تفسير هبة النفس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والشبهات المثارة حولها

الملخص

وفقًا للآية الخمسين من سورة الأحزاب التي تبين أحكام زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أُحلّ له أن تهب امرأة نفسها له. وقد اختلف المفسرون في وجه اختصاص هبة النفس بالنبي، والوقوع التاريخي لمثل هذا النكاح، وشروطه. كما أن اختصاص هذا الحكم بالنبي قد مهّد الطريق لإثارة شبهات، منها السعي لتلبية الرغبات النفسانية وسوء استغلال المكانة الاجتماعية. في هذا المقال، ومن خلال المنهج الروائي والرجوع إلى المصادر التاريخية والتفسيرية، تم تناول تفسير الآية ودراسة الشبهات المتعلقة بها استنادًا إلى الشواهد التفسيرية والتاريخية والعقلية. وضمن تبرئة ساحة النبي من اتباع الهوى، اعتُبرت هذه الآية في مقام تصحيح سنة جاهلية في هبة النساء، حيث إن اختصاصها بالنبي واشتراط قبوله يؤكد على حصر تلبية الحاجة الجنسية في إطار الزواج. إن جواز نكاح الهبة المشروط هو نوع من النسخ والإلغاء التدريجي لتلك السنة. هذه الآية شهادة على عفة النبي وسعيه في إبلاغ الرسالة الإلهية.

طرح المسألة

الغريزة الجنسية هي غريزة طبيعية وفيزيولوجية في كيان الإنسان تولّد الحاجة الجنسية والسعي لإشباعها. وإشباع هذه الحاجة في الدين الإسلامي لا يتيسر إلا عن طريق الزواج المشروع (النور: 33). وقد بيّن القرآن الكريم، ضمن أمره بالزواج (النساء: 3)، أحكام زواج الرجال والنساء المسلمات في آيات متعددة (النساء: 3، 22، 25، 127؛ البقرة: 221؛ الممتحنة: 10؛ النور: 3، وغيرها). وبناءً على هذه الأحكام، يجوز لكل رجل مسلم أن يتزوج أربع زوجات من غير المحارم النسبيات والسببيات، وقد حُرّم الجمع بين الأختين كزوجتين (النساء: 23). وفي إطار الأحكام المذكورة، بيّنت الآية 50 من سورة الأحزاب أحكامًا خاصة تتعلق بزواج وزوجات شخص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. ومن جملة أحكام زواجه صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية، بيان أصناف النساء اللاتي يجوز له الزواج بهن. وهؤلاء النساء هن: زوجاته اللاتي آتاهن مهورهن، والإماء اللاتي ملكهن من غنائم الحرب، وبنات عمه وبنات عماته، وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، والمرأة المؤمنة التي تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن أراد أن يستنكحها. إن فلسفة تشريع أحكام خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في مسألة الزواج، كتخصيص بعض الأحكام العبادية كوجوب التهجد وصلاة الليل عليه، تتطلب دراسة خاصة. إلا أن ما جعل دراسة هذه الفقرة من الآية الخمسين من سورة الأحزاب والبحث في حكم هبة النفس الخاص بالنبي ضروريًا، هو إثارة بعض الشبهات ضده صلى الله عليه وآله وسلم، حيث اتُهم بسبب هذا الحكم الخاص بالسعي لتلبية حاجته الجنسية واستغلال مكانته الاجتماعية. وبما أنه لا يوجد بحث أو تأليف مستقل في هذا المجال، فقد وجبت ضرورة تبيين آيات القرآن الكريم والدفاع عن الساحة النبوية المباركة في مواجهة الشبهات، مما استدعى أن نقدم في هذا المقال، في القسم الأول، نظرة تفسيرية لهذه الفقرة من الآية، وفي القسم الثاني، نتناول دراسة الشبهات المثارة حولها.

هدف البحث وأسئلته

الهدف الأساسي لهذا المقال في تفسير هذه الفقرة من الآية الشريفة هو الإجابة عن هذه التساؤلات: ما المراد من هبة النفس من قبل النساء المؤمنات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما هو تفسير هذا الجزء من الآية الشريفة؟ هل لهبة النفس سابقة تاريخية قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل هبة النفس من قبل النساء خاصة بالنبي؟ وما ثمرة اختصاص هذا الحكم به؟ هل هبة النفس أمر مختلف عن الزواج أم هي الزواج نفسه أو نوع منه؟ وفي هذه الحالة، ما هي الفروقات في ألفاظ الوقوع أو سائر الأحكام مع الزواج؟ في القسم الثاني ودراسة الشبهات المثارة ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب حكم هبة النفس الخاص به، سنسعى للإجابة عن هذه الأسئلة: ما علة اختصاص هذا الحكم بالنبي؟ هل هذا الحكم الخاص هو حقًا محاولة لتلبية حاجته الجنسية؟ هل أوجد هذا الحكم حقًا ميزة في تلبية حاجته الجنسية؟ وهل ثبت تاريخيًا استفادة النبي من هذا الحكم الخاص لتلبية حاجته الجنسية؟

خلفية البحث

مصطلح «هبة النفس» مأخوذ من التعبير القرآني «إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ» في الآية 50 من سورة الأحزاب، ويُعبّر عنه أحيانًا بنكاح الهبة، والمراد به النكاح الذي يتحقق بإسقاط المرأة للمهر (الحسيني الجرجاني، 1404هـ، ص 397)، ووفقًا لقول البعض، لا يحتاج إلى رضا الولي والشهود أيضًا (ابن كثير، 1419هـ، ج 6، ص 394؛ الميبدي، 1371هـ، ج 8، ص 69). وقد تناول المفسرون في ذيل هذه الآية الشريفة مباحث متنوعة تفسيرية، تاريخية، روائية، وحتى فقهية في هبة النفس من النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. ونظرًا لارتباط هذا البحث بأحكام الزواج، ومهر النساء، والأحكام الحقوقية المتعلقة به، فقد تناولته الكتب الفقهية والآثار الحقوقية أيضًا (المحقق الكركي، 1408هـ، ج 12، ص 76؛ ابن البراج، 1406هـ، ج 2، ص 200)، والآثار الفقهية تحت عنوان «نكاح التفويض» (الأزهري، د.ت، ج 1، ص 441) أو في أحكام المهر والنكاحات الباطلة (الدسوقي، 1219هـ، ص 315). كما تناولته مصادر التاريخ وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكرت مصاديق النساء اللاتي وهبن أنفسهن له (ابن سعد، 1410هـ، ج 8، ص 119؛ ابن هشام، 1411هـ، ج 6، ص 61). وهذه المسألة أيضًا من المباحث المشتركة في الكتب المتعلقة بخصائص النبي (السيوطي، د.ت، ج 2، ص 429؛ ابن الملقن، 2008، ص 125). وباستثناء المباحث المطروحة في ذيل الآية الشريفة والمصادر المذكورة، لم يُعثر على أي تأليف مستقل، سواء كان كتابًا أو مقالًا، في هذا المجال. من ناحية أخرى، في آثار بعض المثقفين المعاصرين والأفراد الذين ينادون بمعاداة الدين، وبناءً على تفسير خاص للآية 50 من سورة الأحزاب والفقرة المتعلقة بهبة النفس من النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أُثيرت شبهات ضده. وفي خضم هذه الشبهات، فُسّرت هذه الفقرة من الآية الشريفة على أنها محاولة لتلبية الحاجة الجنسية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، واتُهم بالاستغلال السيئ لمكانته القيادية والاجتماعية. ويمكن العثور على سابقة الطرح النقدي لمسألة النساء اللاتي وهبن أنفسهن للنبي في كتاب «ثلاثة وعشرون عامًا» لعلي دشتي (دشتي، د.ت، ص 206). كما طرح مسعود أنصاري هذا الادعاء في كتاب «بازشناسي قرآن» (أنصاري، 1378، ص 285). وتناول كتاب «نقد قرآن» هذه الشبهة أيضًا (سها، 1393، ص 430). يتناول المقال الحالي هذه الشبهة بالتركيز على كتاب «نقد قرآن». وقد فسّرت الدكتورة سها، مؤلفة كتاب «نقد قرآن»، هبة النفس من النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم واختصاص هذا الحكم به على أنه محاولة لتلبية الرغبات النفسانية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وترى أن تلبية الأهواء الشهوانية لشخص، حتى لو كان رسولًا إلهيًا، وفي كتاب يُفترض أن يكون هداية للبشرية جمعاء، أمر غير لائق. ثم استنتجت من هذا الأمر أن القرآن لا علاقة له بالله، وأنه من صنع محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي نسبه إلى الله. إن دراسة كبرى هذا الادعاء خارجة عن موضوع هذا المقال، ولكننا سندرس في القسم الثاني صدق صغرى هذا الادعاء في اعتبار حكم اختصاص جواز هبة النفس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرًا نفسانيًا.

