الملخص: إن ظهور الأفكار الكلامية المتنوعة، المصحوب بتحركات الفرق والنِّحَل المنحرفة في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، الذي يُعتبر عصر تكوين المذاهب الإسلامية، قد أدى إلى قيام إمام الشيعة، الإمام جعفر الصادق (ع)، بمواجهتها والرد عليها بأساليب مختلفة. فقد اتخذ الإمام (ع) مواقف علمية، فبيّن حقيقة الإسلام، ونفى نظريات المخالفين واستدلالاتهم، وكشف عن مواطن النقص والتناقض في معطياتهم، واختار طريقاً وسطاً ومعتدلاً، وقام بتقديم الأفكار الإسلامية الصحيحة استناداً إلى البراهين العقلية والمستندة إلى السنة الإسلامية. تتناول هذه المقالة، ضمن هذا التوجه، دراسة وتبيين مواقف الإمام (ع)، وتحلل أساليبه ونوع تعامله مع المخالفين فكرياً؛ مع فرضية أن الإمام (ع) قد استعان في مواجهته للمخالفين بالأساليب العلمية والعقلية.
مقدمة
لقد وجدت التيارات العقائدية في عصر الإمام الصادق (ع) مجالاً أوسع للبروز والظهور لأسباب شتى، فكانت تعرض آراءها ونظرياتها العقائدية علانيةً. وهي نِحَلٌ كانت تتعارض أحياناً مع أسس الإسلام. وقد اتخذ الإمام الصادق (ع) بوصفه مرجعاً دينياً مواقف تجاهها بما يتناسب مع مستوى تأثيرها ؛ حيث نفى فئة من المعتقدات بشكل كلي، وأيّد قسماً منها، وبطبيعة الحال أبدى موقفاً وسطاً تجاه بعضها الآخر. وبالطبع، لا يبدو تصنيف المعتقدات أمراً سهلاً، إلا أن هذه المقالة تسعى إلى بيانها استناداً إلى المعطيات التاريخية، وتحديد النِّحَل البارزة منها، لتصوير وتحليل كيفية تعامل الإمام معها.
١. اتخاذ موقف نفي النظريات والاستدلالات
١-١. الاعتقاد بالإمامة بالنص ونفي الإمامة بالاختيار
منذ وفاة النبي (ص)، ظهرت رؤيتان أساسيتان حول الإمامة وقيادة المجتمع الإسلامي؛ رؤية مدرسة أهل البيت (ع) التي تعتقد بالإمامة المنصوص عليها، ومدرسة عامة المسلمين التي تعتقد بالإمامة الاختيارية، وإن كانت فئة مثل الزيدية قد اتجهت فيما بعد إلى رؤية مركبة. فالفريق الأول يرى أن تعيين الخليفة يتم بنص إلهي، يقتصر دور النبي (ص) على إبلاغه فقط. وفي هذه الرؤية، لا دور للناس في تعيين الإمام، وبيعتهم للأئمة ما هي إلا إعلان رضاهم بحكومة أهل البيت (ع). أما الفريق الثاني، فقد ربط تعيين الإمام والحاكم بعد النبي (ص) بإرادة الناس واختيارهم، واعتبره أمراً اختيارياً لا انتصابياً؛ وبذلك، يُنتخب للإمامة الشخص الذي تتفق عليه الأمة أو جماعة معتبرة منها. وبالطبع، يجب أن تتوفر في الإمام المنتخب بعض الشروط العامة، منها أن يكون قرشياً أو هاشمياً. وهذا الرأي هو معتقد جميع المذاهب غير الإمامية تقريباً، وقد تجلّى في الواقع العملي. فهم يعتقدون أن النبي (ص) لم يعين أي شخص لخلافته في قيادة الأمة، وأن أقصى ما قام به هو تقديم إرشادات عامة في هذا المجال. وقد أدت الاختلافات بين هاتين الرؤيتين إلى تباين في مكانة الإمام بين الشيعة الإمامية وغيرهم. فالشيعة، باعتبارهم منصب الإمامة إلهياً، يولونه مكانة سماوية رفيعة، بينما لا ترى المذاهب الأخرى له مثل هذا الشأن وتعتبره فرعاً من فروع الدين ومسألة سياسية. وتُظهر الروايات المنقولة عن الإمام الصادق (ع) أن هذا البحث كان متداولاً في عصره، وأن عدة فرق كانت تقف في مقابل رؤية الإمامة بالنص: الفئة الأولى هي الفرق المنحرفة المنشعبة من الشيعة (الشيعة غير الإمامية) ومنهم الزيدية، والفئة الثانية هي الفرق غير الشيعية وتشمل المعتزلة والمرجئة وأهل الحديث. وقد قام الإمام الصادق (ع) بتبيين مسألة “الإمامة بالنص”، ونقد ودحض معتقد جميع التيارات العقائدية غير الإمامية التي لم تكن تقبل بهذا الاعتقاد.
وفقاً لتعاليم الإمام الصادق (ع)، يتم اختيار الإمام وتعيينه من قِبَل الله تعالى على أساس الكفاءات. وبناءً على ذلك، فإن الله وحده هو الذي يختار شخصاً للإمامة بناءً على كفاءته، ويُكلَّف النبي (ص) أو الإمام السابق بمهمة تقديمه للمجتمع الإسلامي. وحسب قول الإمام الصادق (ع)، لا يموت عالم إمامي (الإمام المعصوم) إلا ويخبره الله قبل موته بمن يوصي إليه، ومن يقدمه كإمام. وكان هذا القول رداً على شبهة كانت قد أُثيرت، ومفادها أن كل إمام يحدد الإمام الذي يليه باجتهاده الشخصي. ويصرح الإمام في موضع آخر بأن تعيين الإمام من قبل الإمام السابق ليس من عند نفسه، بل هو أمر إلهي والاختيار يتم من قبل الله. إن تقديم الأئمة الاثني عشر بأسمائهم وأوصافهم من قبل الأئمة السابقين والإمام الصادق (ع) هو تأكيد آخر على أن كل شيء قد تم تحديده مسبقاً من قبل الله.
