الملخص
شكّل عصر التنوير وظهور المنهج التاريخي النقدي تجاه الكتاب المقدس، وإبطال فراز وفرود العهدين، أرضيةً للمستشرقين في القرنين التاسع عشر والعشرين لتوسيع نطاق هذا المنهج ليشمل القرآن الكريم، وطرح منهجهم النقدي في قالب وعملية جديدة. بدأت هذه العملية بالنقد المصدري، ثم تطورت إلى النقد النصي، ومنه إلى نقد الشكل، وأخيرًا إلى نقد التحرير. يتناول هذا البحث، بأسلوب وصفي تحليلي، دراسة نقد النص للمخطوطات القرآنية من وجهة نظر كيث إسمال في كتابه «النقد النصي والمخطوطات القرآنية». الهدف الأساسي هو استكشاف آراء إسمال وتحديد الفجوات الموجودة في هذا المجال. من خلال تحليل إسمال للجوانب المختلفة مثل الأنواع الإملائية في المخطوطات المبكرة، وأخطاء النساخ، والاختلافات في علامات التشكيل، وتقسيم الآيات، وكذلك العلاقة بين المخطوطات والنصوص المسجلة في الأدبيات الإسلامية، يقدم تقييمًا مهمًا للتاريخ المبكر للنص القرآني وتحدياته الإشكالية. وعلى الرغم من أن بحث إسمال يستفيد من منهجية دقيقة، واستخدام للمصادر الأولية، وتصنيف منهجي للاختلافات، والاهتمام بالتفاعل بين التقاليد الشفوية والمكتوبة، إلا أنه يواجه مشكلات عدة مثل التحيز المنهجي، وعدم الفهم الشامل للنص واللغة القرآنية، وإغفال التقاليد الشفوية، وتجاهل التواتر القرآني، وعدم الالتفات إلى علم القراءات، والتركيز المحدود على السياق التاريخي للمخطوطات القرآنية؛ وهي أمور قد تجعل أهدافه في نقد نص المخطوطات القرآنية غير كافية أو عقيمة.
مقدمة
في العالم الغربي، تأسست سنة وعمل جمع الوثائق وحفظها وصيانتها لأول مرة في العصر الهلنستي. كانت مكتبة الإسكندرية الكبرى، قبل أن تلتهمها النيران، أعظم كنز للمخطوطات في العصر الكلاسيكي القديم. وفي تلك المكتبة، تأسست مدرسة في علم نقد النصوص عُرفت بالولاء الدقيق للنص في التحرير، إلا أن مبادئها المنهجية لم تبقَ في الغالب في أعمال أمين المكتبة، أريستارخوس الساموثراقي (Johnstone, S, 2014).
بعد ذلك، ولفترة طويلة من العصور المسيحية، أُهمل النظام والانضباط النصي الذي كان سائداً في العصر الهلنستي. وبدلاً من ذلك، خضعت عمليات النسخ في مراكز التعليم المتزايدة في العصور الوسطى لتأثيرات الاعتبارات العملية للنساخ. كان النساخ يفسرون النصوص أثناء نسخها، وفي هذه العملية، كانوا يقارنون غالباً بين نسخ مختلفة، ويُجرون تغييرات على النصوص أثناء النقل. هذا النوع من النقد التفسيري للقراءات المختلفة، ظل أسلوباً شائعاً لدى علماء اللغة الإنسانيين حتى أفضى إلى الأسس الأولى لنقد كتب العهدين.
أدى تراث عصر التنوير متعدد الأوجه، وتطبيق العقل والفكر النقدي على الكتاب المقدس، إلى ظهور مناهج تاريخية-نقدية تجاه العهد القديم. سعت هذه المناهج إلى فهم النص في سياقه التاريخي، واستخدمت العقل والأدلة التجريبية بدلاً من الاعتماد المطلق على التقاليد الدينية. بدأت هذه الحركة مع سبينوزا، الذي يُعرف بأنه أبو نقد الكتاب المقدس، ثم تابعها ريتشارد سيمون (1638-1712) وبعده جان أستروك (1684-1766). في هذه العملية، استُخدمت طرق مثل نقد المصدر، والنقد النصي، والنقد الأدبي، والنقد التاريخي، لوضع الجوانب المقدسة للنص المقدس تحت سيطرة الفاعل في عصر التنوير، وكشف قصور التفسيرات الميتافيزيقية أمام العقلانية الغربية عن معرفتها.
بعد رفض وإبطال الجوانب الآفاقية للكتب المقدسة وسقوطها إلى مستوى التفسيرات البشرية، وجدت هذه الحركة طريقها إلى مجال الدراسات القرآنية على يد المستشرقين. وقد وصلت الدراسات النقدية لمستشرقين أمثال شبرنغر، وويليام موير، ونولدكه، وغولدزيهر، وتطورها على يد ريتشارد بيل ووات، إلى مستوى أرفع من المنهج النقدي في العصر الحديث.
في هذا السياق، طرح المنهج المراجِع (التجديدي) شكوكاً أكبر تجاه القرآن. وعلى الرغم من أن هؤلاء الباحثين يُصنَّفون تحت عنوان «المراجِعين»، إلا أن نظرياتهم ونتائجهم الخاصة يمكن أن تختلف بشكل كبير. فالمدرسة المراجِعة، التي ليست متجانسة في الغالب، تقدم غالباً تقارير متناقضة عن الأصول الإسلامية وتطور القرآن.
يُتَّبع المنهج التاريخي-النقدي اليوم على مستويين: النقد الأعلى والنقد الأدنى، ويُعدّ من أهم المناهج في دراسات القرآن بين المستشرقين. في هذا المنهج، يحظى النقد النصي بأهمية خاصة، وهو مجال يُعنى بدراسة التطورات التاريخية وانتقال النص القرآني من خلال تحليل المخطوطات المبكرة والقراءات المختلفة. ورغم أن هذا المنهج قد طُبّق على نطاق واسع في النصوص الدينية الأخرى كالكتاب المقدس، فإن تطبيقه على القرآن ظل محدوداً ومثيراً للجدل.
تقدم الدراسة الحالية في أثرها القيم «نقد النص ومخطوطات القرآن»، من خلال توظيف أساليب النقد النصي في المخطوطات القرآنية المبكرة، مساهمة كبيرة في هذا المجال الناشئ. فمن وجهة نظره، كانت الدراسات السابقة حول تاريخ النص القرآني تستند بشكل أساسي إلى الروايات الإسلامية التقليدية والمصادر الأدبية المتأخرة. ومع ذلك، هناك حاجة إلى استكمال هذه التقارير من خلال الفحص المباشر للأدلة المخطوطة المبكرة، وهو ما تم الاعتراف به بين الباحثين. يتناول بحث إسمال هذه الفجوة من خلال تقديم تحليل دقيق ومحدود للأنواع النصية الموجودة في المخطوطات القرآنية المبكرة، ويوفر أساسًا تجريبيًا قيمًا لفهم الانتقال المبكر للنص وتوحيده.
من وجهة نظر هذا المستشرق، فإن هذا الموضوع له أهمية من الناحيتين النظرية والعملية؛ فمن الناحية النظرية، يساهم في فهم أشمل لتاريخ النص القرآني ويتحدى الروايات التقليدية أو يصححها. ومن الناحية العملية، يوفر أدوات منهجية للباحثين لتحليل المخطوطات القرآنية وتقييم الأنواع النصية. ويمكن القول إن استخدام أساليب نقدية مماثلة لتلك المستخدمة في دراسات الكتاب المقدس يسهل الحوار بين الأديان في النصوص الإسلامية، بل ويمكن أن يساهم في تطوير نسخ نقدية من القرآن بناءً على الأدلة المخطوطة.
في هذا البحث، يتم تناول أسئلة مثل: ما هي أنواع النصوص الموجودة في المخطوطات القرآنية المبكرة؟ وكيف تبدو هذه الأنواع من المخطوطات مقارنة بما هو مسجل في الأدبيات الإسلامية؟ وماذا تكشف هذه الأنواع أو أصناف المخطوطات عن عملية انتقال النص القرآني وتوحيده؟ وكيف يمكن للنقد النصي أن يساعد في فهم أدق للتاريخ المبكر للقرآن؟
يهدف هذا البحث، بالإضافة إلى إظهار قيمة النقد النصي في الدراسات القرآنية والمخطوطات، إلى تقديم إطار منهجي للبحوث المستقبلية في هذا المجال. كما يوضح الثغرات والفجوات في دراسات المستشرقين الذين يسعون إلى نقد القرآن من منظور نقد العهدين والمنهج التاريخي-النقدي. هذا في حين لا توجد اختلافات منهجية أساسية هنا فحسب، بل هناك أيضًا أخطاء منهجية، وتحديات في تحليل النص، ومصادر تاريخية محدودة، وقضايا أخرى مطروحة في هذا المجال. وفيما يلي، بعد التعريف بإسمال، سيتم متابعة هذا النقاش.
ألف. كيث إسمال ومنهجيته
في هذا القسم، يتم التعريف بكيث إسمال ثم عرض منهجه البحثي.
١. التعريف بكيث إسمال
وُلد كيث إدوارد إسمال (KEITH EDWARD SMALL) في 24 يوليو 1959 في باتل كريك، ميشيغان. حصل على درجة البكالوريوس من جامعة ويسترن ميشيغان، ودرجة الماجستير في اللاهوت (ThM) من معهد دالاس اللاهوتي، ودرجة الدكتوراه من مركز غوثري للدراسات الإسلامية في كلية لندن للاهوت. كانت نقاشاته مع أصدقائه المسلمين وأسئلته التي لم تجد إجابة حول انتقال القرآن كـ«شيء مادي» دافعه الرئيسي للبحث في المصاحف المكتوبة وانتقال القرآن.
قبل حصوله على الدكتوراه، قام كيث بعدة رحلات للقاء باحثين درسوا المخطوطات القرآنية المبكرة في صنعاء، وطوب قابي، وسمرقند. بعد إعادة اكتشاف محفوظات برغشترسر، التي قيل إن شبيتولر دمرها بعد الحرب العالمية الثانية، دعا مايكل ماركس وأنجيليكا نويفرت كيث إلى المؤتمر الأول لمشروع كوربوس كورانيكوم (Corpus Coranicum) الضخم في جامعة برلين الحرة عام 2005. كانت مقالة كيث في هذا المؤتمر، التي قارنت بين الأنواع المبكرة في مسائل النقد النصي وأشارت إلى مشاريع التحرير النقدي للقرآن التي بدأها جفري وبرغشترسر، موضع ترحيب من باحثين مثل نويفرت، ماركس، غيرد-آر بوين، نويا نوسيدا، أندرو ريبين، وإفيم رضوان. واعتبروا هذه المقالة نافذة أمل لمشاريع غير مكتملة تُركت بعد وفاة برغشترسر عام 1938 وآرثر جفري عام 1959 بهدف إنشاء نسخة نقدية من القرآن.
بين المستشرقين المعاصرين، قد لا تحظى أبحاث كيث إسمال بأهمية كبيرة نظراً لمحدودية نطاق دراساته. ولكن بالنظر إلى أثره وآرائه، وخاصة كتابه «نقد النص ومخطوطات القرآن»، حظي عمله باهتمام المستشرقين. وصف فريد دونر، المؤرخ البارز في تاريخ الإسلام المبكر، هذا الكتاب بأنه عمل «ممتاز وذو أهمية واضحة». يؤيد دونر حجة إسمال بأن المحاولات المبكرة لتوحيد النص الصامت للقرآن أدت إلى حذف الأنواع النصية المبكرة. ومع ذلك، يؤكد أن استنتاجات إسمال تجريبية، لأن فحصاً أشمل لآيات القرآن قد يسفر عن نتائج مختلفة (Donner, 2014: p. 167).
