المستخلص
إن اختيار ابن مجاهد (ت ٣٢٤هـ) لقراءات القراء السبعة، ومن ثم اختيار العلماء اللاحقين للقراءات العشر والأربع عشرة، قد منح هذه القراءات مكانة متميزة على غيرها، حتى ذهب بعض أهل السنة إلى القول بتواتر القراءات السبع، وذهب آخرون إلى تواتر القراءات العشر. وبما أن هذه التصنيفات للقراءات والقراء قد شاعت بعد ابن مجاهد، فإن دراسة المصنفات التي سبقته تكتسب أهمية خاصة في التحقق من اعتبار هذه القراءات، لكونها لم تتأثر بتصنيفات ابن مجاهد ومن جاء بعده. ومن أبرز هذه المصنفات القيمة التي لم تتأثر بالتصنيفات القرائية، تفسير “جامع البيان عن تأويل آي القرآن” لمحمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ). يهدف هذا البحث إلى الكشف عن مكانة القراءات عند الطبري، وذلك من خلال دراسة مكتبية لمنهجه في التعامل مع مختلف قراءات القراء في تفسيره “جامع البيان”، مع التركيز بشكل خاص على موقفه من رواية حفص عن قراءة عاصم. وقد أظهرت النتائج أن الطبري لم يكن يعتقد بتواتر القراءات العشر، بل إنه في كثير من الآيات لم يُجز القراءة بقراءة بعض القراء العشرة. كما أن دراسة موقفه من رواية حفص تدل على أنه لم يكن يراها رواية متواترة أو صحيحة، بل لم يعتبرها حتى في مصاف القراءات والنقول الشاذة وغير المشهورة، وأعرض عن ذكرها ونقلها بالكلية.
المقدمة
أدى انتشار وتوسع نطاق القراءات حتى القرن الثالث الهجري ببعض أئمة القراءة إلى اختيار عدد من القراءات لتمييز القراءات الأفضل. ففي البداية، اختار أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤هـ) قراءة ٢٥ قارئًا (ابن الجزري، دون تاريخ، ٣٤/١). وبعده، كُتبت أعمال متعددة في اختيار القراء حتى جاء ابن مجاهد (ت ٣٢٤هـ) من أئمة القراءة في بغداد، وألف كتابًا اختار فيه قراءات سبعة قراء هم: نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، والكسائي، ونقل قراءة كل منهم عن طريق راويين. وقد أدى عمله، الذي كان مدعومًا من السلطة في بغداد، إلى ظهور مصطلحي “القراء السبعة” و”الروايات الأربع عشرة”.
ومع ذلك، استمر علماء القراءة في تأليف مصنفات في اختيار القراءات، سواء بإضافة أو إنقاص من القراء الذين اختارهم ابن مجاهد، حتى جاء أحمد بن الحسين بن مهران (ت ٣٨١هـ) وألف عدة كتب منها “الغاية في القراءات العشر”، حيث أضاف ثلاثة قراء آخرين هم: أبو جعفر المدني، ويعقوب الحضرمي، وخلف بن هشام إلى القراء السبعة، وأحل مصطلح “القراء العشرة” ذوي الروايات العشرين.
وفي النهاية، في بعض المصنفات الأخرى مثل “إيضاح الرموز ومفتاح الكنوز في القراءات الأربع عشرة” لابن القُباقبي (ت ٨٤٩هـ)، أُضيف أربعة قراء آخرين هم: ابن محيصن، ويحيى بن المبارك اليزيدي، والحسن البصري، وسليمان بن مهران الأعمش، مما أدى إلى ظهور مصطلح “القراء الأربعة عشر” والروايات الثماني والعشرين.
ونظرًا إلى أن تصنيف القراءات إلى سبع وعشر وأربع عشرة قراءة وانتشارها وقبولها بدأ تدريجيًا من القرن الرابع الهجري وبعد مبادرة ابن مجاهد، فإن التحقق من صحة هذه القراءات في المصنفات المكتوبة قبل ابن مجاهد، مثل تفسير “معاني القرآن” للفراء (ت ٢٠٧هـ) وتفسير “جامع البيان” للطبري (ت ٣١٠هـ)، يكتسب أهمية كبيرة؛ لأنها لم تتأثر بمبادرة ابن مجاهد وغيره وتصنيفاتهم للقراءات.
وعلى هذا الأساس، يتناول هذا البحث، بأسلوب دراسة مكتبية وبحث في القراءات، تقييم منهج الطبري تجاه القراءات من خلال دراسة أدائه في التعامل مع القراء في تفسير “جامع البيان”، مع إيلاء اهتمام خاص لمنهجه تجاه رواية حفص عن قراءة عاصم.
يمكن تتبع سابقة هذا المقال من منظورين: السابقة العامة للدراسات المتعلقة بقراءة القرآن، والسابقة البحثية المتعلقة بتفسير الطبري. لطالما كانت مباحث القراءات محط اهتمام العلماء المسلمين من مختلف الجوانب (انظر: محمدي، ١٤٠١)، والمصنفات في هذا المجال لا حصر لها. ومن نماذج هذه المصنفات: كتب بعنوان “الحجة” في دراسة الأدلة الأدبية لكل قراءة، وقد كُتبت هذه الكتب غالبًا في القرنين الرابع والخامس الهجريين، مثل “الحجة” لابن خالويه، و”الحجة” لأبي علي الفارسي، و”حجة القراءات” لأبي زرعة، و”الكشف” لمكي بن أبي طالب. وكتب في اختيار القراء (في انتخاب عدد من القراء ونقل قراءاتهم)؛ وهذه الكتب أيضًا كُتبت غالبًا في الفترة من القرن الثالث إلى الخامس، مثل مصنفات القاسم بن سلام، وابن مجاهد، وأحمد بن الحسين بن مهران، وأبي معشر الطبري. وكتب بعنوان “الطبقات” (في التعريف بالقارئ، وطبقته، وأساتذته، وتلاميذه)؛ مثل “غاية النهاية” لابن الجزري و”معرفة القراء الكبار” للذهبي. وكتب وتحقيقات تتعلق بتاريخ القراءات (في بيان تاريخ نشأة وتطور القراءات)، وبحوث تتعلق بنقد وتقييم تواتر القراءات، وتحقيقات تتعلق بتقييم سند بعض القراءات، ودراسات قرائية أخرى.
وفيما يتعلق بالدراسات المتعلقة بتفسير الطبري، فقد كُتبت أعمال كثيرة، معظمها يركز بشكل عام على الجانب التفسيري لتفسير الطبري، مثل كتاب “ابن جرير الطبري ومنهجه في التفسير” لمحمد بكر إسماعيل، ومقالة “روش تفسيري طبرى” (منهج الطبري التفسيري) لعلي رضا ميرزا محمد، ومقالة “مبانى تفسير نگارى طبرى” (أسس الكتابة التفسيرية للطبري) لسيمين دخت شاكري، وكتاب “منهج الطبري في الترجيح بين الأقوال التفسيرية” لعلي بن حسين حربي، ومقالة “تفسير طبرى در نقد و بررسى” (تفسير الطبري: نقد ودراسة) لمحمد فاضلي، وكتاب “الإسرائيليات في تفسير ابن جرير الطبري” لنايف بن سعيد الزهراني، ومقالة “أسباب النزول في تفسير الطبري” لمحمد حسين موسوي، ومقالة “النكت البلاغية في تفسير الطبري” لسيد محمد علوي مقدم، ومقالة “رابطه زمينه هاى اصلى و معيارهاى اجتهاد طبرى در بررسى و ترجيح آراء تفسيرى” (العلاقة بين السياقات الأصلية ومعايير الاجتهاد عند الطبري في دراسة وترجيح الآراء التفسيرية) لمهيار خاني مقدم ومحمد تقي دياري بيدگلي، ومقالة “نقش تاريخ در تفسير طبرى” (دور التاريخ في تفسير الطبري) لمهدي تدين. كما تناولت بعض الأعمال الأخرى تبيين المنهج العام للطبري تجاه القراءات ومعاييره في اختيار أو ترجيح القراءات، مثل كتاب “منهج الإمام الطبري في القراءات” لزيد بن علي مهدي مهارش، ومقالة “وجوه و معيارهاى ترجيح قراءات در تفسير طبرى” (وجوه ومعايير ترجيح القراءات في تفسير الطبري) لمحمد فاروق آشكار تيزابي، ورسالة ماجستير بعنوان “پژوهشى در قراءتهاى تفسير طبرى” (بحث في قراءات تفسير الطبري) لمحمد جواد حيطاوي. كما اهتمت بعض الأعمال الأخرى بمسألة القراءة في تفسير الطبري من زاوية خاصة، مثل مقالة “تأثير سياق در ترجيح قراءات در تفسير طبرى” (تأثير السياق في ترجيح القراءات في تفسير الطبري) لمحمدرضا ستوده نيا وزهرا قاسم نژاد، ومقالة “طبرى و اختلاف قراءات در آيات الاحكام عبادى” (الطبري واختلاف القراءات في آيات الأحكام العبادية) لروح الله نجفي.
ويكمن وجه تميز هذا البحث عن الأعمال السابقة في موضوعه؛ إذ لم يتطرق أي من الأعمال المذكورة إلى هذا الموضوع وهذه المسألة، وهي: ما هو أداء الطبري في مواجهة قراءة القراء المشهورين، خاصة قراءة عاصم برواية حفص؟ وهل كان الطبري يعتبر جميع قراءات القراء العشرة متواترة، أم أنه في بعض الآيات لم يجز قراءة بعض هؤلاء القراء؟
أ. التعريف بابن جرير الطبري وتفسيره “جامع البيان”
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري الآملي، ولد في آمل سنة ٢٢٤هـ (الذهبي، دون تاريخ، ٢٠٥/١؛ السيوطي، دون تاريخ، ٨٣) أو سنة ٢٢٥هـ (الحموي، ١٤١٤: ٢٤٤١/٦) (الذهبي، دون تاريخ، ٢٠٥/١)، وتوفي سنة ٣١٠هـ (الحموي، ١٤١٤: ٢٤٤١/٦). بدأ رحلته لطلب العلم في الثانية عشرة من عمره، واستفاد من علماء مصر والشام والعراق، وأخيرًا استقر في بغداد (الذهبي، دون تاريخ، ٢٠٦/١). وصفه السيوطي بأنه “رأس المفسرين على الإطلاق”، واعتبره منقطع النظير في جمعه للعلوم (السيوطي، دون تاريخ، ٨٢).
على الرغم من أن الطبري كان ذا رأي وصاحب مصنفات في مختلف العلوم، إلا أن شهرته اليوم تعود إلى كتابيه: “جامع البيان عن تأويل آي القرآن” و”تاريخ الأمم والملوك”. ورغم أن هذين الكتابين كُتبا في المراحل الأولى من تدوين التفسير والتاريخ، إلا أنهما يتمتعان بشمولية جعلتهما مرجعين أساسيين في التفسير والتاريخ حتى يومنا هذا، ولهذا السبب، يُعرف الطبري بأنه أبو علم التفسير والتاريخ (الذهبي، دون تاريخ، ٢٠٦/١).