كانت مواجهة الإمام الصادق (ع) للفرق المنشعبة من الشيعة في مسألة “الإمامة بالنص” أكثر صراحة. حيث يقول (ع): “من ادعى الإمامة كذباً، يكون وجهه أسود يوم القيامة، وإن كان من أولاد علي بن أبي طالب (ع)”. ويبدو أن سبب صدور هذه الرواية هو تصور بعض الجهلة لمكانة الإمامة، حيث ظنوا أن مجرد الانتساب إلى نسل علي (ع) يثبتها، إلا أن الإمام (ع) دحض ذلك واعتبر أن الرابطة النسبية غير كافية لنيل ذلك المنصب. يقول أبو بصير: كنت عند الإمام الصادق (ع) فذُكر الأوصياء، فذكرتُ أنا إسماعيل، الابن الأكبر للإمام. فقال (ع): “لا والله يا أبا محمد، إن ذلك ليس إلينا، وما هو إلا إلى الله عز وجل ينزل واحداً بعد واحد”. لقد ربط الإمام (ع) بشكل صريح بين عدم وجود نص على إسماعيل وعدم أحقيته بالإمامة، واتخذ موقفاً حازماً تجاه انحراف داخلي في التشيع. كما اعتبر الإمام (ع) أن إشراك إمام غير حق مع الإمام الحق شرك بالله. وهذا التعبير يكون مفهوماً حين نعتبر أن اختيار الإمام هو وظيفة خاصة بالله تعالى، وفي هذه الحالة، فإن قبول رأي الناس في إمامة شخص آخر يعتبر تدخلاً في شؤون الله وشركاً به. ويبدو أن هذا المعتقد لم يكن مقبولاً بشكل واسع في الأجواء العامة آنذاك، لذا كان بعض الشيعة يكتمونه، فلامهم الإمام (ع) وشجعهم على إظهاره.
كانت عقيدة المعتزلة، كغيرهم من الفرق غير الشيعية، هي “الإمامة بالاختيار”. وقد اعتبر أبو الهذيل العلاف رضا الناس بتعيين أبي بكر أحد أدلته على قبول خلافته بعد رسول الله (ص). وقد دخل الإمام الصادق (ع) في مناظرة لدحض هذا المعتقد؛ حيث اجتمعت مجموعة من المعتزلة مثل عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وحفص بن سالم، وعدد آخر من رؤساء المعتزلة، مع الإمام (ع) في مكة أيام الحج للتحاور، وكان ذلك حين قُتل الوليد الأموي، الخليفة المرواني، في الشام. وكان المعتزلة قد رشحوا محمد بن عبد الله بن الحسن للخلافة لما رأوا فيه من كفاءات من وجهة نظرهم، وكانوا بصدد أخذ البيعة له. ولكن لما بلغهم فضل الإمام (ع) وكثرة شيعته، سعوا إلى استمالتهم. فتكلم عمرو بن عبيد نيابة عنهم مع الإمام (ع). فاستغل الإمام (ع) الفرصة المتاحة وتحدى أسس فكر الإمامة بالاختيار من خلال طرح أسئلة، مبيناً عدم مقبوليتها. وكان عمرو يرى مشروعية الخلافة بناءً على رأي الأغلبية، فتقدم الإمام (ع) بمنطق الجدل، وذكر أن عمر لم يستشر أحداً في تولية أبي بكر الخلافة، وأن أبا بكر في أواخر حياته ولى عمر، لنقد مكانة الشورى في ذهنية الخلفاء الأوائل. كما أن عمر عدل عن هذا المبدأ في اختيار خليفته، فشكل لتعيين الخليفة شورى من ستة أشخاص لم يكن أعضاؤها يمثلون كل الأمة ولا نخبة منها؛ لأنه لم يُدخل أياً من الأنصار في عضوية هذه الشورى ووضع لها شروطاً خاصة أخرى. فمن الواضح أن عمر لم يكن يعتقد بالشورى بالشكل الذي تقولون به أنتم يا معتزلة. وبهذه الطريقة، صور الإمام (ع) وهن نظريتهم واضطرابها وعدم وجود سند تاريخي لها.
بناءً على معتقدات المعتزلة، يجب أن يكون إمام المجتمع ملماً بسنة رسول الله (ص). وقد أوضح الإمام الصادق (ع) لعمرو بن عبيد، من خلال طرح أسئلة متعددة حول الجزية والغنيمة وغيرها، أنه لا هو ولا من اختاروه للإمامة لديهم إلمام كامل بالسنة النبوية، وفي خضم المناظرة، قدم نفسه على أنه الأنسب لمنصب الإمامة. وفي الختام، استناداً إلى رواية عن الإمام الباقر (ع) عن رسول الله (ص)، ذكّر عمرو ومن معه بضرورة أفضلية الإمام على غيره.
٢-١. معتقد الغلو ونفيه
الغلو، الذي يعني في اللغة تجاوز الحد والخروج عن الطريق الوسط ، أُطلق في تاريخ الفرق والمذاهب الإسلامية على الذين نسبوا بعض الصفات الإلهية وما فوق البشرية إلى الأئمة (ع). ومن بعض معتقداتهم التي انتشرت بشدة في عهد الإمام (ع)، بالإضافة إلى الاعتقاد بالتناسخ، ما يلي: كانت فئة منهم تعتبر الأئمة (ع) آلهة، أو تسند إليهم أموراً إلهية مثل تقسيم الأرزاق. واعتقد البعض أن الله خلق محمداً (ص) وعلياً (ع) ثم فوض إليهما أمور خلقه؛ فهما يخلقان، ويرزقان، ويحييان، ويميتان. وكانت جماعة من الغلاة قد تركوا الصلاة والصوم والعبادات واعتادوا على ذلك، لأنهم بزعمهم كانوا يرون أن معرفة الإمام تكفي عن الصلاة والصوم. واعتبر بعضهم الأئمة (ع) أنبياء، واعتقدت فئة أخرى أن علياً (ع) في السحاب ويطير مع الرياح. كانت انحرافات هؤلاء إلى درجة أن الإمام الصادق (ع) اعتبر الغلاة والقدرية لا نصيب لهم من الإسلام.
أما عن أسباب وأهداف الغلو، فهناك احتمالات مختلفة. الاحتمال الأول هو سعي المخالفين فكرياً أو السلطة الحاكمة إلى تشويه صورة مدرسة أهل البيت (ع). فمن الواضح أن أسهل طريق لمنع انتشار فكر ما هو تقديمه بشكل خاطئ وتشويهه، ومن ثم نفي ذلك الشيء الذي اصطنعوه هم بأنفسهم، بينما هو ليس جزءاً من معتقدات ذلك الشخص أصلاً، وإذا لم ينتبه الآخرون لهذا الأمر، فإنه سيصل إلى هدفه. وما يعزز احتمال تدخل الحكومات المعاصرة ضد الشيعة هو تخصيص الغلو بالشيعة، في حين أن مثل هذا المعتقد كان شائعاً بين الآخرين أيضاً. ومثال ذلك المعتقدات الخاطئة المتطرفة والغالية في اعتبار عيسى المسيح وأمه مريم (س) إلهين، والتي أشارت إليها آيات القرآن.
