئي، 1401: 279). في هذين البيانين، هناك عدة نقاط توضيحية وتوجيهية جديرة بالاهتمام:

1. مغايرة الغناء للتلاوات المتعارفة وقراءة القرآن: هذا يعني أن تحقق الغناء يتعلق بكيفية الصوت لا بمادته، ولذا يضيف قائلاً: إذا كانت تلاوة القرآن بصورة الغناء المحرم، فهي غير جائزة.

2. قبول حكم العرف في كون الشيء غناءً أو لا: يرى سماحته أن هذا هو السبيل الصحيح للوصول إلى المصداق الصحيح، لا أن يُحدَّد المفهوم بمجموع استعمالات العرف واللغة والأدب والفقه. فطالما لم يكن مفهوم الغناء واضحاً في العرف، لا يمكن الرجوع إليه (الخامنئي، 1401: 194 و 195).

3. حرمة قراءة وتلاوة القرآن بالغناء المحرم: يُفهم من هذا الكلام أن الغناء في مفهومه المطلق يشتمل على قسمين: حلال وحرام، وهو ما سنتناوله في البحث اللاحق.

4. تقييد الغناء باللهوي: يُستفاد من ذلك أن مطلق الغناء ليس بحرام، بل النوع اللهوي منه هو الحرام. وقد عرّفوا النوع اللهوي في موضع آخر بأنه «كل لحن وصوت يدفع بالأجواء نحو اللامبالاة بالدين، أو المعصية، أو عدم الاكتراث بالواجب والتكليف الشرعي.» (الخامنئي، 1401: 444).

5. الغناء المحرم: يشير سماحته مراراً إلى الغناء المحرم، ومراده به هو الغناء اللهوي المضل عن سبيل الله (الخامنئي، 1401: 299). وبتعبيره هو، لو فرضنا أن شخصاً قرأ آية من القرآن بأسلوب أحد التصانيف المتداولة (الكلام الموزون المصحوب بلحن)، فإن هذا قطعاً لهوي وبلا شك حرام (نفس المصدر). وفي موضع آخر يقول: «الغناء المحرم هو الغناء اللهوي المضل عن سبيل الله. أن يكون لهوياً بحيث يضلل، والإضلال إما اعتقادي، أي يوقع الإنسان في الشك والشبهة تجاه المعارف الدينية ويخلق لديه حالة من اللامبالاة، أو إضلال عملي، أي يشجع الإنسان على فعل الحرام ويحرضه عليه، أو يوجد في الإنسان حالة من اللامبالاة تجاه الذنب.» (الخامنئي، 1401: 323).

ب. ماهية الغناء

هناك مقولتان مترابطتان لهما دور أساسي في تبيين المسألة؛ الأولى هي الصوت والمفاهيم المرتبطة به كالغناء والنغمة واللحن، والتي تتناول فن الأداء الصوتي. والثانية هي الموسيقى والمفاهيم المرتبطة بها كالآلة الموسيقية، والميوزيك، والمزغان، والخنيا، والتي تتعلق بفن العزف. كلمة موسيقى أصلها يوناني وتعني اللحن، وقد ورد عنها وعن مشتقاتها أنها: عبارة عن النشيد والصوت، والموسيقار هو المغني، والموسيقات هي آلات النشيد (السجادي، 1373: 1964/3). وكلمة ميوزيك فرنسية الأصل، وهي في الأساس مأخوذة من السريانية وتعني الموسيقى. لكن استخدامها يكثر في مجال الآلات أكثر من الصوت. و«مزغان» هي كلمة تركية من كلمة ميوزيك، و«خنيا» هي كلمة فارسية قديمة مرادفة للصوت والموسيقى. بناءً على ذلك، فإن الغناء والنغمة واللحن تندرج تحت مقولة الصوت والأداء الصوتي، بينما تندرج الميوزيك والمزغان والخنيا تحت مقولة الآلات والعزف. أما في العرف، فكلمة الموسيقى تستخدم لكل من الصوت والآلات.

1. المعنى اللغوي للغناء

«الغَناء» بفتح الغين على وزن سماء، و«الغِنى» بصورة مقصورة على وزن عبا، في مقولة المال وتعني الاكتفاء. و«الغِناء» بكسر الغين على وزن كساء، في مقولة الصوت. وقد أجمع أهل اللغة على هذا الرأي عبر التاريخ. فمنهم من كتب: «الغِنَى مقصور في المال. والغِنَاءُ، ممدود في الصوت» (الفراهيدي، 1409: 450/4 وابن دريد، 1988: 964/2 والفيومي، 1414: 455/2). وبعضهم صرح بوضوح أكبر قائلاً: «الغَنَاء، بالفتح: النفع. والغِنَاء بالكسر من السماع» (الجوهري، 1376: 2449/6). وذهب آخرون إلى أبعد من الاستعمال اللغوي فكتبوا: «كُلُّ مَن رَفعَ صَوتَه و والاهُ فصَوتُه عند العرب غِنَاء» (ابن الأثير، 1367: 391/3). فكل صوت متتابع وعالٍ يعده العرب غناءً. وفي النهاية، حدد الفيروزآبادي معيار الغناء في الصوت فكتب: «الغِناءُ، من الصَّوْتِ، ما طُرِّبَ به» (الفيروزآبادي، 1415: 421/4). يلاحظ بوضوح في هذا المسار المعنوي أن الفراهيدي وابن دريد يعتبران الصوت الممدود غناءً، بينما اعتبر ابن الأثير رفع الصوت معياراً للغناء، والفيروزآبادي اعتبر الطرب معياراً له.

2. الغناء في اصطلاح الفقهاء والإمام الخامنئي

قدم الفقهاء تعريفات متعددة للغناء، تتراوح من دائرة ضيقة جداً إلى نطاق واسع جداً، ولا يتسع المجال لذكرها كلها. لذا، نكتفي هنا بذكر بعض التعريفات ضمن ثلاث نظريات رئيسية:

النظرية الأولى: مد الصوت مع الترجيع المطرب

قدم المحقق الحلي في القرن السابع أول تعريف فني للغناء قائلاً: «مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب» (الحلي، 1408: 117/4). والمقصود بالترجيع هو ترديد الصوت في الحلق أو الخيشوم (الأنف). فمثلاً، إذا رفع شخص صوته وردده قائلاً: آآآ! أو ما يشبه صوت البلبل والقُمري الذي يغني بشكل متوالٍ ومتتابع، يمكن اعتبار هذا النوع من الصوت ترجيعاً. وقد أوضح الشهيد الثاني هذا التعريف فكتب: «فلا يحرم بدون الوصفين؛ أعنى الترجيع مع الإطراب وإن وجد أحدهما» (الشهيد الثاني، 1413: 126/3). وأيد العاملي الجبعي هذا التعريف قائلاً: «الترجيع المطرب بمعنى جمعه بين الترجيع والإطراب» (العاملي الجبعي، 1418: ص 3). وتعريف المختار للشيخ الأنصاري هو: «أنّه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب» (الأنصاري الدزفولي، 1415: 291/1).

فكر الإمام الخامنئي

ينفي الإمام الخامنئي الترادف بين التطريب والإطراب، معتقداً أن الطرب ليس قيداً في مفهوم الغناء. ويذكر سماحته ثلاثة معانٍ للطرب: 1) الفرح أو شدة الفرح. 2) حالة الخفة التي تعتري الإنسان من فرح أو حزن. 3) عروض الخفة في روح الإنسان، أي حالة من ذروة الاضطراب وعدم الاستقرار، سواء كانت من فرح أو حزن (الخامنئي، 1420: 213). ويضيف: «من غير المعلوم من أين دخل هذا القيد في تعريف الغناء؟» (الخامنئي، 1420: 214). وكما أشير سابقاً، فإن قيد الطرب قد دخل في تعريف الغناء لأول مرة في القرن السابع، ولا يوجد له ذكر في الروايات.

النظرية الثانية: تركيبة من المقولات

يعتقد محمد الدارابي في القرن الثاني عشر أن: «كل صوت حَسَن يُسمع مع آلات اللهو أو صوت امرأة يسمعها رجل، أو يكون مثيراً للشهوة ويحرك النفس البهيمية، أو يكون كلام كذب وباطل، يسمى غناءً وهو حرام» (الدارابي، 1418: 13). وهنا نقطتان جديرتان بالاهتمام:

1. هذا الرأي في حقيقته يبين الفرق بين الغناء والصوت الحسن، بمعنى أن الصوت الحسن وإن كان له دور أساسي في تحقق الغناء، إلا أنه ليس العلة التامة، وتقارن الصوت الحسن مع العزف على آلات اللهو له دور محوري.

2. المراد من آلات اللهو هو آلات الموسيقى نفسها، مثل: العيدان، البربط، الطبل، الدف، الدائرة، التار، السه تار، الكمانجة، التنبور، الني، التنبك، العود، القانون، الشيبور، السنتور والبيانو.

فكر الإمام الخامنئي

يكتب الإمام الخامنئي في تعريف الموسيقى وحكمها: «الموسيقى فهي العزف على آلاتها» (الخامنئي، 1420: 9/2). العزف يعني العزف على آلات الموسيقى مثل البيانو، السنتور، التار والدوتار. ثم يضيف في بيان حكمها: «فإن كانت بالشكل المتعارف في مجالس اللهو والعصيان فهي محرمة على عازفها وعلى مستمعها أيضاً، وأما إذا لم تكن على ذلك النحو، فهي جائزة في نفسها ولا بأس فيها» (نفس المصدر). بناءً على رأي هذا الفقيه العميق، فإن العزف على الآلات الموسيقية إذا لم يكن مناسباً لمجالس اللهو والعصيان، فلا مشكلة فيه. وبالتالي، فإن العزف على هذه الآلات في مجالس العزاء وحتى قراءة القرآن التي ليست مجالس عصيان بل تذكيراً بالجنة والنار، لا مانع منه.

