إعادة النظر في مسألة جواز الوقف الاختياري على فواصل الآيات

الملخص

الوقف الاضطراري جائز في أي موضع، أما الوقف الاختياري فيخضع لضوابط الوقف والابتداء في مواضع مختلفة. ونظراً لاشتمال القرآن الكريم على أكثر من ستة آلاف آية، تُعد نهايات الآيات من أكثر مواضع الوقف شيوعاً، مما يجعل دراسة ضابطة الوقف على نهايات الآيات المختلفة ذات أهمية كبرى. عند مقارنة بداية الآيات بنهاية الآية السابقة لها، تبرز ثلاث فئات من الآيات: 1. آيات مستقلة لفظاً ومعنى عن الآية التي تسبقها. 2. آيات لها ارتباط معنوي فقط بالآية السابقة. 3. آيات لها ارتباط لفظي بالآية السابقة. الوقف على نهايات آيات الفئتين الأولى والثانية والابتداء بما بعدها جائز بالإجماع. أما فيما يتعلق بآيات الفئة الثالثة، فهناك خلاف حول جواز الوقف الاختياري على نهاياتها أو منعه، وعلى فرض جوازه، فما هو حكم الابتداء بما بعدها؟ وقد قدم العلماء أربعة آراء حول الوقف على فواصل هذه الفئة من الآيات. تجيب هذه المقالة على السؤالين المذكورين بمنهج وصفي-تحليلي. بعد نقد أدلة الآراء الأربعة، لم يتم قبول أي منها. وتشير نتائج البحث إلى عدم إمكانية إثبات سُنّية الوقف على نهاية كل آية، ولكن بالنظر إلى أن نهايات الآيات ليست كسائر العبارات القرآنية، فإن الوقف الاختياري على نهايات آيات الفئتين الأولى والثانية مستحب، وفي آيات الفئة الثالثة، يكون الوقف الاختياري على نهاياتها جائزاً لإظهار الإعجاز البياني والنظم الإيقاعي للقرآن.

المقدمة

يُطلق مصطلح “الفواصل” على أواخر ونهايات الآيات، والمراد بفواصل الآيات هو “الكلمة الأخيرة” من الآية (الزركشي، 1410: 1/ 149؛ السيوطي، 1421: 2/ 186). والوقف في الاصطلاح هو قطع الصوت على كلمة، عادةً مع تجديد النفس، بنية استئناف القراءة لا بنية الإعراض (وختم القراءة) (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 240). لم يقدم العلماء المتقدمون في علم الوقف والابتداء تعريفاً اصطلاحياً خاصاً للابتداء. وقد قال بعض المعاصرين: إن الشروع في التلاوة بعد التنفس عند الوقف هو المعنى الاصطلاحي للابتداء (سادات، 1382: 15). وفي هذه المقالة، هذا المعنى هو المعتمد.

يعد الوقف على الآيات القرآنية أحد أهم مباحث تلاوة وقراءة القرآن الكريم. إن معرفة مواضع الوقف والابتداء أمر عسير على عامة الناس، خاصة غير الناطقين بالعربية؛ لذا، يجب على علماء القرآن تحديد مواضع الوقف والابتداء ووضع قواعد كلية لهذا الأمر الهام. وحتى الآن، قام العلماء بتحديد مواضع الوقف والابتداء في القرآن. ومن أهم وأكثر مواضع الوقف استخداماً هو الوقف الاختياري على فواصل الآيات القرآنية. ويكتسب الوقف على نهايات الآيات أهمية بسبب كثرة الفواصل في المصحف. وتتناول هذه المقالة بالدراسة جواز الوقف الاختياري على فواصل الآيات.

وقد أطلق البعض على أحد أقسام الوقف اسم “الوقف الجائز” (السجاوندي، 1427: 1/ 281؛ الحصري، 1423: 35)؛ ولكن المقصود بجواز الوقف في هذه المقالة هو عدم كونه ممنوعاً؛ أي أنه وقف ليس قبيحاً ولا اضطرارياً ولا ممنوعاً. وبناءً عليه، فإن مثل هذا الوقف لن يكون مرجوحاً. يكتب ابن الجزري عن جواز الوقف وعدم جوازه: “مراد العلماء من جواز الوقف هو الجواز الأدائي، أي الوقف الذي يحسن في القراءة ويجمل في التلاوة. ومرادهم من عدم جواز الوقف ليس الحرام أو المكروه أو ما يوجب الإثم؛ بل مرادهم من عدم جواز الوقف، عدم جواز الوقف الاختياري (الذي يُبتدأ من بعده). كما أنهم لا يعنون أنه لا يوقف على ذلك الموضع البتة، فقد يضطر القارئ لقطع النفس أو للتعليم أو للاختبار، فيقف على المواضع الممنوعة. وفي هذه الحالات، يكون الوقف الاضطراري جائزاً دون خلاف بين العلماء” (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 231).

للوقف والابتداء أقسام يتجاوز الخوض في تفاصيلها نطاق هذه المقالة. إن المعيار الأهم لتقسيم أقسام الوقف هو نوع الارتباط اللفظي والمعنوي بين العبارات القرآنية (شاكر، 1381: 35؛ الحصري، 1423: 28؛ الجريسي، 1423: 154). وينحصر ارتباط العبارات القرآنية ببعضها في ثلاث فئات: 1. عبارة أو كلمة لا ارتباط لفظي ومعنوي لها بما بعدها. 2. عبارة أو كلمة لها ارتباط معنوي فقط بما بعدها. 3. عبارة أو كلمة لها ارتباط لفظي ومعنوي بما بعدها.[3] والمقصود بالارتباط اللفظي هو التعلق الإعرابي، كأن تكون الآيتان صفة وموصوفاً، أو بدلاً ومبدلاً منه، وما إلى ذلك (شاكر، 1381: 35). في علم النحو، تسمى عبارات الفئة الأولى جملاً مستأنفة أو ابتدائية، وتسمى الفئة الثانية استئنافاً بيانياً (ابن هشام، دون تاريخ: 2/ 382-3). يرى جميع العلماء تقريباً صحة الوقف على عبارات النوع الأول والثاني، ويقولون بجواز الابتداء بما بعد الوقف. أما الفئة الثالثة، فهناك خلاف شديد حول إمكانية الوقف في هذه المواضع. وإذا جاز الوقف، فما حكم الابتداء بما بعدها؟ (أبو عمرو الداني، 1422: 8-11؛ ابن الجزري، 1391: 1/ 226؛ الأشموني، 1422: 27).

عند دراسة بدايات الآيات مع نهايات الآيات السابقة لها من حيث الاستقلال أو الارتباط، سنجد الفئات الثلاث المذكورة آنفاً. الوقف والابتداء على آيات الفئة الأولى واضح، لأن نهاية الآية محل وقف وبداية الآية التالية محل ابتداء. وفي الفئة الثانية أيضاً، بسبب الانقطاع اللفظي، لا خلاف في الوقف على نهاية الآية والابتداء من الآية التالية. أما في الوقف والابتداء على آيات الفئة الثالثة، التي تكون بداية الآية فيها مرتبطة لفظياً، وبالتالي معنوياً، بالآية السابقة، فيوجد بحثان: الأول، هل الوقف الاختياري على نهاية مثل هذه الآيات جائز أم ممنوع؟ (الجواز بمعنى عدم المنع، وقد يكون مطلوباً أو مساوي الطرفين). والثاني، إذا كان الوقف الاختياري على مثل هذه الآيات جائزاً، فهل يجب للابتداء العودة والبدء من الآية السابقة، أم يمكن الابتداء من بداية هذه الآيات؟

خلفية البحث: لم يُعثر على كتاب أو مقالة مستقلة تبحث في وقف وابتداء فواصل الآيات، وإن كانت هناك إشارات موجزة في ثنايا كتب الوقف والابتداء إلى مبحث الوقف على نهايات الآيات. على سبيل المثال، يطرح الحصري في كتابه “معالم الاهتداء” في فصل يقع في حوالي 20 صفحة آراء العلماء حول الوقف على نهايات الآيات، كما يبحث الزركشي في كتابه “البرهان” في صفحة واحدة حول الوقف على فواصل الآيات. وقد تناول سادات في كتابه “پژوهشی در وقف و ابتداء” في فصل “وقف بر انتهای آیات” هذا الموضوع في أقل من 7 صفحات. الأبحاث السابقة غالباً ما استندت إلى حديث لتعلن جواز أو منع الوقف على فواصل الآيات بشكل تعبدي، أما الابتكار في البحث الحالي فيكمن في اعتباره قراءة القرآن فناً أدبياً، حيث يمثل الوقف على الفواصل موسيقى القرآن، ويُعد الوقف على الفواصل مظهراً من مظاهر الإعجاز البياني للقرآن ودليلاً على نظمه الإيقاعي.