يقول الخطيب البغدادي عن الطبري: “كان الطبري جامعًا للعلوم لم يشاركه فيها أحد في عصره؛ كان حافظًا لكتاب الله، عالمًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني؛ فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها. وكان عالمًا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الأحكام ومسائل الحلال والحرام. وللطبري كتاب مشهور في تاريخ الأمم والملوك، وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله” (الخطيب البغدادي، دون تاريخ، ٥٤٨/٢).
اسم كتاب تفسير الطبري، كما ذكره هو نفسه في كتابه “تاريخ الطبري” (الطبري، ١٣٨٧، ٨٩/١) وفي تفسيره هذا (الطبري، ١٤١٢: ٥٠/١)، هو “جامع البيان عن تأويل آي القرآن”؛ وقد ذكر البعض هذا العنوان كاسم لكتاب تفسير الطبري (الحموي، ١٤١٤: ٢٤٤٤/٦)، بينما ذكره آخرون بصيغة “جامع البيان في تفسير القرآن” (الذهبي، دون تاريخ، ٢٠٤/١).
يصف السيوطي هذا التفسير بأنه أجل التفاسير، وأنه لم يؤلف مثله بإجماع العلماء؛ لأنه جمع بين الرواية والدراية، ولم يستطع أحد قبله أو بعده أن يفعل ذلك (السيوطي، دون تاريخ، ٨٢-٨٣). وفي موضع آخر، يؤكد السيوطي على تفرد تفسير “جامع البيان”، وينقل قول النووي بأنه لم يصنف تفسير مثله (السيوطي، ١٤٢١: ٤٧٦/٢).
في تفسيره، يشرح الطبري قبل البدء في تفسير الآيات، مباحث كلية كمباحث تمهيدية، ثم يبدأ التفسير الترتيبي للآيات بعبارة “القول في تأويل قوله تعالى…”. لم يتبع الطبري نظامًا موحدًا في ترتيب المباحث المختلفة تحت كل آية، ولكنه تحت كل آية يشير إلى سبب النزول، والقراءات المختلفة المؤثرة في معنى الآية، والمباحث اللغوية والأدبية، والروايات النبوية وأقوال الصحابة والتابعين حول كل آية (مع ذكر السند الكامل لكل منها)، وأحيانًا إلى المباحث الفقهية والكلامية ورأيه الشخصي.
ب. منهج الطبري في التعامل مع القراءات
أولى الطبري اهتمامًا كبيرًا في تفسيره للقراءات المختلفة لآيات القرآن الكريم. ويتجلى إحاطته بالقراءات المختلفة في تفسيره. وبلغ تبحر الطبري ومعرفته بالقراءات حدًا جعله يؤلف كتابًا مستقلاً وضخمًا في ١٨ مجلدًا بعنوان “كتاب القراءات”، جمع فيه جميع القراءات المشهورة والشاذة مع وجوهها وشرح كل قراءة (الحموي، ١٤١٤: ٢٤٤٤/٦)؛ وهذا الكتاب غير متوفر اليوم.
في عرضه للقراءات، يذكر الطبري أحيانًا أسماء القراء، وأحيانًا يستخدم تعابير عامة مثل “قراء الأمصار” و”القراء”، وأحيانًا يستخدم تعابير مثل “قراء أهل الـ…” لينقل قراءة من مدينة أو منطقة معينة مثل مكة، المدينة، الحجاز، الكوفة، البصرة، العراق، الشام، وغيرها. ويبدأ بحث الاختلاف في القراءات التي تحدث فرقًا في معنى الآية بعبارات تشبه “اختلفت القراء في قراءته…”.
كان يحيى بن زياد الفراء، أستاذ الطبري، يعتقد أن كل قراءة جائزة من حيث قواعد اللغة العربية تعتبر قراءة صحيحة، ولا ينبغي تقبيحها لمجرد أن أحد القراء لم يقرأ بها (الفراء، ١٩٨٠: ٢٤٥/١)؛ ولكن الطبري، على عكس أستاذه، كان يعتقد أن كل ما هو صحيح في اللغة العربية ليس بالضرورة جائزًا في قراءة القرآن؛ لأن القراءة هي ما قرأه الأئمة الماضون ونقله السلف كما تلقوه (الطبري، ١٤١٢: ٩٥/٢٢).
لم يكن الطبري، ككثير من علماء أهل السنة، يحصر قراءة القرآن الصحيحة في قراءة واحدة، وإذا رأى في آية ما قراءتين أو أكثر صحيحتين من حيث اللغة العربية، شريطة أن تكون كلتا القراءتين قد قرأ بهما بعض القراء المشهورين، فإنه يعتبر تلك القراءات صحيحة. وفي هذا الصدد، تكثر في تفسيره عبارات مثل “كلتا القراءتين معروفة صحيحة… فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيب” (الطبري، ١٤١٢: ٣١/٢، ٥٠، ٣٣٣؛ وغيرها).
حاول الطبري، باستخدام معايير مختلفة، أن يختار في كل آية القراءة أو القراءات الأنسب، ومعاييره في الاختيار أو الترجيح كانت: إجماع القراء (انظر: الطبري، ١٤١٢: ٤٦٩/١؛ ١٤٤/٣؛ ٣٣/٨؛ وغيرها)، موافقة رسم الخط (انظر: الطبري، ١٤١٢: ٢٤٨/١؛ ١٢-٣٦/١٨؛ ٣٧؛ وغيرها)، التوافق مع السياق (انظر: الطبري، ١٤١٢: ٣١٨/١؛ ٦٨/١٣؛ ١٣٣/٢٩؛ وغيرها)، التوافق مع اللغة وقواعد العربية (انظر: الطبري، ١٤١٢: ١٠١/٣؛ ١٩٩/٥؛ ٧٩/١٠؛ وغيرها)، التوافق مع شأن النزول (انظر: الطبري، ١٤١٢: ٣٣٤/٣-٣٣٥؛ ١٤٤/٥-١٤٥؛ وغيرها).
ج. منهج الطبري تجاه القراءات العشر
يمكن تتبع منهج الطبري تجاه القراءات العشر من زاويتين؛ الأولى: مدى اهتمام الطبري بكل قراءة من القراءات العشر، وهل كان يعتبرهم أصحاب اختيار وتخصص في اختيار القراءات لينسب إليهم القراءات التي يذكرها؟ والزاوية الأخرى: هل كان الطبري يعتبر قراءة القراء العشرة متواترة ولا تقبل النقد، أم أنه في بعض الآيات كان يرفض بعض قراءاتهم ولا يجيز القراءة بها؟
١. اهتمام الطبري بالقراءات العشر
يُظهر استعراض تفسير “جامع البيان” أنه كلما كان للقراءات المختلفة في الآيات تأثير في تفسير الآية، كان الطبري يهتم بتلك القراءة ويوردها في تفسيره، سواء كانت تلك القراءة مشهورة ومنسوبة إلى قراء معروفين، أم كانت قراءة شاذة منسوبة إلى قراء غير مشهورين. وعلى هذا الأساس، اهتم الطبري أيضًا بقراءة القراء العشرة، وفي كثير من الحالات أورد قراءاتهم مع ذكر أسمائهم.
بالطبع، من بين القراء العشرة، لم يُعثر على حالة نقل فيها الطبري في تفسيره قراءة من اختيار يعقوب الحضرمي وخلف بن هشام؛ على الرغم من أن الطبري ذكر اسميهما ضمن سلسلة سند الروايات التفسيرية وغير التفسيرية.
على كل حال، أورد الطبري من كل قارئ من القراء العشرة قراءات صرح فيها بأسمائهم، ومن أمثلة ذلك: ذكر قراءة نافع مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ٨٧/١٤؛ ٤٠/١٥؛ ٣١/١٨؛ ١٤٢؛ ٥٦/٢٢؛ ٤٦٦/٢٤؛ ٢٨/٢٥؛ ٣٦/٢٦؛ ١٣١/٢٧؛ ٦/٢٨؛…)؛ وذكر قراءة ابن كثير مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ٣٤٦/١؛ ٩٣/١٣؛ ١٠٤/١٣؛ ٤٤٠/١٥؛ ٥/١٨؛ ١٤٣؛ ٤٧/٣٠؛ ١٠٩/٣٣؛ ٨١/٣٧؛ ١٣٢/٢٧؛…)؛ وذكر قراءة أبي عمرو البصري مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ١٦١/٢، ١٨٨؛ ٩٤/١٢؛ ١٣٠/١٣؛ ٩/١٤؛ ١٣/١٦؛ ٤٣٨؛ ٤٧، ٦٤، ١٥٤؛ ١١١١/١٧؛…)؛ وذكر قراءة ابن عامر مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ١٥٤/١٥؛ ٦٣/١٦؛ ١١٢/١٨؛…)، وأحيانًا ذكر قراءته بتعابير مثل “بعض قراء أهل الشام” (الطبري، ١٤١٢: ٤٨/٣؛ ١١١/٧؛ ٣٣/٨؛ ٢١/١٠؛ ٦٦/١١؛ ٧٣/١٤؛ ٤٠/١٥؛…)؛ وذكر قراءة عاصم مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ١٣٨/٣؛ ٣١/٩؛ ٤٨٨/١٤؛ ١٧٥/١٥؛ ١٦٨/١٦؛ ٤١/١٧، ٦٥، ١٣٧؛ ٨/١٨، ١٤؛…)؛ وذكر قراءة حمزة مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ٤٥٤/١١؛ ١٤٤/١٦؛ ١٤/٢٠؛ ٤٤٨/٣٠؛ ٣٨/٣١؛ ٥٣/٣٣؛ ١٠/٣٨؛ ٤٩٥؛ ١٨/٢٩، ١٣٣؛…)؛ وذكر قراءة الكسائي مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ١٦٢/١٣؛ ٣٨/١٤؛ ١٦٨/١٦؛ ٣٨/١٧؛ ١٦/١٨؛ ١١٤/٣٦؛ ٥/٣٧، ٥٩، ٩٦؛ ٧٠/٢٨؛…)؛ وذكر قراءة أبي جعفر المدني مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ٧١/١١، ٤٨٨؛ ٨٧/١٤؛ ١٥٣/١٦؛ ٤٩١/١٧؛ ١٤٣/١٨؛ ٦٣/٣٤؛ ١٣١/٣٧؛ ٢٦/٢٨؛ ٦٦/٢٩؛…)؛ وذكر اسم يعقوب في سلسلة سند عدة روايات تفسيرية وغير تفسيرية (الطبري، ١٤١٢: ٢٣٥/٢، ٣٤٣؛ ١٤٦/١٣؛ ٣٦/١٤، ٣٠؛ ٧٥/٣٥؛ ١٢٦/٢٩، ٥٩/٣٠)؛ وذكر اسم خلف بن هشام في سلسلة سند عدة روايات تفسيرية وغير تفسيرية (الطبري، ١٤١٢: ٩٩/١٣، ١٠٦-١٠٧؛ ١٥٠/١٣).