الاحتمال الثاني هو ضعف المعلومات والعلاقة المفرطة لدى بعض الأتباع؛ حيث إن البعض في أوساط الشيعة كانوا مبهورين بجلالة قدر الأئمة وعظمة شأنهم، فظنوهم فوق البشر ولهم قدرة إلهية، وكانوا أحياناً يجدون تبريراً لمعتقدهم بتفسير القرآن بالرأي، ومن ذلك استنتاجهم من الآية ٨٤ من سورة الزخرف أن الله هو إله السماء وأن الأئمة (ع) هم إله الأرض، وقد تصدى الإمام الصادق (ع) لردعهم بشدة ولعن القائلين بذلك.
إن المحبة المتطرفة المصحوبة بالإباحية لدى بعض الشيعة وسعيهم للتحايل من أجل التهرب من أداء الشرائع الدينية واستبدال معرفة الإمام بأداء الواجبات العملية، كانت من الأسباب الأخرى لترويج الأفكار الغالية. ويبدو أن تضافر الاحتمالات المذكورة قد أدى إلى تآزر وتسريع بعضها البعض؛ بمعنى أن المخالفين أو السلطة استغلوا جهل بعض أتباع الإمام (ع) وقلة استيعابهم، واستخدموا ذلك لإثارة الفرقة الفكرية والفوضى العقائدية بين أنصار مدرسة أهل البيت (ع). على أي حال، اتخذ الإمام (ع) في مواجهة هؤلاء مواقف سيشار إليها لاحقاً.
أ) التحذير وكشف المخططات: كان الإمام (ع) أحياناً يُعرِّف بالغلاة وأخطارهم بشكل عام دون ذكر أسمائهم، وأحياناً بأسمائهم، ويحذر الشيعة منهم، وضمن بيانه لأهدافهم، كان ينبه إلى العواقب الوخيمة لمساعيهم التي من شأنها تعريض صدق الأئمة (ع) للخطر. وقد اعتبر الإمام (ع) الغلاة أسوأ من اليهود والنصارى والمجوس وحتى المشركين، وأكد على خطرهم خاصة على الشباب، واعتبر أفكارهم نتاج ارتباط بعضهم بالشيطان. وتُظهر الأوصاف الواردة في الروايات حول الغلاة مدى كذبهم ومعتقداتهم الباطلة، لدرجة أنه رُوي عن أحد الأئمة (ع) أن الشيطان نفسه يحتاج إلى بعضهم في الكذب. وكان المغيرة بن سعيد أحد الغلاة الذين كشف الإمام الصادق (ع) عن تحريفاته في روايات أبيه الإمام الباقر (ع)، وبيّن كيف أنه نسب أكاذيب إلى ذلك الإمام لينشر معتقداته الباطلة بين الشيعة. كما أنه في مواجهة غالٍ آخر ادعى كذباً لقاء الإمام الباقر (ع)، كشف عن كذبه بحضور أحد أصحابه، ووصف ادعاءه بأنه وهم شيطاني. ومن أجل توعية الناس، كان (ع) يتبرأ من الغلاة عبر المراسلات إلى البلاد الإسلامية، وسعى من خلال لعنهم إلى إظهار انحرافاتهم لشيعته، وكان هذا أقصى ما يمكنه فعله.
ب) تعريف الغلاة ولعنهم بأسمائهم: قام الإمام الصادق (ع) بتعريف بعض الغلاة في عصره بأسمائهم، وردهم ولعنهم بأشد العبارات. وقد أدت تعاليم الإمام (ع) في هذا المجال وتعريف أسماء هؤلاء الأفراد إلى أن يهتم علماء الشيعة بهذا الأمر في كتبهم الرجالية، ويعتبروا اتهام الراوي بالغلو سبباً لجرحه وعدم قبول روايته. ومن هؤلاء الأفراد أبو الخطاب، والمغيرة بن سعيد، وأبو هارون المكفوف، وبيان أو بنان، والسري، وبزيع، وبشار الشعيري، وصائد، وحمزة بن عمارة البربري، والحارث الشامي، وعبد الله بن الحارث، الذين ذكرهم الإمام الصادق (ع) بأسمائهم وأوصافهم ودحضهم ودحض معتقداتهم. وكان أبو الخطاب محمد بن أبي زينب أو محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي أحد أكثر هؤلاء الأفراد تكراراً في روايات الإمام (ع). وقد لعنه الإمام (ع) هو وأصحابه ومن يجد في قلبه رحمة تجاههم. وفي إحدى المرات، رفع الإمام (ع) أصابعه نحو السماء وقال: “لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على أبي الخطاب. أشهد أنه فاسق كافر، وأنه يُحشر مع فرعون، وأنه في عذاب شديد ليلاً ونهاراً. والله إني لآسف على أجساد ستسقط معه في النار!”. وبالطبع، استمر أبو الخطاب في مساعيه، وكان يستخدم حيلاً لتبرير الأقوال التي ينسبها إلى الإمام الصادق (ع)، حتى أنه كان ينسب تصريح الإمام (ع) برفض بعض المعتقدات إلى رمزيتها، ويقدم نفسه على أنه صاحب السر، ويقول إن الإمام (ع) قالها لي فقط وأخفاها عنكم. وبالطبع، كان الإمام (ع) يكشف هذه التبريرات والتأويلات لأصحابه ويردها.
ج) قطع العلاقات الاجتماعية: كانت توصية الإمام (ع) بقطع التعامل مع الغلاة طريقة أخرى للمواجهة. فلطالما كانت المبالغات والادعاءات الغريبة جذابة للبسطاء وقليلي الاطلاع، وهذا ما سهّل مهمة الغلاة، خاصة أنهم كانوا يَدّعون ارتباطهم بالإمام الصادق (ع). وكانوا يلجؤون إلى التقية في مواجهة تكذيب الإمام (ع) لهم، ويظهرونها على أنها أمر صوري، لكن الإمام (ع) استمر في بيان الحقيقة وتنبيه الشيعة إلى كذبهم ليحول دون ميلهم إليهم، وكان يقول: “أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يجلس إلى غالٍ فيستمع إلى حديثه ويصدقه”. وبهذه الطريقة، منع الإمام (ع) أي معاشرة للغلاة، لعلهم في الضيق الذي يقعون فيه ونبذ المجتمع لهم يتخلون عن معتقداتهم الباطلة. وقد اعتبر الشيعة أيضاً، استناداً إلى هذه الروايات، الغلاة كفاراً وخارجين عن الدين. ومع ذلك، استمر بعض الشيعة في الانخداع بهم والانضمام إليهم.