آراء العلماء حول الوقف على أواخر الآيات

إن أهم ما سبق هذه المقالة هو فصل من كتاب “معالم الاهتداء”؛ حيث يكتب الحصري في هذا الشأن: للعلماء المسلمين في الوقف على نهايات الآيات أربعة آراء. وبالطبع، توجد آراء أخرى؛ لكن هذه هي أهمها. وفيما يلي، سيتم استعراض وتقييم آراء العلماء في هذه المسألة، مع التركيز على هذا الكتاب.

الرأي الأول: جواز الوقف على أواخر الآيات والابتداء بما بعدها مطلقاً

يعتقد فريق من العلماء أن الوقف على نهايات جميع الآيات والابتداء بما بعدها جائز، مهما كان التعلق والارتباط بينها قوياً. وقد تبنى هذا القول أبو بكر البيهقي في كتاب “شعب الإيمان”، حيث كان يرجح الوقف على نهايات الآيات وإن كانت متعلقة بما بعدها (الزركشي، 1410: 1/ 506؛ الحصري، 1423: 49-50). وكمثال، يوجد ارتباط لفظي بين الآيات التالية، ولكن هذا الفريق يرى أنه يمكن الوقف على نهاية كل آية واستئناف التلاوة من بداية الآية التالية: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ﴾ (العلق: 9-10). كلمة “عَبْدًا” مفعول به لـ”يَنْهَىٰ”، ويوجد بين هاتين الآيتين ارتباط لفظي، ولكن الوقف على “صَلَّىٰ” والابتداء من “عَبْدًا” جائز. وكذلك الحال في آيات: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون: 4-5)، و﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (الصافات: 151-152) (الحصري، 1423: 49-50).

يطلق الحصري على هذا الرأي عنوان “جواز الوقف…”، وفي هذه المقالة أيضاً، تبعاً له، أُطلق عليه اسم “جواز الوقف”؛ ولكن من المؤكد أن مراده من “الجواز” هو “عدم المنع”؛ أي أن الوقف على هذه المواضع ليس وقفاً اختيارياً قبيحاً أو وقفاً اضطرارياً (سواء كان هذا الوقف مطلوباً وسنة، أو مباحاً ومستوي الطرفين). ودليل هذا المعنى لجواز الوقف هو تتمة كلامه: “والذين يختارون هذا المذهب يرون الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقاً (مستحباً) يثاب القارئ عليها” (الحصري، 1423: 50). ونظراً لأنه لا يذكر رأياً بعنوان استحباب أو طلب الوقف على نهايات الآيات بشكل منفصل، فسيشار في تتمة هذا الرأي إلى رأي الذين يرون استحباب الوقف على نهايات الآيات ضمن هذا الرأي نفسه.

يرى البعض، مثل علي بن سليمان، أن الوقف على موضع ما لكونه نهاية آية هو أمر مستحب (ابن النحاس، 1413: 34). “وقد ذهب بعضهم إلى أن الوقف على رؤوس الآي سنة، وقالوا إن الوقف على رؤوس الآي أفضل وإن تعلقت بما بعدها” (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 226). وكان أبو عمرو، وهو من القراء السبعة، يتعمد الوقف على نهايات الآيات (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 226؛ النويري، 1424: 1/ 264؛ السيوطي، 1421: 1/ 288). وقد ظن الجريسي خطأً أن هذا “أبو عمرو” هو أبو عمرو الداني صاحب كتاب “المكتفى” (الجريسي، 1423: 160).

يقول الحصري إن استدلال هذا الفريق هو رواية أم سلمة أنها سُئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: “كان يقطع قراءته آية آية: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ…” (أحمد بن حنبل، 6/ 302).[4] وينقل الأشموني الرواية عن صحيح أبي داود والترمذي والنسائي أن النبي ﷺ كان يقول: “بسم الله الرحمن الرحيم” ثم يقف، ثم يقول: “الحمد لله رب العالمين” ثم يقف، ثم يقول: “الرحمن الرحيم” ثم يقف. كان النبي ﷺ يقف عند “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” ويقول: “الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” (الأشموني، 1422: 33). وقد أورد هذا الحديث الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم في كتبهم. ووجه دلالة الحديث على هذا الرأي هو أن رسول الله ﷺ وقف على “العالمين” و”الرحيم” وفصل بين الموصوف وصفاته، مع أن بينهما ارتباطاً وثيقاً واتصالاً جديراً بالاعتبار (الحصري، 1423: 50).

وكذلك يكتب البيهقي بعد نقل رواية أم سلمة: “اتباع السنة أولى مما يقوله بعضهم من اتباع الأغراض والمقاصد، والوقف على انتهاء الأغراض والمقاصد” (البيهقي، 1410: 2/ 521).

وقد ورد حديث مشابه لحديث أم سلمة في كتب الحديث الشيعية أيضاً: “روي عن أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته آية آية” (الطبرسي، 1372: 10/ 569).

إن رواية “يُكْرَهُ أَنْ يُقْرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ” (الكليني، 1407: 2/ 616)، التي تفيد كراهة قراءة سورة التوحيد بنفس واحد، تقوي حديث أم سلمة؛ لأن جميع آيات سورة التوحيد هي أجزاء من مقول القول، وتقع في محل نصب؛ لذا يمكن الاستفادة من هذه الرواية أيضاً في أن الوقف على الآيات، وإن كان بينها ارتباط لفظي، له الأولوية (سادات، 1382: 55).

كما استُدل لصالح هذا الرأي بأن نهايات الآيات بمنزلة السجع في الكلام المنثور ومثل القافية في الشعر المنظوم، مع ملاحظة أنها محل وقف (الحصري، 1423: 51).

نقد الرأي الأول

يطرح الحصري ثلاثة إشكالات على هذا الرأي:

الإشكال الأول: صحة سند حديث أم سلمة محل خلاف بين علماء أهل السنة؛ فبعضهم كالعلامة الشوكاني يراه ضعيفاً وغير متصل، وبعضهم كابن حجر يراه صحيحاً (الحصري، 1423: 60). الاستدلال بالحديث، خاصة إذا كان يتعلق بألفاظ القرآن، يجب أن يكون خالياً من كل عيب ونقص من جميع الطرق، وتصحيح ابن حجر له من طريق واحد لا يكفي للاستدلال به (الحصري، 1423: 63). وفي كتب الحديث الشيعية، لم يُنقل سند لهذا الحديث.

هذا الإشكال غير وارد؛ لأنه إذا كان للحديث طرق متعددة، فلا يلزم أن تكون جميعها صحيحة؛ بل إن الطريق الصحيح يجبر الطريق الضعيف؛ وبناءً عليه، يمكننا اعتبار بعض طرق الحديث صحيحة، وبذلك الطريق نقبل الحديث. وقد أورد الحاكم النيسابوري هذه الرواية في “المستدرك على الصحيحين” وقال: هذا الحديث صحيح على شرط البخاري ومسلم (النيسابوري، دون تاريخ: 2/ 232).

الإشكال الثاني: الاستدلال بهذا الحديث لا يدل على سُنّية الوقف؛ فمراد النبي ﷺ من الوقف على نهايات الآيات كان فقط لتعليم فواصل الآيات للصحابة؛ لكن الآخرين لم يفهموا ذلك واعتبروه وقف سنة. وتثبت السنة عندما يقوم النبي ﷺ بالعمل على وجه التعبد؛ أما هنا فقد وقف لبيان الفواصل (الحصري، 1423: 61)، وعندما يحتمل الحديث سُنّية الوقف أو بيان الفواصل، فإنه لا يصلح للاستدلال به (نفس المصدر، 64).

الإشكال الثالث: “لا يمكن القبول بأن أم سلمة قد أحصت هذا الأمر دائماً وفي جميع الآيات، وأن هذه الرواية قد صدرت عنها بناءً على ذلك” (سادات، 1382: 57). الحديث المذكور خاص بسورة الحمد، وتعميمه على جميع الآيات يحتاج إلى دليل، وهذه القراءة للنبي ﷺ التي يقف فيها على نهايات الآيات ويبدأ من بداية الآية التالية لم تثبت للقرآن كله (الحصري، 1423: 64-68).

