الأصل الأولي عند تعارض الأدلّة: التخيير أم التساقط

الملخص

لا شك في أن استنباط الأحكام في عملية الاجتهاد من الأدلة الشرعية لم يكن دائمًا على وتيرة واحدة، بل كان مصحوبًا بمشكلات يضطر الفقيه إلى حلها للوصول إلى الأحكام. من أهم هذه المشكلات وجود التعارض بين أدلة الأحكام والموضوعات، خاصة في الأحاديث التي هي أكبر مصدر للأحكام والسنة، حيث نواجه تعارضات كثيرة. إن تحديد الأصل الأولي، الذي يعبر عن مقتضى الأصل العقلي، له تأثير كبير في تحديد موقف الفقيه في فهم الأحكام وتطبيقها. وقد وردت أقوال مختلفة من قبل الأصوليين في تحديد هذا الأصل، أهمها القول بالتساقط والقول بالتخيير أو التوقف. وقد أقام أنصار كل قول أدلة لإثبات مدعاهم. كاتب هذه السطور، الذي يرجح نظرية التخيير، يعرض نظرية التساقط، وهي رأي مشهور كبار أصوليي الإمامية، ويضعها على محك النقد والتقييم، ليثبت أن التساقط ليس من مقتضيات العقل، بل إن التخيير هو مقتضى الأصل الأولي العقلي. وفي هذا المقال، سنتناول معًا نقد نظرية التساقط وإثبات نظرية التخيير.

المقدمة

سنة المعصومين، قولاً وفعلاً وتقريراً، هي أهم مظهر وميدان لعرض الشريعة الإلهية، حيث تقدم الشرع بصورة قولية، وأحيانًا بصورة عملية ونموذجية، وبمستوى أعلى من الحالة النظرية، وتعد طريقًا رئيسيًا للباحثين والمهتمين بفهم حكم الله في مختلف المجالات. إلا أن الأحداث التاريخية والهجمات التي شنها المحرفون والمبطلون، وتأويلات الجاهلين والغلاة والمتسللين (الحر العاملي، 1440: 21، 151، ح 43)، عرضت هذا المصدر الفريد لأنواع شتى من الأضرار، وجعلت الاستفادة المثلى منه بعيدة عن متناول عامة الناس. وبدون تخصص وإمكانية للتفكير والاجتهاد الدؤوب، وبالطبع التوسل والتوكل، لا يمكن أن نأمل في توفيق كافٍ لاستقاء الحكم الإلهي من هذا المصدر الديني الغني والفريد. يُضاف إلى ذلك أن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) كانوا في الغالب يعانون من أجواء القمع، مما اضطرهم إلى اللجوء للتقية وإصدار بعض الأحاديث بناءً على ذلك. ومن جهة أخرى، كان الجعل والوضع والتحريف من قبل الغلاة ومرتزقة الحكومات من الآفات الأخرى التي أصابت مصادرنا. كما أثرت عوامل أخرى في هذا المجال، يحتاج بيانها إلى فرص أخرى. وكانت نتيجة هذه العوامل ظهور ظروف استثنائية. أما اليوم، فإننا نواجه كنوزًا دفينة تحت ركام هائل من هذا التراب والرماد؛ كنوز خفية وقيمة وجواهر أحكام لا يمكن الإعراض عنها وتجاهلها، وركام من الموانع يغطي تلك الكنوز ويخفيها، بحيث لا يمكن التعرف عليها وإزالتها بسهولة. من نتائج هذه التيارات المدمرة ظهور التعارض بين الأدلة. وبطبيعة الحال، فإن الطريق العقلي والحكيم هو اللجوء إلى اجتهاد مستمر وبذل جهد وسعي وافرين. ولكن للأسف الشديد، ظهر في هذا الصدد تياران، إفراطي وتفريطي، في مواجهة هذه الحقيقة المرة، وكلاهما يميل إلى الباطل والخروج عن طريق الاجتهاد المستقيم. فأحد الطرفين، من خلال إبراز الموانع، يدعونا إلى التخلي عن هذا الكنز الفريد والاكتفاء بالحد الأدنى من المعرفة الدينية، وهو ما ينسجم ويتناغم مع نداء النفس الهاربة من المسؤولية. والطرف الآخر، يدعونا إلى غض الطرف عن هذه الآفات واعتبار أجزاء هذا الركام ذهبًا، ويوصي بالعمل بكل هذه المدخرات من القش والهشيم.

أما أهل الحكمة والعقل، فيرفعون شعار «اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب وآثار النبوة» (نهج البلاغة، خ 16) عن أمير الهداية، ويجعلون فضيلة طريق الاجتهاد والتمييز بين الصحيح والسقيم والغث والسمين نصب أعينهم، ويصرون على ضرورة الاجتهاد.

ضرورة تأسيس الأصل في التعارض

بالطبع، التعارضات التي تظهر في الأحاديث لها حلول كثيرة لرفعها من جانب الأئمة (عليهم السلام)، مما يسهل مهمة مواجهة هذه الأدلة والاستفادة منها. ولكن التعارض بين سائر الأدلة غير الأخبار من جهة، والتعارض في الأمارات والبينات التي تظهر في الموضوعات الخارجية من جهة أخرى، لا يمكن رفعه بتطبيق الحلول المذكورة من جانب الأئمة. لذا، قبل الدخول في المباحث الرئيسية في تعارض الأدلة، نحتاج إلى تأسيس أصل أولي في هذه المسألة. فعندما لا نجد حلاً من خلال الأدلة المأثورة والحلول المطروحة لرفع التعارض، نتوسل بهذا الأصل كأصل أولي ونحدد موقفنا في مسألة تعارض الأدلة. من هذا المنطلق، نسعى في هذا المقال إلى تحديد وتأسيس هذا الأصل. إلا أن استيعاب جميع أبعاد المسألة خارج عن نطاق هذا المقال، وأهم الأقوال هي القول بالتساقط الذي يدعمه مشهور الأعلام وفقهاء الشيعة والسنة، والقول بالتخيير الذي يتبعه عدد لا يقل عن عدد القائلين بالقول السابق. ستكون هذه الأقوال موضع فحص وتقييم ونقد، وسيسعى الكاتب إلى تحدي الأسس النظرية لنظرية التساقط وترسيخ نظرية أصالة التخيير العقلي.

تعريف تعارض الأدلّة

ألف: التعارض في اللغة

التعارض من جذر ‘عَرَضَ’ بمعنى الظهور ومقابلة شيء بشيء آخر. ولهذا الأصل اللغوي معانٍ كثيرة، قد ترجع أحيانًا إلى الاشتراك المعنوي، وأحيانًا تُحمل على الاشتراك اللفظي. ولكن سواء اعتبرنا أصل هذه الكلمة من قبيل المشترك المعنوي أو المشترك اللفظي، فإن معنى التعارض مأخوذ من ‘العرض’ بمعنى المقابلة، ولا حضور للمعاني الأخرى فيه. حتى ‘الإعراض’ الذي يعني الإدبار عن شيء، يكتسب هذا المعنى بتقدير حرف ‘عن’، وهو دليل بحد ذاته على أن هذه الكلمة بدون تقدير حرف ‘عن’ ستعني المقابلة والمواجهة، وضد معنى الإعراض. وهذه الكلمة على وزن ‘تفاعل’ أقل مشاهدة، ويبدو أنه كان من الأفضل أن تكون عبارة ‘معارضة الأدلة’ هي الشائعة والمصطلحة بدلًا من ‘تعارض الأدلة’. وعلى أي حال، فإن الغرض من التعارض هو ‘عارض الشيء بالشيء’، أي مقابلة شيء بشيء آخر (ابن منظور، 2005: 99/10).

