ملخص
إن أصل وجود التزاحم في المباحث الشرعية أمرٌ اتفاقي بين الأصوليين. وكذلك في حالة التزاحم بين تكليفين وعدم قدرة المكلف على أدائهما معًا في زمان واحد، يذهب جميع الأصوليين إلى التخيير بناءً على حكم العقل عند غياب المرجّح. ولكن في فرض وجود المرجّح، يقع الخلاف في نوع الترجيح الذي يجب أن يكون معيارًا في المقامات المختلفة. وفي هذا السياق، قام المحقق النائيني، من خلال تطوير البحث وإثارة وجوه مختلفة، بتمهيد الطريق للبحث لتلامذته، ومنهم آية الله الخوئي وغيره. ولكن مع ذلك، فإن تشتت البحث والتفصيلات المرهقة أحيانًا في بيانهم وبيان الآخرين، يبعد المخاطب عن التعمق والاطلاع على الهيكل الواضح للبحث. من هنا، في هذا المقال، تم السعي لتقديم تقرير وتبيين جديد لنظرية المحقق النائيني في مبحث التزاحم بأسلوب وصفي-تحليلي، وتقديم نقد علمي شامل لهذه النظرية. يعتقد الكُتّاب أن التزاحم يقع في مرحلة التنجّز؛ خلافًا لرأي المحقق النائيني الذي يرى جريان التزاحم في مرحلة الفعلية. كما أن بحث المرجحات يكون مطروحًا في حالة فعلية كلا التكليفين. والموارد التي ذكرها المحقق النائيني كمرجحات في باب التزاحم تُعتبر خارجة عن باب التزاحم، ومنشأ بعض هذه الأمور يختص بمبناه.
مقدمة
إن التعاليم الدينية والمعرفية في نفسها خالية من أي تنافٍ وتناقض. وإذا وجد تنافٍ وتناقض في البين، فإنه ينبع من مناشئ خارجية، ويعتبر تتبع هذه العلل من أهم المباحث التي يجب الاهتمام بها في مجال البحوث الدينية. بشكل عام، يمكن أن يحدث التنافي في المفاهيم الدينية بأحد الشكلين التاليين. الأول: أن يظهر تناقض وتنافٍ بين الأوامر والمفاهيم. الثاني: ألا يكون هناك تعارض وتنافٍ في المفاهيم الدينية، ولكن تطرأ على المكلف حالة يفقد فيها القدرة على أداء تكليفين، بحيث لا يقدر إلا على أداء أحدهما فقط، ولا يكون منشأ عدم القدرة هذا بيان الشارع أو الأمور المتعلقة به، بل العلة هي أن الحكمين يوجدان مزاحمة لبعضهما البعض، بحيث لا يمكن العمل بهما كليهما. على سبيل المثال، إذا كان شخصان يغرقان، ولم يكن لدى المكلف القدرة على إنقاذ كليهما، بل كان مقدوره إنقاذ شخص واحد فقط، ففي هذه الحالة، يكون الواجبان «متزاحمين». وهناك أمور من قبيل حكمين متضادين، وهذا الأمر لا يسمح للمكلف بأداء كلا التكليفين في وقت واحد؛ مثل أن يوجب الشارع الصلاة في نطاق زمني محدد، ومن جهة أخرى يوجّه للمكلف وجوبًا فوريًا بإزالة النجاسة من المسجد. لا يوجد أي تنافٍ مفهومي بين هذين الأمرين؛ بل إن المكلف بسبب عدم قدرته الذاتية لا يستطيع أداءهما معًا. هذا النوع من التنافي يسمى في اصطلاح علم الأصول بالتزاحم. إن أهم سؤال مطروح لدى المفكرين هو: ما هي وظيفة المكلف في حالات التزاحم المختلفة، وما هو سبيل الخروج منها؟ حتى قبل المحقق النائيني، لم يُقدم بحث كامل ومنهجي في مبحث التزاحم، وقد قام هو بشرح وتبيين أحكام فروض هذه المسألة التي كانت قد بُينت بشكل مجمل. إن الفرضيات المسبقة لبحث التزاحم ومرجحاته في نظر هذا المحقق، هي وقوع التزاحم في مرحلة الفعلية، ووجود مرجحات في حالة التزاحم في هذه المرحلة.
إن تقديم مباحث التزاحم من وجهة نظره، على الرغم من احتوائه على ابتكار وتصنيف جديد، إلا أن مراحل البحث تحتاج إلى مراجعة جديدة، وبعض هذه المباني وبعض المطالب التي بنيت عليها، فيها إشكال. من هنا، سيُسعى في البحث الحاضر، عبر منهج وصفي-تحليلي، إلى تقديم تقرير وتبيين جديد لنظرية المحقق النائيني الذي يعد من أوائل شراح هذا البحث، مع تقديم نقد علمي شامل لهذه النظرية. بناءً على ذلك، فإن أهم الأسئلة المحورية في هذا المقال هي: هل يقع التزاحم في مرحلة التنجز؟ وهل الموارد التي ذكرها المحقق النائيني من مرجحات باب التزاحم داخلة في باب التزاحم ومتوافقة مع مبانيه؟ وفي هذا السياق، اهتم بعض الباحثين أحيانًا بمجرد مقياس وأداة تحديد أهمية الموارد ذات الأهمية؛ كما يظهر في مقالة رئيس السادات وزملائه بعنوان «مقاييس كشف أهمية المرجح الأهم من منظور أصول فقه الفريقين»، أو ركزوا أكثر على آراء الشهيد الصدر التي اتخذت قالبًا صعبًا. وفي هذا السياق يمكن الإشارة أيضًا إلى مقالة «دراسة التزاحم وتطبيقه في الأصول والفقه بمنظور يركز على رؤية الشهيد الصدر».
مفهوم التزاحم
كلمة «تزاحم» في اللغة من جذر «زحم» بمعنى إيقاع الآخر في مشقة وضيق (الفراهيدي، 1409، ج3، ص167؛ ابن سيده، 1418، ج3، ص234؛ الفيومي، 1414، ج2، ص252)، وهي بشكل عام جذر يدل على انضمام عدة أشياء بشدة وصعوبة. (ابن فارس، 1404، ج3، ص49) من هنا، وبالنظر إلى ما قيل، ومع مراعاة المعنى الغالب لباب المفاعلة الذي هو المشاركة، يمكن القول إن التزاحم هو وقوع عدة أشياء في ضيق وضغط وانضمام بعضها إلى بعض مع صعوبة.