كما أن لاري هورتادو، الباحث في النصوص المسيحية المبكرة، مع تأييده لنتائج إسمال حول تاريخ النص القرآني ورسم أوجه التشابه بين انتقال القرآن وتقاليد الكتب المقدسة الأخرى، يوافق إسمال على أن التطور النصي للقرآن شمل اختيارات تحريرية وقمعاً للأنواع المنافسة (Hurtado, 2015).
٢. المنهجية
يقدم هذا الباحث، نظراً لخلفيته البحثية ودراساته في العهد الجديد، منهجه في النقد النصي للمخطوطات القرآنية القديمة على أنه «الانتقائية المنطقية (Reasoned Eclecticism)»، ويعتقد أن هذا المنهج قد استخدمه معظم باحثي العهد الجديد لمدة قرن على الأقل. ومن وجهة نظر هذا المستشرق، كان هذا المنهج أو النهج هو الأساس لإعداد معظم النصوص النقدية للعهد الجديد.
يشير إسمال إلى تعريف هولمز لـ«الانتقائية المنطقية» على أنه منهج يسعى إلى أخذ جميع الأدلة المتاحة في الاعتبار، سواء كانت خارجية (مثل ما تقدمه المخطوطات) أو داخلية (مثل الاعتبارات المتعلقة بعادات الناسخين وأخطائهم وميولهم أو أسلوب الكاتب وفكره). المحور الرئيسي لهذا المنهج هو مبدأ أساسي: النوع الذي يُحتمل أن يكون أصيلاً هو النوع الذي يقدم أفضل تفسير لنشأة جميع الأنواع المنافسة، سواء من حيث الأدلة الخارجية أو الداخلية.
ويعدد في تتمة حديثه أهمية هذا المنهج الخاص: أولاً، يستند هذا المنهج إلى تقليد أكاديمي يمتد لأكثر من قرنين. ثانياً، تم اختبار هذا المنهج جيداً في دراسة الأنواع النصية للمخطوطات القديمة في العديد من التقاليد الأدبية. ثالثاً، يتمتع هذا المنهج بالمرونة اللازمة لمراعاة الخصائص المختلفة للخطوط العربية. رابعاً، لا يخضع هذا المنهج لتأثير أيديولوجية دينية أو سياسية أو أكاديمية معينة، وهو أداة مناسبة لدراسة المخطوطات القديمة والقيمة. وفي الوقت نفسه، يحافظ على نظرة نقدية وواقعية تجاه التأثيرات البشرية في إنتاج الكتب القديمة.
بعد شرح موجز لمنهجيته، يطرح هذا السؤال: ما هو النص الأصلي للقرآن؟ ويعترف بأنه نظراً لتعقيدات إنتاج الكتب القديمة ووجود مزيج من التقاليد الشفوية والمكتوبة، فإن تعريفاً أدق لهذا المفهوم ضروري. في التقاليد الأدبية التي تستخدم الأساليب الشفوية والمكتوبة لحفظ النصوص، يكون تحديد «نص أصلي» واحد أمراً صعباً؛ لأن الأداءات الشفوية المختلفة يمكن أن تدعي هذا العنوان.
تتركز النقاشات الرئيسية في الدراسات القرآنية على العثور على نص أولي (Urtext) للقرآن. التقاليد الإسلامية تعتبر القرآن الذي نعرفه اليوم مطابقاً لهذا النص الأولي، وقد أصبح هذا الاعتقاد مبدأً دينياً تقليدياً. في الخطاب الإسلامي العام المعاصر، يُعتبر الحفظ الكامل لنص القرآن منذ نزوله على النبي الأكرم ﷺ حقيقة مسلمة. ومع ذلك، يدعي أن بعض الباحثين المسلمين في القرون الأولى والوسطى كانوا يقبلون بوجود تغييرات نصية وأجزاء مفقودة في القرآن ولم يدعوا انتقال النص بشكل كامل ودون نقص.
تُظهر دراسة المخطوطات القرآنية القديمة أيضاً مرونة كانت موجودة في صدر الإسلام. يشير إسمال إلى رأي إلدون إب بأن عملية تحويل نص شفوي أو مكتوب إلى كتاب ليست مرحلة واحدة بل تشمل مراحل منفصلة. كما ينقل رأي ريبين الذي يرى أنه عند تعريف كلمة «قرآن» بدقة، يجب أخذ ثلاثة عناصر في الاعتبار: جسد نصي ثابت، وجسد متاح في شكل مكتوب، وأن هذا الشكل المكتوب يحظى بدرجة من المصداقية بين مجموعة من الناس.
كل من هذه العناصر الثلاثة يستلزم عمليات يتم من خلالها تحقيق الثبات، والشكل المكتوب، والاتفاق على المصداقية. يجب أن يصدق كل تعريف وتوضيح للنص القرآني الأصلي على هذه العمليات ويشرحها بوضوح. بالإضافة إلى ذلك، فإن وجهات النظر المختلفة حول تاريخ النص القرآني ستختلف في آرائها حول العمليات والمدة الزمنية التي استغرقها النص القرآني المكتوب لاكتساب هذه الجوانب الثلاثة.
يقدم إلدون إب (Eldon Epp) في دراسة عملية إنتاج النص، أربع مراحل رئيسية لتاريخ تطور النص، وقد وسع أحد الباحثين هذا التصنيف إلى خمس مراحل:
١. الشكل النصي الأولي: يشمل المصادر الشفوية أو المكتوبة التي استعان بها المؤلف في كتابة النص.
٢. شكل النص الذاتي (Autograph): النسخة التي كتبها المؤلف مباشرة وخرجت من مكتبه.
٣. شكل النص المعتبر: النص الذي اكتسب مصداقية وقبولاً نسبياً في منطقة جغرافية معينة.
٤. شكل النص القانوني: النسخة التي تم قبولها كنسخة رسمية على نطاق جغرافي أوسع.
٥. شكل النص التفسيري: يشمل إعادة الكتابة المتعمدة لاحقاً لأسباب أسلوبية أو عملية أو عقائدية.
يتبنى هذا الباحث وجهة نظر إلدون إب بأن هذه المصطلحات يمكن استخدامها كمصطلحات فنية لوصف المراحل المختلفة لتطور النص. ويؤكد أن توثيق المراحل الأولية، خاصة فيما يتعلق بالمواد الشفوية والمكتوبة المتعلقة بالقرآن، أمر صعب؛ لأن ما لدينا اليوم هو نسخ محررة مبكرة لبعض المواد المنسوبة إلى النبي محمد ﷺ.
نظراً لهذه المحدودية، يركز دراسته على النصوص المكتوبة الموجودة، مع الأخذ في الاعتبار أن التقاليد الشفوية كانت حاضرة في خلفية النص المكتوب. لذلك، فإن انتقال القرآن المكتوب يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقاليد الشفوية، والمخطوطات المتاحة، من حيث الزمن، قريبة جداً من النسخ الشفوية الأولية.
فيما يلي، يتناول هذا الباحث مسألة تحديد النص القرآني الأصلي وكيفية جمعه. وفقاً للرؤية الإسلامية التقليدية، تم تسجيل القرآن وجمعه في حياة النبي ﷺ، ولكن بعد وفاته، انتشرت نسخ مختلفة في مناطق مختلفة. قام الخليفة الثالث، عثمان بن عفان، لمنع الخلافات، بأمر إعداد نسخة واحدة موحدة عُرفت بـ«النص القانوني».
على الرغم من ذلك، استمرت الجهود لإعادة بناء النص الأصلي (الذاتي). تتطلب هذه الإعادة فحص المخطوطات والنقوش والأدلة الأخرى المتاحة، على الرغم من أن هذه العملية تواجه تحديات تشمل محدودية المصادر وتعقيد التقاليد الشفوية.
توصيفات وصور المخطوطات
هدفه الرئيسي هو تقديم المخطوطات التي يمكن أن تكون تغييراتها شاهداً على ادعائه. لهذا السبب، يقوم بتقييم 22 مخطوطة، حيث يصف كل مخطوطة بالتفصيل ويقدم صوراً للصفحات المستخدمة فيها. النص المحوري لبحثه هو اكتشاف الاختلافات النصية والنقد النصي لسورة إبراهيم، الآيات 35 إلى 41.
يوضح اختياره لهذا القسم وهذه المخطوطات الخاصة بالطريقة التالية: تم فحص فهارس المخطوطات القرآنية الموجودة في المجموعات الأوروبية الغربية لتحديد أي أجزاء من النص متوفرة في عدة مخطوطات. تم اختيار المخطوطات القرآنية من القرون الأربعة الأولى للإسلام للوصول إلى أقدم النصوص الممكنة. كما تم إبراز المخطوطات ذات الخصائص الإملائية التي تظهر تطور الخط العربي من خط صامت بعلامات جزئية إلى خط مصوت بالكامل قادر على إعادة إنتاج القيم الصوتية لكل حرف عربي في الكتابة بدقة.
كان الهدف الأولي هو اختيار الأجزاء المشتركة في عشر مخطوطات، ثم توسع هذا العدد لاحقًا إلى اثنتين وعشرين مخطوطة؛ تسعة عشر مخطوطة من القرون الأربعة الأولى للإسلام وثلاث مخطوطات من القرنين الأخيرين. الجدول الذي يسرد هذه المخطوطات مدرج بعد التوضيحات.
من بين الأجزاء المتاحة التي قُدمت في عدة مخطوطات، تم اختيار سورة إبراهيم، الآيات 35 إلى 41، لأن هذا القسم كان رواية ذات طول مناسب للتقييم والتحليل، وأشار إلى ثلاث شخصيات مألوفة في الكتاب المقدس، أي إبراهيم وابناه إسماعيل وإسحاق. هذه القصة تروي استقرار إبراهيم وابنه إسماعيل في مكة. على الرغم من أن هذا القسم مختصر نسبيًا، إلا أنه يحتوي على أنواع مختلفة من الروايات النصية.
جدول مواصفات هذه المصاحف
تم تقديم جدول مواصفات هذه المصاحف على النحو التالي، وفيما يلي شرح لكل نسخة بشكل موجز.
| المخطوطة | التاريخ | نمط الخط | اتجاه المخطوطة | المادة | السمات الإملائية | علامات الآيات |
|---|---|---|---|---|---|---|
| Istanbul Tiem SE 54 | I | HI (H) | عمودي | رق | sd, nsv, cd | 1, 5, 10 |
| Topkapi | II | BII/CI?(K) | أفقي | رق | sd, nsv | 1, 5, 10 |
| 01-28.1 | I | B Ia (K) | عمودي | رق | sd, nsv | 1, 5, 10 |
| 01-29.1 | I | HI (H) | عمودي | رق | sd, nsv | 1 |
| 01-20.x | I | A/B Ia (K) | أفقي | رق | nd, nsv | 10 |
| Or. 2165 | I | H II (H) | عمودي | رق | sd, nsv | 1, 10 |
| Samk | II | BII/CI? (K) | أفقي | رق | fd, nsv | 1, 10 |
| BNF 325a | II | B Ib (K) | أفقي | رق | nd, cd | 1, 5, 10 |
| BNF 326a | II | H I (H) | أفقي | رق | sd, nsv | 1, 10 |
| BNF 328a | I | H I (H) | عمودي | رق | sd, nsv | 1, 5, 10 |
| BNF 330a | II | H III (H) | أفقي | رق | sd, nsv | 1, 10 |
| BNF 331 | II | B Ia (K) | عمودي | رق | sd, nsv | 1, 10 |
| BNF 332 | II | C I(K) | عمودي | رق | fd, nsv | 1, 10 |
| BNF 333c | III | C III(K) | أفقي | رق | fd, cd | 10 |
| BNF 334c | III | H IV (H) | أفقي | رق | sd, cd | 1, 5, 10 |
| BNF 340c | III | B II (K) | أفقي | رق | fd, cd | 1, 5, 10 |
| BNF 343 | IV | D c (K) | أفقي | رق | sd, cd | 10 |
| BNF370a | IV | C (K) | أفقي | رق | fd, cd | 10 |
| Meknes | III | B II (K) | أفقي | رق | sd, cd | 1, 5, 10 |
| Or. 12884 | IV | NS I (K) | عمودي | ورق | fv | 1, 5, 10 |
| Sharif | XI | Naskh | عمودي | ورق | fv | 1, 10 |
| Warsh | XV | Maghribi | عمودي | ورق | fv | 1, 10 |
*جدول مأخوذ من كتاب نقد النص ومخطوطات القرآن
خصائص كل مخطوطة على حدة:
١. Istanbul: مخطوطة غير منشورة بالخط الحجازي المبكر تشبه أسلوب H I لديروش، تحتوي على علامات لآية واحدة (أربع إلى ست نقاط عمودية)، وخمس آيات (دوائر صغيرة)، وعشر آيات (دوائر صغيرة بنقاط حولها) التي ربما أضيفت لاحقًا.