كما أورد الطبري قراءات القراء الآخرين الذين أُدرجوا لاحقًا ضمن القراء الأربعة عشر، مع التصريح بأسمائهم، ومن أمثلة ذلك: ذكر قراءة ابن محيصن مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ١٨٣/٣؛ ٣٦/١٣؛ ٤٠/١٥؛ ٥/٣٠؛ ٤٤/٣٥؛ ٧٧/٣٨؛ ١٣٧/٢٩؛ ٣٢/٣٠؛ ٩٠/٣٠، ١٠٤)؛ وذكر قراءة الحسن البصري مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ١٣٤/١، ٣٤٦، ٣٧٦؛ ٨٧/٤؛ ١٣٥/٥، ٣١٥؛ ١٨٣/٦؛ ٣٧/١١؛ ١١٩/١٣؛ ٧٧/٢١؛…)؛ وذكر قراءة سليمان بن مهران الأعمش مع التصريح باسمه (الطبري، ١٤١٢: ٨٢/٣؛ ٤٢/٦، ٨٢، ١٩٠؛ ١٩٥/٧؛ ٣٨/١٤؛ ١٤٤/١٦؛ ٣٨/١٧؛ ٨١/١٧؛ ٧٤/١٩؛…)؛ وذكر اسم يحيى بن المبارك اليزيدي البصري في نقل كلام أبي عمرو البصري (الطبري، ١٤١٢: ١٦٢/٣، ١١١/٧).
على كل حال، يُظهر أداء الطبري في نسبة القراءات إلى كل من القراء المذكورين أنهم، من وجهة نظر الطبري، كانوا يُعتبرون قراءً أصحاب اختيار وتخصص في انتقاء القراءات، باستثناء يعقوب وخلف (من القراء العشرة) واليزيدي (من القراء الأربعة عشر) الذين لم يورد لهم قراءة خاصة بهم.
٢. عدم إجازة بعض قراءات القراء العشرة
قام الطبري، بناءً على معاييره ومبادئه في تقييم القراءات، بالتحقق من صحة القراءات المختلفة في تفسيره، وفضّل بعض القراءات على بعض، وبناءً على معاييره، وصف بعض القراءات بأنها مرجوحة أو غير مستساغة، بل إنه لم يجز بعضها. عدد من هذه القراءات التي شكك الطبري في جوازها هي قراءات قرأ بها القراء العشرة.
وفقًا للبحث الذي تم إجراؤه، تم جمع ٣٣ حالة من قراءات القراء العشرة التي صرح الطبري بعدم جواز القراءة بها. سيتم عرض هذه الحالات أولاً في جدول، ثم يتم تحليل أداء الطبري في هذا الصدد.
لقد صرح الطبري في بعض المواضع من قراءات القراء العشرة بتعابير مثل “لا أستجيز القراءة به”، و”القراءة التي لا تجوز”، وتعابير من هذا القبيل، بأنه لا يجيز القراءة وفقًا لتلك القراءات. وهذه المواضع مع الجزء المتعلق من عبارة الطبري في هذا الصدد هي كالتالي:
1. البقرة: ٣٧: القراءة المجوّزة للطبري: آدَمُ… كَلِمَاتٍ. القراءة غير الجائزة: آدَمَ… كَلِمَاتِ (ابن كثير). عبارة الطبري: فغير جائز عندي في القراءة إلا رفع «آدم». (١٩٣/١)
2. البقرة: ٧٨: القراءة المجوّزة للطبري: أَمَانِيَّ. القراءة غير الجائزة: أماني (أبو جعفر). عبارة الطبري: فأما القراءة التي لا يجوز غيرها عندي لقارئ في ذلك فتشديد ياء الأماني. (٢٩٨/١)
3. البقرة: ٩٧: القراءة المجوّزة للطبري: جِبْرِيلَ/ جِبْرَئِيلَ/ جِبْرِئلَ. القراءة غير الجائزة: جبريل (ابن كثير). عبارة الطبري: وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن «جبريل»… هي قراءة غير جائزة القراءة بها. (٣٤٦/١)
4. البقرة: ١٤٠: القراءة المجوّزة للطبري: تَقُولُونَ. القراءة غير الجائزة: يقولون (نافع، ابن كثير، شعبة، أبو عمرو، أبو جعفر، روح عن يعقوب). عبارة الطبري: وغير جائزة قراءة ذلك بالياء. (٤٤٦/١)
5. البقرة: ٢٨٢: القراءة المجوّزة للطبري: تِجَارَةٌ. القراءة غير الجائزة: تِجَارَةً (عاصم). عبارة الطبري: فإن الذي أختار من القراءة، ثم لا أستجيز القراءة بغيره، الرفع. (٨٧/٣)
6. البقرة: ٢٨٥: القراءة المجوّزة للطبري: لَا نُفَرِّقُ. القراءة غير الجائزة: لا يفرق (يعقوب). عبارة الطبري: والقراءة التي لا نستجيز غيرها في ذلك عندنا بالنون. (١٠١/٣ – ١٠٢)
7. آل عمران: ١٩٥: القراءة المجوّزة للطبري: قُتِلُوا وَقَاتَلُوا/ قَاتَلُوا وَقُتِلُوا. القراءة غير الجائزة: قَاتَلُوا وَقُتِلُوا (ابن كثير، ابن عامر)/ قُتِلُوا وَقَاتَلُوا/ قَاتَلُوا قُتِلُوا وَقُتِلُوا. عبارة الطبري: والقراءة التي لا أستجيز أن أعدوها إحدى هاتين القراءتين وهي «وقاتلوا وقتلوا» بالتخفيف، أو «وَ قُتِلُوا» بالتخفيف «وَ قَاتَلُوا». (١٤٥/٤)
8. النساء: ٢٥: القراءة المجوّزة للطبري: الْمُحْصَنَاتُ. القراءة غير الجائزة: الْمُحْصِنَاتُ (الكسائي). عبارة الطبري: فإني لا أستجيز الكسر في صاده. (١٢/٥)
9. النساء: ٩٠: القراءة المجوّزة للطبري: حَصِرَتْ. القراءة غير الجائزة: حصرةً (يعقوب). عبارة الطبري: وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك «أو جاءوكم حصرةً صدورهم» نصبا؛ وهي صحيحة في العربية فصيحة، غير أنه غير جائز القراءة بها عندي. (١٢٥/٥)
10. الأنعام: ١٠٨: القراءة المجوّزة للطبري: عَدْوًا. القراءة غير الجائزة: عُدُوًّا/ عُدْوًا (يعقوب). عبارة الطبري: والصواب من القراءة عندي في ذلك قراءة من قرأ بفتح العين وتخفيف الواو لإجماع الحجة من القراء على قراءة ذلك كذلك وغير جائز خلافها. (٢٠٨/٧)
11. الأنعام: ١٣٧: القراءة المجوّزة للطبري: زَيَّنَ… قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ. القراءة غير الجائزة: زُيِّنَ… قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ (ابن عامر). عبارة الطبري: القراءة التي لا أستجيز غيرها «وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ… لا أستجيز القراءة بغيرها. (٣٣/٨)
12. التوبة: ١٢: القراءة المجوّزة للطبري: أَيْمَانَ. القراءة غير الجائزة: إِيمَانَ (ابن عامر). عبارة الطبري: والصواب من القراءات في ذلك الذي لا أستجيز القراءة بغيره، قراءة من قرأ بفتح الألف دون كسرها. (٦٣/١٠)
13. التوبة: ٣٧: القراءة المجوّزة للطبري: النَّسِيءُ. القراءة غير الجائزة: النسي (أبو جعفر). عبارة الطبري: وأما الصواب من القراء في النسيء فالهمز وقراءته على تقدير فعيل؛ لأنها القراءة المستفيضة في قراءة الأمصار التي لا يجوز خلافها. (٩١/١٠)
14. التوبة: ١٠٠: القراءة المجوّزة للطبري: الْأَنصَارِ. القراءة غير الجائزة: الْأَنصَارِ (يعقوب). عبارة الطبري: والقراءة التي لا أستجيز غيرهما الخفض في «الأنصار». (٧/١١)
15. يونس: ٢٧: القراءة المجوّزة للطبري: قِطَعًا. القراءة غير الجائزة: قِطْعًا (ابن كثير، الكسائي، يعقوب). عبارة الطبري: والقراءة التي لا يجوز خلافها عندي قراءة ذلك بفتح الطاء. (٧٧/١١ – ٧٨)
16. يوسف: ٣٣: القراءة المجوّزة للطبري: السِّجْنُ. القراءة غير الجائزة: السَّجْنُ (يعقوب). عبارة الطبري: وقد ذكر عن بعض المتقدمين أنه يقرؤه «السجن أحب إلي» بفتح السين؛ ولا أستجيز القراءة بذلك. (١٢٤/١٢ – ١٢٥)
17. الحجر: ١٥: القراءة المجوّزة للطبري: سُكِّرَتْ. القراءة غير الجائزة: سُكِرَتْ (ابن كثير). عبارة الطبري: أن القراءة التي لا أستجيز غيرها في القرآن «سُكِّرَتْ» بالتشديد. (١٠/١٤)
18. الإسراء: ١٠٢: القراءة المجوّزة للطبري: عَلِمْتَ. القراءة غير الجائزة: عَلِمْتُ (الكسائي). عبارة الطبري: روي عن علي بن أبي طالب في ذلك، أنه قرأ «لقد علمتُ» بضم التاء… غير أن القراءة التي عليها قراء الأمصار خلافها وغير جائز عندنا خلاف الحجة. (١١٦/١٥)
19. الكهف: ٢٨: القراءة المجوّزة للطبري: بِالْغَدَاةِ. القراءة غير الجائزة: بالغدوة (ابن عامر). عبارة الطبري: القراءة عندنا في ذلك ما عليه القراء في الأمصار لا نستجيز غيرها. (١٥٤/١٥ – ١٥٥)
20. مريم: ١٩: القراءة المجوّزة للطبري: لِأَهَبَ. القراءة غير الجائزة: ليهب (أبو عمرو). عبارة الطبري: الصواب من القراءة في ذلك، ما عليه قراء الأمصار، وهو «لِأَهَبَ لَكِ» بالألف دون الياء، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين، وعليه قراءة قديمهم وحديثهم، غير أبي عمرو، وغير جائز خلافهم فيما أجمعوا عليه. (٤٧/١٦)
21. طه: ٣١: القراءة المجوّزة للطبري: اشْدُدْ… اشْرِكْهُ. القراءة غير الجائزة: أَشْدُدْ… أُشْرِكْهُ (ابن عامر وابن وردان عن أبي جعفر). عبارة الطبري: وذكر عن عبد الله بن أبي إسحاق أنه كان يقرأ «أشدد به أزري» بفتح الألف من أشدد «وأشركه في أمري» بضم الألف من أشركه… وذلك قراءة لا أرى القراءة بها، وإن كان لها وجه مفهوم، لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها. (١٢١/١٦ – ١٢٢)
