ملخص
تقليد المجتهد، بمعنى اتباع فتواه، هو الطريق الأكثر شيوعًا بين غير المجتهدين للوصول إلى أحكام الشريعة. تتناول هذه المقالة أحد أنواع التقليد، وهو التقليد الابتدائي من المجتهد بعد وفاته. وقد نُظمت المقالة في ثلاثة محاور؛ حيث بُدئ أولاً بدراسة مفهوم التقليد وتوضيح المصطلحات في بابه، بالإضافة إلى بيان تاريخ هذا البحث بين الفقهاء والأصوليين. وفي المحور الثاني، وبعد ذكر أدلة كل من المانعين والمجوّزين للتقليد الابتدائي من الميت وتبيين مرادهم، قام الكاتب بدراسة الأدلة والنقض والإبرام حولها. أما القسم الثالث من المقالة، فيتضمن خلاصة المؤلف لأدلة الطرفين وعرض استنتاجه الفقهي، حيث اعتبر أن الدليل الرئيسي على جواز التقليد الابتدائي من الميت هو «الارتكاز العقلائي».
دراسة مفهوم التقليد
لفظة «التقليد» في اللغة تعني «اتباع قول أو فعل الغير دون تأمل ونظر في دليل ذلك القول أو الفعل»؛ أما في الاصطلاح الفقهي، فيُطلق التقليد على «استناد واعتماد غير المجتهد على فتوى المجتهد في مقام العمل».
وهناك مصطلحان آخران في مباحث التقليد، وهما «التقليد الابتدائي» و«التقليد الاستمراري». وكما يتضح من ظاهرهما، فإن التقليد الابتدائي يعني بدء الاتباع والأخذ بفتوى المجتهد؛ بينما في التقليد الاستمراري، يقرر المكلف بعد مدة من اتباع مجتهد معين، الاستمرار في تقليده ذاته أو تغيير مجتهده ومفتيه.
إن البحث في تقليد المجتهد وتمام أدلة جوازه قد تم قبوله كفرضية مسبقة في هذه المقالة؛ لذا، فإننا في هذا التحقيق، مع افتراض جواز تقليد العامي للمجتهد وحجية فتوى المجتهد له، نسعى إلى بحث أحد أنواع التقليد، وهو التقليد الابتدائي من الميت. ونأمل في هذه المقالة، من خلال دراسة أدلة التقليد الابتدائي من الميت، أن نوضح المسائل المبهمة في مسألة البقاء على تقليد الميت أيضًا.
تاريخ البحث في المسألة
في أقدم الكتب التي وصلتنا، لم تُذكر صفة الحياة ضمن صفات المفتي؛ ومن هذه الآثار يمكن ذكر «الذريعة» للسيد المرتضى، و«العُدّة» للشيخ الطوسي، و«الغُنية» للسيد ابن زهرة. ويمكن القول إن ما يظهره التتبع في كتب الأصحاب هو أن طرح هذا البحث بشكل مستقل كان للمرة الأولى في القرن العاشر الهجري القمري على يد الشهيد الثاني (المتوفى 966 هـ.ق). وقد أورد الشيخ خلف آل عصفور في حاشية كتابه حول هذا الموضوع: «أول من فتح باب المنع من تقليد الميت ابتداءً هو الشهيد الثاني (رضوان الله تعالى عليه) في رسالة عقدها لذلك الغرض و قد تبعه من تأخر عن على ذلك.» (مزيلة الشبهات عن المانعين عن تقليد الأموات، ص 45). وبالطبع، يمكن العثور على إشارات غير مستقلة في هذا الصدد قبل الشهيد الثاني (ره) في عبارات كتاب «مبادئ الوصول» للعلامة الحلي (ت 726 هـ.ق)، حيث يقول: «إذا أفتى غير المجتهد بما يحكيه عن المجتهد فإن كان يحكي عن ميت لم يجز الأخذ بقوله إذ لا قول للميت، فإن الإجماع لا ينعقد مع خلافه حياً و ينعقد بعد موته». بناءً على هذه العبارة، يشير المرحوم العلامة في دليل بطلان التقليد من الميت إلى أنه إذا أصدر مجتهد في حياته فتوى تخالف فتوى الفقهاء الآخرين، فإنه يمنع انعقاد الإجماع؛ لكن مخالفته بعد موته لا تمنع انعقاد إجماع الأجيال القادمة، وهذا يدل على عدم اعتبار قول وفتوى المجتهد بعد وفاته (العلامة الحلي، مبادئ الوصول إلى علم الأصول، ص 248).
بمرور الزمن، اشتهر كلام العلامة «لا قول للميت» وكذلك الجملة المعروفة لفخر الرازي «قول الميت كالميت»1 بين العلماء شهرة واسعة، وأدى إلى طرح بحوث في هذا المجال من قبلهم، لدرجة أن الأخباري المعروف المحدث الأسترآبادي (ت 1033 هـ.ق) خصص فائدة من «فوائد مدنية» لهذا الموضوع، وفي ص 149 من ذلك الكتاب يقول: «فائدة: ما اشتهر بين المتأخرين من أصحابنا من أن قول الميت كالميت لا يجوز العمل به بعد موته، المراد به ظنّه المبني على استنباط ظني وأما فتاوى الأخباريين من أصحابنا فهي مبنية على ما هو صريح الأحاديث أو لازمه البين فلا تموت بموت المفتي…». وتبعًا للمحدث الأسترآبادي، قدم الأخباريون مباحث مفصلة في رد اشتراط الحياة لتقليد المجتهد، مما أدى في النهاية إلى أن تصبح مسألة التقليد الابتدائي من الميت من أشهر المسائل الخلافية بين المسلك الأصولي والمسلك الأخباري. وما اشتهر من المدرسة الأصولية في تاريخ الفقه هو حرمة التقليد الابتدائي من المجتهد الميت، لدرجة أن الكثير من الفقهاء الأصوليين ادعوا الإجماع على ذلك. أما من المدرسة الأخبارية، فقد اشتهرت فتوى جواز التقليد الابتدائي من الميت.
ما يذعن به كثير من المحققين في الفقه هو أن السبب الرئيسي للخلاف بين المسلك الأخباري والأصولي في الفتوى بجواز أو عدم جواز التقليد الابتدائي من الميت، يجب البحث عنه في اختلاف هاتين المدرستين في تعريف الفقيه والمجتهد اللازم الاتباع (السيد محمد تقي الحكيم، الأصول العامة، ص 649؛ السيد أبو القاسم الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، ج 1، ص 97). وكما يتضح من كلمات بعض الأخباريين، كانوا يشبهون الإفتاء بنقل الرواية، ويرون المفتي أو الفقيه اللازم الاتباع ناقلًا للأخبار ومفسرًا لآثار الأئمة الأطهار(ع) (آل عصفور خلف، مزيلة الشبهات عن المانعين من تقليد الأموات، ص 63، ناقلًا وحاكيًا عن كلام المحدث البحراني). بناءً على ذلك، عندما لا يكون عمل المفتي سوى نقل الرواية وتبيينها، فلا فرق بين حياته ومماته، ويكون قوله (فتواه) نقلًا وبسطًا وتوضيحًا للرواية.
أما من جانب الأصوليين، الذين لم يتابعوا البحث بهذه الطريقة، فقد واجهوا في مسير أدلة حجية فتوى الميت، عند وصولهم إلى اشتراط الحياة، موانع مثل الإجماع وسيرة المتشرعة على الرجوع إلى الأحياء، وفي النهاية، أفتوا بعدم جواز التقليد من الميت.
