تقييم صحة نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص)

الملخص

إن أصل القراءات السبع هو أحد المباحث الرئيسة في علوم القرآن. يعتقد البعض أن سبب هذا الاختلاف في القراءات يعود إلى عوامل مثل اجتهاد القراء، وبدائية الخط العربي، وغيرها من الأسباب. وفي المقابل، يرى كثير من العلماء أن هذه القراءات قد صدرت عن النبي (ص) نفسه، وأنه قد أقرأها للصحابة لتصل إلى سائر المسلمين؛ بحيث تُنسب القراءات السبع اصطلاحًا إلى النبي (ص). وهذا يعني أن كل واحد من القراء السبعة قد تلقى قراءته عن شيخه وأستاذه، وصولًا بسند القراءة إلى شخص النبي الأكرم (ص). تتناول هذه المقالة، بالمنهج الوصفي التحليلي، ومن خلال جمع الشواهد والأدلة، دراسة وتقييم صحة نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص). وبناءً على نتائج البحث، فإن أدلة وشواهد نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص) هي: 1. كون القراءة سماعية ومتأسسة على السنة، استنادًا إلى العبارة التاريخية “القراءة سُنّة”؛ 2. تصريح القراء وغيرهم بنسبة قراءتهم إلى النبي (ص)؛ 3. سلسلة أسانيد القراءات من القارئ إلى النبي (ص). هذه الأدلة تشير إلى نسبة القراءات السبع إليه. وفي مقابل هذه الأدلة، طُرحت بعض الإشكالات للتشكيك في صحة هذه النسبة، مثل الاحتجاج للقراءات، وكون الأسانيد تشريفية، ومخالفة العقل والاعتبار. وفي الختام، ومن خلال الرد على هذه الإشكالات وإثبات تمامية أدلة نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص)، تثبت صحتها.

المقدمة

يعد اختلاف القراءات من المسائل المهمة في مباحث علوم القرآن. ومن بين القراءات المتنوعة، تحظى القراءات السبع بشهرة أكبر. وقد أرجع البعض عوامل اختلاف القراءات إلى اجتهاد القراء، وبدائية الخط، وتأثير اللهجة وغيرها. في المقابل، يرى كثير من علماء الشيعة والسنة أن القراءات السبع ناشئة عن الوحي الإلهي، ويسندونها إلى شخص النبي (ص). ويستدلون على هذا الرأي بأدلة مثل حديث الأحرف السبعة وتواتر القراءات السبع.

أحد أهم الأدلة على كون قراءة القراء السبعة وحيًا هو إسناد قراءتهم إلى شخص النبي الأكرم (ص). لقد سعى أئمة القراءة إلى تلقي قراءة القرآن من أساتذتهم، الذين بدورهم أسندوها إلى أساتذتهم حتى يصل سند القراءة إلى النبي (ص). وفي هذا السياق، توجد عبارات وروايات تثبت هذه المسألة، بعضها منقول عن أئمة القراءة أنفسهم، وبعضها الآخر عن شخصيات معتبرة في هذا الفن.

على الرغم من أن مبحث إسناد القراءات السبع إلى النبي (ص) يرد في ثنايا الكتب، فإنه لا يوجد مصنف يتناول أدلة هذه النسبة بشكل خاص ويرد على إشكالاتها. نعم، هناك مقالة بعنوان “دراسة مقارنة لإسناد اختلاف القراءات إلى الاجتهاد أو السنة” بقلم السيد محمد صادق يوسفي مقدم، منشورة في مجلة “دراسات في التفسير المقارن”، العدد 10، وقد تناولت هذه المسألة بشكل عام، ولكنها لم تشر إلى جميع أدلة هذا الإسناد ولم تبحث في إشكالاته. في هذه المقالة، يتم تقييم صحة نسبة القراءات السبع إلى النبي الأكرم (ص) بالمنهج الوصفي التحليلي واستنادًا إلى الروايات والتقارير التاريخية.

أ. أدلة نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص)

المشهور بين الباحثين في مجال علوم القرآن والقراءات، وخاصة في العالم الشيعي، هو أن أصل اختلاف القراءات السبع يعود إلى عوامل مثل اجتهاد القراء، وبدائية الخط، وتأثير اللهجة. وهم يرون أن القرآن نزل بنزول واحد، ويسعون في مقام تفسير القرآن إلى إيجاد القراءة الصحيحة. ولكن يجب العلم أنه في المقابل، يرى البعض أن جميع القراءات السبع وحيانية ويسندونها إلى النبي (ص). وقد طُرحت أدلة لإسناد القراءات السبع إلى النبي (ص)، وهي: 1. كون القراءة سُنّة؛ 2. تصريح القراء السبعة بنسبة قراءتهم إلى النبي (ص)؛ 3. سلسلة أسانيد القراءات السبع. وفيما يلي تُبحث هذه الأدلة.

١. كون القراءة سُنّة

من الشواهد المهمة على نسبة قراءة القراء إلى شخص النبي (ص) هو كون القراءة سُنّة. ففي الروايات والتقارير التاريخية، تشتهر جملة تدل على هذه المسألة، وهي عبارة “القراءة سُنّة” أو “القراءة سُنّة متّبعة”. ومعنى هذه الجملة أن كل قارئ كان يتلقى القرآن من أستاذه، وفي تلقي القرآن كان يعتمد حتمًا على الرواية والأثر المعتبر الذي أخذه عن أستاذه، وأستاذه عن أستاذه حتى ينتهي سند القراءة إلى النبي الأكرم (ص). تظهر هذه الجملة في كتب علوم القرآن والرواية المتقدمة، وتكررت لدرجة يبدو معها أن تلقي القراءة من الأستاذ أصل مسلم، وكل من يخالف ذلك لن يكون مقبولًا لدى المسلمين. في هذا القسم، تُطرح تقارير وردت في كتب ثلاثة من علماء القراءات، وهم أبو عبيد، وابن مجاهد، والداني.

ينقل أبو عبيد في كتاب فضائل القرآن عن عروة بن الزبير قوله: “إِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ فَاقْرَءُوهُ كَمَا أُقْرِئْتُمُوهُ” (أبو عبيد، 1426: 218)؛ أي أن قراءة القرآن سنة من السنن، فاقرؤوه كما قُرئ عليكم. كما ينقل عن زيد بن ثابت أنه قال: “القراءة سُنَّة” (أبو عبيد، 1426: 218). ثم يورد رواية عن ابن عباس تشير إلى أن المسلمين في قراءة القرآن لم يكونوا يجتهدون من عند أنفسهم بل كانوا يلتزمون بسنة من سبقهم. وفي هذه الرواية يقول ابن عباس: “أعلم كل سنة القرآن؛ غير أني لا أدري أكان يقرأ ‘عِتِيًّا’ أم ‘عِسِيًّا’؟” (الآية 8 من سورة مريم) (أبو عبيد، 1426: 218). وفي شرح هذه الرواية عن ابن عباس، يكتب أبو عبيد: “كان ابن عباس يعتقد أن السنة في قراءة القرآن ألزمت الناس أن يتبعوا في القراءة الحروف التي قُرئت عليهم، حتى إنهم يفرقون بين السين والتاء في كلمتي ‘عسي’ و’عتي’ مع أن معناهما واحد. فخشي ابن عباس أن تخرج إحدى هاتين الكلمتين من الأحرف السبعة. فكيف يجوز لمن يتساهل في غير الأحرف السبعة ويخالف رسم المصحف في مواضع يكون ظاهر العربية فيها مع غير الأحرف السبعة؟” ويوضح هذا الشرح جيدًا أن سيرة المسلمين كانت على ألا يقرؤوا القرآن خارجًا عما تعلموه، لدرجة أن ابن عباس كان مترددًا بشأن قراءة الآية 8 من سورة مريم، على أي من الكلمتين نزلت، ليقرأها على أساسها ويلتزم بألا يقرأ خلافها؛ وإن كانت الكلمتان بمعنى واحد. هذه الدقة تبين أن المسلمين والقراء لم يكونوا يجتهدون من عند أنفسهم، بل كانوا يعملون بسنة من سبقهم في قراءة القرآن.