ضمن استعراض آراء المفسرين المختلفين في تفسير الجزء المتعلق بهبة النساء من الآية 50 من سورة الأحزاب، وباستخدام مناهج التفسير النقلي، والاستناد إلى المصادر الروائية والتاريخية، يقدم هذا المقال تفسيرًا لهذه الفقرة من الآية الشريفة، ثم يحلل هذه المسألة تاريخيًا، ويدرس وينقد الشبهات المثارة في هذا المجال بالشواهد التفسيرية والتاريخية والعقلية.

نص الآية

«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا». إن فقرة «وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» هي محور البحث في هذا المقال.

شأن النزول

المسألة التفسيرية الأولى هي: هل لهذه الفقرة الخاصة سبب نزول محدد؟ لم ينقل الواحدي، مؤلف أشهر أثر متخصص في أسباب النزول، ولا الحجتي في كتابه أسباب النزول، أي سبب في هذا المورد. السيوطي في لباب النقول، استنادًا إلى رواية ابن سعد عن عكرمة (ابن سعد، 1410هـ، ج 8، ص 119)، ينسب هذا الجزء من الآية إلى أم شريك الدوسية. ويرى السيوطي أن هبتها قد قُبلت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم (السيوطي، د.ت، ص 161)؛ على الرغم من أنه بناءً على نقل آخر عن ابن سعد، رفض النبي هبة أم شريك (ابن سعد، 1410هـ، ج 8، ص 154). بل بناءً على نقل آخر منه، لم تقع أي هبة من أم شريك أصلًا (المصدر نفسه، ص 155). هذه الاختلافات تضع نزول هذه الآية بشأن أم شريك الدوسية موضع تساؤل. يرى تفسير القمي أن سبب نزول هذه الفقرة هو هبة النفس من امرأة من الأنصار (القمي، 1367هـ، ج 2، ص 195). كما نقل الكليني رواية عن طريق علي بن إبراهيم القمي عن الإمام الباقر عليه السلام، مفادها أن امرأة متزينة من الأنصار جاءت إلى بيت حفصة للقاء النبي، ووهبت نفسها له صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أثقل هذا الأمر على حفصة، فغلظت لتلك المرأة في القول. فأسكت النبي حفصة بعد أن أثنى على تلك المرأة والأنصار ودعا لهن بالخير لحمايتهن للنبي، وأوكل الرد على المرأة إلى أمر إلهي، فنزلت هذه الآية (الكليني، 1407هـ، ج 5، ص 568). تعبير «فأنزل الله الآية» في هذه الرواية يصرح بكون واقعة الهبة سببًا للنزول. وهذه الرواية هي الرواية الوحيدة المنقولة عن مفسري الشيعة بخصوص هذه الآية، ويختلف نقل تفسير القمي والكليني في كون التي عاتبت تلك المرأة الأنصارية حفصة أم عائشة. ومع ذلك، يعتبر المجلسي رواية الكليني حسنة (المجلسي، 1404هـ، ج 20، ص 426). وبالطبع، لم يُذكر في هذه الرواية اسم المرأة التي وهبت نفسها، وبسبب الاختلاف الموجود في كون أم شريك الدوسية أنصارية أم قرشية (ابن حجر العسقلاني، 1415هـ، ج 8، ص 416 و420؛ ابن كثير، 1398هـ، ج 5، ص 364)، فإن اعتبار هذه الواقعة متحدة مع سبب النزول المنقول عن عكرمة يثير التأمل أيضًا. بالنظر إلى الروايات المذكورة، يمكن اعتبار اقتراح هبة النفس من بعض النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سببًا لنزول هذه الفقرة من الآية الخمسين من سورة الأحزاب. وفي الوقت نفسه، بالنظر إلى تتابع هذه الفقرة بعد ذكر ثلاثة أصناف أخرى من النساء الحلال للنبي المكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يبدو من المستبعد أن يكون للآية كلها ومجموع هذه الأحكام شأن نزول واحد يتعلق بهبة امرأة مؤمنة واحدة. ومن ناحية أخرى، ذُكرت مصاديق متعددة لنساء وهبن أنفسهن للنبي، وزمن بعضهن لا يتطابق مع نزول الآية الشريفة. بناءً على ذلك، يمكن أن تكون الحالات المذكورة مصاديق تاريخية لهذه الفئة من النساء التي ينطبق عليها حكم الآية الشريفة.

التفسير

تتناول الآية الخمسون من سورة الأحزاب ذكر النساء اللاتي يجوز للنبي الزواج بهن، وبعطف أصناف مختلفة من النساء، أعلنت حلِّيتهن له (البيضاوي، 1418هـ، ج 4، ص 236). من الناحية النحوية، «وَامْرَأَةً» معطوفة على «أزواجك» التي هي مفعول «أحللنا» في بداية الآية. حلِّيَّة هذه المرأة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية الشريفة، بتعبير «امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا»، مشروطة بعدة شروط. الشرط الأول هو أن تكون المرأة التي تنوي هبة نفسها للنبي مؤمنة. وبهذا القيد، لا تحل المرأة الكافرة وأهل الكتاب على النبي. الشرط الثاني هو أن تبادر المرأة بالهبة، لا أن تُخطب. الشرط الثالث هو رغبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نكاحها والزواج بها. هذه الشروط الثلاثة هي ما صرحت به الآية الشريفة.