22. طه: ٦٦: القراءة المجوّزة للطبري: يُخَيَّلُ. القراءة غير الجائزة: تخيل (ابن ذكوان عن ابن عامر، روح عن يعقوب). عبارة الطبري: القراءة التي لا يجوز عندي في ذلك غيرها يُخَيَّلُ بالياء. (١٤٠/١٦)
23. الأنبياء: ٨٨: القراءة المجوّزة للطبري: نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ. القراءة غير الجائزة: نُجِّي (ابن عامر، شعبة). عبارة الطبري: الصواب من القراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار من قراءته بنونين وتخفيف الجيم. (٦٥/١٧ – ٦٦)
24. الحج: ٢٥: القراءة المجوّزة للطبري: سَوَاءٌ. القراءة غير الجائزة: سَوَاءً (حفص). عبارة الطبري: وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه «سواء» نصبا على إعمال «جعلناه» فيه، وذلك وإن كان له وجه في العربية، فقراءة لا أستجيز القراءة بها. (١٠٣/١٧)
25. الأحزاب: ١٣: القراءة المجوّزة للطبري: لَا مَقَامَ. القراءة غير الجائزة: لا مُقام (حفص). عبارة الطبري: والقراءة على فتح الميم من قوله: «لا مقام لكم» بمعنى: لا موضع قيام لكم؛ وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها. (٨٦/٢١)
26. يس: ١٩: القراءة المجوّزة للطبري: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ. القراءة غير الجائزة: أَنْ ذُكِّرْتُمْ (أبو جعفر). عبارة الطبري: والقراءة التي لا نجيز القراءة بغيرها القراءة التي عليها قراء الأمصار، وهي دخول ألف الاستفهام على حرف الجزاء وتشديد الكاف. (١٠٢/٢٢)
27. الصافات: ٦: القراءة المجوّزة للطبري: بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ. القراءة غير الجائزة: الكواكبَ (شعبة)/ بزينةٍ الكواكبِ. عبارة الطبري: فأما النصب في الكواكب والرفع، فلا أستجيز القراءة بهما. (٢٤/٢٣)
28. غافر: ٣٧: القراءة المجوّزة للطبري: فَأَطَّلِعُ. القراءة غير الجائزة: فَأَطَّلِعَ (حفص). عبارة الطبري: والقراءة التي لا أستجيز غيرها الرفع في ذلك. (٤٣/٢٤)
29. الحجرات: ١: القراءة المجوّزة للطبري: لَا تُقَدِّمُوا. القراءة غير الجائزة: لا تَقَدَّموا (يعقوب). عبارة الطبري: وبضم التاء من قوله «لا تقدموا قرأ قراء الأمصار» قرأ قراء الأمصار وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها. (٧٤/٢٦)
30. الحشر: ٧: القراءة المجوّزة للطبري: دُولَةً. القراءة غير الجائزة: دُولةً (أبو جعفر، هشام عن ابن عامر)/ دَولةً. عبارة الطبري: والقراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك «كَيْ لا يَكُونَ» بالياء «دُولَةً» بضم الدال ونصب الدولة. (٢٦/٢٨ – ٢٧)
31. المعارج: ١٦: القراءة المجوّزة للطبري: نَزَّاعَةً. القراءة غير الجائزة: نَزَّاعَةً (حفص). عبارة الطبري: و «نَزَّاعَةً» ابتداء، فذلك رفع، ولا يجوز النصب في القراءة. (٤٨/٢٩)
32. القيامة: ١: القراءة المجوّزة للطبري: لَا أُقْسِمُ. القراءة غير الجائزة: لَأُقْسِمُ (ابن كثير). عبارة الطبري: قد دللنا على أن قراءة من قرأ الحرف الأول «لأقسم» بوصل اللام بأقسم قراءة غير جائزة. (١٠٩/٢٩)
33. المرسلات: ٣٣: القراءة المجوّزة للطبري: جِمَالَتٌ/ جِمَالَاتٌ. القراءة غير الجائزة: جِمَالَاتُ (رويس عن يعقوب). عبارة الطبري: فأما ضم الجيم فلا أستجيزه. (١٤٨/٢٩)
٣. تحليل أداء الطبري تجاه القراءات العشر
يمكن تحليل التقرير والإحصائيات المقدمة أعلاه من زوايا مختلفة، ولكن ما يهمنا هنا هو إظهار هذه الحقيقة: أولاً، أن الرأي المشهور عند أهل السنة القائل بتواتر كل قراءة من القراءات العشر (الزرقاني، دون تاريخ، ٤٣٤/١) يفتقر إلى السند التاريخي؛ فلو كانت هذه القراءات متواترة، لما كان الطبري، وهو عالم بالقراءات المختلفة وصاحب مصنف مستقل فيها، جاهلاً بها؛ فكيف وصف البعض في القرون اللاحقة جميع القراءات العشر بأنها متواترة، في حين كان الطبري، وهو من علماء القراءة في القرن الثالث الهجري، جاهلاً بمثل هذا التواتر لهذه القراءات؟ وعندما لم تكن أي من القراءات العشر في القرون الهجرية الأولى لدى كبار علماء القراءة مثل الطبري ذات سند متواتر، فكيف يمكن أن ينشأ مثل هذا التواتر في سند هذه القراءات في القرون اللاحقة؟
ثانياً، إن أداء الطبري ينقض الرأي المتأخر عند الشيعة؛ وهو رأي ابتكره المرحوم البلاغي في القرن الرابع عشر الهجري واشتهر على يد آية الله معرفت، والذي بموجبه، تعتبر رواية حفص عن قراءة عاصم قراءة متواترة منذ صدر الإسلام، بل تفوق التواتر، حيث نقلها جميع المسلمين في كل عصر وفي كل الطبقات (انظر: البلاغي، ١٤٢٠، ٢٩/١؛ معرفت، ١٣٨١، ٢٤٦-٢٤٧)[4]؛ فلو كانت قراءة عاصم برواية حفص في عصر الطبري تتمتع بمثل هذا النقل المتواتر والإجماع بين المسلمين، لما نفى الطبري جوازها؛ خاصة وأن الطبري قدّم دليله الرئيسي في عدم إجازة القراءات المذكورة في معظم الحالات بأنه مخالف للإجماع.
د. منهج الطبري تجاه رواية حفص عن عاصم
أحد القراء الذين نقل الطبري عنهم كثيراً في تفسيره هو عاصم بن أبي النجود. كان عاصم يعلم قراءته في مسجد الكوفة بشكل عام، وكان له تلاميذ كثر؛ ولكن أبرز تلاميذه، أبو بكر بن عياش (شعبة)، كان مشهوراً وموثوقاً به في نقل قراءة عاصم لدرجة أن بعض الرواة كانوا لا يروون قراءة عاصم بسبب استيائهم من مخالفته له. على سبيل المثال، قال حسين الجعفي، الذي وصفه الكسائي وابن إدريس بأنه أقرأ الناس (ابن الجزري، ١٣٥١: ١/٤٠٩): “كنت أريد أن أتعلم قراءة عاصم من حماد بن عمرو الأسدي، ولكني كرهت أن أخالف أبا بكر بن عياش، فتركت ذلك” (ابن الجزري، ١٣٥١: ١/٢٥٩).
اعتمد الطبري أيضاً في تفسيره على أبي بكر بن عياش (شعبة)، وبالإضافة إلى أنه صرح باسم أبي بكر بن عياش في نقل قراءة عاصم في بعض المواضع (الطبري، ١٤١٢: ١٥٦/١٥؛ ٥٢/٢٥)، فإنه، بناءً على الأدلة التي ستأتي، تجاهل تماماً رواية الآخرين، ومنهم حفص، في نقل قراءة عاصم.
كما نقل الطبري أحاديث تفسيرية كثيرة عن طريق أبي بكر بن عياش (الطبري، ١٤١٢: ٩/١، ٧٧، ٣٧٦، ٤٣٤؛ ٣/٣، ٨٤، ١٠١، ١١٨، ١٣٨؛ ١٣٣/٣؛ ٥٧/٤،…)، بل إنه أحياناً أورد آراء شعبة التفسيرية (الطبري، ١٤١٢: ٥٤/٢، ١٠٠، ١٧٣، ١٧٤؛ ١٨٥/٧؛ ١٣٤/١٣-١٣٥؛ ١٠٨/٢٩).
في المقابل، لم يكن منهج الطبري تجاه حفص كمنهجه تجاه شعبة. ذكر الطبري ثلاث روايات تفسيرية ورد في سندها اسم “حفص بن سليمان”، ويُظهر الانتباه إلى الراوي والمروي عنه في هذا السند أن المقصود بهذا الشخص في روايتين من هذه الروايات الثلاث هو حفص بن سليمان الكوفي (الطبري، ١٤١٢: ٤٠٤/٢؛ ٦٤/١١)، أما المقصود في الرواية الثالثة فهو حفص بن سليمان المنقري البصري الذي روى تلك الرواية عن الحسن البصري (الطبري، ١٤١٢: ١٤٦/٧).
بالطبع، نقل الطبري رواية أخرى أيضاً عن حفص بن سليمان الكوفي، راوي عاصم، وقد ورد في سند هذه الرواية ذكره بلقب “حفص الغاضري” (الطبري، ١٤١٢: ٨١/٦). وهذا اللقب هو لحفص الكوفي، وهو لقب استخدمه تلميذه علي بن يزيد الصدائي بهدف التدليس وإخفاء هوية حفص بن سليمان الكوفي وتغطية ضعف سند الرواية بسبب ضعف حفص (انظر: الخطيب البغدادي، ١٤٠٧: ١٨/٢؛ البكري، ١٤٤٢، ٧١-٧٢).
باستثناء الروايات الثلاث المذكورة التي ورد فيها اسم حفص في سلسلة السند، لم يُعثر على أي أثر له في تفسير الطبري؛ فالطبري لم يذكر اسمه في نقل قراءة عاصم، ولم ينقل عنه أي شيء؛ وبالإضافة إلى ذلك، فإن الشواهد المتعددة التي ستُذكر لاحقًا تُظهر أن الطبري لم يولِ أدنى اهتمام لرواية حفص في نقل قراءة عاصم، وتجاهل روايته تمامًا.