ابن مجاهد هو عالم آخر روى هذه الجملة عن الصحابة والمسلمين. وقد روى 7 روايات في المجموع. ما ورد في كل هذه الروايات هو جملة “الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ”. وفي بعض الروايات، أضيفت عبارات أخرى توضح معنى كون القراءة سُنّة. وقد روى هذه الروايات عن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير، ومحمد بن المنكدر، وعامر الشعبي. في بعض هذه الروايات ورد: “الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 49/1)؛ أي أن قراءة القرآن سُنّة. وفي روايات أخرى أضيف: “فَاقْرَءُوهُ كَمَا تَجِدُونَهُ” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 50/1)؛ أي اقرؤوا القرآن كما تجدونه. والرواية التالية وردت هكذا: “الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ يَأْخُذُهَا الْآخِرُ عَنِ الْأَوَّلِ” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 50/1)؛ أي أن القراءة سُنّة يتلقاها الخلف عن السلف. والرواية التالية التي رواها ابن مجاهد تبين أن القراءة سُنّة، فاقرؤوها كما قرأها أسلافكم “فَاقْرَءُوا كَمَا قَرَأَ أَوَّلُوكُم” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 51/1). وفي رواية أخرى تؤكد هذا المعنى، روى: “إِنَّمَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ فَاقْرَءُوهُ كَمَا عُلِّمْتُمُوهُ” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 52/1)؛ أي إنما قراءة القرآن سنة من السنن فاقرؤوه كما عُلِّمتم. وفي رواية أخرى شبيهة بهذه، بدلًا من “فَاقْرَءُوهُ كَمَا عُلِّمْتُمُوهُ” ورد: “فَاقْرَءُوهُ كَمَا أُقْرِئْتُمُوهُ” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 52/1)؛ أي اقرؤوا القرآن كما قُرئ عليكم. مضمون كل هذه الروايات أن قراءة القرآن ليست أمرًا اجتهاديًا، ولم يكن الأمر بحيث يقرأ المسلمون والقراء القرآن كيفما شاؤوا ويغيرون كلمة أو إعرابًا بناءً على اجتهادهم. هذه الروايات تدل على حرص المسلمين على أمر القرآن وعنايتهم بأن يقرؤوه كما قرأه أساتذتهم وسلفهم، وهم بدورهم يقرؤونه كذلك لمن بعدهم.

أحد كبار علماء القراءات هو عثمان بن سعيد الداني. وقد ألف في هذا المجال كتبًا عديدة. وخصص الداني في كتابه “جامع البيان في القراءات السبع” بابًا لهذه المسألة عنوانه “في بيان الأخبار التي حثت المسلمين على اتباع السلف في قراءة القرآن والتمسك بما نقله أئمة القراءة” (الداني، 1428: 132/1). وروى في هذا الباب روايات عن زيد بن ثابت، وعمر بن الخطاب، وعروة بن الزبير، ومحمد بن المنكدر، وعامر الشعبي، ورد فيها نفس عبارة “الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ”. بعض الروايات تشبه ما نقله ابن مجاهد؛ لذا لا نكررها، ولكن بعضها يحمل نقاطًا مؤثرة في فهم هذه الجملة. على سبيل المثال، روى قالون (أحد رواة نافع) عن ابن خرزاذ عن زيد بن ثابت أن زيدًا قال: “الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ”. ثم سأل ابن خرزاذ قالون عن معنى هذه الجملة؟ فقال قالون: يعني أن الآخر يأخذ عن الأول (الداني، 1428: 140/1). أو أنه روى عن أبي عمرو (أحد القراء السبعة) في جوابه لسؤال من سأله: هل كل ما أخبرت به وقرأته مسموع منك؟ فقال: لو لم أسمع قراءة من الثقات الموثوقين، لما نقلتها؛ لأن القراءة سُنّة (الداني، 1428: 148/1). كما روى عن مالك بن أنس أنه قال: القراءة سُنّة تؤخذ من أفواه الرجال (السلف)؛ فاتبعها ولا تبتدع من عندك شيئًا (الداني، 1428: 149/1). هذه الروايات الثلاث عن الداني توضح جيدًا أن أئمة القراءة لم يقرؤوا القرآن من عند أنفسهم، ولم يكن الأمر بحيث يقرؤون آية من القرآن باجتهادهم، بل كانوا يعتنون بتلقي القرآن من أساتذتهم الموثوقين، ليسندوا قراءتهم إلى شخص رسول الله (ص).

كتب الداني نفسه في موضع ما وبمناسبة اختلاف القراءات في بعض آيات القرآن، أن أئمة القراءة في أي من حروف القرآن لم يعملوا بما هو أشهر في اللغة وأكثر اطرادًا في قواعد العربية؛ بل كانوا يعملون حتمًا على أثر ثابت ورواية صحيحة. فإذا ثبتت رواية (عن رسول الله)، فإنها لا تُرد بقاعدة من قواعد الأدب العربي أو شيوعها في اللغة؛ لأن القراءة سُنّة يجب اتباعها ومن اللازم قبولها والتوجه إليها (الداني، 1428: 860/2). بناءً على ما تقدم، اتضح أن عدة روايات ذُكرت في كتب القراءات المعتبرة تكررت فيها جملة “الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ”. هذه الجملة، خلافًا للتصور القائل بأن سبب اختلاف القراءات السبع هو اجتهاد القراء وما شابه، تنسب سبب اختلاف القراءات إلى رسول الله (ص)، ومن الواضح أن النبي (ص) لم يعلّم المسلمين شيئًا باسم القرآن من عند نفسه، بل كل ما كان هو وحي إلهي.

على الرغم من أن معنى جملة “الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ” ورد في بعض الروايات، وساعدت روايات أخرى في شرحها وتوضيحها، فقد قام كثير من العلماء بشرح وتوضيح هذه العبارة. على سبيل المثال، ذكر ابن مجاهد قبل نقل هذه الروايات أن القراءة التي عليها أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام (أي قراءة القراء السبعة) هي القراءة التي تلقوها عن السلف، وفي كل من هذه المدن كان هناك من تلقى تلك القراءة عن التابعين، بحيث أجمع الخاصة والعامة على قراءته وسلكوا طريقه وتمسكوا بمذهبه (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 49/1). البيهقي هو أحد الذين شرحوا هذه العبارة. قال: معنى العبارة، والله أعلم، هو اتباع السلف في الحروف وفي القراءة، وهي سُنّة يجب اتباعها، ولا تجوز مخالفة المصحف الإمام ولا مخالفة القراءة المشهورة، وإن كانت غير هذه القراءة المشهورة جائزة في اللغة أو أظهر (البيهقي، 1424: 539/2). وفي موضع آخر في توضيح هذه العبارة، نقل عن سليمان بن داود قوله: معنى العبارة ألا تخالف الناس في اتباع القراءة برأيك ونظرك. كما نقل في تفسير هذه الجملة عن أبي عبيد أن القراء في قراءة القرآن، إذا خالفت خط المصحف، لم يلتفتوا إلى المذاهب الأدبية، واتباع حروف المصاحف عندهم كالسنن الثابتة التي لا يجوز لأحد تجاوزها (البيهقي، 1423: 220/4). كما أضاف البغوي في شرح هذه العبارة، بعد نقل عبارة شبيهة بما قاله البيهقي، أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم أجمعوا على أن القراءة سُنّة، فلا يجوز لأحد أن يقرأ حرفًا إلا بأثر صحيح عن رسول الله (ص) يوافق خط المصحف ويكون قد تلقاه لفظًا وتلقينًا (البغوي، 1403: 512/4). البغوي، الذي كتابه في شرح وتوضيح الأحاديث، فسر هذه الجملة بأن كون القراءة سُنّة يعني أنه لا يحق لأحد أن يغير لفظ القرآن أو إعرابه من عند نفسه، بل إذا سمع قراءة من كبار التابعين أو الصحابة ووافقت خط المصحف، جاز له أن يقرأها. ومن الواضح أن التابعين يجب أن يكونوا قد أخذوا قراءتهم من أحد الصحابة، والصحابة بدورهم يجب أن يكونوا قد سمعوا قراءتهم من رسول الله (ص). وقد ذكر البغوي نفسه في هذا التوضيح أن القراءة لا تجوز إلا بأثر صحيح عن رسول الله.