باء: التعارض في الاصطلاح

التعارض في اصطلاح علم الأصول، بناءً على التعريف المشهور، هو تنافي مدلولي دليلين على نحو التناقض أو التضاد (الميرزا القمي، 1431: مبحث التعارض). وكما يلاحظ، فإن ملاك التعارض هو تنافي مدلول دليلين أو أكثر، بمعنى عدم إمكانية الجمع بين المدلولات، مثل الوجوب المستفاد من دليل في موضوع معين مع الحرمة المستفادة من دليل آخر في نفس الموضوع.

نقد التعريف المشهور

أثيرت إيرادات على هذا التعريف أدت إلى إعراض المتأخرين عنه. أهم هذه الإيرادات هي أن التعارض يجب أن يكون بين أمرين وحقيقتين وجوديتين، بينما مدلولا الدليلين المتعارضين لا يرتديان ثوب التحقق بسبب التعارض. فمثلاً، عندما يدل دليل على الوجوب ودليل آخر على الحرمة، لا يتحقق وجوب ولا حرمة، بل يبقى المكلف حائرًا حتى يرفع المشكلة بطريقة ما، ومن المعلوم أن العدم لا يعارض العدم الآخر. ونظرًا للإشكالات المشار إليها، عدل كثير من العلماء، ومنهم الشيخ الأعظم الأنصاري، عن هذا التعريف، واعتبروا تعارض الأدلة هو تنافي الدليلين باعتبار تنافي مدلوليهما (الشيخ الأنصاري: 1430: 11/4).

المرحوم الآخوند صاحب الكفاية أيضًا لم يرضَ بالتعريف المشهور، وعرّف التعارض أحيانًا بأنه تنافي مقتضى الدليلين، فإن كان مقصوده بالمقتضى هو مدلول الدليل، فهو ملحق بالتعريف المشهور بل عينه، وباعتبار آخر ملحق بتعريف الشيخ. وأحيانًا يعرفه على هذا النحو: التعارض هو تنافي دليلين أو أكثر في مقام الدلالة والإثبات على نحو التناقض أو التضاد الحقيقي أو العرضي (الآخوند الخراساني، 1438: 3/ 291). وفي النهاية، قلما نجد عالمًا من علماء الأصول لم يبدِ رأيه في تعريف التعارض، وهناك مباحث واسعة في نقض وإبرام هذه التعريفات، لا يتسع لها مجال هذا المقال. والمهم أن نعلم أن جميع هذه التعريفات تنظر إلى أمور سيشار إليها أدناه:

أولًا، أن نعلم أن التعارض هو تنافٍ بحيث لا يمكن الجمع بين دليلين أو أكثر في الصدق.

ثانيًا، أن نعلم أن المراد من الدلالة المطروحة في تعريف التعارض ليس الدلالة بمعنى الكشف والحكاية، بل المراد من الدلالة هو الدليلية والاعتبار. لذا، يقع التعارض حيث لا يمكن اعتبار دليلين أو أكثر معًا. والدليل على هذا المدعى هو أنه في موارد الجمع العرفي، مثل تقابل العام والخاص، لم يقل أحد بالتعارض، ويُتحدث عن حجية العام بالنسبة للمصاديق الخاصة. ولو كان مناط التعارض هو التنافي في الدلالة بمعنى الكشف، لكانت هذه الموارد من التعارض، لأن التنافي الدلالي موجود بينهما. وبعبارة أخرى، في موارد الجمع العرفي والدلالي، حيث لا يدعي أحد التنافي والتكاذب في الاعتبار والحجية، لا يعتبرها أحد من موارد التعارض، بينما التنافي الدلالي بمعنى الكشف والظهور موجود في العام والمخصص، ولو كان مناط التعارض هو التنافي الدلالي بمعنى الكشف والحكاية، لوجب عدها من التعارض.

ثالثًا، أن نعلم أن التعارض ينشأ دائمًا من تنافي المدلولات ويُنسب إلى الدليل، باعتبار فناء الدليل في مدلوله وتمتعه بنوع من الوحدة والاتحاد من نوع اتحاد المرآة والصورة. إن هذا التنافي ينشأ من المدلولات وينسب إلى الدليل.

رابعًا، أن نعلم أن التعارض دائمًا أخص مفهومًا من التنافي؛ لأن التنافي يدور حول عدم إمكان الجمع بين شيئين، مثل الوجوب والحرمة أو بين الوجوب وعدم الوجوب، بينما مناط التعارض هو التكاذب؛ لأن الكلمة مأخوذة من ‘العرض’ الذي يُستشم منه الإظهار والمقابلة والمعارضة. ومن هنا لا ينبغي تقييم التعارض بين مدلولين متنافيين مثل الوجوب والحرمة؛ لأن التنافي لا يستلزم التكاذب دائمًا، وقد يكون ساكتًا عن التكاذب. لذا يجب البحث عن التعارض في متن الدليل، ومن هنا يُقال: تعارض الخبران، ولا يُقال: تعارض الحكمان.

مناط تعارض الأدلّة

بالبحث في التعريفات والتأمل في مصاديق وموارد استعمال التعارض ومقارنتها بالموارد التي تخرج عن دائرة التعارض رغم عدم الانسجام، مثل موارد الحكومة والورود، وموارد الجمع العرفي المختلفة، والتعارض مع موارد العلم الإجمالي، والموارد التي تعد من أقسام اشتباه الحجة وغير الحجة، نصل إلى نتيجة أن مناط تعارض الأدلة هو وجود ملازمة بين صحة أحد الأدلة وبطلان الدليل أو الأدلة الأخرى. وهذا المناط موجود في جميع أنواع التعارض، والفرق بين التعارض المستقر وغير المستقر هو هذا أيضًا، وكذلك الفرق بين التعارض واشتباه الحجة واللاحجة وموارد العلم الإجمالي يمكن تحصيله من هذا المناط. ولا فرق في أن تكون هذه الملازمة ذاتية، مثل التعارض التناقضي، أو التعارض التضادي، سواء كان هذا التضاد حقيقيًا أو عرضيًا، مثلما نعلم ببطلان أحد الدليلين، كالعلم بأنه لم يجب في ظهر الجمعة أكثر من صلاة واحدة، مما يسبب تحقق التعارض بين دليل يثبت وجوب صلاة الظهر ودليل يثبت وجوب صلاة الجمعة؛ لأنهما ذاتًا وفي حد ذاتهما لا تعارض بينهما، إذ لا مانع عقلي أو شرعي من وجوب عملين في ظهر الجمعة، ولكن العلم بعدم وجوب أحدهما يوجب العلم بكذب وعدم اعتبار أحد الدليلين، فينشأ تعارض تضادي عرضي.