التعريف الاصطلاحي المشهور لدى الأصوليين للتزاحم (الآملي، 1386، 387) هو: «التزاحم هو التنافي بحسب الوجود لا بحسب الملاك»، مع توضيح أن التزاحم يكون بين حكمين لا تقابل بينهما من حيث المصالح والمفاسد، وفي خطابين مستقلين؛ ولكنهما بسبب عدم قدرة المكلف في مقام الامتثال وفي الخارج، لا يمكن القيام بهما معًا. توضيح ذلك أن التزاحم والتنافي يمكن أن يحدث بصورتين:
الأولى: تزاحم الملاكات، وهو أن يكون لفعلٍ ما من حيث ما فيه من مصلحة اقتضاء للوجوب أو الاستحباب، ومن حيث ما يترتب عليه من مفسدة، مقتضٍ للحرمة أو الكراهة. أو أن يكون لفعلٍ ما بسبب مصلحة فيه اقتضاء للوجوب، وفي الوقت نفسه، لفعل آخر مضاد له بسبب مصلحة خاصة به اقتضاء للوجوب في نفس الظرف. في هذه الحالة، يخرج الامتثال عن عهدة المكلف، ويجب على الشارع أن يحدد تكليف العبد في هذا الصدد، بأن يصدر الحكم بالنسبة لملاك الفعل الذي له أهمية أكبر. النقطة هي أن المكلف لا اطلاع له على ملاكات الأحكام لكي يقوم بعمل من أجلها. على أي حال، هذا النوع من التزاحم لا يرتبط بالمكلف وهو خارج عن البحث. (روحاني، 1382، ج2، ص338-343)
الثانية: تزاحم الأحكام، وهو أنه إذا لم يكن بين حكمين في مرحلة الجعل والإنشاء تنافٍ أو تمانع، بل كانا على كمال التوافق مع بعضهما، ولكن عندما يحين وقت مقام العمل والامتثال، يتفق أن يقعا في ظرف واحد، ويخرج أداؤهما معًا عن قدرة المكلف، في حين أن لديه القدرة على أداء كل منهما على حدة. في مثل هذا الفرض، لا تتنافى ملاكات هذين الحكمين مع بعضهما البعض؛ بل المكلف هو الذي لا يستطيع أداءهما في ظرف واحد. في الواقع، المنشأ الأصلي لوجود هذا النوع من التزاحم هو حكم الخالق بتكليفين في عرض بعضهما. كل منهما يمكن أن يتحقق في ظرف آخر، ولكن من الممكن اتفاقًا أن يتلاقيا معًا وتنتفي قدرة المكلف على أدائهما معًا في آن واحد.
من هنا، استخدم المحقق النائيني لتعريف التزاحم (النائيني، 1352، ج1، ص357؛ همو، 1376، ج4، ص705) عبارات أكثر صراحة، بحيث أن التزاحم هو تنافي حكمين أو خطابين في مقام الامتثال والفعلية بسبب عدم قدرة المكلف على أدائهما. هذا التعريف، لكونه ناظرًا إلى مبحث مراتب الحكم وله مانعية أوضح بالنسبة لبحث التعارض، يقدم صورة أوضح وأكمل عن التزاحم للمخاطب؛ ولكن في نظر الكاتب، قيد الفعلية يبعد المحصل عن إيجاد صورة دقيقة للتعريف؛ لأن التزاحم، كما صرح هو أيضًا، يكون في مقام الامتثال، الذي يُطلق عليه في مراحل الحكم مرحلة التنجز. والفرض المسبق لهذه المرحلة هو أيضًا فعلية كلا الحكمين، وفي حالة فعلية التكليفين، سيقع التزاحم في مرحلة التنجز. بناءً على ذلك، سيُكتفى بـ«مقام الامتثال» في التعريف، ومن الأفضل أن يُعرّف هكذا: التزاحم هو تنافي حكمين في مقام الامتثال والتنجز.
1. إعادة تعريف التزاحم وتمييزه عن التعارض
لإعادة تعريف هذا الفرق، يجب التطرق إلى مراحل الحكم. يتكون الحكم الشرعي بناءً على تصريحات الأصوليين (الآخوند الخراساني، 1409، 258؛ البروجردي، 1412، ج2، ص8؛ الموسوي الخميني، 1418، ج3، ص19؛ القوچاني، 1430، ج2، ص10) من أربع مراحل.
المرحلة الأولى، مرحلة الاقتضاء ولحاظ الملاكات (المصالح والمفاسد)، مثل شرب الخمر الذي فيه ملاك الحرمة، ولا يوجد فيه مانع يمنع الشارع من أن يعتبر له حكم الحرمة. ادعى بعض الأصوليين أن هذه المرحلة خارجة عن مراحل الحكم (قانصوه، 1418، ج3، ص63)؛ ولكن خلافًا لتصورهم، هذه المرحلة جزء من مراحل الحكم؛ لأن ملاك هذا التقسيم هو مراحل تكون الحكم، لا مجرد المرحلة التي يصبح فيها الحكم فعليًا. من هنا، أشار المناطقة (مطهري، 1376، ج6، ص622) في مراحل اتخاذ القرار والاختيار إلى مرحلة الشوق بشكل مستقل، واعتبروها مرحلة قائمة بذاتها.
المرحلة الثانية، مرحلة الإنشاء أو الجعل وصدور الحكم قبل الإبلاغ. في هذه المرحلة، يجعل الشارع الأحكام في اللوح المحفوظ على صورة قضايا حقيقية؛ مثل حكم وجوب الحج بالنسبة للمستطيع الذي يصدر بشكل كلي ولا ينظر إلى المكلفين الموجودين المستطيعين.
المرحلة الثالثة من المراحل، هي مرحلة الفعلية والإبلاغ ووصول الحكم إلى المكلف. بالنظر إلى المثال المذكور، في هذه المرحلة، المكلف بعد أن يصبح مستطيعًا، فإن الحكم الذي جُعل في المرحلة السابقة بشكل كلي، سيجد فعلية لمثل هذا المكلف، وفي الواقع يجب القول إن الحكم في هذه المرحلة يجري على مصاديقه.
المرحلة الرابعة لتشكل الحكم، هي مرحلة التنجز أو وجوب التنفيذ والطاعة من قبل المكلف، بحيث إذا لم يطع، استحق العقاب. في توضيح الفرق بين هذه المرحلة والمرحلة السابقة، يمكن القول إنه في المرحلة السابقة، يقع الحكم من جانب الشارع على عهدة المكلف ويُبلغ إليه، وبالنسبة له، يصبح فعليًا؛ ولكن في مرحلة التنجز، إذا التفت المكلف إلى هذا الحكم الفعلي الذي هو نفسه من مصاديقه، وعلم بوجوب أدائه، فإن حكم الشارع يتنجز بالنسبة له. وفي حالة عدم الالتفات، مثل عدم الالتفات إلى كونه مستطيعًا في المثال المذكور، أو الجهل بوجوب الحج في حالة الاستطاعة، فلن يكون هناك تنجز. بشكل عام، يمكن اعتبار مرحلة التنجز عدم وجود موانع عقلية وشرعية بالنسبة للمرحلة السابقة وفعلية الحكم. لهذا السبب، تعتبر مجموعة من الأصوليين هذه المرحلة خارجة عن المراحل الأصلية للحكم. (الجزائري، 1415، ج3، ص20؛ مكارم الشيرازي، 1428، ج2، ص215).
وهنا تجدر الإشارة إلى أن شرطية العلم لمرحلة التنجز مقبولة بالإجماع، ولكن شرطية القدرة محل خلاف. فالعلماء بعد المحقق الآخوند قائلون بشرطية القدرة في مرحلة الفعلية، أما العلماء المعاصرون فقائلون بشرطية القدرة في مرحلة التنجز. (راجع: الصدر، 1418، ج1، ص338؛ المحقق العراقي، 1417، ج2، ص129؛ مكارم الشيرازي، 1428، ج2، ص215).
ثمرة هذا الاختلاف ستتضح في الأقسام التالية، بحيث لو اعتبرت القدرة شرطًا لفعلية الحكم، فإن التزاحم في الواقع سيحدث في هذه المرحلة؛ ولكن إذا كانت مرحلة التنجز، المشروطة بالعلم، مشروطة بالقدرة العقلية، فإن التزاحم سيحدث في مرحلة التنجز، وهذا هو القول الحق فيما يبدو.
بالنظر إلى بحث مراتب الحكم الذي مر، إذا كان هناك تنافٍ بين دليلين في دلالاتهما، بحيث يتنافى دليل مع دلالته الالتزامية مع دليل آخر، يسمى هذا التنافي تعارضًا، مثلما يوجب الدليل الأول إكرام العلماء، ويحرم الدليل الآخر إكرام الفساق. العلاقة بين هذين الدليلين هي العموم والخصوص من وجه، وينفيان بعضهما البعض بالدلالة الالتزامية، ويبقى تكليف العالم الفاسق غير محدد. التنافي في هذه الحالة يرجع في الواقع إلى مرحلة الإنشاء والجعل؛ أي أن التنافي موجود في بيان وإنشاء الشارع، ولهذا السبب لا يقدر المكلف على الامتثال.