1. تفسير «أحللنا لك»

إلى جانب الشروط الثلاثة المذكورة، فإن المسألة الأولى التي يمكن دراستها بشأن النساء الواهبات هي ما المراد من كلمة «أحللنا»، وما الذي أُحِلَّ وجُوِّزَ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المورد؟ في هذه الآية، أُحِلَّ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة أصناف من النساء؛ ففي القسم الأول، أي النساء اللاتي دُفعت مهورهن، أُحِلَّ التمتع المترتب على العقد وإعطاء المهر، وفي القسم الثاني، أي إماء الفيء، أُحِلَّ التمتع وجُوِّزَ أيضًا. أما في القسم الثالث، أي القريبات المهاجرات، فقد أُجيز العقد معهن، والذي يترتب عليه جواز التمتع. وفيما يتعلق بالنساء الواهبات، فإن المراد في النهاية هو حلية التمتع بهن. والسؤال الآن هو: هل هذه الحلية مشروطة بعقد أو شرط غير إرادة النكاح من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ بما أن هذا القسم من الحلائل يبدأ بإظهار الهبة من المرأة وينعقد بإرادة النكاح وقبول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن هذين يُعتبران إيجابًا وقبولًا في عقد النكاح، وتُجرى صيغة الهبة، وتكفي عن العقد ولا حاجة لسائر شروط عقد النكاح مثل رضا الولي، وتعيين المهر، والشهود (ابن كثير، 1419هـ، ج 6، ص 394؛ الميبدي، 1371هـ، ج 8، ص 69). وفي المقابل، يرى بعض المفسرين، مستشهدين بتعبير «إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا»، أنه يجب على النبي أن يريد النكاح، وأن النكاح يحتاج إلى عقد نكاح، وأن الهبة المذكورة من المرأة هي مجرد تعبير عن شوقها ورغبتها في الزواج بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وإسقاط للمهر. في هذه الحالة، يجري عقد النكاح في نكاح الهبة بألفاظ الإيجاب والقبول مثل «زوجتك نفسي هبة أو بلا مهر» و«قبلت الزواج على هذا النحو» الدالة على إسقاط المهر (الحسيني الجرجاني، 1404هـ، ج 2، ص 397). وقد ذكرت الروايات الشيعية أيضًا إسقاط المهر من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نكاح النساء الواهبات (الكليني، 1407هـ، ج 5، ص 388؛ ابن حيون، 1385هـ، ج 2، ص 222)، ولم تشر إلى سقوط عقد النكاح، مما يظهر لزوم صيغة العقد. تبعًا لهذا البحث، طُرح بحث فقهي مفصل في كفاية صيغة الهبة بدلًا من صيغة النكاح لغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد اعتبر بعض الفقهاء، استنادًا إلى «خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ»، نكاح الهبة خاصًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجيزوا النكاح بلفظ الهبة لغيره (الطوسي، 1343هـ، ج 8، ص 353؛ سايس، 1422هـ، ص 645). وفي المقابل، يرى بعض الفقهاء، ومنهم المالكية والحنفية، أن الهبة قبل الزواج من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا لم تكن صيغة الهبة موهمة لإسقاط المهر، فلا مانع من استخدامها بدلًا من صيغة النكاح (الأبي الأزهري، د.ت، ج 1، ص 441؛ الدسوقي، 1219هـ، ص 315؛ ابن عاشور، 1420هـ، ج 21، ص 293). ورغم أننا سنعود إلى تفسير «خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ»، فإن هذا البحث الفقهي خارج عن موضوع هذا المقال.

2. تفسير «امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ»

في الآية 50 من سورة الأحزاب بخصوص النساء الواهبات، استُخدمت كلمة «النبي» مرتين، وبالنظر إلى قيد «مؤمنة» للمرأة الواهبة، يرى بعض المفسرين أن النساء الواهبات كن يضعن في اعتبارهن، عند هبتهن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، مكانته المعنوية وعلاقته الخاصة بربه، وكن يهبن أنفسهن له بدافع إدراك الفيوضات المعنوية، ليتمكنّ من الاقتراب أكثر من الإنسان الكامل والاستفاضة من محضره. كما أن معرفة مكانة النبوة الرفيعة والشخصية الإلهية للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، دفعت بعض النساء المؤمنات الفاهمات إلى الشوق لخدمته وهبة أنفسهن لهذا الغرض (الآلوسي، 1415هـ، ج 12، ص 237). ويمكن أن يكون استخدام عبارة «وَهَبَتْ نَفْسَهَا» قرينة على البعد المعنوي لدافع هؤلاء النساء؛ لأنه لو كان التأكيد على تنازل هؤلاء النساء عن استلام المهر، لكان من المناسب، بقرينة «آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ» في بداية الآية، استخدام تعبير «وَهَبَتْ أَجْرَهَا» أو ما شابه ذلك. وفي مقابل هذا الرأي، يتضح من بعض الروايات أن الحاجة إلى الزواج والزوج كانت دافع بعض النساء الواهبات. ومن ذلك، في رواية عن الإمام الباقر عليه السلام أن امرأة من الأنصار بثياب أنيقة وشعر ممشط، جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالت: يا رسول الله! المرأة لا تخطب الرجل، أنا امرأة لا زوج لي، ومنذ مدة طويلة ليس لي زوج ولا ولد. فإن كنت بحاجة إلى امرأة، وإذا قبلتني، فإني أهب نفسي لك (الكليني، 1407هـ، ج 5، ص 568). وشاهد آخر على هذا الدافع لدى بعض النساء الواهبات هو أنه بعد مدة من عرض بعض هؤلاء النساء حاجتهن، طلب رجل من الصحابة أن يتزوجها، وبسبب فقر ذلك الرجل وعوزه، زوّجهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتعيين تعليم القرآن مهرًا لها (البخاري، 1422هـ، ج 3، ص 164؛ المجلسي، 1403هـ، ج 22، ص 221). بالنظر إلى هذه الشواهد، ومع الأخذ في الاعتبار ظروف حياة النساء، وخاصة النساء المهاجرات أو أرامل الشهداء اللاتي كن يعشن في ديار الغربة بلا مأوى أو سند، وربما كن بحاجة إلى دعم مالي وأمني، يمكن البحث عن دوافع مختلفة للنساء الواهبات.

3. تفسير «إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا»