وبعد بيان التعريف المختار ومناط التعارض، يتضح أنه متى ما أمكن التوفيق بين دليلين متنافيين ظاهرًا، فإنهما يخرجان من بحث التعارض، مثل موارد الحكومة والورود، وموارد الجمع العرفي، والجمع الدلالي، واشتباه الحجة بغير الحجة، وموارد العلم الإجمالي بالتكليف أو عدم التكليف. تفصيل هذه المباحث قد بُيّن في محله، وهو خارج عن حيز هذا المقال وسعته.

نظرية التساقط وأدلتها

أشرنا سابقًا إلى أن تأسيس أصل أولي في مسألة التعارض له أهمية بالغة؛ لأنه بناءً على تحديد هذا الأصل يمكننا أن نميز ما إذا كنا بحاجة إلى دليل لإثبات حكم ما أم لنفيه. فخلاف الأصل يحتاج إلى دليل لا موافقه. وأمر آخر، أنه في تعارض ظواهر القرآن وتعارض الأخبار المتواترة (على فرض الإمكان) والمستفيضة، لا يوجد لدينا أصل ثانوي، ونضطر إلى التمسك بالأصل الأولي العقلي، وخاصة في تعارض البينات والإدارات الموجودة في الموضوعات الخارجية، فإننا نحتاج إلى هذا الأصل. وقد بينا أن كثيرًا من كبار علماء الأصول الإمامية قائلون بنظرية التساقط.

يقول الآقا ضياء العراقي في هذا المقام: نحن لا يمكننا أبدًا في مواجهة دليلين متعارضين أن نناقش شمول أدلة الاعتبار والحجية لكل منهما؛ لأنه إذا كان دليل الاعتبار والحجية مثلاً «صدّق الثقة» أو آية النبأ، فبناءً على فرض أن كلا الخبرين خبر ثقة، أو إذا كان دليل الاعتبار هو سيرة العقلاء في الأخذ والعمل بالظواهر، فإن هذا الدليل يشمل كلا الظهورين في كلا الدليلين؛ لأن مناط الشمول موجود. وكون التعارض يوجب حصول علم إجمالي بكذب أحد الدليلين لا يمنع من تأثير دليل الحجية في كليهما؛ لأن دليل الحجية لا ينحصر في مقطوع الإصابة، بل مناط الحجية تعبدي محتمل الإصابة (غلبة الإصابة نوعيًا واحتمال الإصابة شخصيًا)، وليس شيئًا آخر. وشرط الحجية ليس القطع بالإصابة بالواقع ولا القطع بالخطأ، وهذا المناط موجود يقينًا في موارد التعارض. لذا، بناءً على الفرض، كلا الدليلين واجد لمناط الحجية، ولكن ما يمنع من الأخذ بكلا الدليلين ليس احتمال الخطأ أو الكذب في أحدهما الذي نشأ بسبب التعارض، لأننا لدينا موارد يكون فيها الحجية موجودة رغم العلم بكذب بعض الأفراد والمصاديق، مثل مسألة إقرار شخص بأن مالًا معينًا لحسن ثم إقراره بأن المال لحسين، حيث يُعطى المال للأول وقيمته للثاني، وهذا يعني الحجية رغم القطع الإجمالي بالخطأ. بل المانع من الأخذ بكليهما في مسألة التعارض هو عدم إمكان الجمع بينهما، حتى في التعارض من نوع التضاد العرضي. لذا، يجب إيجاد حل لرفع المانع، وذلك الحل (باعتقاد المحقق العراقي) ليس ترجيح أحدهما على الآخر (التخيير)؛ لأن هذا ترجيح بلا مرجح. وعليه، لا خيار سوى الحكم بالتساقط. وهذا القول هو بيان آخر لاستلزام التعبد بالمتناقضين، الذي استحالته واضحة، بمعنى أنه لا يمكن أن يطلب منا الله أن نأخذ بدليل ونأخذ بنقيضه أو ضده أيضًا. وقد قال الآقا ضياء: كيف يمكن تصور أن يضع الله حكمًا ثم يخير المكلف في العمل به أو بنقيضه؟ وفي الواقع، فإن الآقا ضياء قد ردّ الخروج من مشكلة التعارض بالالتزام بالتخيير بسبب استلزام التعبد بالمتناقضين، وسد جميع الطرق ما عدا التساقط (نهاية الأفكار، 4/ 174 – 175).

نقد استدلال المحقق العراقي

النقد الأول

من الواضح أن نوعية التخيير التي يقصدها المحقق العراقي والتي ينفيها في التعارض هي التخيير الشرعي، ونفي هذا النوع من التخيير صحيح ومفهوم؛ لأن شرط التخيير الشرعي هو مطلوبية جميع الأطراف في موازنة التخيير، مثل الأمر التخييري بالصوم، أو تحرير رقبة، أو إطعام مساكين في إفطار يوم من رمضان عمدًا، حيث إن مطلوبية جميع الأطراف واضحة في نظر الشارع. وبناءً على مطلوبية كل طرف، أوجب الله كل واحد منها في ظرف عدم وجود الآخر، وصرفًا لتسهيل الأمر على المكلف لم يأمر بها جميعًا معًا. ولو أتى شخص بجميع الأطراف طوعًا، لكان قد فعل فعلاً حسنًا. ومن المعلوم أن هذه الخاصية غير موجودة في مورد التعارض؛ لأن المطلوب الواقعي ذو المصالح والملاكات واحد لا أكثر، ولا يمكن إيجاب الآخر في ظرف فقدان الأول؛ لأنه بناءً على الفرض لا يوجد في موارد التعارض سوى حكم واحد، وفرض التخيير الشرعي في التعارض يستلزم التعبد بالمتناقضين، وهو غير مقبول بالطبع. لذا، يُقال لهذا المحقق الكبير وغيره ممن استندوا إلى هذا الدليل، إن التخيير الذي نقصده ليس تخييرًا شرعيًا، بل هو تخيير عقلي، لا يرد عليه إشكالات التخيير الشرعي؛ لأنه في التخيير العقلي لا يوجد تعبد شرعي، بل هو تدبير عقلي يتم اللجوء إليه في موارد لا مفر منها مثل التعارض، مع فرض الاعتبار في كل طرف وعدم إمكان الجمع، فيتم اختيار أحدهما وترك الآخر، وهذا حكم عقلي وتدبير عقلاني.