1. النقطة المقابلة لهذا النوع من الصوت هو الصوت الحسن غير المصحوب بالعزف على آلات اللهو. في هذه الحالة، ليس مباحاً فحسب، بل هو مستحب في القرآن والذكر، لأنه ليس غناءً في الواقع.

2. غناء المرأة الذي يثير الشهوة ويسمعه الرجل، هو غناء وحرام. وعليه، إذا كان الصوت الحسن من قبل الرجل، فلا مشكلة فيه.

3. في هذه النظرة، بالإضافة إلى كيفية الصوت، يُلتفت أيضاً إلى مادة الصوت. لذا، إذا كان الكلام الغنائي ذا محتوى صادق وحق، فلا مشكلة فيه، ولكن إذا كان الكلام مشتملاً على كذب وباطل، فالغناء حرام.

النظرية الثالثة: مرجعية العرف في تشخيص الغناء

عندما يُنظر إلى مقولتي الإطراب والترجيع مع مرجعية العرف، تنشأ عدة رؤى مختلفة. في الحقيقة، إن التقريرات المختلفة لحكم العرف تأتي بنتائج متباينة:

أ. تشخيص العرف للصوت كمطرب مرجع: وفقاً لهذه النظرة، الغناء هو الصوت المطرب والمرجع. على سبيل المثال، يعتقد الخوانساري أن الغناء في العرف هو: «مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب» ويضيف: «أنّ الصوت المطرب المرجع غناء عند العرف قطعاً» (الخوانساري، 1418: 6).

ب. حكم العرف بغنائية الصوت دون إطراب وترجيع: يكتب الشهيد الثاني في استحسان تشخيص الغناء بواسطة العرف: «ما سمّى فيه [العرف] غناء يحرم، وإن لم يطرب» (الشهيد الثاني، 1413: 126/3). ويكتب العاملي الجبعي أيضاً: «الرجوع في ذلك [الغناء] إلى العرف، لأنه قد يحصل الإطراب من الصوت مع عدم الترجيع ويكون حينئذ غناء عرفاً» (العاملي الجبعي، 1418: ص 3). ويعتقد آية الله السبحاني أيضاً أن مرجع تشخيص الغناء هو العرف ويكتب: «كلّ ما يسمّى الغناء عرفاً فهو حرام وإن لم يشتمل على الترجيع ولا على الطرب» (السبحاني، 1419: 185). وفقاً لهذه النظرة، فإن تشخيص الغناء يتم بالعرف حتى لو لم يكن الصوت مطرباً ومرجعاً.

ج. صدق الغناء وعدمه بالعرف: يكتب الشهرستاني: «لا دليل على حرمة الإتيان بالصوت الممدود المشتمل على الترجيع المطرب الذي لم يُسَمَّ غناءً في العرف» (الشهرستاني، 1418: 3). طبقاً لهذا الرأي، حتى لو كان الصوت الممدود شاملاً للإطراب والترجيع، قد لا يعتبر غناءً عرفاً.

د. حكم العرف بتأثير كيفية الصوت: يُفهم من كلام بعض الفقهاء أن الغناء يتعلق بكيفية الصوت، أي التحسين والمد والترجيع. يقول صاحب الجواهر: «يُعلم كون المراد كيفية خاصة منها موكولة إلى العرف كما هي العادة في بيان أمثال ذلك» (النجفي، 1404: 46/22). بمعنى أن في عرف الناس، كيفية الصوت وحدها هي التي تُعرف كغناء، وليس مواد الصوت مثل التكلم بالقرآن، الأذان، الدعاء، التعزية، المدائح والمراثي وأمثالها. ويعتقد آخرون أنه في نظر العرف، بالإضافة إلى الصوت، فإن المصوَّت (المواد والكلمات) له دور أيضاً في صدق الغناء (البهبهاني، 1418: 11). وتشير بعض الروايات أيضاً إلى هذا المعنى.

نقد ودراسة

كل هذه البيانات، مع ما فيها من اختلافات، لها وجوه مشتركة أيضاً. في جميع التعريفات، طُرحت مقولتا الإطراب والترجيع بصورة إثباتية وسلبية. بناءً على الرؤية الأولى، الغناء وصف للصوت؛ بمعنى أن الصوت الذي يوصف بالترجيع والتطريب يكون غناءً وحراماً. أما بناءً على الرؤية الثانية، فالغناء وصف للكلام، وفي حالة الشعر الغزلي والعشقي يكون حراماً، وفي حالة قراءة القرآن يكون جائزاً. النظرية الأولى تقول إن مجموع وصفي الترجيع والإطراب ضروري لتحقق الغناء، أي أن مجرد الترجيع بدون إطراب ليس غناءً، والإطراب بدون ترجيع لا يعد غناءً. وفقاً للنظرية الثانية، قد يعتبر العرف الصوت غير المطرب وغير المرجع غناءً أيضاً. وبناءً على رأي البهبهاني، فإن المصوَّت ومواد الكلمات لها دور أيضاً في صدق الغناء العرفي؛ وبالتالي، قد لا يصدق عليه وصف الغناء عند قراءة القرآن والمدائح والتعازي، وإن كان مرجعاً.

إن قبول حكم العرف مبني على أنه عندما يكون مفهوم ما، مثل البيع والإجارة وأمثالهما، موضوعاً لحكم شرعي، ففي حالة الشك في مدخلية أو مانعية شيء ما في صدق الموضوع، يكون العرف هو المعيار والملاك. وهذا القول يظهر في بيان كثير من العلماء. بالإضافة إلى آية الله السبحاني، يرى المحقق الأردبيلي نفس الرأي في تبيين إحالة تشخيص الغناء إلى العرف (الأردبيلي، 1403: 57/8). وهذا يكون عندما لا يكون للشارع بيان في تبيين ذلك المفهوم. وفي موضوع الغناء، لم يرد في الروايات المفسرة للآيات والروايات الناهية عن الغناء أي حديث عن الإطراب، وإنما أشير فقط إلى الغناء واللهو ولحون أهل الفسوق. وفي الحالات التي استخدمت فيها كلمة الترجيع، فقد قيدت بترجيع أهل الفسق لا مطلقاً. ويقبل صاحب الجواهر، بتقسيمه العرف إلى عام وخاص، حكم العرف الخاص فقط (النجفي، 1404: 46/22). بالطبع، هذه المسألة ليست مقبولة من الجميع. على سبيل المثال، في تعارض العرف الخاص مع العرف العام، في تشخيص كون لون الدم ذرات دم، فرغم أنه في العرف الخاص والمختبرات يعتبر ذرات دم، لكن لأنه في العرف العام يعتبر لوناً، فهو طاهر شرعاً.

فكر الإمام الخامنئي

لا يرى الإمام الخامنئي أن الإرجاع إلى العرف هو الحل المناسب. وبحسب قوله، طالما أن مفهوم الغناء غير واضح في العرف، لا يمكن الإرجاع إلى العرف (الخامنئي، 1401: 194 و 195). في رأيه، تشخيص العرف صحيح للوصول إلى المصداق الصحيح، لا لتشخيص المفهوم. بعبارة أخرى، ما لم يتضح مفهوم الغناء، فإن الإرجاع إلى العرف لا يقدم شيئاً. الحل الصحيح في رأيه هو تركيب استعمالات العرف واللغة والأدب والفقه.

على الرغم من أن رأيه في باب الغناء مبني على تشخيص وحكم العرف، إلا أن هناك فرقاً ملحوظاً مع آراء الآخرين. فهو، مع قبوله بالفروق العرفية بين الغناء المتعارف والغناء المسموع، يوضح معنيين للغناء، عام وخاص. باختصار، بيانه الذي يشمل أنواع كلام الإنسان هو كما يلي:

«بشكل عام، يتحدث الناس أحياناً بشكل عادي مع بعضهم البعض، وهو ما يسمى بالتكلم. هذا النوع من الكلام خارج عن دائرة الغناء. وأحياناً يتحدثون بصوت عالٍ معتمدين على الصوت، مثل بعض الخطباء الذين يتحدثون بالاعتماد على الصوت، أو شخص يهمهم مع نفسه، أو غناء الأطفال. أركان هذا النوع من الغناء تشمل مد الصوت مع الترددات صعوداً وهبوطاً، وهو ما يسمى بالترجيع. قد يكون هذا النوع من الغناء مجرد مد للصوت أو مصحوباً بالترجيع. المعادل الفارسي لهذا النوع من الغناء هو ‘آواز’، سواء كان جيداً أو سيئاً، مناسباً أو غير مناسب، وسواء كان مصحوباً بألحان ونغمات أم لا. ليس له قيد خاص سوى أن يخرج من حنجرة الإنسان. هذا النوع من الغناء يسمى الغناء العام.» (الخامنئي، 1401: 194).

أما الغناء بالمعنى الخاص، فهو عبارة عن صوت يُغنى بترددات وقواعد وقوانين خاصة، وبشكل وأسلوب معين. هذا النوع من الغناء يُعرف بالغناء المتعارف أو الغناء الفني. هنا، فقط الشخص الذي يعرف كيف يغني يُعرف بالمغني، وليس كل من يرفع صوته ويغني. بشكل أدق، يُطلق الغناء بهذا المعنى على الصوت الذي يُؤدى بالترجيع والتطريب، مع ارتفاع وانخفاض، وبترددات خاصة وترتيب محدد (الخامنئي، 1401: 198).