في هذا القسم من المقالة، من المناسب قبل الدخول في بحث الأدلة ودراستها، أن نشير إلى ما ذكره المرحوم صاحب المعالم في كتابه؛ حيث يقول: مسألة تقليد الميت مسألة اجتهادية؛ وبالتالي، فإن وظيفة الفرد العامي فيها هي الرجوع إلى فتوى المجتهد. ولكن في هذه الحالة، يجب عليه حتمًا أن يرجع إلى مجتهد حي لأخذ الفتوى في هذه المسألة؛ لأن الرجوع إلى مجتهد ميت للحصول على فتوى في هذه المسألة لا يخرج عن حالتين؛ إما أن يكون ذلك المجتهد الميت نفسه قائلًا بعدم جواز تقليد الميت، فحينئذٍ لا يجوز الرجوع إلى فتواه حتى بناءً على رأيه هو، وأما إذا كان يجيز تقليد الميت، فإن الرجوع إليه في هذه المسألة (جواز أو عدم جواز تقليد الميت) يكون دورًا وفاسدًا (حسن بن زين الدين العاملي، معالم الأصول، ص 390).
تصوير الدور يكون كالتالي: حجية تقليد الميت لذلك العامي تتوقف على أن تكون فتوى ذلك الميت حجة؛ ومن جهة أخرى، فإن حجية فتوى ذلك الميت تتوقف على حجية تقليد الميت. ونتيجة لذلك، تتوقف حجية تقليد الميت على حجية تقليد الميت، وهذا دور صريح.
حتى لو لم نطرح إشكال الدور، فإن الشخص العامي عند الرجوع إلى مجتهد للتقليد، وبسبب وجود خلافات بين العلماء حول اشتراط الحياة، يجب عليه بحكم العقل أن يختار القدر المتيقن والحالة المتفق عليها، وهي الرجوع إلى الحي، كما هو الحال في أصل التقليد وكذلك في مسألة تقليد الأعلم، حيث يُطرح نفس المطلب وهو أن العامي يجب عليه أن يختار الطريق الأكثر إتقانًا بحكم العقل.
أدلة المانعين
يمكن تلخيص الأدلة التي ذكرها القائلون باشتراط الحياة في المقلَّد (مانعو التقليد الابتدائي من الميت) لإثبات مدعاهم في عدة وجوه:
1. الإجماع
ادعى عدد من الفقهاء والعلماء الكبار الإجماع على عدم جواز التقليد الابتدائي من الميت، ومن الضروري إيراد بعض عباراتهم التي تصرح بهذا المطلب هنا. يقول المحقق الثاني (المحقق الكركي): «لا يجوز الأخذ عن الميت مع وجود المجتهد الحي بلا خلاف بين علماء الإمامية» (شرح الألفية، ج 7، ص 253). وقال الشهيد الثاني: «قد صرح الأصحاب في هذا الباب ـ من كتبهم المختصرة والمطولة ـ وفي غيره باشتراط حياة المجتهد…» (مسالك الأفهام، ج 3، ص 109). كما أن له في رسالة كتبها في هذا الشأن، أي عدم جواز التقليد من الميت، بيانًا بهذا المضمون: بعد التتبعات الصادقة التي قمنا بها في هذا الباب، لم نجد حتى مخالفًا واحدًا من العلماء المعتبرين الذين يمكن الاعتماد على قولهم في مسألة اشتراط الحياة. ثم يتابع قائلًا: «فعلى مدعي الجواز – جواز تقليد الميت ـ بيان القائل به، على وجه لا يلزم منه خرق الإجماع» (الشهيد الثاني، رسائل الشهيد الثاني، ج 1، ص 44).
ويقول صاحب المعالم (ره) في كتابه المعروف «معالم»: «العمل بفتاوى الموتى مخالف لما يظهر من اتفاق علمائنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت، مع وجود المجتهد الحي» (معالم الدين، ص 248).
وفي كتاب «الفوائد الحائرية» للمرحوم وحيد البهبهاني، ورد ما يلي: «أن الفقهاء أجمعوا على أن الفقيه لو مات لا يكون قوله حجة» (الفوائد الحائرية، ص 260 و 397). ويقول في موضع آخر: «وربما جعل ذلك من المعلوم من مذهب الشيعة» (نفس المصدر، ص 500).
ومن العلماء الآخرين الذين اشترطوا حياة المجتهد للعمل بفتواه، محمد ابن أبي جمهور الأحسائي؛ حيث علل هذا الرأي بقوله: «إذ الميت لا قول له، وعلى هذا انعقد الإجماع من الإمامية وبه نطقت مصنفاتهم الأصولية، لا أعلم فيها مخالفاً منهم» (محمد ابن أبي جمهور الأحسائي، الأقطاب الفقهية، ص 163).
وقد أقر المرحوم صاحب الجواهر أيضًا بتحقق الإجماع على هذا المطلب (الشيخ محمد حسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج 21، ص 402).
كما يؤيد المرحوم الشيخ الأعظم الأنصاري هذا الادعاء بالإجماع، في رسالة له، حيث يقول: «و قد بلغ هذا الإشتهار الى أن شاع بين العوام أن قول الميت كالميت» (التقليد، ص 34).
بما أن كلمات هؤلاء الأعلام وأساطين الفقه تحكي عن اتفاق وإجماع كبار علماء الشيعة على اشتراط الحياة، ومن المؤكد أن مقصودهم بالإجماع هو اتفاق الكل، يمكن القول بأن إجماعًا منقولًا قد وصل إلينا، وبناءً على ما هو مقبول لدى أكثر العلماء في مباحث الإجماع المنقول، يمكن الاستناد إليه. وكما نرى، فإن الشيخ الأعظم الأنصاري (ره) أيضًا، بعد نقله لكلمات هؤلاء الأعلام، اعتبر الإجماع المنقول في المسألة قابلًا للاستناد، قائلًا: «و هذه الإتفاقات المنقولة كافية في المطلب بعد اعتضادها بالشهرة العظيمة بين الأصحاب» (الشيخ الأنصاري، التقليد، ص 34).
2. ظاهر الآيات والروايات
من بين الأدلة التي أوردها المانعون لإثبات مدعاهم، أن الآيات والروايات التي تدل على حجية فتوى المجتهد وجواز الرجوع إليه، تختص جميعها بالمجتهدين المتصفين بصفة الحياة. وبالتالي، فإن الرجوع إلى المجتهد الميت والأخذ بفتواه لا يندرج تحت هذه الأدلة، ونصوص الحجية لا تؤيده. ولتوضيح أكثر، من الأفضل أن ندقق في بعض الآيات والروايات ونبين وجه اختصاصها.
على سبيل المثال، آية «النفر» الشريفة التي تقول: «فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (التوبة، 122). هذه الآية من الأدلة التي يُستند إليها لجواز الرجوع إلى الفقيه وحجية فتواه. ووجه الاستدلال بهذه الآية الشريفة باختصار هو أنه لو لم تكن فتوى الفقيه حجة على العوام ولم يتمكنوا من العمل بها، لكان تحريض فئة على التفقه في الدين وإنذار قومهم تحريضًا على أمر لغو؛ ومن جهة أخرى، لو لم يكن للعوام إجازة الأخذ بفتواه، لما كان لعبارة «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» في آخر الآية معنى؛ لأن هذا الحذر مترتب على إنذار الفقهاء وحجية كلامهم.