٢. تصريح القراء السبعة بنسبة قراءتهم إلى النبي الأكرم (ص)

من الشواهد الأخرى على نسبة قراءة القراء إلى النبي الأكرم (ص) هي التصريحات التي أدلى بها القراء وغيرهم من العلماء حول هذه المسألة. وفي هذا الصدد، نُقلت تقارير متعددة تفيد بأن القراء كانوا يسندون قراءتهم إلى شيوخهم وأساتذتهم ويتجنبون أي شكل من أشكال الاجتهاد. فسيرة القراء كانت تلقي القراءة من الأستاذ، وفي النهاية تصل قراءة الصحابة إلى النبي (ص)، الذي بدوره تلقى القرآن بالوحي.

عن أبي عمرو البصري، أحد القراء السبعة، وردت عدة تصريحات يؤكد فيها أن قراءته مستندة إلى الأثر والرواية الصحيحة. على سبيل المثال، نقل عنه الأصمعي قوله: “لو لم يجز لي أن أقرأ إلا ما قرئ علي، لقرأت حروفًا أخرى” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 48/1؛ الداني، 1428: 148/1). ونقل الداني عن أبي زيد أنه سأل أبا عمرو: “أكل ما تخبر به وتقرؤه مسموع لك؟” فأجاب: “لو لم أسمعه من الثقات، لما قرأته؛ لأن القراءة سُنّة” (الداني، 1428: 148/1). كما نقل عنه أنه لم يقرأ حرفًا من القرآن إلا بالسماع (من الأساتذة) وإجماع الفقهاء (الداني، 1428: 177/1). هذه التقارير تصرح بوضوح أن أبا عمرو لم يكن يعتمد إلا على الأثر والرواية الصحيحة، ولم يقرأ شيئًا من القرآن من عند نفسه. كتب ابن مجاهد في ترجمته أن أبا عمرو لم يكن يقرأ (القرآن) بشيء لم يقرأه أحد من السلف. وفي تقرير، سُئل أبو عمرو عن الآيتين 113 من سورة الصافات “وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ” و119 من نفس السورة “وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ”، هل يُميّزان عن بعضهما (أي لا يقع فيهما لبس)؟ فأجاب: “لا يُميّزان إلا أن يُسمعا من الأساتذة الماضين” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 48/1؛ الداني، 1428: 180/1). كان النقل عن الثقات من قبل القراء واضحًا لدرجة أن مفسرًا كبيرًا مثل الطبرسي، في دفاعه عن قراءة أبي عمرو في الآية 63 من سورة طه “قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ”، التي قرأها بصورة “قَالُوا إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ”، وفي رده على كبار أهل السنة مثل الزجاج الذين اعتبروا قراءة أبي عمرو خاطئة، قال إن أبا عمرو وكل قارئ سلك طريقه لا يقرأ إلا بما تلقاه عن الثقات من السلف. وبرأيه، مع مكانة شخص مثل أبي عمرو، لا يُظن أنه يتصرف في كتاب الله من عند نفسه ويغيره (الطبرسي، 1372: 29/7).

نافع، قارئ آخر من القراء السبعة، لديه أيضًا تصريحات تدل على نسبة قراءته إلى أساتذته؛ أي التابعين، الذين بدورهم تلقوا قراءتهم من الصحابة، والصحابة من النبي الأكرم (ص). رُوي عن نافع أنه قال: “والله ما قرأت حرفًا من القرآن إلا بأثر”. كما قال: “قرأت على سبعين من التابعين، فما اجتمع عليه (على الأقل) اثنان منهم أخذته، وما انفرد به واحد و كان شاذًا تركته، حتى ألفت هذه القراءة” (ابن وهبان، 1425: 225). وهذا المضمون، وهو أن نافعًا قرأ على سبعين من التابعين، ورد أيضًا في مصادر أخرى (ابن غلبون، 1410: 47/1؛ ابن مهران، 1981: 20؛ الداني، 1428: 230/1).

نقل ورش واقعة تظهر مدى تقيد نافع بتلقي القراءة بالأثر والرواية. يقول: اختلف نافع مع شخص في الآيتين 125 و126 من سورة الصافات “أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ”، وكان ذلك الشخص يقرأ كلمات “اللَّهَ” و”رَبَّكُمْ” و”رَبَّ آبَائِكُمُ” بالنصب، بينما قراءة نافع هي رفع هذه الكلمات. فاعترض نافع على ذلك الشخص وقال: “إذن اقرأ كلمتي ‘رَفِيعُ’ و’ذُو الْعَرْشِ’ في هذه الآية ‘فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ’ (الآيتان 14 و15 من سورة غافر) بالنصب أيضًا واحذف الواو من كتاب الله”. يقول ورش إن مراد نافع هو أننا لا نأخذ قراءة القرآن على أساس قواعد العربية، بل نأخذها بالرواية (الداني، 1428: 156/1). اعترض نافع على ذلك الشخص الذي قرأ تلك الكلمات في سورة الصافات بالنصب، وقال له: “لماذا قيست من عندك وظننت أن ‘اللَّهَ’ يجب أن يكون منصوبًا لأنه معطوف ظاهرًا على ‘أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ’؟ ألا تعلم أن القرآن يجب أن تقرأه بالرواية والأثر؟ إذا كان الأمر كما تفعل، فاقرأ في سورة غافر ‘ذُو الْعَرْشِ’ الذي هو معطوف ظاهرًا على ‘اللَّهَ’ منصوبًا أيضًا واحذف الواو”. هذه الجملة من نافع توضح أن المعيار في قراءة القرآن هو السماع من الأساتذة والسلف، وليس الاجتهاد والقياس وقواعد العربية. وقعت حادثة مشابهة لنافع في سياق آخر. ففي الآية 57 من سورة الأنعام، يوجد اختلاف بين القراء. أهل الحجاز وعاصم قرؤوا “يَقُصُّ الْحَقَّ”، والآخرون قرؤوا “يَقْضِي الْحَقَّ” (الطبرسي، 1372: 478/4). وفي هذه الرواية، قال الأصمعي لنافع إن أبا عمرو قرأ “يَقْضِي الْحَقَّ”، وقال إن القضاء أنسب للفصل (لأن في آخر الآية ورد “وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ”). فاعترض عليه نافع وقال: “ويلكم يا أهل العراق، أتقيسون في القرآن وتقرؤون على أساس قواعد العربية؟” (الداني، 1428: 148/1). وفي توضيح هذه الواقعة ومراد كلام أبي عمرو ونافع، يقول السخاوي إن مراد أبي عمرو هو أنني اخترت هذه القراءة لأن القضاء أنسب للفصل. ومعنى قول نافع ليس أن أهل العراق اختاروا تلك القراءة على أساس القياس والقواعد العربية دون أن تكون مروية؛ لأن كلتا الروايتين ثابتة عند القراء؛ بل اعتراض نافع هو على سبب اختيار هذه الرواية على أساس قاعدة عربية. وقد نقل عن ابن أبي هاشم أن مراد نافع هو ألا تختاروا قراءة القرآن على أساس قاعدة عربية؛ فنحن نتلقى القرآن بالرواية (السخاوي، 1419: 577/2). هذه التقارير عن نافع تصرح جيدًا بأن أئمة القراءة مثل نافع، في تلقيهم للقراءة، كانوا يعتمدون فقط على السماع من أساتذتهم وعلى الأثر الصحيح والرواية المعتبرة، ولم يسعوا أبدًا إلى تغيير كلمة أو إعراب في القرآن من عند أنفسهم، وإن كان صحيحًا على أساس قواعد العربية.