ملاحظات

في بيان الإمام الخامنئي، هناك عدة نقاط توضيحية:

1. أساس التغني يدور حول كلام الإنسان. نذكر بأن الصوت في التقسيم الأولي ينقسم إلى نوعين: صوت حيواني وغير حيواني. في التقسيم التالي، ينقسم الصوت غير الحيواني إلى فئتين: صوت طبيعي مثل صوت الحجر، الخشب، الرعد والريح، والآخر صوت آلي مثل صوت الطبل، البوق، والآلات الوترية. في التقسيم الثالث، ينقسم الصوت الحيواني إلى نوعين: ناطق مثل صوت الإنسان وغير ناطق مثل صوت الطيور. في التقسيم الرابع، ينقسم صوت الإنسان أيضاً إلى فئتين: صوت خالٍ من الهجاء مثل البكاء والضحك، والآخر صوت ذو هجاء ومعنى مثل كلام الإنسان. كل هذه الأصوات لها نغمات خاصة (السجادي، 1373: 1963/3). من بين مختلف أنواع الأصوات، فقط القسم الثاني من التقسيم الأول يتعلق بالموسيقى والقسم الأخير من التقسيم الرابع هو موضوع بحث الغناء. لأن غناء الطيور ذات الصوت الجميل، مثل البلبل والقُمري، وإن كان مطرباً، لا يعتبر غناءً. لكن تقليد الإنسان لأصواتها مع مد الصوت وترجيعه قد يؤدي إلى الغناء. السؤال هو: هل كيفية صوت الإنسان كافية لتحقق الغناء، أم أن هناك قيوداً إيجابية أو سلبية تلعب دوراً في هذا المجال؟

2. الإمام الخامنئي ببيانه أن «ليس كل من يرفع صوته ويغني يقال له مغنٍ، بل يقال المغني لمن يعرف كيف يغني»، يعتقد أن حكم العرف في تشخيص كون الشيء غناءً أم لا هو السبيل الصحيح للوصول إلى المصداق الصحيح، ولكنه لا يلعب دوراً في تشخيص المفهوم. بعبارة أخرى، ما لم يتضح مفهوم الغناء في العرف، لا يمكن الإرجاع إلى العرف لتشخيص المصداق (الخامنئي، 1401: 194 و 195).

3. يشير سماحته في موضع آخر إلى حكم العرف ويقول: «عندما يُسأل العرف: هل هذا السيد [قارئ القرآن] يغني؟ يقولون: لا، هو لا يغني، بل يقرأ القرآن، عمله ليس غناءً.» (الخامنئي، 1401: 225). ومع ذلك، كما أشير مراراً، في مسألة الغناء، بسبب الإجمال في المفهوم، لا يمكن الاعتماد على العرف وحده. وفقاً لبيان سماحته، يجب الانتباه إلى مجموع استعمالات أهل اللغة والعرف والأدب والفقه لتوضيح مفهوم الغناء (الخامنئي، 1401: 195). في الحقيقة، للعرف دوران: دور مكمل للغة والأدب والفقه لتبيين مفهوم الغناء، والآخر تشخيص المصداق بعد وضوح المفهوم.

4. رأيه الصريح بشأن الغناء هو: «الغناء هو ترجيع الصوت على الوجه المناسب لمجالس اللهو، وهو من المعاصي، ويحرم على المغني والمستمع.» (الخامنئي، 1420: 9/2). وفي موضع آخر يقول: «كل لحن وصوت يوجه الأجواء نحو اللامبالاة بالدين، نحو المعصية، نحو عدم الاكتراث بالواجب والتكليف الشرعي، فهو حرام.» (الخامنئي، 1401: 444).

5. من البديهي، كما قال سماحته، أن الغناء المتعارف عليه يختلف عن فهم العرف لتلاوة القرآن، ومن يتلو القرآن بأشكال مختلفة بشكل متعارف لا يُعرف بأنه مغنٍ. كما لا يمكن القول إن مثل هذه المجالس والمحافل تخلق أجواءً من اللامبالاة بالدين والتكاليف الشرعية.

6. لم يشر سماحته إلى العرف الخاص والعام وترجيح أحدهما على الآخر، ولكن قد يُستنبط من سياق كلامه اعتبار العرف العام. وتجدر الإشارة إلى أنه في مسألة رؤية الهلال بالعين المسلحة، التي يعتبرها الإمام الخامنئي كافية، لا ينبغي الخلط بينها وبين حكم العرف، لأن رؤية الهلال مشمولة بأدلة الرؤية، وليست تشخيصاً للمصداق بواسطة العرف.

7. بالنظر إلى فكر الإمام الخامنئي، فإن الغناء بالمعنى الخاص الذي يتم بمراعاة قوانين الموسيقى، مشمول بحكم الحرمة أو الجواز. وبالتالي، إذا كان الغناء الذي فيه ترجيع الصوت مناسباً لمجالس اللهو، فهو حرام على المغني والمستمع. ولكن ليس كل كلام وكل صوت وكل غناء بأي مادة كان، بل يجب الانتباه إلى التفاصيل.

8. يعتقد الإمام الخامنئي في مقومات الغناء أنه بالإضافة إلى صوت الإنسان الذي له دور مباشر في تحقق الغناء، هناك أمور أخرى يعتقد البعض خطأً أنها مؤثرة في هذا التحقق، ولكنها لا دور لها:

– عدم تأثير أهل الفسق في مفهوم الغناء: الغناء حرام إذا كان مقترناً بمجالس اللهو والملاهي ومناسباً لها.

– عدم تأثير الآلات الموسيقية في مفهوم الغناء: بمعنى أن ترجيع صوت الإنسان وحده كافٍ لتحقق الغناء.

– نفي تأثير مادة الصوت في مفهوم الغناء: بمعنى أنه لا يوجد تلازم بين كون الكلام حقاً أو باطلاً ومفهوم الغناء. وبالتالي، يمكن لمواد القرآن أن تقع في مقولة الغناء الحرام.

– لا دور لحسن الصوت في مفهوم الغناء: لأنه قد يكون الصوت قبيحاً ومنكراً ومع ذلك يكون غناءً.

– عدم التلازم بين الغناء والطرب: بمعنى أن ليس كل صوت مطرب أو مستحسن هو بالضرورة طرب. إذا كان معيار تحريم الغناء هو الطرب، أي شدة السرور والفرح وحالة الاضطراب، فيجب الانتباه إلى أن بين هذه المقولة والغناء عموم وخصوص من وجه؛ بمعنى أنه قد يكون الصوت غناءً ولا يكون مطرباً والعكس صحيح (الخامنئي، 1420: 215). ويضيف سماحته في موضع آخر: «من غير الواضح من أين دخل قيد الطرب في تعريف الغناء؟ ففي أي من الروايات لا يوجد تعبير بالطرب أو الإطراب.» (نفس المصدر: 215).

ج. حكم الغناء في قراءة القرآن

فيما يتعلق بالقراءة الغنائية، أو بعبارة أخرى الغناء في تلاوة القرآن، تبرز ثلاث رؤى رئيسية:

1. حرمة الغناء في القراءة

كثير من الفقهاء الذين يعتقدون بحرمة أصل الغناء(1)، يرون أن هذه الحرمة ثابتة أيضاً في تلاوة القرآن. وحده الفيض الكاشاني قدم رأياً مخالفاً. وبعد هذا الرأي، قام الفقهاء بنهضة بحثية في الغناء وكتبوا العديد من الأعمال في نقده وتأييده، وقد أشير إليها في خلفية البحث. على أي حال، المحقق الحلي من الفقهاء الذين صرحوا بمسألة حرمة الغناء في تلاوة القرآن. فهو يكتب في كتاب الشهادات، في بحث لزوم عدالة الشاهد ومن لا تُقبل شهادتهم: «مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله وترد شهادته، وكذا مستمعه سواء استعمل في شعر أو قرآن» (المحقق الحلي، 1403: 128/4). بناءً على ذلك، الغناء في تلاوة القرآن حرام أيضاً، وفاعله وسامعه آثمان وشهادتهما مردودة. ويكتب الطباطبائي أيضاً: «سواء كان في شعر أو قرآن أو غيرهما» (الطباطبائي الحائري، 1418: 155/8). وقد استند صاحب الجواهر في شرح كلام المحقق إلى تعبير «لإطلاق النهي عنه» (النجفي، 1404: 48/41)، مما يدل على قبوله بهذا الرأي. ودليل هذه الفئة من الفقهاء هو إطلاق الأدلة القرآنية والروائية.

الدليل القرآني

يجب الانتباه إلى أن آيات القرآن لا تدل دلالة مباشرة على المسألة، إذ لم يرد في القرآن ذكر للغناء ليُبيّن حكمه، بل يُستفاد منه بمساعدة الروايات التفسيرية التي وردت في ذيل المفاهيم القرآنية. أحد هذه التعابير هو «قول الزور» في الآية الشريفة: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: 30). وفي تفسير هذه الآية بالغناء، وردت روايات متعددة، منها رواية زيد الشحام الصحيحة التي يقول فيها: سألت الإمام الصادق (ع) عن آية «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ». فقال الإمام (ع): «الرِّجْسُ مِنَ الْأَوْثَانِ الشَّطْرَنْجُ، وَقَوْلُ الزُّورِ الْغِنَاءُ» (الكليني، 1407: 435/6). وكذلك توجد رواية أبي بصير وأبي الصباح عن الإمام الصادق (ع) ورواية ابن أبي عمير عنه (ع) في هذا المجال (الكليني، 1407: 431/6 و 436).

التعبير الآخر هو «لهو الحديث» في الآية المباركة: ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهينٌ﴾ (لقمان: 6)، حيث وردت عدة روايات تفسرها بالغناء. منها صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: «الْغِنَاءُ مِمَّا وَعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ النَّارَ»، ثم تلا هذه الآية (الكليني، 1407: 431/6). وكذلك توجد رواية الوشاء عن الإمام الرضا (ع) ورواية محمد بن هارون عن الإمام الصادق (ع) في هذا المجال (الكليني، 1407: 432/6 و 433). وفي خصوص هذه الآية، تجدر الإشارة إلى النقاط التالية:

1. من الجدير بالذكر أن «لهو الحديث» مفهوم عام يشمل كل ما يلهي ويشغل عن سبيل الله، سواء كان من جنس الكلام، مثل القصص الخرافية، والأساطير، والأباطيل، والكذب، والاستهزاء بالقرآن، أو من جنس العمل بالمزامير والملاهي (الطبرسي، 1372: 491/8). ووفقاً لرأي الإمام الخامنئي، فإن الصوت اللهوي هو مقوم الغناء (الطبرسي، 1372: 52/8).