١. عدم إجازة القراءة ببعض الآيات وفقًا لرواية حفص
كما مر، تحدث الطبري في عدد من الآيات صراحةً عن عدم جواز القراءة وفقًا لبعض القراءات، وخمس من هذه القراءات هي قراءات روى فيها حفص قراءة عاصم بنفس الشكل. للإشارة إلى عبارات الطبري الكاملة في هذا الصدد، يتم ترتيب كل من هذه المواضع في الجدول التالي:
1. البقرة: ٢٨٢؛ عاصم (حفص وشعبة): تِجَارَةً: عبارة الطبري: فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق وعامة القراء «إلا أن تكون تجارة حاضرة» بالرفع وانفرد بعض قراء الكوفيين فقرأه بالنصب؛ وذلك وإن كان جائزا في العربية… فإن الذي أختار من القراءة ثم لا أستجيز القراءة بغيره، الرفع في «التجارة الحاضرة»، لإجماع القراء على ذلك وشذوذ من قرأ ذلك نصبا عنهم ولا يعترض بالشاذ على الحجة. (٨٧/٣)
2. الحج: ٢٥؛ حفص: سَوَاءً: عبارة الطبري: وأما قوله «سواء العاكف فيه» فإن قراء الأمصار على رفع «سواء»… وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأه «سواءً» نصبا على إعمال «جعلناه» فيه؛ وذلك وإن كان له وجه في العربية، فقراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القراء على خلافه. (١٠٣/١٧)
3. الأحزاب: ١٣؛ حفص: لَا مُقَامَ: عبارة الطبري: والقراءة على فتح الميم من قوله «لا مقام لكم» بمعنى «لا موضع قيام لكم»؛ وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها، لإجماع الحجة من القراء عليها؛ وذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ ذلك «لا مُقامَ لَكُمْ» بضم الميم، يعني: لا إقامة لكم. (٨٦/٢١)
4. غافر: ٣٧؛ حفص: فَأَطَّلِعَ: عبارة الطبري: اختلف القراء في قراءة قوله «فَأَطَّلِعَ» فقرأت ذلك عامة قراء الأمصار «فأطلع» بضم العين، ردا على قوله «أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ» وعطفا به عليه؛ وذكر عن حميد الأعرج أنه قرأ «فَأَطَّلِعَ» نصبا جوابا لـ«لعل»… والقراءة التي لا أستجيز غيرها الرفع في ذلك، لإجماع الحجة من القراء عليه. (٤٣/٢٤)
5. المعارج: ١٦؛ حفص: نَزَّاعَةً: عبارة الطبري: و «نَزَّاعَةً» ابتداء، فذلك رفع، ولا يجوز النصب في القراءة، لإجماع قراء الأمصار على رفعها ولا قارئ قرأ كذلك بالنصب؛ وإن كان للنصب في العربية وجه. (٤٨/٢٩)
كما يلاحظ، استند الطبري في نفي جواز القراءة في جميع هذه المواضع إلى إجماع القراء. ومن المثير للاهتمام أن الطبري لم يذكر اسم حفص في أي من هذه المواضع، وحتى عندما أشار إلى قراءة “نزاعةً”، التي انفرد بها حفص بين القراء المشهورين وغير المشهورين، قال: لا يوجد قارئ قرأ هكذا بالنصب، على الرغم من أن للنصب وجهًا من الناحية اللغوية.
بالطبع، لا تقتصر مواضع نفي جواز قراءة عاصم على رواية حفص؛ فهناك أربع من القراءات التي لم يجزها الطبري تتوافق مع رواية شعبة عن عاصم؛ وهي قراءة “تِجَارَةً” (البقرة: ٢٨٢) بالنصب (الطبري، ١٤١٢: ٨٧/٣)، وقراءة “يَقولون” (البقرة: ١٤٠) بالياء (الطبري، ١٤١٢: ٤٤٦/١)، وقراءة “نُجِّي” (الأنبياء: ٨٨) بنون واحدة وتشديد الجيم (الطبري، ١٤١٢: ٦٥/١٧-٦٦)، وقراءة “الْكَوَاكِبَ” (الصافات: ٦) بالنصب (الطبري، ١٤١٢: ٢٤/٢٣)، وهي قراءات رواها شعبة عن عاصم، ولم يجزها الطبري.
٢. تجاهل رواية حفص في نقل قراءة عاصم
نقل الطبري في تفسيره قراءة عاصم مرارًا، ويُظهر الانتباه إليها في المواضع التي اختلف فيها حفص وشعبة في نقل قراءة عاصم أن الطبري كان يورد قراءة عاصم برواية شعبة ويتجاهل رواية حفص تمامًا؛ وكأن الطبري لم يكن يعتقد بوجود راوٍ آخر لعاصم. المواضع التي أورد فيها الطبري رواية شعبة على أنها “قراءة عاصم” دون أي اعتبار لرواية حفص، تُعرض في الجدول التالي:
1. آل عمران: ١٥: رواية حفص: رِضْوَان. رواية شعبة: رُضْوَان. عبارة الطبري: فأما الرضوان بضم الراء فهو لغة قيس وبه كان عاصم يقرأ. (١٣٨/٣)
2. الأعراف: ١٣٧: رواية حفص: يَعْرِشُونَ. رواية شعبة: يَعْرُشُونَ. عبارة الطبري: فقرأته عامة قراء الحجاز والعراق «يَعْرِشُونَ» بكسر الراء، سوى عاصم بن أبي النجود، فإنه قرأه بضمها. (٣١/٩)
3. النحل: ٦٦: رواية حفص: نُسْقِيكُمْ. رواية شعبة: نَسْقِيكُمْ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة سوى أبي جعفر، ومن أهل العراق عاصم: «نسقيكم» بفتح النون. (٨٨/١٤)
4. الكهف: ٥٩: رواية حفص: لِمَهْلِكِهِمْ. رواية شعبة: لِمَهْلَكِهِمْ. عبارة الطبري: قرأه عاصم «لمهلكهم» بفتح الميم واللام. (١٧٥/١٥)
5. طه: ١٣٠: رواية حفص: لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ. رواية شعبة: لعلک تُرضی. عبارة الطبري: كان عاصم والكسائي يقرآن ذلك «لعلك تُرضى» بضم التاء. (١٦٨/١٦)
6. الأنبياء: ٨٠: رواية حفص: لِتُحْصِنَكُمْ. رواية شعبة: لتحصنكم. عبارة الطبري: وقرأ شيبة بن نصاح وعاصم بن أبي النجود «لتحصنكم» بالنون. (٤١/١٧)
7. الأنبياء: ٨٨: رواية حفص: نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ. رواية شعبة: نجي المؤمنين. عبارة الطبري: فقرأت ذلك قراء الأمصار سوى عاصم بنونين الثانية منهما ساكنة… وقرأ ذلك عاصم «نُجى المؤمنين» بنون واحدة وتثقيل الجيم وتسكين الياء. (٦٥/١٧)
8. الحج: ٦٢: رواية حفص: أَنَّ مَا يَدْعُونَ. رواية شعبة: أن ما تدعون. عبارة الطبري: قرأته عامة قراء العراق غير عاصم بالياء على وجه الخبر. (١٣٧/١٧)
9. المؤمنون: ١٤: رواية حفص: عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ. رواية شعبة: عَظْمًا فكسونا الْعَظْمَ. عبارة الطبري: وكان عاصم وعبد الله يقرآن ذلك «عظما» في الحرفين على التوحيد جميعا. (٨/١٨)
10. المؤمنون: ٢٩: رواية حفص: مُنْزَلًا مُبَارَكًا. رواية شعبة: مَنْزِلًا. عبارة الطبري: وقرأه عاصم «منزلا» بفتح الميم وكسر الزاي. (١٤/١٨)
11. النور: ٣٦: رواية حفص: يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا. رواية شعبة: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا. عبارة الطبري: فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار «يُسَبِّحُ لَهُ» بضم الياء وكسر الباء… سوى عاصم وابن عامر، فإنهما قرءا ذلك «يُسبِّح له» بضم الياء وفتح الباء، على ما لم يسم فاعله. (١١٢/١٨)
12. النور: ٥٥: رواية حفص: كَمَا اسْتَخْلَفَ. رواية شعبة: كَمَا اسْتُخْلِفَ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عاصم: «كما استخلف» بضم التاء وكسر اللام، على مذهب ما لم يسم فاعله. (١٢٢/١٨)
13. النور: ٥٥: رواية حفص: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ. رواية شعبة: وَلَيُبْدِلَنَّهُمْ. عبارة الطبري: فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار سوى عاصم «وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ» بتشديد الدال… وكان عاصم يقرؤه «وليبدلنهم» بتخفيف الدال. (١٢٢/١٨)
14. الفرقان: ٦٩: رواية حفص: يُضَاعَفْ… وَيَخْلُدْ. رواية شعبة: يضاعف… ويخلد. عبارة الطبري: فقرأته عامة قراء الأمصار سوى عاصم يُضاعَفْ جزما وَيَخْلُدْ جزما. وقرأه عاصم: «يُضاعَفُ» رفعا «وَ يَخْلُدُ» رفعا. (٢٩/١٩)
15. سبأ: ١٢: رواية حفص: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ. رواية شعبة: ولسليمان الريحُ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عاصم «ولسليمان الريح» رفعا. (٤٧/٢٢)
16. غافر: ٤٦: رواية حفص: السَّاعَةُ أَدْخِلُوا. رواية شعبة: الساعةُ ادخُلُوا. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عاصم وأبو عمرو «ويوم تقوم الساعة ادخلوا» بوصل الألف وسقوطها في الوصل من اللفظ وبضمها إذا ابتدئ بعد الوقف على الساعة. (٤٧/٢٤)
17. محمد: ٣١: رواية حفص: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ… وَنَبْلُوَ. رواية شعبة: وليبلونكم حتى يعلم… ويبلوا. عبارة الطبري: فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار بالنون «نَبْلُوا» و «نَعْلَمَ» و «نبلو» على وجه الخبر من الله جل جلاله عن نفسه، سوى عاصم فإنه قرأ جميع ذلك بالياء. (٣٩/٢٦)
18. الحديد: ١٨: رواية حفص: الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ. رواية شعبة: المصدقين والمصدقات. عبارة الطبري: فقرأته عامة قراء الأمصار خلا ابن كثير وعاصم بتشديد الصاد والدال… وقرأ ابن كثير وعاصم «إن المصدقين والمصدقات» بتخفيف الصاد وتشديد الدال. (١٣٢/٢٧)
19. التحريم: ٨: رواية حفص: تَوْبَةً نَصُوحًا. رواية شعبة: توبة نصوحا. عبارة الطبري: فقرأته عامة الأنصار خلا عاصم «نصوحاً» بفتح النون على أنه من نعت التوبة وصفتها؛ وذكر عن عاصم أنه قرأه «نصوحا» بضم النون. (١٠٨/٢٨)
20. الجن: ٣: رواية حفص: وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ. رواية شعبة: وإنه تعالى. عبارة الطبري: وأما قراء الكوفة غير عاصم، فإنهم يفتحون جميع ما في آخر سورة النجم وأول سورة الجن إلا قوله «فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا» وقوله «قُلْ إِنَّمَا أَدْعُوا رَبِّي» وما بعده إلى آخر السورة، وأنهم يكسرون ذلك غير قوله «يَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ»؛ وأما عاصم فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله: «وَ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فإنه كان يفتحها». (٦٧/٢٩)
21. الإنسان: ٢١: رواية حفص: خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ. رواية شعبة: خضرٌ واستبرقٌ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عاصم وابن كثير «خضر» خفضا «وَ إِسْتَبْرَقٌ» رفعا. (١٣٧/٢٩)
٣. تجاهل رواية حفص في نقل قراءة قراء الكوفة
تجاهل الطبري في نقل قراءة قراء الكوفة رواية حفص مرارًا، وعندما كانت رواية شعبة عن عاصم تتفق مع قراءة سائر قراء الكوفة مثل حمزة والكسائي، كان يعرّف تلك القراءة بأنها قراءة قراء الكوفة، ولم يكن يعير أي اهتمام أو إشارة إلى رواية حفص المختلفة. أحيانًا كان الطبري يذكر قراءة قراء الكوفة ضمن تعبير عام هو “عامة قراء الأمصار” ويتجاهل رواية حفص المختلفة؛ فمثلاً في الآية ٨٢ من سورة القصص، عرّف قراءة “لَخُسِفَ بنا” بأنها قراءة عموم قراء المدن ما عدا شيبة والحسن البصري (الطبري، ١٤١٢: ٧٨/٢٠)، في حين أن قراءة عاصم برواية حفص هي “لَخَسَفَ بنا”. كما عرّف الطبري في الآية ٣٧ من سورة غافر قراءة “فأطلعُ” بأنها قراءة عموم قراء المدن ما عدا حميد الأعرج (الطبري، ١٤١٢: ٤٣/٢٤)، في حين أن حفصًا رواها عن عاصم بصيغة “فَأَطَّلِعَ”. وكذلك في الآية ٦٣ من سورة طه، عرّف قراءة “إنَّ هذان لساحران” بتشديد “إنَّ” بأنها قراءة عموم قراء المدن (الطبري، ١٤١٢: ١٣٦/١٦)، ولم يلتفت إلى رواية حفص عن عاصم (إن هذان). وأحيانًا كان الطبري يدرج قراءة قراء الكوفة ضمن تعبير “قراء العراق” ولا يشير إلى رواية حفص المختلفة؛ فمثلاً في الآية ١٠٧ من سورة المائدة، عرّف قراءة “استُحِقَّ” بأنها قراءة قراء العراق والحجاز والشام (الطبري، ١٤١٢: ٧٧/٧)، في حين أن عاصم برواية حفص قرأها “استَحَقَّ” (الطبري، ١٤١٢: ٧٧/٧). وكذلك في الآية ٩٤ من سورة الأنعام، أورد قراءة “تقطَّعَ بينكم” بأنها قراءة قراء العراق ومكة (الطبري، ١٤١٢: ١٨٥/٧-١٨٦)، في حين أن رواية حفص عن عاصم هي “تقطَّعُ بينَكم”. وفي الآية ٧١ من سورة الزخرف أيضًا، عرّف قراءة “تشتهي الأنفس” بأنها قراءة عموم قراء العراق (الطبري، ١٤١٢: ٥٨/٢٥)، في حين أن قراءة عاصم برواية حفص هي “تشتهيه الأنفس”.