نسبة القراءة إلى الرواية والأثر الصحيح أو الأستاذ وردت أيضًا عن أئمة قراءة آخرين. حمزة، أحد القراء السبعة، قال: “ما قرأت حرفًا إلا بأثر” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 75/1؛ الداني، 1428: 208/1)؛ أي ما قرأت حرفًا إلا بأثر. هذه الجملة في حق حمزة رويت أيضًا عن سفيان الثوري (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 76/1؛ ابن الجزري، بلا تاريخ: 430/1). كما أن ابن خالويه لا يرى خطأ في جر كلمة “الْأَرْحَامِ” في الآية الكريمة “وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ”، التي قرأها حمزة بالجر. وفي تعليل عدم خطأ هذا التركيب، يكتب أن ابن مجاهد ينسب هذه القراءة إلى النبي الأكرم (ص)، كما أن حمزة لم يقرأ حرفًا إلا بأثر (ابن خالويه، 1413: 128/1). كما قال ابن حجر العسقلاني في مدح حمزة وتوثيقه: “يكفي لحمزة شهادة سفيان الثوري؛ حيث قال إن حمزة لم يقرأ شيئًا إلا بأثر” (ابن حجر العسقلاني، 1325: 28/3). عن الكسائي، أحد القراء السبعة، ورد في قراءة كلمة “كِبْرَهُ” في الآية 11 من سورة النور “وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ” أنه قال: “لو كنت أقرأ بالقياس وقواعد العربية، لقرأت هذه الكلمة برفع الكاف؛ لأن مراد الله هو عظم شأن ذلك الشخص؛ ولكني قرأتها بالأثر (والرواية المعتبرة)” (الداني، 1428: 150/1؛ السخاوي، 1419: 578/2). والكسائي في الآية 9 من سورة سبأ “إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ” أدغم الفاء في الباء. وقد اعترض عليه بعض المفسرين مثل الطبرسي والزمخشري (الزمخشري، 1407: 570/3؛ الطبرسي، 1372: 591/8). ولكن الآلوسي دافع عن الكسائي وقال: “القراءة سُنّة يجب اتباعها (عن السلف)، والكسائي لم يدغم إلا بالسماع (والسماع من السلف)” (الآلوسي، 1415: 287/11). مراد الآلوسي هو أن إدغام الكسائي لم يكن اجتهادًا، وأنه لم يقم بهذا العمل برأيه ونظره؛ بل سمعه هكذا من السلف والأساتذة.

ب. أسانيد القراءات

اليوم، من المشهور بين بعض العلماء أن القرآن نزل على النبي (ص) بقراءة واحدة فقط. هذا الرأي لا يحتمل حتى أن يكون القرآن قد نزل بعدة قراءات وأن القراءات السبع وحيانية. مع ذلك، في الماضي، كانت هذه المسألة واضحة تمامًا، وعلى الأقل كان العلماء يتصورون احتمال أن يكون القرآن قد نزل بأكثر من قراءة، وإن لم يقبلوه في النهاية. ولكن برأي كثير من العلماء، ليس فقط احتمال أن تكون القراءات السبع وحيانية، بل إن هذه المسألة واقعة، والقرآن نزل بهذه القراءات. أحد أدلتهم على هذه المسألة هو أسانيد القراءات. أي أن القراء السبعة لديهم سند لقراءتهم إلى النبي الأكرم (ص)، وأسانيدهم إلى النبي (ص) وردت في كتب القراءات وعلوم القرآن. فيما يلي، تُدرس سلسلة أسانيد القراء السبعة.

١. أبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم

نافع، قارئ المدينة، أصله من أصفهان. رُوي عنه أنه قرأ على سبعين من التابعين. وكان يأخذ كل قراءة اتفق عليها اثنان منهم، ويترك القراءة التي انفرد بها واحد فقط (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 54/1 و61). أحد هؤلاء التابعين هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. وقد تلقى عبد الرحمن قراءته من أبي هريرة وابن عباس (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 54/1؛ ابن الجزري، 1429: 572/2). روى ابن مجاهد عن نافع أنه كان يقرأ بقراءة الأعرج، والأعرج تلقى قراءته من أبي هريرة، وأبو هريرة تلقى قراءته من أبي بن كعب، وقال أبي إن النبي (ص) عرض عليه القرآن وقال له إن جبريل أمره أن يعرض القرآن عليه. بالطبع، معنى كلام أبي هو أن أبيًا يعلم قراءة النبي (ص)، وليس العكس. سأل عاصم ابن أبي قائلاً: “ماذا كان يعني والدك بهذه الجملة؟” فأجاب: “أمر جبريل النبي أن يقرأ القرآن على والدي ليتابع ألفاظ القرآن (بشكل صحيح)” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 55/1). أحد التابعين الآخرين الذين تلقى نافع قراءته منهم هو أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وهو نفسه أحد القراء العشرة. تلقى أبو جعفر قراءته من أبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عياش. وعبد الله بن عياش تلقى قراءته من أبي. وفي النهاية، يصل سند هذه القراءة أيضًا إلى رسول الله (ص) (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 56/1؛ ابن الجزري، 1429: 1386/3). في كتب القراءات، ذُكر لنافع أساتذة آخرون؛ مثل شيبة بن نصاح، ويزيد بن رومان، ومسلم بن جندب وغيرهم. وكان أساتذة قراءة شيبة ويزيد ومسلم هم أبو هريرة وابن عباس، اللذان تلقيا القراءة من أبي بن كعب، وأبي بدوره من النبي (ص) (الداني، 1428: 224/1). وردت أسانيد قراءة نافع إلى رسول الله (ص) في كتب علوم القرآن الأخرى أيضًا. على سبيل المثال، ذكر ابن مهران في كتاب المبسوط في القراءات العشر هذا السند نفسه لقراءة نافع (ابن مهران، 1981: 17). كما أن الداني في فصل بعنوان “أئمة القراءة الذين نقلت القراءة بواسطتهم عن رسول الله (ص)”، ذكر هذه الأسانيد نفسها لنافع (الداني، 1428: 224/1). كما روى ابن أبي مريم، نصر بن علي، وحسن بن أحمد الهمداني هذا السند لقراءة نافع (ابن أبي مريم، 1428: 38/1؛ الهمداني، 1427: 15/1).

٢. عبد الله بن كثير

هو إمام أهل مكة، وتنتهي إليه القراءة في مكة. تلقى قراءته من مجاهد بن جبر ودرباس مولى عبد الله بن عباس، وهما عن ابن عباس، وابن عباس عن أبي بن كعب. وقراءة أبي عن شخص النبي الأكرم (ص) (ابن أبي مريم، 1428: 37/1؛ ابن مهران، 1981: 27؛ أبو بكر بن مجاهد، 1400: 64/1؛ الهمداني، 1427: 23/1). ذكر الداني لابن كثير، بالإضافة إلى هذين الاثنين، أبا عبد الرحمن عبد الله بن السائب المخزومي كأستاذ له؛ وهو أيضًا تلقى قراءته من أبي بن كعب (الداني، 1428: 231/1). كما ذكر الهمداني عبد الله بن السائب كأستاذ لابن كثير؛ ولكنه قال في النهاية إن هذا القول ليس مشهورًا عندنا (الهمداني، 1427: 23/1). ولا يرى ابن الجزري قول الهمداني صحيحًا ويعتقد أنه من المستبعد أن يكون ابن كثير قد تلقى قراءته من عبد الله بن السائب؛ لأنه أدرك كثيرًا من الصحابة وروى عنهم. كما روى ابن مجاهد عن طريق الشافعي أنه عرض قراءته على عبد الله بن السائب (ابن الجزري، 1429: 657/2).