د) دحض الأفكار المنحرفة وتقديم الفكر الصحيح: كان بيان الأفكار الصحيحة طريقة أخرى اتبعها الإمام (ع). فقد كان (ع) يلعن القائلين بنبوة الأئمة ومن يشك أو يحتمل مثل هذا الأمر. وكلما كانت أفكار الغلاة أكثر غرابة، كان لعن الإمام (ع) ونفوره أشد، وكان يتألم منها أكثر، حيث يقول: “برئ سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء، وبرئ الله ورسوله منهم. هؤلاء ليسوا على ديني ودين آبائي. والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلا وهو ساخط عليهم”. بالإضافة إلى دحض معتقدات الغلاة، كان الإمام (ع) يعلم أتباعه كيفية الاعتقاد الصحيح بالأئمة (ع) ومكانتهم، وسعى من خلال تقديم بعض المسلمات إلى منع انحراف أتباعه، وكان يقول: “اجعلوا لنا رباً نؤوب إليه، وقولوا فينا ما شئتم [إلا النبوة]”. في هذه الرواية، تم تقديم توحيد الله وبشرية الأئمة (ع) وكونهم دون مرتبة النبوة كمسلمات للفكر الأهل بيتي. علاوة على ذلك، كان الإمام (ع) يؤكد على كونه إنساناً وأنه يمتلك خصائص بشرية، ويوضح ذلك لأصحابه. كما أنه في معرض رده على سؤال بعض أصحابه، دحض شبهتهم حول نبوة الأئمة (ع). وقد اعتبر (ع) أن لازم اتباع أهل البيت (ع) ومعرفتهم هو العمل بالشريعة، وأن المعرفة شرط لقبول العمل، وبهذه الطريقة سعى إلى دحض المعتقد الخاطئ للغلاة القائل بكفاية المعرفة بدلاً من العمل. وتقدم من خلال التوصية بالاعتدال في محبة أهل البيت (ع) ونفي المغالاة في حقهم، وأضعف أساس بعض المعتقدات الغالية مثل أفضلية الأئمة على نبي الإسلام، وقال: “لا ينبغي لأحد أن ينسب إلى الإمام (ع) قولاً لم يقله”.
٢. اتخاذ موقف تأييد أصل النظريات وتبيين مسائلها الجزئية
١-٢. الإيمان والكفر؛ زيادة الإيمان ونقصانه
كان بحث الإيمان والكفر وتعريف نتائجه وعواقبه من المسائل الخلافية والمثيرة للجدل بين التيارات العقائدية في القرون الأولى، بما في ذلك عصر الإمام الصادق (ع)؛ ما هو الإيمان؟ وهل الأعمال جزء من الإيمان وداخلة فيه أم لا؟. كان تعريف كل تيار عقائدي للإيمان يحدد موقفه من زيادته ونقصانه، كما كانت هناك هواجس مماثلة بشأن مرتكب الكبيرة. وبالطبع، كان هذا السؤال قد طُرح من قبل، منذ ظهور الخوارج في عصر الإمام علي (ع)، حول منزلة مرتكب الكبيرة؛ هل هو مؤمن أم كافر أم شيء غير هذين؟. وقد أدى ظهور هذا الخطاب إلى اتخاذ جماعات مختلفة مواقف متباينة وبيان آرائها. وبشكل عام، قدمت التيارات العقائدية في ذلك العصر ثلاثة أنواع من التعاريف للإيمان:
١) الإيمان هو المعرفة القلبية فقط، أو على الأكثر المعرفة القلبية والإقرار باللسان، حتى لو نطق الفرد بالكفر. وقد أُبدي هذا التعريف من قبل المرجئة والجهمية. فقد عرفوا الإيمان بأنه التصديق بالقلب، أو على الأكثر التصديق بالقلب والإقرار باللسان، واعتبروا العمل خارجاً عن حقيقة الإيمان. وقد رفض الإمام الصادق (ع) هذه النظرية وقال: “… لَعَنَ اللَّهُ الْقَدَرِيَّةَ، لَعَنَ اللَّهُ الْخَوَارِجَ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُرْجِئَةَ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُرْجِئَةَ. قَالَ: قُلْتُ لَعَنْتَ هَؤُلَاءِ مَرَّةً مَرَّةً ولَعَنْتَ هَؤُلَاءِ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إِنَّ قَتَلَتَنَا مُؤْمِنُونَ، فَدِمَاؤُنَا مُتَلَطِّخَةٌ بِثِيَابِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ…”.
٢) الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان، والأعمال ليست جزءاً من الإيمان، وإن كانت جزءاً من شرائعه. وكان أبو حنيفة يتبنى هذا الرأي.
٣) الإيمان يشمل المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح. فكلما زادت طاعة الشخص العملية، زاد إيمانه، وكلما عصى، نقص إيمانه. وكانت هذه النظرية هي القول الشائع في عصر الإمام الصادق (ع). فأصحاب الحديث، الذين كانوا يشكلون غالبية المسلمين في ذلك العصر، اعتبروا الإيمان شاملاً للقول والعمل استناداً إلى آيات وروايات متعددة، وقبلوا بزيادته ونقصانه. وكان من بين أنصار هذا القول وكيع بن الجراح، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك. وقد انتشرت هذه النظرية بشدة في العقود التالية، لدرجة أن البخاري (ت ٢٥٦هـ)، صاحب الصحيح، يقول عن أنصار هذه النظرية في عصره، الذي يبعد بضعة عقود فقط عن عصر الإمام الصادق (ع): “لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص”.