في الدفاع عن الرأي الأول ورداً على الإشكال الثالث، قيل: “هذا الإيراد غير وارد، أولاً لأن متن الرواية المنقولة من مصادر شيعية لا يشير إلى سورة الحمد. ثانياً، في حال صحة الرواية المنقولة من مصادر أهل السنة، يمكن القول إن السورة المذكورة قد ذُكرت كمثال. ثالثاً، على فرض اقتصار سنة الوقف على آيات هذه السورة، يمكن استناداً إليه جواز الوقف على آيات أخرى حتى في حال عدم تمام الجملة والمعنى، لأن في عدة آيات من سورة الحمد، يكون اللفظ والمعنى ناقصين، والآيات مرتبطة ببعضها لفظياً ومعنوياً. كما أن رواية تفيد كراهة قراءة سورة التوحيد بنفس واحد تؤيد ما سبق” (نفس المصدر، 55-56).

لكن هذه الأجوبة غير مقبولة؛ أولاً، في المصادر الشيعية، لم ينقل هذه الرواية عن أم سلمة إلا الطبرسي، ولم يذكر لها سنداً (الطبرسي، 1372: 10/ 569)، وكما يتضح من منهجه في مجمع البيان، فإنه ينقل أيضاً أحاديث وأقوال أهل السنة؛ لذا يبدو أنه نقل نفس حديث أهل السنة وليس حديثاً مستقلاً. ثانياً، لأي سبب يجب أن نقول إن سورة الحمد ذُكرت كمثال؟ بسبب أهمية سورة الحمد نظراً للأحاديث الأخرى ووجوب قراءتها في الصلاة وغير ذلك، فقد قال النبي ﷺ مثل هذه الرواية فقط لسورة الحمد ليتعلمها الجميع بسهولة. في جميع الصحاح الستة والروايات التي بحثت فيها، لم أجد أن النبي ﷺ قد فعل مثل هذا السلوك مع غير سورة الحمد (الحصري، 1423: 64-68)؛ لذا، تقول الأدلة إن هذه القراءة خاصة بسورة الحمد، ولا يمكن بالاحتمال وبدون دليل ادعاء أن هذه السورة ذُكرت كمثال. ثالثاً، الوقف والابتداء على آيات سورة الحمد، على الرغم من ارتباطها اللفظي والمعنوي، لا يسبب أي فساد في المعنى. وفي النهاية، يمكن تعميم جواز الوقف على نهايات الآيات في الآيات التي لا تسبب فساداً في المعنى، ولا يمكن تعميمه على الآيات التي تسبب فساداً في المعنى. أما عن الرواية التي تطرح كراهة قراءة سورة التوحيد بنفس واحد (الكليني، 1407: 2/ 616)، فبغض النظر عن البحث السندي، حيث إنه بناءً على بعض المباني وبسبب عدم وجود كلام في الرجال حول “مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ”، يكون سند الحديث ضعيفاً، يجب القول: إن هذه الرواية أيضاً خاصة بسورة التوحيد ولا يمكن تعميمها على باقي السور. وقد كتب بعض شراح الكافي: “إذا قُرئت هذه السورة بنفس واحد، يُترك تعظيمها والتفكر في أسرارها الإلهية الغريبة؛ لذا فإن قراءتها بنفس واحد مكروهة” (المازندراني، 1382: 11/ 43).

الرأي الثاني: جواز الوقف على أواخر الآيات والابتداء بما بعدها بشروط

الوقف على نهايات الآيات والابتداء من الآية التالية جائز بشرطين: الأول، ألا يكون هناك ارتباط لفظي بين الآيتين. والآخر، ألا يؤدي الوقف على نهاية الآية أو الابتداء من الآية التالية إلى فساد المعنى. أما (أ) في الحالات التي يوجد فيها ارتباط لفظي بين آيتين، وللعمل بالسنة، يجوز الوقف على نهاية الآية، وللابتداء، من الأفضل العودة إلى الآية السابقة والبدء منها. في هذه الحالة، يكون قد عُمل بحديث أم سلمة ورُوعي التعلق اللفظي. (ب) في الحالات التي يكون للوقف على نهاية الآية معنى صحيح، ولكن الابتداء من الآية التالية له معنى فاسد، فللعمل بالسنة، يجوز الوقف على نهاية الآية؛ ولكن للابتداء، يجب العودة والتلاوة من قبل لدفع المعنى الباطل والإشارة إلى المعنى الصحيح. (ج) في الحالات التي يؤدي فيها الوقف على نهاية الآية إلى فساد المعنى، مثل ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (الماعون: 4)، فالوقف غير جائز، ويتعين الوصل بالآية التالية (الحصري، 1423: 51-52).

الوقف الناقص في بعض المواضع، ومنها نهايات الآيات، يكون حسناً (الزركشي، 1410: 1/ 517)، لكنه لم يوضح شيئاً عن الابتداء بعد هذا الوقف. وقد قال بعضهم، دون الإشارة إلى الابتداء ونهاية الآية، إن الوقف في بعض المواضع حسن، ولكن الابتداء بما بعده قبيح (الجريسي، 1423: 164). وفي هذه المواضع، يمكن بالطبع الوقف، ولكن للابتداء، يجب الابتداء من قبل الوقف.

هذا الرأي أيضاً، تبعاً للحصري، سُمي بـ”جواز الوقف…” والمقصود بالجواز “عدم المنع”.

نقد الرأي الثاني

إذا كان مستند هذا الرأي هو رواية أم سلمة، فإن الفقرتين (ب) و(ج) من الرواية غير قابلتين للاستفادة؛ لأنه في سورة الحمد، لا الوقف على نهاية الآية ولا الابتداء من آياتها يؤدي إلى فساد المعنى. وفيما يتعلق بالفقرة (أ) أيضاً، بناءً على حديث أم سلمة، مع وجود التعلق اللفظي بين آيات سورة الحمد، تم الوقف على نهاية الآية والابتداء من بداية الآية التالية؛ فإذا عُمل بالحديث، يجب استئناف التلاوة من بداية الآية التالية. ربما لهذا السبب قيل إن هذا القول يخالف ظاهر رواية أم سلمة (سادات، 1382: 54).

الرأي الثالث: جواز السكت على أواخر الآيات

السكت دون تجديد النفس على نهايات جميع الآيات جائز. دليل هذا الرأي هو قول أبي عمرو الداني الذي يقول إن أُبيّ بن عمرو بن العلاء كان يسكت في نهاية كل آية، وكان يقول: “السكت في نهاية الآية أحب إلي”. ثم يقول إن أنصار هذا الرأي حملوا حديث أم سلمة على السكت (الحصري، 1423: 52). “حدثنا اليزيدي عن أبي عمرو أنه كان يسكت عند رأس كل آية، وكان يقول: إنه أحب إليّ أن يسكت عندها إذا كان رأس آية”؛ “وقد وردت السنة أيضاً بذلك عن رسول الله ﷺ عند استعمال التقطيع”، ولهذا المطلب يستندون إلى نفس حديث أم سلمة، ثم يكتب: “لهذا الحديث طرق كثيرة وهو أصل في هذا الباب” (أبو عمرو الداني، 1422: 11-12).

جواز السكت في هذا المورد أيضاً بمعنى عدم المنع، وهو أعم من الراجح والمباح.

نقد الرأي الثالث

الإشكال الأول: قول الداني يتعارض مع قول الآخرين الذين قالوا إن أبا عمرو بن العلاء كان يتعمد الوقف على نهايات الآيات (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 226؛ النويري، 1424: 1/ 264؛ السيوطي، 1421: 1/ 288)؛ بالطبع، كان المتقدمون يقصدون معنى واحداً من “الوقف” و”السكت” (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 239؛ الحصري، 1423: 53)؛ فالسكت في هذا الحديث بمعنى الوقف، وحمله على السكت بالمعنى الحديث خلاف الظاهر، ولهذا السبب، فإن هذا الرأي عند عامة القراء في غاية الضعف (الحصري، 1423: 53). من المؤكد أن مراد أبي عمرو الداني من السكت في هذا النقل هو الوقف؛ لأنه يستشهد في تتمة كلامه لتأييده بأحاديث استُخدمت فيها كلمة “يقف” (أبو عمرو، 1422: 12)؛ لذا، فإن أصل الاستناد في هذا الرأي إلى أبي عمرو الداني خطأ، ويبدو أنه لا قائل بهذا الرأي، وفي النهاية، إذا كان لهذا الرأي قائل، فإنه يُلحق بالقول الأول، وترد عليه نفس الإشكالات.