٣. أبو بكر عاصم بن أبي النجود

عاصم أحد قراء مدينة الكوفة. تلقى قراءته من أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش. روى ابن مجاهد عن أبي بكر بن عياش، أحد رواة عاصم، أنه قال: “لم يقرأ عليّ أحد حرفًا من القرآن سوى أبي عبد الرحمن؛ وكان هو قد قرأ على أمير المؤمنين علي (ع). وبعد أن كنت أعود من عنده، كنت أذهب إلى زر بن حبيش وأعرض عليه القراءة التي تلقيتها من أبي عبد الرحمن. وكان زر قد قرأ على عبد الله بن مسعود” (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 70/1). ولا شك أن الإمام علي (ع) وعبد الله بن مسعود قد تلقيا القرآن من شخص النبي (ص). هذا السند لقراءة عاصم إلى النبي الأكرم (ص) ذكره علماء القراءات الآخرون في كتبهم. على سبيل المثال، روى ابن مهران عن أبي بكر بن عياش أنه تلقى القرآن حرفًا حرفًا من عاصم، وعاصم تلقى قراءته من أبي عبد الرحمن السلمي، وهو عن أمير المؤمنين علي (ع). وفي نفس الرواية، قال عاصم إنه عندما كان يعود من عند السلمي، كان يذهب إلى زر بن حبيش ويعرض عليه قراءته. وكان زر قد قرأ على عبد الله بن مسعود (ابن مهران، 1981: 44). كما ينسب الداني هذا السند من عدة طرق إلى عاصم (الداني، 1428: 257/1-260). وبالطبع، ذكر البعض أن أساتذة قراءة أبي عبد الرحمن السلمي، بالإضافة إلى أمير المؤمنين (ع)، هم صحابة مثل عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وعثمان، وزيد بن ثابت؛ كما أن أساتذة زر بن حبيش هم أيضًا أمير المؤمنين (ع) وعثمان (الداني، 1428: 255/1؛ الهمداني، 1427: 53/1). بدراسة أسانيد قراءة ابن كثير وعاصم، اتضح أن هذين الاثنين ينسبان قراءتهما إلى رسول الله (ص)، ولم يكن الأمر من عند أنفسهما، أو بسبب بدائية الخط وما شابه ذلك من أخطاء في قراءة القرآن. بقول المرحوم الطبرسي، قضى أئمة القراءة أعمارهم في هذا العلم وخصصوا له وقتًا خاصًا (الطبرسي، 1372: 36/1). وبحسب رواية السخاوي، كان أبو بكر بن عياش يتلقى القرآن حرفًا حرفًا من عاصم. وكان يذهب إلى عاصم يوميًا، حتى في البرد والمطر، لمدة تقارب 30 عامًا، لدرجة أنه كان يخجل من أهل مسجد بني كاهل (السخاوي، 1419: 578/2). مع هذه التقارير، لا يبقى شك في نسبة قراءة القراء إلى رسول الله (ص).

٤. حمزة بن حبيب الزيات

حمزة، قارئ آخر من مدينة الكوفة، كان يميل إلى تلاميذ عبد الله بن مسعود. تلقى حمزة قراءته من عدة أساتذة. أشهرهم أربعة: الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، وسليمان بن مهران الأعمش، وحمران بن أعين. وكل منهم ينسب قراءته إلى النبي الأكرم (ص). الإمام الصادق (ع) تلقى قراءته من آبائه الكرام، وهم عن أمير المؤمنين علي (ع)، وهو عن النبي الأكرم (ص). وقراءة الأعمش تصل إلى يحيى بن وثاب، وقراءته إلى أصحاب عبد الله بن مسعود وزر بن حبيش. وقراءة حمران تصل إلى أبي الأسود الدؤلي، وقراءته إلى الإمام علي (ع) وعثمان (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 73/1؛ ابن مهران، 1981: 60؛ الداني، 1428: 262/1؛ الهمداني، 1427: 56/1). بالطبع، في بعض كتب القراءات، مثل جامع البيان للداني، طُرحت أسانيد أخرى لقراءة حمزة (الداني، 1428: 262/1-271). هذه الأسانيد تظهر أن أئمة القراءة كانوا يحرصون على إيصال قراءتهم إلى شخص رسول الله (ص)، والتقارير المنشورة من هذه الأسانيد في كتب القراءات تظهر أهمية مسألة نسبة القراءة إلى النبي وتنفي أي شائبة حول كون القراءة اجتهادية من قبل القراء. نظرًا لأن أحد أساتذة قراءة حمزة هو الإمام الصادق (ع)، ففي هذا القسم نشير إلى حوار دار بين الإمام وحمزة. قال الإمام لحمزة: “لا تقرأ عليّ (القرآن) من هو أقرأ منك. لا أخالفك في شيء من قراءتك إلا في عشرة مواضع؛ لأني لا أقرأ هكذا، وإن كانت هذه المواضع جائزة في العربية (في بعض النسخ: حسنة)”. ثم ذكر الإمام المواضع العشرة. وفي النهاية قال الإمام إن قراءة علي بن أبي طالب هكذا. وبعد ذلك، قال حمزة إنه قصد أن يرجع عن هذه المواضع العشرة (سلار، 1423: 94؛ الشهرزوري، 1429: 165/1). مخالفة الإمام لحمزة لا تعني أن حمزة قرأ هذه القراءات من عند نفسه؛ لأنه لو كان حمزة قد اختلق هذه القراءات، لنهاه الإمام عن ذلك، لا أن يقول إنه لا يقرأ بهذه القراءات. وكما ورد في نسخة، قال الإمام إن هذه القراءات حسنة. لو لم تكن هذه القراءات قرآنًا، لما قال الإمام أبدًا إنها حسنة. هذه الرواية تظهر مدى دقة كبار القراء في صحة قراءتهم ونسبتها إلى النبي الأكرم (ص).

٥. علي بن حمزة الكسائي

هو قارئ آخر من مدينة الكوفة وتلميذ حمزة (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 78/1)؛ وبالتالي، أحد أسانيد قراءته هو نفس أسانيد قراءة حمزة. بالطبع، ذُكر للكسائي أساتذة آخرون مثل ابن أبي ليلى، وأبان بن تغلب، وعيسى بن عمر الهمداني؛ وإن كانت جل قراءته مبنية على قراءة حمزة (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 79/1؛ ابن مهران، 1981: 72؛ الداني، 1428: 274/1؛ الهمداني، 1427: 63/1).

٦. أبو عمرو بن العلاء

هو إمام القراءة في مدينة البصرة. في مسألة تقيده بالقراءة على أساس السند المعتبر، قُدمت شواهد. وقد ذُكر له أساتذة عدة من مدن مكة والمدينة والبصرة. على سبيل المثال، من مكة، كان أشخاص مثل مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير من أساتذة أبي عمرو. وهما بدورهما تلقيا قراءتهما من عبد الله بن عباس، وهو من أبي بن كعب (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 83/1؛ ابن مهران، 1981: 29؛ الداني، 1428: 236/1؛ الهمداني، 1427: 38/1). وكان أساتذته من المدينة كبارًا مثل يزيد بن القعقاع، ويزيد بن رومان، وشيبة بن نصاح (الداني، 1428: 237/1؛ الهمداني، 1427: 39/1)، الذين مرت أسانيد قراءتهم إلى النبي (ص) في بيان أسانيد قراءة نافع. وكان له في البصرة أيضًا أساتذة، مثل الحسن البصري ويحيى بن يعمر. تصل قراءة الحسن البصري إلى أبي موسى الأشعري، الذي تلقى القرآن من النبي (ص). وتصل قراءة يحيى بن يعمر إلى أبي الأسود الدؤلي، الذي تلقى القرآن من أمير المؤمنين علي (ع) وعثمان (ابن مهران، 1981: 35؛ الداني، 1428: 237/1؛ الهمداني، 1427: 39/1).

٧. عبد الله بن عامر

هو إمام القراءة في مدينة الشام. أحد أساتذته هو المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، الذي تلقى قراءته من عثمان، وهو بدوره من النبي (ص) (ابن مهران، 1981: 39؛ أبو بكر بن مجاهد، 1400: 85/1؛ الداني، 1428: 478/1). كما ذُكر أن أحد أساتذته هو أبو الدرداء، صحابي النبي (ص)، الذي تلقى قراءته أيضًا من النبي (ص) (الداني، 1428: 478/1). من مجمل التقارير التي وردت في كتب علوم القرآن والقراءات عن أسانيد القراء السبعة، يتضح أن القراء السبعة كانوا مقيدين بنسبة قراءتهم إلى النبي الأكرم (ص). وبناءً على قاعدة علم الحديث والرجال، تُقبل شهادة الراوي الواحد؛ إلا إذا كان ضعيفًا، كأن يكون متهمًا بالوضع أو الكذب؛ وإلا فلا يوجد سبب لعدم قبول شهادته. مع هذا الكم الهائل من التقارير التي تذكر سندًا لقراءة القراء السبعة إلى النبي الأكرم (ص)، والتي نقل بعضها عنهم أنفسهم وبعضها الآخر عن شخصيات موثوقة أخرى، كيف يمكن عدم قبول كلامهم والاعتقاد بأن قراءتهم اجتهادية ومن عند أنفسهم؟ لذلك، أحد أهم الأدلة على كون قراءة القراء السبعة وحيًا هو أسانيد القراءات إلى شخص النبي الأكرم (ص).