٢. Topkapi: مخطوطة بالخط الكوفي الكبير تشبه أسلوبي B II و C I لديروش، تحتوي على علامات تنقيط لبعض الحروف ونقاط حمراء لإظهار نظام التشكيل الذي ربما أضيف في وقت الكتابة الأولية.
٣. x.01-20: مخطوطة بالخط الكوفي المبكر، أثقل من 01-28.1، تفتقر إلى علامات الآية الواحدة أو الخمس، وتحتوي على علامات العشر آيات على شكل دائرة بنقطة في الوسط كُتبت في نفس وقت كتابة النص.
٤. 01-28.1: مخطوطة بالخط الكوفي المبكر جداً تشبه فئة B Ib لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة (ثلاث نقاط عمودية) أضيفت في نفس وقت كتابة النص، وعلامات العشر آيات (دوائر بشريطين من النقاط الدائرية) التي ربما أضيفت لاحقًا.
٥. 01-29.1: مخطوطة بالخط الحجازي تشبه فئة H I لديروش وBNF 328a، تحتوي على علامات الآية الواحدة (أنماط من ثلاث إلى ثماني نقاط عمودية) التي ربما أضيفت لاحقًا، وتفتقر إلى علامات الخمس أو العشر آيات.
٦. Bl Or. 2165: أقدم قرآن موجود في المكتبة البريطانية، بخط حجازي مائل وقلم أثقل من باقي النسخ الحجازية، يحتوي على علامات الآية الواحدة والعشر آيات التي ربما أضيفت لاحقًا.
٧. Samarkand Kufic Codex: مخطوطة كبيرة وفخمة بخط يشبه تصنيفات B II و C I لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة والعشر آيات التي، حسب قول جفري، أضيفت لاحقًا.
٨. BNF Arabe 325a: مخطوطة بالخط B I b لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة والخمس والعشر، وجميعها كُتبت في نفس وقت كتابة النص، باستثناء علامات الخمس آيات التي ربما أضيفت لاحقًا.
٩. BNF Arabe 326a: مخطوطة بالخط H I لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة والعشر، والتي ربما أضيفت لاحقًا. تعود إلى القرن الثاني الهجري.
١٠. BNF Arabe 328a: مخطوطة بالخط الحجازي، تحتوي على علامات الآية الواحدة والخمس والعشر، والتي أضيفت لاحقًا. من أفضل نماذج الخط الحجازي، تعود إلى أوائل إلى أواسط القرن الأول الهجري.
١١. BNF Arabe 330a: مخطوطة بالخط H III لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة ونظامين لعلامات العشر آيات، تعود إلى حوالي عام 800 ميلادي (أواخر القرن الثاني الهجري).
١٢. BNF Arabe 331: مخطوطة بالخط B I a لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة والعشر، والتي أضيفت لاحقًا، تعود إلى أوائل القرن الثاني الهجري.
١٣. BNF Arabe 33212: مخطوطة بالخط C I a لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة والعشر، كُتبت في نفس وقت كتابة النص، تعود إلى أواخر القرن الثامن/أوائل القرن الثاني الهجري.
١٤. BNF Arabe 333c: مخطوطة بالخط C III لديروش، تحتوي فقط على فواصل العشر آيات التي كُتبت في نفس وقت كتابة النص، تعود إلى القرن العاشر/الثالث الهجري.
١٥. BNF Arabe 334c: مخطوطة بالخط H IV لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة والخمس والعشر، وجميعها أُدرجت وقت كتابة النص. نسخة انتقالية تعود إلى أوائل القرن التاسع/أواخر القرن الثاني الهجري.
١٦. BNF Arabe 340c: مخطوطة بالخط B II لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة والخمس والعشر، والتي ربما أضيفت علامات الخمس آيات لاحقًا، تعود إلى أوائل إلى أواسط القرن التاسع/أواخر القرن الثاني إلى أوائل القرن الثالث الهجري.
١٧. Meknes: مخطوطة بالخط B II لديروش، تحتوي على علامات الآية الواحدة والخمس والعشر، والتي ربما أضيفت علامات الخمس والعشر آيات لاحقًا، تعود إلى أوائل إلى أواسط القرن التاسع/أواخر القرن الثاني إلى أوائل القرن الثالث الهجري.
١٨. BNF Arabe 343: مخطوطة بالخط D commune لديروش، تحتوي فقط على علامات العشر آيات التي أضيفت لاحقًا، تعود إلى القرن العاشر/الثالث والحادي عشر/الرابع الهجري.
١٩. BNF Arabe 370a: مخطوطة بالخط C العام العباسي لديروش، تحتوي فقط على علامات العشر آيات التي أضيفت لاحقًا، تعود إلى القرن العاشر/الثالث الهجري.
٢٠. Bl Or. 12884: أقدم قرآن ورقي في المكتبة البريطانية، بالخط الكوفي المكسور أو الكوفي الشرقي، يحتوي على علامات الآية الواحدة والخمس والعشر، يعود إلى أوائل القرن الرابع الهجري.
٢١. Mushaf Sharif: نسخة مصورة صغيرة من قرآن 1093/1682، تحتوي على علامات الآية الواحدة والعشر، بخط حفص عن عاصم.
٢٢. Warsh: نسخة مطبوعة جديدة من النص المنسوب لورش عن نافع، تحتوي على علامات الآية الواحدة والعشر، بالخط المغربي.
ب. التغيرات النصية
يسعى إسمال، بعد ذكر خصائص الاثنتين وعشرين مخطوطة، في قسم بعنوان «مشاهدة التغيرات النصية» إلى تتبع التغيرات النصية فيها، من خلال تناول أنواع وأشكال النصوص في الحروف المصوتة أو الممدودة، وكذلك الأشكال الإملائية المتعلقة بالأسماء الخاصة، وقضايا مثل أخطاء النسخ، وأشكال علامات التشكيل (diacritical)، والأشكال التي تؤثر على قواعد اللغة، وأشكال الرسم، وتقسيمات الآيات المختلفة، والتصحيحات المادية للمخطوطات.
ينقل هذا الباحث في البداية قولاً عن ماكنزي مفاده أن أي تاريخ لكتاب – يخضع لتغيرات طباعية ومادية – يجب أن يكون تاريخاً لسوء الفهم. ثم، موافقةً مع جفري، يعتبر التغيرات النصية في القرآن نتاج قمع يهدف إلى تحقيق أهداف تفسيرية أو، بعبارة أخرى، خدمة للتقاليد الأرثوذكسية. ويعتقد أن التغيرات النصية التي جمعها جفري، وبرغشترسر، وإسر، وبرتزل، لم تخضع للتحليل والتقييم. ولهذا السبب، لا يمكن معرفة مقدار التغيرات النصية التي هي نتاج القمع؟ وهل أفلتت تغيرات كبيرة من الكشف والتصحيح في خضم الجهود المختلفة للتوحيد وتحسين النص؟ وكيف يمكن مقارنة التغيرات التي يمكن العثور عليها في المخطوطات مع التغيرات التي يُدعى وجودها في المخطوطات والنقولات الشفوية الموصوفة في الأدبيات الإسلامية؟
لذلك، وبالتمسك باعتقاد ابن خلدون حول عدم مهارة الصحابة في الكتابة وتصديق علماء القرون الوسطى للتغيرات النصية في القرآن حتى في النص العثماني، يعتقد أن نقد النص القرآني ذو أهمية. إن دراسة وتصنيف التغيرات الموجودة في المخطوطات القرآنية، على الرغم من الشكوك، ضرورية لفهم أفضل لتاريخ وأصالة نص القرآن. كما يمكن من خلال تتبع التغيرات النصية تحديد ما إذا كانت التغيرات متعمدة أم غير متعمدة، وتأثيرات المناطق على النص، وتأثيرات التقاليد الشفوية على النص المكتوب.
١. الأنواع الكتابية المتعلقة بالحروف المصوتة الطويلة (المد) في المخطوطات القرآنية
يرى إسمال، بالنظر إلى تطور إملاء الحروف المصوتة «الألف»، «الياء»، و«الواو»، أنها تمثل تطور اللغة العربية، ويمكنها أن تشرح جيداً عملية الانتقال من نظام جزئي إلى نظام صوتي كامل. من وجهة نظر إسمال، فإن توحيد استخدام هذه الحروف هو ظاهرة يمكن ملاحظتها في مخطوطات القرون الثلاثة الأولى للإسلام. استخدام هذه الحروف مقارنة ببقية حروف الرسم متغير جداً؛ بحيث تُحذف، وتُضاف، وأحياناً تُستبدل ببعضها البعض.
في الفترة المبكرة، كانت تُستخدم طرق مختلفة لكتابة الهمزة، والتي أدت في النهاية إلى اختراع وإدراج شكل صامت لهذا الحرف. في البداية، كانت الهمزة تُحذف تماماً. لاحقاً، لإظهارها، كانت تُستخدم حروف «الألف»، «الياء»، أو «الواو». كما كانت في بعض المخطوطات تُستخدم نقاط، غالباً باللون الأخضر، لإظهار نطق الهمزة. وأخيراً، تم ابتكار علامات خاصة لإظهار موقع وكيفية استخدام الهمزة.
يمكن ملاحظة عملية التطور هذه في المخطوطات المتبقية من تلك الفترة. قد تؤثر بعض هذه الأنواع الإملائية على معنى النص. في الحالات التي توجد فيها مثل هذه المسألة، سيتم تناولها بناءً على نوع الحالة المحددة.
١-١. الأنواع المتعلقة بالألف والياء والواو
أكثر الأنواع شيوعاً التي لوحظت في المخطوطات المبكرة هي مجموعة الأنواع المتعلقة بالألف، والتي تظهر مرونة في المراحل المبكرة للخط العربي.