القيد الثالث المطروح في الآية الشريفة في حلية النكاح مع النساء الواهبات هو إرادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبول النكاح. ولتحليل هذا الشرط، من المناسب إلقاء نظرة على مكانة المرأة، والعلاقة الجنسية، والزواج في الثقافة الجاهلية، ودراسة موقف الإسلام منها، لتتضح فلسفة التصريح بشرط موافقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بناءً على النصوص التاريخية والتحليلية التي كُتبت عن ثقافة العرب الجاهلية، فإلى جانب ثمرتي زيادة النسل وتقوية وتوطيد المودة بين القبائل، اتخذت العلاقة بالمرأة كوسيلة لتلبية الحاجة الجنسية في شبه الجزيرة أشكالًا متعددة، ووجدت أنواع مختلفة من تأمين الحاجة الجنسية بين عرب الجاهلية. نكاح البدل أو مبادلة الزوجات بين رجلين، نكاح الشغار، نكاح بنات الأخ مع بنات الأخ الآخر بلا مهر، نكاح الاستبضاع، نكاح الرهط، نكاح الإخوة، وأمثالها، كانت من طرق تأمين الحاجة الجنسية في عرب الجاهلية (علي، 1422هـ، ج 10، ص 209-214). وقد حصر الإسلام هذا التكثر والتشتت في تأمين الحاجة الجنسية في عقد النكاح الذي له شروط خاصة مثل تعيين ودفع المهر، وباختيار هذا النوع من تأمين الحاجة الجنسية، بالإضافة إلى الاهتمام بالغريزة والحاجة الطبيعية للرجل والمرأة، كرّم مكانة المرأة وكرامتها. في هذا السياق، ووفقًا لعادة من زمن الجاهلية، إذا كانت امرأة تميل إلى رجل وتعشقه – خاصة من كبار العرب – كانت تهب نفسها له وتصبح زوجة له دون أجر أو مهر، ولم يكن للرجل إمكانية رفض هبة المرأة الواهبة (ابن عاشور، 1420هـ، ج 21، ص 293). في المجتمع الإسلامي، بعض النساء، بناءً على العادة الجاهلية، كن يهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتوقعن بذلك الحصول على توفيق الزواج به. وقد اتخذ القرآن الكريم في الآية 50 من سورة الأحزاب موقفًا من هذا النوع من نكاح الهبة المتبقي من الجاهلية. فمن ناحية، وبالنظر إلى النية الحسنة للنساء المؤمنات الواهبات (سواء في إظهار الحاجة إلى زوج أو في اكتساب الفيوضات المعنوية)، أجاز هذا النوع من الهبة فقط في حالة شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولمنع الأضرار المحتملة منه وانتشار الفحشاء بحجة الهبة، منع سريان هذا الحكم إلى غيره (القاسمي، 1418هـ، ج 8، ص 95). ومن ناحية أخرى، وبالنظر إلى المشكلات التي كان من المحتمل أن تنشأ عن القبول الإجباري لهذه الهبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، اشترط تحقيقها بقبول النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وبإعلان هذا الشرط في القرآن الكريم لعامة الناس، رفع عنهم الإهانة وسوء الظن الذي كان ينشأ عن رد هبة النساء الواهبات، وأبطل أيضًا التوقع العرفي بضرورة قبول الهبة، وحرر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ضيق ومشقة قبول هبة النساء الواهبات (القرطبي، 1364هـ، ج 14، ص 210). بناءً على ذلك، فإن هذه الفقرة من الآية الكريمة تسعى لتصحيح إحدى سنن الجاهلية في هبة النساء، وباختصاصها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واشتراطها بقبوله، هي في الواقع تأكيد على حصر المسار العام لتأمين الحاجة الجنسية في عقد النكاح. ويمكن اعتبار جواز مثل هذا النكاح في خصوص شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك أيضًا مشروطًا بإرادته، نوعًا من النسخ والإلغاء التدريجي لسنة الجاهلية في نكاح الهبة؛ شبيه بما فعله الإسلام في مسألة شرب الخمر أو أحكام العبودية، حيث مهّد الطريق لإلغائها تدريجيًا (راجع: معرفت، 1423هـ، ص 174). ومن القرائن التي تقوي هذا الوجه هو أن نكاح الهبة لا يمثل امتيازًا خاصًا لشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأي امرأة إذا أحبت رجلًا، يمكنها بسهولة الوصول إليه بتحديد مهر زهيد جدًا وتأجيله إلى ما بعد النكاح ثم إسقاطه بعد العقد (النساء: 4)، وفي الواقع تتحقق نتيجة نكاح الهبة. إذن، اختصاص نكاح الهبة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في سياق الإلغاء التدريجي وتحديد طرق تأمين الحاجة الجنسية الجاهلية أمر مبرر، واشتراطه بالإرادة النبوية يهدف إلى نفي الحرج والضيق عنه في لزوم قبول الهبة.

4. تفسير «خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ»

في تتمة الآية، قيدت الآية الشريفة بقيد «خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» قبول هبة النساء بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم. لا يوجد منكر لهذه المسألة أن زواج الهبة والنكاح بدون مهر من خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يجوز لأحد سواه (الطبرسي، 1372هـ، ج 8، ص 571؛ الآلوسي، 1415هـ، ج 12، ص 237). وفي نفس الوقت، توجد آراء مختلفة في التركيب النحوي وتفسير فقرة «خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ». اعتبر بعض المفسرين «خَالِصَةً» صفة لمصدر محذوف هو «هبة» (الأندلسي، 1420هـ، ج 8، ص 424؛ المشهدي، 1368هـ، ج 10، ص 412) أو مفعولًا مطلقًا لجملة مقدرة «أحكمنا هذا الحكم يا خلص هذا الحكم خالصًا لك» حيث أضيفت «التاء» للمبالغة وبيان شدة الاختصاص (الگنابادي، 1408هـ، ج 3، ص 251). واعتبر البعض الآخر «خَالِصَةً» حالًا من فاعل «وهبت» أي «امرأة»؛ بمعنى أن فعل الهبة من المرأة الواهبة يتم في حال كون الهبة خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.[1] (البيضاوي، 1418هـ، ج 4، ص 236؛ درويش، 1415هـ، ج 8، ص 36). بناءً على هذين التركيبين، ستكون «خَالِصَةً» قيدًا لحكم هبة النفس، ولهذا السبب اعتبرت عبارة «قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ» في تتمة الآية الشريفة تقريرًا لاختصاص حكم هبة نفس النساء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم (الطباطبائي، 1417هـ، ج 16، ص 235). وقد عُرف هذا التفسير بأنه التفسير المتبادر من الآية الشريفة (الحسيني الجرجاني، 1404هـ، ص 397)، واعتبرت سائر الوجوه الإعرابية غيره ضعيفة (الگنابادي، 1408هـ، ج 3، ص 251). والاحتمال الآخر في «خَالِصَةً» هو أن يكون هذا القيد متعلقًا بـ«أحللنا» في بداية هذه الآية، وليس فقط هبة النفس، بل الأصناف الثلاثة الأخرى من النساء الحلال على النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة به (البيضاوي، 1418هـ، ج 4، ص 236؛ المشهدي، 1368هـ، ج 10، ص 412). وبناءً على بعض روايات أهل البيت عليهم السلام (الكليني، 1407هـ، ج 5، ص 387) ورأي تفسيري منسوب إلى أبي بن كعب (الأندلسي، 1420هـ، ج 8، ص 424)، فإن قيد «خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» يشير إلى إطلاق فعل «أحللنا» في بداية الآية من حيث العدد، وهو في صدد بيان عدم حصر عدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أربع. وبناءً على ذلك، فإن عدم التقييد في عدد الزوجات من الأصناف المذكورة خاص به. يعتقد بعض المفسرين أنه بما أن الله يعلم أن نبيه يراعي حقوق الناس، بما في ذلك زوجاته، ولن يظلمهن أو يجور عليهن، فلا حاجة إلى أحكام تقييدية لعامة المسلمين بالنسبة له. بناءً على ذلك، فإن تشريع أحكام نكاح خاصة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإعلانها في القرآن للناس، يهدف إلى إعلام الناس بمكانة النبي المكرم وتعظيم منزلته عند الله (النخجواني، 1999، ج 2، ص 160). وبهذه الطريقة، يتم تكريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ابن عاشور، 1420هـ، ج 21، ص 297؛ الشوكاني، 1414هـ، ج 4، ص 337)، وهو يستحق هذا التكريم بسبب مكانته النبوية (الآلوسي، 1415هـ، ج 7، ص 204؛ البيضاوي، 1418هـ، ج 4، ص 235؛ شبر، 1407هـ، ج 5، ص 154؛ الزحيلي، 1418هـ، ج 22، ص 61). في احتمالين ضعيفين آخرين، قيل إنه بالنظر إلى عدم شيوع خطبة المرأة للرجل، فإن المراد من «خَالِصَةً لَك» هو حصر جواز خطبة المرأة الواهبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنعها بالنسبة لسائر الرجال (الحسيني الجرجاني، 1404هـ، ج 2، ص 397). أو أن المراد هو اختصاص كفاية صيغة الهبة وعدم الحاجة إلى عقد النكاح في حالة النساء الواهبات للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (سايس، 1422هـ، ص 646). هذان الاحتمالان لتفسير «خَالِصَةً لَك» لا يبدوان صحيحين؛ لأن خطبة المرأة للرجل، وإن كانت خلاف المألوف، لكنها موجودة في المجتمع بشكل مباشر أو بالواسطة. بالإضافة إلى ذلك، فإن اختصاصها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا وجه له. وفي الاحتمال الثاني، فإن انعقاد النكاح بألفاظ الهبة في نكاح الهبة ليس أمرًا مسلمًا به؛ فكما أن البعض، بالاستشهاد بتعبير «إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا»، يرون أن عقد النكاح جارٍ في النساء الواهبات أيضًا (الحسيني الجرجاني، 1404هـ، ج 2، ص 397). علاوة على ذلك، في هذا الاختصاص أيضًا، لا يوجد امتياز أو ميزة تُذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