الآن، بعد هذه التوضيحات، يقول القائلون باشتراط الحياة: إن الإنذار الذي ورد في هذه الآية، والذي يتبعه الحذر لدى العوام، له ظهور في حياة المُنذِر؛ لأن الميت بالنسبة لوصف المُنذِرية هو «ما انقضى عنه المبدأ»؛ فلا يمكنه بالفعل أن يتصف بهذه الصفة.2
آية أخرى يُستند إليها في هذا الباب هي آية «السؤال» الشريفة التي تقول: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (الأنبياء، 7). في هذه الآية أيضًا، أُمر العوام والجاهلون صراحة بالرجوع إلى أهل الخبرة وسؤالهم عن مسائلهم. ما يظهر في هذه الآية هو وصف «أهل الذكر»، والذي ظاهره ينصرف إلى من يتصفون بهذا الوصف فعلًا؛ خاصة بعد أن أُمر بالسؤال منهم. وبالتالي، بما أن الميت ليس له قابلية الاتصاف الحقيقي بهذا الوصف، والرجوع إليه للسؤال غير ممكن، فإن ظهور هذه الآية أيضًا يكون في اشتراط الحياة.
أما بالنسبة للأخبار الدالة على حجية فتوى المجتهد، فينطبق عليها نفس الكلام السابق؛ لأن الروايات الموجودة في هذا الباب، كلها تصف الفقيه بأوصاف ظهورها في الفقهاء الذين هم فعلًا واجدون لتلك الأوصاف، وبعبارة أخرى، ظهورها في حياة المجتهد؛ مثل قول الإمام الحسن العسكري(ع) بناءً على ما نقله المرحوم الطبرسي: «فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه و ذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم …» (الاحتجاج، ج 2، ص 509).
3. سيرة المتشرعة
الاستدلال بسيرة المتشرعة لإثبات شرطية الحياة يكون على هذا النحو: إذا نظر شخص بتأمل إلى طريقة وسلوك المؤمنين والمتشرعة، فسيلاحظ أن سيرة الشيعة من عصر الأئمة الأطهار(ع) حتى اليوم كانت على هذا المنوال، ففي المسائل المختلفة التي كانت تعرض لهم، كانوا يرجعون إلى الأحياء والفقهاء الأحياء، وفي أخذ الفتوى، كانوا يفضلون المجتهد الحي على الفقيه الميت. وإذا دققنا، نلاحظ أنه حتى الذين كانوا يجيزون تقليد الميت، كانوا يتبعون هذه السيرة نوعًا ما؛ لأنهم لم يمنعوا أبدًا من تقليد الأحياء. هذه السيرة كانت في مرأى ومسمع المعصومين(ع)، وهم لم يكتفوا بعدم الردع عنها، بل كانوا هم أنفسهم، وفقًا لهذه السيرة، يرجعون أتباعهم وشيعتهم إلى الأصحاب والرواة الفقهاء الذين كانوا على قيد الحياة.3
4. العقل (الأصل العملي)
إذا لم نتمكن من إقامة دليل معتبر شرعًا على حجية فتوى المجتهد الميت، يجب اللجوء إلى الأصل الأولي الحاكم في المسألة. أما ما يقتضيه الأصل الأولي في المسألة، فهو عدم حجية الأمارة المشكوكة الحجية وعدم ترتب آثار الحجية عليها. وللتوضيح، نقول: بما أن هذه المسألة (اشتراط أو عدم اشتراط الحياة) تعود إلى الدوران بين التعيين والتخيير في الحجية – أي هل الحجة متعينة في فتوى المجتهد الحي أم أن المكلف مخير بين فتوى الحي وفتوى الميت – في مثل هذا الدوران، يحكم العقل بالأخذ بما هو محتمل التعيين؛ لأنه مقطوع الحجية. أما الطرف الآخر الذي هو مشكوك الحجية، فهذا الشك كافٍ لإسقاطه عن الحجية في مثل هذا الدوران. هذا التقريب للأصل الأولي في المسألة يُرى في كلام كثير من الأعلام مثل صاحب الفصول، والآخوند الخراساني، والشيخ الأنصاري، والإمام الخميني (رحمة الله عليهم أجمعين) (الشيخ محمد حسين الأصفهاني، الفصول الغروية، ص 415؛ الشيخ الأنصاري، رسالة التقليد، ص 34؛ الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، ج 2، ص 441؛ السيد روح الله الموسوي الخميني، رسالة الاجتهاد والتقليد، ص 150).
تقريب آخر قُدم هنا حول الأصل الأولي، هو «أصالة الاشتغال»؛ وهو أن هناك سلسلة من التكاليف الملقاة على عاتق جميع المكلفين، والتي يجب عليهم أن يأخذوها من الحجج المعتبرة ويعملوا بمقتضاها. الآن، في حالة تقليد المجتهد الميت، يبقى الشك في فراغ الذمة من التكليف قائمًا؛ لأن حجيته محل خلاف ولم يُعثر على دليل معتبر على حجيته؛ لذلك، يحكم العقل بأنه لليقين بفراغ الذمة من التكاليف، يجب الرجوع إلى فتوى المجتهد الحي الذي يوجد دليل على اعتبارها. يمكن استخلاص هذا التقريب من ظاهر عبارات المحقق الأصفهاني (محمد حسين الأصفهاني، رسالة الاجتهاد والتقليد، ص 15).
دراسة أدلة المانعين
الإجماع
إذا صرفنا النظر عن الخدش في أصل تحقق مثل هذا الإجماع بين علماء الشيعة – على الأقل بين قدماء الأصحاب وقبل ظهور المسلك الأخباري – ولم نقبل استبعاد الميرزا القمي في أصل تحقق هذا الإجماع (راجع: الميرزا أبو القاسم القمي، قوانين الأصول، ج 2، ص 263)، يجب القول إن ما يمكن أن يسقط هذا الإجماع، الذي يبدو أنه الدليل الرئيسي للمانعين، عن الاعتبار، هو احتمال كونه مدركيًا. فكما هو واضح في مباحث أصول الفقه، فإن اعتبار الإجماع يرجع فقط إلى الكشف عن رأي المعصوم (ع) الذي يحدثه لنا؛ وهذا الكشف لا يحصل إلا إذا كان إجماع جميع علماء الشيعة تعبديًا وليس مستندًا إلى مدرك خاص.
هنا، يوجد احتمال بأن علماء الشيعة قد أجمعوا على هذا الحكم من باب أصل الاشتغال الموجود في المسألة، أو بسبب الظهور الذي استنبطوه من الآيات والروايات المجوزة للتقليد، أو لأسباب أخرى غير هذه. يجب الانتباه إلى أنه مع طرح احتمال عقلائي يستند إلى كون الإجماع مدركيًا، فإن إجماع المجمعين يسقط عن الاعتبار؛ لأنه لن يتبعه استكشاف رأي المعصوم.
هذا الإشكال، على الرغم من أنه يظهر في بعض عبارات المحقق الخوئي (ره) (السيد أبو القاسم الخوئي، التنقيح في شرح العروة الوثقى، الاجتهاد والتقليد، ص 104)، إلا أنه يبدو أنه لم يصر على إشكاله؛ لأنه عند نقد أدلة المجوزين للتقليد الابتدائي من الميت بشأن دليل الاستصحاب – الذي طرحوه – قال ما معناه: «هذا الاستصحاب أصل جيد ولكن بشرط ألا يكون لدينا دليل على منع تقليد الميت؛ والحال أن إجماع علماء الشيعة وظهور الآيات والروايات يدلان على اشتراط الحياة في المجتهد» (السيد أبو القاسم الخوئي، مصباح الأصول، ج 3، ص 461).