يستدل إسمال بأن المخطوطات القرآنية المبكرة تظهر مرونة إملائية، خاصة في حذف الألف الوسطى، ويتحدى ادعاءات بيستون، وبلاو، وتاكستون بأن مثل هذه الحذوفات كانت معيارية. في المقابل، يُظهر التنوع بين المخطوطات (مثل مخطوطة إسطنبول و BL Or. 2165) حذوفات متناقضة تشير إلى إملاء انتقالي وغير قياسي، بدلاً من قواعد صارمة. أمثلة مثل «قال» (مكتوبة على شكل «قل») تسلط الضوء على مخاطر الغموض التي تُحل بالسياق أو التقاليد الشفوية. ينسب باحثون مثل دروش هذه المسألة إلى الممارسات المبكرة للكتبة، بينما يطرح ريبين مفاهيم لاهوتية (مثل التغيير في الكلام الإلهي مقابل الكلام البشري). يستنتج المؤلف أن هذه الأنواع، حتى قبل توحيد القرن الثامن، تعكس اتفاقيات في طور التكوين، وتأثيرات لهجوية، واختيارات عملية للكتبة.
يواصل إسمال الحديث عن الألف المقصورة أو الألف الخنجرية، ويعتقد أن وجود وتنوع «الألف الخنجرية»، إلى جانب استبدالها بـ«الألف/الياء»، يُظهر أن الإملاء القرآني المبكر كان سائلاً ولم يكن موحداً بعد. هذا المفهوم يتحدى نظرية وجود نص «عثماني» واحد وموحد دون تغيير. الألف الخنجرية هي ألف صغيرة توضع فوق أو تحت الخط في المصاحف المطبوعة، وتشير إلى نطق لا يُصرح به في الرسم. تستخدم نسخة القاهرة 1924 هذا لتقريب النص الافتراضي «العثماني». ومع ذلك، فإن المخطوطات القرآنية المبكرة غالباً ما تفتقر إلى هذه الألفات الخنجرية، بينما تحتوي عليها نسخة 1924. أحياناً، تحتوي المخطوطات القرآنية المبكرة حتى على «ألف» كاملة، بينما تستخدم نسخة 1924 الألف الخنجرية، أو لا يوجد ألف على الإطلاق. هذا التناقض يُظهر أن نسخة 1924 تعتمد على تقاليد لاحقة، وليس فقط على المخطوطات المبكرة، وأن المخطوطات المبكرة كانت أكثر مرونة في تمثيل هذه الأصوات. تُرى أمثلة معاصرة أخرى لهذه الاختلافات في طبعات نصوص حفص وورش؛ أحدهما يسجل الألف كحرف كامل في الخط الرئيسي للنص، بينما يظهره الآخر على شكل ألف خنجرية.
علا: Topkapi, 01-20.x, BNF 332, 333c – سورة إبراهيم، آية 38
على: BNF 332, 333c – سورة إبراهيم، آية 39
يتناول إسمال دراسة إملاء كلمة «على» في المخطوطات القرآنية المبكرة، ويُظهر أن هذه الكلمة كانت تُكتب أحياناً على شكل «علا». ويعتقد أن هذا التغيير الإملائي يمكن أن يشير إلى شكل كتابي أقدم للكلمة يعود أصله إلى اللغة الآرامية، أو أنه مجرد اختلاف إقليمي في الإملاء. ويشير إلى مخطوطات ورد فيها كلا الشكلين «على» و«علا» في صفحة واحدة من النص، مما يدل على أن هذين الشكلين كانا يُستخدمان في نفس الوقت وكإملاء قانوني للكلمة. ويستنتج إسمال أن هذه الأنواع الإملائية هي أمثلة على إملاء مرن في فترة لم يكن فيها الخط العربي الصامت موحداً بدقة بعد.
كما يشير إسمال إلى التغيرات في حرف «الياء» في المخطوطات القرآنية المبكرة. ويناقش أن هذه التغيرات تتجاوز الإملاء المرن وتشمل حذف «الياء» (مثلاً «ليقيموا» بدلاً من «ليقيموا»)، وأخطاء كتابية محتملة، وإدراج «الياء» بدلاً من «الألف». يدرس إسمال عدة تفسيرات ممكنة، بما في ذلك أن هذه التغيرات يمكن أن تشير إلى ديفتونغ، أو نطق إقليمي، أو اتفاق إملائي مؤقت، أو أسلوب تلاوة مفقود. ومع ذلك، فإنه في النهاية يدعم فرضية النطق الإقليمي، لأن التنقيط في المخطوطات تم بشكل ثابت ومتعمد. هذه النتائج تُظهر سيولة الخط القرآني المبكر.
في تتمة التحليل، تُدرس مسألة الهمزة. يستدل إسمال بأن هذا الحرف لم يكن موجوداً في المخطوطات المبكرة وتطور تدريجياً. بعبارة أخرى، كان الإملاء القرآني المبكر يفتقر إلى رمز مميز للهمزة، مما يعكس نطق اللهجة المكية في ذلك الوقت. إضافة الهمزة في مراحل لاحقة، إلى جانب أنظمة التنقيط الأخرى، تشير إلى توحيد نطق معين (شرق عربي). يستشهد إسمال بأدلة مثل عدم وجود الهمزة في المخطوطات المبكرة، والتمثيلات البديلة للهمزة (الألف، الياء)، وحذفها (مثل «أفئدة» إلى «أفدة» أو «آفادة»)، والتطور التدريجي لتنقيط الهمزة. ويعتقد أن حذف الهمزة في المخطوطات المبكرة يُنسب إلى اللهجة المكية، بينما يعكس إدراجها في مراحل لاحقة تأثير اللهجات الأخرى.
٢-١. أنواع الإملاء في الأسماء الخاصة القرآنية
بعد بيان أنواع وأشكال التغيرات الإملائية، أو بعبارة أخرى التغيرات النصية في الحروف المصوتة، يتناول إسمال دراسة التغيرات الإملائية لثلاثة أسماء قرآنية خاصة – إبراهيم، إسماعيل، وإسحاق – في المخطوطات المبكرة ويؤكد على سيولة إملائها. كما يوضح تداعيات هذه التغيرات على عمليات التوحيد اللغوي والكلامي والنصي.
| المصاحف | أنواع الإملاء |
|---|---|
| BL Or, 2165, BNF, BNF 328a, BNF 326a | ابرهم |
| Istanbul, Topkapi, 01-28.1,01-29.1,01–20.x, BNF, 325a, 332, 333c, 334c, 340c, Meknes, BNF 343, 370a | ابرهيم |
| ١٤:٣٥:١٠. 12884, Sharīf, Warsh | ابراهيم |
يحلل إسمال الأنواع النصية لاسم «إبراهيم» ويستفيد من وجهة نظر هوبكنز. يعتقد أن حذف الألف الوسطى كان شائعًا في أوراق البردي والمصاحف الحجازية المبكرة، لكنه أُضيف في النسخ العباسية اللاحقة. قد يشير هذا التغيير إلى تصحيح أخطاء النساخ، أو اختلاف في النطق الإقليمي، أو تعليم لغير الناطقين بالعربية، أو فرض نطق موحد.
يمكن اعتبار المخطوطات الحجازية المبكرة مثل BL Or. 2165 و Paris BNF 328a التي تفتقر إلى الألف الوسطى شاهدًا على هذا الأمر، بينما أُضيفت الألف في المخطوطات المتأخرة مثل المصاحف العباسية.
في هذا السياق، فإن وجهة النظر اللاهوتية-الأيديولوجية جديرة بالاهتمام أيضًا؛ وهي وجهة نظر تسعى إلى خلق نطق «إسلامي» مميز عن النطق المسيحي أو اليهودي. حذف الألف في المخطوطات المبكرة وإضافتها في فترات لاحقة، تزامن مع تشكل الهوية الإسلامية.
لتوضيح حذف أو وجود الياء في اسم إبراهيم، يشير إسمال إلى وجهة نظر حليم (Haleem). يعتقد حليم أن حذف الياء في سورة البقرة يرجع إلى قاعدة ضعف الجذر الثالث في حالة الرفع أو الجر، لكن إسمال يرى هذا التبرير غير كافٍ، لأن الياء موجودة في السور والمخطوطات الأخرى. نص القرآن الحالي في طبعة القاهرة 1924 حذف الياء فقط في سورة البقرة.
يذكر فون دنفر (Von Denffer) بالإشارة إلى السيوطي وابن أبي داود في المصادر الإسلامية أن اسم إبراهيم في مصحف أبي موسى الأشعري كان يُقرأ «ابراهم» (بدون ياء). لدى جفري (Jeffery) وجهة نظر أخرى ويعتقد أن التغيرات الإملائية في اسم إبراهيم تُظهر تطورات جذرية وتأثير اللغات السامية (مثل السريانية). وجود خمسة أشكال إملائية مختلفة في المصادر الإسلامية (مثل ابراهام، ابراهيم، ابرهيم) دليل على هذه المسألة.
| المصاحف | أنواع الإملاء |
|---|---|
| Ismā īl 01-28.1,01-29.1,01–20.x, BL Or. 2165, BNF 325a | اسمعيل |
| Istanbul | اسمعل |
| BL Or. 12884, Sharīf, Warsh | اسمعيل |
يُعتبر «إسماعيل» الاسم الأكثر ثباتًا الذي لوحظ في المخطوطات، حيث لم يُعثر إلا على نسخة واحدة مختلفة من هذا الاسم في المخطوطات التي تمت دراستها. في مخطوطة إسطنبول، ورد اسم إسماعيل بدون ياء (اسمعل). يثير هذا التغيير الإملائي تساؤلات: هل هذا خطأ نسخ؟ هذه الفكرة يدعمها حقيقة أن لا جفري ولا غيره سجلوا مثل هذا التغيير في الأدب القرآني الإسلامي اللاحق. كما يبدو أن هذا التغيير يتعارض مع فكرة وجود جذر سرياني وراء هذه الكلمة. لاحظ مينجانا أن الشكل القرآني الطبيعي لهذا الاسم، والذي يتضمن الياء، يعادل تمامًا شكله السرياني.
| المصاحف | أنواع الإملاء |
|---|---|
| Istanbul, 01-29.1,01-20.x, BL Or. 2165, BNF 325a, 326a, 328a, 330a, 331, 332, ٣٣٤c, 340c, 370a, SamK, Meknes | اسحق |
| BNF 333c | اسحاق |
| BL Or. 12884, Sharīf, Warsh | اسحق |
بناءً على نتائج هذا البحث، فإن غياب الألف في النصوص المبكرة يتناقض مع الأشكال السريانية/العبرية ويشير إلى تطور نطق إسلامي. ينسب مينجانا الشكل القياسي لهذا الاسم إلى التأثير السرياني، بينما تشير الإضافات اللاحقة إلى توحيد إملائي. يلخص إسمال بالإشارة إلى أن آراء أشخاص مثل ريبين، بوين، مينجانا، فيشر، فدلي، وبلاشر، وكذلك بار، تُظهر التغيرات والتنوع الإملائي للأسماء الخاصة في القرآن، والتي تأثرت باللغات السامية السابقة (مثل الآرامية والعبرية) وتطورات التوحيد المتأخرة.