في التزاحم، لا يكون التنافي بين الدليلين بسبب دلالتهما في مرحلة الإنشاء؛ بل في مقام الدلالة لا يوجد بينهما أي تنافٍ، وهما على كمال التوافق، ولكن عندما يراد أن يفعّلا على عهدة المكلف، فبسبب أن شرط مرحلة الفعلية هو القدرة، وأداء عملين واجبين في وقت واحد يخرج عن عهدة الإنسان، يتزاحم هذان التكليفان، وفي مقام الامتثال، لا يمكن أداؤهما.
التنافي في التزاحم بناءً على القول المشهور يرجع إلى مرحلة الفعلية، بحيث لا تجد هذه الأنواع من الأحكام فعلية للمكلف لكي تكون قابلة للتنفيذ. أما إذا كانت القدرة شرطًا في مرحلة التنجز، فلا شك أن التزاحم سيحدث في هذه المرحلة؛ لأنه بافتراض شرطية القدرة في مرحلة الفعلية وعدم القدرة على أداء المتزاحمين بشكل كلي، يتضح أن التكليفين المتزاحمين قد أصبحا فعليين للمكلف، ولكنهما لن يتنجزا. (راجع: الشهيد الصدر، 1425هـ، ج3، ص13)
الفروق بين التعارض والتزاحم
الآن، سنتناول خلاصة الفروق بين التعارض والتزاحم من وجهة نظر المحقق النائيني (النائيني، 1376، ج1، ص317).
1. التنافي في التزاحم ليس في مقام الجعل والإنشاء؛ بل في مقام الفعلية، على خلاف التعارض.
2. الحاكم بالترجيح والتخيير في التزاحم هو العقل، وفي التعارض هو الشرع.
3. نتيجة التقديم في التعارض هي رفع الحكم عن موضوع الآخر، على خلاف التزاحم الذي تكون نتيجة التقديم فيه رفع حكم أحدهما بسبب رفع موضوعه.
4. مرجحات التعارض هي ترجيحات دلالية أو سندية، على خلاف التزاحم الذي له ملاكات أخرى.
5. التزاحم في شروط التكليف العامة يقع فقط في القدرة، على خلاف التعارض الذي قد يقع في شروط أخرى أيضًا.
منشأ وسبب التزاحم
يعدد المحقق النائيني (النائيني، 1376، ج1، ص320) في باب منشأ وموجبات التزاحم موارد يمكن أن يساعد التدقيق فيها على توضيح إطار البحث بشكل كبير.
المنشأ الأول، تضاد متعلقي التكليفين، بمعنى أنهما غير قابلين للجمع في زمان واحد، بحيث لا يقدر المكلف على أدائهما، مثل إنقاذ غريقين في وقت واحد، أو وجوب الصلاة ووجوب إزالة النجاسة من المسجد في وقت واحد.
المنشأ الثاني، عدم قدرة المكلف على أداء كلا الفعلين؛ وإن كان زمانهما مختلفًا، مثل القيام في الركعة الأولى والقيام في الركعة الثانية، حيث لا يستطيع المكلف أداءهما معًا.
المنشأ الثالث في رأيه، هو تلازم متعلقي الحكمين مع وجود اختلاف في الحكم، بحيث تُسلب القدرة على أداء كل منهما، مثل وجوب التوجه إلى القبلة وحرمة الاستدبار لنجم الجدي، اللذين يتلازمان في بعض الأماكن، ويخرجان إتيان كليهما عن حدود قدرة المكلف.
المنشأ الرابع لإيجاد التزاحم في نظر المحقق النائيني، هو اتحاد متعلقي التكليفين في حادثة ووجود خارجي واحد؛ مثل وجوب دفن المسلم وعدم وجوب أو حرمة دفن الكافر في جسد مشتبه.
المنشأ الأخير في رأيه هو أن يكون متعلق تكليف مقدمة وجودية لتحقق متعلق تكليف آخر؛ مثل وجوب إنقاذ الغريق وحرمة العبور من أرض مغصوبة، حيث يكون العبور من الأرض المغصوبة مقدمة لإنقاذ الغريق.
يرى المحقق النائيني أنه إذا كان التنافي بين دليلين خارجًا عن هذه الموارد، فهو بالتأكيد ليس من موارد التزاحم، وسيكون من باب التعارض أو اجتماع الأمر والنهي. (النائيني، 1376، ج1، ص320)
وظيفة المكلف تجاه الأمرين المتزاحمين
للمكلف عند تزاحم التكاليف وظيفتان. وظيفة في مقام التزاحم في فرض أن المتزاحمين متساويان في جميع الجهات، حيث يعين المكلف وظيفته بحكم العقل. والوظيفة الأخرى للمكلف هي في مقابل جهات ترجيحية مختلفة يحتمل وجودها.
1.4. تشخيص وظيفة المكلف في حالة تساوي جهات الترجيح
عندما لا يكون بين أمرين متزاحمين أي نوع من الترجيح – ولو في حدود وجه الأهمية – يتفق جميع الأصوليين على وجوب إجراء التخيير بين المتزاحمين، وهذا التخيير يُستفاد من حكم العقل العملي، ولهذا السبب يُبحث في المستقلات العقلية. يُذكر أن المكلف يجب أن ينفذ هذا التخيير ويحدد وظيفته.
دليل هذا القول من وجهة نظر المرحوم المظفر (مظفر، 1392، ص549) هو أنه بعد فرض عدم إمكان الجمع بين حكمين متزاحمين وعدم جواز ترك كليهما، في حال عدم وجود مرجح، وبالنظر إلى أن الترجيح بلا مرجح محال، لا يوجد حل إلا أن يُترك الأمر للمكلف ويُخيّر فيه؛ لأنه من غير الممكن أن يكون في كلا الأمرين المتزاحمين تكليف فعلي. ولا يوجد أيضًا عمل يمكن من خلاله إسقاط كلا الأمرين. هذا الحكم هو حكم عقلي عملي تتوافق عليه آراء العقلاء، ووفقًا لهذا الحكم العقلي، يُكشف عن حكم الشرع أيضًا؛ مثل جميع الأحكام العقلية التي يُكشف منها عن حكم الشرع. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى الحالة التي يكون فيها المكلف متحيرًا بين إنقاذ غريقين، وفي تلك الحالة لا يوجد حل سوى إنقاذ أحدهما وترك الآخر. هذا هو التخيير العقلي الذي تتضح موافقة الشارع عليه.
دليل المرحوم المظفر ينسجم مع مبنى وقوع التزاحم في مرحلة الفعلية، مثل المحقق النائيني؛ ولكن بالنظر إلى المبنى المختار الذي تم توضيحه، فإن شرح الدليل يكون مناسبًا على هذا النحو: عندما يجد أمران فعلية للمكلف، ويقع المكلف بسبب اجتماعهما في ظروف لا يقدر فيها على أداء كليهما، يحكم العقل بامتثال أحدهما، وفي الواقع يكون أحد هذين الموردين منجزًا ويشغل ذمة المكلف. هذه هي صورة التخيير العقلي التي تُذكر.