بالإضافة إلى ذلك، سعى بعض مشايخ أساتذتنا للإجابة على هذا الإشكال فقالوا: «أنه وإن كان احتمال الاستناد إلى الدليل أو الأصل مانعاً عن ثبوت وصف الحجية للإجماع، إلا أنه لا مجال لهذا الاحتمال في المقام، خصوصاً بعد استقرار رأي المخالفين واستمرار عملهم على تقليد الميت والرجوع إلى أشخاص معينين من الأموات، ففي الحقيقة يكون هذا من خصائص الشيعة وامتيازات الإمامية» (الشيخ محمد فاضل اللنكراني، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، الاجتهاد والتقليد، ص 196).
ولكن ما شغل ذهن الكاتب منذ زمن بعيد في الاعتماد والاطمئنان إلى الإجماعات والشهرات الفتوائية للعلماء الماضين هو: بما أن هذه الإجماعات لا تكون دليلًا إلا إذا أوجبت الاطمئنان واليقين برأي المعصوم (ع)، يجب تقييمها بدقة، ومن خلال البحث في علل تحقق الإجماعات التي تشكلت من قبل الفقهاء الماضين، يجب تحديد ما إذا كانت هذه الإجماعات تعبدية حقًا وحكم المجمع عليه قد وصل إلى فقهاء الشيعة صدرًا عن صدر ويدًا بيد من المعصوم، أم أن هناك عللًا ومدارك خفية دفعت الفقهاء إلى الإفتاء الإجماعي. إذا لم يتم هذا التقييم، فكم من الحالات التي قد يتيقن فيها المستنبط برأي المعصوم بمجرد مشاهدة إجماع مماثل لما في هذه المسألة أو عدم ظهور مدرك له، ونتيجة لذلك، وبناءً على ذلك الإجماع واليقين المترتب عليه، يفتي بمسألة ما لسنوات عديدة. والأكثر من ذلك، كلما تقدم الزمن، زاد عدد المجمعين، وأصبح كشف الحقيقة للأجيال القادمة أكثر صعوبة.
وهنا، لتقوية الإشكال المذكور على الإجماع، يمكن القول إن ما يُحتمل في موضوع بحثنا الحالي هو أنه عندما نبحث في الأدلة النقلية، لا نجد خبرًا آخر غير الإطلاقات في جواز الرجوع إلى الفقيه العادل، وهذه الإطلاقات لا تصرح أبدًا باشتراط الحياة. من ناحية أخرى، عندما نرجع إلى العقل والارتكازات العقلية، لا نجد فرقًا بين الرجوع إلى الخبير الحي والخبير الميت. ومن ناحية أخرى، لا يوجد احتمال بأن الشارع قد اتبع تعبدًا خاصًا في مسألة تقليد الميت؛ خاصة عندما تشير أدلة جواز أصل التقليد من المجتهد إلى نفس الارتكاز المتمثل في رجوع الجاهل إلى العالم. فمع هذه التوضيحات، كيف تشكلت فتوى فقهاء الشيعة على عدم جواز تقليد الميت؟! للإجابة على هذا السؤال، يجب أن نعلم أن الشيعة وفقهاءهم، لأنهم كانوا يشاهدون الركود الشديد للعوام وتوقفهم عند فقهائهم السابقين، أي أئمة المذاهب الأربعة لأهل السنة، على الرغم من وجود أخطاء فادحة لديهم في أمر الاستنباط، كانوا دائمًا يخشون الوقوع في مثل هذا البلاء والركود. ومن ناحية أخرى، خلال فترة ظهور الأئمة الاثني عشر (ع)، اعتاد أصحابهم على هذا النهج، حيث كانوا يستطيعون نقد الفتاوى السابقة وطرحها على الإمام المعصوم أو تلاميذه، للوقوف على صحة تلك الفتاوى وسقمها. ومن ناحية أخرى، كانت أمور مثل القضاء، وحل وفصل الخصومات، وغيرها، تتطلب وجود عالم وفقيه حي، وكان من المناسب أن يكون اختيار الفتوى بيده وأن يقلده عامة الناس في الأحكام. هذه المقدمات كلها تضافرت لتجعل علماء الشيعة، من أجل مراعاة الاحتياط في مسيرتهم الاجتهادية، وكذلك لكي لا يخرج كلام أي شخص غير المعصومين (ع) عن دائرة النقد، بالإضافة إلى المشكلات التي كان يرافقها تقليد الميت في المسائل المستحدثة، يعتبرون الرجوع إلى أقوال الماضين أمرًا خاطئًا ويفتون بعدم جواز تقليد الميت. هؤلاء الأعلام، بالإضافة إلى ذلك، في تحليلاتهم، وبسبب وجود حالات أرجع فيها الإمام المعصوم شيعته إلى الفقيه الحي، خصصوا أدلة حجية فتوى المفتي بالمفتي والفقيه الحي، وجعلوا دلالة الأدلة متوافقة مع رأيهم. الآن، بالنظر إلى هذه الاحتمالات التي هي قابلة للطرح حقًا، يبدو أن الإجماع المدعى، حتى لو كان محصلًا، ليس تعبديًا؛ بل هو إجماع مدركي أو على الأقل محتمل المدركية. (والله العالم)
الآيات والروايات
بخصوص دلالة الآيات والروايات التي استُند إليها لجواز تقليد المجتهد والأخذ بفتواه، أثيرت بعض المناقشات من قبل بعض المشايخ (راجع: الشيخ حسين نوري الهمداني، مسائل من الاجتهاد والتقليد ومناصب الفقيه، ص 71-82). إذا صرفنا النظر عن تلك المناقشات في الدلالة (في باب الآيات والروايات) وفي السند (في باب الروايات)، يجب القول إن هذه الآيات والروايات لا تدل على مدعى المانعين. ما يوجد في هذه الآيات والروايات هو أوصاف مثل أهل الذكر، المنذر، الفقهاء، العارف بالأحكام، رواة الحديث، المخالف على الهوى و… والتي تظهر عرفًا في الأفراد الذين يتمتعون بالحياة ويتصفون بهذه الصفات بالفعل.4 بناءً على ذلك، فإن غاية دلالة هذه الآيات والروايات هي حجية فتوى المجتهد الحي؛ أما بالنسبة لحجية فتوى المجتهد الميت، فهي ساكتة ولا دلالة لها، فلا تثبت الحجية ولا تنفيها. ولكن ما كان يسعى إليه المانعون من الاستدلال باختصاص هذه الآيات والروايات بالمجتهد الحي هو عدم حجية فتوى المجتهد الميت، وقد اتضح بطلان ذلك بهذه التوضيحات.
الإرجاعات التي كانت تتم من قبل الأئمة الأطهار(ع) إلى أشخاص معينين لا تدل على مدخلية وخصوصية الحياة في المجتهد؛ بل قد يكون ذلك بسبب عدم شيوع كتابة الفتوى في عصر المعصومين واحتمال حدوث تغييرات عند نقل فتاوى الفقهاء السابقين، وكذلك بسبب سهولة الوصول إلى الفقهاء الأحياء، حيث كان الأئمة يرجعون أتباعهم إلى هؤلاء الأشخاص.