بعبارة أخرى، في نقد دليل المحقق العراقي، يكفي ضمن تصديق مقدمات الدليل المبني على شمول دليل الحجية والاعتبار لكلا الدليلين، وأن المشكلة ناشئة عن عدم إمكانية الالتزام بكلا الدليلين ولا علاقة لها بالمقتضي، ولولا هذا المانع لكان من المناسب العمل بكليهما، وكذلك منع الترجيح بلا مرجح بناءً على الرأي المشهور مقبول ومتفق عليه. لكن ما لا يمكن قبوله منه هو المقدمة الأخيرة التي تستند إلى منع الحكم بالتخيير بسبب استلزام القول بالتخيير التعبد بالمتناقضين؛ لأنه كما مر سابقًا، لا يوجد مناط التخيير الشرعي في مسألة التعارض، والله في الواقع لم يضع وجوبًا تخييريًا حتى يُقال كيف وضع واجبًا ورخص في عدم الأخذ به. لم يحدث مثل هذا الشيء أبدًا، بل في موارد التعارض الفرض هو أن الله قد وضع أحد مفادي الدليلين فقط (حتى هذا ليس قطعيًا ومجرد احتمال)، والتخيير المقصود في مبحث التعارض هو عقلي محض.

النقد الثاني

ثانيًا، يمكن الادعاء بأن التساقط هو إبطال وإهمال وعدم اكتراث بكلا الدليلين، في حين أن كلا الدليلين يحملان مناط الاعتبار وهما مشمولان لدليل الحجية. وحقيقةً، هذه المسألة متناقضة. هل عدم إمكان الجمع بين دليلين يُعتبر مسوغًا لإبطال كليهما؟ هل يمكن القول بالتساقط في هذا المبحث، بينما في الشبهة المحصورة يُقال بالاحتياط؟

النقد الثالث

في إبطال هذه النظرية، يمكن القول: كل حكم يجب أن يكون له سند في عالم الثبوت، ومن المعلوم أن الإبطال والإسقاط لا يمكن دعمهما إلا بكشف الفساد والكذب. وما لم نتمكن من القول بأن كلا الدليلين كاذبان، لا يمكن الحكم بالتساقط والإبطال. والحكم بالتساقط مع وجود احتمال الصدق والإصابة بالواقع في كلا الدليلين هو تشريع وبدعة غير جائزة، والالتزام بأمر بدون مسوغ شرعي وعقلي.

النقد الرابع

يُقال إنه كما مر، ويعترف أنصار نظرية التساقط بذلك، فإن مشكلة باب التعارض ناشئة عن وجود مانع من الالتزام بكلا الدليلين، وفي مرحلة المقتضي لا توجد مشكلة. ويجب الانتباه إلى أن المانع يمنع من أي شيء ويحول دونه، ويجب الاكتفاء بذلك. فإذا كان المانع يمنع من الجمع بين مقتضى ومفاد الدليلين، نكتفي بذلك ونصرف النظر عن الالتزام بكلا الدليلين معًا. وبهذا القدر من التراجع تُحل المشكلة أيضًا، ولا يوجد أي داعٍ لترك كلا الدليلين واللجوء إلى الأصول العملية؛ لأن نفس القدر الذي يمنع فيه وجود المانع من الأخذ بكليهما، يطلب وجود المقتضي الأخذ بكليهما. والطريق الوسط والعقلاني هو الالتزام بمقتضى المقتضي والمانع بقدر اقتضائهما، ونتيجة هذه العملية العقلانية هي التخيير لا التساقط.

النقد الخامس

وقيل أيضًا إن كلام المحقق العراقي القائل بأن الحكم بالتخيير يتعلق بالموضع الذي يمكن فيه الخلو من جميع الأطراف، مثل من أفطر عمدًا في رمضان، فقد لا يؤدي أيًا من أطراف الكفارة، والحكم التخييري من الشارع هو لمنع هذا الوضع، حتى لا يتهرب المكلف من أداء أي منها ويؤدي واحدًا على الأقل. وبهذا، يعلن أن جريان التخيير في موارد التعارض منتفٍ؛ لأن موارد التعارض مانعة الجمع، وفي التخيير الغرض هو المنع من الخلو، وهذا حاصل من تلقاء نفسه. وهذا الكلام من محقق بمستوى المحقق العراقي (رحمه الله) يبدو غريبًا؛ لأنه بفرضه، يخرج أوضح مصداق للتخيير، وهو التخيير العقلي، من تعريف التخيير. وهذا أشبه بخروج المورد، وهو غير قابل للالتزام. وأمر آخر، بأي دليل اشترط المحقق العراقي الشرط المذكور في التخيير، بينما موارد التخيير تكون أحيانًا بحيث يكون فرض الخلو من جميع الأطراف ممكنًا في فرض عدم الحكم التخييري، مثل التخيير الشرعي، وأحيانًا لا يوجد هذا الإمكان، مثل بعض أفراد التخيير العقلي، كما في التعارض التناقضي، حيث لا تخلو الواقعة أبدًا من طرفي السلب والإيجاب. وأحيانًا تظهر موارد للتخيير العقلي يكون فيها الخلو من الأطراف متصورًا، مثلما يكون التعارض تضاديًا، حيث لا يمكن الجمع بينهما ولكنهما قابلان للخلو منهما معًا، كما نرى في الدوران بين الوجوب والحرمة، فقد يكون العمل لا واجبًا ولا حرامًا، بل مستحبًا أو مكروهًا أو مباحًا. لذا، فإن تخصيص التخيير بمورد يمكن فيه الخلو من الأطراف ليس قولاً قابلاً للدفاع.

استدلال المحقق الإصفهاني على أصل التساقط ونقده

من كبار علماء الأصول القائلين بأصالة التساقط في تعارض الأدلة هو المحقق الإصفهاني، الذي في نقده لنظرية أستاذه المحقق الخراساني القائل بحجية أحد الدليلين المتعارضين أو أكثر من دون تعيين، ونتيجة لذلك القول بالتساقط في المدلولات المطابقية وحجية المدلولات الالتزامية، والإذعان بالاعتبار في حد نفي القول الثالث، يقول: “متى علمت أن رأي المحقق الخراساني القائم على حجية أحد المتعارضين من دون تعيين ليس صحيحًا (لأنه قد بيّن ثلاثة نقود في رد هذه النظرية)، وأنه لا يمكن القول بحجية أحدهما معينًا لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح، وأنه بسبب التعارض لا يمكن اعتبار كلا الدليلين حجة، فلا مفر من اختيار نظرية التساقط، ولا بد من الرضا بنظرية التساقط”.