2.4. تشخيص وظيفة المكلف في حالة التفاضل بين جهات الترجيح
يحدث التفاضل بين المرجحات عندما تكون بعض المرجحات من حيث المصالح والمفاسد ذات أهمية أكبر من سائر المرجحات. في هذه الحالة، يكون المكلف عاجزًا عن فهم هذه الأهمية وتشخيص مصاديقها، ولا حل له سوى الرجوع إلى المجتهد؛ لأن المجتهد، من خلال استنباطه، يشخص الترجيح الذي يريده الشارع، وينقذ المكلف من هذه الحيرة.
في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى قول آية الله الخوئي: «التزاحمات التي تقع بسبب الاختلاف في الملاكات، مثل القيام بعمل يقتضي الوجوب من جهة المصلحة الموجودة فيه، ومن جهة أخرى يقتضي الفساد والحرمة، وتزاحم مصالح أمرين متضادين، وما شابه ذلك، فليس للمكلف والعبد أي وظيفة في هذا البين، ويجب على الشارع والمولى أن يوصل الملاك الذي يريده إلى المكلفين، بحيث تكون الملاكات الأهم والأقوى بالنسبة لهم هي التي تحدد مسار عمل المكلف». (الخوئي، 1417، ج3، ص205)
في هذا السياق، وظيفة المكلف هي مجرد الطاعة والعبودية، ويجب عليه أن يطيع الأحكام التي أمره الشارع بأدائها، دون النظر إلى مصالحها ومفاسدها؛ بل إذا تشخص للعبد في مورد ما، مثل العبد والمولى العرفي، أن أمر المولى نابع من مصلحة متوهمة، وفي الحقيقة ليس له مصلحة بل فيه مفسدة أيضًا، فوفقًا لعلاقة العبودية، ليس للعبد حق المخالفة وترك ذلك الفعل، وإذا قدم بعد تركه عذرًا بأن تقديره كان خاطئًا، فلن يُقبل منه ويستحق العقاب.
من هنا، يمكن استنتاج أن وظيفة المولى هي جعل الأحكام وفقًا للمصالح والمفاسد التي يريدها، وفي حالة المزاحمة بين هذه المصالح والمفاسد، يجب أن يبين للمكلف سبيل الترجيح. ووظيفة العبد أيضًا هي اتباع هذه الأحكام، وليس له حق التدخل في وظائف المولى. وهذا في حين أن المجتهدين في مقام الترجيح قد بينوا مرجحات.
مرجحات التزاحم
مرّ في المباحث السابقة أن مقتضى القاعدة الأولية في تزاحم حكمين بدون وجود مرجحات وإثباتها هو التخيير العقلي. في هذا البحث، يُطرح هذا السؤال: هل يمكن العثور على جهات ترجيحية في هذه الأحكام المتزاحمة في الشرع المقدس أم لا؟ الجواب هو أن جميع الأصوليين يعتبرون تقديم الأهم على المهم في هذا المقام أهم وجه للترجيح بين حكمين متزاحمين؛ ولكن سعى البعض من باب تعيين المصداق إلى تحديد مرجحات لها أهمية من وجهة نظر الشرع أو العقل، والبعض الآخر أيضًا، مثل المحقق النائيني، قائلون بوجود وجوه ترجيح أخرى غير ملاك الأهم والمهم، والتي سيتم شرحها ونقدها في ما يلي.
1.5. التزاحم بين الواجبين التخييري والتعييني
أول مرجح يذكره المحقق النائيني (النائيني، 1352، ج1، ص271-272) في مقام التزاحم هو أنه إذا كان التزاحم بين واجبين أحدهما له بدل والآخر ليس له بدل، فإن الواجب الذي ليس له بدل يكتسب الأولوية، ويكون المكلف مأمورًا بأدائه. في رأيه، يتحقق هذا المرجح في موضعين.
أ) عندما يكون لأحد الواجبين بدل في عرضه، مثل التزاحم بين الواجب التخييري (العقلي والشرعي) والواجب التعييني، ففي هذه الحالة يُقدم الواجب التعييني؛ وإن كان الواجب التخييري أكثر أهمية.
يقدم النائيني دليل التقديم على هذا النحو: الواجب التخييري لا يقتضي لزوم أداء فرد خاص من أفراده، وقد خير الخالق المكلفين في اختيار أي من هذه الأمور؛ بخلاف الواجب التعييني الذي يؤكد على وجوب أداء فعل خاص بمفرده دون وجود بدل. بهذا البيان، يتضح أنه في حالة التزاحم بين أمر له اقتضاء بالنسبة لأداء فعل خاص بمفرده ودون وجود بدل، مع أمر ليس له ذلك الاقتضاء، يجب تقديم الأول.
ويذكر مثالًا لهذا القسم على هذا النحو: إذا كان شخص يملك عشرة دراهم فقط، ووقع هذا الشخص بين أمرين متزاحمين؛ أي إنفاقها في سبيل واجب النفقة وكفارة شهر رمضان المبارك، فيجب عليه أن ينفق دراهمه في نفقة؛ لأن كفارة شهر رمضان لها بدل ويمكنه أن يصوم ستين يومًا أو يعتق رقبة مؤمنة.
ب) عندما يكون لأحد الواجبين بدل في طوله، مثل الحالة التي يقع فيها التزاحم بين الأمر بالوضوء أو الغسل وبين الأمر بتطهير البدن. في هذه الحالة، بما أن للوضوء أو الغسل بدلًا ويمكن التيمم، تكون الأولوية لتطهير البدن الذي لا يُتصور له بدل.
مثال آخر هو عندما يحدث تزاحم بين أداء الصلاة كاملة في الوقت المتبقي مع التيمم، وبين أداء ركعة واحدة من الصلاة مع الوضوء، ففي هذه الحالة يجب أداء الصلاة مع التيمم وإدراك جميع ركعات الصلاة؛ لأنه عندما يكون للتكليف بدل، مع تكليف آخر لم يُعرف له بدل، يجب تقديم التكليف الذي لا بدل له.
مثال آخر هو أنه إذا حدث تزاحم بين إنقاذ شخص عطشان بواسطة كمية محدودة من الماء المتاحة للمكلف، وبين الوضوء، فلا شك أن إنقاذ العطشان له الأولوية؛ لأن الوضوء له بدل، ومع إمكانية التيمم، لا تصل النوبة إلى الوضوء.
يرى المحقق النائيني أنه إذا كان لأحد موارد التزاحم بدل، فيجب في كل الأحوال تقديمه على الآخر الذي لا بدل له؛ حتى لو كان التكليف الذي له بدل أكثر أهمية. هذا القول للنائيني ليس صحيحًا كقضية كلية؛ كما أشار بعض المفكرين إليه. (مكارم الشيرازي، 1428، ج3، ص465؛ حسيني الشيرازي، 1427، ج9، ص11؛ روحاني، 1382، ج2، ص346). كما تم بيانه، البدل إما عرضي أو طولي. في حالة وجود بدل عرضي، الذي يسمى في الأصول بالواجب التخييري، لا يحدث أي تنافٍ؛ لأن الواجب التخييري، بخلاف التعييني الذي واجبه محدد، هو واجب مبهم وكلي وله مصاديق، ولا يوجد أي متعلق لمثل هذا الواجب يكون أصلًا والآخر فرعًا أو بدلًا؛ بل كلها في عرض بعضها، وفي مقابل الواجب التعييني، لا يحدث تنافٍ، ويكون الفرد المقدور مورد الأمر ويتنجز. وبهذا الترتيب، لا يجد الفرد المتضاد فعلية أصلًا لكي يحدث تزاحم ويُقدم أحدهما على الآخر؛ لأن القدرة على الجمع لا تزال موجودة.