يمكن تقييم هذه التعاريف في ميزان تعريف الإمام الصادق (ع). فقد قدم (ع) جواباً جامعاً للأسئلة في هذا المجال من خلال تعريف ثلاثة مفاهيم: “الإسلام”، و”الإيمان”، و”الكفر”. في هذه النظرية، “الإيمان” هو مجموعة فرعية من “الإسلام”، و”الكفر” خارج دائرة “الإسلام”. ومرتكب الكبيرة من وجهة نظر الإمام الصادق (ع)، وإن خرج من دائرة الإيمان، إلا أنه لا يزال باقياً في دائرة الإسلام، ومن جهة أخرى لم يدخل بعد في حدود الكفر. وبناءً على ذلك، يجب اعتباره مسلماً فاسقاً لا كافراً. وهذا المسلم الفاسق إذا تاب سيعود إلى دائرة الإيمان والمؤمنين. وفي هذه النظرة، ليس إيمان جميع الأفراد على مستوى واحد، وتُعرَّف له درجات. ويمكن اعتبار وصف درجات الإيمان في الروايات المنقولة عن الإمام الصادق (ع) تأكيداً على زيادة الإيمان ونقصانه. ويبدو أن بعض هذه الروايات قد صدرت في معارضة المرجئة وأفراد مثل أبي حنيفة الذين لم يكونوا قائلين بهذه الدرجات. كما استشهد الإمام (ع) ببعض الآيات القرآنية لتبيين زيادة الإيمان ونقصانه ودحض تساوي إيمان الأفراد (البقرة/٢٥٣، التوبة/٢٠، المجادلة/١١)، واعتبر العمل جزءاً من الإيمان، وقال في تعريفه: “معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان”، ولعن الذين يعتبرون الإيمان قولاً بلا عمل.
٢-٢. عقيدة الشفاعة
أصل الشفاعة مقبول لدى معظم المذاهب الإسلامية لأنه يستند إلى آيات وروايات متعددة. وفي عصر الإمام الصادق (ع) أيضاً، كانت جميع التيارات العقائدية تقريباً تعتقد بأصل الشفاعة، ولم ينكرها إلا جماعات قليلة مثل بعض الخوارج. وكان مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأتباعهم يعتقدون بالشفاعة. وبالطبع، كانت هناك خلافات في تفاصيلها. وأحدها هو تعريف الشفاعة وكيفيتها، وهو ما يرجع إلى الأسس الفكرية لكل جماعة. فمن وجهة نظر المعتزلة، كان العمل بالوعيد (الوعد بالعذاب) من قبل الله لازماً، وكانوا يعتقدون بخلود مرتكب الكبيرة في جهنم. وعندما رأى المعتزلة تضارباً بين هذه الأفكار وآيات الشفاعة المتعلقة بمغفرة الذنوب، لجؤوا إلى تأويل الآيات. ولرفع هذا التناقض، فسروا الشفاعة بأنها ترفيع الدرجة وزيادة ثواب ومنافع التائبين. وبناءً على هذا التعريف، فإن مرتكبي الكبائر الذين تابوا هم فقط من تشملهم الشفاعة، وأثرها هو مجرد ترفيع الدرجة لا الخلاص من العذاب. ووفقاً لهذه الرؤية، فإن المذنبين الذين لم يتوبوا لن ينالوا الشفاعة. وبالطبع، تعرضت هذه النظرة لنقد الآخرين.
أيد الإمام الصادق (ع) أصل الشفاعة الذي كانت تعتقد به معظم التيارات العقائدية المسلمة في تلك الفترة، ولكنه من خلال تبيينها الصحيح، نقد بعض تفاصيل رأي المعتزلة. فلم يكن (ع) يرى أن العمل بالوعيد لازم من قبل الله، وبالتالي لم تكن هناك حاجة لتقديم تعريف محدود للشفاعة كما فعل المعتزلة. فالفاسقون في بيان الإمام (ع) لا يبقون في نار جهنم إلى الأبد، بل سيخرجون منها يوماً ما، والشفاعة جائزة في حقهم. وفي هذه النظرة، ليست الشفاعة مجرد ترفيع درجة التائبين، بل هي أيضاً إسقاط العذاب عن مرتكب الذنب المستحق للعقاب. إن الشفاعة التي يعتقد بها الشيعة الإمامية في ضوء تعاليم أهل البيت (ع) ستشمل بعض المؤمنين من مرتكبي الكبائر الذين لم يتوبوا ويستحقون العذاب، ولكنهم بسبب كفاءات أخرى لديهم، ينالون لطف الله وشفاعة أوليائه فيُرفع عنهم العذاب.
كانت شفاعة النبي (ص) في حق المسلمين مؤيدة من قبل جميع المسلمين تقريباً، لكن الإمام (ع)، من خلال طرح تفاصيل جديدة لهذه المسألة، كان يسعى إلى توفير أسباب لتقوية الروح المعنوية للشيعة وزيادة أملهم. فمع تأييده بأن النبي (ص) وأصحابه المختارين والمؤمنين الصالحين هم من بين الشافعين، ذكر أيضاً العلويين ونسل النبي (ص)، وخاصة الأئمة (ع)، الذين يشفعون بشكل خاص، وأن الشيعة ومحبي أهل البيت (ع) يُشفع لهم بشكل خاص، واعتبر إنكار الشفاعة موجباً للخروج من التشيع. وكان الإمام (ع) يرى الشفاعة أمراً مسلماً به، لذا عندما ذكر رجل جاره من الخوارج الذي كان يدّعي أن النبي (ص) يوم القيامة سيكون كل همه نفسه ولا شأن له بالآخرين، فكيف يشفع؟ قال (ع): “ما من أحد من الأولين والآخرين إلا وهو يحتاج إلى شفاعة محمد (ص) يوم القيامة”، ولزيادة التبيين، ذكر الجذور الروائية لذلك، ونقل حكايات وروايات عن رسول الله (ص) في شرح الشفاعة.