2. اللام في «ليضل» قد تفيد معنى العاقبة، وفي هذه الحالة حتى بدون قصد الإضلال من قبل المغني يرتكب الحرام. كما قد تفيد اللام معنى الغاية، وفي هذه الحالة يكون قصد الإضلال دخيلاً في حرمة الغناء. الإمام الخامنئي بعد دراسة كلا الرأيين، يقوي نظرية العاقبة ولا يرى تأثيراً لفقدان قصد المغني (الخامنئي، 1401: 77).

3. إذا كان قارئ القرآن يتلو بلحن غنائي، حتى لو لم يقصد الإضلال وإنما قصد جذب الناس فقط، فقد ارتكب حراماً.

التعبير الثالث هو مرور الكرام على اللغو في الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ (الفرقان: 72). في خصوص فقرة ﴿إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾، ينقل الكليني عن أبي أيوب الخزاز أنه قال: دخلنا المدينة وخدمنا الإمام الصادق (ع)، فسألنا: «أَيْنَ نَزَلْتُمْ؟» قلنا: في منزل فلان الذي لديه قيان (جمع قينة بمعنى الجواري المغنيات). فقال: «كُونُوا كِرَاماً». فظننا أنه يقول لنا أن نكرمه ونتفضل عليه! فعدنا وسألناه: لم نفهم كلامك. فقال: «أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً؟» (الكليني، 1407: 432/6). هذه الرواية صريحة في عدم الحضور في مجالس اللغو، وبقرينة سياق الآية والرواية فُسِّرت بالغناء. الإمام الخامنئي يشكك في دلالة الآية والروايات على حرمة الغناء، ويعتقد أن هذا الدليل يدل فقط على لغوية الحضور في مجلس الغناء وضرورة الحضور بكرامة، وليس دليلاً مستقلاً على حرمة الغناء (الخامنئي، 1401: 81).

الدليل الروائي

الدليل الرئيسي للقائلين بحرمة الغناء في تلاوة القرآن هو إطلاق الروايات الناهية عن الغناء التي تمسكوا بها. مجموع هذه الروايات بالإضافة إلى الروايات المفسِّرة يتجاوز الثمانين رواية. وقد قُسِّمت هذه الروايات إلى عدة فئات، نكتفي بالإشارة إلى نماذج منها:

الفئة الأولى: رواية الألحان واللحون

يروي الكليني عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ وَالرَّهْبَانِيَّةِ لَا يَجُوزُ تَرَاقِيَهُمْ قُلُوبُهُمْ مَقْلُوبَةٌ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُ شَأْنُهُمْ» (الكليني، 1407: 614/2). المراد بلحن الفسوق هو التطريب، وترجيع الصوت، وتحسين القراءة، والشعر، والغناء (ابن الأثير، 1367: 243/4).

فكر الإمام الخامنئي

أورد سماحته هذه الرواية في صدر الروايات المتعلقة بالغناء في القرآن، ورغم أنه لا يعتبرها معتبرة بسبب إبراهيم الأحمر، إلا أنه يقدم تحليلاً مفصلاً نسبياً في دلالتها ومحتواها، وفيه نقاط جديرة بالاهتمام:

1. في زمن النبي (ص) كان هناك ألحان وأصوات (أنغام) متداولة بين العرب يُنشد بها الشعر. يقول النبي (ص): اقرؤوا القرآن بهذه الأنغام، لا بلحون أخرى.

2. أحد هذه الأنغام هو الحُداء الذي كان يُستخدم لسوق الإبل. فهل هو منحصر به كما قال البعض أم أنه متعدد؟ نحن لا نعلم. ربما يكون جمع الأصوات والألحان قرينة على تعدده. ويضيف سماحته: بالجملة، يمكن القول إن العرب كانت لديهم ألحان وأصوات.

3. إلى جانب ألحان العرب، كانت هناك لحون أخرى منهي عنها؛ وبالتالي، فإن لحون أهل الفسق قسيم لألحان العرب وليست قسماً منها. بالطبع، على سبيل الاشتراك اللفظي، يمكن القول: كان في ثقافة العرب لحنان: الأنغام المعروفة بألحان العرب والأنغام المشهورة بلحون أهل الفسق والكبائر.

4. لحون أهل الفسق هي أنغام وافدة من بلاد إيران والروم والشام إلى الحجاز، والعلاقة بينها هي العموم والخصوص من وجه.

5. المقصود بالترجيع في «تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ» ليس التغريد، بل هو الغناء المتعارف عليه الذي يؤدي الصوت بجودة غنائية.

6. المراد بترجيع الرهبانية هو ما كان شائعاً في الكنائس ولا يزال حتى اليوم، حيث يقرؤون الكتاب السماوي بأنغام خاصة ويصاحبونه بالمزامير والآلات الموسيقية والأرغن.

7. تعبير «لَا يَجُوزُ تَرَاقِيَهُمْ» يعني أن القرآن لا يصل إلى قلوبهم، ولا علاقة للقرآن بقلوبهم أصلاً، بل هو مجرد ألفاظ وقراءة (الخامنئي، 1401: ص 155).

8. معنى فقرة «قُلُوبُهُمْ مَفْتُونَةٌ وَقُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُ شَأْنُهُمْ» هو أن قلوبهم مخدوعة. وأولئك الذين يعظمون هؤلاء الأفراد ويعطونهم أهمية، قلوبهم أيضاً مفتونة. بالطبع، في بعض النسخ وردت «مقلوبة»، وهي كناية عن عدم تلقي الحقائق القرآنية، لأن الإناء المقلوب لا يمكنه الاحتفاظ بشيء، وقد يكون القلب نتيجة للفتنة.

9. في هذه الرواية، نُهي عن قراءة القرآن بلحون أهل الفسق، ولكن لا يمكن القول إنه بما أن محور الحرمة هو لحون أهل الفسق، فإن مطلق الغناء في غير القرآن حرام أيضاً، لأنه قد يكون الغناء اللهوي المناسب لمجالس اللهو والملاهي هو الحرام فقط.

10. إذا ثبتت حرمة القراءة الغنائية بهذه الرواية، فإن أولوية الحرمة في غير القرآن كلام غير صحيح، لأن حرمة القراءة بلحون أهل الفسق هي بسبب قدسية واحترام القرآن، وهو ما لا يوجد في غير القرآن.

الفئة الثانية: روايات ذم الغناء

توجد روايات عديدة بهذا المضمون، منها رواية علي بن جعفر عن موسى بن جعفر (ع) أنه قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَتَعَمَّدُ الْغِنَاءَ يُجْلَسُ إِلَيْهِ قَالَ لَا» (الحر العاملي، 1409: 312/17). التعمد يعني فعل الشيء عن وعي وقصد. يقول الإمام الخامنئي في ذيل هذه الرواية: هذه الرواية تدل على حرمة الغناء الذي كان موضع السؤال، ولكن لا تثبت حرمة الغناء المطلق (الخامنئي، 1401: 116).

الفئة الثالثة: الروايات المبينة لحرمة كسب المغنية

تشير عدة روايات إلى حرمة كسب واستخدام المغنيات بسبب الغناء. منها رواية الحسن بن علي الوشاء عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع) أنه قال: «قَدْ تَكُونُ لِلرَّجُلِ الْجَارِيَةُ تُلْهِيْهِ، وَمَا ثَمَنُهَا إِلَّا ثَمَنُ كَلْبٍ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ سُحْتٌ وَالسُّحْتُ فِي النَّارِ» (الكليني، 1407: 120/5). يجب حمل هذه الرواية على الحالات التي يتعامل فيها البائع والمشتري بقصد الاستفادة من التغني، وليس مجرد شراء الجارية. يقول الإمام الخامنئي في ذيل هذه الرواية: هذه الرواية تدل فقط على حرمة ثمن المغنية، ودلالتها على حرمة الغناء المطلق غير ثابتة (الخامنئي، 1401: 148).

الفئة الرابعة: روايات استثناء الغناء في العرس

تشير فئة من الروايات إلى استثناء الغناء في الأعراس من الحكم العام لحرمة الغناء، منها رواية الكليني عن الإمام الباقر (ع) في كسب المغنيات أنه قال: «الَّتِي يَدْخُلُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ حَرَامٌ وَالَّتِي تُدْعَى إِلَى الْأَعْرَاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» (الكليني، 1407: 119/5). الظاهر أن المراد من الجملة الأخيرة هو التغني في غير الأعراس التي يرتادها الرجال.

فكر الإمام الخامنئي

قام الإمام الخامنئي بدراسة أكثر من ستين رواية وفقاً لتصنيفه الخاص، دراسة سندية ودلالية عميقة، كما درس ما يقرب من عشرين رواية لم يلتفت إليها الفقهاء الآخرون. خلاصة رأي سماحته من مجموع الروايات هي أن بعضها يعاني من ضعف السند وبعضها من مشكلة في الدلالة. وبالتالي، لا تثبت حرمة الغناء المطلق من مجموع الروايات (الخامنئي، 1401: 138 و 153 و 170).

خلاصة الروايات

بملاحظة الروايات المفسرة للآيات والمبينة للسنة، يبدو أن مجموع الروايات من حيث السند يشمل الصحاح والضعاف، وأن كفة الصحاح ترجح على الضعاف. من هنا، لا إشكال في دلالة الروايات على حرمة الغناء إجمالاً، ولكن لا يوجد شيء صريح في الروايات حول ماهية الغناء الحرام، ولذا يجب استخلاصه من خلال القيود التي تلاحظ في البيانات الروائية.