أما سائر المواضع التي نقلها الطبري بتعابير مثل “أهل الكوفة” أو “الكوفيون”، واعتمد فيها في أخذ قراءة عاصم على رواية شعبة فقط وتجاهل رواية حفص المختلفة، فهي متعددة، وتُعرض في الجدول التالي:
1. البقرة: ٩٨: رواية حفص: جبريلَ وميكالَ. قراءة أهل الكوفة (عاصم برواية شعبة، حمزة، الكسائي): جبرئيلَ وميكائيلَ[5]. عبارة الطبري: أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون «جبرئيل وميكائيل»، على مثال جبرعيل وميكاعيل بفتح الجيم والراء وبهمز وزيادة ياء بعد الهمزة؛ وعلى القراءة بذلك عامة قراء أهل الكوفة. (٣٤٦/١)
2. آل عمران: ٨٣: رواية حفص: يبغونَ – يرجعونَ. قراءة أهل الكوفة: تبغونَ – ترجعونَ. عبارة الطبري: فقرأته عامة قراء الحجاز من مكة والمدينة وقراء الكوفة «أفغير دين الله تبغون»، «و إليه ترجعون» على وجه الخطاب. (٢٣٩/٣)
3. آل عمران: ١٤٠: رواية حفص: قَرْحٌ – قَرْحٍ. قراءة أهل الكوفة: قُرْحٌ – قُرْحٍ. عبارة الطبري: وقرأ عامة قراء الكوفة «إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله» بضم القاف فيهما. (٦٧/٤)
4. المائدة: ٨٩: رواية حفص: عَقَّدْتُمُ. قراءة أهل الكوفة: عقَدْتُم. عبارة الطبري: فقرأته… وقراء الكوفيين «بما عقدتم الأيمان» بتخفيف القاف. (١٠/٧)
5. الأنعام: ١٦: رواية حفص: يُصْرَفْ. قراءة أهل الكوفة: يُصْرَفُ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «من يصرف عنه» بفتح الياء وكسر الراء. (١٠٢/٧)
6. الأنعام: ٥٥: رواية حفص: لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ. قراءة أهل الكوفة: ليستبينَ سبيلُ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة «و ليستبين» بالياء «سبيل المجرمين» برفع السبيل. (١٣٤/٧)
7. الأنعام: ١١٩: رواية حفص: حَرَّمَ. قراءة أهل الكوفة: حُرِّمَ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين «وَ قَدْ فَصَّلَ» بفتح فاء «فصل» وتشديد صاده، «ما حُرم» بضم حائه وتشديد رائه. (١٠/٨)
8. الأعراف: ١٥٠؛ طه: ٩٤: رواية حفص: أمَّ (بفتح الميم). قراءة أهل الكوفة: إمِّ (بكسر الميم). عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة «يا ابن أم» بكسر الميم من الأم. (٤٦/٩)
9. الأنفال: ١٩: رواية حفص: أَنَّ اللَّهَ. قراءة أهل الكوفة: إِنَّ اللَّهَ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفيين والبصريين «و إن الله» بكسر الألف على الابتداء. (١٣٩/٩)
10. الرعد: ٤: رواية حفص: زَرْعٌ وَنَخِيلٌ. قراءة أهل الكوفة: زرعٍ ونخيلٍ. عبارة الطبري: فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة «و زرع ونخيل» بالخفض. (٦٥/١٣)
11. الإسراء: ٧: رواية حفص: لِيَسُوءُوا. قراءة أهل الكوفة: ليسوءَ (الكسائي: لنسوءَ). عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «ليسوء وجوهكم» على التوحيد وبالياء… وقرأ ذلك بعض أهل العربية من الكوفيين (الكسائي) «لنسوء وجوهكم» على وجه الخبر من الله Y عن نفسه. (٢٥/١٥)
12. الإسراء: ٢٣: رواية حفص: أُفٍّ (بتنوين). قراءة أهل الكوفة: أُفِّ (بدون تنوين). عبارة الطبري: وأما الذين خفضوا بغير تنوين وهي قراءة عامة قراء الكوفيين والبصريين، فإنهم قالوا… (٤٨/١٥)
13. الكهف: ٨٦: رواية حفص: حَمِئَةٍ. قراءة أهل الكوفة: حامية. عبارة الطبري: وقرأته جماعة من قراء المدينة وعامة قراء الكوفة «في عين حامية». (٩/١٦)
14. طه: ٨٧: رواية حفص: حُمِّلْنَا. قراءة أهل الكوفة: حَمَلْنا. عبارة الطبري: وقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة وبعض المكيين «حَمَلنا» بتخفيف الحاء والميم وفتحهما. (١٤٨/١٦)
15. الأنبياء: ٩٥: رواية حفص: حَرَامٌ. قراءة أهل الكوفة: حِرْمٌ. عبارة الطبري: فقرأته عامة قراء أهل الكوفة «و حرم» بكسر الحاء. (٦٨/١٧)
16. النور: ٣٥: رواية حفص: يُوقَدُ. قراءة أهل الكوفة: تُوقَدُ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «تُوقَدُ» بضم التاء وتخفيف القاف ورفع الدال. (١٠٩/١٨)
17. النور: ٥٨: رواية حفص: ثَلَاثُ. قراءة أهل الكوفة: ثَلَاثَ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «ثلاث عورات» بنصب «الثلاث». (١٢٥/١٨)
18. الفرقان: ١٧: رواية حفص: يُحْشَرُهُمْ. قراءة أهل الكوفة: نَحْشُرُهُمْ. عبارة الطبري: وقرأته عامة قراء الكوفيين «نحشرهم» بالنون. (١٤٢/١٨)
19. الفرقان: ٧٥: رواية حفص: يُلَقَّوْنَ. قراءة أهل الكوفة: يَلْقَوْنَ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «و يلقون» بفتح الياء وتخفيف القاف. (٣٥/١٩)
20. الشعراء: ١٩٣: رواية حفص: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. قراءة أهل الكوفة: نَزَّلَ به الروحَ الأمينَ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة «نَزَّلَ» مشددة الزاي «الرُّوحَ الْأَمِينَ» نصبا. (٦٨/١٩)
21. القصص: ٣٢: رواية حفص: الرُّهْبِ. قراءة أهل الكوفة: الرُّعْبِ. عبارة الطبري: وقرأته عامة قراء الكوفة من «الرهب» بضم الراء وتسكين الهاء. (٤٧/٢٠)
22. لقمان: ٢٠: رواية حفص: نِعَمَهُ. قراءة أهل الكوفة: نِعْمَةً. عبارة الطبري: فقرأه بعض المكيين وعامة الكوفيين «وأسبغ عليكم نِعْمَةً» على الواحدة. (٤٩/٢١)
23. الزمر: ٦١: رواية حفص: بِمَفَازَتِهِمْ. قراءة أهل الكوفة: بمفازاتهم. عبارة الطبري: وقرأته عامة قراء الكوفة «بمفازاتهم» على الجماع. (١٥/٢٤)
24. فصلت: ٤٧: رواية حفص: ثَمَرَاتٍ. قراءة أهل الكوفة: ثَمَرَتٍ. عبارة الطبري: وقرأته قراء الكوفة «من ثمرة» على لفظ الواحدة. (٢/٢٥)
25. الزخرف: ٥٣: رواية حفص: أَسْوِرَةٌ. قراءة أهل الكوفة: أساورة. عبارة الطبري: فقرأته عامة قراء المدينة والبصرة والكوفة «فلو لا ألقي عليه أساورة من ذهب». (٤٩/٢٥)
26. المجادلة: ١١: رواية حفص: فَانْشُزُوا. قراءة أهل الكوفة: فَانْشِرُوا. عبارة الطبري: فقرأته عامة قراء المدينة «فَانْشُزُوا» بضم الشين وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة بكسرها. (١٤/٢٨)
27. المزمل: ٩: رواية حفص: رَبُّ الْمَشْرِقِ. قراءة أهل الكوفة: ربِّ المشرق. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بالخفض على وجه النعت. (٨٤/٢٩)
28. المدثر: ٥: رواية حفص: الرِّجْزَ. قراءة أهل الكوفة: الرُّجْزَ. عبارة الطبري: وعامة قراء الكوفة «والرجز» بكسر الراء. (٩٢/٢٩)
29. القيامة: ٣٧: رواية حفص: يُمْنَىٰ. قراءة أهل الكوفة: تُمْنىٰ. عبارة الطبري: فقرأه عامة قراء المدينة والكوفة «تمنى» بالتاء. (١٢٥/٢٩)
30. الإنسان: ٤: رواية حفص: سَلَاسِلَ – قَوَارِيرَ – قَوَارِيرَ. قراءة أهل الكوفة: سلاسلاً – قواريرًا قواريرًا (ما عدا حمزة). عبارة الطبري: فقرأ ذلك عامة قراء المدينة والكوفة غير حمزة «سلاسلاً» و«قواريراً قواريراً» بإثبات الألف والتنوين وكذلك هي في مصاحفهم؛ وكان حمزة يسقط الألفات من ذلك كله ولا يجرى شيئا منه. (١٣٣/٢٩)
31. النازعات: ١١: رواية حفص: نَخِرَةً. قراءة أهل الكوفة: نَاخِرَةً. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «ناخرة» بألف. (٢٣/٣٠)
32. التكوير: ١٢: رواية حفص: سُعِّرَتْ. قراءة أهل الكوفة: سُعِرَتْ. عبارة الطبري: وقرأته عامة قراء الكوفة بالتخفيف. (٤٧/٣٠)
33. الهمزة: ٩: رواية حفص: فِي عَمَدٍ. قراءة أهل الكوفة: فِي عُمُدٍ. عبارة الطبري: وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة «في عُمد» بضم العين والميم. (١٩٠/٣٠)
تُظهر هذه النماذج أن الطبري في أخذ ونقل قراءة عاصم كأحد قراء الكوفة، كان يعتمد فقط على رواية شعبة، ولم يطرح رواية حفص حتى كاحتمال لقراءة عاصم؛ وكأن الخلاف في نقل قراءة عاصم لم يكن موجودًا أساسًا، وأن قراءة عاصم هي نفسها التي رواها شعبة.