في حالة وجود بدل طولي مثل الوضوء الذي له بدل طولي؛ أي التيمم، ليس الأمر دائمًا أن المورد الذي لا بدل له يكون هو المهم ويُقدم؛ لأن عدم وجود البدل لا يساوي كونه الأهم؛ بل النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه. من جهة أخرى، عندما يقال إن الوضوء في المرحلة الأولى والتيمم في المرحلة الثانية واجب، فهذا يعني أن الوضوء له درجة أعلى من المصلحة، وفي حالة عدم وجود الشروط، تنتقل النوبة إلى المرحلة التالية. الآن، إذا تنافى الوضوء مع تطهير الثوب، فلا يمكن القول بتقديم تطهير الثوب وتجاهل مصلحة الوضوء. بناءً على ذلك، الفرض المذكور لا يزال في مسألة الأهم والمهم، ويجب تقديم الأهم.
2.5. التزاحم بين واجبين مشروطين بالقدرة
يوضح المرحوم المحقق النائيني هذا المورد في ثلاث حالات يتم تناولها؛ ولكن قبل ذلك، يُشار إلى معاني القدرة.
يجب على كل مكلف عند أداء التكليف أن تكون لديه القدرة على أدائه. الآن، إذا صُرح في لسان الدليل لفظًا بضرورة وجود هذه القدرة، تسمى هذه القدرة بالقدرة الشرعية؛ لأن الشرع قد صرح بها. بتعبير أدق، الأمر بالطبيعة المقدورة قد صدر؛ أي أن الله طلب حصة ومجموعة خاصة من تلك الطبيعة. والآن لا فرق بين أن تكون هذه القدرة قدرة عامة، مثل القدرة الجسدية، أو قدرة خاصة، مثل القدرة المالية وأمن الطريق وموارد أخرى لوجوب الحج. على أي حال، هذه الموارد، بسبب تصريح وأدلة لفظية عليها، تسمى بالقدرة الشرعية.
أما إذا كان لسان الدليل مطلقًا بالنسبة لنوع القدرة، وساكتًا من هذه الحيثية، فإن العقل بشكل كلي، بالنسبة لجميع التكاليف الصادرة من جانب الشارع، يشترط ضرورة وجود القدرة لأداءها من جانب المكلفين. هذا النوع من القدرة يسمى القدرة العقلية. بعبارة أخرى، الأمر بصرف وجود الطبيعة قد صدر. (مظفر، 1392، ص551؛ پژوهشکده مدیریت اطلاعات و مدارک اسلامی، 1397، ص629؛ حکیم، 1318، ص351)
1.2.5. القدرة في واجب عقلي وفي الآخر شرعية
إذا كان في حالة التزاحم بين تكليفين، لم يُصرح في لسان الدليل الأول بالقدرة وكيفية خاصة بها (قدرة عقلية)؛ ولكن في الدليل الثاني صُرح لفظًا بهذه القدرة، فإن هناك آراء مطروحة لترجيح أيهما.
يعتقد المحقق النائيني أنه في هذه الحالة يجب تقديم الواجب الذي فيه قدرة عقلية؛ لأن الملاك، أي المصالح والمفاسد الواقعية وأرضية فعلية الواجب الذي لُحظت فيه القدرة العقلية، موجودة وكاملة، ولا يوجد مانع في فعليتها. بناءً على ذلك، يتحقق الوجوب الفعلي له، وهذه الفعلية تسبب عجز المكلف بالنسبة للوجوب الآخر، وتمنع تحقق ملاك فعلية الآخر؛ بخلاف الواجب الذي شُرطت فيه القدرة الشرعية، بحيث مع فعلية الواجب الآخر، لا يبقى مجال لفعليته في ظرف التزاحم؛ مثل التزاحم بين وجوب حفظ حياة إنسان عطشان المشروط بالقدرة العقلية، ووجوب الوضوء المشروط بالقدرة الشرعية؛ أي وجود الماء وعدم وجود مانع مثل احتمال الضرر. وكذلك التزاحم بين وجوب الوضوء ووجوب تطهير الثوب النجس للصلاة، حيث في كلا الموردين، يُقدم الحكم المشروط بالقدرة العقلية؛ أي وجوب حفظ الحياة ووجوب تطهير الثوب النجس. (النائيني، 1352، ج1، ص273)
لا يرى المحقق الخوئي دليل المحقق النائيني صحيحًا؛ على الرغم من أنه، حسب قوله، يثبت ويفترض أصل ادعاء النائيني وتقديم الواجب المشروط بالقدرة العقلية. بيان المطلب بأنه في عالم الإثبات وعالم الشرعيات، لا يوجد سبيل للحصول على ملاكات الأحكام؛ فما بالك بادعاء ثبوتها. بناءً على ذلك، لا يمكن ادعاء هذا المطلب بأن الملاك في الواجب المشروط بالقدرة العقلية متحقق وموجود، والذي تكون نتيجة البحث فيه تقديم الواجب المشروط بالقدرة العقلية.
يقول المحقق الخوئي في إشكاله الثاني: عندما يُراد ذكر مرجح لباب التزاحم، لا ينبغي أن يُنظر إليه وفقًا لمذهب خاص؛ بل يجب أن يكون ذلك الرأي متوافقًا مع جميع المذاهب والآراء الأخرى؛ لأن مسألة التزاحم لا تختص بنظرية العدلية التي تعتبر الأحكام تابعة للملاكات الواقعية؛ بل يجب أن تشمل أيضًا نظرية الأشاعرة الذين ينكرون تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد الواقعية. (الخوئي، 1417، ج3، ص239)
كما تم بيانه، هو أيضًا، مثل المحقق النائيني، قائل بتقديم الواجب المشروط بالقدرة العقلية؛ ولكن بالدليل والبيان الذي يقدمه هو، لا بدليل المحقق النائيني الذي ورد فيه خدش. يطرح المحقق الخوئي علة التقديم على هذا النحو: الواجب المشروط بالقدرة العقلية، بسبب عدم وجود شرط وقيد خاص لأصل الوجوب، غير القدرة التكوينية التي يجب أن توجد في المكلف، هو المقدم. وهذا في اصطلاح الأصوليين يُطرح كإطلاق دليل الوجوب؛ بخلاف الواجب المشروط بالقدرة الشرعية الذي فيه قدرة جديدة غير القدرة التكوينية قد أُخذت في الاعتبار للأفراد، والواجب في لسان الدليل قد قُيد وشُرط لفظًا بقدرة خاصة. في هذه الحالة، مع وجود الواجب المشروط بالقدرة العقلية، لا يبقى مجال لفعلية الواجب الآخر. ويرى أن هذا الحل لا يبتني على رأي كلامي خاص، وقابل للتطبيق على جميع الآراء. (الخوئي، 1417، ج3، ص240)
كما مر، الرأي الصحيح هو أن التزاحم يقع عندما يكون للتكليفين فعلية. بناءً على ذلك، في مورد كلا الرأيين، مع وجود حكم مشروط بالقدرة العقلية، لا يبقى مجال لفعلية التكليف والحكم الآخر، ولا يوجد تزاحم آخر لكي نقول بترجيح أحدهما على الآخر.
وفيما يتعلق بمثالي المحقق النائيني، يجب القول إن هذين المثالين يرجعان إلى الحالة الأولى؛ أي تزاحم الواجب التخييري والتعييني، حيث لا يوجد تزاحم أصلًا، والأمر يتعلق بالفرد المقدور ويتنجز.
2.2.5. القدرة في كلا الواجبين شرعية
في نظر المحقق النائيني، إذا كان بين واجبين كلاهما مشروط بالقدرة الشرعية فاصل زمني، فمن بين هذين الواجبين، يُقدم الواجب الذي وجوبه قد تحقق فعليًا في زمن أسبق من الآخر، وموضوعه قد تحقق؛ لأنه مع فعلية وجوب الواجب الأول، لا يبقى مجال لفعلية الآخر، ويرتفع موضوعه.