الإشكال الثاني: الفرق بين الوقف والسكت هو أن “السكت مقيد بالنقل ولا يجوز إلا فيما صحت به الرواية” (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 243؛ الحصري، 1423: 182). أبو عمرو الداني لا يوصل كلام أبي عمرو بن العلاء البصري، وهو من القراء السبعة، إلى النبي ﷺ ليثبت السكت في جميع الآيات، وكلامه هو نفسه ليس بحجة.

الرأي الرابع: تماثل حكم الوقف والابتداء على أواخر الآيات مع سائر العبارات القرآنية

يجب قياس نهاية كل آية كسائر الجمل، وبيان حكم الوقف عليها. قد تكون نهاية بعض الآيات محلاً مناسباً للوقف، وفي بعضها قد لا تكون محلاً مناسباً. “أكثر القراء يبحثون عن معنى مناسب للوقف، وإن لم يكن نهاية آية” (الزركشي، 1410: 1/ 505).

أنصار هذا الرأي، الذين يبدو أنهم من المتأخرين، لم يقبلوا حديث أم سلمة إطلاقاً، وقالوا إنه بما أن حكم الوقف على نهايات الآيات كسائر العبارات القرآنية، فإن علماء الوقف والابتداء، كما وضعوا علامات الوقف بين الآيات، فعلوا ذلك أيضاً في نهايات الآيات، وفي بعض المواضع، اعتبروا الوقف على نهاية الآية ممنوعاً. والحصري نفسه يتبنى هذا الرأي: “أرجح المذاهب في نظري هو المذهب الرابع” (الحصري، 1423: 62). وقد أذعن آخرون أيضاً لهذه النتيجة (عوض صالح، 1429: 38؛ مير شفيعي، 1391: 96).

نقد الرأي الرابع

بعد تلخيص آراء العلماء، يُثبت بثلاثة شواهد أن الوقف على نهايات الآيات ليس تماماً كسائر الجمل القرآنية.

خلاصة آراء العلماء

كانت نتيجة دراسة الرأي الأول أنه بناءً على صحة بعض طرق حديث أم سلمة، وبإلغاء خصوصية سورة الحمد، فإن هذه الرواية يمكن أن تُعمم في الحالات المشابهة التي يوجد فيها ارتباط لفظي ولكنها لا تؤدي إلى فساد المعنى، ويكون الوقف على نهايات الآيات وكذلك الابتداء منها جائزاً. “الجائز” بمعنى عدم كون الوقف ممنوعاً أو قبيحاً؛ وبالطبع، بما أن الجواز قد ثبت بالحديث، فإنه ليس مساوي الطرفين ومباحاً؛ بل هو أرجح ومطلوب. وبالتأكيد، هذا الحديث لا يمكن تعميمه على الآيات التي يؤدي الوقف عليها أو الابتداء منها إلى فساد المعنى.

الآراء الأخرى مع الأدلة المذكورة آنفاً غير مقبولة.

الرأي المختار في الوقف على أواخر الآيات

يتم تأييد الرأي الأول بأدلة أخرى. في تتمة البحث، نثبت أن فواصل الآيات ليست كسائر العبارات القرآنية، وأن الوقف على جميع الفواصل جائز اختيارياً. ثلاثة شواهد على أن نهايات الآيات ليست كسائر العبارات القرآنية:

1. اهتمام المتقدمين بالوقف على الفواصل

الشاهد الأول على هذا المطلب هو اهتمام العلماء المتقدمين بالوقف والابتداء فيما يتعلق بالوقف على نهايات الآيات، حتى في الحالات التي تكون فيها الآية مرتبطة بما بعدها. أبو عمرو، وهو من القراء السبعة، كان يتعمد الوقف على نهايات الآيات (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 226؛ النويري، 1424: 1/ 264؛ السيوطي، 1421: 1/ 288). يقول ابن النحاس إن علي بن سليمان الأخفش كان يستحب الوقف على موضع لكونه نهاية آية (ابن النحاس، 1413: 34). ويكتب أبو عمرو: “من المواضع التي يستحب الوقف عليها رؤوس الآي؛ لأنها في أنفسها مقاطع… وكان جماعة من أئمة السلف وقراء الخلف يستحبون الوقف على رؤوس الآي وإن تعلق بعض الكلام ببعض…” ثم ينقل عدة أحاديث عن الوقف على نهايات الآيات ويقول: “ولهذا الحديث طرق كثيرة، وهو أصل في هذا الباب” (أبو عمرو الداني، 1422: 11-12).

الكلام التام الذي له تعلق لفظي فقط بما بعده يكون الوقف عليه حسناً؛ لأنه في ذاته حسن ومفيد، والوقف عليه جائز؛ ولكن بسبب التعلق اللفظي بما بعده، فإن الابتداء من بعده ليس صحيحاً إلا في نهايات الآيات التي اختارها أكثر القراء (أهل الأداء) (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 226).

يكتب الأشموني أيضاً بعد ذكر حديث أم سلمة وجواز الوقف على نهايات الآيات: “وهذا أصل يعتمد عليه في الوقف على رؤوس الآي؛ وإن كان ما بعدها متعلقاً بما قبلها معنى، والابتداء بما بعدها جائز لفعله ﷺ.” (الأشموني، 1422: 33). وقد استعمل هذا الأصل كثيراً في كتابه “منار الهدى” (انظر على سبيل المثال: الصفحات 124، 155، 179، 186، 189، 461، 483، 484، 491 وغيرها).

الحصري، الذي تبنى الرأي الرابع، يكتب بعد نقل الرأي الأول: “اشتهر هذا المذهب عن أكثر أهل الأداء” (الحصري، 1423: 50). وقد اشتهر رأي جواز الوقف على نهايات الآيات والابتداء المطلق بما بعدها عند أكثر القراء.

لذا، يمكن استنتاج أن علماء هذا الفن يدّعون أن معظم العلماء المتقدمين كانوا يجيزون الوقف على نهايات الآيات، ولم يكونوا يعاملونها معاملة سائر العبارات القرآنية.

2. الإعجاز البياني والنظم الصوتي لفواصل الآيات

الشاهد الثاني على أن فواصل الآيات ليست كسائر العبارات القرآنية هو حكمة فواصل الآيات. “تعيين فواصل الآيات، أي إلى أين تمتد كل آية، هو أمر توقيفي وبنظر النبي ﷺ، وليس مسألة اجتهادية؛ ليس الأمر أن الآية تنتهي بتمام المطلب. فكم من مرة تنتهي الآية في وسط المطلب” (معرفت، 1381: 117). إحدى حكم فواصل الآيات هي مراعاة إيقاع نهاية الآيات. إن أبرز جوانب إعجاز القرآن هو إعجازه البياني (نجار، 1381: 58)، وهو محل اتفاق جميع العلماء (مؤدب، 145)، وأحد أهم جوانب الإعجاز البياني للقرآن – الذي حظي بمزيد من الاهتمام مؤخراً – هو النظم الإيقاعي لكلماته (معرفت، 1381: 380).

أحد أهم مواضع ظهور النظم الإيقاعي القرآني هو نهايات الآيات. الفواصل في ذاتها تتناسب مع الأصوات، وتتميز بوحدة لا مثيل لها مع نوع الصوت وطريقة أدائه. في القرآن، تنتهي الكثير من الفواصل بحروف “المد” و”اللين” وإضافة حرف النون، وحكمة إيراد مثل هذه الحروف هي إيجاد نوع من الإيقاع (نفس المصدر). ويتجلى هذا النوع من الإعجاز والنظم الإيقاعي القرآني بشكل أفضل في التلاوة وبفن الوقف والابتداء.

لإثبات عدم تماثل نهايات الآيات مع سائر العبارات القرآنية، تُذكر ثلاث فئات من الآيات كنموذج، حيث يكون الوقف على نهايات هذه الآيات وقفاً اضطرارياً أو اختيارياً قبيحاً؛ ولكن النظم الإيقاعي للقرآن، وبالتالي الإعجاز البياني للقرآن، يظهر بالوقف على نهايات هذه النماذج من الآيات، وفي كثير من الحالات، يزول هذا النظم الإيقاعي بعدم الوقف على نهايات الآيات، لذا يمكن استنتاج أنه لإظهار النظم الإيقاعي والإعجاز البياني للقرآن، فإن الوقف على نهايات هذا النوع من الآيات جائز.