ج. إشكالات نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص)

قد يصل القارئ بعد تبيين أدلة نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص) إلى نتيجة أن جميع القراءات السبع وحيانية ونزلت من عند الله على شخص النبي الأكرم (ص)، ولم يعد هناك أي إشكال في هذه المسألة. ولكن البعض أورد إشكالات على هذه المسألة في مقام نفي نسبة هذه القراءات إلى النبي (ص). هذه الإشكالات هي: ١. الاحتجاج للقراءات؛ ٢. الأسانيد التشريفية؛ ٣. مخالفة العقل والاعتبار. في هذا القسم، تُبحث وتُحلل إشكالات نسبة القراءات إلى النبي (ص).

١. الاحتجاج للقراءات

الإشكال الأول وربما الأهم على نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص) هو الاحتجاج للقراءات. في بعض كتب التفسير مثل “مجمع البيان” وبعض كتب القراءات مثل “حجة القراءات السبع”، يُستدل ويُحتج لمواضع اختلاف القراءة. الآن الإشكال هو أنه إذا كانت القراءات منسوبة إلى شخص النبي (ص)، والقراء تلقوا قراءتهم من أساتذتهم، وهو عن أستاذه حتى تصل إلى النبي (ص)، فلماذا يُحتج ويُستدل لمواضع اختلاف القراءة؟ لو كانت القراءة مستندة إلى النبي (ص)، لما كانت هناك حاجة إلى حجة، بل كان يجب أن يقال إن هذه القراءة مستندة إلى النبي (ص). اعتبر آية الله الخوئي احتجاج كل قارئ وأتباعه على صحة قراءتهم وإعراضهم عن القراءة الأخرى دليلاً على عدم صحة نسبة القراءات إلى النبي (ص)، وقالوا لو كانت القراءات مستندة إلى النبي (ص)، لما كانت هناك حاجة إلى استدلال واحتجاج. كما اعتبر العلامة معرفة هذه المسألة أكبر عامل في مسألة اختلاف القراءات، وطرحها كإشكال على نسبة القراءات إلى النبي (ص) (معرفة، 1388: 30/2 و74). لدراسة هذا الإشكال، يجب الانتباه إلى أن القراء السبعة أنفسهم، كما قال آية الله الخوئي، لم يأتوا بدليل أو حجة لقراءتهم؛ بل على العكس، كانوا يسندون قراءتهم إلى النبي (ص) كما مرت شواهده. وعلى الرغم من أن العلامة معرفة أورد أمثلة قليلة وادعى أن هذا الاختلاف في القراءة ليس بسبب النسبة إلى النبي (ص)، بل بسبب اجتهاد القراء، مثل نبر الكسائي وبعض قراءات حمزة (معرفة، 1388: 27/2). بالطبع، هذه الأمثلة القليلة لا تضر بنسبة القراءة إلى النبي (ص)؛ لأن القارئ نفسه في كل هذه الحالات يدعي أنه سمع قراءته بهذا الشكل من مشايخه، وهم من النبي (ص)، وإن كان الآخرون قد لا يختارون تلك القراءة. أما ما يذكره العلماء والمفسرون الآخرون كحجة أو دليل لقراءة ما، فليس دليلاً على أن فلان القارئ لم يسمع قراءته من النبي (ص) واجتهد فيها؛ بل هذه الأدلة والحجج هي دليل لاختيار قراءة ما وليس الاجتهاد في القراءة. يرى البعض، في دفاعهم عن نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص)، ومن خلال نسبة الخلط بين الاجتهاد في القراءة واختيار القراءة إلى مدعي نسبة اختلاف القراءات إلى الاجتهاد، أن استدلال علماء القراءة ليس على صحة القراءة، بل على اختيار القراءة (يوسفي مقدم، 1401: 276). تصور البعض من الاحتجاج للقراءات أن القراء صنعوا هذه القراءة من عند أنفسهم بهذه الأدلة؛ بينما الأمر ليس كذلك على الإطلاق، وهذه الحجج هي أدلة لاختيار القراءة من بين القراءات المروية. شاهد هذا الكلام هو كلام العلماء في هذا المجال. على سبيل المثال، يكتب القرطبي أن كل قارئ، من بين القراءات التي رُويت له، اختار القراءة التي هي أحسن وأولى عنده، والتزم بها، وقرأها، واشتهر بها؛ ولذلك يقال قراءة نافع. هذا بينما لم ينفِ أي من القراء اختيارًا آخر ولم ينكره، بل اعتبره جائزًا (القرطبي، 1364: 46/1). وقد أشار علماء آخرون مثل الداني وابن الجزري إلى هذا المطلب (ابن الجزري، بلا تاريخ: 52/1؛ الداني، 1428: 130/1). لم يُرَ في العلماء المتقدمين تعريف لاختيار القراءة؛ ولكن العلماء المتأخرين عرفوه. مثلًا، يكتب الفضلي: اختيار القراءة يعني أن القارئ يختار إحدى القراءات المروية بشكل اجتهادي. وهو يعتقد أن ما بين منتصف القرن الأول ومنتصف القرن الثاني كان مرحلة ظهور اختيار القراءة، وكان كل قارئ ينظر فيما يُقرأ عليه، ويختار من بينها قراءة بناءً على معيار معين (الفضلي، 1405: 105). كما عرف قابة اختيار القراءة بأن كل قارئ ينظر إلى القراءات المروية ويختار من بينها واحدة بناءً على أدلة معينة (قابة، 1999: 262). لذلك، لا يمكن اعتبار بيان الحجة والدليل للقراءات ناتجًا عن اجتهاد القراء؛ بل هذه الحجج والأدلة هي علة لاختيار هذه القراءة من بين القراءات المروية التي بيّنها علماء القرون اللاحقة للقراءات السبع.