يشرح المرحوم آية الله الخوئي مثالًا لهذا القسم على هذا النحو: إذا كان لدى شخص بين أداء صلاتي الصبح والظهر قائمًا القدرة على أداء واحدة فقط، فيجب عليه أن يصلي الصبح قائمًا وفي حالة القيام؛ لأن زمانها أسبق، وفي هذه الحالة لا تصل النوبة إلى الدليل الثاني. مثال آخر هو أن الشخص الذي لديه القدرة على أداء ركعة واحدة فقط من الصلاة، يجب عليه أن يؤدي الركعة المتقدمة، ولن يجد وجوب الركعة الأخرى فعلية. (الخوئي، 1417، ج3، ص242)
نقد ومناقشة
شرط حدوث التزاحم هو فعلية الواجبين، وهو ما لم يتحقق في هذه الحالة وفي هذا المثال (بفرض صحة المثال للواجب المشروط بالقدرة الشرعية)، وبالتالي لن يكون هناك تزاحم ولا ترجيح.
يقول المرحوم النائيني في تتمة كلامه إن هذا التقديم يتم بغض النظر عن تقدم وتأخر أدلتهما الذي يسبب تقديم أحدهما على الآخر، وفي حالة عدم وجود جهة وشرط آخر في البين، ففي هذه الحالة يُتبع تلك الجهة والشرط؛ مثل المثال الذي يطرحه المرحوم السيد اليزدي في مسائل كتاب الحج. (الطباطبائي اليزدي، 1409، ج2، ص443) ويتناوله المحقق النائيني. (النائيني، 1352، ج1، ص273) ذلك المثال هو أنه إذا حدث تزاحم بين وجوب الوفاء بالنذر ووجوب الحج، بحيث نذر شخص في شهر رمضان أن يكون ليلة عرفة عند مرقد سيد الشهداء؛ ولكن بعد فترة وجبت عليه الاستطاعة، وأصبح وجوب الحج عليه قطعيًا. هذا الشخص في أيام الحج ليس لديه القدرة إلا على أداء أحد هذين التكليفين.
في نظر المحقق النائيني، على الرغم من أن وجوب الوفاء بالنذر له تقدم زمني بالنسبة لوجوب الحج؛ إلا أن وجوب الحج يُقدم؛ لأن صحة النذور مشروطة بأن يكون النذر في مقام العمل راجحًا، وألا يكون محللًا للحرام. وفي هذه الحالة، يستلزم الوفاء بالنذر ترك واجب مثل الحج وهو حرام، ويمنع المكلف من أداء الحج. بناءً على ذلك، فإن أدلة وجوب الوفاء بالنذر لا تشمل هذا المورد، وينحل النذر، ويجد وجوب الحج فعلية، ويرفع ملاك متعلق النذر. (النائيني، 1352، ج1، ص274؛ سبحاني، 1424، ج4، ص313)
البيان المتقدم قد يثير إشكالًا بأن وجوب الوفاء بالنذر كيف يكون مشروطًا بالقدرة الشرعية في حين لم يُصرح في دليله بهذا المطلب ولم يُشر إليه لفظًا.
يجيب المحقق النائيني بأن صحيح أنه لم يُصرح بهذه الشرطية، ولكن وجوب الوفاء تابع لمتعلق النذر، وبما أن النذر لا يتعلق إلا بالفعل المقدور، فيمكن القول إن القدرة قد أُخذت في موضوع وجوب الوفاء بالنذر، ولا يشمل جميع مصاديق النذر؛ بل يشمل قسمًا ومجموعة خاصة، وهي المنذورات المقدورة. هذا هو اعتبار القدرة في متعلق الوجوب الذي يسمى بالقدرة الشرعية. (النائيني، 1352، ج1، ص274)
إذا لم يكن بين الواجبين فاصل زمني، يقول المحقق النائيني في هذه الحالة: في النظرة الأولى قد يقال إنه يجب مراعاة ملاك الأهمية وتقديم الأهم؛ في حين أن هذا القول صحيح في مكان يكون فيه الملاك في كلا الواجبين تامًا ووجوبهما فعليًا، وفي الفرض المذكور لا يوجد مثل هذه التمامية والفعلية؛ لأنه بناءً على الفرض، التزاحم بين تكليفين مشروطين بالقدرة الشرعية، والمكلف في هذا البين لا يمكنه إلا إيجاد ملاك واحد لا كليهما. بناءً على ذلك، العمل الوحيد الذي يمكن للمكلف أن يقوم به في هذا المقام هو التخيير الشرعي. (النائيني، 1352، ج1، ص276)
يرى المحقق الخوئي في نقد رأي المحقق النائيني في حالة وجود فاصل زمني، وهو رأي صحيح، أن رأي النائيني يكون صحيحًا على هذا النحو: في حالة التزاحم بين واجبين لهما تقدم وتأخر زمني، يجب تقديم السابق زمنيًا؛ وهذا في حين أنه في مثل هذه الموارد لا يوجد تزاحم أصلًا؛ لأنه مع فعلية الأول مثل صلاة الصبح في المثال المذكور، لا يبقى مجال لفعلية الثاني؛ في حين أن في مسألة التزاحم، فعلية كلا الواجبين شرط، وفي أي مكان يتزاحم فيه واجبان في طول بعضهما، فلا شك أنه يجب تقديم الأول. وبهذا الترتيب، لا يبقى مجال لفعلية الواجب الثاني وتزاحمه مع الدليل الأول. (الخوئي، 1417، ج3، ص242)
آية الله الخوئي لديه إشكالات على القيود والادعاءات المذكورة من طرف المحقق النائيني؛ أي عدم وجود جهة وشروط أخرى؛ ولكن بما أن مباحث تفصيلية كثيرة قد طُرحت فيه، وآراء ذُكرت ضمنه قد تكون خاصة به أحيانًا، ومن جهة أخرى هذه المطالب بعيدة عن غرض هذا المقال، يُشار إليها بشكل إجمالي. (الخوئي، 1417، ج3، ص245-258)
هو لا يعتبر القدرة المشروطة في وجوب الحج شرعية؛ بل قدرة عقلية، بهذا البيان أنه إذا عرفنا الاستطاعة بـ«التمكن من أداء فريضة الحج عقلاً وشرعاً»، فإن القدرة المشروطة في الحج تُحسب شرعية؛ ولكن إذا عرفناها كما تؤيدها الروايات بـ«من كان عنده الزاد والراحلة مع أمن الطريق»، فإنها تصبح قدرة عقلية. بهذا الفرض، في حالة كون القدرة المأخوذة في وجوب الوفاء بالنذر شرعية، وكون قدرة وجوب الحج عقلية، يُقدم وجوب الحج؛ لأنه من مصاديق القسم الأول، أي التزاحم بين واجب مشروط بالقدرة العقلية وواجب مشروط بالقدرة الشرعية؛ أما كما مر في تعريف القدرة العقلية والشرعية، فإن ملاك كونها شرعية أو عقلية هو تصريح الشارع بشرطية القدرة في محتوى الدليل، وبهذا البيان في كلتا الصورتين اللتين يدرسهما المحقق الخوئي، تُعتبر القدرة شرعية، وهذا الأمر يؤيد المحقق النائيني.