سيرة المتشرعة
ما هو واضح أن المانعين لا يمكنهم الاستدلال بسيرة العقلاء على مدعاهم؛ لأنه من الواضح بالوجدان أنه في سيرة العقلاء لا يوجد فرق بين الرجوع إلى رأي متخصص حي والرجوع إلى رأي متخصص ميت في مسألة معينة. ولكن ربما يمكن الخدش في تحقق السيرة من جانب المتشرعة في عدم الرجوع إلى الأموات وذكر أمثلة متعددة على استنادهم إلى فتاوى الأموات حتى في عصر المعصومين(ع)؛ ولكن بفرض أن المناقشات لم تصل إلى نتيجة، نتابع البحث. من الواضح أنه في كثير من الحالات، كان المتشرعة يرجعون إلى الأحياء للوصول إلى الأحكام الإلهية ويسألونهم عن المسائل المستحدثة والمبتلى بها، وحتى في عصر الأئمة(ع) حيث لم تكن كتابة الفتوى شائعة، ربما ظهر هذا العمل كسيرة بينهم، بل إن الأئمة أنفسهم كانوا يرجعون إلى الأحياء. ولكن هذه السيرة لا يمكن أن تكون دليلًا على مدعى المانعين (عدم جواز التقليد الابتدائي من الميت) إلا إذا أمكن أولًا إثبات أن «حياة المفتي لدى المتشرعة كان لها مدخلية في جواز أخذ الفتوى منه» حتى يُكشف من خلال مشاهدة ذلك وعدم وجود رأي مخالف من الشارع، عن رأي ورضا المعصوم باشتراط الحياة. لكن الحقيقة غير ذلك؛ لأن تقليد العوام ورجوعهم إلى الأحياء في كثير من الحالات لم يكن بسبب عدم اعتبار فتوى الميت لدى المتشرعة؛ بل من جهة، بسبب وقوع مسائل مستحدثة وجديدة لم يبحث فيها الفقهاء السابقون ويفتوا فيها، ومن جهة أخرى، سهولة الوصول إلى المجتهدين الأحياء وفتاواهم، كانت سببًا في تفضيل المتشرعة للأحياء على الأموات. بناءً على ذلك، وبفرض وقوع هذه السيرة بين المتشرعة، فإن ما يُستفاد منها هو جواز تقليد المجتهد الحي، أما بالنسبة للمجتهد الميت، فلا تفيد نفيًا ولا إثباتًا.
العقل (الأصل العملي)
ما ورد في بيان مقتضى الأصل الأولي في المسألة، بكلا تقريبيه، هو كلام متين وتام؛ ولكن بشرط أولًا ألا نتمكن من إقامة دليل معتبر على حجية تقليد الميت؛ وثانيًا أن يواجه الاستصحاب، وهو أحد أدلة المجوزين لتقليد الميت، مشكلة ولا يمكن جريانه. لأنه في حالة جريان استصحاب جواز تقليد الميت، فإن أصل الاستصحاب – استصحاب من حال حياته إلى بعد مماته – مقدم على الأصل مورد البحث من باب الحكومة. حكومة الاستصحاب تعود إلى أن موضوع الأصل العملي مورد البحث بناءً على التقريب الأول هو «الشك في الحجية» وبناءً على التقريب الثاني هو «عدم اليقين بفراغ الذمة»، وبجريان الاستصحاب يرتفع كلا الموضوعين.
ما مضى كان أهم أدلة المانعين مع دراستها. ولكن البعض تمسك بوجوه أخرى لإثبات عدم جواز التقليد الابتدائي من الميت، والمناقشة فيها ليست بالأمر الصعب. مثلًا، قال البعض: إن فتوى المخالف للمجتهد في حياته تمنع انعقاد الإجماع، ولكن بعد وفاته لا يعتبر قوله المخالف مانعًا للإجماع، وهذا يدل على عدم اعتبار فتوى الميت! (العلامة الحلي، مبادئ الوصول إلى علم الأصول، ص 248). في الإجابة، يجب القول إن المقصود بـ«الإجماع» هو اتفاق علماء عصر واحد على مسألة ما؛ وبالتالي، فإن المجتهد الميت إذا كان يُحسب من عصر المجمعين، فإن مخالفته في حياته قد منعت انعقاد الإجماع، وبعد وفاته ليس الأمر وكأن المانعية قد رُفعت ونقول إن علماء ذلك العصر قد أجمعوا. أما إذا كان المجتهد الميت ينتمي إلى عصور سابقة، فهو خارج موضوعًا عن البحث، وبالتالي لا توجد مانعية لانعقاد الإجماع.
أدلة المجوّزين
1. دليل الانسداد
ما يُستفاد من بعض كلمات المحقق القمي (ره) هو فتواه بجواز التقليد الابتدائي من الميت (جامع الشتات، ج 4، ص 470). ويبدو أن منشأ صدور مثل هذه الفتوى منه هو مبناه في انسداد باب العلم بالنسبة للأحكام، ونتيجة لذلك، حجية مطلق الظنون. بناءً على هذا المبنى، يبدو أنه يعتبر ظن المكلف بالحكم الشرعي حجة له من أي طريق حصل.5 وفي محل بحثنا أيضًا، عندما يحصل للمكلف ظن بالحكم الشرعي من فتوى المجتهد الميت – خاصة إذا كان ذلك المجتهد أعلم من المجتهدين الأحياء – فإن هذا الظن حجة له ويجيز ترتيب الأثر عليه.
وهنا، لا بد من التذكير بهذه النقطة: إذا اعتُبر باب العلم منسدًا وتعسر أو تعذر تحصيل الطاعة اليقينية عن طريق الاحتياط، فإن مطلق الظنون تصبح حجة بحكم العقل، وفي هذا الحكم العقلي لا يوجد أي إهمال أو إجمال. وبالتالي، لا يمكن القول بأننا نقبل انسداد باب العلم، ولكن في موضوع بحثنا يجب أن نكتفي بالقدر المتيقن من الظن الحجة. بعبارة أخرى، بعد اختيار مبنى انسداد باب العلم، لا يمكن القول بأن المكلف يجوز له فقط اتباع الظن الحاصل من فتوى المجتهد الحي – وهو القدر المتيقن في الظنون ذات الحجية -؛ لأن الأخذ بالقدر المتيقن يتعلق بالموارد التي لها دليل ذو إهمال، وليس في محل بحثنا حيث تكون مطلق الظنون حجة بحكم العقل (راجع: الشيخ حسين نوري الهمداني، مسائل من الاجتهاد والتقليد ومناصب الفقيه، ص 191 و 192).
2. إطلاق الآيات والروايات
الآيات والروايات التي تدل على جواز التقليد من المجتهد، والتي أشير إلى بعضها في المباحث السابقة، لها إطلاق ولا يظهر فيها أي تقييد بحال حياة المجتهد. وبالتالي، كما تدل هذه الأدلة على حجية فتوى المجتهد الحي، فإنها تشمل أيضًا فتوى المجتهد الميت وتدل على حجيتها.
3. الاستصحاب
بشأن الاستصحاب وكيفية إجرائه في بحثنا، ذكر المجوزون تقريرات نشير إليها.
التقرير الأول: جريان الاستصحاب بالنسبة لشخص المفتي: رأي وفتوى المفتي بناءً على أدلة حجية فتوى المجتهد، كانت حجة قطعًا على العوام في زمان حياته. الآن بعد وفاته، يُشك في حجية تلك الفتاوى، فيجري الاستصحاب ليزيل هذا الشك ويُبقي على تلك الحجية حتى بعد وفاة المفتي.
التقرير الثاني: جريان الاستصحاب بالنسبة لشخص المستفتي: بناءً على أدلة جواز التقليد، كان المستفتي في زمان حياة المفتي، لديه إجازة بالتقليد منه. الآن بعد وفاته، يُشك في جواز الرجوع إليه والأخذ بفتواه، فيحكم الاستصحاب بجواز التقليد حتى بعد وفاة المفتي.