نقد استدلال المحقق الإصفهاني

أولاً، إن كلام سماحته القائم على عدم إمكان الالتزام بنظرية المحقق الخراساني متين، ونحن نوافقه وإن لم نكن معه في منطلق الخلاف مع نظرية المحقق الخراساني، ولكننا في النتيجة نوافقه ولا نقبل بنظرية المرحوم الآخوند. ولكن قوله بأنه لا يمكن القول بحجية أحدهما معينًا لا نوافقه؛ لأن هذه النتيجة هي القول بالتخيير الذي نراه معقولاً. أما عدم موافقتنا للمحقق الإصفهاني فلأجل أنه يمنع الترجيح بلا مرجح (التخيير)، بينما الترجيح بلا مرجح ليس فقط ليس محالاً، بل هو واقع أيضًا، وكثير جدًا، والناس يوميًا يرجحون في موارد عدم المرجح. وأساسًا، التخيير في موارد التساوي وعدم تفوق أحد الخيارات هو مصداق للترجيح بلا مرجح. نعم، ما هو محال هو الترجيح بلا مرجح، وهو شيء آخر ومعناه أن يحدث الاختيار بلا مختار، مثلاً أن تنزل إحدى كفتي الميزان دون وضع ثقل فيها، وهذا بالطبع غير ممكن ومحال. أما اختيار أحد الخيارين على الآخر دون أي مرجح من قبل الإنسان المختار فليس فيه أي استحالة. وثانيًا، كلامه المعظم القائل بأنه بسبب التعارض لا يمكن اعتبار كلا الدليلين حجة، ليس كلامًا صحيحًا؛ لأن التعارض فرع على الحجية والاعتبار وشمول أدلة الاعتبار لكلا الدليلين، وإلا لما وصل الأمر إلى التعارض. ولعل من البديهي أن يقال إن شمول الاعتبار مشروط بعدم التعارض وإمكان العمل بكليهما، بل هو تابع لملاكه الخاص به لا لإمكان العمل به. وملاك الاعتبار هو احتمال مطابقته للواقع في شخص الدليل وغلبة المطابقة في نوعه، وهذا موجود ومتاح في كلا الدليلين. وكلام المحقق الإصفهاني بمثابة أن نقول إن شخصًا اشترى شيئًا وبسبب موانع لا يستطيع استخدامه، فالمعاملة باطلة. فكما أن هذا الكلام غير صائب، كذلك كلام المحقق الإصفهاني غير صائب؛ لأن مشكلة مرحلة الامتثال ووجود المانع في مرحلة الامتثال لا يمكن أن تسري إلى مرحلة الثبوت التي هي مرحلة المناطات، بل يجب التفكير في حل وتدبير في نفس مرحلة (الامتثال). ومن المعلوم أن بحكم قاعدة «ما لا يدرك كله لا يترك كله» وقاعدة «الميسور» يمكن حل المشكلة، وذلك بالتمسك بالتخيير لا التساقط؛ لأنه عندما يمكن حل المشكلة بترك أحدهما واختيار الآخر، فبأي مسوغ ودليل نحكم بإبطال كليهما؟

استدلالات المحقق الخوئي ونقدها

المحقق والأصولي الكبير المرحوم آية الله الخوئي، وهو من أنصار التساقط كأصل أولي في بحث تعارض الأدلة، أولاً تحدث عن عدم وجود ثمرة لهذا البحث في تعارض الأخبار بسبب وجود الأخبار العلاجية، وأنه بوجود الدليل لا حاجة للأصل؛ لأنه قد تقرر في أصول الإمامية أن «الأصل دليل حيث لا دليل»، أي أن الأصل يكون دليلاً عند عدم وجود دليل. وعندما يكون الدليل متاحًا، لا حاجة للأصل. وفي فرض تعارض الأخبار، فإن الدليل الذي يحل المشكلة بالتمسك به متاح، وهو الأخبار العلاجية نفسها التي تطرح التخيير كحل وحيد للخروج في فرض فقدان المرجح. لذا، بحسب كلام المرحوم المحقق الخوئي، فإن الفائدة الرئيسية لتأسيس الأصل هي في تعارضات الأدلة غير الأخبار الآحاد، مثل تعارض الأخبار المتواترة وتعارض ظاهر آيتين من القرآن، أو في تعارضات البينات المتعلقة بالشبهات الموضوعية مثل تعارض البينتين أو فردين من قاعدة اليد. ثم يقول: الأصل الأولي في تعارض الأدلة هو التساقط. ولإثبات هذا المدعى، يطرح تفصيلاً مفاده أن الدليلين المتعارضين إذا كان دليل اعتبارهما وحجيتهما بناء العقلاء، مثل تعارض ظاهر آيتين أو ظاهر خبرين متواترين، فوجه نظرية التساقط سيكون واضحًا؛ لأنه لم يثبت أبدًا بناء العقلاء على العمل بظاهر له معارض، والعقلاء أبدًا في فرض تعارض دليلين لا يعملون به، وهذا يعني أن دليل الحجية لا يشمل المتعارضين، والتساقط ليس إلا هذا، بل إن مسألة التعارض تجعل الدليل في هالة من الإجمال، وهذا يسمى الإجمال بالعرض. أما إذا كان دليل اعتبار الدليلين المتعارضين دليلاً لفظيًا، كما في البينة وخبر الثقة، فدليل التساقط هو ما بيناه في بحث العلم الإجمالي، وهو أن الاحتمالات المتصورة في موارد العلم الإجمالي ثلاثة. في محل بحثنا أيضًا نواجه ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول شمول دليل الاعتبار لكلا الدليلين المتعارضين، والاحتمال الثاني عدم الشمول لأي من الأدلة المتعارضة، والثالث الشمول لأحدهما دون الآخر. ثم يعتبر المحقق الخوئي الاحتمال الأول مستلزمًا للتعبد بالمتعارضين، الذي يرجع إلى التعبد بالمتناقضين، وامتناعه بديهي. والاحتمال الثالث باطل لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح. فلا مفر من الاحتمال الثاني، وهو عدم شمول دليل الاعتبار لأي من المتعارضين. ثم شبه المرحوم المحقق الخوئي المسألة بمسألة موارد العلم الإجمالي وأطراف الشبهة المحصورة، ويقول: كما أنه في أطراف العلم الإجمالي لا يمكن إجراء الأصل، لأن جريان الأصل في جميع الأطراف يستلزم المخالفة القطعية للتكليف المعلوم، مثلاً عندما نعلم أن السائل الموجود في أحد الإناءين خمر، فمن البديهي أن جريان أصل الإباحة في كلا الإناءين يعني تجاهل العلم بكون أحدهما خمرًا، وهذا يعني الترخيص في المعصية، وامتناعه غني عن البيان. وجريان الأصل في بعض الأطراف هو ترجيح بلا مرجح، وهو واضح البطلان. لذا، ننتهي إلى عدم جريان الأصل في الأطراف. في بحث التعارض أيضًا، بنفس الشرح والتفصيل، يمكن الوصول إلى الغرض وإثبات المرام، بأن اعتبار كلا الدليلين المتعارضين مخالفة قطعية للعلم بكذب أحدهما، واعتبار أحدهما ترجيح بلا مرجح، والطريق الوحيد المتاح هو التساقط وإبطال كلا المتعارضين من الاعتبار.