فكر الإمام الخامنئي

يصرح سماحته في ختام بحث ودراسة روايات الغناء في القرآن بأنه بناءً على نقل كتاب «الغناء، الموسيقى»، أشار الحر العاملي إلى ثلاثمائة رواية عن الغناء. ويقول سماحته: «إذا كانت هناك حقاً ثلاثمائة رواية، فمن بين العشرين أو الثلاثين رواية التي قرأناها، يمكن استنتاج أن الغناء من المحرمات الإلهية. ولكن هل الغناء حرام مطلقاً؟ هل الغناء حرام إذا كان مصحوباً بأشياء أخرى؟ هل الغناء حرام إذا كان مصحوباً بلفظ باطل؟ هل الغناء حرام إذا كان لهواً؟ هل غناء النساء حرام؟ هل غناء الجارية حرام؟ هذه الأمور لا تُفهم من مجموع هذه الروايات. ما يُفهم هو حرمة الغناء في الجملة» (الخامنئي، 1401: 170). في هذا البيان للإمام الخامنئي، هناك عدة نقاط جديرة بالاهتمام:

1. استنباط الحرمة في الجملة يدل على عدم حرمة الغناء المطلق، إذ من الممكن أن يكون لكل من القيود الخمسة دور في حرمة الغناء.

2. التشكيك في الثلاثمائة رواية: التشكيك في الثلاثمائة رواية نقلاً عن «رسالة في الغناء» للحر العاملي في محله. فهذه الرسالة تبلغ 76 صفحة، وقد كُتبت خصيصاً للرد على شبهة ناشئة من رواية الكليني عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: «اقْرَأْ قِرَاءَةً مَا بَيْنَ الْقِرَاءَتَينِ تَسْمَعُ أَهْلَكَ، وَرَجِّعْ بِالْقُرْآنِ صَوْتَكَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) يُحِبُّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يُرَجِّعُ فِيهِ تَرْجِيعًا»، مما يوهم بجواز الغناء (انظر: الحر العاملي، رسالة في الغناء/1 و 2). وفي كتابه «الفوائد الطوسية»، في الفائدة 27، تناول الحر العاملي «حديث ترجيع القرآن» فقط، وفي الفائدة 28 تناول «حديث التغني بالقرآن»، لا أكثر.

3. التعبير بثلاثمائة حديث في كتاب «نجم المؤمن»: هذا التعبير من الملا محمد مهدي، ابن محمد شفيع الأسترآبادي، تلميذ صاحب الرياض. وهو في رده على سؤال ما إذا كان دليل حرمة الغناء منحصراً في الإجماع أم أن هناك أحاديث صحيحة أيضاً، يقول: «هناك ما يقرب من ثلاثمائة حديث صريح في تحريم الغناء» (انظر: مختاري، رضا ومحسن صادقي، 1419: 1748/3).

2. جواز التغني في قراءة القرآن

نوقش جواز الغناء في قراءة القرآن من زاويتين: نفي الحكم ونفي الموضوع. نفي الحكم قد يكون بصورتين: إنكار المنع من الحرمة أصلاً، مما يترتب عليه جواز التغني، واستثناء حكم الغناء من الحكم العام.

رأي الفيض الكاشاني

يظهر تحليل كلام الفيض الكاشاني أنه لا يقبل حرمة الغناء كما يراها مشهور الفقهاء. فبعد تعريفه المشهور للغناء، يكتب: «استدلُّوا عليه بالأخبار التي فُسّر فيها لهو الحديث، وقول الزور في الآيتين بالغناء، فزعموا أن المراد منه ما يشتمل على ترجيع وإطراب» (الفيض الكاشاني، بيتا، 20/2). إن استخدام كلمتي «استدلوا» و«زعموا» وطريقة تعامله مع أخبار الغناء تدل على عدم قبوله بدلالتها.

ويقول أيضاً: «الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة في الغناء، ويقتضيه التوفيق بينها، اختصاص حرمته وحرمة ما يتعلق به من الأجر والتعليم والاستماع والبيع والشراء، كلها، بما كان على النحو المعهود المتعارف في زمن بني أمية، من دخول الرجال عليهن واستماعهم لصوتهن وتكلمهن بالأباطيل، ولعبهن بالملاهي من العيدان والقضيب وغيرها. وبالجملة ما اشتمل على فعل محرم دون ما سوى ذلك، كما يشعر به قوله (ع): «ليست بالتي تدخل عليها الرجال» (نفس المصدر).

ويقول الفيض الكاشاني أيضاً في شرح كلام الصدوق حول الغناء «فَأَمَّا الْغِنَاءُ فَمَحْظُورٌ»: ظاهر هذا التفسير أن مد الصوت وترجيعه ليس غناءً أو ليس محظوراً. ومجموع أحاديث الغناء ناظر إلى الأمور المتعارفة في زمن بني أمية وبني العباس، حيث كانت تُعقد مجالس مختلطة بين الرجال والنساء، وكان الكلام الباطل واللعب بالعيدان والبربط يسبب السهو واللهو عن ذكر الله (الفيض الكاشاني، 1425: 780/1 و 1406: 218/17).

ينقل الصدوق رواية مرسلة أن الراوي سأل الإمام السجاد (ع) عن شراء جارية حسنة الصوت، فقال (ع): «مَا عَلَيْكَ لَوِ اشْتَرَيْتَهَا فَذَكَّرَتْكَ الْجَنَّةَ» (ابن بابويه، 1413: 60/4). ويضيف الصدوق في ذيلها: «يَعْنِي بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالزُّهْدِ وَالْفَضَائِلِ الَّتِي لَيْسَتْ بِغِنَاءٍ، فَأَمَّا الْغِنَاءُ فَمَحْظُورُ». يتضح بجلاء أن الصدوق عطف الغناء على تغني الجارية بالأمور المذكرة بالجنة، واعتبر المعطوف عليه غير محظور.

نقد كلام الفيض

في بيان الفيض الكاشاني، تجدر الإشارة إلى النقاط التالية:

1. فهم الفيض لكلام الصدوق صحيح، لأن مفهوم ومنطوق كلام الصدوق هو أن تغني الجواري بالتذكير الإلهي وذكر الجنة والنار جائز، أما الغناء الباطل فغير جائز.

2. وفقاً لرأي الفيض الكاشاني، بعض الأمور الغنائية وإن كانت مباحة، لكن إذا عُدّت خلافاً للمروءة، فيجب اجتنابها.

3. يقر الفيض الكاشاني بأنه وفقاً لرواية الإمام الباقر (ع) في تقسيم الأمور إلى حق وباطل، يقع الغناء في قسم الباطل. فإذا كان حقاً جزءاً من الأمور الباطلة، فلماذا لا يكون حراماً؟

4. مجموع روايات الغناء يدل على أن الغناء ينقسم إلى قسمي الحق والباطل، وباعتراف الفيض، فإن أعمال المتصوفة التي تقام في محافلهم تندرج ضمن الأمور الباطلة.

5. بفرض قبول نظرية الفيض في حصر حكم الغناء بزمن الخلفاء الأمويين والعباسيين، يجب القبول بأنه إذا أقيم مجلس بنفس الخصائص في العصر الحاضر، فسيكون حراماً، وهذا ليس خاصاً بذلك الزمان.

6. يقول الفيض بناءً على رواية الإمام الباقر (ع): «مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ، فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّى عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ وَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّى عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانِ» (الكليني، 1407: 434/6). فالتغني بأشعار تتضمن ذكر الجنة والنار والتشويق إلى الجنة ووصف نعم الله والترغيب في الخيرات لا مانع منه.

فكر الإمام الخامنئي

قدم الإمام الخامنئي تفسيرين لكلام الفيض: الأول أن الغناء ليس له حرمة ذاتية، وحرمته بسبب اقترانه بالملاهي؛ والثاني أن المقصود هو الغناء المقترن بالملاهي، وهو حرام ذاتاً. فالصوت المصحوب بالملاهي في مجالس اللهو، هو حرام خارجها أيضاً. ويؤيد سماحته التفسير الثاني الذي هو عن أستاذه الإمام الخميني (الخامنئي، 1401: 228). ومع ذلك، فإن دليل هذا الفهم من كلام الفيض ليس واضحاً تماماً. لأنه بهذا التفسير، يصبح الفيض الكاشاني المتهم بالتسامح والتساهل في أمر الغناء، شديداً في منع حكم الغناء، إذ بناءً على هذا التفسير، يكون الصوت غير اللهوي حراماً أيضاً. على أي حال، بالنسبة لكلام الفيض، هناك عدة نقاط جديرة بالاهتمام: يقول سماحته في ذيل رواية عبادة الله وعبادة الشيطان: «دلالة هذه الرواية على أصل الغناء جيدة ولكن لا تثبت الحرمة المطلقة، بل تدل على حرمة الغناء والصوت الذي يكون مصوته شعراً أو نثراً أو كلاماً شيطانياً، أما إذا كان الكلام رحمانياً، فلا تشمله هذه الرواية» (الخامنئي، 1401: 133). من البديهي أن المصداق البارز للكلام الرحماني هو آيات القرآن، والأشعار الدينية، والمراثي، والمدائح.

3. استثناء حكم الغناء في تلاوة القرآن

المحقق السبزواري، فقيه القرن الحادي عشر، من الذين يعتقدون باستثناء الغناء في قراءة القرآن. فبعد تصريحه بحرمة الغناء الكلية، ينتقد رأي المحقق الحلي وأتباعه الذين يقولون: «سواء استعمل في شعر أو قرآن» (المحقق الحلي، 1408: 117/4)، ويكتب: «توجد أخبار كثيرة على جواز الغناء في القرآن، بل على استحبابه. لأن هذه الروايات جوّزت تحسين الصوت، والتحزين، والترجيع في القرآن، والظاهر أن التحسين والترجيع بدون غناء غير ممكن» (السبزواري، 1423: 428/1). وماجد البحراني الكاشاني، الذي له مؤلفان بعنوان «إيقاظ النائمين وإيعاظ الجاهلين» و«استحباب التلحين والتطريب والتغني والترجيع بالقرآن»، يعتقد بنفس الرأي (الحسيني البحراني، 1418: ص 11).