5. تفسير «لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ»

في تتمة الآية 50 من سورة الأحزاب، استُخدم تعبير «لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ» للتعليل. وقد قدم المفسرون تفاسير مختلفة حول ما إذا كان هذا التعبير مرتبطًا بهبة النفس أم أنه يوضح سبب شيء آخر، ويمكن تقسيمها إلى أربعة آراء. 1- في الرأي الأول والمقبول، نفي الحرج يتعلق بالنساء الواهبات، والجار والمجرور «لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ» متعلق بفعل «أراد» في «إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا». بناءً على هذا التفسير، قبول الهبة من عادات الكرماء، وردها إهانة وموجب لسوء الظن بالواهب. وبالنظر إلى شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم السامية والكريمة، كان نفي هبة الآخرين يسبب له حرجًا، لذا، باشتراط نكاح الهبة للنساء الواهبات بإرادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رفع الله عنه إلزام قبول الهبة، وبإعلانه في القرآن لعامة الناس، أبطل هذا التوقع العرفي، وحرره من ضيق ومشقة قبول هبة النساء الواهبات (القرطبي، 1364هـ، ج 14، ص 210). وهذا الرأي يتوافق أكثر مع التحليل التاريخي لهبة نفس النساء في الثقافة الجاهلية. 2- الرأي الثاني ينفي الحرج في مسألة النساء الواهبات، ويوضح أن الجار والمجرور «لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ» متعلق بـ«خالصة»، والمراد أن حكم جواز نكاح الهبة خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن اختصاص هذا الحكم به شُرع لرفع الضيق والمشقة عنه (الكاشاني، 1336هـ، ج 7، ص 312). بناءً على هذا الرأي، فإن تعيين ودفع المهر أمر شاق؛ خاصة إذا كان، كما قيل، في زمن النبوة، دفعه عند العقد هو المعتاد (مكارم الشيرازي، 1374هـ، ج 17، ص 376)، وبالنظر إلى انشغالات ومسؤوليات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ الرسالة، فإن السعي لتأمين المهر للمرأة الواهبة يمثل مشقة مضاعفة. ومن هنا، وُضع هذا الحكم الخاص له. في هذا الرأي، يُعتبر تقابل كلمتي «إيتاء الأجور» في بداية الآية مع «هبة» في هذه الفقرة، شاهدًا على نفي الحرج في تأمين الأجر (سايس، 1422هـ، ص 646). ويمكن الطعن في هذا الرأي بالنظر إلى إمكانية جعل أمور غير مادية مهرًا، مثل تعليم القرآن، أو هبة المهر المالي بعد العقد من قبل المرأة الواهبة. 3- الرأي الثالث، وهو الأكثر شيوعًا بين المفسرين، يعتبر الجار والمجرور متعلقًا بفعل «أحللنا» في بداية الآية، ويرى نفي الحرج في جميع أحكام زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأصناف الأربعة من النساء، بما في ذلك النساء الواهبات (الطباطبائي، 1417هـ، ج 16، ص 235؛ السبزواري النجفي، 1419هـ، ص 430). بناءً على ذلك، فإن عدم تقييد عدد الزوجات وعدم لزوم المهر في النساء الواهبات هو سبب نفي الحرج عنه (الجصاص، 1405هـ، ج 5، ص 239). ولكيفية نفي الحرج في هذا الرأي تفاسير مختلفة، منها إمكانية أداء الرسالة بشكل أفضل بالاستفادة من أداة الزواج في تبليغ الدين وجذب القبائل إلى الإسلام (الزحيلي، 1418هـ، ج 22، ص 69). 4- في رأي آخر، يُعتبر بيان أحكام نكاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخاصة في القرآن، سببًا لنفي الحرج عنه. في هذا الرأي، يتعلق الجار والمجرور «لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ» بـ«أحللنا» أو ببيان مقدر في هذا التشريع. وفقًا لهذا الرأي، بعد البيان المذكور في الآية الشريفة وتقرير الحل، لا يمكن لأحد أن يتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتجاوز أحكام الزواج العامة، مثل امتلاك أكثر من أربع زوجات أو نكاح الهبة، أو يعتبره مذنبًا؛ لأن هذه الأحكام خاصة به وشُرعت وأُبلغت للعامة عن طريق القرآن الكريم لمنع اعتباره مذنبًا (ابن جزي، 1416هـ، ج 2، ص 155). ويعتقد البعض أيضًا أن تعبير «لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ» هو لكي لا يعتبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه مذنبًا بسبب امتلاكه أحكامًا خاصة تفوق عامة الرجال (ابن عطية، 1422هـ، ج 4، ص 392).

من بين الآراء الأربعة المطروحة أعلاه، يرى الرأيان الأولان أن نفي الحرج يتعلق بهبة النفس، والرأي الأول أكثر توافقًا مع التحليل التاريخي لهبة نفس النساء. وفي الوقت نفسه، فإن الرأيين الثالث والرابع يجريان في نكاح الهبة بشكل ما ويشملانه أيضًا. وبالطبع، ذُكرت بعض الآراء الشاذة أيضًا في تفسير «لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ» (سورآبادي، 1380هـ، ج 3، ص 1989)، والتي يخرج تناولها عن مجال هذا المقال.