٢. الأسانيد التشريفية

أحد الإشكالات الأخرى المطروحة هو أن الأسانيد المذكورة في كتب القراءات لإسناد القراءات السبع إلى النبي (ص) هي أسانيد تشريفية. يعتقد العلامة معرفة في تبيين هذا الإشكال أن الأسانيد الواردة في بعض الكتب مثل “التيسير” و”التحبير” هي أسانيد تشريفية لنسبة هذه القراءات إلى النبي (ص) ورفع شأنها. على حد قوله، لم يكن القراء أنفسهم ملتزمين بهذه المسألة ولم يهتموا بسند القراءة، بل كانوا يأتون بحجة وعلة لقراءتهم (معرفة، 1388: 63/2). هذا الإشكال مبني على عدم المعرفة ببيئة علم القراءة. ففي هذا الفصل نفسه، مرّ أن القراء، لتلقي قراءتهم، كانوا يعتمدون على الأثر والنقل الصحيح ويتجنبون النقلة الضعفاء، وقد مرت أمثلة على ذلك. لذلك، لا يمكن القول إن القراء، لصحة قراءتهم، كانوا يستندون إلى حجة أو علة ولا علاقة لهم بسند القراءة. على سبيل المثال، قال عاصم إنه لم يقرأ عليه أحد حرفًا من القرآن سوى أبي عبد الرحمن؛ وهو قرأ على أمير المؤمنين علي (ع) (أبو بكر بن مجاهد، 1400: 70/1). مع هذه التوضيحات، كيف يمكن الادعاء بأن القراء لم يهتموا بسند القراءة؟ كونهم قالوا إن أسانيد هذه القراءات لنسبتها إلى النبي (ص) لرفع شأنها، كلام غير صحيح؛ لأنه مر أن القراءة أساسًا مبنية على السماع والأخذ عن الأساتذة والمشايخ. جملة “القراءة سُنّة” تدل جيدًا على هذه المسألة، وقد طُرحت تقارير تدل على هذه المسألة. هذا الكلام يوحي بأن القراء السبعة اختاروا قراءة من عند أنفسهم، ثم جاء علماء القراءة بعدهم وصنعوا سندًا لهذه القراءات، بينما الأمر لم يكن كذلك أبدًا، وكل قارئ كان يسعى ويجتهد ليقرأ القراءة الواصلة من شخص رسول الله (ص) ويعلمها للآخرين. أما أن هذه الأسانيد لم تكن موجودة في القرون الأولى ثم جُمعت لاحقًا في كتب القراءات، فهذا لا يدل على كونها تشريفية ومزيفة؛ لأن العلوم في القرون الأولى لم تكن قد تشكلت كعلم مستقل، وتدريجيًا في القرون التالية اتخذت شكل العلم وهيئته. هذه المسألة كانت موجودة في جميع العلوم مثل التاريخ والحديث والرجال وغيرها. مثلًا، في علم الحديث، كان كل راوٍ يسمع حديثه من راوٍ آخر وينقله لآخر؛ ولكن في كتب القرون الأولى لم يُدوّن بهذا الشكل. ولكن في القرون اللاحقة، أُلفت كتب مثل الكافي، حيث يُكتب كل رواية مع رواتها. وفي علم القراءة كان الأمر كذلك، حيث كان كل قارئ يتلقى قراءته من شيخه وأستاذه، وإن لم يُرَ سند لتلك القراءة في كتاب في ذلك الزمان؛ ولكن لاحقًا في كتب القراءات، جُمعت هذه الأسانيد بشكل موحد ومنظم. أشار العلامة معرفة، كمثال، إلى أحد أسانيد القراء السبعة، أي سند قراءة ابن عامر، وأورد عليه إشكالات. قال إن ابن عامر، الذي هو أقرب القراء السبعة إلى زمن الصحابة، ليس له سند متصل بأحد الصحابة المتخصصين في أمر القراءة. نقل عن ابن الجزري أنه ذكر لاحتمال سند قراءة ابن عامر وفي النهاية قبله على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وهو عن عثمان، وعثمان عن النبي (ص). وهو لا يقبل عثمان كصحابي من الطبقة الأولى في علم القراءة، وقال: متى خصص عثمان وقتًا للقراءة؟ أفي زمن خلافته المضطربة أم قبلها؟ وأساسًا من وصفه بشيخ القراءة؟ (معرفة، 1388: 64/2). إذا رجع أحد إلى كلام ابن الجزري، يجد أنه لسند قراءة ابن عامر وأستاذه في القراءة، لا يطرح قولاً، بل يرد بعضها ويقبل بعضها ويذكر البعض الآخر على سبيل الاحتمال. بعض هؤلاء الأشخاص الذين يذكرهم كشيخ قراءة لابن عامر هم: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وعثمان بن عفان، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد (ابن الجزري، 1429: 631/2). اثنان من هؤلاء، أي عثمان وأبو الدرداء، من صحابة النبي (ص) المشهورين بأمر القراءة. عثمان من بين الذين ورد اسمهم في كتب القراءات كأحد الصحابة الذين تلقوا القرآن من النبي (ص) وعلموه للآخرين. على سبيل المثال، يذكر الذهبي 8 من الصحابة كطبقة أولى في سند القراءات، منهم عثمان (الذهبي، 1416: 102/1). في أسانيد قراءة حمزة، ورد أنه قرأ على أبي الأسود الدؤلي، وهو على عثمان. وفي سند آخر لقراءة حمزة، قرأ على الأعمش، وهو على يحيى بن وثاب، ويحيى على زر بن حبيش، وهو على عثمان (ابن غلبون، 1410: 72/1 و73؛ الداني، 1428: 249/1-252). وفي رده على إشكال ابن جرير الطبري الذي قال إنه لا يعلم أحدًا ادعى أنه تلقى القرآن من عثمان، قال الداني إن هذا الكلام باطل؛ لأن ثلاثة من كبار التابعين ادعوا ذلك وخبرهم صحيح. هؤلاء الثلاثة هم: أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو الأسود الدؤلي، وزر بن حبيش. ثم نقل روايات عن كل من هؤلاء الثلاثة بأنهم تلقوا القراءة من عثمان (الداني، 1428: 249-252/1). عويمر بن ثابت أبو الدرداء أيضًا من الصحابة المشهورين بأمر القراءة. يذكره الذهبي ضمن ثمانية صحابة متخصصين في هذا المجال (الذهبي، 1416: 102/1). بحسب رواية ابن الجزري، أبو الدرداء من الذين جمعوا القرآن في حفظهم في زمن النبي (ص). لاحقًا، عندما كان يجتمع حوله في مسجد دمشق بعد صلاة الفجر عدد كبير للقراءة، كان يسلم كل عشرة أشخاص إلى واحد منهم ويعلمهم القرآن (ابن الجزري، 1429: 871/2). مع هذه الأوصاف، كيف لا يمكن قبول أن سند قراءة ابن عامر يصل إلى أحد الصحابة المتخصصين في أمر القراءة؟ في هذه المسألة، يجب الرجوع إلى المتخصصين والخبراء في علم القراءات، وقد اتضح أن الإشكالات على سند قراءة ابن عامر غير صحيحة.

٣. مخالفة العقل والاعتبار

أحد الإشكالات التي وردت على نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص) هو مخالفتها للعقل والاعتبار. توضيح ذلك أنه إذا كانت قراءة القرآن سُنّة، وكل القراء سمعوها من مشايخهم، وهم من أساتذتهم، حتى تصل إلى الصحابة والنبي (ص)، فكيف يمكن أن يحدث كل هذا الاختلاف؟ هل كان كل اختلاف القراءات من شخص النبي الأكرم (ص)، وبالتالي أنزل جبريل كل هذه القراءات السبع على النبي (ص)؟ قبول مثل هذه المسألة لا يتوافق مع العقل والاعتبار. هل يمكن قبول أن جميع القراءات السبع باختلافاتها تُنسب إلى النبي (ص)؟ كما أن كون القراءة سُنّة، إذا أثبت نسبة قراءة القراء السبعة إلى النبي (ص)، فيجب أن يثبت نسبة قراءة القراء الآخرين إلى النبي (ص)؛ منهم القراء الثلاثة الآخرون من القراء العشرة، أو قراء آخرون من القراء الأربعة عشر، وكذلك القراءات الشاذة. في دراسة هذا الإشكال، يجب القول إن هذا في الحقيقة ليس إشكالاً على الدليل، بل هو نوع من الاستبعاد. ومن الواضح أن إبطال دليل لا يكون بالاستبعاد. قد يستبعد المستشكل دليلاً لعدم familiarity مع مسائل أخرى. في الرد على هذا الإشكال، يمكن القول إنه إذا ثبتت نسبة عدة قراءات إلى النبي (ص)، ووصل كل اختلاف القراءات إلى شخص النبي (ص)، فما الإشكال في ذلك؟ هل هو محال عقلاً أم عقلائيًا؟ إذا قُبل كون القرآن معجزة، فإن كون القراءات السبع وحيًا، كمعجزة أخرى، لماذا لا يُقبل؟ فإذا ثبت أن القراءة سُنّة، وأن أئمة القراء تلقوها عن السلف، فإن نسبة القراءة السبع إلى شخص النبي (ص) وبالتالي كونها وحيًا لن يكون أمرًا غريبًا. بدراسة الأدلة الثلاثة التي قيلت في هذا المجال، يمكن قبول نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص) وترك هذا الاستبعاد جانبًا. كما أنه إذا أثبتت هذه المسألة، أي كون القراءة سُنّة، كون القراءات السبع وحيًا، فما المانع من أن تثبت كون القراءات الأخرى وحيًا؟ هل إثبات مثل هذه المسألة يخالف العقل أو العرف؟