٢. أخطاء النسخ
يتناول إسمال مناقشة مشاهدة الأنواع النصية وأخطاء النسخ أو أخطاء النساخ، ويعتقد أن جميع تقاليد النسخ تحتوي على نسخ هي بوضوح نتيجة لعدم الدقة وعدم انتباه الناسخ. في تقاليد المخطوطات القديمة، كانت عادات الناسخ عادة دقيقة وحساسة للغاية، ولكن في بعض الأحيان كانت تحدث هفوات تؤدي إلى أخطاء. يشير إسمال إلى أمثلة أُضيفت فيها حروف أو غُيّرت أو حُذفت. وهكذا، أُدرجت هنا بعض أمثلة الهابلوغرافيا (haplography) وتغييرات علامات التشكيل (العلامات الصوتية). يشير هوبكنز إلى أن مجموعات المواد العربية المبكرة من جميع الأنواع تُظهر هفوات الناسخ التي تؤدي إلى حذف الحروف وحتى الكلمات. وهذا الأمر، بالإضافة إلى وجود أنواع أخرى من الأخطاء، ينطبق أيضًا على مخطوطات القرآن. ثم يشير إسمال إلى هذه الحالات:
| التوضيح | الكلمة الصحيحة | الكلمة الخاطئة | المخطوطة | الآية/الموضع |
|---|---|---|---|---|
| حرف مسنن إضافي | ولدي | ولددي | مكناس | سورة إبراهيم، الآية 35 |
| حرف مسنن إضافي | السماء | السميا | 01-20.x | سورة إبراهيم، الآية 38 |
| حرف مسنن إضافي | الذي | الذذي | طوب قابي | سورة إبراهيم، الآية 39 |
| حروف إضافية | دعا | الدعا | BNF 370a | سورة إبراهيم، الآية 40 |
| حرف إضافي (احتمالاً ياء مضعفة) | درنني | درنني | إسطنبول | سورة إبراهيم، الآية 40 |
فيما يتعلق بكلمة «درنني»، يشير المؤلف إلى أنه ربما بدلاً من حرف إضافي واحد، يوجد حرفا «ي» متتاليان (ياء مضعفة)، وهو ما يُرى في الإملاء المنقوط للكلمة. ولكن بما أن هذه الحالة ليست شائعة في هذه المخطوطة، فمن المحتمل أن يكون خطأ ناسخ.
| التوضيح | التصحيح | الخطأ الإملائي | المخطوطة | الآية/الموضع |
|---|---|---|---|---|
| استبدال النون بالتاء في اللاحقة | ذريتي | نون بدلًا من لاحقة التاء: ذريني | طوب قابي | سورة إبراهيم، الآية 37 |
| استبدال الباء بالياء | غير | باء بدلًا من الياء: غبر | طوب قابي | سورة إبراهيم، الآية 37 |
| استبدال الزاي بالراء | زرع | زاي بدلًا من الراء: رزع | BNF 334c | سورة إبراهيم، الآية 37 |
| استبدال الجيم بالحاء | المحرم | جيم بدلًا من الحاء: المجرم | BNF 330a | سورة إبراهيم، الآية 37 |
| استبدال الفاء بالقاف | وارزقهم | فاء بدلًا من القاف: وارزفهم | 01-28.1 | سورة إبراهيم، الآية 37 |
| استبدال النون بالياء في نهاية الكلمة | وبني | نون نهائية بدلًا من الياء: وبدن | BNF 328a | سورة إبراهيم، الآية 35 |
| استبدال النون بالياء في نهاية الكلمة | تهوي | نون نهائية بدلًا من الياء: تهون | BNF 334c | سورة إبراهيم، الآية 37 |
| حذف نقطة من اللام | اجعلني | لام بدون نقطة: احعلني | 01-20.x | سورة إبراهيم، الآية 40 |
| الحرف/الحروف المحذوفة | الكلمة الصحيحة | الكلمة الخاطئة (المحذوفة) | المخطوطة | الآية/الموضع |
|---|---|---|---|---|
| باء | تبعنی | تعنی | BL Or. 2165 | سورة إبراهيم، الآية 36 |
| ياء | ليقيموا | لقموا | BNF 326a | سورة إبراهيم، الآية 37 |
| ياء | اسمعيا | اسمعا | إسطنبول | سورة إبراهيم، الآية 39 |
| ياء | اسميع | اسمع | إسطنبول | سورة إبراهيم، الآية 39 |
الهابلوغرافيا (Haplography) أو «الحذف غير المقصود» تشير إلى خطأ في النسخ يتم خلاله حذف جزء من النص بشكل غير متعمد. يوضح هذا الجدول في كل حالة أي حرف أو حروف من الكلمة الأصلية حُذفت في المخطوطة. على سبيل المثال، في الآية 14:36:2، حُذف حرف «ب» من كلمة «تبعنی» وأصبحت «تعنی».
٣. تغييرات علامات التنقيط وتأثيرها على القواعد في مخطوطات القرآن
يتناول إسمال في قسم آخر علامات التشكيل التي يمكن أن تؤثر على القواعد، ويوضح أن المخطوطات القرآنية المبكرة كانت تفتقر إلى الإعراب وعلامات تمييز الحروف. ينسب البعض هذا الأمر إلى معارضات في مسألة التنقيط في العصور المبكرة. أدى غياب الإعراب إلى غموض في قراءة النص وتفسيره. بالطبع، يرى غروندلر (Gruendler) وغرومان (Grohmann) أنه في أقدم نسخ القرآن، كانت علامات الإعراب تُستخدم بشكل منهجي ولكن انتقائي. ما هو واضح هو أنه تدريجياً، ظهرت أنظمة مختلفة لتنقيط وإعراب الحروف، وكانت هذه الأنظمة مختلفة في مناطق مختلفة وبين نساخ مختلفين. بعض هذه التغييرات الإملائية كانت يمكن أن تغير معنى الكلمات والقواعد النحوية. هذا يُظهر أن النساخ كانوا أحياناً يجرون تغييرات لتصحيح النص. ومع ذلك، كانت هذه التغييرات قليلة نسبياً ولم تضر بالمعنى العام للنص بشكل عام. وهذا يدل على أن النساخ كانوا حريصين على الحفاظ على النص الأصلي، ويمكن القول إن هذه الاختلافات في المخطوطات المبكرة ساعدت في تدوين وتوحيد نص القرآن مع مرور الوقت. من خلال دراسة هذه الاختلافات، يمكننا الحصول على فهم أفضل لكيفية تطور نص القرآن.
٤. أنواع وتغيرات الرسم
يواصل إسمال في تتمة بحثه مناقشة أنواع التغيرات النصية، حيث يتطرق إلى التغيرات المتعلقة بالرسم؛ أي التغيرات التي تحدث في النص الصامت. يمكن أن تشمل هذه التغيرات حرفاً واحداً إلى أجزاء طويلة من النص. في الأدب والتقاليد الإسلامية، تم إدراج العديد من هذه الحالات كتغيرات وُجدت في القرآن في القرون الأولى للإسلام. يشير إسمال إلى أن مدرسي وغيليوت قدما قوائم واسعة لأجزاء كان يُعتقد أنها كانت موجودة في القرآن يوماً ما، ولكنها لم تجد طريقها إلى النص القرآني الحالي لأسباب مختلفة. مجموعات التغيرات مثل MQ، MQQ، ومجموعة جفري (Materials for the History of the Text of the Qur’an) تحتوي أيضاً على سجلات كثيرة من الحروف والكلمات وحتى العبارات المتغيرة. ومع ذلك، على الرغم من إدراج عدد كبير من هذه التغيرات في الأدب الثانوي، فإن عدم وجودها في المخطوطات الموجودة أدى إلى طرح فرضيات مختلفة لشرح هذه الاختلافات.
احتوت المخطوطات التي تمت دراستها في هذا البحث على بعض التغيرات في الكلمات، والحروف المضافة والمحذوفة. تم تصنيف هذه التغيرات وتقديمها بناءً على حجمها وتأثيرها على الرسم.
١-٤. توضيح الإملاء
من وجهة نظر إسمال، في مخطوطة إسطنبول، في سورة إبراهيم الآية 41، أُضيفت ألفات إلى كلمتي «الصلوة» و«لِوَلِدَى» ربما لتوضيح النطق أو اتباعاً للرسم الجديد. هذا التغيير في «لِوَلِدَى» يتوافق مع قراءة ابن مسعود. يُقال إن مثل هذا التغيير تم بأمر من زياد بن أبيه (توفي 684 م)، الحاكم الأموي، الذي أمر بإضافة ألفي ألف إلى نص القرآن.
تغيرات مؤثرة في المعنى بسبب إضافة أو حذف الحروف.
في مخطوطة «01-29/1»، سورة إبراهيم الآية 39: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ»، كُتبت كلمة «الكبر» بدلاً من «الكبير». في هذه المخطوطة، يوجد حرف مسنن إضافي في كلمة «الكبر»، والذي من المحتمل جداً أن يكون «ياء» ويحول الكلمة إلى «الكبير» (بمعنى الشيخوخة الكبيرة). قد يكون هذا التغيير متعمداً (للتأكيد على شيخوخة إبراهيم) أو ناتجاً عن خطأ ناسخ. ومع ذلك، فإن طريقة الكتابة الدقيقة تعزز احتمال كونه متعمداً، لأن هذا الشكل شوهد في مواضع أخرى من القرآن. في هذه المخطوطة، كُتب الحرف المضاف بارتفاع مختلف عن الحرف الأول، وهي طريقة شائعة للتمييز بين الحروف المتشابهة. يتم إنشاء هذا التمييز عن طريق تغيير ارتفاع الحروف عند كتابتها بجانب بعضها البعض.
في مخطوطة «01-29/1»، سورة إبراهيم الآية 40: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ»، كُتبت كلمة «دعا» بدلاً من «دعان». في هذه المخطوطة، أُضيف حرف «نون» إلى نهاية كلمة «دعا» وحولها إلى «دعان». هذا التغيير، الذي من المحتمل أن يكون متعمداً، يمكن أن يغير الكلمة من «دعائي» إلى «دعاءنا» ويتوافق مع سياق الآية. شوهد هذا النوع من التغيير في الطروس القرآنية أيضاً. ينقل إسمال عن بنريس إشارته إلى أن هذا الشكل من «دعاني» هو الذي يظهر في سورة البقرة الآية 186 «إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» ويُترجم بمعنى «هو يدعوني». ومع ذلك، هنا بدلاً من استخدام شكل الاسم مع ضمير متصل كمفعول به غير مباشر، استُخدم نفس الشكل كضمير ملكية لجمع المتكلم. هذا الأمر يحول التغيير إلى تصحيح متعمد لتحسين النص من الناحية النحوية، بحيث يتغير التفسير المعتاد «دعائي» إلى «دعاءنا». وُجد هذا النوع من التغيير بتبادل أشكال المفرد والجمع أيضاً في الطروس القرآنية. سجل فدلي مثالين من هذه التغييرات في سورة المائدة الآية 54 في طرس بونامز.
٢-٤. كلمة مختلفة
في مخطوطة القرآن «BNF 370a»، الآية 40 من سورة إبراهيم: «وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ»، في هذه النسخة، كُتبت عبارة «الدعا» بدلاً من «دعا». في هذه المخطوطة، أُضيفت حروف «الـ» إلى كلمة «دعا»، وسبب ذلك غير واضح بدقة. يحتمل بعض الباحثين أن الناسخ قصد التأكيد على هذه الكلمة، بينما يفسر البعض الآخر هذا التغيير بالإشارة إلى أقوال يهودية ومسيحية حول إسماعيل بمعنى «الابن المتبنى». يشير هوبكنز أيضاً إلى الاستخدام النادر لـ«الـ» في أوراق البردي. ومع ذلك، لا يوجد أي من هذه التفسيرات مقنع تماماً، ويبدو أن هذه الإضافة كانت رمزاً ذا معنى غير معروف بالنسبة لنا.
تغييرات الكلمة
تقتصر هذه الفئة من التغييرات على الكلمات المفردة. سيتم مناقشة مجموعات الكلمات والعبارات في فئة منفصلة.