٣. اتخاذ موقف الاعتدال
١-٣. مسألة الجبر والاختيار
كانت مسألة القضاء والقدر، وإلى جانبها مقولة الجبر والتفويض، من المسائل المثيرة للجدل في عهد الإمام (ع)، بمعنى هل تُنسب أعمال البشر إلى أنفسهم أم إلى إرادة الله؟ وعلى إثر هذا السؤال، ظهرت جماعتان أو مدرستان فكريتان في المجتمع غير الشيعي: ١. جميع المخلوقات وجميع أعمالها هي من خلق الله. واسم هذه العقيدة هو “الإيمان بالجبر” ؛ أي الإيمان بأن كل خير وشر هو من فعل الله، وأن الله قد قدره كما يقع. وكانت عقيدة “الجبر” هي عقيدة معظم غير الشيعة. وكانت الحكومات الجائرة المعاصرة لأهل البيت (ع)، وخاصة بني أمية، تروج لعقيدة الجبر. ٢. لقد فوض الله الأمور إلى بعض أوليائه، وبحسب عقيدة البعض الآخر، فوض الأمور إلى جميع عباده. فهم أيضاً يقومون بأعمالهم وأفعالهم بشكل مستقل ودون تدخل من الله، وإرادتهم في عرض إرادة الله. وكانت عقيدة قلة من غير الشيعة هي عقيدة “التفويض”. وكانت هاتان المجموعتان تتمسكان بالآيات والروايات لإثبات ادعائهما، وتختلقان روايات عن لسان النبي (ص) في رد ولعن المجموعة المقابلة. وقد أدت أهمية ومحورية هذه المباحث إلى ظهور مؤلفات من قبل أصحاب الإمام الصادق (ع)، حيث ألف هشام بن الحكم كتابي “الجبر والقدر” و “القدر”. وقد أسس الإمام الصادق (ع) نظرية ثالثة برفضه لكلا الرأيين.
تقدم الإمام (ع) في مواجهة أفكار القدرية والمفوضة بأدلة عقلية ونقلية، وفي مواقف مختلفة تتناسب مع المخاطب، قام بنقدهم وردهم. فقد صرح الإمام (ع) قائلاً: “لو أن العباد مجبورون على أفعالهم لكان الثواب باطلاً والعقاب ظلماً، ولكانت الجنة والنار عبثاً”. وتوضيح ذلك أن الفعل الحسن والسيئ لكل فرد يُعتبر فعله هو، والله إنما أمر بالفعل الحسن ولم يجبره على الفعل، والأمر والنهي الإلهي مبنيان على قدرة البشر وإرادتهم. وكان الإمام (ع) أحياناً يتحدى القول بالجبر من خلال إظهار تناقضاته العقلية ومخالفته لبعض الأصول العقائدية، كما قال لأحد الجبريين إنه لو قلنا بالجبر لكان لجميع العباد عذر في الآخرة ولما حوسب أحد. بينما تؤمن جميع الأديان بالعذاب الأخروي. وقد أدى هذا القول إلى تأمل ذلك الشخص ورجوعه. ومن أمثلة الأساليب النقلية للإمام الصادق (ع) في رد عقائد الجبرية، استشهاده بآية “…يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ” (البقرة/٢٦) التي تنسب الضلالة والهداية صراحة إلى البشر. وهناك آيات أخرى تصرح بهذه النقطة أيضاً.
٢-٣. القدرية (المفوّضة)
التفويض يعني ترك الأمور للعبد نفسه، وأن إرادة العبد في عرض إرادة الله. ويعتبر المجلسي والشيخ المفيد هذا القول نظرية أنصار الإباحية والزنادقة. ونتيجة لذلك، يجب اعتبار القائلين بهذه العقيدة، الذين يُطلق عليهم اسم “القدرية” أو “المفوضة”، متأثرين بالزنادقة والتيارات العقائدية غير الإسلامية. وقد أُطلق عليهم هذا الاسم لأنهم ينسبون للعباد قدرة مستقلة على الإيجاد والخلق، ولا يعتقدون أن الخير والشر كلاهما من عند الله وبمشيئته وإرادته. وقد وصف الإمام الصادق (ع) القدرية بأنهم من أهل النار الذين يُلقون فيها على وجوههم. وهم الذين لا نصيب لهم من الإسلام. فقد اعتبرت القدرية أفعال الإنسان من خلق نفسه، واعتقدوا باستقلال الأفراد في خلق أعمالهم، وهذا الأمر يعني أن الإنسان شريك لله في خلق وإيجاد الأعمال، والمشرك لا نصيب له من الإسلام. ومن أجل ممارسة ضغط نفسي على أنصار هذا القول ومنع تسرب معتقدات القدرية الباطلة إلى الشيعة، نهاهم الإمام (ع) عن مجالستهم وحرّم التعامل مع القدرية ونبذهم، واستند في رد معتقد القدرية إلى الآية ٥٧ من سورة النمل. ويُنقل أن رجلاً من القدرية في زمن الإمام الباقر (ع) ادعى العلم وطلب من الإمام الصادق (ع) أن يسأله ما يشاء. فطلب منه الإمام (ع) أن يقرأ سورة الحمد. فبدأ القدري بالقراءة حتى وصل إلى آية “إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” (الحمد/٥)، فقال الإمام: “قف، من الذي تستعينه؟” وطلب منه الجواب، فبُهت الرجل. وبهذه الطريقة، أفهمه الإمام (ع) تدخل الله في أفعال الإنسان وعدم استقلاله المطلق.
٣-٣. الأمر بين الأمرين: رؤية مدرسة أهل البيت (ع)
في مقابل الرأيين السابقين، قدم الإمام الصادق (ع) نظرية أخرى تُظهر المنهج المعتدل للشيعة الإمامية بين التيارات العقائدية في ذلك العصر. في نظرية “الأمر بين الأمرين”، تُنسب أفعال كل فرد من جهة إليه وتقع تحت قدرته واختياره، ومن جهة أخرى تقع تحت سيطرة القدرة الإلهية. وبناءً على ذلك، لا يُجبر الله الإنسان على فعل شيء بحيث تُسلب منه المسؤولية، ولا يجعله مختاراً إلى درجة يخرج فيها عن سلطان وسيطرة القدرة والخلقة الإلهية. وعلى أساس هذه النظرية، لا تُتجاهل القدرة الإلهية ولا تُسلب إرادة الإنسان. وهذا التعليم يمكن الوصول إليه من خلال المعرفة الصحيحة بالصفات الإلهية على أساس مدرسة أهل البيت (ع).
فالبشر ليسوا مجبورين على أفعالهم، وليس الأمر بحيث لا يوجد أي تقدير من جانب الله، بل حقيقة عملهم تقع بين هذين الأمرين. وعبارة “لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين” ، نتيجة لذلك، فإن القول الوسط هو أن الله قد حدد طريق الهداية والضلالة، ونهى الناس عن المعاصي. وفي الوقت نفسه، جعلهم قادرين على أداء الأعمال، وبالطبع لم يتركهم وشأنهم ولم يسمح بالإباحية، بل نهاهم عن أمور وهددهم بالعقاب. وهذا هو الأمر بين الأمرين.