نقد استدلالات المرحوم آية الله الخوئي

نقد الاستدلال الأول

القسم الأول من استدلال المحقق الخوئي القائم على أنه إذا كان دليل حجية الأدلة المتعارضة هو بناء العقلاء، فعدم حجية الأدلة المتعارضة واضح، ليس مقبولاً؛ لأنه عندما يُعتبر فعل العقلاء أو تركهم دليلاً مع ضم إمضاء الشارع، فإن عمل العقلاء هذا يتحقق في فضاء يكون خلافه ممكنًا أيضًا. أما إذا لم يكن أمام العقلاء سوى طريق واحد، فإن سلوك ذلك الطريق لا يثبت شيئًا. وفي محل بحثنا المسألة من هذا القبيل، وأن العقلاء لم يعملوا بالأدلة المتعارضة، ليس بسبب عدم اعتبارها، بل بسبب عدم إمكان العمل بالمتعارض. وهذا لا يمكن أبدًا أن يثبت مرجعية التساقط في التعارض؛ لأنه غير التساقط، هناك طريقان أمام العقلاء: أحدهما الجمع بين كلا الدليلين والعمل بكليهما، وهو فرض محال، والآخر العمل بأحدهما وترك الآخر، وترك هذا الطريق ليس ثابتًا من جانب العقلاء، بل نحن نزعم أن العقلاء في مثل هذه الموارد يأخذون بالتخيير. بعبارة أخرى، ترك سلوك طريق يكون أحيانًا بسبب عدم المقتضي، وأحيانًا بسبب وجود المانع، فلا ينبغي الاستدلال بالثاني على الأول.

نقد الاستدلال الثاني

وقوله إن رجوع التعارض إلى الإجمال بالعرض لا يمكن أن يثبت نظرية التساقط؛ لأن الدليل المجمل حكمه ليس التساقط، بل في الإجمال يجب الأخذ بالقدر المتيقن، إن وجد قدر متيقن، مثل موارد الدوران بين الأقل والأكثر، حيث يؤخذ بالأقل، وإلا فالحكم هو التوقف، والتوقف يختلف اختلافًا واضحًا عن التساقط.

نقد الاستدلال الثالث

أما ما تمسك به المرحوم الخوئي في فرض كون دليل اعتبار الأدلة المتعارضة لفظيًا، وهو من نوع برهان السبر والتقسيم، حيث افترض ثلاث صور محتملة في محل البحث وأبطل احتمالين وعيّن الاحتمال الثالث وهو التساقط، فهو قابل للمنع؛ وذلك لما يلي:

أولاً: كما بُيّن في نقد كلام المحقق العراقي، فإن التخيير المقصود هو تخيير عقلي، والتعبد بالمتناقضين يلزم حيث يكون التخيير شرعيًا. والتخيير العقلي هو تدبير من جانب العقل للخروج من مأزق التعارض، وهذا لا يعني الأمر الإلهي بالفعل والترك حتى يستلزم التعبد بالمتناقضين. والفرق بين أن يقول المولى: اختاروا أحدهما، وبين أن يكون للعقل هذه التوصية للخروج من الأزمة؛ لأنه في الفرض العقلي للتخيير، لا ينبغي نسبة كلا الخيارين إلى الشارع. وبذلك لا يلزم التعبد بالمتناقضين، بل فقط الدليل الذي تم اختياره بحكم العقل يُنسب إلى المولى الشارع، لا كلاهما.

ثانيًا: كيف يستلزم هذا التخيير التعبد بالمتناقضين، بينما قال المولى: «صدّق الثقة» فاعتمد على الشخص الموثوق، أو قال: «اعتمد على البينة في اختلاف الدعاوي»، فاعتمد على البينة في الاختلافات، أو قال: «اعتمد على سوق المسلمين» كأمارة وعلامة على الحلية، أو قال: اليد أمارة على الملكية. ثم بناءً على هذه الاعتمادات الناشئة عن جعل الشارع، ووقوع التعارض في خبرين لثقة، أو بينتين، أو يدين، وسيطرة على ملك واحد، فأي تعبد بالمتناقضين يُشاهد حتى نضطر إلى القول بالتساقط لمنعه؟ لم نلاحظ ولم نشاهد مثل هذا التعبد أبدًا، مع أن هذه الأمارات مليئة بالخطأ والخلاف، سواء كان هناك تعارض أم لا؛ لأننا نعلم أن اليد لا تنشأ دائمًا عن الملكية، وسوق المسلمين ليس دائمًا كاشفًا عن الحلية، والبينة لا تصدق دائمًا، وأخبار الثقات ليست دائمًا صادقة ومطابقة للواقع. ومع كل هذا، لم يكن هناك أي تعبد بالمتناقضين. وسر القول هو أن التناقض عارض بعد التعارض ومترتب عليه، والتعارض مترتب على الاعتبار، وفي مرحلة إعطاء الاعتبار للدليل لم يُطرح.

ثالثًا: قوله إن الفرض الثالث مستلزم للترجيح بلا مرجح وهو ممنوع، هو أيضًا ممنوع؛ لأن التخيير في الموارد التي لا يوجد فيها ترجيح هو حكم العقل، وليس فقط ليس ممنوعًا بل هو متعين. وأساسًا، الترجيح بلا مرجح هو الممنوع والمستحيل، أما الترجيح بلا مرجح فهو ممكن. فجميع العقلاء العالمين دائمًا ما يرجحون بلا مرجح، وهذا عمل عقلاني وليس خلاف العقل. وهو غير الترجيح بلا مرجح الذي لا يمكن حدوثه، مثلاً كفتا الميزان المتساويتان لا يمكن أن تثقل إحداهما على الأخرى بدون أي وزن، هذا يعني الترجيح بلا مرجح. ولكن يمكن بلا دليل اختيار أحد الأمرين المتساويين في الشروط والصفات، والقول: اخترت هذا. وجمهرة العقلاء يوميًا جزء من عملهم هو الترجيح بلا مرجح.

رابعًا: كيف يمكن بناء الاستحالة والامتناع وعدم الإمكان على التخيير، بينما الأصل الثانوي، على الأقل في جزء كبير من موارد التعارض، وهو تعارض الأخبار الآحاد، في فرض تساوي الدليلين وفقدان المرجحات، يطرح التخيير كحل نهائي؟ هل يمكن أن يرشد الأئمة (عليهم السلام) إلى طريق يستحيله العقل؟

خامسًا: كيف يمكن بسبب وجود مانع من العمل والالتزام بالأدلة المتعارضة، الوصول إلى نفي المقتضي وعدم شمول دليل الحجية لموارد التعارض؟ هل يمكن قبول أن خبر الثقة في فرض وجود معارض آخر ليس خبر ثقة؟ إذا كان الجواب بالنفي، فكيف يمكن القول بعدم الشمول؟ وأساسًا، التعارض عارض متأخر عن مرحلة الحجية، والدليلان ما لم تكن حجيتهما مسلمة ومفروغًا عنها، لا يصلان إلى مرحلة التعارض. هل في فرض التعارض يثبت كذب خبر الثقة؟ هل يمكن الادعاء بأن البينة واليد بسبب تعارض آخر لن تكونا حجة؟ بينما في الفقه مقرر أنه في تعارض البينة في الاختلافات المتعلقة بالأموال يُحكم بالتنصيف. هل التنصيف مقتضى التساقط أم هو العمل بكل منهما بالنسبة لنصف ما يدعيه، مما يحكي عن اعتبار كليهما وشموليتهما لدليل الاعتبار؟ لذا، نؤكد أن تأثير المانع لا يمكن أن يخرج عن دائرة الممنوع، وما يمنع من الجمع، يمكنه فقط أن يمنع من جمع الأعمال، وسراية المانع وسحبه إلى المقتضي فاقد للوجاهة العلمية.