الترادف باستخدام حرف عطف مختلف، الواو بدلاً من الفاء
في مخطوطة «BNF 328a»، سورة إبراهيم الآية 37: «رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ»، في هذه النسخة، كُتبت عبارة «واجعل» بدلاً من «فاجعل». هذا التغيير في حرف العطف من «الفاء» إلى «الواو» يخلق فرقاً في المعنى. إذا استُخدمت «الواو»، تُعطف الجمل والفقرات المتكافئة على بعضها البعض، بينما يشير استخدام «الفاء» إلى تتابع منطقي ونتيجة (بمعنى «ثم»، «لذلك»، أو «بالتالي»). في الآية المعنية، يُظهر استخدام «الفاء» (فاجعل) طلب إبراهيم الصريح، بينما يقدم استخدام «الواو» (واجعل) سبباً آخر لإسكان ذرية إبراهيم. القراءة القياسية بـ«الفاء» تتوافق بشكل أفضل مع النص، والتغيير إلى «الواو» من المحتمل أن يكون ناتجاً عن خطأ ناسخ.
لاحظ راب وداتون أن عكس هذا التغيير (استبدال «الفاء» بـ«الواو») قد حدث أيضاً في نسخ أخرى، ويعتبرانه دليلاً على اختلافات إقليمية بين القراءات السورية والمدنية. كما توجد أمثلة أخرى على التغييرات بين هذين الحرفين العاطفين في نسخ طوب قابي والطروس، مما يدل على أن هذا النوع من التغييرات كان شائعاً في المخطوطات القرآنية المبكرة.
٣-٤. الكلمة المفقودة
في مخطوطة «BNF 340c»، سورة إبراهيم الآية 37: «بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ»، كُتبت عبارة «غير زرعي» بدلاً من «غير ذي زرع». يشرح إسمال هذا التغيير بأن حذف «ذي» من «غير ذي زرع» وإضافة «ياء» إلى «زرع» (تحويلها إلى «زرعي») قد حدث في هذه المخطوطة. ويشير إلى أن حذف «ذي» لا يؤثر كثيراً على المعنى، لكن إضافة «ياء» إلى «زرع» يمكن أن يغير معناها من «البذرة المزروعة» إلى «الأبناء». من المحتمل أن تكون هذه التغييرات ناتجة عن تقادم استخدام «ذي»، أو خطأ ناسخ، أو اتفاقيات أسلوبية معينة. يعتبر إسمال هذه الحالة من أهم أمثلة حذف كلمة في جميع المخطوطات القرآنية، ويدعم من هذه الملاحظة العامة أن نص القرآن في معظم المخطوطات الموجودة مستقر بشكل ملحوظ.
ومع ذلك، يحتوي طرس مينجانا على أمثلة لكلمات مضافة ومحذوفة. الصفحات التي فحصها فدلي من الطرس تحتوي على كلمات وعبارات مختلفة أُضيفت أو حُذفت.
٤-٤. أنواع التبديل
التبديل هو وضع كلمات أو عبارات بجانب بعضها البعض في سطر واحد أو بين سطور النص. في المخطوطات التي تمت دراستها في هذه الدراسة، لم يُلاحظ أي حالة تبديل. ومع ذلك، هناك سجلات تشير إلى أن مثل هذه التبديلات كانت موجودة في القرآن في الماضي. على سبيل المثال، يذكر جفري أنه يُدعى وجود تبديل في سورة إبراهيم الآية 24 في مخطوطة ابن مسعود. بالإضافة إلى ذلك، لوحظت ثلاث حالات تبديل للنص في طرس بونامز في سورة المائدة الآيات 48 و41 و50.
ومع ذلك، فإن إحدى المخطوطات التي تمت دراستها في هذا البحث كان بها جزء كبير من سطر ممحو وأعيدت كتابته. قد يشير هذا الإعادة إلى محاولة لتصحيح خطأ أو تغيير متعمد في النص، على الرغم من أن السبب الدقيق غير واضح. هذه الحالة، على الرغم من عدم ارتباطها المباشر بالتبديل، إلا أنها تُظهر التغييرات التي حدثت في عملية نسخ أو إعادة كتابة النصوص القديمة.
٥-٤. دمج العبارات
يشير دمج العبارات إلى الجمع بين عبارتين مختلفتين في عبارة جديدة. على الرغم من عدم العثور على مثال لهذه الظاهرة في المخطوطات التي تمت دراستها، إلا أنها وردت في رسالة كلامية منسوبة إلى الحسن البصري: «لذلك يتحقق كلام ربك في الكافرين أنهم أهل النار». يبدو أن هذه العبارة هي مزيج من الآية 33 من سورة يونس «أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ» والآية 6 من سورة غافر «أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ». هذه الظاهرة، التي وردت أيضاً في أعمال سيبويه ومجموعات جفري، تُظهر المرونة الأولية في النقل الشفوي للقرآن، والتي اختفت بعد تثبيت النص.
٦-٤. الكلمات الإضافية
من وجهة نظر هذا الباحث، فإن التغييرات في الكلمات والعبارات في المخطوطات القرآنية، والتي يمكن أن تكون متعمدة أو غير متعمدة، تُرى في الطروس أكثر من النسخ القياسية وتتوافق مع تقارير التقاليد الإسلامية حول جمع القرآن. هذه التغييرات، التي اعتبرها فيشر قصصاً دينية، تؤكدها الطروس وتُظهر وجود نسخ أكثر تنوعاً في الفترة المبكرة من انتقال القرآن. عدم وجود هذه التغييرات في النسخ القياسية يدل على محاولة لتوحيد النص والحفاظ على نسخ ذات رسم محدد. وهذا يشير إلى مشروع تحريري أولي وواسع على نص القرآن.
هناك احتمال قاطع بأن مثل هذه التغييرات كانت أكثر شيوعاً في الفترة المبكرة من انتقال القرآن من الفترات اللاحقة. اختفاء هذه التغييرات من مراحل لاحقة من تقاليد النسخ هو دليل على أنها تمثل مرحلة أولية في عملية تحرير وتوحيد نص القرآن.
٥. التنوع في علامات وتقسيم الآيات
في المخطوطات القرآنية المبكرة، توجد علامات لتقسيم الآيات، لكن كانت تُستخدم أنظمة مختلفة لهذا الغرض. على عكس الاعتقاد الشائع، فإن المخطوطات الحجازية، التي تُعتبر من أقدم المخطوطات الموجودة، تحتوي على هذه العلامات. كما أن الطروس احتفظت بهذه العلامات في طبقاتها السفلية من النص، مما يدل على قدم هذه الممارسة في تقاليد كتابة القرآن. أنظمة عد وفصل الآيات في المخطوطات المختلفة كانت تختلف اختلافاً كبيراً عن بعضها البعض ولا تتطابق تماماً مع الأنظمة التي أبلغ عنها شبيتولر. حتى النساخ في الفترات اللاحقة كانوا يغيرون أحياناً أنظمة تقسيم الآيات أو يضيفون إليها أساليب جديدة.
كان لموقع هذه العلامات تأثير مباشر على طريقة تلاوة القرآن، خاصة في الوقف والابتداء. تنوع أنظمة تقسيم الآيات هو شهادة على وجود طرق تلاوة متنوعة في العصور الإسلامية الأولى. في هذا البحث، تم تحليل الطروس كمصادر قيمة لدراسة تاريخ نص القرآن. تُظهر النتائج أن هذه النصوص القديمة تقدم أدلة على نسخ أكثر تنوعاً من القرآن في القرون الهجرية الأولى. التنوع الموجود في الطروس يؤكد على سيولة نصية كبيرة في القرون الأولى من تشكل القرآن.
أدت الجهود الواسعة لتوحيد نص القرآن وطرق قراءته إلى إنشاء أنظمة أكثر تكاملاً في تقسيم الآيات والقراءة. قبل هذا التوحيد، كانت قراءات أكثر تنوعاً للقرآن شائعة، مما يدل على غنى التقاليد الشفوية والمكتوبة للقرآن في تلك الفترة. وفي هذا السياق، قدمت مخطوطات صنعاء، ككنز ثمين، معلومات لا مثيل لها حول تاريخ تطور نص القرآن للباحثين. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من البحث لاستكشاف أدق للمخطوطات المبكرة والطروس، خاصة فيما يتعلق بالطبقات الخفية للنص وعلاماتها.
٦. الإصلاحات المادية للمخطوطات
يواصل هذا المستشرق حديثه عن الإصلاحات الظاهرية في المخطوطات القرآنية، بما في ذلك المحو، وإعادة الكتابة، والإضافات، والكتابة في الهوامش، ويدعي أن هذه التغييرات تشير إلى نص في حالة تطور، وليس نصاً تم تثبيته في مراحله الأولى. يقسم الإصلاحات إلى فئتين: التوحيد المتعمد وأخطاء النساخ غير المقصودة، ويدعي أن العديد من المخطوطات المبكرة تحتوي على أدلة على إصلاحات تبدو متوافقة مع القراءات القياسية.
أهم ادعاء لإسمال في مناقشة الإصلاحات المادية للمخطوطات هو أن وجود هذه الإصلاحات يُظهر أن نص القرآن لم يكن ثابتاً، بل تطور مع مرور الزمن. يعتبر نص طرس مخطوطة صنعاء – الذي تم محوه وإعادة الكتابة عليه – دليلاً على عملية تطور النص. ومع ذلك، يجادل بعض الباحثين الغربيين بأن هذه التغييرات هي مجرد انعكاس لإصلاحات طفيفة في عملية انتقال النص قبل تثبيته النهائي.
ج. نقد وتقييم
بين المستشرقين المعاصرين، يعد تطبيق أساليب نقد الكتاب المقدس في دراسة القرآن ظاهرة واضحة. مع ظهور عصر النهضة وتعزيز العقل النقدي والشك الغربي، خاصة في أعقاب تطبيق المنهج التاريخي-النقدي وفروعه مثل النقد النصي لتحليل النصوص المقدسة، تشكلت فكرة إمكانية تعميم هذه الأساليب على القرآن أيضاً. على هذا الأساس، استُخدم نقد نص الكتاب المقدس كنموذج لتقييم المخطوطات القرآنية القديمة. يُعتبر كيث إسمال في كتابه «نقد النص ومصاحف القرآن» من رواد هذا المجال، حيث تناول هذا الموضوع مع التأكيد على غياب النقد النصي للقرآن في التقاليد الإسلامية. وعلى الرغم من أن جهوده قيمة من حيث تناولها المنهجي للنقد النصي وفحص المصاحف القرآنية، إلا أنها يمكن أن تكون موضع نقد من عدة جوانب، مثل ما يلي:
١. نقد المنهج التاريخي-النقدي
المنهج التاريخي-النقدي، الذي يعد النقد النصي أحد فروعه، واجه دائماً تحديات في تطبيقه لنقد الكتاب المقدس. اليوم، حتى النقاش حول نهايته وعدم فعاليته وعقمه مطروح (Maier, 2001). يعتقد بعض النقاد أن هذا المنهج، على الرغم من ادعائه الموضوعية، يحتوي على تحيزات وافتراضات مسبقة غالباً ما تتجاهل العناصر الماورائية وتقترب من النص بالشك والريبة (Law, 2012). يمكن أن يخلق هذا المنهج فصلاً مصطنعاً بين الكتاب المقدس وكلام الله، وهو نوع من التقسيم لا يوجد حتى في الكتاب المقدس نفسه. في الواقع، يحاول أنصار هذا المنهج تحديد أجزاء من الكتاب المقدس التي يعتبرونها موثوقة وملزمة، وتمييزها عن الأجزاء الأخرى من النص. يتجذر هذا المنهج في الاعتقاد بأن ليس كل أجزاء الكتاب المقدس تتمتع بنفس القدر من المصداقية أو الإتقان، وأن بعض الأجزاء تعكس الرسالة أو الحقيقة الأساسية بشكل أدق من غيرها. ومع ذلك، فإن هذا «الاختيار الدقيق» نفسه هو عملية ذهنية تحمل في طياتها خطر تفتيت وحدة الكتاب المقدس. من ناحية أخرى، من خلال تعريض النص للتشريح النقدي، يميل هذا المنهج إلى إضعاف سلطة ووحدة الكتاب المقدس ويضع العقل البشري كحكم نهائي للحقيقة. بعبارة أخرى، قد يكون المنهج التاريخي-النقدي، الذي تم تطويره للنصوص العلمانية، غير متوافق بشكل أساسي مع طبيعة الكتاب المقدس ككشف إلهي (Lopes, 2005; Lange, 2003). يعتقد بعض الباحثين أيضاً أن هذا المنهج يخلق فجوة بين الجامعة والكنيسة ويعيق الوصول إلى الكتاب المقدس (Lopes, 2005).