هذا المحقق في حالة عدم وجود سابقة زمنية بين الواجبين، قبل بتقديم السابق زمنيًا من بين واجبين مشروطين بالقدرة الشرعية، وفي حالة عدم السبق وتساوي الزمان، قائل بالتخيير العقلي للواجبين المشروطين بالقدرة الشرعية. (الخوئي، 1417، ج3، ص267)
نقد ومناقشة
صرح المحقق النائيني في حالة عدم وجود فاصل زمني بأن الأهم والمهم يكون في مكان يكون فيه كلا الواجبين لهما فعلية؛ في حين أنه في هذا المورد لا تُرى الفعلية من جانب كلا الحكمين، ويجب القول بالتخيير. في هذه الحالة، يجب القول إنه اتفاقًا كلا الواجبين قد وجدا فعلية، والمكلف ليس قادرًا على أداء كليهما، ومن جهة أخرى لن يتنجز كلاهما، ويجب التذكير بأنه بما أنه لا يرى كليهما في هذا المقام فعليين، فإنه لا يُجري معيار الأهمية؛ في حين أنه يجب في هذا المورد إجراء نفس الأهم والمهم، وفي حالة عدم وجود وجه أهمية، القول بالتخيير.
3.2.5. القدرة في كلا الواجبين عقلية
إذا كان أحد الواجبين أهم من الواجب الآخر، فيجب تقديم الواجب الأهم؛ لأن الواجب الأهم بسبب أهميته له صلاحية أن يعجز المكلف عن أداء الواجب الآخر؛ ولكن العكس ليس كذلك. نسبة الواجب الأهم إلى الواجبات الأخرى، مثل نسبة الواجب مقابل المستحب والمباح. كما أن المباح والمستحب ليس لهما قدرة على التزاحم مع الواجب، فإن الواجبات الأخرى أيضًا ليس لها قدرة على التزاحم مع الواجب الأهم. بهذا البيان، يتضح أنه في هذه المسألة لا فرق بين أن يكون الواجب الأهم سابقًا زمنيًا أو متأخرًا. (النائيني، 1352، ج1، ص277؛ الخوئي، 1417، ج3، ص264)
يذكر مثال هذا المورد على هذا النحو: عندما يحدث تزاحم بين إنقاذ إنسان من الهلاك وحفظ ماله، فلا شك أن إنقاذ الإنسان يُقدم بسبب أهميته. مثال آخر هو التزاحم بين جزأين من الصلاة، حيث لا يملك المكلف إلا القدرة على أداء جزء واحد. في هذه الحالة، يجب على المكلف أن يقدم الجزء الذي له أهمية أكبر. (النائيني، 1352، ج1، ص277)
إذا لم تكن للواجبات أهمية وأفضلية بالنسبة لبعضها البعض، فإن جميع الأصوليين في هذه الحالة قائلون بالتخيير؛ ولكن في كونه عقليًا أو شرعيًا، توجد خلافات واسعة لا مجال لطرحها هنا. على أي حال، المحقق النائيني قائل بعقلية التخيير، خلافًا للمسألة السابقة التي كان يرى فيها شرعيته. (النائيني، 1352، ج1، ص279؛ الخوئي، 1417، ج3، ص279)
نقد ومناقشة
في حالة وجود أهمية، يجب تقديم الأهم، وفي حالة عدم وجود أو عدم العثور على وجه أهمية، يجب القول بالتخيير العقلي. أما فيما يتعلق بملاك الأهمية والرجحان، فيُذكر أن مقياس هذا التشخيص هو فهم المجتهد، بحيث يرى أي دليل في نظر الشارع أكثر أهمية. (حكيم، 1418، ص351) هذه الأولوية إما أن تُكتشف من الأدلة، أو من مناسبة الحكم مع الموضوع، أو من خلال معرفة ملاكات الأحكام بواسطة الروايات. بهذا البيان، يتضح أن هذه الأولوية قد تختلف بناءً على فهم المجتهد، ولا يمكن إيجاد ضابطة كلية لها؛ ولكن على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى عدة موارد من هذه الاستنباطات. من جملة جهات الأولوية هذه، الخيارات التي يُحفظ فيها أصل وهيكل الإسلام، أو الموارد التي تُراعى فيها حقوق الناس. مثال آخر هو اختيار تكليف يكون فيه ناموس ودم الناس في أمان، أو تُراعى فيه أركان العبادات. (مظفر، 1392، ص552)
3.5. التزاحم بين الواجب المضيق والفوري مع الواجب الموسع
من المرجحات الأخرى المشهورة (مظفر، 1392، ص550) التي طُرحت كوجه للترجيح، هو أنه إذا كان بين واجبين أحدهما مضيق أو فوري والآخر مؤقت وموسع، فيجب تقديم الواجبات المضيقة أو الفورية، ولها الأولوية؛ مثل التزاحم بين إقامة الصلاة في أول وقتها في زمان واسع، وبين إزالة النجاسة من المسجد وهو فوري. في هذه الحالة، يجب تقديم إزالة المسجد؛ لأن الواجب المؤقت الموسع مثل الصلاة له بدائل طولية يمكن أداؤها في أي منها؛ بخلاف المضيق والفوري الذي لا يوجد له تدارك وجبران وبدائل أخرى، وفي حالة عدم أدائه، يفوت. من هذا البيان، سيتضح أنه إذا حدث تزاحم بين واجب مؤقت مضيق وواجب غير مؤقت فوري، فلا شك أنه يجب أداء الواجب المؤقت المضيق، ولا تصل النوبة إلى الواجب الفوري؛ مثل الصلاة اليومية التي تُصلى في آخر وقتها، وفي هذه الحالة تتزامن مع وجوب إزالة النجاسة من المسجد، ففي هذه الحالة تُقدم الصلاة.
نقد ومناقشة
في هذه الحالة أيضًا، مثل الواجب التخييري والتعييني، لم يحدث تزاحم؛ لأن التزاحم يحدث في حالة لا يملك فيها المكلف القدرة على أداء كلا الواجبين. في حين أنه في هذا الفرض، الواجب الموسع له زمان مبهم، ولم يقع فرد خاص منه ملاكًا؛ بخلاف الواجب المضيق الذي له زمان خاص، وفي حالة عدم تحققه في ذلك الزمان، يفوت. في هذه الحالة، لا شك أن المكلف لديه القدرة على الجمع، ولن يحدث تزاحم.
4.5. التزاحم بين واجبين مضيقين لأحدهما وقت خاص
إذا حدث تزاحم بين واجب مضيق مثل الصلاة اليومية في آخر وقتها، التي لها وقت خاص، وصلاة الآيات التي لم يُعرف لها نطاق زمني خاص مع ضيق الوقت الذي لها، فيجب تقديم الصلاة اليومية؛ لأن ذلك الوقت مخصص للصلاة اليومية. الصلاة اليومية عند تزاحمها مع شيء لم يُؤخذ في أصل تشريعه ذلك الزمان والوقت الخاص، واتفق أن جاء في ذلك الزمان، لها الأولوية، وهذه الأولوية نابعة من الأهمية التي أُشير إليها في الروايات. (مظفر، 1392، ص550)
الإشكال الذي طُرح في المورد السابق، يُطرح هنا أيضًا، ولم يحدث تزاحم لكي نريد ترجيح أحدهما على الآخر.
الخاتمة
من خلال ما تم بيانه، تم التوصل إلى النتائج التالية:
التزاحم في نظر المحقق النائيني هو تنافي حكمين في مقام الامتثال والفعلية، بحيث لا يقدر المكلف على أداء كليهما؛ ولكن في نظر الكاتب، قيد الفعلية خطأ، لأن التزاحم في حالة فعلية التكليفين سيقع في مرحلة التنجز. وبهذا يكون من الأفضل الاكتفاء بقيد «مقام الامتثال».