أ. فواصل آيات مرتبطة بالآية السابقة؛ لكن الوقف على فواصل هذه الآيات نفسها نماذج من النظم الإيقاعي والإعجاز البياني للقرآن. ابن الأنباري، الرائد في تدوين الوقف والابتداء، يخصص فصلاً بعنوان “ما لا يتم الوقف عليه” من الصفحة 116 إلى 144، ويقبل الكثير من العلماء اللاحقين هذه المطالب ويذكرونها (ابن الجوزي، 1422: 166؛ ابن الجزري، 1391: 1/ 230؛ السيوطي، 1421: 1/ 280؛ الأشموني، 1422: 46؛ الحصري، 1423: 71). ويلخص الزركشي كلام ابن الأنباري بهذه الصورة: “كل ما تعلق بما قبله تعلقاً، كتعلق البدل بالمبدل منه أو تعلقاً أقوى من هذا التعلق، فلا يجوز الوقف عليه” (الزركشي، 1410: 1/ 511). تثبت هذه المقالة أن الوقف على هذه المواضع جائز لكونها في نهاية الآية؛ لأن الوقف عليها يظهر الإعجاز البياني للقرآن والنظم الإيقاعي له. وكمثال، لم يجيزوا الوقف على القسم قبل الوصول إلى جوابه (ابن الأنباري، 1391: 1/ 118)، لكن النماذج التالية تظهر أن الوقف على الفواصل يظهر النظم الإيقاعي القرآني.

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس: 1-8). وكذلك: (سورة الضحى: 1-3؛ الانفطار: 1-5؛ البروج: 1-4؛ الفجر: 1-5؛ وغيرها).

أو قالوا إن الوقف على المترجم دون المترجم[5] غير جائز (ابن الأنباري، 1391: 1/ 118)، مثل ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الصافات: 125-126). الوقف على “الْخَالِقِينَ” غير تام (ابن الأنباري، 1391: 1/ 132). من الآية 119 إلى 141، تنتهي جميع الفواصل بالنون، والوقف على “الخالقين” يظهر جمال إيقاع التلاوة، لذا فإن الوقف عليه جائز. ووصل هاتين الآيتين ببعضهما يجعل طول الآية غير متناسق مع الآيات السابقة واللاحقة.

توجد آيات أخرى يكون إيقاع الوقف على نهاياتها أجمل بكثير من وصلها، مثل القلم: 10-13؛ التكوير: 15-18.

ب. آيات لا يجوز الوقف عليها وفقاً لقواعد الوقف والابتداء الأولية؛ ولكن لمراعاة الفواصل وإيجاد إيقاع قرآني، تغيرت الكلمات النهائية للآية لتتناسق موسيقى هذه الآيات مع سائر الآيات. وهذه التغييرات تدل على اهتمام القرآن بمراعاة النظم الإيقاعي، وبالتالي، فإن الوقف على هذه المواضع جائز. إضافة هاء الساكنة على ياء نهاية الآيات التالية لمواءمتها مع موسيقى الآيات السابقة واللاحقة: … مَوَازِينُهُ… هَاوِيَةٌ… مَا هِيَهْ… حَامِيَةٌ (القارعة: 8-11)؛ “… كِتَابِيَهْ… حِسَابِيَهْ… رَاضِيَةٍ” (الحاقة: 19-21) (معرفت، 1381: 384). وكذلك في آيات … تَعْبُدُونَ… الْأَقْدَمُونَ… الْعَالَمِينَ… يَهْدِينِ… يَسْقِينِ… يَشْفِينِ… يُحْيِينِ… الدِّينِ (الشعراء: 75-82) “ياء المتكلم في كلمات يهدين، يسقين، يشفين، ويحيين، حُذفت للحفاظ على القافية مع كلمات مثل «تعبدون، الأقدمون، الدين…»” (نفس المصدر). وكذلك تلاوة “الرَّسُولَا” و”السَّبِيلَا” بألف في الآيتين 66 و67 وفقاً لقراءة أبي جعفر، وشيبة، ونافع، وعاصم: … سَعِيرًا… نَصِيرًا… الرَّسُولَا… السَّبِيلَا… كَبِيرًا (الأحزاب: 64-68) (ابن الأنباري، 1391: 374). وقد أحصى ابن الأنباري الياءات التي حُذفت في القرآن وبقيت الكسرة بدلاً منها، وعددها كبير جداً، وأكثر هذه الحذوفات في نهايات الآيات (نفس المصدر، 250-256)، ومن المؤكد أن إحدى حكمها هي مراعاة النظم الإيقاعي للقرآن.

تغييرات أخرى كثيرة في نهايات الآيات من هذا القبيل؛ مثل: (انظر: ص: 8، 14؛ غافر: 5، 15، 32؛ الذاريات: 56، 57؛ القمر: 16؛ نوح: 3؛ الإنسان: 15؛ الفجر: 4 وغيرها).

ج. الفئة الثالثة هي آيات لم يكتمل فيها المعنى بعد؛ ولكن لمراعاة النظم الإيقاعي القرآني، انتهت الآية بكلمة لا يجوز الوقف عليها وفقاً لقواعد الوقف والابتداء الأولية. مثل: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ…﴾ (غافر: 70-74). بداية هذه الآيات متعلقة ومرتبطة بالآيات السابقة (الصافي، 1418: 24/ 273). في جميع هذه المواضع، يدل الوقف على نهاية الآية على النظم الإيقاعي للقرآن. وكذلك آيات الصافات: 137، 138، 151، 152؛ الماعون: 3-7.

3. جمال القراءة بالوقف الاختياري على فواصل الآيات

ذكر علماء الوقف والابتداء مواضع بعنوان “ما لا يتم الوقف عليه” (ابن الأنباري، 1391: 1/ 116-144) أو “لا يجوز الوقف عليه” (الزركشي، 1410: 1/ 511؛ ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 230). ويوضح الحصري هذه العناوين قائلاً: “عدم جواز الوقف؛ أي من حيث التلاوة والأداء، فالوقف عليه ليس حسناً، والوقف على تلك المواضع يزيل حُسن التلاوة وجمال القراءة. وعندما يقول علماء الوقف إن الوقف على موضع معين غير جائز أو غير صحيح؛ فهذا يعني أن هذا الموضع ليس محلاً للوقف الاختياري الذي يمكن الابتداء بما بعده، وهذا لا يمنع الوقف الاضطراري عليه. وبالطبع، للابتداء، يجب الوصل بما قبله” (الحصري، 1392: 72).

حتى الآن، تحدينا نماذج من المواضع التي قيل إن الابتداء بها أو الوقف عليها غير جائز، وأوضحنا أنه في كثير من هذه المواضع، لا يقتصر الأمر على عدم نقصان جمال القراءة، بل إن الوقف على الفواصل يزيد من جمال التلاوة لإظهار النظم الإيقاعي والإعجاز البياني للقرآن.

العلماء الذين لم يقبلوا الوقف على نهايات الآيات، في الآيات الطويلة أو التي تتصل آياتها ببعضها، لا يجدون موضعاً للوقف الاختياري، وفي هذه المواضع، يضطرون للقول بإمكانية الوقف على نهايات الآيات. على سبيل المثال، قيل إن أول وقف تام في سورة المؤمنون هو في الآية 11 (ابن الأنباري، 1391: 2/ 790؛ ابن النحاس، 1413: 453)، ومن المستبعد أن تكون كل هذه الآيات بدون موضع وقف اختياري. وكذلك في سورة الجن، وفقاً للقراءة الشائعة، أول وقف تام هو في نهاية الآية 18، ووفقاً لقراءة أخرى، أول وقف تام هو عند كلمة “رِسَالَاتِهِ” في الآية 23. في هذه الحالات، قيل إنه يمكن الوقف على نهاية الآية (ابن الأنباري، 1391: 2/ 950). ووفقاً للمبنى المشهور، فإن مثل هذا الوقف اضطراري، أي يقلل من جمال التلاوة، ولكن بناءً على الرأي المختار، فإن الوقف على نهايات جميع الآيات جائز اختياراً، ويزيد من جمال القراءة.

مثال آخر: ﴿… وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 32-35). قال بعضهم إنه بعد الوقف على “يَجْمَعُونَ” لا يوجد موضع وقف تام حتى “زُخْرُفًا” (ابن الأنباري، 1391: 2/ 883؛ أبو عمرو الداني، 1422: 190؛ الأشموني، 1422: 698). والبعض لم يعتبر “يَظْهَرُونَ” و”يَتَّكِئُونَ” محلاً للوقف، واعتبر الوقف على “زُخْرُفًا” مطلقاً (السجاوندي، 1427: 3/ 917). حتى أن بعضهم اعتبر الوقف على “يَتَّكِئُونَ” خطأ (ابن النحاس، 1413: 642)، والبعض الآخر اعتبر الوقف على “زُخْرُفًا” لازماً (خليل، 35).