سادسًا: قياسه محل البحث بموارد العلم الإجمالي وتصوير الصور الممكنة وغير الممكنة بثلاثة كما هناك، وبيانها قد مر، وتشبيهه محل البحث بذلك، وكما أن جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي في الشبهات المحصورة كان ممنوعًا، وجريانه في طرف واحد كان يُعتبر ترجيحًا بلا مرجح، ونتيجة لذلك لم يكن هناك طريق سوى الاحتياط، الذي يتحقق في الشبهات التحريمية بترك الأطراف، وفي الشبهات الوجوبية بالعمل بالأطراف، ثم في محل البحث أيضًا قال بالتساقط، واعتبر التساقط هنا بمنزلة الاحتياط في مسألة العلم الإجمالي. وهذا قياس مع الفارق؛ وذلك لأن:

أولاً، جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي كان يستلزم المخالفة القطعية لتكليف المولى المعلوم، وهذا الأمر لازم لنظرية التساقط لا التخيير؛ لأنه في فرض اختيار نظرية التخيير، لن نواجه أبدًا مخالفة قطعية لتكليف المولى، بل إن العمل بكل من الأدلة هو موافقة احتمالية لأمر المولى، وهذا في حين أن العمل بأحدهما كان بسبب اعتباره وترك الآخر بسبب عدم إمكان الأخذ بكليهما. وما علاقة هذا بمسألة جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي؟

ثانيًا، مقتضى ما تقرر في العلم الإجمالي ليس التساقط في محل البحث، بل الاحتياط في أطراف العلم الإجمالي يقتضي إبقاء الاعتبار في كلا الدليلين المتعارضين. وفي الواقع، يجب أن نعلم أن ما هو نظير جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي هو الحكم بالتساقط لا التخيير؛ لأن التساقط يمكن أن يؤدي إلى مخالفة قطعية بشكل تدريجي، والهرب من المخالفة القطعية في أطراف العلم الإجمالي لا يمكن أن يكون مؤيدًا لنظرية التساقط في بحث التعارض.

وأخيرًا، يجب أن نعلم أن ملخص استدلال كبار علماء الأصول في هذا المقام هو أن نظرية التساقط تُنسب أحيانًا إلى مرحلة المقتضي، ويُطرح عدم شمول أدلة الاعتبار والحجية للدليلين المتعارضين؛ لأن الأدلة لا تخرج عن حالين: إما هي أدلة لبية فاقدة للفظ، مثل بناء العقلاء، وحكم هذا النوع من الأدلة هو أنه يجب الاكتفاء بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن من اعتبار الأدلة هو الموضع الذي لا يكون له معارض، ومعنى هذا الكلام عدم شمول الأدلة اللبية للأدلة التي لها معارض. أو أن هذه الأدلة لفظية، مثل «صدق الثقة» أي صدّق الأفراد الموثوقين. فهذه الأدلة أيضًا فاقدة للإطلاق ومنصرفة إلى الأدلة التي لا معارض لها؛ لأنه إذا كان من المقرر أن نكتسب الاعتبار والحجية من دليل لفظي، فيجب أن يكون ذلك بواسطة إثبات إطلاقه، وكثير من علماء الأصول قائلون بأن الانصراف مانع من انعقاد الإطلاق، وهو بمنزلة وجود القيد الذي يخرج الدليل عن الإطلاق ويلحقه بالتقييد، وعلى الأقل ينتهي إلى إجمال عرضي، ولا يمكن الأخذ بإطلاقه، بل يجب الاكتفاء بالقدر المتيقن وهو موارد عدم التعارض.

وأحيانًا، تُنسب نظرية التساقط إلى وجود المانع، بأن يُقال: في مرحلة المقتضي لا نواجه أي مشكلة، وأدلة الاعتبار كما بُيّن تشمل كلا المتعارضين، وفي نفس الوقت هذا الشمول عديم الفائدة؛ لأنه لا يوجد إمكانية لاستخدام الأدلة المتعارضة. وهذا المانع ليس من النوع الذي يتوقف في مرحلة الامتثال، بل ينفذ إلى المقتضي ويبطله، ونتيجة لذلك نعود إلى القول بالتساقط.

وقد طُرح تفصيل هنا أيضًا، مفاده أنه إذا كان دليل الاعتبار لبيًا، فالتساقط مستند إلى عدم المقتضي، وإذا كان دليل الاعتبار لفظيًا، فالتساقط مستند إلى وجود المانع. كما قال الشيخ الأنصاري (قدس سره): إذا كان دليل الاعتبار هو الإجماع، فمن المعلوم أن محل انعقاد الإجماع هو غير الأدلة المتعارضة، والإجماع دليل لبي لا عموم له ولا إطلاق. أما إذا كان دليل الاعتبار لفظيًا مثل آية النبأ، فلا يمكن الحصول على إطلاق منها والتمسك به؛ لأن إطلاق وعموم هذه الأدلة يستلزم العمل بجميع الأفراد والمصاديق، ومنها الأفراد الذين لهم معارض، وهذا غير ممكن. ولا بد أن يُقيد بغير المتعارضين؛ لأنه لا يمكن تفسير دليل واحد بمعنيين، بحيث إذا لم يكن له معارض يكون وجوب العمل به عينيًا، وفي موارد وجود المعارض يكون وجوب العمل به تخييريًا، فهذا يستلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، وهو مبطل في محله. لذا، لا مفر سوى إخراج موارد التعارض من شمول الأدلة (الأنصاري، فرائد الأصول، بحث التعادل والتراجيح). وبهذا الترتيب، يظهر التهافت في مستند وأدلة أنصار نظرية التساقط، وتفقد هذه النظرية وجاهتها العلمية.

أهم أدلة أصل التخيير في تعارض الأدلّة

الدليل الرئيسي للقول بالتخيير هو اقتضاء العقل، وتتضح هذه الحقيقة بنقد سائر الأقوال. وقد بُيّن جزء من هذه الأدلة ضمن نقد نظرية التساقط؛ لأن جزءًا من أدلة نظرية التساقط كان مبنيًا على عدم إمكانية نظرية التخيير، مثلما قيل إن التخيير يستلزم التعبد بالمتناقضين، وقد أُجيب بأن التعبد بالمتناقضين لا يلزم في فرض التخيير العقلي، ولا ينبغي الخلط بين التخيير العقلي والشرعي. وقيل أيضًا إن دليل الاعتبار والحجية لا يشمل الأدلة المتعارضة، وقد بُيّن الجواب على ذلك بتفصيل نسبي. وسائر الموارد التي كانت إثبات التساقط فيها منوطًا باستحالة التخيير، فبرد هذه الاستحالة لم يبقَ وجه للتساقط، ولا مفر من قبول نظرية التخيير.