أهم فرق بين التزاحم والتعارض من وجهة نظر المرحوم النائيني هو التنافي المضموني للدليلين في مرحلة الجعل والإنشاء في التعارض، والتنافي بين حكمين في مرحلة الفعلية بسبب عدم قدرة المكلف على أداء كلا التكليفين في التزاحم. هذا الفرق، إذا كان من جهة التعارض صحيحًا، والتعارض يقع في مرحلة الجعل والإنشاء، فإنه من جهة التزاحم ليس صحيحًا؛ لأن التزاحم يقع في مرحلة التنجز، وعدم القدرة على الامتثال مؤيد لهذه الفرضية؛ بحيث لو لم يكن لكلا التكليفين فعلية، لما وصلت النوبة إلى مقام الامتثال. إذن، يتضح أن التزاحم لم يقع في مرحلة الفعلية؛ بل فعلية كليهما مفترضة في المسألة.
يمكن البحث عن العلل الرئيسية لعدم قدرة المكلف في مقام الامتثال في موارد مثل تضاد متعلقات الأحكام لإيجادها في زمان واحد، أو تلازم متعلقين بحيث يستحيل مع أداء أحدهما أداء الآخر، أو أن يكون أداء متعلق حكمًا مقدمة لوجود الآخر.
في فرض وجود تزاحم بين تكليفين بحيث يكون هناك تساوي بين الأمرين المتزاحمين، ولا يوجد ترجيح؛ وإن كان من جهة الأهمية لبعضهما البعض، فإن الرأي الحق هو أن المكلف يمكنه حل هذه المشكلة دون الرجوع إلى الشرع؛ لأن العقل العملي لهذه الحالة له حل يتمثل في التخيير العقلي بين هذين المتزاحمين. إذا كان هناك ترجيح بين متزاحمين، فإن المكلف يبقى حائرًا، ولا يتصور لنفسه وظيفة غير الرجوع إلى الشارع لحل هذا التزاحم. في هذا السياق، يجب الإشارة إلى دور المجتهدين في كشف هذه الحلول. إن أهم وجه للترجيح بين الأصوليين هو وجه الأهم والمهم، الذي ذكر بعض الأصوليين مصاديق له، والبعض الآخر أيضًا، مثل المحقق النائيني، قد درسوا وجوهًا يرون أنها تتباين مع وجه الأهم والمهم.
أول تلك الوجوه هو أنه إذا كان التزاحم بين واجبين أحدهما تخييري؛ أي له عدة بدائل في مقام العمل للمكلف، والآخر تعييني، فيجب على المكلف أن يقدم التكليف التعييني ويؤديه. سواء كان هذا الواجب التخييري له بدائل في العرض أو في الطول، فيجب في كل الأحوال تقديم الواجب التعييني. هذا الرأي ليس صحيحًا، لأنه لا يحدث بينهما تزاحم أصلًا لكي نقول بترجيح أحدهما على الآخر.
الثاني من وجوه الترجيح في نظر المحقق النائيني هو صورة يكون فيها التزاحم بين واجبين أحدهما مشروط بالقدرة العقلية والآخر مشروط بالقدرة الشرعية، وفي هذه الحالة يجب تقديم الواجب المشروط بالقدرة العقلية. إشكال هذا الرأي هو أنه مع وجود حكم مشروط بالقدرة العقلية، لا يبقى مجال لفعلية التكليف والحكم الآخر، ولا يوجد تزاحم آخر لكي نقول بترجيح أحدهما على الآخر؛ في حين أن التزاحم يقع في حالة يكون فيها كلا الواجبين لهما فعلية.
في حالة أخرى من المسألة، إذا كان كلا الواجبين مشروطين بالقدرة الشرعية، وأحدهما متقدم من حيث الزمان، فيجب تقديم الواجب الأسبق زمنيًا. وهنا أيضًا يُقال إن السابق زمنيًا إذا وجد فعلية، لم يترك مجالًا لفعلية الآخر، ولا يحدث تزاحم. والرأي الصحيح في حالة عدم السبق الزمني وفرض تزاحم واجبين كلاهما مشروط بالقدرة العقلية، هو في المرحلة الأولى التخيير العقلي، وفي المرحلة الثانية تقديم مورد الأهم.
في مورد وجهي الترجيح في التزاحم بين المضيق أو الفوري والمؤقت والموسع، لن يحدث تزاحم أيضًا؛ لأن التزاحم يتشكل في حالة لا يملك فيها المكلف القدرة على أداء كليهما؛ في حين أنه في هذه الموارد توجد هذه القدرة.
المصادر
1. ابن سيده، علي بن إسماعيل (1421هـ). المحكم والمحيط الأعظم. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتب العلمية.
2. ابن فارس، أحمد بن فارس (1404هـ). معجم مقاييس اللغة. الطبعة الأولى. قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
3. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (1409هـ). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
4. الآملي، ميرزا هاشم (1386هـ.ش). تحرير الأصول. تقرير سيد علي فرحي. الطبعة الأولى. قم: مكتبة الداوري.
5. البروجردي، حسين (1412هـ). الحاشية على كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: أنصاريان.
6. الجزائري، محمد جعفر (1415هـ). منتهى الدراية في توضيح الكفاية. الطبعة الرابعة. قم: دار الكتب.
7. الحكيم، محمد تقي (1418هـ). الأصول العامة في الفقه المقارن. الطبعة الثانية. قم: المجمع العالمي لأهل البيت (ع).
8. الحسيني الشيرازي، صادق (1427هـ). بيان الأصول. الطبعة الثانية. قم: دار الأنصار.
9. الخوئي، أبو القاسم (1417هـ). محاضرات في أصول الفقه. تقرير محمد إسحاق الفياض. الطبعة الرابعة. قم: دار الهادي.
10. الروحاني، محمد صادق (1382هـ.ش). زبدة الأصول. الطبعة الثانية. طهران: حديث دل.
11. السبحاني، جعفر (1424هـ). إرشاد العقول إلى مباحث الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
12. الصدر، محمد باقر (1425هـ). دروس في علم الأصول. الطبعة الخامسة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
13. الصدر، محمد باقر (1418هـ). دروس في علم الأصول. تعليقة آل فقيه. الطبعة الأولى. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
14. الطباطبائي اليزدي، سيد محمد كاظم (1409هـ). العروة الوثقى. الطبعة الثانية. بيروت: مؤسسة أعلمي.
15. العراقي، ضياء الدين (1417هـ). نهاية الأفكار. الطبعة الثالثة. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
16. الفراهيدي، الخليل (1409هـ). العين في اللغة. الطبعة الثانية. قم: هجرت.
17. الفيومي، أحمد بن محمد (1414هـ). المصباح المنير. الطبعة الثانية. قم: مؤسسة دار الهجرة.
18. القوچاني، علي (1430هـ). تعليقة القوچاني على كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: بيجا.
19. مركز منابع واطلاعات إسلامي (1397هـ.ش). فرهنگنامه علم أصول فقه. الطبعة الخامسة. قم: پژوهشگاه علوم وفرهنگ إسلامي.
20. المطهري، مرتضى (1376هـ.ش). مجموعة آثار الأستاذ الشهيد مطهري. طهران: صدرا.
21. المظفر، محمد رضا (1392هـ.ش). أصول الفقه. الطبعة الثانية عشر. قم: بوستان كتاب.
22. مكارم الشيرازي، ناصر (1428هـ). أنوار الأصول. الطبعة الثانية. قم: مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع).
23. الخميني، روح الله (1418هـ). تنقيح الأصول. تقرير حسين تقوي. الطبعة الأولى. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
24. النائيني، محمد حسين (1352هـ.ش). أجود التقريرات. تقرير أبو القاسم الخوئي. الطبعة الأولى. قم: عرفان.
25. النائيني، محمد حسين (1376هـ.ش). فوائد الأصول. الطبعة الأولى. قم: جامعة مدرسين.