التقرير الثالث: جريان الاستصحاب بالنسبة للمسألة المستفتى فيها: بناءً على فتوى المجتهد في زمان حياته، كان حكم مسألة مثل شرب عصير العنب، هو الحلية. الآن بعد وفاة المجتهد، يُشك في حكم تلك المسألة، وهذا الشك يُرفع باستصحاب ذلك الحكم (الحلية). بالطبع، هذا التقرير إذا كان المستفتي قد أدرك المجتهد حيًا في زمن تكليفه، يكون استصحاب الحكم من نوع «الاستصحاب التنجيزي»؛ أما إذا كان المستفتي في زمان حياة المفتي غير بالغ أو مجنونًا (غير مكلف)، فإن استصحاب الحكم يكون من نوع «التعليقي» ويُبيَّن على هذا النحو: لو كان التكليف في زمان حياة المفتي قد توجه إلى المكلف وتوفرت له شروط فعلية التكليف، لكان حكم المسألة المستفتى فيها هو الحلية (في المثال المذكور). الآن بعد وفاة المفتي، وقد تمت شروط فعلية التكليف، نشك في الحكم، وباستصحاب ذلك الحكم المعلق على فعلية التكليف، نقول إن الحكم الآن أيضًا هو الحلية.
4. سيرة العقلاء
ما يُشاهد في ارتكازات العقلاء هو أنه لا يوجد فرق في رجوع الجاهل إلى العالم بين العالم الحي والعالم الميت. سيرة العقلاء أيضًا تشكلت على أساس هذا الارتكاز، حيث لم يفرقوا في باب الرجوع إلى أهل الخبرة بين الأحياء والأموات. إذا نظرنا إلى سيرة وسلوك العقلاء، نلاحظ أنه إذا مرض شخص وشُخص نوع مرضه، فربما يُرجع في علاجه ومداواته إلى كتب مثل «القانون» لابن سينا وكتب أخرى وصلت إلينا من أطباء قدامى، وتتم عملية المداواة بنجاح كامل. هذه السيرة العقلائية موجودة منذ القدم، وهي نابعة من ارتكازات وبناءات عقلائية على عدم الفرق بين الحي والميت في اعتبار رأيهم العلمي، وبما أنه لا يوجد ردع من الشارع عليها، يمكننا كشف تقرير ورضا الشارع عنها والحكم بجواز تقليد الميت.
دراسة أدلة المجوّزين
دليل الانسداد
في الرد على هذا الدليل، نوقش من جهة في المبنى، ومن جهة أخرى في البناء عليه. في الإشكال على المبنى، يكفي أن نقول إن حجية خبر الواحد وكذلك حجية الظواهر للأعم ممن قُصد إفهامه ومن لم يُقصد إفهامه، لها أدلة معتبرة ومتقنة في النصوص والسيرة العقلائية قد أمضاها الشارع؛ وبالتالي، فإن باب العلم والعلمي بالنسبة للأحكام ليس منسدًا.
أما لو سلمنا أن انسداد باب العلم قد وقع وأن مطلق الظنون حجة، ففيما يتعلق بالبناء الذي وُضع على هذا المبنى، يُطرح إشكالان:
أولًا: مع هذه الاختلافات الموجودة بين الفقهاء في مختلف مسائل الأحكام، لا يحصل للمكلف أبدًا ظن بالحكم الشرعي من فتوى مجتهد ميت، خاصة في فرض وجود مجتهد أعلم منه بين الأحياء أو الأموات، حتى نتحدث في المرحلة التالية عن حجيته.6
ثانيًا: على فرض أن هذا الظن قد حصل للمكلف من فتوى مجتهد ميت – مثلًا في فرض أن ذلك الميت أعلم من غيره من الأحياء والأموات – يجب ألا نغفل عن أن دليل الانسداد ناظر فقط إلى المجتهدين، وما يُستفاد من ذلك المبنى هو فقط حجية مطلق الظنون للمجتهدين لا للمكلفين. توضيح أكثر: على فرض قبول الانسداد، لا يوجد فرق بين الظن الخاص والظن المطلق؛ أي كما أن حجية الظن الخاص هي فقط للمجتهدين، فإن الانسداد أيضًا يفيد في النهاية حجية مطلق الظنون للمجتهدين. وبالتالي، فإن الظن الذي يحصل للمقلد من فتوى المجتهد الميت، لا يوجد دليل على حجيته. (لتفصيل أكثر راجع: الشيخ محمد فاضل اللنكراني، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، الاجتهاد والتقليد، ص 191 و 192).
إطلاق الآيات والروايات
في المباحث السابقة عند دراسة أدلة المانعين من تقليد الميت، تمت دراسة هذه الآيات والروايات، فنمتنع عن إعادة وتفصيل تلك المباحث؛ ولكن ما يمكن قوله هنا هو أنه إذا صرفنا النظر عن المناقشات في سند ودلالة هذه الأدلة، يجب أن نقول إن هذه الآيات والروايات لم تكن في مقام بيان اشتراط الحياة وسكتت عنه. وبالتالي، على الرغم من أن ظهور الأوصاف الموجودة في هذه الأدلة مثل «أهل الذكر»، «الفقهاء»، «العارف بالأحكام» و… هو في المتلبس بالمبدأ في الحال وخاصة الحي، إلا أن الحياة ليس لها أي خصوصية في المطلب ولم تكن مقصودة أصلًا؛ نتيجة لذلك، لا يمكن إثبات مدعى أي من المثبتين والمانعين لاشتراط الحياة بهذه الأدلة. ولكن مع ذلك، كما ذُكر سابقًا، ربما يمكن القول إن بعض هذه الصفات هي ملكات حتى بعد وفاة المجتهد تظل روحه متلبسة بها، ومن نظر العرف، فإن اتصافه بتلك الصفات حتى بعد الموت ليس مجازيًا، بل هو عين الحقيقة. في هذه الحالة، لن يكون ظهور الآيات والروايات في إرجاع المجتهد الحي؛ بل تظهر الأدلة في إرجاع عموم المجتهد والفقيه.
الاستصحاب
بشأن جريان الاستصحاب في بحثنا، طُرحت نقوض وإبرامات من قبل الفقهاء، وعمدتها إشكال المرحوم الآخوند وجواب الفقهاء عليه، والذي نورده أدناه.
خلاصة إشكال صاحب كفاية الأصول هي أن جريان الاستصحاب يتوقف على بقاء موضوع المستصحب حتى يمكن إبقاء حكمه تعبدًا وتنزيلًا. ولكن في بحثنا، الموضوع بعد وفاة المجتهد لا يبقى؛ لأن رأي وفتوى المجتهد الذي هو موضوع الحجية وجواز الأخذ، على الرغم من أنه يتقوم عقلًا بالنفس الناطقة التي تبقى مجردة وموجودة بعد الموت، إلا أنه عرفًا يتقوم بالحياة، وبحلول الموت، يُعدم الميت ورأيه وفتواه، وما هو مهم في الاستصحاب هو فهم العرف وقضاؤه في بقاء أو عدم بقاء الموضوع. يمكن استظهار قبول هذا الإشكال من كتاب «الفصول» وكذلك رسالة «الاجتهاد والتقليد» للمحقق الأصفهاني (ره) (الشيخ محمد حسين الطهراني الأصفهاني، الفصول الغروية، ص 415؛ الشيخ محمد حسين الأصفهاني، رسالة الاجتهاد والتقليد، ص 15).