دليل جواز الغناء في قراءة القرآن

ما استدل به المجوزون هو روايات تحسين وتزيين صوت القرآن، وبعضها يتداخل مع روايات التحريم. تنقسم هذه الروايات إلى عدة فئات. بالطبع، قام الإمام الخامنئي بدراسة الروايات تحت عناوين «الروايات المتعلقة بالغناء في القرآن، أي الروايات المفسرة للآيات» و«روايات تحسين الصوت في القرآن» و«روايات التحسين والتحزين في قراءة القرآن»، والتي تختلف عن التصنيفات الأخرى. على أي حال، نماذج من روايات المجوزين هي:

الفئة الأولى: روايات تحسين الصوت

توجد عدة روايات في هذا المجال، منها رواية أبي بصير الصحيحة عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: قَالَ النَّبِيُّ (ص): «إِنَّ مِنْ أَجْمَلِ الْجَمَالِ الشَّعْرَ الْحَسَنَ، وَنَغْمَةَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ» (الكليني، 1407: 615/2). وكذلك رواية معاوية بن عمار الصحيحة التي ينقلها: «الرَّجُلُ لَا يَرَى أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئاً فِي الدُّعَاءِ وَفِي الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَرْفَعَ صَوْتَهُ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (ع) كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ صَوْتاً بِالْقُرْآنِ وَكَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ حَتَّى يُسْمِعَهُ أَهْلَ الدَّارِ» (الحر العاملي، 1409: 209/6). وأيضاً مرسلة البراء بن عازب عن النبي (ص) أنه قال: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ فَإِنَّ [الصَّوْتَ] الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْناً» (الشعيري، بي تا، ص 49). ومرفوعة الصدوق التي تقول: «سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (ع) عَنْ شِرَاءِ جَارِيَةٍ لَهَا صَوْتٌ! فَقَالَ: «مَا عَلَيْكَ لَوِ اشْتَرَيْتَهَا فَذَكَّرَتْكَ الْجَنَّةَ» (ابن بابويه، 1413: 60/4).

الروايتان الأولى والثانية تدلان بشكل عام على تحسين الصوت، ولكن هذا لا يعني أنه يمكن قراءة القرآن بأسلوب غنائي. خاصة الرواية الأولى التي تعرف الجمال في الشعر الجميل، ولكن هذا لا يعني أن أي امرأة تستطيع إظهار شعرها للعامة. ورواية تزيين القرآن بالصوت الحسن، التي أصلها في مصادر أهل السنة ونُقلت بصيغتين: إحداهما تزيين القرآن بالأصوات، كما ورد في رواية ابن عازب: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» (ابن حبان، 1414: 25/3). وأهل السنة الذين هم مصدر هذا الحديث لم يعتبروا تزيين القرآن بالصوت الحسن مستلزماً للغناء الحرام. ومنهم الشافعي الذي فسر التغني بالقرآن، استناداً إلى حديث أبي هريرة أن النبي (ص) قال: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ؛ يَجْهَرُ بِهِ» (مسلم، 1414 بيتا، 545/1)، بتحزين الصوت. الصيغة الثانية هي تزيين الأصوات بالقرآن، كما ورد في نقل ابن عباس: «زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ» (الطبراني، ج 81/11). على أي حال، معنى حديث ابن عباس هو: «اشتغلوا بالقرآن، واتخذوه شعاراً وزينة».

مدلول مرفوعة الصدوق، مع ضعف إرسالها، ورغم أن فقرة «فَذَكَّرَتْكَ الْجَنَّةَ» تشير إلى جواز عمل المغنية في التذكير بالجنة، إلا أنها لا تدل على جواز القراءة الغنائية للقرآن، لأن فرض السؤال هو شراء جارية حسنة الصوت يمكنها أن تعمل في الأمور المباحة وكذلك في الأمور الممنوعة، ولكن الإمام (ع) يقول إنه يجب استخدامها في الأمور المباحة الأخروية، لا في التغني والغناء العشقي. وتفسير الصدوق في ذيل هذه الرواية يؤيد هذا المعنى، حيث يقول: «يَعْنِي بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالزُّهْدِ وَالْفَضَائِلِ الَّتِي لَيْسَتْ بِغِنَاءٍ، فَأَمَّا الْغِنَاءُ فَمَحْظُورٌ». بناءً على أن الغناء وصف للمادة لا للصوت، يمكن أن يشير إلى جواز الغناء في قراءة القرآن.

فكر الإمام الخامنئي

يعتقد الإمام الخامنئي في روايات تحسين الصوت أنه يمكن استخلاص مطلبين من هذه الروايات:

1. الغناء بالمعنى الأول (العام) ليس حراماً، بل هو مطلوب ومرغوب فيه في قراءة القرآن.

2. حاول البعض الاستفادة من هذه الروايات لإثبات حلية الغناء في القرآن، ولكن هذا غير صحيح؛ لأن هذه الروايات لا تنظر أصلاً إلى الغناء بالمعنى الثاني والخاص (الخامنئي، 1401: 202).

هناك نقطتان جديرتان بالاهتمام في كلام سماحته:

1. تعبير سماحته بـ«البعض» يشير إلى الفيض الكاشاني، والمحقق السبزواري، والسيد ماجد البحراني. وفي نقده لكلام المحقق السبزواري يقول: «استثناء تلاوة القرآن من حكم حرمة الغناء ليس صحيحاً، وإذا قرئ القرآن بشكل الغناء المحرم، فهو حرام. بل يمكن القول إن حرمته أشد من الغناء العادي، لأنه إهانة للقرآن» (الخامنئي، 1401: 299).

2. منظور سماحته من الغناء المحرم هو الغناء اللهوي المضل عن سبيل الله (الخامنئي، 1401: 299). ويواصل قائلاً: «افترض أن شخصاً يقرأ آية من القرآن بأسلوب أحد التصانيف المتداولة (الكلام الموزون المصحوب بلحن)، فهذا قطعاً لهوي وبلا شك حرام» (نفس المصدر). وفي موضع آخر يقول: «الغناء المحرم هو الغناء اللهوي المضل عن سبيل الله. يجب أن يكون الغناء اللهوي بحيث يوقع الفرد في الشك والشبهة تجاه المعارف الدينية، أو يشجعه على فعل الحرام، أو يسبب لديه اللامبالاة تجاه الذنب» (الخامنئي، 1401: 323).

3. إذا قرئ القرآن بصوت ليس غناءً، فلا إشكال فيه، سواء كان صوتاً فارسياً أو عربياً. مثل التلاوات التي تقام في المجالس والمحافل المعتادة، سواء من قبل الإيرانيين أو العرب (الخامنئي، 1401: 299).

4. بناءً على هذا الفكر، يجب القول إن بعض أنواع القراءات ليست فقط غير جائزة وغير مستحبة، بل هي فعل حرام وأشد حرمة. ومن هذه الأنواع يمكن الإشارة إلى قراءة التمطيط، والترعيد، والترقيص، والتطريب، والتلحين (ابن باذش، الإقناع، بيتا، 276/1).

الفئة الثانية: روايات تحزين القراءة

في هذه الفئة توجد عدة روايات، منها:

1. مرفوعة ابن أبي عمير عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْحُزْنِ فَاقْرَءُوهُ بِالْحُزْنِ» (الكليني، 1407: 614/2).

2. رواية ابن السائب التي يقول فيها: «قَدْ مَرَّ عَلَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَتَيْتُهُ مُسَلِّماً عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَرْحَباً يَا ابْنَ أَخِي بَلَغَنِي أَنَّكَ حَسَنُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ قُلْتُ نَعَمْ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْحُزْنِ فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا وَتَغَنَّوْا بِهِ فَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا» (الشعيري، بي تا، 49).

هاتان الروايتان، بالنظر إلى سندهما، لا تدلان على جواز الغناء في قراءة القرآن. لأنهما تدلان فقط على تحزين الصوت، وهو غير الغناء، ويقبله فقهاء الشيعة وكثير من فقهاء أهل السنة.

الفئة الثالثة: رواية صعق المستمع

يروي النوفلي عن الإمام الهادي (ع) أنه قال: «إِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (ع) كَانَ يَقْرَأُ فَرُبَّمَا مَرَّ بِهِ الْمَارُّ فَصَعِقَ مِنْ حُسْنِ صَوْتِهِ وَإِنَّ الإِمَامَ لَوْ أَظْهَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لَمَا احْتَمَلَهُ النَّاسُ مِنْ حُسْنِهِ»! يقول الراوي: عرضت عليه: «أَوَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ (ص) يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ؟» فقال الإمام (ع): «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) كَانَ يُحَمِّلُ النَّاسَ مِنْ خَلْفِهِ مَا يُطِيقُونَ» (الكليني، 1407: 615/2).

قيل في دلالة هذه الرواية إن المراتب العليا لحسن صوت الإمام (ع) وصعق المارة ومراعاة النبي (ص) لقدرة السامعين تعني أن صوت الإمام والنبي كان في غاية الحسن والبهاء، وهذا غير ممكن بدون ترجيع.

فكر الإمام الخامنئي

في فكر الإمام الخامنئي، لا يمكن أن تكون قراءة الحزن مستنداً لجواز الغناء في القراءة، إذ يقول سماحته: «ربما يكون المراد من نزول القرآن بالحزن هو أنه عندما نزل جبريل بهذه الآيات على قلب النبي الطاهر، كانت كيفية الأداء كيفية محزنة، مصحوبة بالحزن، فأنتم أيضاً عندما تقرؤون القرآن فاقرؤوه بحزن» (الخامنئي، 1401: 273).