في هذا السياق، تناول إسمال النقد النصي. يمكن اعتبار النقد النصي فرعاً مهماً في دراسات الكتاب المقدس والدراسات الأدبية يركز على تقييم وإعادة بناء النصوص الأصلية (Tanselle, 1989; Lapidge, 1991). يشمل هذا المنهج تحديد وإزالة الأخطاء التي تحدث أثناء انتقال النص، خاصة بالنسبة للآثار القديمة التي لا تتوفر نسخها الأصلية (Lapidge, 1991). تبدو هذه العملية ضرورية لتفسير الكتاب المقدس وتساعد العلماء على فهم المعنى والسياق الأصلي (سياق النزول) للنصوص المقدسة (Umaru, 2023). بعبارة أخرى، يوفر النقد النصي أدوات لدراسة الكتاب المقدس العبري ويسمح للباحثين باستعادة النص الأصلي وتحليله (McCarter, 2001). المنهج الذي اختاره كيث إسمال لنقد نص المصاحف القرآنية هو منهج الانتقائية المنطقية (فحص الأدلة الداخلية والخارجية) مقابل الانتقائية الصارمة (الأدلة الداخلية). على هذا الأساس، يحاول الناقد من خلال فحص المخطوطات المختلفة لنص (مصاحف القرآن) اختيار القراءة الأفضل والأكثر منطقية من بينها. إسمال، مثل العديد من المستشرقين المطلعين على دراسات العهدين، يعمم هذا المنهج على المخطوطات القرآنية. من وجهة نظره، لا يمكن لعملية انتقال النص أن تكون محصنة ضد الأخطاء التي وجدت في الكتب المقدسة ومن قبل آباء الكنيسة والمفسرين. لذلك، يمكن للخلفاء والصحابة والتابعين والنساخ والقراء للقرآن أن يسببوا تغييراً وتحدياً في العملية التاريخية للنص.
ومع ذلك، لأسباب عدة لا يمكن تبرير تطبيق النقد النصي على القرآن. أسباب مثل كون القرآن وحياً منزلاً (بخلاف العهدين) (النجم: 4)، وإعجازه البياني (Marafat, 2022)، وآية الحفظ (الحجر: 9)، وتجاهل التقاليد الشفوية، تُظهر أن هذا المنهج غير متوافق مع دراسة نقد نص القرآن. في المقابل، يمكن أن تؤدي طرق مثل تحليل القراءات واختلافاتها، والتحليل التاريخي للمخطوطات المعتبرة، والتحليل اللغوي، ودراسة تواتر القرآن إلى نتائج أفضل. يستخدم إسمال من ناحية منهج الانتقائية المنطقية الذي يتجاهل الأدلة الخارجية مثل النقل الشفوي، ومن ناحية أخرى، في فحص الأدلة الداخلية لا يتناول جميع نسخ القرآن ويفتقر إلى الشمولية اللازمة. لهذا السبب، يبدو بحثه محدوداً وتجريبياً.
٢. التعصب أو التحيز المنهجي
تخصص إسمال في دراسات الكتب المقدسة وتعصبه لأساليب نقد العهدين وشكوكه تجاه طريقة انتقال نص القرآن، يقنعه بالانخراط في نقد نص المخطوطات القرآنية. ادعاؤه الرئيسي هو أنه في مخطوطات القرآن، توجد أنواع نصية كبيرة، مشابهة لما هو موجود في الكتاب المقدس، وهذه الأنواع تتحدى الرواية الإسلامية التقليدية للحفظ الكامل للقرآن. هذا التحيز المنهجي يواجه إسمال بمشاكل أساسية؛ لأنه خلافاً للإنجيل الذي اعتمد على انتقال المخطوطات بدون تقاليد معتبرة، حُفظ القرآن من خلال مزيج من الحفظ (الشفوي) والوثائق (المكتوبة) (Nasser, 2022)، ولم يتناول بشكل كافٍ التفاعل بين النقل الشفوي والمكتوب في صدر الإسلام (Weigelt, 2022)، وبالتالي فإن تركيزه الحصري على المخطوطات لا يؤدي إلى بحث أصيل وشامل. بالإضافة إلى ذلك، وثق العلماء المسلمون منذ فترة طويلة التغييرات النصية من خلال تقاليد القراءة (van Putten, 2021)، مما يلغي عملياً الحاجة إلى نص نقدي انتقائي. يفتقر تحليله إلى الارتباط بالتقاليد الخطية الإسلامية ولا يأخذ في الحسبان التوحيد المبكر للإملاء العربي، ولا ينتقد بشكل كافٍ قيود التأريخ القديم. تُظهر دراسات فرانسوا دروش حول المخطوطات القرآنية المبكرة كيف أن تطور الإملاء لا يساوي فساد النص، بل يعكس النمو الطبيعي للخط العربي.
بعبارة أخرى، يمكن القول إن تطبيق أساليب العهد الجديد على القرآن يتطلب تواريخ نصية قابلة للمقارنة، وهو أمر مشكوك فيه هنا (Dye, 2021)، كما أن عدم الاهتمام بالاختلافات المنهجية الأساسية بين القرآن والعهدين، قد جره إلى هوة التشابه أو المطابقة المنهجية، وكما يشير فرانسوا دروش (قرآنات الأمويين) (Small, 2016)، فإن المخطوطات القرآنية المبكرة تعكس هيكلاً متجانساً ثابتاً (الرسم) في ثقافة تعطي الأولوية للدقة الشفوية (Déroche, 2013). لهذا السبب، فإن نهج إسمال معرض لخطر فرض أطر معرفية خارجية على القرآن. على سبيل المثال، يفسر إسمال التغييرات في استخدام الألف والياء والهمزة كعلامات على عدم استقرار النص، في حين أن التغييرات الإملائية في المخطوطات المبكرة متوقعة ولا تعني غياب تكامل النص. صنف بعض الباحثين مثل فرانسوا دروش هذه التغييرات كجزء من التطور الطبيعي للخط العربي (Déroche, 2009). لم يكن للخط العربي المبكر أي علامة مصوتة قياسية؛ وهذه حقيقة أدركها العلماء المسلمون جيداً. لذا، فإن محاولة إسمال للتشابه مع عدم استقرار نص العهد الجديد مضللة للغاية. كما أن مخطوطة برمنغهام القرآنية (بناءً على تأريخ الكربون 14 تعود إلى منتصف القرن السابع) تُظهر اختلافات إملائية طفيفة، لكنها تتفق مع النسخة العثمانية، وبدلاً من عدم الاستقرار، تُظهر الثبات (Sayoud, 2018).
٣. تجاهل تواتر القرآن
تواتر النص هو أحد أهم الأدلة لإثبات تاريخية وموثوقية القرآن. التواتر في مصطلح علم الأصول وعلم الحديث هو وصف لخبر نقله جمع غفير، جيلاً بعد جيل، بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب والخطأ. على الرغم من أن تواتر القراءات كان موضع شك، إلا أن تواتر القرآن كان دائماً محل اتفاق. على عكس الكتب المقدسة الأخرى، ورث القرآن تواتره على امتداد الزمن. كان المستشرقون حتى ظهور مصحف صنعاء، يؤرخون المخطوطات القرآنية بشكل رئيسي إلى القرن الثالث ويشككون في نسبتها إلى النبي ﷺ، وأشخاص مثل غولدتسيهر، وشاخت، وفانزبرو، وجيرالد هاوتنغ شككوا في مصداقية روايات صدر الإسلام، بينما الشيعة وأهل السنة على حد سواء يعتبرون التواتر بالإجماع هو الطريق الوحيد لإثبات القرآن، لأن روايات اختلاف المصاحف واختلاف القراءات لا يمكن أن تخدش تواتر القرآن. اتفاق صحابة النبي ﷺ على القرآن الذي قدمه عثمان كان بدرجة تجعل بعض أخبار الآحاد مثل مخالفة ابن مسعود لا يمكن أن تخدشها. من ناحية أخرى، اختلاف القراءات لا ينفي التواتر، لأن الاختلاف أولاً في بعض كلمات القرآن، وثانياً فيما يتعلق باختلاف القراءات، يتفق المسلمون على غير الخيارات المختلف فيها، وثالثاً الاختلاف في بعض الكلمات لا يخدش اتفاق المسلمين على أصل المواد القرآنية وهيكل الآيات والسور.
٤. عدم الاهتمام بعلم القراءة
المؤلف، بالإضافة إلى عدم تخصصه في الخط والإملاء العربي وعدم إتقانه للغة العربية الكلاسيكية، غفل أيضاً عن وجود أنواع أو اختلافات في القراءات يمكن أن تساعد في فهم تغيرات النص في المخطوطات القرآنية. يعتقد ريجيس بلاشير، الباحث الفرنسي في القرآن، بوجود تعدد في القراءات في صدر الإسلام. من وجهة نظره، كان اختلاف القراءات في بداية نزول القرآن أحد جوانب اختلاف المصاحف. بعد توحيد المصاحف، أدت عوامل مثل ضعف الرسم الخطي وممارسة الذوق من قبل القراء بشكل جديد إلى ظهور اختلاف القراءات. بعبارة أخرى، كانت قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب تختلف عن قراءة زيد بن ثابت. هذه الاختلافات تحولت تدريجياً إلى قراءات متنوعة. بالإضافة إلى ذلك، يجب الانتباه إلى أن الخط الكوفي الذي كُتب به القرآن في زمن عثمان كان خالياً من النقط والإعراب. مع مرور الوقت، بدأ العلماء في إضافة النقاط وعلامات التشكيل لرفع الغموض في المخطوطات المبكرة. أدى هذا الأمر إلى ظهور نسخ مختلفة من القرآن بقراءات مختلفة. بالطبع، كان الجانب الشفوي للقرآن يمنع إلى حد كبير تعديل المخطوطات، لكن هذا الأمر لم يكن بدون تأثير على سياق المخطوطات القديمة. من ناحية أخرى، اختلاف القراءات الذي لم يكن إشكالياً في التقاليد الإسلامية وكان شائعاً، لم يتطرق إسمال إلى تأثيره على النسخ، وحتى بين أنواع القراءات، غُفلت القراءات الشاذة التي يمكن اعتبارها عوامل تغيير نصي في المخطوطات. تُطلق القراءة الشاذة على القراءة التي لا تستوفي الشروط الثلاثة: موافقة اللغة العربية، وموافقة أحد المصاحف العثمانية، وصحة السند. لذا، فإن أشخاصاً مثل إسمال الذين ليس لديهم معرفة كافية باللغة العربية ومن ناحية أخرى يتجاهلون الأسانيد، يعتبرون هذه القراءات تغييرات ثم ينسبونها إلى التحريف.