الخاتمة

من المباحث المطروحة، تم التوصل إلى النتائج التالية: كانت القراءات السبع شفوية، وكل قارئ سمع قراءته من أستاذه سماعًا، حتى وصلت هذه القراءة إلى شخص النبي الأكرم (ص)، الذي بدوره تلقاها من الله تعالى بالوحي. لذلك، القراءات السبع مستندة إلى النبي (ص). الدليل الأول على نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص) هو كون القراءة سُنّة بناءً على الروايات والتقارير التي تدل على ذلك. الروايات التي وردت فيها عبارة “القراءة سُنّة” وتقارير أخرى تدل على هذه المسألة. كون القراءة سُنّة يعني اتباع السلف في الحروف وفي القراءة، وهي سُنّة يجب اتباعها، ولا يحق لأحد أن يغير لفظ القرآن أو إعرابه من عند نفسه. الدليل التالي هو تصريح القراء أنفسهم بتلقي القراءة من أساتذتهم. رُويت عن بعض القراء السبعة جمل تدل على هذه المسألة، مثل ادعاء أبي عمرو الذي قال لو لم يجز لي أن أقرأ إلا ما قُرئ عليّ، لقرأت حروفًا أخرى، وكلام حمزة الذي قال إنه لم يقرأ إلا بأثر (معتبر). هذه الأقوال تدل على نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص). الدليل الأخير هو وجود سلسلة أسانيد القراءات السبع في كتب القراءات. في كتب القراءات، ذُكر لكل من القراء السبعة أسانيد تدل على نسبة القراءات إلى النبي (ص). أُثيرت إشكالات على نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص). قيل إنه إذا كانت القراءات مستندة إلى النبي (ص)، فلماذا يُحتج لها ويُستدل؟ في الرد على هذا الإشكال، يجب القول إن هذه الحجج لم تأتِ من القراء أنفسهم، بل وردت لاحقًا في كتب القراءات. كما أن هذه الحجج، في الأصل، هي دليل لاختيار القراءة، بمعنى أن القارئ، من بين القراءات المروية، اختار تلك القراءة لذلك السبب. الإشكال الثاني هو أن سلسلة أسانيد القراءات تشريفية. بالنظر إلى كلام القراء السبعة أنفسهم، القائم على اتباع أستاذهم والقراءة استنادًا إلى الأثر الصحيح، فإن هذا الإشكال غير وارد. الإشكال التالي هو مخالفة العقل والاعتبار، بتوضيح أن كل هذا الاختلاف في القراءة ونسبته إلى النبي (ص) لا يتوافق مع العقل. هذا الإشكال أيضًا غير وارد؛ لأنه بعد إثبات نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص)، لا يوجد محذور عقلي لهذه النسبة. فكما أن القرآن نفسه معجزة، يمكن أن تكون القراءات السبع معجزة أخرى، وليست محالاً عقليًا أو عقلائيًا. في النهاية، أدلة نسبة القراءات السبع إلى النبي (ص) تامة، والإشكالات المطروحة غير واردة، وتُثبت صحة نسبة هذه القراءات إلى النبي (ص).

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: ١٤٠٢/٠٤/١٤؛ تاريخ التعديل: ١٤٠٢/١٢/٢٠؛ تاريخ القبول: ١٤٠٣/٠٢/٢٥.

2. طالب دكتوراه في علوم القرآن والحديث، جامعة قم، قم، إيران (الباحث المسؤول). sa4256sm@chmail.ir.

3. أستاذ مشارك في قسم القرآن والحديث، جامعة قم، قم، إيران. g.arabi@qom.ac.ir.

المصادر والمراجع

١. قرآن كريم.

٢. آلوسي، سيد محمود، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٥ق.

٣. ابن وهبان، عبدالوهاب، أحاسن الأخبار في محاسن السبعة الأخيار، محقق: أحمد بن فارس، بيروت: دار ابن حزم، ١٤٢٥ق.

٤. ابن أبي مريم، نصر بن علي، الكتاب الموضح في وجوه القراءات وعللها، مصحح: وليد بن رجب ابن عجمي، محقق: عبدالرحمن بن إبراهيم بدر، مصر: دار الصحابة للتراث، ١٤٢٨ق.

٥. ابن جزري، محمد بن محمد، غاية النهاية في طبقات القراء، مصححين: مجدي فتحي سيد و عبدالكريم إبراهيم صالح، مصر: دارالصحابة للتراث، ١٤٢٩ق.

٦. ابن جزري، محمد بن محمد، النشر في القراءات العشر، مصحح: علي محمد ضباع، بيروت: دار الكتب العلمية، بي تا.

٧. ابن حجر عسقلاني، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب، بيروت: دار صادر، ١٣٢٥ق.

٨. ابن خالويه، حسين بن أحمد، إعراب القراءات السبع وعللها، محقق: عبدالرحمن بن سليمان عثيمين، قاهرة: مكتبة الخانجي، ١٤١٣ق.

٩. ابن غلبون، طاهر بن عبدالمنعم، التذكرة في القراءات، محقق: عبدالفتاح بهيري إبراهيم، قاهرة: الزهراء للإعلام العربي، ١٤١٠ق.

١٠. ابن مهران، أحمد بن حسين، المبسوط في القراءات العشر، محقق: سبيع حمزة حاكمي، دمشق: مجمع اللغة العربية، ١٩٨١ق.

١١. أبوبكر بيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، محقق: عطا محمد عبدالقادر، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢٤ق.

١٢. أبوبكر بيهقي، أحمد بن الحسين، شعب الإيمان، محقق: عبدالحميد حامد عبدالعلي، رياض: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، ١٤٢٣ق.

١٣. أبوبكر بن مجاهد، أحمد بن موسى التميمي، السبعة في القراءات، محقق: شوقي ضيف، مصر: دارالمعارف، ١٤٠٠ق.

١٤. أبوعبيد، قاسم بن سلام، فضائل القرآن، محقق: وهبي سليمان غاوجي، بيروت: دارالكتب العلمية، ١٤٢٦ق.

١٥. بغوي، أبومحمد، شرح السنة، محققين: الأرنؤوط شعيب و الشاويش محمد زهير، بيروت: المكتب الإسلامي، ١٤٠٣ق.

١٦. خطيب بغدادي، أبوبكر أحمد بن علي، تاريخ بغداد، محقق: عبدالقادر عطا مصطفى، بيروت: دارالكتب العلمية، ١٤١٧ق.

١٧. داني، عثمان بن سعيد، جامع البيان في القراءات السبع، إمارات: جامعة الشارقة، ١٤٢٨ق.

١٨. ذهبي، محمد بن أحمد، معرفة القراء الكبار على الطبقات و الأعصار، محقق: طيار آلتي قولاچ، تركيه: مركز البحوث الإسلامية التابع لوقف الديانة التركي، ١٤١٦ق.

١٩. زمخشري، محمود، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت: دار الكتب العربي، ١٤٠٧ق.

٢٠. سخاوي، علي بن محمد، جمال القراء و كمال الإقراء، محقق: عبدالحق عبدالدايمته سيف القاضي، بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، ١٤١٩ق.

٢١. سلار، أمين الدين، طبقات القراء السبعة و ذكر مناقبهم و قراءاتهم، محقق: أحمد محمد عزوز، بيروت: المكتبة العصرية، ١٤٢٣ق.

٢٢. شهرزوري، مبارك بن حسن، المصباح الزاهر في القراءات العشر البواهر، محقق: عبدالرحيم طرهوني، بيروت: دارالكتب العلمية، ١٤٢٩ق.

٢٣. طبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تهران: ناصر خسرو، ١٣٧٢ش.

٢٤. فضلي، عبدالهادي، القراءات القرآنية، بيروت: دار القلم، ١٤٠٥ق.

٢٥. قابة، عبدالحميد بن عبدالهادي، القراءات القرآنية تاريخها، ثبوتها، حجيتها، وأحكامها، مصطفى سعيد الخن، محقق، بيروت: دار الغرب الإسلامي، ١٩٩٩م.

٢٦. قرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تهران: ناصر خسرو، ١٣٦٤ش.

٢٧. معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسه فرهنگي انتشاراتي التمهيد، ١٣٨٨ش.

٢٨. همداني، حسن بن أحمد، غاية الاختصار في قرائات العشرة الأئمة الأمصار، مصحح: أشرف محمد فؤاد طلعت، مصر: دارالصحابة للتراث، ١٤٢٧ق.

٢٩. يوسفي مقدم، محمد صادق، علم قرائت، قم: پژوشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، ١٤٠١ق.

Scroll to Top