ذُكر لـ”زُخْرُفًا” عدة تراكيب وتفاسير، بحيث لا يحدث تغيير كبير في المعنى بالوقف على “يَتَّكِئُونَ” أو الوقف على “زُخْرُفًا”، والوقف على نهايات الآيات المذكورة لا يؤدي إلى تغيير المعنى أو فساده.

يقول أبو عمرو الداني إن موضع الوقف التام يكون أحياناً بعد تمام الآية، ويستشهد على ذلك بالوقف على “زُخْرُفًا” (أبو عمرو الداني، 1422: 8)، ويكرر الكثيرون بعده هذا الكلام (الزركشي، 1410: 1/ 507؛ ابن الجزري، 1/ 227؛ النويري، 1424: 1/ 263؛ السيوطي، 1421: 1/ 280؛ سادات، 1382: 70؛ شاكر، 1381: 40؛ فريال زكريا، 201؛ الجريسي، 1423: 154). وينقد الحصري ذلك قائلاً: “المثال المضروب لهذه الآيات للوقف التام بين الآيات غير صحيح. الوقف على «زخرفاً» مع الإشارة في جملة «وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ…» لا يمكن أن يكون تاماً؛ لأن «ذلك» إشارة إلى جملة «وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ…» التي سبقتها. فكون الوقف على «زخرفاً» تاماً هو قول خال من الصواب وبعيد عن الحقيقة” (الحصري، 1423: 21-22).

كما لوحظ، بناءً على قول الكثيرين، من “وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ…” إلى “زُخْرُفًا” لا يوجد موضع وقف تام، والحصري نفسه لا يعتبر هذا الموضع محلاً للوقف التام؛ وتلاوة هذا الجزء من القرآن بنفس واحد غير ممكنة عادةً، ويجب أن نقول إن الله لم يضع في هذه الآيات موضع وقف اختياري؛ ولكن بالمبنى الذي تم اختياره، فإن الوقف على نهايات جميع الآيات، خاصة في الآيات التي لا تؤدي إلى فساد المعنى، جائز اختياراً؛ لأن هذا النوع من الوقف لا يقلل من جمال التلاوة فحسب، بل يظهر الوزن الإيقاعي للقرآن ودليل على إعجازه البياني.

خلاصة الرأي المختار

اهتمام المتقدمين بالوقف والابتداء فيما يتعلق بالوقف على نهايات الآيات، وتجلي النظم الإيقاعي القرآني والإعجاز البياني للقرآن في نهايات الآيات يثبت أن نهايات الآيات ليست تماماً كسائر العبارات القرآنية. إذا لم يؤد الوقف على نهاية آية، وكذلك الابتداء من آية، إلى فساد المعنى، فإن مثل هذا الوقف والابتداء يكون جائزاً بمعنى كونه مطلوباً، وإذا أدى الوقف والابتداء إلى الإخلال بالمعنى، فإن مثل هذا الوقف والابتداء ليس ممنوعاً؛ بل بسبب إظهار النظم الإيقاعي للقرآن، فإن الوقف عليه جائز بمعنى عدم المنع؛ وبناءً عليه، فإن سُنّية الوقف على نهايات جميع الآيات غير قابلة للإثبات؛ لكن جواز الوقف يثبت. وسيتم بيان كيفية جواز الوقف والابتداء مع فساد المعنى لاحقاً.

الإشكالات على الرأي المختار والجواب عنها

قد يُطرح إشكالان على الرأي المختار، وفيما يلي يتم بيان الجواب على هذين الإشكالين.

الإشكال الأول: توقيفية فواصل الآيات والجواب عنه

النتيجة السابقة مبنية على توقيفية فواصل الآيات، في حين أن توقيفية جميع الآيات غير ثابتة؛ “حول عدد الآيات لم يرد نص متواتر أو أخبار آحاد يعتمد عليها. وقد اختلف عدّادوا الآيات مثل المكيين، والمدنيين، والشاميين، والبصريين، والكوفيين في عد الآيات. قيل إن مجموع آيات القرآن 6000 آية، أو 6204، 6214، 6219، 6225، و6236؛ لذا لا لزوم للأخذ بأحد موارد الأخبار السابقة، فكل ما كان واضحاً وظاهراً يؤخذ به، وإلا فالمحقق يمكنه أن يختار ما يهديه إليه نظره” (الطباطبائي، 1417: 19/ 232-233).

الجواب: هؤلاء لا يقولون إن اختلاف العد الكوفي والبصري وغيرهما دليل على اجتهادية معرفة الفواصل؛ بل يقولون إنه في المواضع المتفق عليها والواضحة يجب اتباع النقل، وفي سائر المواضع، وهي قليلة، يجب على المحقق أن يختار الأفضل بين النقول، لا أن يبتكر شيئاً من عند نفسه. ثانياً، “عد الكوفيين هو أصح الأعداد وأفضل الأسانيد” (الطبرسي، 1430: 1/ 11)، وهذا العد هو الأكثر شيوعاً اليوم بين مصاحف المسلمين في العالم (معرفت، 117)، لذا من المناسب الأخذ بهذا العدد والفواصل.

الإشكال الثاني: كيفية الوقف على الفواصل مع فساد المعنى

أهم إشكال هو أن الوقف على نهايات بعض الآيات أو الابتداء من الآية التالية يسبب فساد المعنى، فما هو الحل في هذه المواضع؟ مثل آيات: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (الماعون: 4-5). في مثل هذه الحالات، هل مراعاة النظم الإيقاعي القرآني أهم أم مراعاة المعنى؟

الجواب: على الرغم من أن النتيجة السابقة كانت في النظرة الأولى حول الوقف على نهايات الآيات، ولم تتضمن شيئاً عن الابتداء من أول الآية التالية؛ ولكن بطبيعة الحال، خاصة في الآيات القصيرة، تتحقق مراعاة النظم الإيقاعي القرآني بالابتداء من الآية التالية. في المواضع التي يؤدي فيها الوقف على نهاية الآية أو الابتداء من أول الآية التالية إلى فساد المعنى، تكون فواصل الآيات مرتبة بنظم إيقاعي دقيق، مطابق لسائر الآيات. على سبيل المثال، من الآية 146 إلى الآية 162 من سورة الصافات، تنتهي نهايات جميع الآيات بالنون، وفي الآية 151 أيضاً، مع أن المعنى لم يكتمل، روعي هذا النظم الإيقاعي: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (الصافات: 151-152). بالنظر إلى توقيفية تحديد الفواصل واهتمام القرآن بمراعاة النظم الإيقاعي، تُفسر تلاوة مثل هذه المواضع بنكتة بلاغية. وتوضيح ذلك أنه اليوم في الكتابات والإعلانات المكتوبة، لإظهار أهمية مطلب ما، يُميزون كلمة خاصة عن سائر الكلمات؛ مثلاً، يكتبون بعض الكلمات بخط أعرض أو بلون مختلف. مثل هذه الأساليب مقبولة تماماً ولا يظن أحد أنها خطأ سهواً. مثل هذه الفنون في القرآن تظهر بالعين، لكن تجلي القرآن في الصوت؛ لذا استُخدم أسلوب يبرز في القراءة، ومن هذه المواضع التغيير المفاجئ في إعراب كلمة خاصة. على سبيل المثال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ…﴾ (النساء: 162). بطبيعة الحال، “الْمُقِيمِينَ” معطوفة على “الْمُؤْمِنُونَ” وكان يجب أن تكون مرفوعة، ولكن لجلب انتباه المخاطبين إلى أهمية الصلاة، ذُكرت بإعراب مختلف. وبالطبع، هناك خلاف حول نصب “الْمُقِيمِينَ”، حتى أن البعض نقل أن هذا خطأ في القرآن أصلحه العرب بلغتهم؛ لكن غالب المحققين أبطلوا هذا القول الضعيف واعتبروا نصبها على أساس المدح (انظر: النحاس، 1421: 1/ 249؛ صافي محمود، 1418: 6/ 237؛ دعاس، 1425: 1/ 235؛ الطوسي، دون تاريخ: 3/ 390؛ الطبرسي، 1372: 3/ 214؛ الزمخشري، 1407: 1/ 590؛ فخر الرازي، 1420: 11/ 264-265؛ والجوادي، 1389: 21/ 361-362 وغيرهم). ينقل الشيخ الطوسي عن الفراء والزجاج وغيرهم من النحويين أن هذا أسلوب متداول في لغة العرب (الطوسي، دون تاريخ: 3/ 390). ويذكر الزمخشري أيضاً أن هذا باب واسع في اللغة (الزمخشري، 1407: 1/ 590). مثل هذا الإعراب في الكلام البليغ لإيصال نكتة. تغيير إعراب كلمة خاصة بين نظيراتها، يلفت الذهن إلى التأمل فيها، ومثل هذا الأسلوب من أصح وأبلغ طرق البلاغة ومن أركانها. هذا الأسلوب يوجد أيضاً في الحديث، فلجلب انتباه المخاطب، تُنطق الكلمة ببطء أو بصوت أعلى (درويش، 1415: 2/ 377-378). وقد ورد هذا الأسلوب القرآني في نماذج أخرى أيضاً، مثل نصب “الصَّابِرِينَ” (البقرة: 177)، وضم هاء الضمير في “عَلَيْهُ اللَّهَ” (الفتح: 10)، وحتى رفع “الصَّابِئُونَ” (المائدة: 69). ومن طرق الفن والأدب الأخرى ترك الكلام غير مكتمل، مثلاً، تُنهى المسلسلات في ذروتها، أو يترك الخطيب البارع مخاطبه متعطشاً في ذروة كلامه و… في هذه الحالات، يزداد انتباه المخاطب ويتتبع المطلب، ويخرج البحث من كونه أحادي الجانب، ويتصور المخاطب البحث فعالاً.