بالإضافة إلى ذلك، تواجه رواية الصعق نقداً جاداً. فسند هذه الرواية غير معتبر بسبب ضعف سهل بن زياد، ووقف ابن شمون [شمعون] وجهالة النوفلي. ومن ناحية الاستدلال، يجب القول: أولاً، لا يوجد تلازم بين حسن الصوت وصعق السامع، لأن الصعق قد يكون بسبب محتوى الكلام، لا كيفيته، كما حدث لهَمّام في نهاية خطبة أمير المؤمنين (ع): «فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً» (صبحي صالح، نهج البلاغة، 1414: 306، الخطبة 193). ثانياً، في الشريعة الإسلامية، صعق السامعين ليس أمراً مطلوباً، إذ في رواية عن جابر أنه عرض على الإمام الباقر (ع): «إِنَّ قَوْمًا إِذَا ذَكَرُوا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ حُدِّثُوا بِهِ صَعِقَ أَحَدُهُمْ حَتَّى يُرَى أَنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ قُطِعَتْ يَدَاهُ أَوْ رِجْلَاهُ لَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ». فقال الإمام (ع) له: «سُبْحَانَ اللَّهِ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ مَا بِهَذَا نُعِتْنَا إِنَّمَا هُوَ اللِّينُ وَالرِّقَّةُ وَالدَّمْعَةُ وَالْوَجَلُ» (الكليني، 1407: 617/2). هذا كلام الإمام (ع) يبين أن الله لم يمدح المؤمنين بالصعق والدهشة، بل بأوصاف مثل اللين والرقة والدمع والوجل (انظر: الزمر: 23، المائدة: 83، الأنفال: 2 والحج: 34 و 35). على أي حال، هذه الرواية بقطع النظر عن سندها، تبين فقط نوعاً من التحذير والتذكير والتفجع والتحزن الذي يسبب ذهول المستمع، ويجعل الفرد المتضرع والمستغيث الحزين أكثر تأثراً في أوقات الدعاء والمناجاة من شدة التألم، ولا علاقة لها بالغناء.

الفئة الرابعة: رواية الترجيع

يروي أبو بصير الأسدي أنه عرض على الإمام الباقر (ع): «إذا قرأت القرآن بصوت عالٍ ووسوس لي الشيطان قائلاً إنك بهذا العمل تخدع نفسك والناس». فأجاب الإمام (ع): «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، اقرأ القرآن بحيث يسمعك أهل بيتك ورجِّع صوتك في القرآن، فإن الله عز وجل يحب الأصوات الحسنة التي تُرجَّع» (الكليني، 1407: 616/2).

سند هذه الرواية لا يخلو من إشكال، لأن علي بن أبي حمزة من رؤساء الواقفة. ومن حيث الدلالة، فإن فقرة «اقْرَأْ قِرَاءَةً مَا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ تُسْمِعُ أَهْلَكَ» و«رَجِّعْ بِالْقُرْآنِ صَوْتَكَ» التي هي أساس جواز الترجيع في القرآن، تتعارض مع روايات الترجيع الغنائي العامة. وكما يضيف الحر العاملي في ذيل هذا الحديث: «هذا الحديث يُحمل عادة على التقية بسبب معارضته الخاصة والعامة، وخاصة حديث ترجيع الغناء، وقد يكون بمعنى غير الغناء» (الحر العاملي، 1409: 212/6).

بالطبع، في تعارض الخاص مع العام، يُقدَّم الخاص، لذا فإن معارضة الحر العاملي المزعومة غير مسموعة. كما أن فقرة «اقْرَأْ قِرَاءَةً مَا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ تُسْمِعُ أَهْلَكَ» لا علاقة لها بالغناء في القراءة من الناحية المعنوية، لأن المراد هو الموازنة بين الصوت العالي والمنخفض في قراءة القرآن، لا أن يكون الصوت عالياً بحيث يسمعه كل أهل الحي، ولا منخفضاً بحيث لا يسمعه أهل البيت. وبالتالي، فإن تعبير «تُسْمِعُ أَهْلَكَ» يعني مراعاة الصوت بين الجهر والإخفات، كما يقول القرآن عن الصلاة: ﴿وَ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 110).

فقرة «رَجِّعْ بِالْقُرْآنِ صَوْتَكَ» أيضاً، بقرينة متصلة بعدها وقرينة منفصلة عنها، لا تدل على جواز القراءة الغنائية، لأنه جاء بعدها: «يُرَجِّعُ فِيهِ تَرْجِيعًا» وهو بمعنى نوع من الترجيع، لا بيان مطلق الترجيع. في الحقيقة، ينقسم الترجيع إلى قسمين: مجاز ومنهي عنه. الترجيع المنهي عنه هو ترجيع أهل الفسوق الذي ورد فيه: «يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ». والترجيع المجاز هو صوت غير مطرب يتجلى في صورة صوت حسن ومحبوب إلهياً، كما ورد في تتمة الرواية: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ».

الفئة الخامسة: رواية جواز التغني بالقرآن

يروي ابن بابويه في معاني الأخبار عن النبي (ص) أنه قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» (الحر العاملي، 1409: 122/17). يبدو أن هذه الرواية جزء من رواية الشعيري السابقة عن عبد الرحمن بن السائب. في هذه الرواية، إلى جانب التوصية بالتباكي والحزن، أوصي بالتغني بالقرآن وهُدد من لا يفعل ذلك بأنه ليس مسلماً. وقد أشار الفيض الكاشاني أيضاً في توجيه الغناء القرآني كأحد توجيهات التغني بالقرآن إلى هذه الرواية (الفيض الكاشاني، 1406: 1709/9).

هذه الرواية لا تدل على جواز الغناء في قراءة القرآن، لأن معنى التغني هو أن القارئ يستغني ببركة القرآن، كما ورد في رواية أخرى عن الإمام الصادق (ع): «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَهُوَ غَنِيٌّ وَ لَا فَقْرَ بَعْدَهُ» (الكليني، 1407: 605/2). وقال البعض في تفسير التغني بالقرآن: إن ذلك لأن في القرآن مواعظ إذا اتعظوا بها استغنوا عن غير الله في جميع الأمور (الفيض الكاشاني، 1406: 1709/9). ويضيف ابن بابويه أيضاً في ذيل الرواية أنه إذا كان المراد من التغني بالقرآن الغناء الصوتي، ويجب مراعاته، فمن الطبيعي أن يكون في تركه عقوبة عظيمة، وإذا لم يقم قارئ القرآن بالترجيع في صوته، فيجب أن يخرج من دائرة الإيمان (ابن بابويه، 1403: 279). ولكن الإنصاف هو أن قبول التغني الغنائي لا يستلزم هذه العقوبة، وإلا لكان يجب قول نفس المعنى في الاستغناء.

فكر الإمام الخامنئي

يرى الإمام الخامنئي في معنى «التغني» بالقرآن أن هذا التعبير وأمثاله يعني قطعاً قراءة القرآن بأسلوب غنائي، ولا معنى آخر له (الخامنئي، 1401: 166). ويعتقد سماحته أن «التغني» بالقرآن مذموم بسبب رواية ابن عباس عن أشراط الساعة التي تقول: «يَتَغَنَّوْنَ بِالْقُرْآن»، (القمي، 1404: 306/2)، لأن القرآن كتاب حكمة وشفاء لما في الصدور. يجب قراءة القرآن بطريقة تحقق الاستفادة الكاملة منه. إذا أدخلنا الغناء في القرآن، فسينحرف القرآن عن مساره الأصلي وفائدته الأساسية، وسيتحول إلى وسيلة للغناء، مثل الشعر الذي يُغنى به. ثم يشير سماحته إلى رواية «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» ويقول: إذا قبل أحد هذا الحديث رغم ضعف سنده، فسيكون الغناء في القرآن مستحباً (الخامنئي، 1401: 166-167). ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن مبنى سماحته في روايات تفسير القمي هو قبول التوثيق العام، وبالتالي قبول رواية «يَتَغَنَّوْنَ بِالْقُرْآن» وذم وحرمة الغناء في القراءة.

الفئة السادسة: روايات جواز الغناء في الأعياد

ينقل الحميري في كتاب قرب الإسناد عن علي بن جعفر أنه سأل أخاه الإمام موسى بن جعفر (ع) عن الغناء: «هَلْ يَصْلُحُ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَى وَالْفَرَح؟» فأجاب الإمام (ع): «لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُعْصَ بِه» (الحميري، 1413: 294؛ الحر العاملي، 1409: 122/17). عبارة «لا بأس» في جواب الإمام (ع) تظهر ظاهراً أن الغناء في الأعياد جائز، ولكن دلالتها على الجواز المطلق منفية في الرواية نفسها؛ لأن الإمام (ع)، بناءً على نقل الحميري، بإضافة قيد «مَا لَمْ يُعْصَ بِه»، شرط نفي البأس بعدم المعصية، وهو نفس الغناء الحرام.

وفقاً لنقل كتاب مسائل علي بن جعفر، استخدم الإمام (ع) تعبير «مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ» (العريضي، 1409: 156) أيضاً، وهذه العبارة تشير إلى عدم اللجوء إلى المزامير والغناء. بناءً على ذلك، يضيف الحر العاملي في ذيل هذه الرواية أن هذا الحكم خاص بالوقت الذي يقام فيه حفل زفاف [مع استثناء محدود له] في يوم عيد الفطر أو الأضحى (الحر العاملي، 1409: 122/17). وبالتالي، فإن الاستثناء الرئيسي يتعلق بالزفاف، لا بأيام الفطر والأضحى الخاصة.

علاوة على ذلك، العلاقة بين جواز الغناء في الأعياد وقراءة القرآن غير واضحة، إلا إذا قيل إن القراءة الغنائية للقرآن في الأعياد لا مانع منها.