٤. اتخاذ موقف الإصلاح
١-٤. التشبيه والتعطيل
كانت صفات الباري من الموضوعات الأخرى المطروحة في النصف الأول من القرن الثاني الهجري. فقد حمل بعض المسلمين الصفات المذكورة لله في القرآن على ظاهرها، واعتبروه قابلاً للرؤية، وجسمانياً، وله مكان، وبالتالي له يد وقدم وأعضاء وجوارح. وقد عُرف هؤلاء في التاريخ باسم المشبهة أو المجسمة. وفي المقابل، اتجهت فئة إلى نفيها. وكانت هناك جماعات أخرى لكل منها أنصارها؛ حيث كان بعض الغلاة يعتقدون بحلول الله في أجساد الأئمة (ع)، وكان البعض يؤمن برؤية الله في الآخرة. سأل أبو بصير عن كيفية رؤية المؤمنين لله يوم القيامة، فطرح الإمام (ع) الرؤية بالقلب ونفى الرؤية بعين الرأس. وطرح آخرون إمكانية رؤية الله في المنام، فدحض الإمام (ع) هذا الادعاء والإمكانية أيضاً.
اتفق المعتزلة ومنهم أبو الهذيل على أن الله لا يمكن رؤيته بالعين في الآخرة، بل يُدرك بالقلب. وبناءً على ذلك، فهم بالأولى قائلون بعدم رؤية الله في الدنيا. وكانت طوائف من الخوارج، وفئات من المرجئة، وجماعات من الزيدية توافق المعتزلة في هذه العقيدة. والجماعات التي كانت تعتقد بمشاهدة الله بالعين كانت تشبهه بالمخلوق نوعاً ما؛ لأنها كانت تشبههما في قابلية الرؤية. وكانت مثل هذه المعتقدات تُبدى عموماً من قبل أصحاب الحديث؛ فهؤلاء جعلوا الجمود على ظاهر الحديث شعاراً لمعتقدهم وكانوا يتهربون من أي تأويل. وبسبب عدم توافق الاعتقاد بالرؤية وغيرها من المعتقدات المماثلة مع العقل، رُفضت من قبل بعض الجماعات وأعقبتها ردود فعل تفريطية، لدرجة أن البعض اتجه إلى تعطيل الصفات الإلهية ولم يعتقدوا بأي صفة لله أصلاً.
٢-٤. رؤية الإمام الصادق (ع) في مسألة التشبيه والتعطيل
اتجه الإمام الصادق (ع) في إصلاح وإعادة بناء التوجهات المذكورة إلى تبيين الصفات الإلهية الصحيحة، ليخلصها من قيود التجسيم ويبتعد بها عن التعطيل. وتدل روايات أهل البيت (ع) بشكل متواتر على نفي رؤية الله بالعين، وهذا هو معتقد جميع الإمامية. في هذه المدرسة، يُعتبر التوحيد أفضل الأعمال، وتشبيه الخالق أعظم الذنوب. وفي حوار للإمام الصادق (ع) مع زنديق، قال ما مضمونه: إن الله ليس جسماً ولا يُدرك بالحواس الخمس، ولا تغيره الأزمان. هو سميع ولكن ليس له عضو للسمع، وبصير ولكن يرى بنفسه لا بأداة للبصر، والنفس ليست منفصلة عنه. ومن جهة أخرى، نحن مكلفون بمعرفة الله بقدر طاقتنا وقوة فهمنا. صحيح أن كل متوهم مخلوق، ولكن إذا لم نصف الله لهذا السبب، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع التوحيد عنا ونقع في النفي والإبطال. لذلك، نحن نصف الله في منزلة بين التشبيه والتعطيل. ويمكن اعتبار ردود الإمام (ع) على التشبيه نوعاً من الرد على معتقدات الغلاة حول ألوهية الأئمة، والتي هي نوع من حلول الله في الجسم. ينقل الإمام الصادق (ع) حكاية عن حوار بين حبر يهودي والإمام علي (ع) يقول فيه الإمام علي (ع) صراحة: “لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان”.
في رواية أخرى، يشير الإمام الصادق (ع)، من خلال أمثلة، إلى عدم قدرة العين على المشاهدة الكاملة لبعض الأمور حتى الدنيوية منها، ويرد معتقدات الذين يعتقدون أن الله يُرى، ويعتبر ذلك مستحيلاً بقاعدة الأولوية. وفي مواضع متعددة، نبه الإمام (ع) إلى المجازية في استخدام “العين” و”البصر” و”العمى” في القرآن وفسرها تفسيراً صحيحاً، ومن ذلك في آيات “لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ * قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا” (الأنعام/١٠٣-١٠٤)، حتى أنه فسر “الأبصار” بما هو أبعد من عين الرأس، وفسرها بأوهام العقول. وبهذه الطريقة، يحدد الإمام (ع) المعنى الصحيح للآيات والعبارات القرآنية المتشابهة ويرد قول المشبهة، ويرجع الناس إلى القرآن من أجل الفهم الصحيح للصفات الإلهية، ويطلب منهم الاكتفاء بما ورد فيه حتى لا يضلوا. وقد ورد توضيح أكثر في هذا الخصوص على لسان الإمام (ع) في توحيد المفضل. فمع اعتباره المشبهة مشركين والمعطلة كفاراً، يقول (ع): “إن العقل يستطيع أن يعرف الخالق بالقدر الذي يقر بوجوده، ولكنه لا يستطيع أن يحيط بصفاته. والعباد مكلفون بمعرفة الله بقدر طاقتهم وإدراكهم الفكري، وليسوا مكلفين بالإحاطة بصفات الله”. فالمعطلة في الواقع ينكرون قدرة الله، والمعتزلة الذين يميلون إلى هذا المعتقد قد وقعوا مورد لعن الإمام (ع).
كانت مقولة التشبيه والتعطيل قد شاعت إلى درجة أن الأفراد كانوا يعبرون عن نفيهما لإظهار عقيدتهم الصحيحة، كما ذكر حمران بن أعين، من أصحاب الإمام (ع)، نفي التشبيه والتعطيل في بيان عقائده، وأيده الإمام (ع) في ذلك.