في الوقف على نهاية بعض الآيات أو الابتداء من بعض الآيات الذي يسبب فساد المعنى، يمكن تعميم النكتة البلاغية المذكورة. المخاطب الذي يستمع إلى القرآن يعلم أن القرآن ليس كلاماً عبثياً وفاسداً؛ مع أن أهمية الصلاة في القرآن ليست خافية على أحد، إذا وقف القارئ على ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (الماعون: 4)، يتضاعف انتباه المخاطب مئتي مرة، وينتظر ليعرف أي فئة من المصلين هي، أو إذا وقف القارئ في نهاية آية ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ (الصافات: 151)، يزداد انتباه المخاطب ليعرف أي إفك هو، وفي التتمة يسمع القارئ يقرأ: “وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ”. نعم، لا شك أن قطع القراءة بشكل كلي في هذه المواضع قبيح، لكن الوقف يعني أن القارئ يأخذ نفساً لمواصلة التلاوة، ولا يمكن للمخاطب أن يستنتج شيئاً حتى تمام الكلام.

بالنظر إلى أن “السكت مقيد بالنقل الصحيح” (ابن الجزري، دون تاريخ: 1/ 243؛ الحصري، 1423: 182)؛ لا يمكن القول إنه بدلاً من الوقف، نقوم بالسكت لمراعاة النظم الإيقاعي القرآني وعدم فساد المعنى. وكذلك، بما أن الفواصل توقيفية، فإن الوقف على هذه الفواصل جائز، ولا يمكن في أي مكان وبنظر شخصي الإخلال بالمعنى والقيام بوقف أو ابتداء قبيح.

إذا لم تكن التوضيحات السابقة مقبولة في الرد على هذا الإشكال، فيمكن في النهاية قبول هذه المواضع المحدودة كاستثناء، وبالطبع، في الحالات التي يمكن فيها الوقف على نهاية الآية ثم متابعة التلاوة من الجزء السابق لرفع فساد المعنى.

نموذج من التناقض الظاهري في عدم جواز الوقف الاختياري على أواخر الآيات

تُذكر آيات كنموذج، حيث إن وصلها بما بعدها من جهة يسبب فساد المعنى؛ لذا، يلزم الوقف على نهايتها؛ ومن جهة أخرى، ترتبط بداية الآية التالية بالآية السابقة؛ فلا ينبغي الوقف على ما قبلها، أو لا ينبغي الابتداء من أولها، وهذا بحد ذاته تناقض واضح في قول من لا يجيزون الوقف على نهايات الآيات إذا كانت مرتبطة بما بعدها.

﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر: 7-8)

إذا وُصلت نهاية الآية السابعة ببداية الآية الثامنة، فسيؤدي ذلك إلى فساد المعنى: “إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ…”، فهل الله شديد العقاب للفقراء المهاجرين؟! يكتب السجاوندي في هذا الشأن: “الوقف على «الْعِقَابِ» لازم؛ لأنه إذا وُصل بما بعده فسد المعنى، وتقدير الآية هو «هو للفقراء» أو «أحلت الغنائم للفقراء»” (السجاوندي، 1427: 3/ 1007). لزوم الوقف على “الْعِقَابِ” لا يمكن إنكاره. بناءً على هذا، يجب الابتداء من “لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ…”. وقد قيل لـ”لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ…” تركيبان:[6] 1. بدل مما قبله؛ 2. تقديره: “كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم لكي يكون للفقراء المهاجرين الذين أخرجهم المشركون” (النحاس، 1421: 4/ 262). وإن كان كونه بدلاً من “لِذِي الْقُرْبَىٰ” أولى (انظر: الزمخشري، 1407: 4/ 503؛ صافي محمود، 1418: 28/ 197؛ دعاس، 1425: 3/ 326)، لكن بناءً على كلا الوجهين، فإن عبارة “لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ…” متعلقة بالآية السابقة، ووفقاً لقواعد الوقف والابتداء الأولية، فإن الابتداء من “لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ…” غير جائز. وإذا وُصل بما قبله أيضاً، فسيؤدي ذلك إلى فساد المعنى. هذا تناقض واضح لمن لا يجيزون الابتداء بالعبارات التي تقع في أول الآية وتتعلق بما قبلها.

لم يقدم ابن الأنباري رأياً حول وقف وابتداء هذه الآيات (ابن الأنباري، 1391: 2/ 930). وقد نقل ابن النحاس أيضاً عدة وجوه وأقوال، وترك القارئ حائراً بين الوجوه المختلفة دون أي نتيجة (ابن النحاس، 1413: 728). وللأشموني تكلفات كثيرة في هذه الآية: “الوقف على «الْعِقَابِ» تام، ويستحب في هذا الموضع سكتة خفيفة، وألا يُوصل بما بعده، لأنه يُتوهم أن شدة العقاب للفقراء، وليس الأمر كذلك، بل «لِلْفُقَرَاءِ» خبر لمبتدأ محذوف، أي: الفيء المذكور للفقراء، أو لفعل مقدر، أي: ما ذكرناه من الفيء يُصرف للفقراء. وإذا جُعل «لِلْفُقَرَاءِ» بدلاً من «لِذِي الْقُرْبَىٰ» كما اختاره الزمخشري، فلا يُوقف من «وَمَا آتَاكُمُ…» إلى «يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»… لأنه إذا وُقف في الوسط، فُصل بين البدل والمبدل منه، وإذا وُصلت «لِلْفُقَرَاءِ» والآيات الثلاث بعدها ببعضها، فلا يُوقف بين هذه الآيات إلا تسامحاً” (الأشموني، 1422: 774).

يمكن أن تكون هذه الآية مثالاً ناقضاً لمن يعتبرون مجرد الارتباط اللفظي بما بعده دليلاً على عدم جواز الوقف، ويمكن أن تكون مؤيداً لجواز الوقف الاختياري على نهايات الآيات. في مثل هذه المواضع، لا يكون الوقف على نهايات الآيات جائزاً فحسب، بل لازماً. وكذلك، في مثل هذه المواضع، مع وجود الارتباط اللفظي بما قبل، يتحول جواز الابتداء من أول الآية إلى لزوم الابتداء.

الخاتمة

1. طُرحت أربعة آراء شائعة حول الوقف الاختياري على فواصل الآيات: بعضهم أجاز الوقف على نهايات الآيات والابتداء بما بعدها مطلقاً. وبعضهم أجاز الوقف على نهايات الآيات والابتداء بما بعدها مشروطاً بعدم الارتباط اللفظي وعدم فساد المعنى. وبعضهم أجاز السكت دون وقف. وآخرون اعتبروا فواصل الآيات في حكمها كسائر العبارات القرآنية، حيث يكون الوقف عليها أحياناً مطلوباً وأحياناً غير مطلوب.

2. الأدلة المطروحة للرأي الأول فيها إشكال؛ لأن سُنّية الوقف على نهايات جميع الآيات غير قابلة للإثبات. وأدلة الآراء الثلاثة الأخيرة تواجه كل منها إشكالات ولا يمكن قبولها.