فكر الإمام الخامنئي

هناك بحثان أصيلان هنا تناولهما الإمام الخامنئي:

أولاً: معنى اتخاذ القرآن مزماراً

في روايتين، أشير إلى «اتخاذ القرآن مزماراً»؛ إحداهما الرواية المذكورة التي تقول: «مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ»، والأخرى رواية أشراط الساعة التي تقول: «يَتَّخِذُونَهُ مَزَامِيرَ» (القمي، 1404: 306/2). يقول الإمام الخامنئي عن مفهوم «اتخاذ القرآن مزماراً»: «المزمار هو الناي، نفس الناي الذي ينفخون فيه ويخرج منه صوت جميل. خاصية الناي هي أنه عندما ينفخ فيه نفس الإنسان، ينتج صوتاً مختلفاً عن نفس الإنسان ولكنه عذب وجميل. وبالتالي، الناي وسيلة لإخراج صوت جميل من نفس الإنسان» (الخامنئي، 1401: 163). ويعتقد سماحته أن «اتخاذ القرآن مزماراً» يعني استخدام القرآن لخلق لحن جميل وصوت عذب، تماماً كما أن الناي وسيلة لجعل نفس الإنسان عذباً (نفس المصدر، 169).

ثانياً: الغناء في العرس

يطرح الإمام الخامنئي حالتين بخصوص غناء النساء في حفلات الزفاف:

الحالة الأولى: في هذه الحالة، تجلس امرأة كمغنية في مجلس وتُقام مراسم تتحول إلى نوع من أماكن اللهو للرجال الشهوانيين. في الواقع، هذا المجلس هو مجلس عيش وطرب يشارك فيه الرجال أيضاً. هذا الفعل حرام شرعاً وكسب الدخل من هذا الطريق حرام أيضاً.

الحالة الثانية: في هذه الحالة، يكون غناء المرأة في حفل زفاف نسائي. بطبيعة الحال، تُدعى امرأة لهذا العمل، فتغني وتستمتع النساء بالحفل أكثر. هذا العمل مستثنى تخصيصاً من حكم حرمة الغناء. وجود عدد قليل من الرجال بين النساء لا يسبب مشكلة أيضاً (الخامنئي، 1401: ص 317-318).

خلاصة الروايات

يبدو أن الروايات المجوِّزة لا تملك القوة الكافية للمقاومة أمام الروايات الناهية. وبالتالي، فإن إطلاق الروايات الناهية في شمولها لنطاق الغناء، حتى في قراءة القرآن، لا يزال قوياً، والقراءة الغنائية ليست مستثناة. بالطبع، تعابير الروايات الناهية عن الغناء لا تشمل الإطراب والترجيع المطلق. ما ورد في المصادر الروائية يشمل التغني، والمغنية، وترجيع الغناء، ولهو الحديث، وكل منها يحمل دلالة معنوية خاصة، وحكمة الحرمة كامنة في هذه المفاهيم.

4. التفصيل بين الغناء وتحسين الصوت في القراءة

أحد الآراء المطروحة في جواز القراءة الغنائية هو نفي موضوع الغناء في مقولة تحسين الصوت عند قراءة القرآن. الخواجوئي خاتون آبادي، عالم القرن الثاني عشر، يعتقد أن الغناء الحرام ليس مستثنى في قراءة القرآن؛ ولكن تحسين الصوت الممدوح يختلف ماهوياً عن الغناء المحرم (الخواجوئي، 1418: 19). ومحمد الدارابي أيضاً يرى أن الغناء حرام مطلقاً، سواء في قراءة القرآن أو في أي مورد آخر. ومع ذلك، فهو ينفي موضوعية الغناء المتعارف عليه. يكتب الدارابي: «اعتقادنا أن الغناء حرام، حتى لو كان في القرآن أو ذكر أو مرثية. ولكن في الواقع، ما يقرؤه القراء والذاكرون ليس غناءً، لأنه في العرف لا يسمى غناءً» (الدارابي، 1418: 13 و 27).

فكر الإمام الخامنئي

كما ذُكر في بداية المقال، يميز الإمام الخامنئي بين الغناء المتعارف وقراءة القرآن الشائعة، فيكتب: «الغناء يختلف عن الفهم العرفي للأذان وتلاوة القرآن. تلاوة القرآن المتعارفة والأذان شيء، والغناء شيء آخر. بمعنى أنه عندما يُسأل العرف: هل هذا الشخص يغني؟ يقولون: لا، هو لا يغني، بل يقرأ القرآن؛ عمله ليس غناءً» (الخامنئي، 1401: 225). كما يطرح سماحته هذا السؤال: هل الغناء في القرآن جائز أم لا؟ ويجيب بأنه إذا كان بصورة الغناء المحرم، فهو غير جائز. ومع ذلك، يوجد فرق بين الغناء المتعارف وقراءة القرآن. وفي موضع آخر، يصرح سماحته بأن تلاوة القرآن المتعارفة، التي ليست بصورة الغناء المحرم، تخرج تخصصاً من حرمة الغناء لا تخصيصاً (الخامنئي، 1401: 281)، خلافاً لرأي المحقق السبزواري الذي يرى التخصيص.

وفقاً لهذا الرأي، فإن الصوت الحسن مرحلة بين الصوت العادي والصوت الغنائي. في الواقع، هذا الصوت مزين، لكنه لم يصل إلى مرحلة الغناء المحرم. دليل هذه المجموعة هو إطلاق الأدلة مثل الآيات والروايات في باب حرمة الغناء التي تشمل جميع أنواع الغناء، ما عدا موارد مثل الحُداء (غناء سائق الجمال لسوق الإبل) والعُرْس (حفل الزفاف) التي استُثنيت.

الرأي النهائي

بالنظر إلى مجموعة الأدلة، يمكن القول: إن الصوت المرجع في مجالس تشمل الفسق والفجور، وتُؤدى بأشعار غزلية وعاطفية من قبل امرأة مغنية، مع اختلاط الرجال والنساء، وبمصاحبة الآلات الموسيقية مثل العود، البربط، الطبل، الدف، الدائرة، التار، السه تار، الكمانجة، التنبور، الشيبور، الني، البيانو، والسنتور، مما يسبب حالة من الطرب ويؤدي إلى الإضلال والاستهزاء في لهو الحديث، فهو حرام قطعاً. كما قال الله تعالى: «لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً». أما في موارد أخرى، مثل مجرد مد الصوت المرجع بكلام قرآني من قبل الرجال في مجالس مناسبة وبدون مصاحبة عزف، فلا يمكن الجزم بحرمته. بعبارة أخرى، أداء وسماع صوت خالٍ من جميع القيود المذكورة هو حلال قطعاً؛ وفي حالة وجود جميع القيود، فهو حرام قطعاً. أما في الحالات البينية، فالمجال للتأمل موجود.

الاستنتاج

الإمام الخامنئي، بوصفه فقيهاً معاصراً، وبفضل سيطرته على المصادر الروائية ودقته في أصول الاستنباط، وبنظرة عميقة ودقيقة إلى مسائل الموسيقى والغناء، قدم آراءً أصيلة حول أصل الغناء وكذلك القراءة الغنائية للقرآن. نتائج البحث حول مواقف سماحته هي:

1. تقسيم الغناء إلى نوعين عام وخاص، وكذلك إلى حلال وحرام.

2. التصنيف الثلاثي لصوت الإنسان.

3. عدم دلالة الروايات الموجودة على حرمة الغناء المطلق.

4. قبول حكم العرف في تشخيص مصداق الغناء.

5. عدم تأثير أهل الفسق، والآلات الموسيقية، ومادة الصوت، والطرب في تحقق مفهوم الغناء.

6. جواز التغني في قراءة القرآن بالمعنى المتعارف دون وقوع الغناء الحرام.

7. حرمة قراءة القرآن بشكل الغناء الحرام.

8. الخروج التخصصي للقراءة الغنائية من حكم الحرمة، لا تخصيصها.

9. تشديد حرمة الغناء في قراءة القرآن بسبب قداسته واحترامه الخاص.

الهوامش

1. ادعى بعض الفقهاء الإجماع على حرمة الغناء. (انظر: الطباطبائي الحائري، رياض المسائل، 1418: ج 8، ص 155 والنجفي، جواهر الكلام، 1404: ج 41، ص 47 والموسوي القزويني، ينابيع الأحكام، 1427: ج 2، ص 215 والشيخ الأنصاري، كتاب المكاسب، 1415: ج 1، ص 285). بالإضافة إلى هذا الادعاء، فإن الاستقراء الذي أجري يدل على اتفاق جل الفقهاء. (انظر: بعض الفقهاء الذين صرحوا بحرمة الغناء، من النصف الأول من القرن الخامس حتى نهاية القرن الثالث عشر حسب التسلسل التاريخي، وهم: أبو الصلاح الحلبي (374-447 هـ)، الشيخ الطوسي (385-460 هـ)، ابن إدريس الحلي (543-598 هـ)، الفاضل الآبي (- 676 هـ)، المحقق الحلي (602-676 هـ)، العلامة الحلي (648-726 هـ)، الشهيد الأول (734-786 هـ)، ابن فهد الحلي (757-841 هـ)، المحقق الكركي (868-940 هـ)، الشهيد الثاني (911-966 هـ)، السيد جواد العاملي (-1226 هـ)، كاشف الغطاء (-1228 هـ)، الطباطبائي الحائري (1161-1231 هـ)، النراقي (1185-1245 هـ)، صاحب الجواهر (1202-1266 هـ)، الشيخ الأنصاري (1214-1281 هـ)، الميرزا القمي (1150-1232 هـ)، والموسوي القزويني (1237-1297 هـ). حتى فقهاء مثل المحقق السبزواري، ومحمد الدارابي، والسيد ماجد البحراني الكاشاني، وآل عصفور البحراني، ومحمود البهبهاني، الذين جوزوا الغناء في قراءة القرآن، يعتبرون أصل الغناء حراماً).

Scroll to Top