الخاتمة
إن تشكل الفرق والمذاهب المختلفة بعد وفاة النبي الأكرم (ص)، والذي كان خاضعاً لمسائل متنوعة، أدى إلى ظهور فهم مختلف للدين الإسلامي. وهذا الأمر، بالإضافة إلى الأيدي التي كانت تسعى علانية إلى تحريف الدين، استدعى قيام أفراد بهداية المجتمع الإسلامي وإصلاح المسلمين. وقد دخل الإمام الصادق (ع)، الإمام السادس للشيعة، هذا الميدان، وحارب بأشكال مختلفة الانحرافات الفكرية والعقائدية. وكانت مسألة الإمامة، والجبر والاختيار، وصفات الله، والفكر الصحيح من أهم المسائل المطروحة للنقاش، وقد اتخذ الإمام (ع)، مستغلاً الفرص المتاحة، أساليب لمواجهتها لكي يتجه المجتمع نحو الحقيقة.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- أبو حنيفة، نعمان بن ثابت، ١٤٢٥هـ، رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي، ج ١، بيروت: دار الكتب العلمية.
- أبو حنيفة، نعمان بن ثابت، ١٤٢٥هـ، الفقه الأكبر (ضمن العقيدة وعلم الكلام)، ج ١، تحقيق: زاهد الكوثري، بيروت: دار الكتب العلمية.
- الأحمدي، عبد الله بن سلمان، ١٤١٦هـ، المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة، ج ٢، الرياض: دار طيبة.
- الأشعري، أبو الحسن، (د.ت)، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، (د.م).
- ابن بابويه، محمد بن علي (الشيخ الصدوق) ومفيد، محمد بن محمد بن نعمان (الشيخ المفيد)، ١٤١٤هـ، اعتقادات الإمامية وتصحيح الاعتقاد، ج ٢، قم: مؤتمر الشيخ المفيد.
- ابن بابويه، محمد بن علي (الشيخ الصدوق)، ١٣٦٢هـ.ش، أمالي، ج ٤، (د.م): المكتبة الإسلامية.
- ابن بابويه، محمد بن علي (الشيخ الصدوق)، ١٣٩٨هـ، التوحيد، ج ٢، قم: منشورات جامعة المدرسين.
- ابن بابويه، محمد بن علي (الشيخ الصدوق)، ١٤٠٣هـ، الخصال، ج ٢، قم: منشورات جامعة المدرسين.
- ابن بابويه، محمد بن علي (الشيخ الصدوق)، (د.ت)، علل الشرائع، قم: منشورات مكتبة الداوري.
- ابن بابويه، محمد بن علي (الشيخ الصدوق)، ١٣٦١هـ.ش، معاني الأخبار، قم: منشورات جامعة المدرسين.
- ابن النديم، محمد بن إسحاق، (د.ت)، الفهرست، تحقيق: رضا تجدد، (د.م).
- الإربلي، علي بن عيسى، ١٣٨١هـ.ش، كشف الغمة، تبريز: مكتبة بني هاشمي.
- الأصبهاني، أبو نعيم، ١٤١٥هـ، مسند أبي حنيفة، الطبعة الأولى، تحقيق: نظر محمد الفاريابي، الرياض: مكتبة الكوثر.
- البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، ١٣٧١هـ.ش، المحاسن، قم: دار الكتب الإسلامية.
- البغدادي، عبد القاهر، ١٤٠٨هـ، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم، بيروت: دار الجيل – دار الآفاق.
- الجندي، عبد الحليم، ١٣٩٧هـ، الإمام جعفر الصادق، القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
- الحميري، عبد الله بن جعفر، (د.ت)، قرب الإسناد، طهران: منشورات مكتبة نينوى.
- حيدر، أسد، ١٤٠٣هـ، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، بيروت: دار الكتاب العربي.
- الخزاز القمي، علي بن محمد، ١٤٠١هـ، كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر، قم: منشورات بيدار.
- الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، ١٤١٧هـ، تاريخ بغداد، الطبعة الأولى، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية.
- السبحاني، جعفر، ١٣٨٥هـ.ش، بحوث في الملل والنحل، قم: مؤسسة النشر الإسلامي ومؤسسة الإمام الصادق (ع).
- الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، ١٣٦٤هـ.ش، الملل والنحل، ج ٣، تحقيق: محمد بدران، قم: الشريف الرضي.
- الطبرسي، أحمد بن علي، ١٤٠٣هـ، الاحتجاج، مشهد: نشر مرتضى.
- الطبرسي، فضل بن حسن، (د.ت)، إعلام الورى بأعلام الهدى، الطبعة الثالثة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
- الطوسي، محمد بن حسن (الشيخ الطوسي)، ١٣٤٨هـ.ش، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، تحقيق: حسن المصطفوي، مشهد: منشورات جامعة مشهد.
- الطوسي، محمد بن حسن (الشيخ الطوسي)، ١٤١٤هـ، أمالي، ج ١، قم: دار الثقافة.
- الطوسي، محمد بن حسن (الشيخ الطوسي)، ١٤١٥هـ، رجال، ج ١، (د.م): المنشورات الإسلامية.
- العسكري، السيد مرتضى، ١٣٨٢هـ.ش، نقش أئمه در احیای دین [دور الأئمة في إحياء الدين]، ج ١، طهران: منير.
- العياشي، محمد بن مسعود، ١٣٨٠هـ.ش، تفسير العياشي، تحقيق: السيد هاشم الرسولي المحلاتي، طهران: المطبعة العلمية.
- فخلعي، محمد تقي، ١٣٨٣هـ.ش، گفتمانهای مذاهب اسلامی [خطابات المذاهب الإسلامية]، طهران: نشر مشعر.
- القاضي النعمان المغربي، ١٣٨٥هـ.ش، دعائم الإسلام، ج ٢، مصر: دار المعارف.
- الكراجكي، أبو الفتح، ١٤١٠هـ، كنز الفوائد، ج ١، قم: منشورات دار الذخائر.
- الكليني، محمد بن يعقوب، ١٣٦٥هـ.ش، الكافي، الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
- مادلونغ، ولفرد، ١٣٨١هـ.ش، فرقه های اسلامی [الفرق الإسلامية]، الطبعة الثانية، ترجمة: أبو القاسم سري، طهران: منشورات أساطير.
- المجلسي، محمد باقر، ١٤٠٤هـ، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: مؤسسة الوفاء.
- المفيد، محمد بن محمد بن نعمان (الشيخ المفيد)، ١٤١٣هـ، أمالي، ج ٢، قم: مؤتمر الشيخ المفيد.
- المقدسي، محمد بن أحمد، ١٤١١هـ، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، القاهرة: مكتبة مدبولي.
- النعماني، محمد بن إبراهيم، ١٣٩٧هـ، الغيبة، طهران: مكتبة الصدوق.