في الرد على هذا الإشكال، أولًا، يجب توضيح أن المقصود بـ«العرف» في هذا الكلام، هل هو عرف المتشرعة أم عرف غير المتدينين؟ من المسلم به أن تشخيص العرف اللامبالي والمنفصل عن الشريعة والدين ليس له أي دخل في تحديد بقاء أو عدم بقاء موضوع الاستصحاب؛ بل أهل العرف المسلمون والملمون بالدين هم الذين يملكون تشخيصًا معتبرًا وموثوقًا به. بالنظر إلى هذه المقدمة، من الواضح تمامًا أن مثل هذا العرف، نتيجة للتعاليم التي تلقاها عبر قرون من بعثة الأنبياء والرسل ومجيء الأديان الإلهية، لم يعتبر الموت فناءً للميت، وكما هي الحقيقة، فإنه يعتبر روح الميت وفتواه ورأيه باقية.
ثانيًا، حتى لو قبلنا أن رأي المجتهد يُعدم عرفًا بالموت، فما الدليل على أنه لجواز التقليد يجب أن يبقى رأي وفتوى المجتهد حتى يمكن استصحاب جواز التقليد؟ بعبارة أخرى، ما الدليل على أن موضوع حكم جواز التقليد هو وجود رأي وفتوى المجتهد؟ بل من المحتمل أن حدوث رأي وفتوى من المجتهد يصاحبه حكم بجواز التقليد والحجية، وحتى بعد وفاته وانعدام رأيه – على فرض ذلك – يمكن في حالة الشك استصحابه ولا يوجد مانع في ذلك. وبالتالي، يجب القول إن موضوع حكم جواز التقليد هو حدوث رأي وفتوى المجتهد.
في المجمل، بالبيانات التي مرت في نقض وإبرام هذا الدليل للمجوزين، أي الاستصحاب، يمكن الوصول إلى هذه الخلاصة: أن الإشكالات المذكورة على جريان هذا الاستصحاب لا يمكن أن تمنع جريانه، وبناءً على التقريرات الثلاثة التي قُدمت منه، يمكن عند الشك في حجية فتوى المجتهد بعد وفاته، الحكم بجواز تقليد الميت بإجراء أصل الاستصحاب.
سيرة العقلاء
من بين الإشكالات التي وردت على هذا الدليل، إشكال أورده الإمام الخميني (أعلى الله مقامه) في كتاب «الاجتهاد والتقليد». يقول سماحته: دليل اعتبار سيرة العقلاء في مسألة ما هو كاشفيتها عن رضا ونظر المعصوم، وهذا لا يحصل إلا عندما تكون هذه السيرة قد وصلت إلى مرحلة العمل في مرأى ومسمع المعصوم، ويكون قد أيدها أو على الأقل لم يردع عنها. أما إذا كان للعقلاء فهم واستيعاب لم يصل إلى مرحلة العمل، فلا يمكن العلم برضا الشارع عن ذلك الفهم من سكوته. فكم من الحالات التي قد يرى فيها الشارع المقدس المصلحة خلاف ذلك الفهم ولا يرضى به، ولكن لأن أحدًا لم يعمل بناءً على ذلك المرتكز الخفي، لم يصدر منه ردع أو نهي.
في بحثنا أيضًا، لا يرى العقلاء فرقًا بين المجتهد الحي والميت في الرجوع إليه، بل وفي موارد أخرى من الرجوع إلى أهل الخبرة، وصلت هذه النظرة إلى سيرة سلوكية (مثل سيرة العقلاء في الرجوع إلى كتب الأطباء الأموات لمداواة الأمراض)، ولكن بما أن سيرة العقلاء في عصر الأئمة الأطهار(ع) كانت الرجوع إلى المفتين والفقهاء الأحياء، فإن سكوت الشارع لا يدل على شيء (السيد روح الله الموسوي الخميني، الاجتهاد والتقليد، ص 60).
دراسة الإشكال: هذا الادعاء بأن ارتكاز العقلاء بشأن موضوع بحثنا لم يصل إلى مرحلة العمل في سيرتهم وسلوكهم في عصر الأئمة الأطهار(ع)، هو ادعاء غير عرفي ومخالف للشواهد والقرائن؛ لأنه حتى في ذلك العصر، على الرغم من عدم تدوين كثير من الفتاوى، يبدو أن الكثير من المتشرعين كانوا يعملون بفتاوى الماضي التي وصلت إليهم صدرًا عن صدر بناءً على ارتكازهم العقلائي. الادعاء بعدم عمل المتشرعين وفقًا لارتكازاتهم في هذه المسألة – مع أن الشارع لم يمنع صراحة من تلك الارتكازات – هو حقًا ادعاء مخالف للظاهر يتطلب إثباته دليلًا متقنًا؛ خاصة عندما نلاحظ أن السيرة الكلية للعقلاء في المجالات المماثلة مثل الطب وعمليات علاج الأمراض، كانت قائمة على تساوي الطبيب الحي والميت.
ولكن حتى لو أمكن إثبات هذا الادعاء، فإن ما يتبادر إلى ذهن الكاتب القاصر أكثر من أي شيء آخر، ومع طرح كل هذه الإشكالات المسماة بشبهات المدرسة، يتلاشى لونها، هو وجود ارتكاز عقلائي في محل بحثنا. ارتكاز العقلاء في باب رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة، يقوم على أنه لا فرق بين أن يكون ذلك العالم حيًا أو ميتًا يمكن الحصول على رأيه عن طريق نقل أقوال موثوقة أو من كتاب معتمد له. هذا الارتكاز العقلائي هو نفسه الذي كان أصلًا لنشوء سيرة عقلائية في مساواة الحي والميت في كثير من الموارد مثل الرجوع إلى أقوال الأطباء. ولكن النقطة النهائية هي: حتى في مسألة الرجوع إلى المجتهد لأخذ الفتوى وتقليد العوام من المجتهدين، فإننا لا نواجه مسألة تعبدية ومنفصلة عن هذا الارتكاز العقلائي (الرجوع إلى أهل الخبرة دون فرق بين الحي والميت)، بل إن الشارع المقدس نفسه سار على أساس هذا الارتكاز الذي هو قضية فطرية وفهم إلهي.
الخلاصة والنتيجة
مما سبق، اتضح أن أدلة المانعين لم تكن خالية من المناقشة، بل إن دليلهم الرئيسي، أي الإجماع، بعد التأمل والدراسة التاريخية، هو إجماع مدركي لا اعتبار له لعدم كشفه عن رأي ونظر المعصوم (ع). أما بين الأدلة التي قدمها المجوزون، فإن دليلهم الرئيسي، أي سيرة العقلاء، واجه إشكال الإمام الخميني (ره)، والذي على الرغم من عدم قبوله من قبل الكاتب، كان من الأفضل تقديم بيان جديد لهذه السيرة لتكون خالية من أي شبهة.
ما يعتبره الكاتب دليلًا رئيسيًا على جواز التقليد الابتدائي من الميت، من الأفضل أن يُطرح بعنوان «الارتكاز العقلائي على جواز تقليد الميت» الذي سار الشارع أيضًا على أساسه ولم يقصد تأسيس تعبد خاص ومخالفة لهذا الارتكاز. بالنظر إلى هذه المطالب، يجب القول إنه كما لا يفرق العقلاء بين الأحياء والأموات في الرجوع إلى أهل الخبرة، فإن الشارع أيضًا يعتبر المجتهد الحي والمجتهد الميت وجواز الرجوع إليهما على السواء، وقد جعل حجية فتوى كليهما.
أما وجه إرجاعات الأئمة الأطهار(ع) إلى الفقهاء الأحياء في الكتب الروائية والتاريخية، فلم يكن لخصوصية الحياة ومدخليتها في جواز التقليد، بل إن المعصوم(ع) بسبب عدم شيوع كتابة الفتوى من قبل الفقهاء وعدم توفر فتاوى الماضين بشكل كامل، وكذلك سهولة الوصول إلى الأحياء، فضّل الأحياء على الأموات وأرسل تابعيه وشيعته إليهم.