الوقوع التاريخي لهبة النفس ونكاح الهبة

بالنظر إلى المباحث المطروحة في تفسير الفقرة المتعلقة بهبة النفس من الآية 50 من سورة الأحزاب، وبغض النظر عن اختلاف المفسرين في متعلق عبارتي «خَالِصَةً لَكَ» و«لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ»، يمكن القول بأن هبة النفس من النساء للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بشرط إرادة نكاح النبي لهن جائزة، وأن حكم نكاح الهبة خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد بُيّن لرفع المشقة والضيق عنه. والسؤال الآن هو: هل وهبت امرأة نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهل وقع نكاح هبة في حياة النبي؟ بالنظر إلى ذكر مسألة هبة النفس في القرآن الكريم، وبالاستناد إلى شأن النزول المذكور في هذا الصدد (السيوطي، د.ت، ص 161) والروايات الواردة في هذا المجال (الكليني، 1407هـ، ج 5، ص 568؛ المجلسي، 1403هـ، ج 22، ص 202)، يبدو أن أصل هبة النفس من بعض النساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر مسلم به، ولكن هناك اختلاف حول ما إذا كان النبي قد قبل هذه الهبة لنفسه وتحقق نكاح الهبة. في رواية عن عكرمة، نُقل قبول هبة امرأة أرملة اسمها أم شريك الدوسية (السيوطي، د.ت، ص 161)؛ على الرغم من أنه بناءً على نقل آخر عن ابن سعد، لم يقبل النبي هبة أم شريك، ولم تتزوج حتى وفاتها (ابن سعد، 1410هـ، ج 8، ص 154). ومن النساء الأخريات اللاتي ورد ذكرهن على أنهن وهبن أنفسهن للنبي: زينب بنت خزيمة، خولة بنت حكيم، ميمونة بنت الحارث، ليلى بنت حطيم، أو امرأة من الأنصار (ابن سعد، 1410هـ، ج 8، ص 151؛ ابن كثير، 1398هـ، ج 6، ص 390؛ الميبدي، 1371هـ، ج 8، ص 61؛ القسطلاني، د.ت، ج 2، ص 329)، ولكن لم يُروَ قبول هبة هؤلاء النساء من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو وقوع نكاح هبة معهن. في المقابل، وبناءً على رواية عن ابن عباس، لم يقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هبة أي امرأة وهبت نفسها له (الطبري، 1412هـ، ج 22، ص 17؛ ابن كثير، 1398هـ، ج 6، ص 394). وقد زوّج بعض هؤلاء النساء مقابل مهر لأصحابه (البخاري، 1422هـ، ج 3، ص 164؛ السيوطي، 1402هـ، ج 5، ص 209؛ الزحيلي، 1418هـ، ج 22، ص 63). ومن ذلك ما رُوي عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أنها وهبت نفسها للنبي فقبلها وزوّجها لزيد بن حارثة (العاملي، 1426هـ، ج 14، ص 62). وقد رُوي ما يشبه هذا النقل عن خولة بنت حكيم (الشامي، 1414هـ، ج 11، ص 233). وحتى في حالة ميمونة بنت الحارث، التي نُقل أنها وهبت نفسها للنبي بعد وفاة زوجها الثاني، تذكر روايات أخرى أن ابن عباس زوّجها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل مهرها أربعمائة درهم، وأن نكاحها لم يكن نكاح هبة (ابن هشام، 1375هـ، ج 2، ص 372؛ ابن سعد، 1410هـ، ج 8، ص 104؛ دروزة، 1421هـ، ج 7، ص 405)، بل إنها عندما كانت على بعيرها وعلمت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الخاطب، أعلنت رضاها بالزواج به بعبارة «البعير وما عليه لله ولرسوله»، وقد فُسّر هذا القول على أنه هبة (الحلبي، 1427هـ، ج 3، ص 92؛ العاملي، 1427هـ، ج 19، ص 210). في مجمل هذه الأقوال، يمكن استنتاج أن نكاح الهبة الذي يكون بدون مهر لم يتحقق من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا تم في بعض الحالات زواج مع امرأة واهبة، فقد كان بتعيين مهر وعقد نكاح عادي. ولعل هذه المسألة يمكن تفسيرها بتقيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحفظ كرامة ومكانة المرأة. ويعتقد بعض المفسرين أيضًا أنه على الرغم من أن الله قد منّ على نبيه وأجاز له أمورًا مثل نكاح الهبة بشكل خاص، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، شكرًا لهذه النعمة، لم يستفد من هذا الامتياز (ابن عاشور، 1420هـ، ج 21، ص 297).

دراسة الشبهة القائمة على تشريع واختصاص هبة النفس بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم

بالنظر إلى التفسير المقدم لفقرة هبة النفس في الآية 50 من سورة الأحزاب، لم يبق أي إبهام في هذه الآية. ومع ذلك، فإن هبة النفس من النساء الواهبات للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتشريع واختصاص حكم جوازها له، فُسّرت من قبل بعض المشككين على أنها اتباع للهوى، واعتبروا هذا الحكم بمثابة استغلال من النبي لمكانته القيادية والاجتماعية (سها، 1393، ص 430). تقوم هذه الشبهة على افتراض أن هبة النفس من النساء للنبي كانت بسبب مكانته الاجتماعية، وأن أي حكم خاص بسبب المكانة الاجتماعية هو استغلال للمكانة. ومن ناحية أخرى، يلقي هؤلاء الأفراد بأن زواج النبي من النساء الواهبات قد حدث في التاريخ، وأن معيار النبي في هذه الزيجات كان جمال النساء الواهبات، واعتبروا هذه المسألة علامة على اتباع الهوى. سها، كغيرها من المشككين في هذا المجال (أنصاري، 1378، ص 285)، لم تقدم أي مستند أو مصدر لاستنتاجها من هذه الآية الكريمة وادعاءاتها في التحقق التاريخي لهذا النوع من النكاح ودوافعه، واكتفت بعبارات لاذعة، دون الالتفات إلى التفسير الصحيح للآية 50 من سورة الأحزاب، وطرحت اتهامات وادعاءات سنتناولها بالدراسة. أحد افتراضات هذه الشبهة هو أن بعض النساء قد وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبهذه الطريقة أصبحن زوجات له. في دراسة هذه المسألة، كما مرّ، فإن أصل هبة النفس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإعلان الاستعداد لنكاح الهبة من بعض النساء، قد ورد في المصادر التاريخية (ابن سعد، 1410هـ، ج 8، ص 151؛ ابن كثير، 1398هـ، ج 6، ص 390؛ الميبدي، 1371هـ، ج 8، ص 61)، وشأن النزول المذكور يؤكد هذا الأمر أيضًا (السيوطي، د.ت، ص 161). وفي الوقت نفسه، لا يوجد تقرير تاريخي مؤكد عن وقوع نكاح هبة، وبعض المصاديق التي قيلت له – مثل ميمونة – لم تكن في الواقع نكاح هبة، بل تمت بتعيين مهر وإجراء صيغة عقد الزواج (ابن هشام، 1375هـ، ج 2، ص 372؛ ابن سعد، 1410هـ، ج 8، ص 104). بناءً على ذلك، وبالنظر إلى عدم تقديم أي مصدر أو شاهد تاريخي من قبل سها على وقوع نكاح هبة، فإن هذا الادعاء غير مقبول، والاتهام المبني عليه باطل أيضًا. الادعاء الآخر في هذه الشبهة هو أن معيار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبول الهبة كان جمال النساء الواهبات ورغبته فيهن، وقد ذكروا هذه المسألة كشاهد على اتباع الهوى (سها، 1393، ص 430). في دراسة هذا الادعاء، يجب القول أولًا إن كون الجمال أحد معايير اختيار الزوجة ليس فقط لا إشكال فيه، بل هو أمر مطلوب، وبسبب فطرة الإنسان المحبة للجمال، لا يمكن اعتباره دليلًا على الشهوانية. ثانيًا، بالنظر إلى عدم الوقوع التاريخي لنكاح الهبة، فمن البديهي أنه لا يوجد قبول للهبة ليكون له معيار أو دليل، وليس فقط هذا الادعاء غير قابل للإثبات، بل إن عدم قبول هبة النساء الواهبات وعدم وقوع نكاح الهبة هو قرينة على رد هذا الادعاء؛ إذ من المستبعد ألا تكون بين هؤلاء النساء الواهبات أي امرأة جميلة. وكما ورد في رواية، فإن امرأة أنصارية تزينت وعرضت نفسها على النبي، لكنه لم يقبلها ودعا لها، وهذا الأمر قرينة على بطلان ادعاء سها. وفي الوقت نفسه، فإن بعض النساء، ومنهن ميمونة بنت الحارث أو خولة بنت حكيم اللاتي وردت روايات عن هبتهن أنفسهن للنبي، كن أرامل ومن المفترض أنهن قد تجاوزن فترة الشباب والجمال. بناءً على ذلك، فإن أساس ادعاء اتباع الهوى في قبول هبة النساء الجميلات منتفٍ. من ناحية أخرى، فإن هذا الادعاء بأن جواز هبة النفس واختصاص هذا الحكم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان لتأمين حاجته الجنسية ورغباته الشهوانية (سها، 1393، ص 430)، لا أساس له من التفسير والأدب، ولا يوجد أي قرينة أو شاهد لفظي أو تاريخي يؤيده. لأنه أولًا، لو كان الهدف من تشريع حكم هبة النفس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو جمال النساء وميل النبي للزواج بهن، فمن الناحية الأدبية، لم تكن هناك حاجة لذكر قيد «مؤمنة» في النساء الواهبات، وكان يجب تهيئة المجال لزواج جميع النساء الجميلات، سواء كن مؤمنات أو غير مؤمنات، وتوسيع هذا الأمر، لا تحديده بقيد «مؤمنة». ثانيًا، لتوسيع تأمين الحاجة الجنسية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، لم تكن هناك حاجة لتشريع جواز هبة النفس له؛ لأن هذا الأمر لا يترتب عليه ثمرة كبيرة، ومع الأحكام الإسلامية في إمكانية تحديد مهر أدنى، وتأخير دفعه إلى ما بعد الزواج، بل وحتى إسقاطه، لم تكن هناك حاجة لتشريع حكم الهبة للتمتع بالنساء الواهبات، وهذا الأمر يوضح أن الهدف الأساسي لهذه الفقرة من الآية الشريفة هو أمر يتجاوز تسهيل وتوسيع الجانب الجنسي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. من الناحية التاريخية أيضًا، فإن هذه الآية وحكم هبة النفس قد بُيّنا في السنوات الأخيرة من عمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشريف، بينما اكتفى في شبابه وأوج قوته الجنسية بزوجة واحدة، وبعد وفاة زوجته الأولى، بقي فترة بدون زوجة. بهذه الأوصاف، فإن ادعاء تأمين الشهوات والأهواء النفسانية من خلال هذا الحكم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم غير صحيح على الإطلاق ويتنافى مع الحقائق التاريخية لحياته. بالإضافة إلى أن عدم وقوع أي نكاح هبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو دليل آخر على بطلان اتهام الشهوانية المنسوب إليه ونقض لادعاء تشريع الفقرة المتعلقة بهبة النفس بهدف تأمين الهوى والرغبة النفسية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. الادعاء الآخر في هذه الشبهة هو أن تشريع هذا الحكم الخاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، بسبب مكانته وموقعه الاجتماعي، والإقبال الذي ستحظى به النساء للزواج به، هو استغلال للمكانة الاجتماعية ومنح امتياز خاص له (سها، 1393، ص 430). في دراسة هذا الادعاء، يجب القول أولًا إن شأن ومنزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تنحصر في مكانته الحكومية والاجتماعية، بل إن منزلته المعنوية أسمى وأكثر جاذبية من مكانته الاجتماعية؛ كما مرّ في بيان دافع بعض النساء الواهبات، كان اكتساب الفيض والافتخار المعنوي لهن أهمية أكبر. ثانيًا، عدم وقوع نكاح هبة الذي يمثل غاية التزام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالأحكام الإسلامية العامة ومراتب شكره على المواهب الخاصة التي منحه الله إياها (ابن عاشور، 1420هـ، ج 21، 297)، يدل على تبرئة ساحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أي استغلال أو استغلال شخصي للدين والأحكام الدينية. ثالثًا، لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحاجة إلى جواز نكاح الهبة للاستفادة من مكانته المعنوية والاجتماعية؛ لأن أي امرأة، إذا رغبت في رجل تريده، يمكنها الوصول إليه بتعيين مهر زهيد وإسقاطه بعد العقد. إذن، هذه الآية لم تمنح النبي صلى الله عليه وآله وسلم امتيازًا خاصًا ولم تخلق احتكارًا حقيقيًا في الزواج بالنساء اللاتي يرغبن في الزواج برجل. إن سر اختصاص هذا الحكم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما مرّ في المباحث التفسيرية، هو أن نكاح الهبة كان أحد طرق تأمين الحاجة الجنسية في الثقافة الجاهلية، وبناءً عليه، كانت هبة المرأة الواهبة مقبولة دائمًا من الناس ولم تكن تُرد. فالقرآن الكريم، بتجويز هذا الحكم الخاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، من ناحية لم يقمع دوافع النساء المؤمنات في اللجوء إلى هذه الطريقة، ومن ناحية أخرى، بحصر طريقة نكاح الهبة في النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أقدم على إلغائها. بالإضافة إلى ذلك، بإضافة شرط رضا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية، واجه سنة جاهلية أخرى في لزوم قبول هبة النفس من الرجل، وبهذه الوسيلة، حرر النبي أيضًا من ضيق القبول الإجباري لهبة النفس.

الخاتمة

الآية الخمسون من سورة الأحزاب والفقرة المتعلقة بالنساء الواهبات، تبين أحكام زواج النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. هذه الآية تناولت النسخ التدريجي لنكاح الهبة، وفي سبيل إصلاح الثقافة الجاهلية في الاستغلال الجنسي للنساء والتأكيد على حصره في الزواج. بالنظر إلى عدم وقوع نكاح هبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على الرغم من وجود هذا الحكم الخاص، وبضميمة التقارير التاريخية الأخرى في زواجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تتبرأ ساحته من شبهة اتباع الهوى، وتتضح عفته وتقواه في مسألة تأمين الحاجة الجنسية.

الهوامش

[1] في احتمال آخر لم يلاحظ في كتب المفسرين، إذا كانت “خالصة” حالًا من “وهبت”، يمكن القول بأن “خالصة لك” تعني أن المرأة وهبت نفسها لك فقط ولا تريد الزواج برجل آخر، ويجب أن تقبل بأنه لا يمكنها الزواج برجل آخر لاحقًا؛ وهو نفس الحكم القائم لنساء النبي الدائميات.