٤. تجاهل قراءات حفص المنفردة
إن دراسة القراءات التي تخالف فيها رواية حفص قراءة معظم القراء، وفي بعضها تُعد رواية حفص منفردة بين القراء السبعة أو العشرة أو الأربعة عشر، تُعد شاهدًا آخر على نفس المنهج اللامبالي من الطبري تجاه رواية حفص.
تُظهر ملاحظة أداء الطبري في مواجهة هذا النوع من قراءات حفص أنه في الحالات التي يوجد فيها، إلى جانب قراءة حفص، قارئ آخر، سواء كان من القراء غير المشهورين أو من النقولات غير المشهورة عن الصحابة والتابعين، كان الطبري ينسب تلك القراءة إلى ذلك القارئ غير المشهور، دون أن يذكر اسم حفص.
على سبيل المثال، نسب الطبري في الآية ٣٧ من سورة غافر قراءة “فأطلعَ”، وهي قراءة حفص المنفردة بين القراء الأربعة عشر، إلى حميد الأعرج ولم يذكر اسم حفص (الطبري، ١٤١٢: ٤٣/٢٤). وكذلك في الآية ١٣ من سورة الأحزاب، ذكر قراءة “لا مُقامَ”، التي انفرد بها حفص بين القراء الأربعة عشر، كنقل عن أبي عبد الرحمن السلمي (الطبري، ١٤١٢: ٨٦/٢١). حتى في الآية ١٦ من سورة المعارج، حيث قراءة “نزاعةً” هي قراءة حفص المنفردة بين جميع القراء، لم ينسبها الطبري إلى حفص، بل قال إنه لم يقرأ أحد من القراء بهذه الطريقة (الطبري، ١٤١٢: ٤٨/٢٩).[6]
في بعض الحالات الأخرى التي تكون فيها قراءة حفص منفردة بين القراء السبعة ولكن لها موافقون بين القراء الأربعة عشر، يكون منهج الطبري هو عدم ذكر حفص؛ فمثلاً في الآية ٢٣ من سورة يونس، قراءة “متاعَ” التي هي بين القراء الأربعة عشر قراءة حفص والحسن البصري فقط، نسبها الطبري فقط إلى عبد الله بن أبي إسحاق ولم يذكر حفصًا (الطبري، ١٤١٢: ٧١/١١). وكذلك في الآية ٨٢ من سورة القصص، قراءة “لَخَسَفَ” التي هي بين القراء الأربعة عشر قراءة حفص ويعقوب والحسن البصري، نقلها الطبري عن شيبة والحسن البصري (الطبري، ١٤١٢: ٧٨/٢٠)، وفي الآية ٥٣ من سورة الزخرف، قراءة “أسورة” التي هي من بين القراء الأربعة عشر قراءة حفص ويعقوب والحسن البصري، نقلها فقط عن الحسن البصري (الطبري، ١٤١٢: ٤٩/٢٥).
بناءً على ذلك، تجاهل الطبري تمامًا حفصًا في نقل قراءات “لا مُقامَ” و”فأطلعَ” و”نزاعةً” التي انفرد بها حفص بين القراء الأربعة عشر، وكذلك في نقل قراءات “متاعَ” و”لَخَسَفَ” و”أسورة” التي انفرد بها حفص بين القراء السبعة، وفضّل أن يورد هذه القراءات عن آخرين.
كما يُلاحظ أن الطبري في بعض الحالات، على الرغم من أنه في مقام نقل القراءات المختلفة لآية ما، يتجاهل تمامًا قراءة حفص المنفردة ولا ينقلها. على سبيل المثال، يذكر الطبري في الآية ٥٩ من سورة الكهف قراءتي “لِمُهْلَكِهم” و”لِمَهْلَكِهم”، لكنه لا يشير إلى قراءة حفص “لِمَهْلِكِهم” (الطبري، ١٤١٢: ١٧٥/١٥). وكذلك يذكر الطبري في الآية ٢٥ من سورة مريم أربع قراءات: “تَسَّاقَطْ” و”تُسَاقِطْ” و”يَسَّاقَطْ” و”تُسْقِطْ”، لكنه لا ينقل قراءة حفص “تُساقِطْ” (الطبري، ١٤١٢: ٥٥/١٦). وفي الآية ٣٢ من سورة القصص أيضًا، يذكر قراءتي “الرَّهَب” و”الرُّهْب” ولا يذكر قراءة حفص “الرَّهْب” (الطبري، ١٤١٢: ٤٦/٢٠-٤٧).[7]
كما أن الطبري في كثير من الحالات، لم يشر أساسًا إلى قراءات حفص المنفردة، وفي تفسير الآية أيضًا، فسر الآية فقط وفقًا للقراءة المشهورة، متجاهلاً قراءة حفص المختلفة. وهذه المواضع تُعرض في الجدول التالي:
1. الأعراف: ١٢٣: قراءة حفص: آمَنْتُمْ. المشهورة: أَآمَنْتُمْ. عبارة الطبري: يقول أصدقتم بموسى وأقررتم بنبوته؟ توضيح السند: في تفسير الآية، انعكست همزة الاستفهام (أ)، مما يتوافق مع القراءة المشهورة. (١٦/٩)
2. يونس: ٤٥: قراءة حفص: يَحْشُرُهُمْ. المشهورة: نَحْشُرُهُمْ. عبارة الطبري: يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المشركين فنجمعهم في موقف الحساب. توضيح السند: فعلا “نحشر” و”فنجمعهم” في تفسير الآية بصيغة المتكلم، يتوافقان مع القراءة المشهورة. (٨٤/١١)
3. هود: ٤٠: قراءة حفص: كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ. المشهورة: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ. عبارة الطبري: فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من أمره الله وكانوا قليلا كما قال الله، وحمل فيها من كل زوجين اثنين. توضيح السند: لم يقدر الطبري مضافًا إليه محذوفًا لـ«كل»، بل اعتبر «زوجين» نفسها مضافًا إليه، مما يتوافق مع القراءة المشهورة. (٢٣/١٢)
4. يوسف: ١٠٩: قراءة حفص: نُوحِي. المشهورة: يُوحَىٰ. عبارة الطبري: يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القرى. توضيح السند: فعل «يوحى» في تفسير الآية يتناسب مع القراءة المشهورة. (٥٣/١٣)
5. طه: ٧١: قراءة حفص: آمَنْتُمْ. المشهورة: أَآمَنْتُمْ. عبارة الطبري: يقول جل ثناؤه: وقال فرعون للسحرة: أصدقتم وأقررتم لموسى بما دعاكم إليه… توضيح السند: في تفسير الآية، انعكست همزة الاستفهام (أ)، مما يتوافق مع القراءة المشهورة. (١٤١/١٦)
6. الأنبياء: ١١٢: قراءة حفص: قَالَ. المشهورة: قُلْ. عبارة الطبري: يقول تعالى ذكره: قل يا محمد: يا رب افصل بيني وبين من كذبني من مشركي قومي. توضيح السند: فعلا «قل» و«افصل» بصيغة الأمر يتوافقان مع القراءة المشهورة. (٨٤/١٧)
7. المؤمنون: ٢٧: قراءة حفص: كُلٍّ زَوْجَيْنِ. المشهورة: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ. عبارة الطبري: يقول لنوح: اجعل في السفينة من كل زوجين اثنين. توضيح السند: لم يقدر الطبري مضافًا إليه محذوفًا لـ«كل»، بل اعتبر «زوجين» نفسها مضافًا إليه، مما يتوافق مع القراءة المشهورة. (١٤/١٨)
8. النور: ٩: قراءة حفص: الْخَامِسَةَ. المشهورة: وَالْخَامِسَةُ. عبارة الطبري: رفع قوله «وَالْخامِسَةُ» في كلتا الآيتين بـ«أنّ» التي تليها. توضيح السند: اعتبر الطبري رفع «الخامسة» أمرًا مسلمًا به، وذكر وجهه فقط. (٦٨/١٨)
9. الفرقان: ١٩: قراءة حفص: تَسْتَطِيعُونَ. المشهورة: يَسْتَطِيعُونَ. عبارة الطبري: يقول: فما يستطيع هؤلاء الكفار صرف عذاب الله حين نزل بهم عن أنفسهم… توضيح السند: تعبيران بصيغة الغائب «يستطيع» و«بهم» يتوافقان مع القراءة المشهورة بصيغة الغائب. (١٤٣/١٨)
10. سبأ: ٤٠: قراءة حفص: يَحْشُرُهُمْ – يَقُولُ. المشهورة: نَحْشُرُهُمْ – نَقُولُ. عبارة الطبري: يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء الكفار بالله جميعا، ثم نقول للملائكة… توضيح السند: فعلا «نحشر» و«نقول» في تفسير الآية بصيغة المتكلم يتوافقان مع القراءة المشهورة. (٦٩/٢٢)
٥. تحليل أداء الطبري تجاه رواية حفص
إن ملاحظة أداء الطبري بخصوص رواية حفص عن قراءة عاصم تكشف حقيقة أنه لم يكن يعتبر رواية حفص رواية متواترة أو صحيحة، بل إنه لم يقبلها حتى في مستوى القراءات والنقولات الشاذة وغير المشهورة، وأعرض عن الاهتمام بها ونقلها تمامًا.