3. يُثبت الرأي الأول بأدلة أخرى، أهمها إظهار النظم الإيقاعي للقرآن والإعجاز البياني للقرآن الكريم من خلال الوقف على نهايات جميع الآيات.

4. في المواضع التي لا يؤدي فيها الوقف على نهاية الآية أو الابتداء من بداية الآية إلى فساد المعنى، يكون الوقف والابتداء جائزاً بل مطلوباً؛ أما في المواضع المحدودة التي يؤدي فيها الوقف على الفواصل أو الابتداء إلى فساد المعنى، فالوقف على الفواصل جائز أيضاً، بمعنى أنه لا يُعد وقفاً قبيحاً. وفي النهاية، يجب للابتداء متابعة التلاوة من الجزء السابق لرفع فساد المعنى.

5. إحدى وجوه جواز الوقف على الفواصل التي يكون معناها غير تام أو عرضة للتغيير، هي النكتة البلاغية التي تفيد بأن الوقف في مثل هذه المواضع يزيد من انتباه المخاطبين، ويرفع من دقتهم وشوقهم لسماع الآية التالية.

قائمة المصادر

1. القرآن الكريم

2. ابن الأنباري، أبو بكر محمد بن قاسم. إيضاح الوقف والابتداء في كتاب الله عز وجل. دمشق: مجمع اللغة العربية، 1391هـ.

3. ابن الجزري، أبو الخير محمد. النشر في القراءات العشر. بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.

4. ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن. فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن. بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، 1422هـ.

5. ابن النحاس، أبو جعفر أحمد. القطع والائتلاف. دار عالم الكتب، 1413هـ.

6. ابن هشام، عبد الله بن يوسف. مغني اللبيب. الطبعة الرابعة، قم: مكتبة آية الله المرعشي، د.ت.

7. أحمد بن حنبل. مسند أحمد. بيروت: دار صادر، د.ت.

8. الأشموني، أحمد بن محمد. منار الهدى في بيان الوقف والابتداء ومعه المقصد لتلخيص ما في المرشد. بيروت: دار الكتب العلمية، 1422هـ.

9. البيهقي، أبو بكر أحمد بن حسين. شعب الإيمان. بيروت: دار الكتب العلمية، 1410هـ.

10. الجريسي، محمد مكي. نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن. بيروت: دار الكتب العلمية، 1423هـ.

11. جوادي آملي، عبد الله. تسنيم، ج 21. تحقيق مجيد حيدري فر، قم: مركز نشر إسراء، 1389.

12. الحاكم النيسابوري، حافظ أبي عبد الله. المستدرك على الصحيحين. بيروت: دار المعرفة، د.ت.

13. حجازي، محمد محمود. التفسير الواضح. بيروت: دار الجيل الجديد، 1413هـ.

14. الحصري، محمود. معالم الاهتداء إلى معرفة الوقوف والابتداء. القاهرة: مكتبة السنة، 1423هـ.

15. الحصري، محمود. معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء. ترجمة: محمد عيدي خسروشاهي، الطبعة الثالثة، طهران: أسوة، 1375.

16. الداني، أبو عمرو عثمان. المكتفى في الوقف والابتداء. عمان: دار عمار، 1422هـ.

17. درويش، محيي الدين. إعراب القرآن وبيانه. الطبعة الرابعة، سوريا: دار الإرشاد، 1415هـ.

18. دعاس، أحمد عبيد وآخرون. إعراب القرآن الكريم. دمشق: دار المنير ودار الفارابي، 1425هـ.

19. الزركشي، محمد بن عبد الله. البرهان في علوم القرآن. بيروت: دار المعرفة، 1410هـ.

20. زكريا العبد، فريال. الميزان في أحكام تجويد القرآن. القاهرة: دار الإيمان، د.ت.

21. الزمخشري، محمود. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. الطبعة الثالثة، بيروت: دار الكتاب العربي، 1407هـ.

22. سادات فاطمي، سيد جواد. پژوهشي در وقف و ابتداء. مشهد: به نشر، 1382.

23. السجاوندي، أبو عبد الله محمد. علل الوقوف. الطبعة الثانية، الرياض: مكتبة الرشد ناشرون، 1427هـ.

24. السيوطي، جلال الدين. الإتقان في علوم القرآن. الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتاب العربي، 1421هـ.

25. شاكر، محمد كاظم. قواعد وقف و ابتدا در قرائت قرآن. الطبعة الثالثة، قم: بوستان كتاب، 1381.

26. صافي، محمود بن عبد الرحيم. الجدول في إعراب القرآن. الطبعة الرابعة، دمشق: دار الرشيد مؤسسة الإيمان، 1418هـ.

27. الطباطبائي، سيد محمد حسين. الميزان في تفسير القرآن. الطبعة الخامسة، قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعة مدرسين حوزه علميه، 1417هـ.

28. الطبرسي، فضل بن حسن. مجمع البيان في تفسير القرآن. الطبعة الثالثة، طهران: انتشارات ناصر خسرو، 1372.

29. الطبرسي، فضل بن حسن. مجمع البيان في تفسير القرآن، ج1. بيروت: مكتبة دار المجتبى، 1430هـ.

30. الطوسي، محمد بن حسن. التبيان في تفسير القرآن. بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.

31. عوض صالح، عبد الكريم إبراهيم. الوقف والابتداء وصلتهما بالمعنى في القرآن الكريم. الطبعة الثانية، القاهرة: دار السلام، 1429هـ.

32. فخر الرازي، محمد بن عمر. مفاتيح الغيب. الطبعة الثالثة، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420هـ.

33. الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. الطبعة الرابعة، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1407هـ.

34. المازندراني، محمد صالح. شرح الكافي (الأصول والروضة). طهران: المكتبة الإسلامية، 1382.

35. مؤدب، سيد رضا. إعجاز القرآن در نظر أهل بيت عصمت الله و بيست نفر از علماى بزرگ إسلام. قم: أحسن الحديث، 1379.

36. مصطفى خليل، حمدي عبد الفتاح. الوقوف اللازمة في القرآن الكريم وعلاقتها بالمعنى والإعراب. القاهرة: د.ن، 1416هـ.

37. معرفت، محمد هادي. علوم قرآني. الطبعة الرابعة، قم: مؤسسة فرهنگي التمهيد، 1381.

38. الموسوي الهمداني، سيد محمد باقر. ترجمه تفسير الميزان. الطبعة الخامسة، قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعة مدرسين حوزه علميه، 1374.

39. مير شفيعي، زهرا. پايان نامه ارشد: تأثير وقف و ابتدا بر معناى قرآن (از ابتداى سوره اسراء تا انتهاى سوره فاطر). أصفهان: دانشگاه أصفهان، 1391.

40. النجار، علي. اصول و مبانى ترجمه قرآن. رشت: كتاب مبين، 1381.

41. النحاس، أحمد بن محمد. إعراب القرآن. بيروت: منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، 1421هـ.

42. النويري، أبو القاسم محمد. شرح طيبة النشر في القراءات. بيروت: دار الكتب العلمية، 1424هـ.

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: 2023/08/12م، تاريخ المراجعة: 2024/01/13م، تاريخ القبول: 2024/05/14م.

2. دكتوراه في الدراسات الإسلامية، جامعة القرآن والحديث، وخريج حوزة قم، قم، إيران. armantalab1@gmail.com.

3. بالطبع، كلما ارتبطت كلمة بما بعدها لفظياً، كان لها ارتباط معنوي أيضاً (انظر: الحصري، 28).

4. ورد عنوان الرواية في حاشية منار الهدى كالآتي: صحيح رواه أبو داود (1466)، والترمذي (2924)، والنسائي (3/ 214)، وأحمد في المسند (6/ 294).

5. بدل أو عطف بيان.

6. تبنى بعض الشافعية، لتبرير فتوى الإمام الشافعي بعدم اشتراط الفقر في استحقاق ذي القربى للفيء، تقدير فعل “اعجبوا” لتكون الجملة مستأنفة، والمعنى: “أعجبوا لهؤلاء المهاجرين حيث تركوا أوطانهم وأموالهم وتكبدوا شظف العيش ومرارة الغربة في حب النبي والإسلام” (انظر: الزمخشري، 1407: 4/ 503 مع شروحات الحاشية؛ الحجازي، 1413: 3/ 647؛ درويش، 1415: 10/ 44). بناءً على هذا التركيب، لا إشكال في الابتداء بـ”للفقراء المهاجرين…”، ولكن لا يُلتفت إلى هذا التركيب العجيب لتبرير فتوى غريبة.

Scroll to Top