وقيل أيضًا إنه عندما يشمل دليل الاعتبار والحجية كلا الدليلين المتعارضين، كما أقر بذلك كثير من أنصار نظرية التساقط، والمانع الوحيد من العمل بكليهما هو وجود التعارض وعدم إمكانية الالتزام بكلا الدليلين، فإنه يجب بناءً على قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات بقدرها» أن تنتهي الضرورات إلى التخيير؛ لأنه باختيار أحدهما وترك الآخر يرتفع المحذور الموجود، وعندما يرتفع المحذور، لا معنى لترك كلا الدليلين والقول بالتساقط، بينما شمول أدلة الاعتبار والحجية لمفاد كلا الدليلين يضعهما في منزلة أن الحقيقة مكنونة بين هذين الدليلين وقد وصلت إلينا. وفي هذا الفرض، القول بالتساقط يستلزم نوعًا من المخالفة القطعية، بينما ترك أحدهما والعمل بالآخر لا يستلزم مخالفة قطعية، بل هو موافقة احتمالية ضمن مخالفة احتمالية، وهذا لا يسبب مشكلة، وهذا القدر من الاحتمال موجود دائمًا في الحجج الشرعية غير القطعية، حتى لو لم يكن هناك تعارض.

بالإضافة إلى ما سبق، يُقال إن الالتزام بالتساقط لا يكون موجهًا إلا إذا ثبت بطلان وكذب كلا الدليلين، وهذا لا يمكن إثباته بالتعارض أبدًا. واحتمال بطلان كل منهما إلى جانب احتمال الإصابة بالواقع هو خاصية لا تنفك عن جميع الأدلة التي يكون اعتبارها تعبديًا وغير قطعي. وفي الواقع، القول بالتخيير هو نتيجة ومقتضى وجود المقتضي والاعتبار في كليهما، بحيث لو فرضنا عدم وجود تعارض لكان من اللازم العمل بكليهما، ووجود المانع من الجمع وإمكان العمل بكل منهما هو أمر منفصل. وهذه الحقيقة ستكون واضحة لمن يتأمل في المسألة تأملاً حقيقيًا.

ويجب الانتباه أيضًا إلى أن ما ورد عن الأئمة (عليهم السلام)، خاصة الإمام الصادق (عليه السلام) في بيان مرجحات الأخبار المتعارضة، والذي يقضي بالحكم بالتخيير عند فقدان المرجح، هو إرشاد إلى الأصل الأولي العقلي في المسألة؛ لأنه لا توجد أي شائبة تعبد في المسألة. وفي الواقع، فإن الإمام (عليه السلام) بإظهاره للتخيير قد أشار إلى مقتضى الأصل الأولي العقلي بل صرح به. ومع هذا الإرشاد، من العجيب أن يميل كبارنا يمينًا ويسارًا، فكيف يمكن أن يكون التخيير مواجهًا لامتناع عقلي والإمام يرشدنا إليه؟

النتيجة

التعارض هو تنافي دليلين أو أكثر باعتبار مدلولاتها، وقد طُرح له على الأقل ثلاثة تعريفات، ويقدم كاتب هذه السطور عدم إمكانية الجمع بين الأدلة بالإضافة إلى وجود ملازمة بين صدق أحدهما وكذب الآخر كمناط للتعارض.

التعارض من مشكلات استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية، ولا مفر للفقيه سوى السعي لرفعه.

إن تعيين الأصل الأولي، وتحديد مقتضى العقل في موارد التعارض، له دور محوري في رفع هذه المشكلة، خاصة في التعارضات الموجودة في غير أخبار الآحاد من أدلة الأحكام، مثل تعارض الأخبار المتواترة أو تعارض ظواهر الكتاب والتعارضات الموجودة في الأمارات المتعلقة بالموضوعات الخارجية مثل قاعدة اليد وسوق المسلمين وتعارض البينات.

النظرية المشهورة في تأسيس الأصل الأولي هي نظرية التساقط، التي بموجبها يكون الأصل الأولي هو تساقط الدليلين والرجوع إلى الأصول العملية (بما يتناسب مع مقتضى المسألة، مثل الرجوع إلى البراءة في الشبهات المتعلقة بأصل التكليف، والاحتياط فيما يتعلق بالمكلف به، والاستصحاب في حال وجود حالة سابقة غالبة). وما تم السعي لإثباته في هذا المقال هو نقد هذه النظرية وإثبات أصل التخيير، وذلك ببيان الأدلة الرئيسية لأنصار نظرية التساقط ونقدها، ومن ثم إثبات نظرية التخيير.

أهم دليل لنظرية التخيير هو وجود المقتضي وفقد المانع (المقتضي هو شمول دليل الاعتبار للأدلة المتعارضة، والمانع الموجود في التعارض هو فقط المانع من الجمع بين الدليلين المتعارضين، ومانع الجمع لا يمكنه إثبات بطلان كليهما، ويجب النظر إلى المانع بقدر رفع المشكلة، وذلك ليس إلا التخلي عن أحدهما والعمل بالآخر، وهو تعبير آخر عن نظرية التخيير). يُضاف إلى ذلك أن القول بالتساقط هو قول لا معنى له ويفتقر إلى سند علمي؛ لأنه ما لم يثبت بطلان وكذب الدليلين، لا يوجد مسوغ للحكم بالتساقط.

والنتيجة النهائية لهذا البحث هي أن مئات المسائل الفقهية، بدلاً من الفتوى على أساس الأصول العملية، ستكون الفتوى فيها على أساس الأدلة الشرعية ممكنة، وجزء من الأحكام الإلهية التي لم تكن مسكوتًا عنها من جانب الشارع ستصل إلى أيدي المكلفين. وهذا إنجاز ليس بالقليل ولا بالتافه، وله أهمية وافرة.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

نهج البلاغة.

الآخوند الخراساني، محمد كاظم، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد (1410)، طهران، نشر: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

——، كفاية الأصول (1430)، قم، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي.

الإصفهاني، السيد أبو الحسن، منتهى الوصول إلى غوامض كفاية الأصول، تقرير الشيخ محمد تقي الآملي.

الإصفهاني، الشيخ محمد حسين (الكمباني)، نهاية الدراية (1429)، قم، مؤسسة آل البيت.

الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول (1430)، قم، مجمع الفكر الإسلامي.

الجزائري المروج، السيد محمد جعفر، منتهى الدراية (1407)، قم، نشر: مطبعة الخيام.

الخوئي، السيد أبو القاسم، مصباح الأصول (1430)، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي من موسوعة السيد الخوئي.

الشهيد الثاني، زين الدين، تمهيد القواعد (1416)، قم، نشر: دفتر تبليغات إسلامي.

العاملي، الشيخ حر محمد بن حسن، وسائل الشيعة (1440)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.

العراقي، ضياء الدين، نهاية الأفكار، تقريرات الشيخ محمد تقي البروجردي (1422)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.

الميرزا القمي، أبو القاسم، القوانين المحكمة (1431)، قم، مؤسسة إحياء الكتب الإسلامية.

النائيني، ميرزا محمد حسين، فوائد الأصول (تقريرات المحقق الكاظميني) (1429)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.

الهوامش

1. تاريخ الوصول: 15/2/1402؛ تاريخ الإقرار: 20/5/1402.

2. أستاذ مساعد وعضو الهيئة العلمية في المجمع العالي للفقه (Jafar_yousefi@miu.ac.ir).

Scroll to Top