٥. الغفلة عن سنة النقل الشفوي
تُعتبر سنة النقل الشفوي للقرآن من زمن النبي ﷺ أحد الجوانب الأساسية للقرآن، وهذه السنة متجذرة في ممارسة التلاوة وحفظ القرآن، واستمرت حتى يومنا هذا. لم يكن حفظ القرآن من خلال النقل الشفوي عملية عشوائية، بل كان جهداً منظماً ومنهجياً شمل مراحل مثل الحفظ الفوري، والتلاوة الواسعة، والنقل من جيل إلى جيل، والتأكيد الجماعي. بينما يصف إسمال منهجه في النقد النصي بأنه انتقائي منطقي ويأخذ في الاعتبار جميع الأدلة الداخلية والخارجية، فإنه يغفل عن النقل الشفوي للقرآن. لأنه مع الأخذ في الاعتبار النقل الشفوي، كما يقر ناصر، كان الشكل الشفوي للقرآن سائلاً وديناميكياً، ويعتقد أنه بقدر ما يتعلق الأمر بالتلاعب أو الإضافة أو الحذف للكلمات، لا يوجد دليل أو شاهد يثبت أن القرآن تعرض لتغييرات متعمدة (Nasser, 2020). يبدو أن القرآن منذ تدوينه في المصاحف المحلية كان «نصاً مغلقاً»؛ وهو موضوع طرحه فريد دونر أيضاً في كتاب «روايات حول أصول الإسلام» (Donner, 1998). إذن، لا يمكن الاهتمام بالتغيرات النصية كما يبالغ فيها إسمال.
٦. عدم الاهتمام بالمناهج متعددة التخصصات في انتقال المخطوطات
بينما تستند العديد من أنشطة المستشرقين القرآنية إلى مناهج متعددة التخصصات أو بينية التخصصات، كما هو الحال من مشروع كوربوس كورانيكوم وأنشطة السيدة أنجليكا نويفرت إلى فرانسوا دروش وحتى ستيفان شوميكر، فإن الاستفادة من هذه المناهج للوصول إلى الحقائق أمر طبيعي وواضح؛ لكنه لا يولي اهتماماً كبيراً للمناهج متعددة التخصصات ويركز فقط على تغييرات المخطوطات والنقد النصي لها. في حين أن دراسة المخطوطات المبكرة تشمل فحص خصائص مثل علم المخطوطات القديمة (paleography)، وعلم المخطوطات (codicology)، وعلم الألوان (color analysis). يركز علم المخطوطات القديمة على تحليل أنماط الكتابة اليدوية والخطوط وأشكال الحروف، ويساعد الباحثين في تأريخ وتحديد مكان المخطوطات. يدرس علم المخطوطات البنية المادية والتنظيمية للمخطوطات، بما في ذلك ترتيب الصفحات، والملازم، والأغلفة، وأي عنصر مضاف مثل الصور أو التذهيب. يحلل علم الألوان تركيبات الحبر والأصباغ وأدوات الكتابة التي استخدمها النساخ، ويقدم أدلة قيمة حول تقنيات الإنتاج والثقافة المادية في ذلك الوقت، وكل منها يعكس زمن ظهور المخطوطات ويتيح تتبع المصاحف القديمة (TC, 2024).
من هذا المنطلق، يُلاحظ أن إسمال، بالتركيز على التغييرات الإملائية والخصائص الظاهرية، يقدم أوصافًا مفيدة لمخطوطات القرآن، لكن تحليله يفتقر إلى الارتباط بالتقاليد الإسلامية. فهو لا يأخذ في الحسبان التوحيد المبكر للإملاء العربي، ولا ينتقد بشكل كافٍ قيود التأريخ القديم.
الخاتمة
بناءً على دراسة وتحليل كتاب «نقد النص ومخطوطات القرآن لكيث إسمال»، وبأسلوب وصفي-تحليلي، يمكن استنتاج أن كيث إسمال في كتابه يواجه انتقادات جادة بسبب استخدامه لأساليب النقد النصي المقتبسة من دراسات الكتاب المقدس. تدور هذه الانتقادات بشكل أساسي حول تجاهل دور التقاليد الشفوية في حفظ القرآن، وتجاهل تواتر القرآن، وعدم الفهم الصحيح للاختلافات الإملائية وعلامات التنقيط، وعدم التمييز بين القراءات المعتبرة والتغييرات النصية غير الصحيحة. إسمال، بالاعتماد على منهج «الانتقائية المنطقية»، فسر التنوعات الموجودة في المخطوطات القرآنية كدليل على عدم استقرار النص الأولي. في حين أن هذه التنوعات ناتجة بشكل أساسي عن تطور الخط العربي، وأخطاء النساخ، والاختلافات المسموح بها في القراءات، ولا تخل بأصالة ووحدة نص القرآن. بالإضافة إلى ذلك، فإن إسمال، بتجاهله الدور المحوري للحفظ والنقل الشفوي للقرآن، اعتمد فقط على مخطوطات محدودة كمصدر أساسي. في النهاية، يبدو أن استخدام أساليب النقد النصي في الدراسات القرآنية يتطلب اهتمامًا أكبر بالخصائص الفريدة لهذا النص، ومراعاة أبعاده المختلفة، بما في ذلك التقاليد الشفوية والسياق التاريخي.
الهوامش
[1] طالب دكتوراه في القرآن والمستشرقين بجامعة المصطفى العالمية، وعضو جمعية القرآن والمستشرقين في الحوزة العلمية، قم، إيران (المؤلف المسؤول).
[2] أستاذ في جامعة المصطفى العالمية، قم، إيران.
[3] أستاذ في مؤسسة الإمام الخميني العليا للتعليم والبحث، قم، إيران.
المصادر والمراجع
1. إسمال، كيث. قرآنات الأمويين: دراسة أولية. 2016 (1395 هـ.ش).
2. أومارو، فيكتور. «أهمية النقد النصي في تفسير الكتاب المقدس». مجلة IJRSI، 10، 23-29. 2023 (1402 هـ.ش).
3. تانسل، غريغ تي. أساس للنقد النصي. منشورات جامعة بنسلفانيا، 2010 (1389 هـ.ش).
4. تركسل، ريتشارد ل. «ما هو النص في النقد النصي؟». مجلة العهد العتيق، 66(4)، 603-626. 2016 (1395 هـ.ش).
5. تي.سي، سميع فضل. «مخطوطات القرآن الكريم: دراسة الفروق التاريخية وطرق انتقال النص». مجلة الأفكار، دراسات إسلامية، 17(1)، 1163-1177. 2024 (1402 هـ.ش).
6. جانستون، سارا. «تاريخ جديد للمكتبات والكتب في العصر الهلنستي». مجلة علم الآثار الكلاسيكي، 33(2)، 347-393. 2014 (1393 هـ.ش).
7. دانر، ج. «نقد ومراجعة كتاب ‘النقد النصي ومخطوطات القرآن’ لكيث إي. إسمال». مجلة دراسات الشرق الأدنى، 73(1)، 166-169. 2014 (1393 هـ.ش). [https://doi.org/10.1086/674909]
8. داي، غابرييل. «مفاهيم وطرق في دراسة القرآن». مجلة أديان، 12(8)، 599. 2021 (1400 هـ.ش).
9. دروشه، فرانسوا. انتقال مكتوب القرآن في بداية الإسلام: مصحف باريس-بطرسبورغ (المجلد 5). منشورات بريل، 2009 (1388 هـ.ش).
10. دروشه، فرانسوا. قرآنات الأمويين: دراسة أولية (صفحة 208). منشورات بريل، 2013 (1392 هـ.ش).
11. سايود، إيج. «تحليل إحصائي لرقائق قرآن برمنغهام ومقارنتها بنسخ صنعاء». المجلة الدولية HDSKD، 4، 101-126. 2018 (1397 هـ.ش).
12. فان بوتن، إيم. «القراءات الإقليمية لـ’دلائل الخيرات’ للجزولي في سنة المخطوطات». مجلة المخطوطات الإسلامية، 12(3-4)، 372-395. 2021 (1400 هـ.ش).
References
1. Dé roche, F. La transmission é crite du Coran dans les dé buts de l’islam: Le codex Parisino-petropolitanus (Vol. 5). Brill. 2009.
2. Dé roche, F. Qur’ans of the Umayyads: A first overview (p. 208). Brill. 2013.
3. Donner, F. [Review of Textual Criticism and Qur’an Manuscripts, by K. E.
4. Small]. Journal of Near Eastern Studies, 73(1), 166-169.https://doi.org/10.1086/674909.2014.
5. Dye, G. Concepts and Methods in the Study of the Qur’an. Religions, 12(8), 599.2021.
6. Fee, G. D. Rigorous or Reasoned Eclecticism-Which?. Studies in New Testament Language and Text, 174-197.1976.
7. Hurtado, Larry W. »Book Review Keith E. Small Textual Criticism and Qur’ān Manuscripts». Scottish Journal of Theology. 68: 114-116. doi:10.1017/S0036930614000283.2015.
8. Johnstone, S. A new history of libraries and books in the Hellenistic Period. Classical Antiquity, 33(2), 347-393.2014.
9. Lange, J. The Roots of Scientific Bible Criticism. Богословські роздуми: Східноєвропейський журнал богослов’я, (1), 61–77.2003.
10. Lapidge, M. Textual criticism and the literature of Anglo-Saxon England. Bulletin of the John Rylands Library, 73(1), 17-46.1991.
11. Law, D. R. The historical-critical method: A guide for the perplexed. 2012.
12. Lopes, A. N. O DILEMA DO MÉTODO HISTÓRICO-CRÍTICO NA INTERPRETAÇÃO BÍBLICA. Fides reformata, 10.2005.
13. Madaniyah, M., & Agustiar, A. Analisis Pengumpulan Al Qur’an dalam Berbagai Periode. AL-MIKRAJ: Jurnal Studi Islam Dan Humaniora (E-ISSN: 2745-4584), 4(02), 895-907. https://doi.org/10.37680/almikraj.v4i02.4970.2024.
14. Maier, G. The end of the historical-critical method. Wipf and Stock Publishers. 2001.
15. Marafat, Muhammad Hadi. The Miracle of the Explanation of the Quran, Al-Mustafa Al-Alamiyah Society Publications, Qom. 2022.
16. Nasser, S. The second canonization of the Qur’an (324/936): Ibn Mujāhid and the founding of the seven readings. Brill. 2020.
17. Nasser, S. H. Variations on a Theme by Muḥammad: Did Literacy Supersede the Orality of the Qur’an?. Dead Sea Discoveries, 29(3), 388-409.2022.
18. Sayoud, H. Statistical Analysis of the Birmingham Quran Folios and Comparison with the Sanaa Manuscripts. HDSKD International Journal, 4, 101-126.2018.
19. Small, K. Qur’ans of the Umayyads: A First Overview.2016.
20. TC, S. F. Holy quranic manuscripts: examining historical variants and transmission methods. al-Afkar, Journal For Islamic Studies, 7(1), 1163-1177.2024.
21. Tanselle, G. T. A rationale of textual criticism. University of Pennsylvania Press. 2010.
22. Troxel, R. L. What is the ‘Text’in Textual Criticism?. Vetus testamentum, 66(4), 603-626.2016.
23. Umaru, V. The Relevance of Textual Criticism in Biblical Interpretation. IJRSI, 10, 23-29.2023.
24. van Putten, M. The Regional Recitations of al-Jazūlī’s Dalā’il al-Hayrat as Reflected in Its Manuscript Tradition. Journal of Islamic Manuscripts, 12(3–4), 372-395.2021).