وبصرف النظر عن كل هذه الموارد، فإن الأصل الحاكم عند فقدان الدليل في المسألة هو أصل استصحاب حجية فتوى المجتهد من زمان حياته إلى ما بعد وفاته بتقريراته المختلفة. هذا الأصل أثار مناقشات بين العلماء ذكرنا أهمها في الصفحات السابقة، ولكن يبدو أنه يمكن التغلب عليها وتقديم تقرير خالٍ من الإشكال له. بهذه التوضيحات، يمكن تقديم هذه النتيجة الفقهية: أن جواز التقليد الابتدائي من الميت له دليلان معتبران: «الارتكاز العقلائي» و«أصل الاستصحاب»، وأن اشتراط الحياة في جواز التقليد من المجتهد يفتقر إلى دليل معتبر.
المصادر
- القرآن الكريم.
- الآخوند الخراساني، محمد كاظم: كفاية الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي، 1418 هـ.ق.
- آل عصفور، خلف بن عبد علي: مزيلة الشبهات عن المانعين من تقليد الأموات.
- الأنصاري، الشيخ مرتضى: التقليد، نشر باقري، قم، 1415 هـ.ق.
- الأسترآبادي، الميرزا محمد أمين: الفوائد المدنية، دار النشر لأهل البيت (ع).
- الصدر، السيد رضا: الاجتهاد والتقليد، دار الكتب اللبناني، بيروت.
- الطبرسي، أحمد بن علي: الاحتجاج على أهل اللجاج، دار الأسوة، 1422 هـ.ق.
- العاملي، الحسن بن زين الدين: معالم الدين وملاذ المجتهدين، مؤسسة النشر الإسلامي، 1046 هـ.ق.
- العاملي، زين الدين بن علي: رسائل الشهيد الثاني، مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية، 1421 هـ.ق.
- الحلي، العلامة، الحسن بن يوسف: مبادئ الوصول إلى علم الأصول، مطبعة الآداب، النجف الأشرف.
- فاضل اللنكراني، الشيخ محمد: تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، مركز فقه الأئمة الأطهار، 1426 هـ.ق.
- فضل الله، السيد محمد حسين: فقه الحياة (حوار مع آية الله فضل الله)، بيروت.
- الفضلي، عبد الهادي: التقليد والاجتهاد، مركز الغدير للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1428 هـ.ق.
- القمي، ميرزا أبو القاسم: جامع الشتات، انتشارات كيهان، 1371 هـ.ش.
- القمي، ميرزا أبو القاسم: قوانين الأصول، مكتبة الإعلام الإسلامي، 1417 هـ.ق.
- الموسوي الخميني، السيد روح الله: الاجتهاد والتقليد، مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني، 1418 هـ.ق.
- الموسوي الخوئي، السيد أبو القاسم: التنقيح في شرح العروة الوثقى، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، 1421 هـ.ق.
- النجفي، الشيخ محمد حسن: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- نوري الهمداني، الشيخ حسين: مسائل من الاجتهاد والتقليد ومناصب الفقيه، مركز نشر دفتر تبليغات إسلامي، 1375 هـ.ش.
الهوامش
- تجدر الإشارة إلى أن الرأي الفقهي لعلماء العامة (أهل السنة) بشأن تقليد فتوى الميت، على عكس ظاهر هذه الجملة لفخر الرازي، حيث إنهم متفقون على جواز الرجوع إلى المفتي حتى بعد وفاته؛ ولذلك، فإنهم يعتبرون العمل بفتاوى أئمتهم الأربعة بعد قرون من وفاتهم كافيًا.
- في مباحث أصول الفقه، يوجد بحث مفصل حول ما إذا كان المشتق حقيقة فقط في المتلبس بالمبدأ في الحال، أم أن استعمال المشتق حتى في ما انقضى عنه المبدأ هو حقيقة أيضًا. ما تنقح في علم أصول الفقه للكاتب وكثير من الأصوليين هو أنه على الرغم من الاختلافات بين الحرف والمهن المختلفة حول مدة التلبس بالمبدأ، فإن ما هو مشترك بينها جميعًا هو حقيقة استعمال المشتق في المتلبس بالمبدأ في الحال ومجازيته في المنقضي عنه المبدأ (راجع: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، بحث المشتق).
- الفرق بين هذا الدليل والإجماع هو أن في الإجماع، يكون اتفاق فتاوى علماء الشيعة على عدم جواز التقليد الابتدائي من الميت هو ما يكشف عن رأي المعصوم؛ أما في السيرة، فيُستند إلى أفعال المتشرعة وسلوكهم، وباستخدام مدخلية وشرطية الحياة من سلوكهم، ومن جهة أخرى، بالنظر إلى عدم وجود رأي مخالف من الشارع، يُكشف عن رضا الشارع ومنشأه الشرعي لذلك السلوك.
- ربما يمكن المناقشة في حصر ظهور بعض هذه الأوصاف في الأحياء. على الرغم من أن المختار لدى الكاتب في بحث المشتق هو حقيقة استعمال المشتق في المتلبس بالمبدأ في الحال لا المنقضي عنه المبدأ، إلا أنه يبدو أن استعمال بعض هذه الصفات للأموات هو حقيقي أيضًا؛ لأنه في بحث المشتق، قيل بالتفصيل إن المبادئ مثل الحرف والصناعات والملكات وغيرها تختلف من حيث التلبس وزمن الانقضاء. وهنا أيضًا، يبدو أن بعض هذه الأوصاف مثل الفقه، ومعرفة الأحكام، وكونه من أهل الذكر وغيرها، بما أنها تتعلق بروح الإنسان، والروح لا تفنى بالموت وزوال الجسد، فإذا كان الإنسان متلبسًا بها حتى آخر لحظة من حياته في هذه الدنيا، فإنه يمتلك قابلية الصدق الحقيقي عرفًا حتى بعد الموت؛ لأن الروح لا تزال متلبسة بها في الحال. بهذا البيان، لا تثبت الآيات والروايات مدعى المانعين فحسب، بل يصبح جواز تقليد الميت جزءًا من معناها الظاهري أيضًا.
- إذا لم يعتبر الفقيه خبر الواحد حجة أو اعتبر ظواهر الآيات والروايات حجة فقط لمن قصد إفهامه (المخاطبين الحاضرين)، فيجب أن يرى باب العلم والعلمي في معظم الأحكام منسدًا. الآن، إذا قُبل انسداد باب العلم والعلمي، فإن العقل يحكم بحجية مطلق الظنون بثلاث مقدمات: 1. باب تحصيل العلم بالنسبة للأحكام مغلق؛ 2. نحن بالتأكيد لسنا متروكين وبلا تكليف، بل مثل مسلمي صدر الإسلام، لدينا تكاليف شرعية؛ 3. لإفراغ الذمة من تلك التكاليف، لا يمكن الإجمالًا الأخذ بالاحتياط، لأنه يوجب العسر أو التعذر. النتيجة: يحكم العقل بأنه بدلًا من العلم الذي بابه منسد، نعتبر الظنون معتبرة ونعمل وفق أي ظن حصل بالنسبة للأحكام الشرعية.
- بالطبع، يجب الانتباه إلى أن عدم التفريق بين فرض وجود أعلم من المجتهد الميت مع فرض كونه هو أعلم من غيره، هو ما سبب هذا الإشكال؛ بينما هذا يتعلق ببحث اشتراط الأعلمية. أما ما هو مفروض في بحثنا، فهو أعلمية الميت أو تساويه مع الآخرين أو رد اشتراط الأعلمية من الأساس.