إن أداء الطبري يعكس كون حفص متروكًا في القراءة، كما أنه متروك في الحديث، وقد أجمع علماء الرجال على أنه ضعيف ومتروك. لقد صرح عامة علماء الحديث والرجال بضعف حفص وتركه؛ ومنهم يحيى بن معين (ت ٢٣٣هـ) (ابن معين، ١٤٠٠: ٩٧)، وأحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) (أحمد بن حنبل، ١٤٠٨: ٣٨٠/٢)، والبخاري (ت ٢٥٦هـ) (البخاري، دون تاريخ، ٣٦٣/٢؛ ١٤٠٤، ٣١؛ ١٤١٨: ١٨٤/٢)، وأبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤هـ) (أبو زرعة، ١٤٠٢: ٥٠١/١-٥٠٢)، وأبو حاتم الرازي (ت ٢٧٧هـ) (انظر: ابن أبي حاتم، ١٣٧٣: ١٧٣/٣، ١٧٩-١٨٠)، ومسلم (ت ٢٦١هـ) (مسلم، ١٤٠٤، ٥٤٠/١)، والترمذي (ت ٢٧٩هـ) (الترمذي، دون تاريخ، ١٧١/٥)، والنسائي (ت ٣٠٣هـ) (النسائي، ١٣٩٦: ٣١)، والعقيلي (ت ٣٢٢هـ) (العقيلي، ١٤٠٤: ٢٧٠/١)، وابن عدي (ت ٣٥٦هـ) (ابن عدي، ١٤٠٥: ٣٨٢/٢، ٣٤٦/٦، ١٢/٧)، وابن حبان (ت ٣٥٤هـ) (ابن حبان، ١٤٠٣: ١٩٥/٦)، والدارقطني (ت ٣٨٥هـ) (الدارقطني، ١٣٨٦: ٢٦٣/٢)، وابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦هـ) (ابن حزم، دون تاريخ، ٣٧٢/٨، ٢٠١/٩)، والبيهقي (ت ٤٥٨هـ) (البيهقي، دون تاريخ، ٢٤٣/٢، ١٠٩/٥، ١٤٦؛ ١٤١٠: ٣٣٩/٢، ٥٥٣، ٤٨٩/٣؛ ١٤١٢، السنن الصغير، ٢٣٢/١؛ ١٤١٢، معرفة السنن، ٥٠٥/٧).
وقد وجه بعض علماء الرجال تضعيفات أشد لحفص تفوق كونه متروكًا؛ فقد أقسم عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨هـ) بأنه لا يجوز الرواية عنه (انظر: ابن الجوزي، ١٣٨٨: ١٨٠/٣؛ ابن حجر، ١٤٠٤: ٣٤٥/٢)، ووصفه يحيى بن معين (ت ٢٣٣هـ) بأنه كذاب (ابن معين، ١٤٠٥: ٥٤/١، ١١٣)، كما وصفه عبد الرحمن بن يوسف بن خراش (ت ٢٨٣هـ) بأنه كذاب وضّاع للحديث (الخطيب البغدادي، دون تاريخ، ١٨٨/٨؛ ابن الجوزي، ١٣٨٨: ٢٢١/١)، وقال عنه ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل (ابن حبان، دون تاريخ، ٢٥٥/١).
وبالطبع، في القرون اللاحقة وبعد ظهور وانتشار نظرية تواتر القراءات السبع والعشر تدريجيًا، والتي أُدرجت ضمنها رواية حفص عن عاصم، أسس بعض العلماء المتأخرين مثل الذهبي (ت ٧٤٨هـ) ثم ابن حجر (ت ٨٥٢هـ) رأيًا جديدًا في علم الرجال وروّجوا له، وبالفصل بين وضعه الرجالي في الحديث والقراءة، ادعوا أن حفصًا على الرغم من ضعفه وتركه في الحديث، إلا أنه ثبتٌ في القراءة! (الذهبي، ١٤١٠: ٣٦٠/٥؛ ١٣٨٣، ٥٥٨/١؛ ١٣٨٧: ٩٤؛ ١٤١٣: ٣٤١/١؛ ابن حجر، ١٤٠٦: ١٧٢).
على كل حال، إن أداء الطبري في إعراضه التام عن رواية حفص يعكس كونه متروكًا في القراءة كما هو متروك في الحديث. ومن المثير للاهتمام أن الفراء (ت ٢٠٧هـ) قبله كان له أداء مشابه لأداء الطبري، حيث اعتمد في نقل قراءة عاصم على شعبة فقط وتجاهل رواية حفص تمامًا (انظر: شريفي نسب وبابايي، ١٣٩٧: ٤١، ٤٧-٥٣).
الخاتمة
إن أداء المفسرين المتقدمين مثل الفراء (ت ٢٠٧هـ) والطبري (ت ٣١٠هـ) يكشف حقيقة أنه قبل ابن مجاهد (ت ٣٢٤هـ)، لم يكن حفص متروكًا في الحديث فحسب، بل في القراءة أيضًا؛ ولكن عندما نقل ابن مجاهد روايته كواحدة من الروايات الأربع عشرة عن القراء السبعة في كتابه، خرجت رواية حفص تدريجيًا من عزلتها المطلقة ووجدت طريقها إلى كتب القراءات والتفسير. ومع ذلك، لم تشع رواية حفص أبدًا، حتى في فترة زمنية محدودة وفي مدينة معينة، حتى جاء الدعم من الإمبراطورية العثمانية التي، مع اختراع آلة الطباعة والنسخ غير المسبوق للقرآن برواية حفص، انتشرت هذه الرواية تدريجيًا في مختلف المدن.
1. أولى الطبري اهتمامًا بالقراءات المختلفة، سواء كانت قراءات القراء السبعة أو العشرة أو الأربعة عشر، وهذا الاهتمام من الطبري وذكره لقراءة كل من هؤلاء القراء مع التصريح بأسمائهم، يدل على أنهم من وجهة نظر الطبري كانوا يتمتعون بمكانة اختيار القراءة والتخصص فيها؛ باستثناء يعقوب وخلف (من القراء العشرة) واليزيدي (من القراء الأربعة عشر) الذين لم ينسب إليهم الطبري في تفسيره قراءة خاصة بهم.
2. لم يجز الطبري في مواضع متعددة تلاوة بعض الآيات وفقًا لبعض القراءات، وثلاث وثلاثون حالة منها هي قراءات قرأ بها بعض القراء العشرة. إن هذا الأداء من الطبري يُظهر أولاً أن القراءات العشر لم تكن متواترة عند الطبري، وثانيًا أن رواية حفص عن قراءة عاصم لم تكن في عصر الطبري ذات نقل متواتر وإجماع بين المسلمين؛ وإلا لما نفى الطبري جوازها؛ خاصة وأن دليله الرئيسي في نفي جواز هذه القراءات كان مخالفتها للإجماع.
3. تجاهل الطبري حفصًا تمامًا في نقل قراءة عاصم (واحد وعشرون نموذجًا) ونقل قراءة قراء الكوفة (أربعون نموذجًا). فالطبري الذي كان يورد حتى القراءات الشاذة وغير المشهورة والنقولات الضعيفة عن الصحابة والتابعين، اتخذ موقفًا لامباليًا تجاه منفردات حفص ولم يشر إليها إطلاقًا (تسعة عشر نموذجًا). إن هذا الأداء من الطبري يُظهر أنه لم يكن يعتبر رواية حفص رواية متواترة أو صحيحة، بل لم يقبلها حتى في مستوى القراءات والنقولات الشاذة وغير المشهورة، وأعرض عن الاهتمام بها ونقلها تمامًا. إن أداء الطبري يعكس كون حفص متروكًا في القراءة، كما أنه متروك في الحديث، وقد أجمع علماء الرجال على أنه ضعيف ومتروك.
4. إن أداء المفسرين المتقدمين على ابن مجاهد (ت ٣٢٤هـ)، مثل الفراء (ت ٢٠٧هـ) والطبري (ت ٣١٠هـ)، يوضح حقيقة أنه قبل ابن مجاهد، لم يكن حفص متروكًا في الحديث فحسب، بل في القراءة أيضًا؛ ولكن عندما نقل ابن مجاهد روايته كواحدة من الروايات الأربع عشرة عن القراء السبعة في كتابه، بدأت رواية حفص تجد طريقها تدريجيًا إلى كتب القراءات والتفسير؛ ورغم ذلك، لم تنتشر رواية حفص على نطاق واسع حتى عدة قرون لاحقة، حتى جاء دعم الإمبراطورية العثمانية التي، مع اختراع آلة الطباعة والنسخ غير المسبوق للقرآن برواية حفص، انتشرت هذه الرواية تدريجيًا في مدن مختلفة.
الهوامش
1. تاريخ الورود: ٠٦/٠٧/١٤٠٢؛ تاريخ القبول: ٢٣/٠٣/١٤٠٣.
2. خريج دكتوراه في علوم القرآن والحديث، جامعة طهران، إيران (المؤلف المسؤول): h.sharifinasab@rihu.ac.ir.
3. أستاذ مساعد في قسم المعارف الإسلامية، جامعة قم للعلوم الطبية، إيران: bahadorirohollah@yahoo.com.
4. مع أن الفخر الرازي والزركشي لم يقبلا بتواتر القراءات، إلا أنهما ذكرا أن تواتر القراءات السبع هو الرأي المشهور عند أهل السنة (انظر: فخر الرازي، 1420، 70/1؛ الزركشي، 1410، 466/1).
5. تجدر الإشارة إلى أن هناك اختلافاً في طرق رواية شعبة لهذه الآية؛ فقد نقل العليمي عن شعبة قراءة “جبرئيل”، ونقل يحيى بن آدم عنه “جبريل” (انظر: الدمياطي: 1422، ص 188).
6. تجدر الإشارة إلى أن طرق رواية شعبة في هذه الآية مختلفة؛ فقد نقلها البعض بكسر الشين، ونقلها آخرون بضمها (انظر: ابن مجاهد، 1400، 629).
7. تجدر الإشارة إلى أن طرق رواية شعبة في هذه الآية مختلفة؛ فقد نقلها العليمي بدون تشديد، ونقلها يحيى بتشديد (الدمياطي، 1422، 573).