المصادر والمراجع

1. الآلوسي، السيد محمود (1415هـ)، روح المعاني، بيروت: دار الكتب العلمية.

2. ابن البراج الطرابلسي، عبد العزيز (1406هـ)، المهذب، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

3. ابن جزي، محمد بن أحمد (1416هـ)، التسهيل لعلوم التنزيل، بيروت: دار الأرقم بن أرقم.

4. ابن حيون، نعمان بن محمد المغربي (1385هـ)، دعائم الإسلام، قم: مؤسسة آل البيت.

5. ابن سعد (1410هـ)، الطبقات الكبرى، تحقيق محمد عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية.

6. ابن عاشور، محمد بن طاهر (1420هـ)، التحرير والتنوير، بيروت: مؤسسة التاريخ العربي.

7. ابن عطية، عبد الحق بن غالب (1422هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت: دار الكتب العلمية.

8. ابن هشام، عبد الملك (1375هـ)، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا، القاهرة: مكتبة مصطفى البابي وأولاده.

9. ابن هشام، عبد الملك (1411هـ)، السيرة النبوية، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، بيروت: دار الجيل.

10. الأزهري المالكي، صالح عبد الحميد (بلا تاريخ)، جواهر الإكليل شرح مختصر العلامة الخليل، تحقيق محمد عبد العزيز الخالدي، بيروت: دار الكتب العلمية.

11. الأندلسي، أبو حيان محمد بن يوسف (1420هـ)، البحر المحيط في التفسير، بيروت: دار الفكر.

12. البخاري، محمد بن إسماعيل (1422هـ)، صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، مكان النشر غير محدد: دار طوق النجاة.

13. البيضاوي، عبد الله بن عمر (1418هـ)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

14. الجصاص، أحمد بن علي (1405هـ)، أحكام القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

15. الحسيني الجرجاني، سيد أمير (1404هـ)، آيات الأحكام، طهران: انتشارات نويد.

16. الحسيني الشيرازي، سيد محمد (1423هـ)، تبيين القرآن، بيروت: دار العلوم.

17. الحلبي، أبو الفرج (1427هـ)، السيرة الحلبية (إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون)، بيروت: دار الكتب العلمية.

18. دروزة، محمد عزة (1421هـ)، التفسير الحديث، الطبعة الثانية، بيروت: دار الغرب الإسلامي.

19. درويش، محيي الدين (1415هـ)، إعراب القرآن وبيانه، دمشق: دار الإرشاد.

20. الدسوقي، محمد بن أحمد (1219هـ)، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، القاهرة: دار الفكر.

21. الدمشقي، ابن كثير (1398هـ)، البداية والنهاية، بيروت: دار الفكر.

22. الزحيلي، وهبة بن مصطفى (1418هـ)، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، بيروت: دار الفكر المعاصر.

23. سايس، محمد علي (1422هـ)، تفسير آيات الأحكام، بيروت: دار ابن كثير.

24. السبزواري النجفي، محمد بن حبيب الله (1419هـ)، إرشاد الأذهان إلى تفسير القرآن، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.

25. سورآبادي، أبو بكر عتيق بن محمد (1380هـ)، تفسير سورآبادي، طهران: فرهنگ نشر نو.

26. سها (1393هـ)، نقد قرآن، الطبعة الثانية، مكان النشر غير محدد: بينا.

27. السيوطي، جلال الدين (1404هـ)، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، قم: مكتبة آية الله مرعشي.

28. السيوطي، جلال الدين (بلا تاريخ)، لباب النقول في أسباب النزول، تصحيح أحمد عبد الشافي، بيروت: دار الكتب العلمية.

29. شبر، سيد عبد الله (1407هـ)، الجوهر الثمين في تفسير الكتاب المبين، الكويت: مكتبة الألفين.

30. شفا، شجاع الدين (1378هـ)، تولدي ديگر/إيران كهن در هزاره نو، طهران: نشر فرزاد.

31. الشوكاني، محمد (1414هـ)، فتح القدير، دمشق: دار ابن كثير.

32. الصالحي الشامي، محمد بن يوسف (1414هـ)، سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، بيروت: دار الكتب العلمية.

33. الطباطبائي، سيد محمد حسين (1417هـ)، الميزان في تفسير القرآن، الطبعة الخامسة، قم: دفتر انتشارات إسلامي.

34. الطبرسي، فضل بن حسن (1372هـ)، مجمع البيان، طهران: ناصر خسرو.

35. الطبري، محمد بن جرير (1422هـ)، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار المعرفة.

36. الطوسي، محمد بن حسن (1343هـ)، التبيان في تفسير القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

37. العاملي، جعفر مرتضى (1426هـ)، الصحيح من سيرة النبي الأعظم، قم: مؤسسة دار الحديث.

38. العسقلاني، ابن حجر (1425هـ)، الإصابة في تمييز الصحابة، بيروت: دار الكتب العلمية.

39. علي، جواد (1422هـ)، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الطبعة الرابعة، بيروت: دار الساقي.

40. القاسمي، محمد جمال الدين (1418هـ)، محاسن التأويل، بيروت: دار الكتب العلمية.

41. القرطبي، محمد بن أحمد (1364هـ)، الجامع لأحكام القرآن، طهران: ناصر خسرو.

42. القسطلاني، أحمد بن محمد (بلا تاريخ)، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، القاهرة: المكتبة التوفيقية.

43. القمي المشهدي، محمد بن محمد رضا (1368هـ)، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي.

44. القمي، علي بن إبراهيم (1367هـ)، تفسير القمي، قم: دار الكتاب.

45. الكليني، محمد بن يعقوب (1407هـ)، الكافي، تصحيح علي أكبر غفاري، طهران: دار الكتب الإسلامية.

46. الكاشاني، ملا فتح الله (1336هـ)، تفسير منهج الصادقين في إلزام المخالفين، طهران: كتابفروشي محمد حسن علمي.

47. الگنابادي، سلطان محمد (1408هـ)، تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة، بيروت: مؤسسة الأعلمي.

48. المجلسي، محمد باقر (1403هـ)، بحار الأنوار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

49. المحقق الكركي، علي بن حسين (1408هـ)، جامع المقاصد في شرح القواعد، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.

50. محمد، عبد الرحمان عبد الغني (1408هـ)، زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحكمة تعددهن، القاهرة: مكتبة مدبولي.

51. معرفت، محمد هادي (1423هـ)، شبهات وردود حول القرآن الكريم، قم: مؤسسة التمهيد.

52. مغنية، محمد جواد (1424هـ)، تفسير الكاشف، قم: دار الكتاب الإسلامي.

53. مكارم الشيرازي، ناصر (1374هـ)، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية.

54. الميبدي، أبو الفضل رشيد الدين (1371هـ)، كشف الأسرار وعدة الأبرار، الطبعة الخامسة، طهران: أمير كبير.

55. النخجواني، نعمت الله بن محمود (1999هـ)، الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية، القاهرة: دار ركابي للنشر.

Scroll to Top